Полный текст (237 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
[مُقَدِّمَة الْكتاب]
رَبِّ يَسِّرْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عُرِفَ بِابْنِ الْأُخُوَّةِ الْقُرَشِيُّ نَسَبًا وَالشَّافِعِيُّ مَذْهَبًا الْأَشْعَرِيُّ مُعْتَقَدًا تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَغَفَرَ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَرَأَ النَّسَمَةَ وَفَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَسَطَ بِسَاطَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ السَّمَاءَ عَلَيْهَا كَالْقُبَّةِ وَقَسَمَ أَرْزَاقَ الْخَلَائِقِ وَآجَالَهُمْ وَرَتَّبَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مَنْزِلَةً وَرُتْبَةً وَجَعَلَ أَجَلَّ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ مَنْصِبَيْ الْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَخُصُّنَا مِنْهُ بِالْقُرْبَةِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تَمْنَحُنَا مِنْهُ الْجَنَّةَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي كَشَفَ اللَّهُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلَّ كَذِبِيٍّ وَنَصَرَهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ وَقَاوَاهُ كَأَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ صَلَاةً دَائِبَةً تَكُونُ لِقَائِلِهَا أَشْرَفَ نِسْبَةً.
وَبَعْدُ: فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ مُسْتَنِدًا بِهِ إلَى الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ اسْتَنَدَ لِمَنْصِبِ الْحِسْبَةِ وَقُلِّدَ النَّظَرَ فِي مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ وَكَشَفَ أَحْوَالَ السُّوقَةِ وَأُمُورَ الْمُتَعَيِّشِينَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِمَادًا لِسِيَاسَتِهِ وَقَوَامًا لِرِئَاسَتِهِ فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَضَمَّنْتُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَطَرَّزْتُهُ بِالْحِكَايَاتِ وَالْآثَارِ وَنَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى غِشِّ الْمَبِيعَاتِ وَتَدْلِيسِ أَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ مَا يَسْتَحْسِنُهُ مَنْ تَصَفَّحَهُ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَالْعُلُومِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكِتَابَ عُنْوَانُ عُقُولِ الْكُتَّابِ وَجَعَلْتُهُ سَبْعِينَ بَابًا يَشْتَمِلُ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا عَلَى فَصُولٍ شَتَّى.
стр. 2
[الْبَاب الْأَوَّل فِي شَرَائِط الْحَسَبَة وَصِفَّة الْمُحْتَسَب]
الْحِسْبَةُ مِنْ قَوَاعِدِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ أَئِمَّةُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ يُبَاشِرُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ لِعُمُومِ صَلَاحِهَا، وَجَزِيلِ ثَوَابِهَا، وَهِيَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ إذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، وَإِصْلَاحٌ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] .
وَالْمُحْتَسِبُ: مَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ لِلنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَالْكَشْفِ عَنْ أُمُورِهِمْ، وَمَصَالِحِهِمْ.
وَمِنْ شَرْطِ الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا قَادِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْكَافِرُ، وَيَدْخُلَ فِيهِ آحَادُ الرَّعَايَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَأْذُونِينَ، وَيَدْخُلَ فِيهِ الْفَاسِقُ، وَالرَّقِيقُ، وَالْمَرْأَةُ أَمَّا التَّكْلِيفُ، وَلَا يَخْفَى، وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ فَإِنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلْزَمُهُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ
стр. 3
فَأَمَّا إمْكَانُهُ، وَجَوَازُهُ فَلَا يَسْتَدْعِي إلَّا الْعَقْلَ حَتَّى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُرَاهِقَ لِلْبُلُوغِ الْمُمَيِّزَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَلَهُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ، وَلَهُ أَنْ يُرِيقَ الْخُمُورَ، وَيَكْسِرَ الْمَلَاهِيَ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ بِهِ ثَوَابًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَإِنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا كَالصَّلَاةِ، وَالْإِمَامَةِ فِيهَا، وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ، وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوِلَايَاتِ حَتَّى نُشِيرَ هَاهُنَا لِلتَّكْلِيفِ، وَكَذَلِكَ أَثْبَتْنَا لِلْعَبْدِ، وَآحَادِ الرَّعِيَّةِ يَعْنِي فِي الْمَنْعِ بِالْفِعْلِ، وَإِبْطَالُ الْمُنْكَرِ نَوْعُ وِلَايَةٍ، وَسَلْطَنَةٍ، وَلَكِنَّهَا تُسْتَفَادُ بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ كَقَتْلِ الْمُشْرِكِ، وَإِبْطَالِ أَسْبَابِهِ، وَسَلْبِ أَسْلِحَتِهِ فَإِنَّ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ بِهِ فَالْمَنْعُ عَنْ الْفِسْقِ كَالْمَنْعِ عَنْ الْكُفْرِ الْمُنَافِي لِلْإِيمَانِ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نُصْرَةُ الدَّيْنِ فَكَيْفِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ جَاحِدٌ لِأَصِلْ الدَّيْنِ؟ وَعُدُولُهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلْطَنَةِ، وَعِزِّ التَّحْكِيمِ، وَالْكَافِرُ ذَلِيلٌ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَنَالَ عِزَّ التَّحْكِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] .
وَأَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ، وَصَرَامَةٍ، وَخُشُونَةٍ فِي الدِّينِ عَارِفًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِيَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ فَإِنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقُبْحَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ حَسَنٌ» .
وَلَا مَدْخَلَ لِلْعُقُولِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ، وَالْمُنْكَرِ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرُبَّ جَاهِلٍ يَسْتَحْسِنُ بِعَقْلِهِ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، وَيَرْتَكِبُ الْمَحْذُورَ، وَهُوَ غَيْرُ مُلِمٍّ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَكُونُ الْمُحْتَسِبُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ
стр. 4
الشَّرْعِيِّ أَوْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ عَلَى، وَجْهَيْنِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِهِ، وَاجْتِهَادِهِ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ لِيَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الشَّرْعِيَّ رُوعِيَ فِيهِ أَصْلٌ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالشَّرْعِ، وَالِاجْتِهَادَ الْعُرْفِيُّ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْعُرْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وَيُوَضَّحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِتَمَيُّزِ مَا يُسَوَّغُ فِيهِ اجْتِهَادُهُ إذَا كَانَ عَارِفًا بِالْمُنْكَرَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة وَاسِطَة بَيْن أَحْكَام الْقَضَاء وَأَحْكَام الْمَظَالِم]
(فَصَلِّ) قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن عَلَيَّ بْن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ اعْلَمْ أَنَّ الْحِسْبَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ، وَأَحْكَامِ الْمَظَالِمِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَمُقَصِّرَةٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَزَائِدَةٌ عَنْهُ مِنْ، وَجْهَيْنِ فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا جَوَازُ الِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ، وَسَمَاعُهُ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَخْسٍ أَوْ تَطْفِيفٍ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ غِشٍّ أَوْ تَدْلِيسٍ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ أَوْ تَأْخِيرِ دَيْنٍ مُسْتَحَقٍّ مَعَ الْمُكْنَةِ فَإِنَّهَا مُنْكَرَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهَا.
стр. 5
وَاخْتِصَاصُهَا بِمَعْرُوفٍ بَيِّنٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى إقَامَتِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحِسْبَةِ إلْزَامُ الْحُقُوقِ، وَالْمَعُونَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ إذَا، وَجَبَ بِاعْتِرَافٍ، وَإِقْرَارٍ مَعَ مُكْنَةٍ، وَيَسَارٍ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهُ مُنْكَرًا، وَتَعَدِّيًا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا فَأَحَدُهُمَا قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ كَالْعُقُودِ، وَالْفُرُوضِ، وَالْفُسُوخِ، وَالْكَسَاوَى فَلَا تُسْمَعُ الدَّعَاوَى فِيهَا إلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ يَزِيدُ عَلَى إطْلَاقِ الْحِسْبَةِ فَيَجُوزُ، وَيَصِيرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَامِعًا بَيْنَ قَضَاءٍ، وَحِسْبَةٍ فَيُرَاعَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا أَمَّا مَا يَدْخُلُهُ التَّنَاكُرُ، وَالتَّجَاحُدُ فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَالنَّظَرِ فِي الشُّهُودِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْقُضَاةِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعْدٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَشْتَكِي، وَلَوْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي لِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَنْصِبِ وِلَايَتِهِ، وَصَارَ مُتَجَوِّزًا فِي قَاعِدَةِ نَظَرِهِ.
وَالثَّانِي: فَإِنَّ لِلنَّاظِرِ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ سَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُنْكَرَاتِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ؛ لِأَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الرَّهْبَةِ، وَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالسَّلَاطَةِ، وَالْغِلْظَةِ
стр. 6
تَجَوُّزًا فِيهَا، وَلَا خَرْقًا فِي مَنْصِبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَبْحَثَ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا، وَيَتَفَحَّصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْحِسْبَةِ، وَالْمَظَالِمِ فَبَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ، وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ، أَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مِنْ، وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَقُوَّةِ الصَّرَامَةِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ لِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إلَى إنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمَا رُفِعَ عَنْهُ الْقُضَاةُ.
[مَسْأَلَة الْفَرَق بَيْن الْمُحْتَسَب الْمُتَوَلِّي مِنْ السُّلْطَان وَبَيْن الْمُنْكَر الْمُتَطَوِّع]
وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْمُحْتَسِبِ الْمُتَوَلِّي مِنْ السُّلْطَانِ، وَبَيْنَ الْمُنْكِرِ الْمُتَطَوِّعِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فَرْضَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَفَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ دَاخِلٌ تَحْتَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسِبِ بِهِ مِنْ حُقُوقِ تَصَرُّفِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، وَقِيَامُ الْمُتَطَوِّعِ بِهِ مِنْ نَوَافِلِ عَمَلِهِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِلِاسْتِعْدَاءِ إلَيْهِ فِيمَا يَجِبُ إنْكَارُهُ، وَلَيْسَ الْمُتَطَوِّعُ مَنْصُوبًا لِلِاسْتِعْدَاءِ.
الرَّابِعُ: عَلَى الْمُحْتَسِبِ إجَابَةُ مَنْ اسْتَعْدَاهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ إجَابَتُهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَعْوَانًا لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ، وَإِلَيْهِ مَنْدُوبٌ، وَلِيَكُونَ لَهُ أَقْهَرَ، وَعَلَيْهِ أَقْدَرَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَتَّخِذَ لِذَلِكَ أَعْوَانًا.
السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهَا الْحُدُودَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ.
السَّابِعُ: أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى حِسْبَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى إنْكَارِ مُنْكَرٍ.
الثَّامِنُ: أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ
стр. 7
كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ فَيُقِرُّ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ، فَهَذِهِ وُجُوهُ فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ يَحْتَسِبُ بِوِلَايَةِ السُّلْطَانِ، وَبَيْنَ مَنْ يَحْتَسِبُ تَطَوُّعًا.
[فَصَلِّ أَوَّل مَا يُجِبْ عَلَى الْمُحْتَسَب]
(فَصَلِّ) أَوَّل مَا يَجِب عَلَى الْمُحْتَسِب أَنْ يَعْمَل بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِفِعْلِهِ فَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى فِي ذَمِّ بَنْيِ إسْرَائِيل ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ فَقُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِك الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ» .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ لَمَّا نَهَى قَوْمَهُ عَنْ بَخْسِ الْمَوَازِينِ، وَنَقْصِ الْمَكَايِيلِ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] ، وَلَا يَكُونُ كَمَا قِيلَ شِعْرٌ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ، وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ.
[فَصَلِّ وَيُجِبْ عَلَى الْمُحْتَسَب أَنْ يَقْصِد بِقَوْلِهِ وَفَعَلَهُ وَجْه اللَّه تَعَالَى]
(فَصَلِّ) وَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِب أَنْ يَقْصِد بِقَوْلِهِ، وَفِعْله وَجْه اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ خَالِصَ النِّيَّةِ لَا يَشُوبُهُ فِي طَوِيَّتِهِ رِئَاءٌ، وَلَا مِرَاءٌ، وَيَتَجَنَّبَ فِي رِئَاسَتِهِ مُنَاقَشَةَ الْخَلْقِ، وَمُفَاخَرَةَ أَبْنَاءِ الْجِنْسِ لِيَنْشُرَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِدَاءَ الْقَبُولِ، وَعِلْمَ التَّوْفِيقِ، وَيَقْذِفَ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَهَابَةً، وَجَلَالَةً، وَمُبَادَرَةً إلَى قَوْلِهِ بِالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ فَقَدْ قَالَ: ﷺ «مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ شَرَّهُمْ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَكَلَهُ إلَيْهِمْ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ» .
فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ
стр. 8
أَتَابِكَ سُلْطَانَ دِمَشْقَ طَلَبَ مُحْتَسِبًا فَذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَلَمَّا نَظَرَهُ قَالَ إنِّي وَلَّيْتُك أَمْرَ الْحِسْبَةِ عَلَى النَّاسِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ: إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرَّاحَةِ، وَارْفَعْ هَذَا الْمَسْنَدِ فَإِنَّهُمَا حَرِيرٌ، وَاخْلَعْ هَذَا الْخَاتَمَ فَإِنَّهُ ذَهَبٌ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» قَالَ فَنَهَضَ السُّلْطَانُ عَنْ طَرَّاحَتِهِ، وَأَمَرَ بِرَفْعِ الْمَسْنَدِ، وَخَلَعَ الْخَاتَمَ مِنْ أُصْبُعِهِ، وَقَالَ ضَمَمْت إلَيْك النَّظَرَ فِي أُمُورِ الشُّرْطَةِ فَمَا رَأَى النَّاسُ مُحْتَسِبًا أَهَيْبَ مِنْهُ قُلْت، وَهَذَا لَمَّا قَلَّدَ الْمُحْتَسِبَ، وَوَجَدَ الْمَحَلَّ قَابِلًا لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قَالَ ﷺ : «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ أَوْ مَكْرُوهًا يُصِيبُهُ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ.
[فَصَلِّ يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مُوَاظَبًا عَلَى سُنَن رَسُول اللَّه ﷺ ]
(فَصَلِّ) وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُون مُوَاظِبًا عَلَى سُنَن رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ قَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَظَافَةِ الثِّيَابِ، وَتَقْصِيرِهَا، وَالتَّعَطُّرِ بِالْمِسْكِ، وَنَحْوِهِ، وَجَمِيعِ سُنَنِ الشَّرْعِ، وَمُسْتَحَبَّاتِهِ هَذَا مَعَ الْقِيَامِ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي عَدَالَتِهِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ بِمَدِينَةِ غَزْنَةَ يَطْلُبُ الْحِسْبَةَ فَنَظَرَ السُّلْطَانُ فَرَأَى شَارِبَهُ قَدْ غَطَّى فَاهُ مِنْ طُولِهِ، وَأَذْيَالَهُ تُسْحَبُ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ امْضِ، وَاحْتَسِبْ عَلَى نَفْسِك ثُمَّ عُدْ، وَاطْلُبْ الْحِسْبَةَ عَلَى النَّاسِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ مُتَوَرِّعًا عَنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُتَعَيِّشِينَ، وَأَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ
стр. 9
رِشْوَةٌ.
وَقَدْ قَالَ: ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ، وَالْمُرْتَشِيَ» ؛ وَلِأَنَّ التَّعَفُّفَ عَنْ ذَلِكَ أَصْوَبُ لِعِرْضِهِ، وَأَقْوَمُ لِهَيْبَتِهِ.
وَمِنْ آدَابِهِ تَقْلِيلُ الْعَلَائِقِ، رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سِنَّوْرٌ، وَكَانَ يَأْخُذُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ قَصَّابٍ شَيْئًا لِغِذَائِهِ فَرَأَى عَلَى الْقَصَّابِ مُنْكَرًا فَدَخَلَ الدَّارَ، وَأَخْرَجَ السِّنَّوْرَ ثُمَّ جَاءَ، وَاحْتَسَبَ عَلَى الْقَصَّابِ فَقَالَ الْقَصَّابُ: لَا أُعْطِيك بَعْدَ الْيَوْمِ لِلسِّنَّوْرِ شَيْئًا فَقَالَ الشَّيْخُ: مَا احْتَسَبْت عَلَيْك إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِ السِّنَّوْرِ، وَقَطْعِ الطَّمَعِ مِنْك، وَيُلْزِمُ غِلْمَانَهُ، وَأَعْوَانَهُ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا تَتَطَرَّقُ التُّهَمُ إلَى الْمُحْتَسِبِ مِنْ غِلْمَانِهِ، وَأَعْوَانِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَخَذَ رِشْوَةً أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً صَرَفَهُ عَنْهُ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الظُّنُونَ، وَتَتَخَلَّى عَنْهُ الشُّبُهَاتُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَزْيَدُ لِتَوْقِيرِهِ، وَأَتْقَى لِلْمَطْعَنِ فِي دِينِهِ.
[فَصْلٌ عَلَى الْمُحْتَسَب أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لِين الْقَوْل عِنْد الْأَمْر وَالنَّهْي]
(فَصَلِّ) وَلْيَكُنْ شِيمَته الرِّفْق، ولين الْقَوْل، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَسُهُولَةُ الْأَخْلَاقِ عِنْدَ أَمْرِهِ النَّاسَ، وَنَهْيِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ، وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَلِأَنَّ الْإِغْلَاظَ فِي الزَّجْرِ رُبَّمَا أَغْرَى بِالْمَعْصِيَةِ، وَالتَّعْنِيفُ بِالْمَوْعِظَةِ يُنَفِّرُ الْقُلُوبَ.
حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكِرٍ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: يَا هَذَا إنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك لِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي فَقَالَ لِمُوسَى، وَهَارُونَ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَنَالُ بِالرِّفْقِ مَا لَا يَنَالُ بِالتَّعْنِيفِ كَمَا قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى التَّعْنِيفِ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 10
[الْبَاب الثَّانِي فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر]
ِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ هُوَ الْقُطْبُ الْأَعْظَمُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ الْمُهِمُّ الَّذِي ابْتَعَثَ اللَّهُ بِهِ النَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِلَ عَمَلُهُ، وَعِلْمُهُ لَتَعَطَّلَتْ النُّبُوَّةُ، وَاضْمَحَلَّتْ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتْ الْفَتْرَةُ، وَفَشَتْ الضَّلَالَةُ، وَشَاعَتْ الْجَهَالَةُ، وَانْتَشَرَ الْفَسَادُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ، وَخَرِبَتْ الْبِلَادُ، وَهَلَكَ الْعِبَادُ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِالْهَلَاكِ إلَى يَوْمِ التَّنَادِي، وَقَدْ كَانَ الَّذِي خِفْنَا أَنْ يَكُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ إذْ قَدْ انْدَرَسَ مِنْ هَذَا الْقُطْبِ عَمَلُهُ، وَعِلْمُهُ فَانْمَحَقَ بِالْكُلِّيَّةِ حَقِيقَتُهُ، وَرَسْمُهُ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَى الْقُلُوبِ مُدَاهَنَةُ الْخَلْقِ، وَانْمَحَقَتْ عَنْهَا مُرَاقَبَةُ الْخَالِقِ فَاسْتَرْسَلَ النَّاسُ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالشَّهَوَاتِ اسْتِرْسَالَ الْبَهَائِمِ، وَعَزَّ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَمَنْ سَعَى فِي تَلَافِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، وَسَدِّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ إمَّا مُتَكَلِّفًا بِعِلْمِهَا أَوْ مُتَقَلِّدًا لِتَنْفِيذِهَا مُجَرِّدًا عَزِيمَتَهُ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الدَّاثِرَةِ نَاهِضًا بِاعْتِنَائِهَا، وَمُشَمِّرًا فِي إحْيَائِهَا كَانَ مُسْتَأْثِرًا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِاحْتِسَابِهِ، وَمُسْتَنِدًا بِقُرْبَةٍ يَنَالُ بِهَا دَرَجَاتِ الْقُرْبِ دُونَ أَجْنَاسِهِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَقَدْ، وَرَدَتْ فِيهِ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
стр. 11
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ٧١] فَقَدْ نَعَتَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] ، فَقَرَنَ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ فِي نَعْتِ الصَّالِحِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وَهَذَا أَمْرُ جَزْمٍ، وَمَعْنَى التَّعَاوُنِ: الْبَحْثُ عَلَيْهِ، وَتَسْهِيلُ طَرِيقِ الْخَيْرِ، وَسَدُّ سَبِيلِ الشَّرِّ، وَالْعُدْوَانِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] الْآيَةَ، وَالْإِصْلَاحُ نَهْيٌ عَنْ الْبَغْيِ، وَانْقِيَادٌ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِ فَقَالَ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ، وَذَلِكَ هُوَ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فِيهَا فَمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، وَخَلِيفَةُ كِتَابِهِ» .
وَعَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ قَالَتْ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَأَوْصَلُهُمْ» .
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]
стр. 12
وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَا مِنْ قَوْمٍ عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي، وَفِيهِمْ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ إلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ» .
وَرَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ يَا ثَعْلَبَةُ مُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك بِنَفْسِك، وَدَعْ الْعَوَامَّ إنَّ مِنْ، وَرَائِكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهَا بِمِثْلِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قِيلَ: بَلْ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بَلْ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا، وَلَا يَجِدُونَ عَلَيْهِ أَعْوَانًا» .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك لَتَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْءٌ إلَّا عَمِلْنَا بِهِ، وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ الْمُنْكَرِ شَيْءٌ إلَّا انْتَهَيْنَا عَنْهُ لِمَ نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ؟ ، وَلِمَ نَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ؟ فَقَالَ: ﷺ مُرُو بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ لَمْ تَنْهَوْا عَنْهُ كُلِّهِ» .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَفْضَلُ الْجِهَادِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْفَاسِقَ، وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اللَّهُ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ظَالِمًا لَا يُجِلُّ كَبِيرَكُمْ، وَلَا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ، وَيَدْعُو أَخْيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ، وَتَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يُغْفَرُ لَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونَ فَلَا تُنْصَرُونَ.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَأَنْ يَكُونَ جِيفَةَ حِمَارٍ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مُؤْمِنٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: سَمِعْت
стр. 13
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ لَا يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ، وَبِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ لَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ» .
وَقَالَ ﷺ : «إيَّاكُمْ، وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ. قَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا ذَلِكَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ، قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ» .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «عُذِّبَ أَهْلُ قَرْيَةٍ فِيهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا عَمَلُهُمْ عَمَلُ الْأَنْبِيَاءِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَغْضَبُونَ لِلَّهِ، وَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ لَمَّا نَهَى قَوْمَهُ ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] .
وَقَالَ ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٣] .
وَقَالَ: ﷺ «لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا رَفِيقٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ رَفِيقٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ حَكِيمٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَكِيمٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ فَقِيهٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ فَقِيهٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مُطْلَقًا بَلْ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ.
وَأَوْصَى بَعْضُ السَّلَفِ بَنِيهِ، وَقَالَ: إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ، وَلْيَثِقْ بِالثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ وَثِقَ بِالثَّوَابِ لَمْ يَجِدْ مَسَّ الْأَذَى فَأَدَبٌ مِنْ آدَابِ الْحِسْبَةِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ، وَلِذَلِكَ قَرَنَ اللَّهُ الصَّبْرَ حَاكِيًا عَنْ لُقْمَانَ ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
[مَسْأَلَة مِنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلِيُغَيِّرهُ]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَيْنٍ رَأَتْ مُنْكَرًا أَوْ مَعْصِيَةً لِلَّهِ فَلَمْ تُغَيِّرْهُ إلَّا أَبْكَاهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَ، وَلِيًّا لِلَّهِ» .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» .
وَقَالَ
стр. 14
الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «أَفْضَلُ شُهَدَاءِ أُمَّتِي رَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَقَتَلَهُ عَلَى ذَلِكَ فَذَلِكَ الشَّهِيدُ مَنْزِلَتُهُ فِي الْجَنَّةِ بَيْنَ حَمْزَةَ، وَجَعْفَرٍ» .
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي قَالَ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ النُّورِيُّ رَجُلًا قَلِيلَ الْفُضُولِ لَا يَسْأَلُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يُفَتِّشُ عَمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَكَانَ إذَا رَأَى مُنْكَرًا غَيَّرَهُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ تَلَفُهُ فَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ إلَى مَشْرَعَةٍ تُعْرَفُ بِمَشْرَعَةِ الْفَحَّامِينَ يَتَطَهَّرُ لِلصَّلَاةِ إذْ رَأَى زَوْرَقًا فِيهِ ثَلَاثُونَ دَنًّا مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالْقَارِ لُطْفٌ، فَقَرَأَهُ، وَأَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي التِّجَارَاتِ، وَلَا فِي الْبُيُوعِ شَيْئًا يُعَبِّرُ عَنْهُ لُطْفٌ فَقَالَ لِلْمَلَّاحِ: أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ الدِّنَانُ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْك امْضِ لِشُغْلِك فَلَمَّا سَمِعَ النُّورِيُّ مِنْ الْمَلَّاحِ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ تَعَطُّشًا إلَى مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ: لَهُ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي أَيَّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الدِّنَانِ فَقَالَ الْمَلَّاحُ: أَنْتَ وَاَللَّهِ صُوفِيٌّ فُضُولِيٌّ هَذَا خَمْرٌ لِلْمُعْتَضِدِ يُرِيدُ أَنْ يُتَمِّمَ بِهِ مَجْلِسَهُ، فَقَالَ النُّورِيُّ: هَذَا خَمْرٌ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ تُعْطِينِي الْمُدْرَى فَاغْتَاظَ الْمَلَّاحُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لِغُلَامِهِ أَعْطِهِ الْمُدْرَى حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ فَلَمَّا صَارَتْ الْمُدْرَى فِي يَدِهِ صَعِدَ إلَى الزَّوْرَقِ فَلَمْ يَزَلْ يُكَسِّرُهَا دَنًّا دَنًّا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا إلَّا دَنًّا، وَاحِدًا، وَالْمَلَّاحُ يَسْتَغِيثُ إلَى أَنْ رَكِبَ صَاحِبُ الْجِسْرِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُوسَى بْنُ أَفْلَحَ فَقَبَضَ عَلَى النُّورِيِّ، وَأَشْخَصَهُ إلَى حَضْرَةِ الْمُعْتَضِدِ، وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ سَيْفُهُ قَبْلَ كَلَامِهِ، وَلَمْ يَشُكَّ النَّاسُ أَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَدَخَلْت عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ حَدِيدٍ، وَبِيَدِهِ عَمُودٌ يُقَلِّبُهُ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْت: مُحْتَسِبٌ قَالَ مَنْ وَلَّاك الْحِسْبَةَ قُلْت الَّذِي وَلَّاك الْإِمَامَةَ، وَلَّانِي الْحِسْبَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَأَطْرَقَ إلَى الْأَرْضِ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيَّ
стр. 15
وَقَالَ، وَمَا الَّذِي حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت فَقُلْت شَفَقَةً مِنِّي عَلَيْك إذْ بَسَطْت يَدِي إلَى صَرْفِ مَكْرُوهٍ عَنْك فَقَصُرَتْ عَنْهُ قَالَ: فَأَطْرَقَ مُفَكِّرًا مِنْ كَلَامِي ثُمَّ رَفَعَ رَأْسِهِ وَقَالَ: كَيْفَ تَخَلَّصَ هَذَا الدَّنُّ الْوَاحِدُ مِنْ جُمْلَةِ الدِّنَانِ فَقُلْت فِي تَخَلُّصُهُ عِلَّةٌ أُخْبِرُ بِهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ أَذِنَ لِي فَقَالَ: أَخْبِرْنِي، فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي أَقْدَمْت عَلَى الدِّنَانِ بِمُطَالَبَةِ الْحَقِّ بِذَلِكَ، وَعَمَّ قَلْبِي شَاهِدُ الْإِجْلَالِ لِلْحَقِّ وَخَوْفِ الْمُطَالَبَةِ فَغَابَتْ هَيْبَةُ الْخَلْقِ عَنِّي فَأَقْدَمْت عَلَيْهِ بِالْحَالِ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ صِرْت إلَى هَذَا الدَّنِّ فَجَزِعَتْ نَفْسِي كَثِيرًا عَلَى أَنِّي قَدْ أَقْدَمْت عَلَى مِثْلِك فَمُنِعَتْ.
وَلَوْ أَقْدَمْت بِالْحَالِ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ مِلْءُ الدُّنْيَا دِنَانًا لَكَسَّرْتهَا، وَلَمْ أُبَالِ فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ اذْهَبْ فَقَدْ أَطْلَقْنَا يَدَك غَيِّرْ مَا أَحْبَبْت أَنْ تُغَيِّرَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ قَالَ: أَبُو الْحَسَنِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْغَضُ التَّغْيِيرَ؛ لِأَنِّي كُنْت أُغَيِّرُ عَنْ اللَّهِ، وَأَنَا الْآنَ أُغَيِّرُ شُرْطِيًّا فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ مَا حَاجَتُك قُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأْمُرُ بِإِخْرَاجِي سَالِمًا فَأَمَرَ لَهُ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ فَكَانَ أَكْثَرَ أَيَّامِهِ بِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا الْمُعْتَضِدُ فَأَقَامَ بِالْبَصْرَةِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُعْتَضِدُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَغْدَادَ، فَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةُ الْعُلَمَاءِ، وَعَادَاتُهُمْ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِسَطْوَةِ الْمُلُوكِ لَكِنَّهُمْ اتَّكَلُوا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ أَنْ يَحْرُسَهُمْ، وَرَضُوا بِحُكْمِ اللَّهِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ الشَّهَادَةَ فَلَمَّا أَخْلَصُوا لِلَّهِ النِّيَّةَ أَثَّرَ كَلَامُهُمْ فِي الْقُلُوبِ الْقَاسِيَةِ فَلَيَّنَهَا، وَأَزَالَ قَسَاوَتَهَا، وَأَمَالَهَا لِلْخَيْرِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ حُبُّ الدُّنْيَا، وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحِسْبَةِ
стр. 16
عَلَى الْأَرَاذِلِ فَكَيْفَ عَلَى الْمُلُوكِ، وَالْأَكَابِرِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[مَسْأَلَة الْحَسَبَة عَلَى الْوُلَاة]
وَكَانَتْ مِنْ عَادَاتِ السَّلَفِ الْحِسْبَةُ عَلَى الْوُلَاةِ قَاطِعًا بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ التَّفْوِيضِ، وَكُلُّ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلَّى رَاضِيًا فَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ سَاخِطًا فَسُخْطُهُ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَادَةُ السَّلَفِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْأَئِمَّةِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: مَرْوَانُ تُرِكَ ذَلِكَ يَا أَبَا فُلَانٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» .
وَلَقَدْ كَانُوا فَهِمُوا مِنْ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ دُخُولَ السَّلَاطِينِ تَحْتَهُ فَكَيْفَ يُحْتَاجُ إلَى إذْنِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحِسْبَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ مِنْ مُنْكِرٍ لِحَقِّ اللَّهِ صِيَانَةً لِلْمَمْنُوعِ عَنْ مُقَارَنَةِ الْمُنْكَرِ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: حَجَّ الْمَهْدِيُّ فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَسِتِّينَ، وَمِائَةٍ فَرَأَيْته يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَالنَّاسُ مُحِيطُونَ بِهِ يَمِينًا، وَشِمَالًا يَضْرِبُونَ النَّاسَ بِالسِّيَاطِ فَوَقَفْت فَقُلْت يَا حَسَنَ الْوَجْهِ حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ وَائِلٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيِّ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي جَمْرَةَ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى جَمَلٍ لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا جَلْدَ، وَلَا إلَيْكَ إلَيْكَ» . وَهَا أَنْتَ يُخْبَطُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْك يَمِينًا، وَشِمَالًا فَقَالَ لِرَجُلٍ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ يَا سُفْيَانُ لَوْ كَانَ الْمَنْصُورُ مَا احْتَمَلَك عَلَى هَذَا
стр. 17
فَقَالَ لَوْ أَخْبَرَك الْمَنْصُورُ بِمَا لَقِيَ لَقَصَّرْتَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ، قَالَ لَك يَا حَسَنَ الْوَجْهِ، وَلَمْ يَقُلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ اُطْلُبُوهُ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَاخْتَفَى.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُحَبَّبًا فِي جِيرَانِهِ مَحْمُودًا عِنْدَ إخْوَانِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُدَاهِنٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَعْرُوفُ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ قَصْدٍ حَسُنَ شَرْعًا، وَالْمُنْكَرُ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ قَصْدٍ قَبُحَ شَرْعًا، وَالْإِنْكَارُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ الْحَرَامِ، وَاجِبٌ، وَفِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ، وَفِعْلِ الْمَكْرُوهِ مَنْدُوبٌ، وَالْإِنْكَارُ بِالْيَدِ أَمْكَنُ، وَإِلَّا بِاللِّسَانِ، وَإِلَّا بِالْقَلْبِ، وَعَلَى النَّاسِ، وَالْوُلَاةِ فِعْلُ ذَلِكَ، وَإِعَانَةُ مَنْ يَفْعَلُهُ، وَتَقْوِيَتُهُ فَإِنَّهُ حِفْظُ الدِّينِ، وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ الْوَاجِبَ، وَيَبْدَأُ فِي الْإِنْكَارِ بِالْأَسْهَلِ فَإِنْ زَالَ، وَإِلَّا أَغْلَظَ فَإِنْ زَالَ، وَإِلَّا رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ، وَلَا يُنْكِرُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ إلَّا تَأْدِيبًا، وَزَجْرًا، وَلَا عَلَى ذِمِّيٍّ لَا يَجْهَرُ بِالْمُنْكَرِ.
[فَصَلِّ أَقْسَام الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ ثَلَاثَة أَحَدهَا مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ اللَّه]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَيَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا - مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالثَّالِثُ - مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى: فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا - مَا يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْجَمَاعَةِ دُونَ الِانْفِرَادِ كَتَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي وَطَنٍ مَسْكُونٍ فَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قَدْ اتَّفَقَ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ كَالْأَرْبَعِينَ فَمَا زَادَ فَوَاجِبٌ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَيَأْمُرَهُمْ بِفِعْلِهَا، وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قَدْ اُخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ فَلَهُ، وَلَهُمْ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَ رَأْيُهُ، وَرَأْيُ الْقَوْمِ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ الْعَدَدِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ
стр. 18
يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُسَارِعُوا إلَى أَمْرِهِ بِهَا، وَيَكُونُ عَلَى تَأْدِيبِهِمْ فِي تَرْكِهَا أَلْيَنَ مِنْ تَأْدِيبِهِ عَلَى تَرْكِ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ.
وَالْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَ رَأْيُهُ، وَرَأْيُ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا لَوْ أُقِيمَتْ أَحَقُّ.
وَالْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَرَى الْقَوْمُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَرَاهُ الْمُحْتَسِبُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَارِضَهُمْ فِيهَا، فَيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا، وَيَمْنَعَهُمْ مِمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ.
وَالْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَرَى الْمُحْتَسِبُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ، وَلَا يَرَاهُ الْقَوْمُ فَهَذَا مِمَّا فِي اسْتِمْرَارِهِ تَعْطِيلُ الْجُمُعَةِ مَعَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، وَبُعْدِهِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَزِيَادَتِهِ فَهَلْ لِلْمُحْتَسَبِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهَا اعْتِبَارًا بِهَذَا الْمَعْنَى أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا اعْتِبَارًا بِالْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ لَا يُنَشِّئُوا الصَّغِيرَ عَلَى تَرْكِهَا فَيَظُنَّ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ كَمَا تَسْقُطُ بِنُقْصَانِهِ فَقَدْ رَاعَى زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مِثْلَ هَذَا فِي صَلَاةِ النَّاسِ فِي جَامِعَيْ الْبَصْرَةِ، وَالْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا صَلَّوْا فِي صَحْنِهِ، وَرَفَعُوا مِنْ السُّجُودِ مَسَحُوا جِبَاهَهُمْ مِنْ التُّرَابِ فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْحَصْبَاءِ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: لَسْت آمَنُ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ فَيَظُنَّ الصَّغِيرُ إذَا نَشَأَ أَنَّ مَسْحَ الْجَبْهَةِ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِأَمْرِهِمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى اعْتِقَادِهِ، وَلَا يَقُودُهُمْ إلَى مَذْهَبِهِ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُمْ فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِ مَعَ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ يَمْنَعُ مِنْ إجْزَاءِ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا أَمْرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهَا، وَهَلْ يَكُونُ أَمْرُهُ
стр. 19
بِهَا مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ أَوْ مِنْ الْحُقُوقِ الْجَائِزَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا هَلْ هِيَ مَسْنُونَةٌ؟ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا مَسْنُونَةٌ كَانَ الْأَمْرُ بِهَا نَدْبًا، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَانَ الْأَمْرُ بِهَا حَتْمًا، فَأَمَّا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِقَامَةُ الْأَذَانِ فِيهَا لِلصَّلَوَاتِ فَمِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَامَاتِ مُتَعَبَّدَاتِهِ الَّتِي فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَدَارِ الشِّرْكِ بِهَا.
[مَسْأَلَة اجتمع أَهْل بَلَد عَلَى ترك الآذان وتعطيل الجماعات]
فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ بَلَدٍ عَلَى تَعْطِيلِ الْجَمَاعَاتِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَتَرَكَ الْأَذَانِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ كَانَ الْمُحْتَسِبُ مَنْدُوبًا إلَى أَمْرِهِمْ بِالْأَذَانِ، وَالْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَهَلْ ذَلِكَ، وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَوْ مُسْتَحَبٌّ لَهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي إطْبَاقِ أَهْلِ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَهَلْ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ مُحَارَبَتُهُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ تَرَكَ الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ لِصَلَاتِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ عَادَةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّدْبِ الَّذِي يَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا اسْتِرَابَةٌ أَوْ يَجْعَلَهُ إلْفًا، وَعَادَةً، وَيَخَافُ تَعَدِّي ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ فَمُرَاعَاةُ حُكْمِ الْمَصْلَحَةِ فِي زَجْرِهِ عَمَّا اسْتَهَانَ بِهِ مِنْ سُنَنِ عِبَادَتِهِ وَيَكُونُ، وَعِيدُهُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ.
كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا، وَآمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، وَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَحْضُرُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ» .
وَأَمَّا مَا
стр. 20
يُؤْمَرُ بِهِ آحَادُ النَّاسِ، وَأَفْرَادُهُمْ فَكَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ، وَقْتُهَا فَيُذَكَّرُ بِهَا، وَيُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا، وَيُرَاعَى جَوَابُهُ عَنْهَا فَإِنْ قَالَ تَرَكْتهَا لِلنِّسْيَانِ حَثَّهُ عَلَى فِعْلِهَا بَعْدَ ذِكْرِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّبْهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِتَوَانٍ، أَوْ هَوَانٍ أَدَّبَهُ زَجْرًا، وَأَخَذَهُ بِفِعْلِهَا جَبْرًا، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا، وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي فَضْلِ التَّأْخِيرِ.
وَلَكِنْ لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَاتُ فِي بَلَدٍ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُهُ عَلَى تَأْخِيرِ صَلَاةٍ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَالْمُحْتَسِبُ يَرَى فَضْلَ تَعْجِيلِهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالتَّعْجِيلِ عَلَى، وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ اعْتِيَادَ جَمِيعِ النَّاسِ لِتَأْخِيرِهَا يُفْضِي بِالصَّغِيرِ النَّاشِئِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ دُونَ مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ عَجَّلَهَا بَعْضُهُمْ تَرَكَ مَنْ أَخَّرَهَا مِنْهُمْ، وَمَا يَرَاهُ مِنْ التَّأْخِيرِ.
[مَسْأَلَة الْأَذَان وَالْقُنُوت فِي الصَّلَوَات إذَا خَالَفَ فِيهِ رَأْي الْمُحْتَسَب]
فَأَمَّا الْأَذَانُ، وَالْقُنُوتُ فِي الصَّلَوَاتِ إذَا خَالَفَ فِيهِ رَأْيَ الْمُحْتَسِبِ فَلَا اعْتِرَاضَ لَهُ فِيهِ بِأَمْرٍ، وَلَا نَهْيٍ، وَإِنْ كَانَ يَرَى خِلَافَهُ إذَا كَانَ مَا يَفْعَلُ مُسَوِّغًا فِي الِاجْتِهَادِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ يُخَالِفُ فِيهِ رَأْيَ الْمُحْتَسِبِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ، وَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ تَغَيَّرَ بِالْمَذْرُورَاتِ الطَّاهِرَةِ أَوْ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَسْحِ أَقَلِّ الرَّأْسِ أَوْ الْعَفْوِ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَا اعْتِرَاضَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَمْرٍ، وَلَا نَهْيٍ، وَلَكِنْ فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَجْهَانِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِفْضَاءِ إلَى اسْتِبَاحَتِهِ عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ عَلَى نَظَائِرِ هَذَا الْمِثَالِ تَكُونُ أَوَامِرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 21
[فَصَلِّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوق الْآدَمِيِّينَ]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَضَرْبَانِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ فَأَمَّا الْعَامُّ فَكَالْبَلَدِ إذَا تَعَطَّلَ سِرْبُهُ، وَاسْتَهْدَمَ سُورُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْدَمَ مَسَاجِدُهُمْ، وَجَوَامِعُهُمْ فَأَمَّا إذَا أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَالِ كَانَ الْأَمْرُ بِبِنَاءِ سُورِهِمْ، وَإِصْلَاحِ سَرَبِهِمْ، وَعِمَارَةِ مَسَاجِدِهِمْ، وَجَوَامِعِهِمْ مُتَوَجِّهٌ إلَى كَافَّةِ ذَوِي الْمُكْنَةِ مِنْهُمْ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمْ فِي الْأَمْرِ بِهِ فَإِنْ شَرَعَ ذَوُو الْمُكْنَةِ فِي عَمَلِهِ، وَبَاشَرُوا الْقِيَامَ بِهِ سَقَطَ عَنْ الْمُحْتَسِبِ حَقُّ الْأَمْرِ بِهِ، وَأَمَّا الْخَاصُّ كَالْحُقُوقِ إذَا بَطَلَتْ، وَالدُّيُونِ إذَا أُخِّرَتْ فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ الْمُكْنَةِ إذَا اسْتَعْدَاهُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ، وَلَهُ أَنْ يُلَازِمَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُلَازِمَ، وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ لِافْتِقَارِ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ فِيمَنْ يَجِبُ لَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَدَائِهَا، وَكَذَلِكَ كَفَالَةُ مَنْ تَجِبُ كَفَالَتُهُ مِنْ الصِّغَارِ لَا اعْتِرَاضَ لَهُ فِيهَا حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْحَاكِمُ، وَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُسْتَحَقَّةِ فِيهَا، فَأَمَّا قَبُولُ الْوَصَايَا، وَالْوَدَائِعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ فِيهَا أَعْيَانَ النَّاسِ وَآحَادَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ حَثًّا عَلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ، وَالتَّقْوَى ثُمَّ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ يَكُونُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
[فَصَلِّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْن حُقُوق اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق الْآدَمِيِّينَ]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَأَخْذِ الْأَوْلِيَاءِ بِنِكَاحِ الْأَيَامَى مِنْ أَكْفَائِهِنَّ إذَا طَلَبْنَ، وَالْتِزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ إذَا فُورِقْنَ، وَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ خَالَفَ فِي الْعِدَّةِ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْدِيبُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَنْ نَفَى
стр. 22
وَلَدًا قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أُمِّهِ، وَلُحُوقُ نَسَبِهِ أَخَذَهُ بِأَحْكَامِ الْآبَاءِ جَبْرًا، وَعَزَّرَهُ عَلَى النَّفْيِ أَدَبًا، وَيَأْخُذُ السَّادَةَ بِحُقُوقِ الْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ نَفَقَتِهِمْ، وَكِسْوَتِهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُونَ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ» ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ أَنْ يُكَلَّفَ الْعَبْدُ مَا لَا يُطِيقُ، وَيُرِيحُهُ فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِعَلَفِهَا، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَا يَضُرُّهَا كَمَا فِي الْعَبْدِ، وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ غِذَاءً لِلْوَلَدِ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنْهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُكْرِيَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ إكْرَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِيعَ عَلَيْهِ كَمَا يُزَالُ مِلْكُهُ عَنْ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الْإِعْسَارِ بِنَفَقَتِهَا فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهَا رَاغِبٌ فَكِفَايَتُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ كِفَايَتُهَا، وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ يَكُونُ أَمْرُهُ فِي الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
[فَصَلِّ أَقْسَام النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ثَلَاثَة أَحَدهَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوق اللَّه تَعَالَى]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ فَيَنْقَسِمُ أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا - مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالثَّالِثُ مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.
فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ.
وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ.
وَالثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَ بِالْمُعَامَلَاتِ فَأَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادَاتِ فَكَالْقَاصِدِ مُخَالَفَةَ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، وَالْمُتَعَمِّدِ تَغَيُّرِ أَوْصَافِهَا الْمَسْنُونَةِ، مِثْلُ: مَنْ يَقْصِدُ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ أَوْ الْإِسْرَارَ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ أَوْ يَزِيدُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْأَذَانِ أَذْكَارًا غَيْرَ مَسْنُونَةٍ فَلِلْمُحْتَسِبِ إنْكَارُهَا، وَتَأْدِيبُ الْعَامِلِ
стр. 23
فِيهَا إذَا لَمْ يَقُلْ بِمَا ارْتَكَبَهُ إمَامٌ مَتْبُوعٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَخَلَّ بِتَطْهِيرِ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِالتُّهَمِ، وَالظُّنُونِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَنَّ بِرَجُلٍ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَوْ الصِّيَامَ لَمْ يُؤَاخِذْهُ بِالتُّهَمِ، وَلَمْ يُقَابِلْهُ بِالْإِنْكَارِ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ بِالتُّهَمِ أَنْ يَعِظَ، وَيُحَذِّرَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إسْقَاطِ حُقُوقِهِ، وَالْإِخْلَالِ بِمَفْرُوضَاتِهِ، فَإِنْ رَآهُ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى تَأْدِيبِهِ إلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِ عَلَى سَبَبِ أَكْلِهِ إذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالُهُ فَرُبَّمَا كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ إذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الرَّيْبِ فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْأَعْذَارِ مَا يَحْمِلُ حَالُهُ صَدَّقَهُ، وَكَفَّ عَنْ زَجْرِهِ، وَأَمَرَهُ بِإِخْفَاءِ أَكْلِهِ لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِتُهْمَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ إحْلَافُهُ عِنْدَ الِاسْتِرَابَةِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى أَمَانَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ جَاهَرَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَرَدَعَهُ، وَأَدَّبَهُ عَلَيْهِ تَأْدِيبَ زَجْرٍ، وَهَكَذَا لَوْ عَلِمَ عُذْرَهُ فِي الْأَكْلِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُجَاهِرَةَ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ، وَلِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ مِنْ ذَوِي الْجَهَالَةِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ حَالَ عُذْرِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ فَعَامِلُ الصَّدَقَةِ بِأَخْذِهَا جَبْرًا أَخَصُّ، وَهُوَ بِتَعْزِيرِهِ عَلَى الْغُلُولِ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ عُذْرًا أَحَقُّ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ أَخَصَّ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ مِنْ عَامِلِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ لِلْعَامِلِ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ أَخَصَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ أَجْزَاهُ، وَيَكُونُ تَأْدِيبُهُ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يُخْرِجُهَا سِرًّا وُكِلَ إلَى أَمَانَتِهِ فِيهَا،
стр. 24
فَإِنْ رَأَى الْمُحْتَسِبُ رَجُلًا يَتَعَرَّضُ لِمَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَطَلَبِ الصَّدَقَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ إمَّا بِمَالٍ أَوْ عَمَلٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ، وَأَدَّبَهُ فِيهِ، وَكَانَ الْمُحْتَسِبُ أَخَصَّ بِالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ فَعَلَ عُمَرُ ﵁ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، وَلَوْ رَأَى عَلَيْهِ آثَارَ الْغِنَى، وَهُوَ يَسْأَلُ النَّاسَ أَعْلَمَهُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، وَعَلَى الْمُسْتَغْنِي عَنْهَا، وَلَمْ يُنْكِرْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ فَقِيرًا، وَإِذَا تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ ذُو جَلَدٍ، وَقُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ زَجَرَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلِاحْتِرَافِ بِعَمَلِهِ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عَزَّرَهُ حَتَّى يُقْلِعَ عَنْهَا، وَهَكَذَا لَوْ ابْتَدَعَ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ قَوْلًا خَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَخَالَفَ فِيهِ النَّصَّ، وَرَدَّ قَوْلَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ، أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَزَجَرَهُ عَنْهُ فَإِنْ أَقْلَعَ، وَتَابَ، وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ بِتَهْذِيبِ الدِّينِ أَحَقُّ.
وَإِذَا تَعَرَّضَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَأْوِيلِ عَدَلَ فِيهِ عَنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ إلَى بَاطِنِ بِدْعَةٍ يَتَكَلَّفُ لَهُ إغْمَاضَ مَعَانِيهِ أَوْ انْفَرَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ تَنْفِرُ مِنْهَا النُّفُوسُ أَوْ يَفْسُدُ بِهَا التَّأْوِيلُ كَانَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَالْمَنْعُ مِنْهُ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ إنْكَارُهُ إذَا تَمَيَّزَ عِنْدَهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ، وَالْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِقُوَّتِهِ فِي الْعِلْمِ، وَاجْتِهَادِهِ فِيهِ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَ عُلَمَاءُ الْوَقْتِ عَلَى إنْكَارِهِ، وَابْتِدَاعِهِ فَيَسْتَعْدُونَهُ فِيهِ فَيُعَوِّلَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ، وَفِي الْمَنْعِ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ فَإِنَّ الْخَطَرَ عَظِيمٌ، وَالْمُحْتَسِبُ الْجَاهِلُ إنْ خَاضَ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ، وَلِهَذَا قَالُوا الْعَامِّيُّ لَا يَحْتَسِبُ إلَّا فِي الْجَلِيَّاتِ، فَأَمَّا مَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ مُنْكَرًا بِالْإِضَافَةِ، وَيَفْتَقِرُ
стр. 25
إلَى اجْتِهَادٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ الْحِسْبَةُ فِيهِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى مُنْكَرٍ فَيُصَيِّرُهُ مَعْرُوفًا، وَمَعْرُوفًا فَيُصَيِّرُهُ مُنْكَرًا، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى وُجُوهٍ مِنْ الْخَلَلِ كَثِيرَةٍ.
[فَصْلٌ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ مَوَاقِفِ الرِّيَبِ، وَمَظِنَّاتِ التُّهَمِ فَقَدْ قَالَ: ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» فَيُقَدِّمُ الْإِنْذَارَ، وَلَا يُعَجِّلُ بِالتَّأْدِيبِ قَبْلَ الْإِنْذَارِ.
حَكَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يَطُوفُوا مَعَ النِّسَاءِ فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي مَعَ النِّسَاءِ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كُنْت أَحْسَنْت لَقَدْ ظَلَمْتَنِي، وَلَئِنْ كُنْت أَسَأْت فَمَا أَعْلَمْتنِي فَقَالَ عُمَرُ أَمَّا شَهِدْت عَزِيمَتِي قَالَ مَا شَهِدْت لَك عَزْمَةً فَأَلْقَى إلَيْهِ الدِّرَّةَ، وَقَالَ اقْتَصَّ قَالَ لَا أَقْتَصُّ الْيَوْمَ قَالَ فَاعْفُ قَالَ لَا أَعْفُو فَافْتَرَقَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ لَقِيَهُ مِنْ الْغَدِ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَأَنِّي أَرَى مَا كَانَ مِنِّي قَدْ أَسْرَعَ فِيك، قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَاشْهَدْ أَنِّي قَدْ عَفَوْت عَنْك.
وَإِذَا رَأَى، وَقْفَةَ رَجُلٍ مَعَ امْرَأَةٍ فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا أَمَارَاتُ الرَّيْبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِمَا بِزَجْرٍ، وَلَا إنْكَارٍ فَمَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَتْ الْوَقْفَةُ فِي طَرِيقٍ خَالٍ فَخَلَوَا بِمَكَانِ رِيبَةٍ، فَيُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا يُعَجِّلُ فِي التَّأْدِيبِ عَلَيْهِمَا حَذَرًا مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ مَحْرَمٍ، وَلْيَقُلْ: إنْ كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ فَصُنْهَا عَنْ مَوَاقِفِ الرِّيَبِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَخَفْ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ خَلْوَةٍ تُؤَدِّيكَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيَكُنْ زَجْرُهُ بِحَسَبِ الْأَمَارَاتِ.
حَكَى أَبُو الْأَزْهَرِ أَنَّ ابْنَ عَائِشَةَ رَأَى رَجُلًا
стр. 26
يُكَلِّمُ امْرَأَةً فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ لَئِنْ كَانَتْ حُرْمَتَك إنَّهُ لَقَبِيحٌ بِك أَنْ تُكَلِّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حُرْمَتَك فَهُوَ أَقْبَحُ ثُمَّ، وَلَّى عَنْهُ، وَجَلَسَ لِلنَّاسِ، وَإِذَا بِرُقْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي حِجْرِهِ مَكْتُوبٍ فِيهَا
إنَّ الَّتِي أَبْصَرْتنِي ... سَحَرًا أُكَلِّمُهَا رَسُولْ
أَدَّتْ إلَيَّ رِسَالَةً ... كَادَتْ لَهَا نَفْسِي تَسِيلُ
فَلَوْ أَنَّ أُذْنَك عِنْدَنَا ... حَتَّى تَسَمَّعَ مَا تَقُول
لَرَأَيْت مَا اسْتَقْبَحْت مِنْ ... أَمْرِي هُوَ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ
فَقَرَأَهَا ابْنُ عَائِشَةَ، وَوَجَدَ عَلَى رَأْسِهَا مَكْتُوبًا أَبُو نُوَاسٍ فَقَالَ ابْنُ عَائِشَةَ مَا لِي، وَلِلتَّعَرُّضِ لِأَبِي نُوَاسٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ إنْكَارِ ابْنِ عَائِشَةَ كَافٍ لِمِثْلِهِ، وَلَا يَكُونُ لِمَنْ نُدِبَ الْإِنْكَارَ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ كَافِيًا، وَلَيْسَ فِيمَا قَالَهُ أَبُو نُوَاسٍ تَصْرِيحٌ بِفُجُورِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ شَوَاهِدُ حَالِهِ، وَفَحْوَى كَلَامِهِ يَنْطِقَانِ بِفُجُورِهِ، وَرِيبَتِهِ فَيَكُونُ مِنْ مِثْلِ أَبِي نُوَاسٍ مُنْكَرًا، وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ مُنْكَرًا، فَإِذَا رَأَى الْمُحْتَسِبُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ مَا يُنْكِرُهُ تَأَنَّى، وَفَحَصَ، وَرَاعَى شَوَاهِدَ الْحَالِ.
وَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا النِّسْوَانِ مِثْلُ سُوقِ الْغَزْلِ، وَالْكَتَّانِ، وَشُطُوطِ الْأَنْهَارِ، وَأَبْوَابِ حَمَّامَاتِ النِّسَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ
стр. 27
فَإِنْ رَأَى شَبَابًا مُتَعَرِّضًا بِامْرَأَةٍ، وَيُكَلِّمُهَا فِي غَيْرِ مُعَامَلَةٍ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ أَوْ يَنْظُرُ إلَيْهَا عَزَّرَهُ، وَمَنَعَهُ مِنْ الْوُقُوفِ هُنَاكَ فَكَثِيرٌ مِنْ الشَّبَابِ الْمُفْسِدِينَ يَقِفُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَلَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ غَيْرَ التَّلَاعُبِ عَلَى النِّسْوَانِ فَمَنْ، وَقَفَ مِنْ الشَّبَابِ فِي طَرِيقِهِنَّ بِغَيْرِ حَاجَةٍ عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الثَّالِث فِي الْحَسَبَة عَلَى الْآلَات الْمُحْرِمَة وَالْخَمْر]
وَإِذَا جَاهَرَ رَجُلٌ بِإِظْهَارِ الْخَمْرِ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَرَاقَهَا وَأَدَّبَهُ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أُدِّبَ عَلَى إظْهَارِهَا، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إرَاقَتِهَا عَلَيْهِ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهَا لَا تُرَاقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمَضْمُونَةِ فِي حُقُوقِهِمْ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا تُرَاقُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ عِنْدَهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَلَا الْكَافِرِ فَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ النَّبِيذِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُقَرُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا فَيُمْنَعُ مِنْ إرَاقَتِهِ، وَمِنْ التَّأْدِيبِ عَلَى إظْهَارِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْخَمْرِ، وَلَيْسَ فِي إرَاقَتِهِ غُرْمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ النَّبِيذِ قَوْلُهُ ﷺ «حُرِّمَتْ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسٍ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ.
وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ أَيْ غَطَّاهُ
стр. 28
وَقَدْ لَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرَةِ عَشْرَةً قَالَ الْعُلَمَاءُ أُدْخِلَ فِيهِ بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُ الْخَمْرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُضَاهِيهِ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَبَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَذَا بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَعْتَبِرُ، وَالِي الْحِسْبَةِ شَوَاهِدَ الْحَالِ فِيهِ فَيَنْهَى عَنْ الْمُجَاهَرَةِ، وَيَزْجُرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُرِيقُهُ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِرَاقَتِهِ حَاكِمٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لِئَلَّا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ غُرْمٌ إنْ حُوكِمَ فِيهِ.
وَمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ مُخْتَارٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِنْ كَانَ حُرًّا جُلِدَ أَرْبَعِينَ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ» . وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ
، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا جُلِدَ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ حَدُّ تَبْعِيضٍ فَكَانَ الْعَبْدُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ كَحَدِّ الزِّنَا، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَبْلُغَ بِالْحَدِّ ثَمَانِينَ، وَفِي الْعَبْدِ أَرْبَعِينَ جَازَ لِحَدِيثِ عُمَرَ؛ وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا أُتِيَ بِالرَّجُلِ الْمُنْهَمِكِ فِي الشُّرْبِ جَلَدَهُ ثَمَانِينَ، وَإِذَا أُتِيَ بِالرَّجُلِ الضَّعِيفِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ الزَّلَّةُ جَلَدَهُ أَرْبَعِينَ.
وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ إذَا جُلِدَ الثَّمَانِينَ كَانَ الزَّائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرًا فَإِنْ قِيلَ التَّعْزِيرُ لَا يَبْلُغُ عِنْدَكُمْ أَرْبَعِينَ قُلْنَا ذَلِكَ عَلَى زَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَاهُنَا زَلَّتَانِ: الْهَذَيَانُ، وَالِافْتِرَاءُ.
وَحَكَى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ
стр. 29
الْفَوَائِدُ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ قَالَ:، وَيَجْتَمِعُ الْحَدُّ، وَالتَّعْزِيرُ فِي مَوْضِعٍ كَالزِّنَا بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ مُعْتَكِفٌ مُحْرِمٌ أَثِمَ، وَلَزِمَهُ الْعِتْقُ، وَالْبَدَنَةُ، وَيُحَدُّ لِلزِّنَا، وَيُعَزَّرُ لِقَطْعِ رَحِمِهِ، وَلِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْكَعْبَةِ قَالَ: فَإِنْ جُلِدَ الْحُرُّ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ جَلْدَةً فَمَاتَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ مِنْ مَضْمُونٍ، وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ إذْ التَّعْزِيرُ مَضْمُونٌ، وَغَيْرُ مَضْمُونٍ، وَالْحَدُّ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاطَ قَرِيبَةُ التَّمَاثُلِ، قَالَ: وَيُضْرَبُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ بِالْأَيْدِي، وَالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَقِيلَ يَجُوزُ بِالسَّوْطِ، جَلَدَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بِالسَّوْطِ، وَالْمَنْصُوصُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَارِبِ خَمْرٍ فَقَالَ اضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ بِالنِّعَالِ، وَالْأَيْدِي، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَحَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ» .
قَالَ فَإِنْ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ فَمَاتَ أَيْ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَقَدْ قِيلَ يَضْمَنُ بِقَدْرِ مَا زَادَ عَلَى أَلَمِ النِّعَالِ إذْ هُوَ الْقَدْرُ الزَّائِدُ عَلَى الْحَدِّ، وَقِيلَ يَضْمَنُ جَمِيعَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ مِنْ جِنْسٍ إلَى غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ بِجَارِحٍ فَمَاتَ مِنْهُ، وَقِيلَ يَضْمَنُ نِصْفَ دِيَتِهِ.
وَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ عَلَى النَّصِّ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ.
وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ يَجُوزُ الضَّرْبُ بِالْعَصَا، وَهَلْ يَجُوزُ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَالنِّعَالِ وَجْهَانِ، وَلَا يَجِبُ حَدُّ الْخَمْرِ حَتَّى يُقِرَّ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا أَوْ خَمْرًا أَوْ تُقَامَ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ.
стр. 30
وَلَا يَفْتَقِرُ الشَّاهِدُ أَنْ يَقُولَ شَرِبَ، وَهُوَ غَيْرُ مُكْرَهٍ أَوْ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا وُجِدَ سَكْرَانَ، وَشُمَّ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَ مُسْكِرًا فَلَا يُحَدُّ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يُحَدُّ بِالسُّكْرِ، وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ مَا يَقِيءُ إلَّا، وَقَدْ شَرِبَهَا، وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ،، وَشَمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ رَجُلٍ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَحُدَّهُ، وَلَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ السُّكْرَ مَا زَالَ مَعَهُ الْعَقْلُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ، وَالسَّمَاءِ، وَلَا يَعْرِفَ أُمَّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَحَّدَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ مَا أَفْضَى بِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانٍ مُنْكَسِرٍ، وَمَعْنًى غَيْرِ مُنْتَظِمٍ، وَيَنْصَرِفَ بِحَرَكَةِ مُخْتَبَطٍ، وَمَشْيٍ مُتَمَايِلٍ فَإِذَا أَجْمَعَ بَيْنَ اضْطِرَابِ الْكَلَامِ فَهْمًا، وَإِفْهَامًا، وَبَيْنَ اضْطِرَابِ الْحَرَكَةِ مَشْيًا، وَقِيَامًا صَارَ دَاخِلًا فِي حَدِّ السُّكْرِ، وَمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ دَفَعَاتٍ، وَلَمْ يُحَدَّ أَجْزَاهُ عَنْ ذَلِكَ حَدًّا وَاحِدًا.
[فَصَلِّ الْمُجَاهَرَة بِإِظْهَارِ الْمَلَاهِي الْمُحْرِمَة]
((فَصْلٌ) فَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَةِ، مِثْلُ الزَّمْرِ، وَالطُّنْبُورِ، وَالْعُودِ، وَالصَّنْجِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْمَلَاهِي فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يُفَصِّلَهَا حَتَّى تَصِيرَ خَشَبًا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي، وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْمُجَاهَرَةِ عَلَيْهَا، وَلَا يُكَسِّرَهَا إنْ كَانَ خَشَبُهَا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي كَسَّرَهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي فِيهَا لَمَّا كَانَتْ مَحْظُورَةً شَرْعًا كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ حِسًّا، وَإِنْ كَانَ
стр. 31
الرُّضَاضُ يُعَدُّ مَالًا فَفِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ الرَّضِّ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ، وَأَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى هَيْئَتِهَا آلَةُ الْفِسْقِ، وَلَا يُقْصَدُ بِهَا غَيْرُهُ مَا دَامَ ذَلِكَ التَّرْكِيبُ بَاقِيًا، وَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ فِي الْأَصْنَامِ، وَالصُّوَرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْخَشَبِ، وَغَيْرِهِمَا، وَتَوَسَّطَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَذَكَرَ وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ اُتُّخِذَتْ مِنْ جَوَاهِرَ نَفِيسَةٍ صَحَّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنْ اُتُّخِذَتْ مِنْ خَشَبٍ، وَنَحْوِهِ فَلَا، وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدَهُ، وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ لَكِنَّ جَوَابَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْخَمْرِ، وَالْأَصْنَامِ.»
[فَصَلِّ آلَة اللَّعِب الَّتِي لَا يَقْصِد بِهَا الْمَعَاصِي]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا آلَةُ اللَّعِبِ الَّتِي لَيْسَ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْقَيْنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ فَفِيهَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ تُفَارِقُهُ مَعْصِيَةٌ كَتَصْوِيرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا وَجْهٌ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا وَجْهٌ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنْكَارُهُ، وَإِقْرَارُهُ، قَدْ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَأَقَرَّهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا» .
وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قُلِّدَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ فَأَزَالَ سُوقَ الدَّاذِيِّ، وَمَنَعَ عَنْهَا، وَقَالَ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ، وَأَقَرَّ سُوقَ اللَّعِبِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا، وَقَالَ قَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَلْعَبُ
стр. 32
بِالْبَنَاتِ بِمَشْهَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ فِي اللَّعِبِ بِبَعِيدٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا سُوقُ الدَّاذِيِّ فَالْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّبِيذِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ نَادِرًا فِي الدَّوَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ فَبَيْعُهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى إبَاحَةَ النَّبِيذِ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهِ، وَمَكْرُوهٌ اعْتِبَارًا بِالْأَغْلَبِ مِنْ حَالِهِ، وَلَيْسَ مَنْعُ أَبِي سَعِيدٍ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهِ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْمُظَاهَرَةِ بِإِفْرَادِ سُوقِهِ، وَالْمُجَاهَرَةِ بِبَيْعِهِ إلْحَاقًا بِإِبَاحَةِ مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إبَاحَةِ مَقْصُودِهِ لِيَقَعَ لِعَوَامِّ النَّاسِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ إنْكَارُ الْمُجَاهَرَةِ بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ، وَإِلَّا مَا كَمَا تُنْكَرُ الْمُجَاهَرَةُ بِالْمُبَاحِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَزْوَاجِ.
فَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهَا، وَلَا أَنْ يَهْتِكَ الْأَسْتَارَ حَذَرًا مِنْ الِاسْتِتَارِ بِهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ يُقَمْ حَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِ» .
وَمِنْ شَرْطِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يُنْكِرُهُ الْمُحْتَسِبُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فَكُلُّ مَنْ سَتَرَ مَعْصِيَةً فِي دَارِهِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي انْتِهَاك حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا مِثْلُ مَنْ يُخْبِرُهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا فَيَجُوزُ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَتَجَسَّسَ، وَيُقْدِمَ عَلَى الْكَشْفِ، وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ انْتِهَاك الْمَحَارِمِ، وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ.
الثَّانِي: مَا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْحَدِّ، وَقَصَرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ لَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ
стр. 33
عَلَيْهِ، وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ، حُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَتَعَاقَرُونَ عَلَى شَرَابٍ، وَيُوقِدُونَ فِي الْأَخْصَاصِ فَقَالَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْمُعَاقَرَةِ فَعَاقَرْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ فَقَالُوا نَهَاك اللَّهُ عَنْ التَّجَسُّسِ فَتَجَسَّسْت، وَعَنْ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَدَخَلْت فَقَالَ هَاتَيْنِ بِهَاتَيْنِ، وَانْصَرَفَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ، فَإِنْ سَمِعَ الْمُحْتَسِبُ أَصْوَاتَ مَلَاهٍ مُنْكَرَةٍ مِنْ دَارٍ تَظَاهَرَ أَهْلُهَا بِأَصْوَاتِهَا أَنْكَرَهَا خَارِجَ الدَّارِ، وَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَمَّا سِوَاهُ.
[الْبَاب الرَّابِع فِي الْحَسَبَة عَلَى أَهْل الذِّمَّة]
اعْلَمْ أَنَّ التَّسَاهُلَ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أُمُورِ الدِّينِ خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ بِهَا إلَّا مُسْلِمًا، وَقَالَ لَا تُسَاكِنُوا الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى فِي أَمْصَارِكُمْ إلَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَمَنْ يَرْتَدَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» .
وَلَمَّا «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 34
إلَى بَدْرٍ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَ مَعَك فَقَالَ: أَتُؤْمِنُ بِاَللَّهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ، ثُمَّ لَحِقَهُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ شُجَاعًا فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ، ثُمَّ لَحِقَهُ الثَّالِثَةَ فَأَسْلَمَ هَذَا، وَقَدْ خَرَجَ لِيُقَاتِلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُرَاقَ دَمُهُ» .
وَلَمَّا وُلِّيَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الْبَصْرَةَ، وَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَوَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ، وَاسْتَأْذَنَ لِكَاتِبِهِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عُمَرَ، وَرَآهُ فَقَالَ قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا أَبَا مُوسَى، وَلَّيْت نَصْرَانِيًّا عَلَى الْمَالِ أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِي كِتَابَتُهُ، وَلَهُ دِينُهُ فَقَالَ عُمَرُ لَا أُكْرِمُهُمْ بَعْدَ أَنْ أَهَانَهُمْ اللَّهُ، وَلَا أُعِزُّهُمْ بَعْدَ أَنْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ، وَلَا أُدْنِيهِمْ بَعْدَ أَنْ أَقْصَاهُمْ اللَّهُ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ، وَقَدْ اتَّصَلَ بِهِ أَنَّهُ اتَّخَذَ كَاتِبًا يُقَالُ لَهُ: حَسَّانُ بَلَغَنِي أَنَّك اسْتَعْمَلَتْ حَسَّانَ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ، وَإِذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَادْعُ حَسَّانَ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ مِنَّا، وَنَحْنُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبَى فَلَا تَسْتَعِنْ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الْكِتَابُ قَرَأَهُ عَلَى حَسَّانَ فَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ الطَّهَارَةَ، وَالصَّلَاةَ
، وَهَذَا أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكَافِرِ فَكَيْفَ اسْتِعْمَالُهُمْ عَلَى رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 35
فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ النَّظَرُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يُلْزِمَهُمْ بِمَا هُوَ مَشْرُوطٌ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا الْتَزَمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَلَا يُرَخِّصَ لَهُمْ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْهُ قَوْلًا، وَلَا فِعْلًا، وَيُلْزِمَهُمْ بِمَا كَتَبُوهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ: هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّه عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا، وَمَدِينَةِ كَذَا لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا، وَقَدْ سَأَلْنَاكُمْ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا، وَذَرَارِيّنَا، وَأَمْوَالِنَا عَلَى أَنْ لَا نُحْدِثَ فِي مَدَائِنِنَا، وَلَا حَوْلَهَا كَنِيسَةً، وَلَا دَيْرًا، وَلَا قِلَّايَةً، وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا نُحْدِثَ مِنْهَا مَا خَرِبَ، وَلَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي خُطَطِ الْمُسْلِمِينَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَأَنْ نُوَسِّعَ عَلَى مَنْ مَرَّ بِنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الضِّيَافَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا نُنْزِلَ فِي كَنَائِسِنَا، وَلَا مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا، وَلَا نَكْتُمَ عَيْنًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ، وَلَا نُظْهِرَ شَرْعَنَا، وَلَا نَدْعُوَ إلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي قَرَابَتِنَا مِنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إنْ رَأَوْا ذَلِكَ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَقُومَ لَهُمْ فِي مَجَالِسِنَا إذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا نَتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةٍ، وَلَا نَعْلٍ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ، وَلَا نَتَسَمَّى بِأَسْمَائِهِمْ، وَلَا نَتَكَنَّى بِكُنْيَتِهِمْ، وَلَا نَرْكَبَ بِالسُّرُوجِ، وَلَا نَتَقَلَّدَ بِالسُّيُوفِ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ، وَلَا نَعْمَلَهُ، وَلَا نَحْمِلَهُ مَعَنَا، وَلَا نَنْقُشَ عَلَى خَوَاتِمِنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ، وَلَا نَسْقِيَهَا أَحَدًا، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِيمَ رُءُوسِنَا، وَنَجْعَلَ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَلَا نُظْهِرَ صُلْبَانَنَا، وَكُتُبَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نَضْرِبَ النَّوَاقِيسَ فِي شَيْءٍ مِنْ
стр. 36
كَنَائِسِنَا إلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا.
وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي شَيْءٍ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نُظْهِرَ بَاعُوثًا، وَلَا شَعَانِينَ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا، وَلَا نَتَّخِذَ مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إلَى عُمَرَ ﵁ زَادَ فِيهِ، وَلَا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَرَطْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَأَهْلِ مِلَّتِنَا، وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ مِنَّا مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ، وَالشِّقَاقِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ أَمْضِ ذَلِكَ، وَأَلْحِقْ فِيهِ هَذَا، وَلَا يَشْتَرُوا شَيْئًا مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ مَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا أَوْ شَتَمَهُ فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ، وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اقْطَعْ رُكَبَهُمْ، وَإِنْ تَرَكْنَا يَرْكَبُوا عَلَى الْأَكُفِّ، وَأَنْ يَرْكَبُوا مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَلْبَسُوا خِلَافَ لِبَاسِ الْمُسْلِمِينَ لِيُعْرَفُوا بِهِ، وَاللَّوْنُ الْأَصْفَرُ أَوْلَى بِالْيَهُودِ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَيَشُدُّونَ النَّصَارَى الزَّنَانِيرَ أَيْ خُيُوطًا غِلَاظًا فِي أَوْسَاطِهِمْ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَالتَّمْيِيزُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، تَعُمُّ لَوْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ الْغِيَارُ، وَالزُّنَّارُ جَمِيعًا أَخَذُوا بِهِمَا، وَيَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ خَاتَمٌ مِنْ الرَّصَاصِ أَوْ نُحَاسٍ يَدْخُلُ مَعَهُمْ الْحَمَّامَ لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ، وَلَهُمْ أَنْ يَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ، وَالطَّيْلَسَانَ؛ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ يَحْصُلْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِ الدِّيبَاجِ وَجْهَانِ
стр. 37
وَتَشُدُّ الْمَرْأَةُ الزُّنَّارَ تَحْتَ الْإِزَارِ، وَفَوْقَ الثِّيَابِ حَتَّى لَا تَصِفَ أَبْدَانَهُنَّ، وَتَكْشِفَ رُءُوسَهُنَّ، وَقِيلَ بَلْ فَوْقَ الْإِزَارِ كَالرَّجُلِ، وَيَكُونُ فِي عُنُقِهَا خَاتَمٌ يَدْخُلُ مَعَهَا الْحَمَّامَ، وَيَكُونُ أَحَدُ خُفَّيْهَا أَسْوَدَ، وَالْآخَرُ أَبْيَضَ لِيَتَمَيَّزْنَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِنَّ، وَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ لِشَرَفِهَا، وَقِيلَ لَا يُمْنَعُونَ، وَيَرْكَبُونَ الْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ بِالْأَكُفِّ عَرْضًا أَيْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَرْكَبُونَ مُسْتَوِيًا، وَلَكِنْ يَكُونُ الرِّكَابُ مِنْ خَشَبٍ، وَلَا يُصَدَّرُونَ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا يُبْدَءُونَ بِالسَّلَامِ، وَيُلْجَئُونَ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَيُمْنَعُونَ أَنْ يَعْلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْبِنَاءِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، وَقِيلَ يُمْنَعُونَ، وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ الْعُلُوِّ فِي مَحَلَّة وَاحِدَةٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ زَادُوا أَبْنِيَتَهُمْ بِإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ وَالرَّوَاشِينَ إلَى السَّابِلَةِ وَجْهَانِ، وَالْمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ تَشْرِيفٌ، وَإِنْ تَمَلَّكُوا دَارًا عَالِيَةً أُقِرُّوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ نَعَمْ لَوْ انْهَدَمَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوهَا كَمَا كَانَتْ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَوْ شَاهَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَآدُرُهُمْ تَعْلُو عَلَى يُثَيْعٍ الْمُسْلِمِينَ، وَمَسَاجِدِهِمْ، وَهُمْ يُدْعَوْنَ بِالنُّعُوتِ الَّتِي كَانَتْ لِلْخُلَفَاءِ، وَيُكَنَّوْنَ بِكُنَاهُمْ فَمِنْ نُعُوتِهِمْ الرَّشِيدُ، وَهُوَ أَبُو الْخُلَفَاءِ، وَيُكَنُّونَ بِأَبِي الْحَسَنِ، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَبِأَبِي الْفَضْلِ، وَهُوَ الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ جَاوَزُوا حَدَّ أَقْدَارِهِمْ، وَتَظَاهَرُوا بِأَقْوَالِهِمْ، وَأَفْعَالِهِمْ
стр. 38
وَأَظْهَرَتْ مِنْهُمْ الْأَيَّامُ طَبَائِعَ شَيْطَانِيَّةً مَكَّنَتْهَا، وَعَضَّدَتْهَا يَدٌ سُلْطَانِيَّةٌ فَرَكِبُوا مَرْكُوبَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَبِسُوا أَحْسَنَ لِبَاسِهِمْ، وَاسْتَخْدَمُوهُمْ فَرَأَيْت الْيَهُودِيَّ، وَالنَّصْرَانِيَّ رَاكِبًا يَسُوقُ بِمَرْكَبِهِ، وَالْمُسْلِمَ يَجْرِي فِي رِكَابِهِ، وَرُبَّمَا تَضَرَّعُوا، وَتَذَلَّلُوا لَهُ؛ لِيَرْفَعَ عَنْهُمْ مَا أَحْدَثَهُ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ إذَا خَرَجْنَ مِنْ دُورِهِنَّ، وَمَشَيْنَ فِي الطُّرُقَاتِ فَلَا يَكَدْنَ يُعْرَفْنَ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَمَّامَاتِ، وَرُبَّمَا جَلَسَتْ النَّصْرَانِيَّةُ فِي أَعْلَى مَكَان مِنْ الْحَمَّامِ، وَالْمُسْلِمَاتُ يَجْلِسْنَ دُونَهَا، وَيَخْرُجْنَ الْأَسْوَاقَ، وَيَجْلِسْنَ عِنْدَ التُّجَّارِ فَيُكْرِمُونَهُنَّ بِمَا يُشَاهِدُونَ مِنْ حُسْنِ زِيِّهِنَّ فَلَا يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ أَهْلُ ذِمَّةٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ الِاهْتِمَامُ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ، وَيُعَزِّرُ مَنْ يَظْهَرُ بِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ بِيَعٍ، وَكَنَائِسَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِهَدْمِ كُلِّ كَنِيسَةٍ اسْتَجَدَّتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يُبْقِ إلَّا مَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَرْسَلَ عُرْوَةُ مِنْ نَجْدٍ فَهَدَمَ الْكَنَائِسَ بِصَنْعَاءَ، وَصَانَعَ الْقِبْطَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ بِمِصْرَ، وَهَدَمَ بَعْضَهَا، وَلَمْ يُبْقِ مِنْ الْكَنَائِسِ إلَّا مَا كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ .
أَمَّا إذَا اسْتَهْدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إعَادَتِهِ، وَقِيلَ يُمْنَعُونَ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ لِلِاسْتِحْدَاثِ قَالَ فِي الْحَاوِي: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي خَرَابِهَا فَإِنْ صَارَتْ دَارِسَةً مُسْتَطْرَقَةً مُنِعُوا مِنْ بِنَائِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ دَارِسَةٍ لَهُمْ بِنَاؤُهَا، وَعَلَى الْإِمَامِ حِفْظُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَدَفْعُ مَنْ قَصَدَهُمْ بِالْأَذِيَّةِ أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ
стр. 39
تَحَاكَمُوا إلَيْنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَاكِمُ الْكُفَّارِ فَإِنْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ﵀ وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ شَرِيعَتَنَا بِحَسَبِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ كَالْمُعَاهِدِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فَعَلَى هَذَا إنْ تَرَاضَوْا حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَيُشْتَرَطُ الْتِزَامُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ، هَذَا إذَا اتَّحَدَ الدِّينَانِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَصْرَانِيًّا، وَالْآخَرُ يَهُودِيًّا فَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ فَصَارَا كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَرْضَى بِحُكْمِ مِلَّةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ يَطَّرِدُ الْقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَهُ الْحَاكِمُ لِلْحُكْمِ، وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَأَمَّا مَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا فَاسِدَةً، وَتَقَابَضُوا ثُمَّ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا لَمْ نَنْقُضْ مَا فَعَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ تَرَاضَوْا بِهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا نُقِضَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وَإِنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ
стр. 40
كَالْمَجْنُونِ فَعَلَى هَذَا يُحَالُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُمْ فَإِنْ بَلَغَ، وَوَصَفَ الْكُفْرَ هُدِّدَ، وَضُرِبَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ رُدَّ إلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْإِسْلَامَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حِينِ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ، وَصَفَ الْكُفْرَ، وَلَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ مِنْهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الصِّغَرِ إلَّا بِمَا يَنْضَافُ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
[فَصَلِّ مِقْدَار الْجِزْيَة عَلَى أَهْل الذِّمَّة وَكَيْف تُؤْخَذ مِنْهُمْ]
(فَصَلِّ) وَيَأْخُذ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ عَلَى قَدْرَ طَاقَتِهِمْ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعِيلِ دِينَارٌ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَعَلَى الْغَنِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ فَإِذَا جَاءَهُ الْمُحْتَسِبُ أَوْ الْعَامِلُ لِأَخْذِ الْجِزْيَةِ أَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَلْطِمُهُ عَلَى صَفْحَةِ عُنُقِهِ، وَيَقُولُ: أَدِّ الْجِزْيَةَ يَا كَافِرُ، وَيُخْرِجُ الذِّمِّيُّ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ مَطْبُوقَةً عَلَى الْجِزْيَةِ فَيُعْطِيهَا لَهُ بِذِلَّةٍ، وَانْكِسَارٍ، وَيُشْتَرَطُ مَعَ الْجِزْيَةِ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ لُزُومِ الْأَحْكَامِ أَوْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ آوَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ دَلَّهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ دِينَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ فَقَدْ انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ فَقُتِلَ فِي الْحَالِ، وَغُنِمَ مَالُهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ حَدًّا، وَإِنْ فَعَلَ مَا مُنِعَ مِنْهُ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ كَتَرْكِ الْغِيَارِ، وَإِظْهَارِ الْخَمْرِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا عُزِّرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِلْزَامُهُمْ بِجَمِيعِهَا.
следующие страницы →