← Сияса и кади

Сияса и кади · id 10526

معالم القربة في طلب الحسبة

ابن الأخوة

Полный текст (237 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كَنَائِسِنَا إلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا. وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي شَيْءٍ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نُظْهِرَ بَاعُوثًا، وَلَا شَعَانِينَ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا، وَلَا نَتَّخِذَ مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إلَى عُمَرَ ﵁ زَادَ فِيهِ، وَلَا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَرَطْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَأَهْلِ مِلَّتِنَا، وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ مِنَّا مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ، وَالشِّقَاقِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ أَمْضِ ذَلِكَ، وَأَلْحِقْ فِيهِ هَذَا، وَلَا يَشْتَرُوا شَيْئًا مِنْ سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ مَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا أَوْ شَتَمَهُ فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ، وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ اقْطَعْ رُكَبَهُمْ، وَإِنْ تَرَكْنَا يَرْكَبُوا عَلَى الْأَكُفِّ، وَأَنْ يَرْكَبُوا مِنْ شِقٍّ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَلْبَسُوا خِلَافَ لِبَاسِ الْمُسْلِمِينَ لِيُعْرَفُوا بِهِ، وَاللَّوْنُ الْأَصْفَرُ أَوْلَى بِالْيَهُودِ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَيَشُدُّونَ النَّصَارَى الزَّنَانِيرَ أَيْ خُيُوطًا غِلَاظًا فِي أَوْسَاطِهِمْ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَالتَّمْيِيزُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، تَعُمُّ لَوْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ الْغِيَارُ، وَالزُّنَّارُ جَمِيعًا أَخَذُوا بِهِمَا، وَيَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ خَاتَمٌ مِنْ الرَّصَاصِ أَوْ نُحَاسٍ يَدْخُلُ مَعَهُمْ الْحَمَّامَ لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ، وَلَهُمْ أَنْ يَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ، وَالطَّيْلَسَانَ؛ لِأَنَّ التَّمَيُّزَ يَحْصُلْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِ الدِّيبَاجِ وَجْهَانِ

стр. 37

وَتَشُدُّ الْمَرْأَةُ الزُّنَّارَ تَحْتَ الْإِزَارِ، وَفَوْقَ الثِّيَابِ حَتَّى لَا تَصِفَ أَبْدَانَهُنَّ، وَتَكْشِفَ رُءُوسَهُنَّ، وَقِيلَ بَلْ فَوْقَ الْإِزَارِ كَالرَّجُلِ، وَيَكُونُ فِي عُنُقِهَا خَاتَمٌ يَدْخُلُ مَعَهَا الْحَمَّامَ، وَيَكُونُ أَحَدُ خُفَّيْهَا أَسْوَدَ، وَالْآخَرُ أَبْيَضَ لِيَتَمَيَّزْنَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِنَّ، وَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ لِشَرَفِهَا، وَقِيلَ لَا يُمْنَعُونَ، وَيَرْكَبُونَ الْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ بِالْأَكُفِّ عَرْضًا أَيْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَرْكَبُونَ مُسْتَوِيًا، وَلَكِنْ يَكُونُ الرِّكَابُ مِنْ خَشَبٍ، وَلَا يُصَدَّرُونَ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا يُبْدَءُونَ بِالسَّلَامِ، وَيُلْجَئُونَ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَيُمْنَعُونَ أَنْ يَعْلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْبِنَاءِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، وَقِيلَ يُمْنَعُونَ، وَهَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ الْعُلُوِّ فِي مَحَلَّة وَاحِدَةٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ زَادُوا أَبْنِيَتَهُمْ بِإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ وَالرَّوَاشِينَ إلَى السَّابِلَةِ وَجْهَانِ، وَالْمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ تَشْرِيفٌ، وَإِنْ تَمَلَّكُوا دَارًا عَالِيَةً أُقِرُّوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ نَعَمْ لَوْ انْهَدَمَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوهَا كَمَا كَانَتْ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَوْ شَاهَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَآدُرُهُمْ تَعْلُو عَلَى يُثَيْعٍ الْمُسْلِمِينَ، وَمَسَاجِدِهِمْ، وَهُمْ يُدْعَوْنَ بِالنُّعُوتِ الَّتِي كَانَتْ لِلْخُلَفَاءِ، وَيُكَنَّوْنَ بِكُنَاهُمْ فَمِنْ نُعُوتِهِمْ الرَّشِيدُ، وَهُوَ أَبُو الْخُلَفَاءِ، وَيُكَنُّونَ بِأَبِي الْحَسَنِ، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَبِأَبِي الْفَضْلِ، وَهُوَ الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ جَاوَزُوا حَدَّ أَقْدَارِهِمْ، وَتَظَاهَرُوا بِأَقْوَالِهِمْ، وَأَفْعَالِهِمْ

стр. 38

وَأَظْهَرَتْ مِنْهُمْ الْأَيَّامُ طَبَائِعَ شَيْطَانِيَّةً مَكَّنَتْهَا، وَعَضَّدَتْهَا يَدٌ سُلْطَانِيَّةٌ فَرَكِبُوا مَرْكُوبَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَبِسُوا أَحْسَنَ لِبَاسِهِمْ، وَاسْتَخْدَمُوهُمْ فَرَأَيْت الْيَهُودِيَّ، وَالنَّصْرَانِيَّ رَاكِبًا يَسُوقُ بِمَرْكَبِهِ، وَالْمُسْلِمَ يَجْرِي فِي رِكَابِهِ، وَرُبَّمَا تَضَرَّعُوا، وَتَذَلَّلُوا لَهُ؛ لِيَرْفَعَ عَنْهُمْ مَا أَحْدَثَهُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ إذَا خَرَجْنَ مِنْ دُورِهِنَّ، وَمَشَيْنَ فِي الطُّرُقَاتِ فَلَا يَكَدْنَ يُعْرَفْنَ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَمَّامَاتِ، وَرُبَّمَا جَلَسَتْ النَّصْرَانِيَّةُ فِي أَعْلَى مَكَان مِنْ الْحَمَّامِ، وَالْمُسْلِمَاتُ يَجْلِسْنَ دُونَهَا، وَيَخْرُجْنَ الْأَسْوَاقَ، وَيَجْلِسْنَ عِنْدَ التُّجَّارِ فَيُكْرِمُونَهُنَّ بِمَا يُشَاهِدُونَ مِنْ حُسْنِ زِيِّهِنَّ فَلَا يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ أَهْلُ ذِمَّةٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ الِاهْتِمَامُ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ، وَيُعَزِّرُ مَنْ يَظْهَرُ بِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ بِيَعٍ، وَكَنَائِسَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِهَدْمِ كُلِّ كَنِيسَةٍ اسْتَجَدَّتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يُبْقِ إلَّا مَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَرْسَلَ عُرْوَةُ مِنْ نَجْدٍ فَهَدَمَ الْكَنَائِسَ بِصَنْعَاءَ، وَصَانَعَ الْقِبْطَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ بِمِصْرَ، وَهَدَمَ بَعْضَهَا، وَلَمْ يُبْقِ مِنْ الْكَنَائِسِ إلَّا مَا كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ . أَمَّا إذَا اسْتَهْدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إعَادَتِهِ، وَقِيلَ يُمْنَعُونَ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ لِلِاسْتِحْدَاثِ قَالَ فِي الْحَاوِي: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي خَرَابِهَا فَإِنْ صَارَتْ دَارِسَةً مُسْتَطْرَقَةً مُنِعُوا مِنْ بِنَائِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ دَارِسَةٍ لَهُمْ بِنَاؤُهَا، وَعَلَى الْإِمَامِ حِفْظُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَدَفْعُ مَنْ قَصَدَهُمْ بِالْأَذِيَّةِ أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ

стр. 39

تَحَاكَمُوا إلَيْنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَاكِمُ الْكُفَّارِ فَإِنْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ ﵀ وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ شَرِيعَتَنَا بِحَسَبِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ كَالْمُعَاهِدِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فَعَلَى هَذَا إنْ تَرَاضَوْا حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَيُشْتَرَطُ الْتِزَامُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ، هَذَا إذَا اتَّحَدَ الدِّينَانِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَصْرَانِيًّا، وَالْآخَرُ يَهُودِيًّا فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ فَصَارَا كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَرْضَى بِحُكْمِ مِلَّةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ يَطَّرِدُ الْقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَهُ الْحَاكِمُ لِلْحُكْمِ، وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَأَمَّا مَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا فَاسِدَةً، وَتَقَابَضُوا ثُمَّ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا لَمْ نَنْقُضْ مَا فَعَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ تَرَاضَوْا بِهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا نُقِضَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وَإِنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ

стр. 40

كَالْمَجْنُونِ فَعَلَى هَذَا يُحَالُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُمْ فَإِنْ بَلَغَ، وَوَصَفَ الْكُفْرَ هُدِّدَ، وَضُرِبَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ رُدَّ إلَى أَهْلِهِ، وَقِيلَ يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْإِسْلَامَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حِينِ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ، وَصَفَ الْكُفْرَ، وَلَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوثَقُ مِنْهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الصِّغَرِ إلَّا بِمَا يَنْضَافُ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ. [فَصَلِّ مِقْدَار الْجِزْيَة عَلَى أَهْل الذِّمَّة وَكَيْف تُؤْخَذ مِنْهُمْ] (فَصَلِّ) وَيَأْخُذ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ عَلَى قَدْرَ طَاقَتِهِمْ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعِيلِ دِينَارٌ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَعَلَى الْغَنِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ فَإِذَا جَاءَهُ الْمُحْتَسِبُ أَوْ الْعَامِلُ لِأَخْذِ الْجِزْيَةِ أَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَلْطِمُهُ عَلَى صَفْحَةِ عُنُقِهِ، وَيَقُولُ: أَدِّ الْجِزْيَةَ يَا كَافِرُ، وَيُخْرِجُ الذِّمِّيُّ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ مَطْبُوقَةً عَلَى الْجِزْيَةِ فَيُعْطِيهَا لَهُ بِذِلَّةٍ، وَانْكِسَارٍ، وَيُشْتَرَطُ مَعَ الْجِزْيَةِ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ لُزُومِ الْأَحْكَامِ أَوْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ آوَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ دَلَّهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ دِينَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ فَقَدْ انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ فَقُتِلَ فِي الْحَالِ، وَغُنِمَ مَالُهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ حَدًّا، وَإِنْ فَعَلَ مَا مُنِعَ مِنْهُ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ كَتَرْكِ الْغِيَارِ، وَإِظْهَارِ الْخَمْرِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا عُزِّرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِلْزَامُهُمْ بِجَمِيعِهَا.

стр. 41

[الْبَاب الْخَامِس فِي الْحَسَبَة عَلَى أَهْل الْجَنَائِز] وَهُوَ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يُؤَخَّرْنَ الصَّلَاةُ، وَالْجِنَازَةُ، وَالْأَيِّمُ إذَا وَجَدَتْ كُفْئًا» . وَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ، وَلِيُّ الْمَيِّتِ مِنْ مَالَ الْمَيِّتِ مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ ثُمَّ يَقْضِي دَيْنَهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يَحْتَالُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُرْتَهَنَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . ثُمَّ يُبَادِرُ إلَى غَسْلِهِ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الَّذِي، وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ، وَسِدْرٍ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ أَبُوهُ ثُمَّ جَدُّهُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ ابْنُ ابْنِهِ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ الزَّوْجَةُ، وَقِيلَ: إنَّ الزَّوْجَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ وَصَّى أَنْ تَغْسِلَهُ زَوْجَتُهُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا،، وَلَا يُمَكِّنُ الْمُحْتَسِبُ مَنْ يَتَصَدَّى لِغُسْلِ الْمَوْتَى مِنْ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ إلَّا ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا خَبِيرًا قَدْ قَرَأَ كِتَابَ الْجَنَائِزِ فِي الْفِقْهِ، وَعَرَفَ وَاجِبَاتِهِ، وَسُنَنَهُ، وَمُسْتَحَبَّاتِهِ، وَيَسْأَلُهُ الْمُحْتَسِبُ عَنْ ذَلِكَ فَمَنْ كَانَ قَيِّمًا بِهِ تَرَكَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ صَرَفَهُ لِيَتَعَلَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً غَسَّلَتْهَا النِّسَاءُ الْأَقَارِبُ ثُمَّ النِّسَاءُ الْأَجَانِبُ ثُمَّ الزَّوْجُ، وَدَلِيلُ جَوَازِ غُسْلِهِ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ غَسَّلَ فَاطِمَةَ ﵂، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ

стр. 42

أَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا رَجُلٌ أَجْنَبِيّ تُيُمِّمَ لِمَا فِي الْغُسْلِ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ يُغَسَّلُ مَعَ حَائِلٍ كَالثَّوْبِ، وَقِيلَ تُدْفَنُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَلَا تُتَيَمَّمُ، وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي غُسْلِ الْخُنْثَى، فَأَمَّا الصَّغِيرُ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ غُسْلُهُ. وَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ فَأَقَارِبُهُ الْكُفَّارُ أَوْلَى مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ فَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ، وَدَفْنِهِ. وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ فِي الْغُسْلِ عَنْ الْعُيُونِ: بِأَنْ يَكُونَ مَوْضِعٌ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْغَاسِلُ، وَمَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعُونَتِهِ، وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ إلَّا إلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ عَيْبٌ فَلَا يَهْتِكُهُ، وَأَوْلَى أَنْ يُغَسِّلَهُ فِي قَمِيصٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَيُدْخِلَ الْغَاسِلُ يَدَهُ مِنْ الْكُمَّيْنِ، وَيُدَلِّكَ ظَاهِرَ بَدَنِهِ، وَيَصُبَّ الْمَاءَ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَمِيصُ فَضْلَةٍ فَلْيَسْتُرْ عَوْرَتَهُ بِخِرْقَةٍ ثُمَّ يُجْلِسَهُ الْغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، وَيُسْنِدَ ظَهْرَهُ إلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرَّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا بَلِيغًا لِيُخْرِجَ مَا فِيهِ ثُمَّ يُضْجِعَهُ عَلَى قَفَاهُ، وَيَغْسِلَ بِيَسَارِهِ، وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ ثُمَّ يَلُفَّ أُخْرَى، وَيُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي فَمِهِ، وَيُمِرَّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلَ مَا فِي مَنْخِرَيْهِ مِنْ أَذًى، وَيُوَضِّئَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ، وَسِدْرٍ، وَيُسَرِّحَ شَعْرَهُ، وَيَغْسِلَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى سَائِرَ جَسَدَهُ، وَيَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَيَتَعَاهَدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إمْرَارَ الْيَدِ عَلَى الْبَطْنِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ غَسَلَ، وَيَكُونَ وِتْرًا كَمَا فِي الْحَيِّ، وَيَجْعَلَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا، وَقَدْ، وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ، وَيَحُفَّ شَارِبَهُ، وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَلَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْمَيِّتِ

стр. 43

لِقَوْلِهِ ﷺ «افْعَلُوا بِمَيِّتِكُمْ مَا تَفْعَلُوا بِعَرُوسِكُمْ» . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِأَحْيَائِكُمْ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ النِّيَّةُ، وَالْغُسْلُ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْءٌ أُعِيدَ غَسْلُهُ ثُمَّ يُنَشَّفُ فِي ثَوْبٍ، وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يَتَيَمَّمُ. وَتَكْفِينُ الْمَيِّتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَيَجِبُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ فَعَلَى زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَبَتْ كِسْوَتُهُ عَلَى شَخْصٍ وَجَبَ كَفَنُهُ كَالْمَمْلُوكِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، وَلَا زَوْجٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ إزَارٍ، وَلِفَافَتَيْنِ بِيضٍ كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، وَقِيلَ إزَارٌ، وَرِدَاءٌ، وَقَمِيصٌ فَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ فِيهَا قَمِيصٌ، وَعِمَامَةٌ جَازَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ فِي أَهْلِهِ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي الْحَرِيرِ فَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ إزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَدِرْعٍ أَيْ قَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ بِيضٍ، رَوَتْ ذَلِكَ أُمُّ عَطِيَّةَ فِي كَفَنِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ الدِّرْعُ كَمَا فِي الرَّجُلِ، وَيُكْرَهُ الْحَرِيرُ لِلنِّسَاءِ لِأَجْلِ السَّرَفِ. وَأَقَلُّ الْكَفَنِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ فَلَوْ أَوْصَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُنَفَّذْ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ، أَمَّا الْأَكْمَلُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ فَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَالزِّيَادَةُ إلَى خَمْسَةٍ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ، وَفِي حَقِّ النِّسَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسِ سَرَفٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِدْرَاجِ فِي الْكَفَنِ أَنْ يُعَرِّشَ اللِّفَافَةَ الْعُلْيَا، وَيَذُرَّ عَلَيْهَا الْخُيُوطَ، وَيَبْسُطَ الثَّانِيَةَ، وَيُزَادُ فِي الْخُيُوطِ. الْقَوْلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَالسُّنَّةُ أَنْ تُفْعَلَ فِي جَمَاعَةٍ لِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ

стр. 44

السَّلَفِ، وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ الْفَرْض إلَّا بِأَرْبَعَةٍ صَلَّوْا فُرَادَى أَوْ جَمَاعَةً، وَقِيلَ بِثَلَاثَةٍ، وَقِيلَ بِاثْنَيْنِ، وَقِيلَ بِوَاحِدٍ. وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ أَبُوهُ ثُمَّ جَدُّهُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ ابْنُ ابْنِهِ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَبُ، وَالْجَدُّ عَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّ شَفَقَتَهُمَا أَكْمَلُ فَيَكُونُ تَفَجُّعُهُمَا أَعْظَمُ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمَا أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، وَإِنْ اسْتَوَيَا اثْنَانِ فِي الدَّرَجَةِ قُدِّمَ أَسَنُّهُمَا إذَا الْمَقْصُودُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَدُعَاءُ الْأَسَنِّ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي أَنْ يُرَدَّ لِلشَّيْخِ دَعْوَةً» . وَيَقِفُ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَ عَجُزِ الْمَرْأَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، وَيَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَ عَجُزِ الْمَرْأَةِ» . وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَفِي الثَّالِثَةِ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ، وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك، وَابْنُ عَبْدِك، وَابْنُ أَمَتِك خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا، وَسَعَتِهَا، وَمَحْبُوبِهَا، وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَمَا هُوَ لَاقِيهِ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك، وَرَسُولُك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاك رَاغِبِينَ شُفَّعًا لَهُ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك رِضَاك، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا، وَلَهُ إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْقَوْلُ فِي الدَّفْنِ، وَأَقَلُّهُ حُفْرَةٌ تُوَارِي بَدَنَ الْمَيِّتِ، وَتَحْرُسُهُ مِنْ السِّبَاعِ، وَتَكْتُمُ رَائِحَتَهُ، وَأَكْمَلُهُ قَبْرٌ عَلَى قَدْرِ قَامَةِ رَجُلٍ رَبْعٍ، وَاللَّحْدُ أَوْلَى مِنْ

стр. 45

الشَّقِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الشَّقُّ لِغَيْرِنَا، وَاللَّحْدُ لَنَا، وَلْيَكُنْ اللَّحْدُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ تُوضَعُ الْجِنَازَةُ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ رَأْسُ الْمَيِّتِ عِنْدَ مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ، وَيَسُلُّ الْوَاقِفُ دَاخِلَ الْقَبْرِ الْمَيِّتَ مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ، وَيَضَعُهُ فِي اللَّحْدِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُدْخِلُ الْمَيِّتَ الْقَبْرَ إلَّا رَجُلٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ زَوْجُهَا أَوْ مَحَارِمُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَبِيدُهَا ثُمَّ يَضَعُونَ الْمَيِّتَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فِي اللَّحْدِ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ بِحَيْثُ لَا يَنْكَبُّ، وَلَا يُسْتَلْقَى، وَحَسَنٌ أَنْ يُفْضَى بِوَجْهِهِ إلَى تُرَابٍ أَوْ لَبِنَةٍ مَوْضُوعَةٍ تَحْتَ رَأْسِهِ ثُمَّ يُسَدُّ بَابُ اللَّحْدِ بِاللَّبِنِ ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ بِالْمَسَاحِي، ثُمَّ تَسْطِيحُ الْقَبْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَفْضَلُ مِنْ تَسْنِيمِهَا لَكِنَّ التَّسْنِيمَ الْآنَ أَفْضَلُ مُخَالَفَةً لِشِعَارِ الرَّوَافِضِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَفِينٍ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. وَلَا يُدْفَنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مَيِّتَانِ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ اجْتَمَعَ مَوْتَى فِي، وَبَاءٍ جَعَلْنَا الرَّجُلَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدَّمْنَا الْأَفْضَلَ إلَى جِدَارِ اللَّحْدِ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ، وَالِابْنُ عَلَى الْأُمِّ لِمَكَانِ الذُّكُورَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاء فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ جَعَلْنَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ. وَالْقَبْرُ مُحْتَرَمٌ فَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ، وَالْمَشْيُ، وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ، وَلْيَخْرُجْ الزَّائِرُ مِنْهُ إلَى حَدٍّ كَانَ يَقْرَبُ مِنْهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَلَا يَحِلُّ نَبْشُ الْقُبُورِ إلَّا إذَا انْمَحَقَ أَثَرُ الْمَيِّتِ بِطُولِ الزَّمَانِ أَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَطَلَبَ الْمَالِكُ إخْرَاجَهُ فَإِنَّ حَقَّ الْحَيِّ أَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ، وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ، وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ التَّكْفِينِ فَوَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ يَسْتُرُهُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِالدَّفْنِ، وَلَوْ دُفِنَ فِي كَفَنٍ

стр. 46

مَغْصُوبٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يُنْبَشُ كَالْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَكَمَا لَوْ ابْتَلَعَ لُؤْلُؤَةً فَإِنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهُ لِأَجْلِ مِلْكِ الْغَيْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْهَالِكِ فَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَالنَّبْشُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيمَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، وَأَدَّى إلَى هَتْكِ حُرْمَتِهِ فَلَا يُنْبَشُ، وَهُوَ الْأَقْيَسُ، وَإِلَّا فَيُنْبَشُ، ثُمَّ يَتَفَقَّدُ الْمُحْتَسِبُ الْجَنَائِزَ، وَالْمَقَابِرَ فَإِذَا سَمِعَ نَائِحَةً أَوْ نَادِبَةً مَنَعَهَا، وَعَزَّرَهَا؛ لِأَنَّ النَّوْحَ حَرَامٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «النَّائِحَةُ، وَمَنْ حَوْلَهَا فِي النَّارِ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «لَعَنَ النَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ، وَالْحَالِقَةَ، وَالصَّالِقَةَ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمَوْشُومَةَ» . وَقَالَ «لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنْ أَجْرٍ» ، أَمَّا الْبُكَاءُ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ، وَلَا نِيَاحَةٍ، وَلَا شِقِّ جَيْبٍ، وَلَا ضَرْبِ خَدٍّ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَتُمْنَعُ النِّسَاءُ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» . فَإِذَا خَرَجَتْ جِنَازَةٌ أَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يَتَأَخَّرْنَ عَنْ الرِّجَالِ، وَلَا يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ، وَيَمْنَعُهُنَّ مِنْ كَشْفِ وُجُوهِهِنَّ، وَرُءُوسِهِنَّ خَلْفَ الْمَيِّتِ، وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ، وَمَتَى سَمِعَ بِامْرَأَةٍ نَائِحَةٍ أَوْ مُغَنِّيَةٍ أَوْ عَاهِرٍ اسْتَتَابَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ فَإِنْ عَادُوا عَزَّرَهُمْ، وَنَفَاهُمْ مِنْ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ الْخُنْثَى مِنْ حَلْقِ لِحْيَتِهِ، وَدُخُولِهِ عَلَى النِّسْوَانِ، وَهَذَا حَرَامٌ كُلُّهُ.

стр. 47

[الْبَاب السَّادِس فِي الْمُعَامَلَات الْمُنْكَرَة] كَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَالرِّبَا، وَالسَّلَمِ الْفَاسِدِ، وَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَالشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ، وَبَيَانِ شُرُوطِ الشَّرْعِ فِي صِحَّةِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ مَدَارُ الْمَكَاسِبِ، مِنْهَا تَرْكُ الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالْمُعَاطَاةِ لَكِنَّ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُنْكَرُ إلَّا عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ، وَكَذَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ الْمُعْتَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ فِيهَا فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْعُقُودِ، وَكَذَا فِي الرِّبَوِيَّاتِ كُلِّهَا، وَهِيَ غَالِبَةٌ، وَكَذَا سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْفَاسِدَةِ: الْأَوَّلُ الْبَيْعُ، وَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْعَاقِدُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَصِيغَةُ الْعَقْدِ، فَيَنْبَغِي لِلتَّاجِرِ أَلَّا يُعَامِلَ فِي الْبَيْعِ أَرْبَعَةً: الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْعَبْدُ، وَالْأَعْمَى؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَبَيْعُهُمَا بَاطِلٌ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الصَّبِيِّ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَا أُخِذَ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لَهُمَا، وَمَا سَلَّمَهُ إلَيْهِمَا فِي الْمُعَامَلَةِ فَضَاعَ فِي أَيْدِيهِمَا فَهُوَ الْمُضَيِّعُ لَهُ. وَأَمَّا الْعَبْدُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَعَلَى الْبَقَّالِ، وَالْخَبَّازِ، وَالْقَصَّابِ، وَغَيْرِهِمْ أَلَا يُعَامِلُوا الْعَبِيدَ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ السَّيِّدُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسْمِعَهُ صَرِيحًا، أَوْ يَنْتَشِرَ فِي الْبَلَدِ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الشِّرَاء لِسَيِّدِهِ، وَالْبَيْعِ لَهُ فَيُعَوَّلُ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ، أَوْ عَلَى قَوْلِ عَدْلٍ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ فَإِنْ عَامَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَعَقْدُهُ بَاطِلٌ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، وَمَا سَلَّمَهُ

стр. 48

لَهُ إنْ ضَاعَ فِي يَدِ الْعَبْدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ سَيِّدُهُ بَلْ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْمُطَالَبَةُ إذَا أُعْتِقَ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَإِنَّهُ يَبِيعُ، وَيَشْتَرِي مَا لَا يَرَى فَلَا يَصِحُّ فَلْيَأْمُرْهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا بَصِيرًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ، أَوْ يَبِيعَ فَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، وَيَصِحُّ بَيْعُ وَكِيلِهِ فَإِنْ عَامَلَهُ بِنَفْسِهِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَمَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ أَيْضًا مَضْمُونٌ لَهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ لَكِنْ لَا يُبَاعُ مِنْهُ الْمُصْحَفُ، وَلَا كُتُبُ الْحَدِيثِ، وَلَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ السِّلَاحُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُرِهَ، وَعَصَى رَبَّهُ. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ. الْأَوَّلُ: أَلَّا يَكُونَ نَجِسَ الْعَيْنِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ، وَلَا الْخِنْزِيرِ، وَلَا الزِّبْلِ، وَلَا الْعَذِرَةِ، وَلَا بَيْعُ الْعَاجِ، وَلَا الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْهُ فَإِنَّ الْعَظْمَ يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَلَا يُطَهَّرُ الْفِيلُ بِالذَّبْحِ، وَلَا يُطَهَّرُ عَظْمُهُ بِالتَّنْقِيَةِ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَمْرِ، وَلَا الْوَدَكِ النَّجِسِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلِاصْطِبَاحِ، أَوْ طِلَاءِ السُّفُنِ، وَأَمَّا الزَّيْتُ النَّجِسُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لَا يَحِلُّ أَكْلُ زَيْتٍ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، وَلَا بَيْعُهُ، وَيَجُوزُ الِاصْطِبَاحُ بِهِ، وَالْحُكْمُ فِي الْفَأْرَةِ، وَالْعُصْفُورِ، وَالدَّجَاجَةِ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْخَبَرَ، وَرَدَ فِي الْفَأْرَةِ فَتَصَوُّرُ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي سَمْنٍ مَاتَتْ فِيهِ لَمْ يَخْلُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ جَامِدًا، أَوْ مَائِعًا فَإِنْ كَانَ جَامِدًا نَجَسَ الْقَدْرُ الَّذِي تَجَاوَرَ بَدَنَ الْفَأْرَةِ فَيُلْقَى ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْهُ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى

стр. 49

هَذَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ سَمْنٍ جَامِدٍ، وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، وَمَاتَتْ فَقَالَ أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ، وَلَا تَأْكُلُوهُ» . وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا فَالْحُكْمُ فِيهِ، وَفِي الزَّيْتِ، وَالشَّيْرَجِ، وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ وَاحِدٌ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَلَا بَيْعُهُ، وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ بَلْ يُرَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالِاصْطِبَاحُ بِهِ. وَقَالَ دَاوُد إنْ كَانَ سَمْنًا، وَجَبَ إرَاقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَدْهَانِ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، قُلْت فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ فَلَوْ أُحْرِقَ فَارْتَفَعَ مِنْهُ دُخَانٌ فَهَلْ هُوَ طَاهِرٌ، أَوْ نَجِسٌ، فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّخَانَ لَيْسَ هُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بَلْ النَّجَاسَةُ قَدْ ذَهَبَتْ، وَزَالَتْ، وَهَذَا جِسْمٌ آخَرُ أَحْدَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الْتِقَاءِ النَّارِ، وَالزَّيْتِ فَكَانَ طَاهِرًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّخَانَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَالنَّجَاسَةُ إذَا أُحْرِقَتْ، وَتَغَيَّرَتْ لَمْ تَطْهُرْ كَالْعَذِرَةِ إذَا صَارَتْ رَمَادًا هَكَذَا الْحُكْمُ فِي السِّرْجِينِ إذَا سُجِّرَ بِهِ التَّنُّورُ فَهَلْ يَكُونُ دُخَانُهُ طَاهِرًا أَمْ يُنَجَّسُ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ فَأَيُّ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ، أَوْ بَدَنٍ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَالصَّلَاةُ مَعَهُ جَائِزَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ نَجِسٌ فَإِذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ثَوْبِهِ، أَوْ بَدَنِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَلِيلًا عُفِيَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَجَبَ غَسْلُهُ، وَإِنْ سُجِّرَ بِهِ التَّنُّورُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبَزَ فِيهِ حَتَّى يُمْسَحَ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ فَيُزَالُ عَنْهُ الدُّخَانُ فَإِنْ خُبِزَ قَبْلَ أَنْ يُمْسَحَ فَالْجَانِبُ الَّذِي فِي التَّنُّورِ مِنْ الْخُبْزِ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ.

стр. 50

[فَصَلِّ غَسَلَ الْأَدْهَان الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَة] (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي غَسْلِ هَذِهِ الْأَدْهَانِ، وَتَطْهِيرِهَا بِالْمَاءِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السَّمْنَ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وَلَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ، وَأَمَّا الزَّيْتُ، وَالشَّيْرَجُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْهَانِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَأَبُو الْعَبَّاسِ يَقُولُ: إنَّهَا تَطْهُرُ بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخَالِطُهُ، وَلَا تُمَازِجُهُ فَطَهُرَتْ بِالْغُسْلِ كَمَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ النَّجِسُ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ مَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ، وَإِزَالَةُ الْمَاءِ النَّجِسِ عَنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الدُّهْنِ فَلَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُهُ كَالْخَلِّ، وَالْمَاوَرْدِ، وَاللَّبَنِ، وَالْعَسَلِ، وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ غَسْلُهُ فَإِذَا غُسِلَ لَمْ يَطْهُرْ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَإِذَا قُلْنَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَإِنْ غَسَلَهُ ثُمَّ بَاعَهُ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ الْغُسْلِ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا، وَفِي الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَاثِرَهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَاحِدٌ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ فَيُشَابِهُ الثَّوْبَ النَّجِسَ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا فُقِدَتْ مِنْهُ مَنَافِعُهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا بِيعَ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَجُمْلَةُ هَذَا أَنَّ النَّجَاسَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ كَنَجَاسَةِ الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِحَالٍ. وَالثَّانِي: مَا نُجِّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَلَا يَطْهُرُ بِالْمَاءِ كَالْخَلِّ، وَالْمَاوَرْدِ، وَاللَّبَنِ، وَمَا أَشْبَهَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحَالٍ. وَالثَّالِثُ: مَا نُجِّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَلَمْ يُبْطَلْ، مُعْظَمُ مَنَافِعِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ. وَالرَّابِعُ: مَا نُجِّسَ بِالْمُجَاوِرَةِ، وَقَدْ زَالَ مُعْظَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ كَالزَّيْتِ، وَالشَّيْرَجِ، وَغَيْرِهِ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ هُوَ أَنَّهُ مَائِعٌ نَجِسٌ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ فَهُوَ فِي عَيْنِهِ لَيْسَ بِنَجِسٍ

стр. 51

وَكَذَا لَا أَرَى بَأْسًا بِبَيْعِ دُودِ الْقَزِّ فَإِنَّهُ أَصْلُ حَيَوَانٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَتَشْبِيهُهُ بِالْبَيْضِ، وَهُوَ أَصْلُ حَيَوَانٍ، أَوْلَى مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالرَّوْثِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ فَأْرَةِ الْمِسْكِ، وَيُقْضَى بِطَهَارَتِهَا إذَا انْفَصَلَتْ مِنْ الظَّبْيَةِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، وَالْفَأْرِ، وَالْحَيَّةِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى انْتِفَاعِ الْمُشَعْوَذِ بِالْحَيَّةِ، وَكَذَلِكَ انْتِفَاعِ أَرْبَابِ الْحِلَقِ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ السَّلَّةِ، وَعَرْضِهَا عَلَى النَّاسِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرَّةِ، وَالنَّحْلِ، وَبَيْعُ الْفَهْدِ، وَالْأَسَدِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، أَوْ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفِيلِ لِأَجْلِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَبَّغَاءِ، وَالطَّاوُوسِ، وَالطُّيُورِ الْمَسْمُوعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُؤْكَلُ فَإِنَّ التَّفَرُّجَ بِأَصْوَاتِهَا، وَالنَّظَرَ إلَيْهَا غَرَضٌ مَقْصُودٌ مُبَاحٌ، وَإِنَّمَا الْكَلْبُ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَنَى إعْجَابًا بِصُورَتِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعُودِ، وَالصَّنْجِ، وَالْمَزَامِيرِ، وَالْمَلَاهِي فَإِنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهَا شَرْعًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الصُّوَرِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ الطِّينِ كَالْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُبَاعُ فِي الْأَعْيَادِ لِلَعِبِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّ كَسْرَهَا وَاجِبٌ شَرْعًا، وَصُوَرِ الْأَشْجَارِ يُتَسَامَحُ بِهَا، وَأَمَّا الثِّيَابُ، وَالْأَطْبَاقُ الَّتِي عَلَيْهَا صُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ فَيَصِحُّ بَيْعُهَا، وَكَذَا السُّتُورُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ اتَّخِذِي مِنْهَا نَمَارِقَ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا مَنْصُوبَةً، وَيَجُوزُ مَوْضُوعَةً، وَإِذَا جَازَ الِانْتِفَاعُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ صَحَّ الْبَيْعُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَرَّفُ فِيهِ مَمْلُوكًا لِلْعَاقِدِ، أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الزَّوْجَةِ مَالَ الزَّوْجِ، وَلَا مِنْ الزَّوْجِ مَالَ الزَّوْجَةِ، وَلَا مِنْ الْوَلَدِ مَالَ الْوَالِدِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَضِيَ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الرِّضَى مُتَقَدِّمًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ

стр. 52

مِمَّا يَجْرِي فِي الْأَسْوَاقِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ شَرْعًا، وَحِسًّا فَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ حِسًّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْآبِقِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَالْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ، وَعَسْبِ الْفَحْلِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ لِاخْتِلَاطِ غَيْرِ الْمَبِيعِ بِالْمَبِيعِ، وَغَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَرْعًا كَالْمَرْهُونِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَالْمُسْتَوْلَدَة فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا أَيْضًا، وَكَذَا بَيْعُ أُمٍّ دُونَ الْوَلَدِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا، وَكَذَا بَيْعُ الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ حَرَامٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ دُونَ الْبُلُوغِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا» . وَرُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ، وَوَلَدِهَا فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَرَدَّ الْبَيْعَ» ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا، وَكَذَا الْجِدَّاتُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي سِنِّ التَّمْيِيزِ خِلَافٌ، أَوْ سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ، وَيُفَرَّقُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَمُدُّ التَّحْرِيمَ إلَى وَقْتِ سُقُوطِ الْأَسْنَانِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَعْلُومَ الْعَيْنِ، وَالْقَدْرِ، وَالْوَصْفِ فَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْعَيْنِ فَبِأَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ. فَلَوْ قَالَ: بِعْتُك شَاةً مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ أَيَّ شَاةٍ أَرَدْت، أَوْ ثَوْبًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْك، أَوْ ذِرَاعًا مِنْ هَذَا الْكِرْبَاسِ، وَخُذْهُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شِئْت، أَوْ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَخُذْ مِنْ أَيِّ طَرَفٍ شِئْت فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِيمَا يَعْتَادُهُ

стр. 53

الْمُتَسَاهِلُونَ فِي الدِّينِ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَيُؤَدِّبَ عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَ إلَّا أَنْ يَبِيعَ شَائِعًا مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ نِصْفَ الشَّيْءِ، أَوْ رُبْعَهُ، أَوْ عُشْرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْمِقْدَارِ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْكَيْلِ، أَوْ الْوَزْنِ، أَوْ النَّظَرِ إلَيْهِ فَلَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ ثَوْبَهُ، وَهُمَا لَا يَدْرِيَانِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِزِنَةِ هَذِهِ الصَّنْجَةِ فَبَاطِلٌ إذَا لَمْ تَكُنْ الصَّنْجَةُ مَعْلُومَةً، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنْ الْحِنْطَةِ، أَوْ بِعْتُك بِهَذِهِ الصُّرَّةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِهَذِهِ الْقِطْعَةِ مِنْ الذَّهَبِ، وَهُوَ يَرَاهَا صَحَّ الْبَيْعُ، وَكَانَ تَخْمِينُهُ بِالنَّظَرِ كَافِيًا فِي مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْوَصْفِ فَيَحْصُلُ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْأَعْيَانِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ إلَّا إذَا سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ مُنْذُ مُدَّةٍ لَا يَغْلِبُ التَّغَيُّرُ فِيهَا، وَالْوَصْفُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعِيَانِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْأُنْمُوذَجِ، وَهِيَ الْعَيْنُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الدَّلَّالُ، وَيَعْرِضُهَا عَلَى التُّجَّارِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا الْخِلَافُ مِثَالُ ذَلِكَ إذَا قَالَ: بِعْتُك مِائَةَ صَاعٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَأَشَارَ إلَى أُنْمُوذَجٍ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمَبِيعَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الْمَبِيعَ، وَلَمْ يَرْعَ شَرَائِطَ السَّلَمِ فَإِنْ جَرَتْ شَرَائِطُ السَّلَمِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا تَأَمَّلَ الْأُنْمُوذَجَ، وَضَبَطَ أَوْصَافَهُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الصِّفَةِ، وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ اللِّحَاظِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الِاعْتِمَادُ فِي السَّلَمِ عَلَى ذِكْرِ الْأَوْصَافِ لَا عَلَى مَعْرِفَةِ، أَوْصَافٍ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهَا، وَإِنْ عَيَّنَ نُظْرَانًا لَمْ يَدْخُلْ الْأُنْمُوذَجُ فِي الْمَبِيعِ،

стр. 54

قَالَ أَصْحَابُنَا: الْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يُرَ بَعْضُهُ، وَلَا كُلُّهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخْرَجَ عَلَى اسْتِقْصَاءِ الْأَوْصَافِ لِلْمَبِيعِ فَإِنْ أُدْخِلَ الْأُنْمُوذَجُ قَالَ الْقَفَّالُ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَهُوَ كَالصُّبْرَةِ يُرَى ظَاهِرُهَا دُونَ بَاطِنِهَا. وَخَالَفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالُوا: إنَّهُ غَائِبٌ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا بَيْعُ الثَّوْبِ فِي الْمَنْسَجِ اعْتِمَادًا عَلَى الرُّقُومِ، وَلَا بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ الشَّعِيرِ فِي سُنْبُلِهِ، وَكَذَا بَيْعُ الْأُرْزِ فِي قِشْرِهِ الَّذِي يُدَّخَرُ فِيهِ، وَكَذَا بَيْعُ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ فِي الْقِشْرَةِ السُّفْلَى، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقِشْرَيْنِ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَاقِلَاءِ الرَّطْبِ فِي قِشْرِيّه لِلْحَاجَةِ، وَيُتَسَامَحُ بِبَيْعِ الْفُقَّاعِ لِجَرَيَانِ عَادَةِ الْأَوَّلِينَ بِهِ، وَلَكِنْ نَجْعَلُهُ إبَاحَةً بِعِوَضٍ فَلَوْ اشْتَرَاهُ لِيَبِيعَهُ فَالْقِيَاسُ بُطْلَانُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَتِرًا خِلْقَةً، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُتَسَامَحَ بِهِ إذْ فِي إخْرَاجِهِ إفْسَادٌ كَالرُّمَّانِ، وَمَا يَسْتَتِرُ خِلْقَةً. السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَقْبُوضًا إنْ كَانَ قَدْ اسْتَفَادَ مِلْكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ، وَهَذَا شَرْطٌ خَاصٌّ فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَقَارُ، وَالْمَنْقُولُ فَكُلَّمَا اشْتَرَاهُ، وَبَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، وَقَبْضُ الْمَنْقُولَ بِالنَّقْلِ، وَقَبْضُ الْعَقَارَ بِالتَّخْلِيَةِ، وَقَبْضُ مَا ابْتَاعَهُ بِشَرْطِ الْكَيْلِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يَكْتَالَهُ. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: لَفْظُ الْعَقْدِ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَرَيَانِ إيجَابٍ، وَقَبُولٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك، وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت، وَلِهَذَا شُرِحَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ

стр. 55

فَأَمَّا الْمُعَاطَاةِ لَمْ تَنْعَقِدْ بَيْعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَصْلًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَنْعَقِدُ إنْ كَانَتْ فِي الْمُحَقَّرَاتِ ثُمَّ ضَبْطُ الْمُحَقَّرَاتِ عَسِيرٌ فَإِنْ رُدَّ الْأَمْرُ إلَى الْعَادَاتِ فَقَدْ جَاوَزَ النَّاسُ الْمُحَقَّرَاتِ فِي الْمُعَاطَاةِ مِثْلَ حُزْمَةِ الْبَقْلِ، وَرَغِيفِ الْخُبْزِ، وَقَلِيلٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ، وَاللَّحْمِ الَّتِي لَا يُعْتَادُ فِيهَا إلَّا الْمُعَاطَاةُ، وَقَدْ ضَبَطَ الرَّافِعِيُّ لَهَا ضَابِطًا. قَالَ: سَمِعْت، وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرَهُ يَحْكُمُ ضَابِطَهَا بِمَا دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ، وَالْأَشْبَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ فِيمَا يُعْتَادُ فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمُعَاطَاةِ بَيْعًا. وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ النَّفِيسَةُ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْمُعَاطَاةُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الدَّلَّالُ إلَى الْبَزَّازِ يَأْخُذُ مِنْهُ ثَوْبَ دِيبَاجٍ قِيمَتُهُ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ مَثَلًا، وَيَحْمِلُهُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَيَعُودُ إلَيْهِ بِأَنَّهُ ارْتَضَاهُ فَيَقُولُ لَهُ خُذْ عَشْرَةً فَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الْعَشَرَةَ، وَيُسَلِّمُهَا إلَى الْبَزَّازِ فَيَأْخُذُهُ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا، وَهَذَا لَيْسَ بَيْعًا أَصْلًا فَيُنْهَى عَنْ فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَيَجْتَمِعُ الْمُتَّجِرُونَ عَلَى حَانُوتِ الْبَيَّاعِ فَيَعْرِضُ مَتَاعًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ مَثَلًا فَمَنْ يَزِيدُ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ هَذَا عَلَيَّ بِتِسْعِينَ، وَيَقُولُ آخَرُ بِخَمْسَةٍ، وَتِسْعِينَ، وَيَقُولُ آخَرُ بِمِائَةٍ فَيَقُولُ لَهُ زِنْ فَيَزِنُ، وَيُسَلِّمُهُ، وَيَأْخُذُ الْمَتَاعَ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ، وَقَبُولٍ، وَقَدْ اسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَاتُ، وَهَذِهِ مِنْ الْمُعْضِلَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ تَقْبَلُ الْعِلَاجَ إذْ الِاحْتِمَالَاتُ ثَلَاثَةٌ إمَّا فَتْحُ بَابِ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا فِي الْحَقِيرِ، وَالنَّفِيسِ، وَهُوَ مُحَالٌ إذْ

стр. 56

فِيهِ نَقْلُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، وَالْبَيْعُ اسْمٌ لِلْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ فَلَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَنْطَلِقْ اسْمُ الْبَيْعِ عَلَى مُجَرَّدِ فِعْلٍ بِتَسْلِيمٍ، وَفِيمَا ذَا يُحْكَمُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا سِيَّمَا فِي الْجَوَارِي، وَالْعَبِيدِ، وَالْعَقَارَاتِ، وَالدَّوَابِّ النَّفِيسَةِ، وَمَا يَكْثُرُ التَّنَازُعُ فِيهَا. الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يُسَدَّ الْبَابُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ بُطْلَانِ الْعَقْدِ، وَفِيهِ إشْكَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمُحَقَّرَاتِ مُعْتَادًا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ كَانُوا يُكَلَّفُونَ الْإِيجَابَ، وَالْقَبُولَ مَعَ الْبَقَّالِ، وَالْخَبَّازِ، وَالْقَصَّابِ لَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ فَإِنَّ الْأَعْصَارَ فِي ذَلِكَ تَتَقَارَبُ. الثَّانِي أَنَّ النَّاسَ الْآنَ قَدْ انْهَمَكُوا فِيهِ فَلَا يَشْتَرِي الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنْ الْأَطْعِمَةِ، وَغَيْرِهَا إلَّا، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَمْلِكُهُ بِالْمُعَاطَاةِ، وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَلَفُّظِهِ بِالْعَقْدِ إذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الْمُحَقَّرَاتِ، وَغَيْرِهَا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْسُرُ الضَّبْطُ فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَيَشْكُلُ. وَجْهُ نَقْلِ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَهَبَ ابْنُ شُرَيْحٍ إلَى تَخْرِيجِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَفْقِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الِاحْتِمَالَاتِ إلَى الِاعْتِدَالِ فَلَا بَأْسَ لَوْ مِلْنَا إلَيْهِ لِمَسِيسِ الْحَاجَاتِ، وَلِعُمُومِ ذَلِكَ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَلِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُعْتَادًا فِي الْأَعْصَارِ الْأُولَى، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالَيْنِ فَهُوَ أَنْ نَقُولَ أَمَّا الضَّبْطُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُحَقَّرَاتِ، وَغَيْرِهَا فَلَيْسَ عَلَيْنَا تَكَلُّفُهُ بِالتَّقْدِيرِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ بَلْ لَهُ طَرَفَانِ وَاضِحَانِ إذْ لَا يَخْفَى شِرَاءُ الْبَقْلِ، وَقَلِيلٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ، وَاللَّحْمِ، وَالْخُبْزِ فِي الْمَعْدُودِ مِنْ

стр. 57

الْمُحَقَّرَاتِ الَّتِي لَا يُعْتَادُ فِيهَا إلَّا الْمُعَاطَاةُ، وَطَالِبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يُعَدُّ مُسْتَقْصِيًا، وَيُسْتَبْرَدُ تَكْلِيفُهُ لِذَلِكَ، وَيُسْتَثْقَلُ، وَيُنْسَبُ إلَى أَنَّهُ يُقِيمُ الْوَزْنَ لِأَمْرٍ حَقِيرٍ لَا وَجْهَ لَهُ فَهُوَ طَرَفُ الْحَقَارَةِ. الطَّرَفُ الثَّانِي: لِلدَّوَابِّ، وَالْعَبِيدِ، وَالْعَقَارَاتِ، وَالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ فَذَلِكَ مِمَّا لَا يُسْتَبْعَدُ تَكَلُّفُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيهَا، وَبَيْنَهُمَا، أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ يُشَكُّ فِيهَا هِيَ مَحَلُّ الشُّبْهَةِ فَحَقُّ ذِي الدِّينِ أَنْ يَمِيلَ فِيهَا إلَى الِاحْتِيَاطِ، وَجَمِيعِ ضَوَابِطِ الشَّرْعِ فِيمَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ كَذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى أَطْرَافٍ وَاضِحَةٍ، وَأَوْسَاطٍ مُشْكَلَةٍ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ طَلَبُ سَبَبٍ لِنَقْلِ الْمِلْكِ فَهُوَ: أَنْ يُجْعَلَ الْفِعْلُ بِالْيَدِ أَخْذًا، وَتَسْلِيمًا سَبَبًا إذْ اللَّفْظُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لَعَيْنِهِ بَلْ لِدَلَالَتِهِ، وَهَذَا الْفِعْلُ قَدْ دَلَّ عَلَى مَقْصُودِ الْبَيْعِ دَلَالَةً مُسْتَمِرَّةً فِي الْعَادَةِ، وَانْضَمَّ إلَيْهِ مَسِيسُ الْحَاجَةِ، وَعَادَةُ الْأَوَّلِينَ، وَاطِّرَادُ جَمِيعِ الْعَادَاتِ بِقَبُولِ الْهَدَايَا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ، وَقَبُولٍ مَعَ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِوَضٌ، أَوْ لَا يَكُونُ إذْ الْمِلْكُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ فِي الْهِبَةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْعَادَةَ السَّالِفَةَ لَمْ تُفَرِّقْ فِي الْهَدَايَا بَيْنَ الْحَقِيرِ، وَالنَّفِيسِ بَلْ كَانَ طَلَبُ الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ كَيْفَ كَانَ، وَفِي الْبَيْعِ لَمْ يُسْتَقْبَحْ فِي غَيْرِ الْمُحَقَّرَاتِ هَذَا مَا نَرَاهُ أَعْدَلَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَحَقُّ الْوَرِعِ الْمُتَدَيِّنِ أَلَّا يَدَعَ الْإِيجَابَ، وَالْقَبُولَ لِلْخُرُوجِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ فَإِنْ قُلْت فَإِنْ أَمْكَنَ هَذَا فِيمَا يَشْتَرِيهِ فَكَيْفَ يَفْعَلُ إذَا حَضَرَ فِي

стр. 58

ضِيَافَةٍ، أَوْ عَلَى مَائِدَةٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَصْحَابَهَا يَكْتَفُونَ بِالْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَوْ سَمِعَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، أَوْ رَآهُ أَيَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَكْلِ فَأَقُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الشِّرَاءِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي اشْتَرَوْهُ مُقَدَّرًا نَفِيسًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ. وَأَمَّا الْأَكْلُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَإِنِّي أَقُولُ: إنْ تَرَدَّدْنَا فِي جَعْلِ الْفِعْلِ دَلَالَةً عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا نَجْعَلَهُ دَلَالَةً عَلَى الْإِبَاحَةِ فَإِنَّ أَمْرَ الْإِبَاحَةِ، أَوْسَعُ، وَأَمْرَ نَقْلِ الْمِلْكِ أَضْيَقُ فَكُلُّ مَطْعُومٍ جَرَى فِيهِ بَيْعُ مُعَاطَاةٍ فَتَسْلِيمُ الْبَائِعِ إذْنٌ فِي الْأَكْلِ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ كَإِذْنِ الْحَمَّامِيِّ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَالْإِذْنِ فِي الطَّعَامِ لِمَنْ يُرِيدُهُ الْمُشْتَرِي فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَنْ قَالَ أَبَحْت لَك أَنْ تَأْكُلَ هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ تُطْعِمَ مَنْ أَرَدْت فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ، وَلَوْ صَرَّحَ. وَقَالَ: كُلْ هَذَا الطَّعَامُ ثُمَّ اغْرَمْ لِي عِوَضَهُ يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ، وَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بَعْدَ الْأَكْلِ هَذَا قِيَاسُ الْفِقْهِ عِنْدِي، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ الْمُعَاطَاةِ آكِلٌ مِلْكَهُ، وَمُتْلِفٌ لَهُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالثَّمَنُ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ إنْ كَانَ مِثْلَ قِيمَتِهِ فَقَدْ ظَفِرَ الْمُسْتَحِقُّ بِمِثْلِ حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ مَهْمَا عَجَزَ عَنْ مُطَالَبَةِ مَنْ غَلَبَهُ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مُطَالَبَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ مَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْضَى بِتِلْكَ الْعَيْنِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى دَيْنِهِ فَعَلَيْهِ الْمُرَاجَعَةُ، وَأَمَّا هَاهُنَا قَدْ عُرِفَ رِضَاهُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ عِنْدَ

стр. 59

التَّسْلِيمِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ الْفِعْلُ دَلَالَةً عَلَى الرِّضَى بِأَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِمَّا سُلِّمَ إلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ، لَكِنْ عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ جَانِبُ الْبَائِعِ أُغْمِضَ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ فَقَدْ يُرِيدُ الْمِلْكَ فِيهِ لِيَتَصَرَّفَ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّمَلُّكُ إلَّا إذَا تَلِفَ عَيْنُ الطَّعَامِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ رُبَّمَا يُفْتَقَرُ إلَى اسْتِئْنَافِ قَصْدِ التَّمَلُّكِ ثُمَّ يَكُونُ قَدْ تَمَلَّكَ بِمُجَرَّدِ رِضًى اسْتَفَادَهُ مِنْ الْفِعْلِ دُونَ الْقَوْلِ فَأَمَّا جَانِبُ الْمُشْتَرِي لِلطَّعَامِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ إلَّا الْأَكْلَ فَهَيِّنٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا يَلْزَمُ مِنْ مَسَاقِ هَذَا أَنَّ الضَّيْفَ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ إذَا تَمَلَّكَ الْبَائِعُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ كَالْقَاضِي دَيْنَهُ، وَالْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ، فَهَذَا مَا نَرَاهُ فِي قَاعِدَةِ الْمُعَاطَاةِ عَلَى غُمُوضِهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّه، وَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ، وَظُنُونٌ رَدَدْنَاهَا، وَلَا يُمْكِنُ بِنَاءُ الْفَتْوَى إلَّا عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ، وَأَمَّا الْوَرِعُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَفْتِيَ قَلْبَهُ، وَيَتَّقِيَ مَوَاضِعَ الشُّبْهَةِ. [فَصَلِّ تَسْعِير الْمُحْتَسَب لِلْبَضَائِعِ عَلَى أَرْبَابهَا] (فَصْلٌ) : وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ تَسْعِيرُ الْبَضَائِعِ عَلَى أَرْبَابِهَا فَإِنَّ الْمُسَعِّرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَتَصَرَّفْنَ فِيهِ الْإِمَامُ، وَالْوَالِي فَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ إلَّا فِي سِنِينَ الْقَحْطِ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا إذْ «غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ

стр. 60

اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْقَابِضُ، وَالْبَاسِطُ، وَالرَّازِقُ، وَالْمُسَعِّرُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي نَفْسٍ، وَلَا مَالٍ» . قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ كَانَ فِي سِنِينَ الْقَحْطِ، وَاضْطَرَبَتْ الْأَسْعَارُ، وَابْتَغِي اسْتِقَامَتُهَا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَحْرُمُ لِعُمُومِ النَّهْيِ. وَالثَّانِي: لَا يَحْرُمُ نَظَرًا إلَى الْمَقْصُودِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ إذَا رَأَى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ إنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْفَقِيرِ فِي تَيْسِيرِ الْعُسْرِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ يَدَ اللَّهِ ذَلِكَ فِي خَفْضِ مَا رَفَعَ، وَبَذْلِ مَا مَنَعَ، وَقِفْ أَنْتَ حَيْثُ، أَوْقَفَك حُكْمُ الْحَقِّ، وَدَعْ مَا يُعْنِي لَك مِنْ مُصْلِحَةِ الْخَلْقِ، وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ اتَّبَعَ الرَّأْيَ، وَالنَّظَرَ، وَتَرَكَ الْآيَةَ، وَالْخَبَرَ فَحُكْمُ اللَّهِ مَنْظُومَةٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَلَيْسَتْ فِيمَا يَسْتَنْبِطُهُ ذُو الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ ذُو الْعَقْل بِعَقْلِهِ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَإِذَا قُلْنَا التَّسْعِيرُ جَائِزٌ فَإِذَا سَعَّرَ الْإِمَامُ، وَبَاعَ النَّاسُ بِذَلِكَ السِّعْرِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَمْ لَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَيُعَزِّرُهُمْ لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ. [فَصَلِّ رَأَى الْمُحْتَسَب شَخْصًا مُحْتَكَرًا] (فَصْلٌ) : وَإِذَا رَأَى الْمُحْتَسِبُ أَحَدًا قَدْ احْتَكَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ، وَيَتَرَبَّصَ لِيَزْدَادَ فِي ثَمَنِهِ أَلْزَمهُ بَيْعَهُ إجْبَارًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِكَارَ حَرَامٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 61

«مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ لَمْ تَكُنْ صَدَقَتُهُ كَفَّارَةً لِاحْتِكَارِهِ» . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ» ، وَقِيلَ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ نَفْسًا. وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ، وَجْهَهُ مَنْ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَسَا قَلْبُهُ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ أَحْرَقَ طَعَامًا مُحْتَكَرًا بِالنَّارِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَا حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا لَا يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولُ مَالٍ مِنْ أَذْهَابٍ إلَى رِزْقٍ مِنْ أَرْزَاقِ اللَّهِ يَنْزِلُ بِسَاحَتِنَا - فَيَحْتَكِرُونَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ كَيَدِهِ فِي الشِّتَاءِ، وَالصَّيْفِ فَذَاكَ، وَصْفُ عُمَرَ فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ، إنَّ الِاحْتِكَارَ مِنْ الظُّلْمِ، وَدَخَلَ تَحْتَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقٌ، وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِهِ فِي الْوَقْتِ، وَالْجِنْسِ أَمَّا الْجِنْسُ فَيَطَّرِدُ النَّهْيُ فِي أَجْنَاسِ الْأَقْوَاتِ أَمَّا مَا لَيْسَ بِقُوتٍ، وَلَا هُوَ مُعَيَّنٍ عَلَى الْقُوتِ كَالْأَدْوِيَةِ، وَالْعَقَاقِيرِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَأَمْثَالِهِ فَلَا يَتَعَدَّى النَّهْيُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا، وَأَمَّا مَا يُعَيَّنُ عَلَى الْقُوتِ كَاللَّحْمِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَمَا يَسُدُّ مَسَدًّا يُغْنِي عَنْ الْقُوتِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ فَهَذَا فِي مَحَلِّ النَّظَرِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ طَرَدَ التَّحْرِيمَ فِي السَّمْنِ، وَالْعَسَلِ، وَالشَّيْرَجِ، وَالْجُبْنِ، وَالزَّيْتِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.

стр. 62

وَأَمَّا الْوَقْتُ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا طَرْدُ النَّهْيِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُخَصَّصَ بِوَقْتِ قِلَّةِ الْأَطْعِمَةِ، وَحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فِي تَأْخِيرِ بَيْعِهِ ضَرَرٌ مَا، وَأَمَّا إذَا اتَّسَعَتْ الْأَطْعِمَةُ، وَكَثُرَتْ، وَاسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهَا، وَلَمْ يَرْغَبُوا فِيهَا إلَّا بِقِيمَةٍ قَلِيلَةٍ، وَانْتَظَرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ قَحْطًا فَلَيْسَ فِي هَذَا إضْرَارٌ، وَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ قَحْطٍ كَانَ فِي ادِّخَارِ الْعَسَلِ، وَالشَّيْرَجِ، وَأَمْثَالِهِ إضْرَارٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِتَحْرِيمِهِ، وَيُعَوَّلُ فِي نَفْيِ التَّحْرِيمِ، وَإِثْبَاتِهِ عَلَى الضِّرَارِ فَإِنَّهُ مَفْهُومٌ قَطْعًا مِنْ تَخْصِيصِ الطَّعَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضِرَارٌ فَلَا يَخْلُو احْتِكَارُ الْأَقْوَاتِ عَنْ كَرَاهِيَةٍ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ مَبَادِئُ الضِّرَارِ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْأَسْعَارِ، وَانْتِظَارُ مُبَادَى الضِّرَارِ مَحْظُورٌ كَانْتِظَارِ عَيْنِ الضِّرَارِ، وَلَكِنَّهُ دُونَهُ فَبِقَدْرِ دَرَجَاتِ الْإِضْرَارِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ الْكَرَاهِيَةِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ، أَوْصَى بَعْضُ التَّابِعِينَ رَجُلًا لَا تُسَلِّمْ، وَلَدَك فِي بَيْعَتَيْنِ، وَلَا فِي صَنْعَتَيْنِ بَيْعِ الطَّعَامِ، وَبَيْعِ الْأَكْفَانِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى الْغَلَاءَ، وَمَوْتَ النَّاسِ، وَالصَّنْعَتَانِ أَنْ يَكُونَ جَزَّارًا فَإِنَّهَا صَنْعَةٌ تُقَسِّي الْقُلُوبَ، وَصَوَّاغًا فَإِنَّهُ يُزَخْرِفُ الدُّنْيَا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ، وَاجِبٌ. [فَصَلِّ تَلْقَيْ الرَّكْبَانِ] (فَصْلٌ) : وَلَا يَجُوزُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَهُوَ أَنْ تُقْدِمَ قَافِلَةٌ فَيَلْتَقِيهِمْ الْإِنْسَانُ خَارِجَ الْبَلَدِ فَيُخْبِرُهُمْ بِكَسَادِ مَتَاعِهِمْ لِيَبْتَاعَ مِنْهُمْ رَخِيصًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ» . وَنَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَعِ حَتَّى تَهْبِطَ إلَى الْأَسْوَاقِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يُقْدِمَ السُّوقَ

стр. 63

وَصُورَة ذَلِكَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ التُّجَّارَ، وَيَكْذِبَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ، وَيَشْتَرِي أَمْتِعَتَهُمْ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُتَلَقِّي آثِمٌ، وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ لِلْبَاعَةِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ. [فَصَلِّ فِي الرَّبَّا] (فَصْلٌ) : فِي الرِّبَا، وَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَشَدَّدَ الْأَمْرَ فِيهِ، وَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عَلَى الصَّيَارِفَةِ الْمُتَعَامِلِينَ عَلَى النَّقْدَيْنِ، وَعَلَى الْمُتَعَامِلِينَ عَلَى، الْأَطْعِمَةِ إذْ لَا رِبًا إلَّا فِي نَقْدٍ، أَوْ فِي طَعَامٍ، وَعَلَى الصَّيْرَفِيِّ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ النَّسِيئَةِ، وَالْفَضْلِ: أَمَّا النَّسِيئَةُ فَأَنْ لَا يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ جَوَاهِرِ النَّقْدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ جَوَاهِرِ النَّقْدَيْنِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، وَهُوَ أَنْ يَجْرِيَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنْ النَّسِيئَةِ. وَتَسْلِيمُ الصَّيَارِفَةِ الذَّهَبَ إلَى دَارِ الضَّرْبِ، وَشِرَاءُ الدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ بِهِ حَرَامٌ مِنْ حَيْثُ النَّسْءُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَجْرِي فِيهِ تَفَاضُلٌ إذْ لَا يُرَدُّ الْمَضْرُوبُ بِمِثْلِ وَزْنِهِ، وَأَمَّا الْفَضْلُ فَيُحْتَرَزُ مِنْهُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ فِي بَيْعِ الْمُكَسَّرِ بِالصَّحِيحِ فَلَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ فِيهِمَا إلَّا مَعَ الْمُمَاثَلَةِ، وَفِي بَيْعِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ رَدِيئًا بِجَيِّدٍ دُونَهُ فِي الْوَزْنِ، أَوْ بَيْعُ رَدِيءٍ بِجَيِّدٍ فَوْقَهُ فِي الْوَزْنِ أَعْنِي الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَلَا حَرَجَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ هَاءً بِهَاءٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَمَنْ زَادَ، وَاسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . الثَّالِثُ: الْمُرَكَّبَاتُ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ كَالدَّنَانِيرِ الْمُخَلَّطَةِ مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ إنْ كَانَ مِقْدَارُ الذَّهَبِ مَجْهُولًا لَمْ تَصِحَّ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ أَصْلًا إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ نَقْدًا جَارِيًا فِي الْبَلَدِ فَإِنَّا نُرَخِّصُ فِي الْمُعَامَلَةِ عَلَيْهِ إذَا

стр. 64

لَمْ يُقَابَلْ بِالنَّقْدِ، وَكَذَا الدَّرَاهِمُ الْمَغْشُوشَةُ بِالنُّحَاسِ إنْ لَمْ تَكُنْ رَائِجَةً فِي الْبَلَدِ لَمْ تَصِحَّ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا النُّقَرَةُ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ نَقْدًا رَائِجًا فِي الْبَلَدِ رَخَّصْنَا فِي الْمُعَامَلَةِ بِهِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَخُرُوجِ النُّقْرَةِ عَنْ أَنْ يُقْصَدَ اسْتِخْرَاجُهَا، وَلَكِنْ لَا يُقْبَلُ بِالنُّقْرَةِ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ حُلِيٍّ مُرَكَّبٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ لَا بِالذَّهَبِ، وَلَا بِالْفِضَّةِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَتَاعٍ آخَرَ إنْ كَانَ قَدْرُ الذَّهَبِ مِنْهُ مَعْلُومًا إلَّا إذَا كَانَ سَمَّوْهَا بِالذَّهَبِ تَمْوِيهًا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ ذَهَبٌ مَقْصُودٌ عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ النُّقْرَةِ، وَبِمَا أُرِيدَ مِنْ غَيْرِ النَّقْرَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلصُّيَّاغِ، وَالصَّيَارِفَةِ أَنْ يَشْتَرُوا قِلَادَةً فِيهَا خَرَزٌ، وَذَهَبٌ بِذَهَبٍ، وَلَا أَنْ يَبِيعَهُ بَلْ بِالْفِضَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فِضَّةٌ لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ، وَذَهَبٌ تُبَاعُ، وَهِيَ مِنْ الْغَنَائِمِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ ثُمَّ قَالَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ» . وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ يَحْصُلُ مِنْهُ ذَهَبٌ مَقْصُودٌ عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَى النَّارِ بِذَهَبٍ، وَيَجُوزُ بِالْفِضَّةِ، وَغَيْرِهَا. [فَصَلِّ الْمُتَعَامَلُونَ عَلَى الْأَطْعِمَة عَلَيْهِمْ التَّقَابُض فِي الْمَجْلِس] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْمُتَعَامِلُونَ عَلَى الْأَطْعِمَةِ فَعَلَيْهِمْ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ اخْتَلَفَ جِنْسُ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ بِالْمُشْتَرَى، أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ، وَإِنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ فَعَلَيْهِمْ التَّقَابُضُ، وَمُرَاعَاةُ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُعْتَادُ فِي هَذَا مُعَامَلَةُ الْقَصَّابِ بِأَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْغَنَمَ، وَيَشْتَرِيَ بِهَا اللَّحْمَ نَقْدًا، أَوْ نَسِيئَةً، وَهُوَ حَرَامٌ «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» . وَكَذَا الْخَبَّازُ بِأَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْحِنْطَةَ

стр. 65

وَيَشْتَرِيَ بِهَا الْخُبْزَ نَسِيئَةً، أَوْ نَقْدًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَكَذَا مُعَامَلَةُ الْعَصَّارُ إذَا سَلَّمَ إلَيْهِ السِّمْسِمَ، أَوْ الزَّيْتُونَ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الْأَدْهَانَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَكَذَا اللَّبَّانِ يُعْطَى اللَّبَنَ لِيُؤْخَذَ مِنْهُ الْجُبْنُ، وَالسَّمْنُ، وَالزُّبْدُ، وَسَائِرُ أَجْزَاءِ اللَّبَنِ فَهُوَ حَرَامٌ. وَلَا يُبَاعُ الطَّعَامُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ إلَّا نَقْدًا، أَوْ بِجِنْسِهِ إلَّا نَقْدًا مُتَمَاثِلًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا فَلَا يُبَاعُ بِالْحِنْطَةِ دَقِيقٌ، وَلَا خُبْزٌ، وَلَا سَوِيقٌ، وَلَا بِالْعِنَبِ دِبْسٌ، وَخَلٌّ، وَعَصِيرٌ، وَلَا بِاللَّبَنِ سَمْنٌ، وَزُبْدٌ، وَمَخِيضٌ، وَجُبْنٌ، وَالْمُمَاثَلَةُ لَا تُفِيدُ إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ فِي حَالِ كَمَالِ الِادِّخَارِ فَلَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ، وَالْعِنَبُ بِالْعِنَبِ مُمَاثِلًا، وَمُتَفَاضِلًا، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُقْنِعَةٌ فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا يُشْعِرُ التَّاجِرَ بِمُثَارَاتِ الْفَسَادِ حَتَّى يَسْتَفْتِيَ فِيهَا إذَا تَشَكَّكَ، وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ هَذَا لَمْ يَفْتَطِنْ لِمَوَاضِعِ السُّؤَالِ، وَاقْتَحَمَ الرِّبَا، وَالْحَرَامَ، وَهُوَ لَا يَدْرِي. [فَصَلِّ تَرْوِيج الصَّيَارِف الدَّرَاهِم الْمُزَيَّفَة عَلَى النَّاس] (فَصْلٌ) : تَرْوِيجُ الصَّيَارِفِ الدَّرَاهِمَ الْمُزَيَّفَةَ عَلَى النَّاسِ ظُلْمٌ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْمُعَامِلُونَ إذَا لَمْ يَعْرِفُوا نَقْدَ الْبَلَدِ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِقَصِّهَا، وَتَغْيِيرِهَا عَنْ هَيْئَتِهَا، وَأَنْ لَا يَغُشُّوا النَّاسَ بِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ التَّعَامُلُ بِهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ تَعَلُّمِ النَّقْدِ لَا لِيَسْتَقْصِيَ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ لِئَلَّا يُسَلِّمَ إلَى مُسْلِمٍ زَائِفًا، وَهُوَ لَا يَدْرِي فَيَكُونُ آثِمًا بِتَقْصِيرِهِ فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ الْعِلْمِ فَكُلُّ عِلْمٍ عُمِلَ بِهِ يَتِمُّ نُصْحُ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَعَلَّمُونَ عَلَامَاتِ النَّقْدِ نَظَرًا لِدِينِهِمْ لَا لِدُنْيَاهُمْ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ

стр. 66

إنْ سَلَّمَ، وَعَرَّفَ الْمُعَامَلَ أَنَّهُ زَائِفٌ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْإِثْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَأْخُذُهُ إلَّا لِيُرَوِّجَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُخْبِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ لَا يَرْغَبُ فِي أَخْذِهِ أَصْلًا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ وِزْرُ الْكُلِّ عَلَيْهِ، وَوَبَالُهُ رَاجِعًا إلَيْهِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ ذَلِكَ الْبَابَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْفَاقُ دِرْهَمٍ زَائِفٍ أَشَدُّ مِنْ سَرِقَةِ مِائَةِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ تَمَّتْ، وَانْقَطَعَتْ، وَإِنْفَاقُ الزَّائِفِ بِدْعَةٌ تَظْهَرُ فِي الدِّينِ، وَسُنَّةٌ سَيِّئَةٌ يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ فَيَكُونُ وِزْرُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ، أَوْ إلَى مِائَتِي سَنَةٍ، إلَى أَنْ يَفْنَى ذَلِكَ الدِّرْهَمُ، وَيَكُونَ عَلَيْهِ وِزْرُ مَا فَسَدَ، وَنَقَصَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِذَلِكَ الزَّائِفِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الزَّائِفَ نَعْنِي بِهِ مَا لَا نُقْرَةَ فِيهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ مُمَوَّهٌ فَإِنْ كَانَ مَخْلُوطًا بِالنُّحَاسِ، وَهُوَ نَقُدْ الْبَلَدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُعَامَلَةِ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الرُّخْصَةَ فِيهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَقْدَ الْبَلَدِ سَوَاءٌ عُلِمَ مِقْدَارُ النُّقْرَةِ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقْدُ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا عُلِمَ قَدْرُ النُّقْرَةِ فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ قِطْعَةٌ نُقْرَتُهَا نَاقِصَةٌ عَنْ نَقْدِ الْبَلَدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ مُعَامِلَهُ، وَأَلَّا يُعَامِلَ بِهِ مَنْ يَسْتَحِلُّ التَّرْوِيجَ فِي جُمْلَةِ النَّقْدِ بِطَرِيقِ التَّلْبِيسِ فَأَمَّا مَنْ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ فَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى الْفَسَادِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَذَلِكَ مَحْظُورٌ، وَإِعَانَتُهُ عَلَى الشَّرِّ مُشَارَكَةٌ فِيهِ، وَسُلُوكُ طَرِيقِ الْحَقِّ بِأَمْثَالِ هَذَا فِي التِّجَارَةِ أَشَدُّ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ.

стр. 67

[فَصَلِّ يُحَرِّم عَلَى التَّاجِر أَنْ يُثْنِي عَلَى السِّلْعَة وَيَصِفهَا بِمَا لَيْسَ فِيهَا] (فَصْلٌ) : وَيَحْرُمُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى السِّلْعَةِ، وَيَصِفَهَا بِمَا لَيْسَ فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَلْبِيسٌ، وَظُلْمٌ مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ كَذِبٌ، وَإِسْقَاطُ مُرُوءَةٍ إذْ الْكَذِبُ الَّذِي يُرَوَّجُ قَدْحٌ لَا يَقْدَحُ فِي ظَاهِرِ الْمُرُوءَةِ، وَإِنْ أَثْنَى عَلَى السِّلْعَةِ بِمَا فِيهَا فَهُوَ هَذَيَانٌ، وَتَكَلُّمٌ بِكَلَامٍ لَا يَعْنِيهِ، وَهُوَ مُحَاسَبٌ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ تَصْدُرُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] إلَّا أَنْ يُثْنِيَ عَلَى السِّلْعَةِ بِمَا فِيهَا مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَذْكُرْهُ كَمَا يَصِفُهُ مِنْ خَفِيِّ أَخْلَاقِ الْعَبِيدِ، وَالْجَوَارِي، وَالدَّوَابِّ فَلَا بَأْسَ بِذَكَرِ الْقَدْرِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ، وَإِطْنَابٍ، وَلَكِنَّ قَصْدَهُ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَيَرْغَبُ فِيهِ، وَتَنْقَضِي بِسَبَبِهِ حَاجَتُهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ جَاءَ بِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى عُرْضَةً لِأَيْمَانِهِ، وَقَدْ أَسَاءَ فِيهِ إذْ الدُّنْيَا أَخَسُّ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ تَرْوِيجَهَا بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ «الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْمَكْسَبِ» . وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَنِيٌّ مُسْتَكْبِرٌ، وَمَنَّانٌ بِعَطِيَّتِهِ، وَمُنْفِقٌ سِلْعَةً بِيَمِينِهِ» . وَإِذَا كَانَ الثَّنَاءُ عَلَى السِّلْعَةِ مَعَ الصِّدْقِ مَكْرُوهًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فُضُولٌ لَا يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ، وَلَا يَخْفَى التَّغْلِيظُ فِي أَمْرِ الْيَمِينِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأُبُلِّيِّ، وَكَانَ خَزَّازًا أَنَّهُ طُلِبَ مِنْهُ خَزٌّ لِلشِّرَاءِ فَأَخْرَجَ غُلَامُهُ سَفَطَ الْخَزِّ فَنَشَرَهُ، وَنَظَرَ إلَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا الْجَنَّةَ فَقَالَ لِغُلَامِهِ رُدَّهُ إلَى مَكَانِهِ، وَلَمْ يَبِعْهُ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لِلثَّنَاءِ عَلَى السِّلْعَةِ فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ اتَّجَرُوا فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُضَيِّعُوا

стр. 68

دِينَهُمْ فِي تِجَارَتِهِمْ بَلْ عَلِمُوا أَنَّ رِبْحَ الْآخِرَةِ، أَوْلَى بِالطَّلَبِ مِنْ رِبْحِ الدُّنْيَا. [فَصَلِّ السَّلَم الْفَاسِد] (فَصْلٌ) : فِي السَّلَمِ الْفَاسِدِ وَلْيُرَاعِ التَّاجِرُ فِيهِ عَشْرَةَ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومًا عِلْمَ مِثْلِهِ حَتَّى لَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ إلَى رَأْسِ الْمَالِ فَإِنْ أَسْلَمَ كَفًّا مِنْ الدَّرَاهِمِ جُزَافًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. الثَّانِي: أَنْ يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ انْفَسَخَ السَّلَمُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مِمَّا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ، أَوْصَافِهِ كَالْحُبُوبِ، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالْقُطْنِ، وَالصُّوفِ، وَالْإِبْرَيْسَمِ، وَالْأَلْبَانِ، وَاللُّحُومِ، وَمَتَاعِ الْعَطَّارِ، وَأَشْبَاهِهَا، وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَعْجُونَاتِ، وَالْمُرَكَّبَاتِ، وَمَا يَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ كَالْقِسِيِّ الْمَصْنُوعَةِ، وَالنَّبْلِ الْمَعْمُولِ، وَالْخِفَافِ، وَالنِّعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ أَجْزَاؤُهَا، وَصَنْعَتُهَا، وَجُلُودِ الْحَيَوَانَاتِ، وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ، وَمَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مِنْ اخْتِلَافِ قَدْرِ الْمِلْحِ، وَالْمَاءِ بِكَثْرَةِ الطَّبْخِ، وَقِلَّتِهِ - يُعْفَى عَنْهُ، وَيُتَسَامَحُ فِيهِ. الرَّابِع: أَنْ يَسْتَقْصِيَ وَصْفَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْقَابِلَةِ لِلْوَصْفِ حَتَّى لَا يَبْقَى وَصْفٌ تَتَفَاوَتُ بِهِ الْقِيمَةُ تَفَاوُتًا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ إلَّا ذَكَرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَجْعَلَ الْأَجَلَ مَعْلُومًا إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَلَا يُؤَجِّلُ إلَى الْحَصَادِ، أَوْ إلَى إدْرَاكِ الثِّمَارِ بَلْ إلَى الْأَشْهُرِ، وَالْأَيَّامِ فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ قَدْ يَتَقَدَّمُ، وَيَتَأَخَّرُ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مِمَّا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَقْتَ الْمَحَلِّ يُؤْمَنُ فِيهِ وُجُودُهُ غَالِبًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ فِي الْعِنَبِ إلَى أَجَلٍ لَا يُدْرَكُ فِيهِ، وَكَذَا سَائِرِ الْفَوَاكِهِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ وُجُودُهُ، وَجَاءَ الْمَحَلُّ، وَعَجَزَ عَنْ التَّسْلِيمِ بِسَبَبِ

стр. 69

آفَةٍ فَلَهُ أَنْ يُمْهِلَهُ إنْ شَاءَ، أَوْ يَفْسَخَ، وَيَرْجِعَ فِي رَأْسِ الْمَالِ إنْ شَاءَ. السَّابِعُ: أَنْ يَذْكُرَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ فِيمَا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهِ كَيْ لَا يُنْشِئَ ذَلِكَ نِزَاعًا. الثَّامِنُ: أَنْ لَا يُعَلِّقَهُ بِمُعَيَّنٍ، فَيَقُولُ: مِنْ حِنْطَةِ هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ ثَمَرَةِ هَذَا الْبُسْتَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ كَوْنَهُ دَيْنًا نَعَمْ لَوْ أَضَافَ إلَى ثَمَرَةِ بَلَدٍ، أَوْ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ. التَّاسِعُ: أَنْ لَا يُسَلَّمَ فِي شَيْءٍ نَفِيسٍ عَزِيزِ الْوُجُودِ، مِثْلُ دُرَّةٍ مَوْصُوفَةٍ يَعِزُّ مِثْلُهَا، أَوْ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ مَعَهَا، وَلَدُهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَالِبًا. الْعَاشِرُ: أَنْ لَا يُسَلَّمَ فِي طَعَامٍ مَهْمَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ طَعَامًا سَوَاءً كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا سَلَمَ فِي نَقْدٍ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي فَصْلِ الرِّبَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصَلِّ فِي الْإِجَارَة] (فَصْلٌ فِي الْإِجَارَةِ) وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأُجْرَةُ، وَالْمَنْفَعَةُ، وَالْعَمَلُ، فَأَمَّا الْعَاقِدُ، وَاللَّفْظُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَيْعِ، وَالْأُجْرَةِ كَالثَّمَنِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِجَارَةِ هِيَ الْعَمَلُ وَحْدَهُ. الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ كُلْفَةٌ، وَتَعَبٌ فَلَوْ اسْتَأْجَرَ بَيَّاعًا عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يُرَوِّجُ بِهَا سِلْعَتَهُ لَمْ يَجُزْ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْبَيَّاعُونَ عِوَضًا عَنْ جَاهِهِمْ وَحِشْمَتِهِمْ، وَقَبُولِ قَوْلِهِمْ فِي تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ فَهُوَ حَرَامٌ إذْ لَيْسَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ إلَّا كَلِمَةٌ لَا تَعَبَ فِيهَا، وَلَا قِيمَةَ لَهَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ إذَا تَعِبُوا إمَّا بِكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ، أَوْ بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ فِي تَأْلِيفِ أَمْرِ الْمُعَامَلَةِ ثُمَّ لَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَأَمَّا مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الْبَاعَةُ فَهُوَ ظُلْمٌ، وَلَيْسَ مَأْخُوذًا بِالْحَقِّ. الرُّكْنُ الثَّانِي: مَا يُحَرِّمُ الشَّرْعُ فِعْلَهُ يُمْنَعُ مِنْهُ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى قَلْعِ سِنٍّ سَلِيمَةٍ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ لَا يُرَخِّصُ الشَّرْعُ فِي قَطْعِهِ، أَوْ اسْتِئْجَارِ الْحَائِضِ عَلَى كَنْسِ

стр. 70

الْمَسْجِدِ، أَوْ الْمُعَلَّمِ عَلَى تَعْلِيمِ السِّحْرِ، أَوْ الْفُحْشِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ عَلَى السَّلْخِ، وَجَعَلَ الْإِجَارَةَ الْجِلْدَ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ صَادَفَ عَلَى اللَّحْمِ، وَالْجِلْدِ فَيَكُونُ عَامِلًا لَهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَيُصَادِفُ عَمَلُهُ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ حَامِلَ الْجِيفَةِ عَلَى حَمْلِهَا، وَيَجْعَلُ أُجْرَتَهُ جِلْدَهَا فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ لَا يُبَاعُ، وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى نَخْلِ الدَّقِيقِ، وَأُجْرَتُهُ النُّخَالَةُ، وَكَذَلِكَ إذَا يَسْتَأْجِرُ عَلَى الطَّحْنِ، وَأُجْرَتُهُ جُزْءٌ مِنْ الدَّقِيقِ، وَيَسْتَنِدُ الْمَذْهَبُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَى «نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» ، وَهُوَ اسْتِئْجَارُهُ بِقَفِيزٍ مِنْ الدَّقِيقِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي النُّخَالَةِ، وَجِلْدِ الْمَسْلُوخَةِ. وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ تُفَّاحَةً لِلشَّمِّ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَرَاهِمَ لِيُزَيِّنَ بِهَا حَانُوتَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ التَّزْيِينَ مَعْنَاهُ أَنْ يَرَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَهُوَ تَلْبِيسٌ لَا يُبْذَلُ الْمَالُ لِأَجْلِهِ شَرْعًا، وَهُوَ تَوْجِيهُ مَنْعِ الْإِجَارَةِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ طَعَامًا لِيُزَيِّنَ بِهِ حَانُوتَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَاسْتُشْهِدَ بِهَا فِي تَوْجِيهِ الْإِفْسَادِ فِي الدَّرَاهِمِ، وَكَذَا اسْتِئْجَارُ الْمُصَوِّرِ عَلَى صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ، أَوْ اسْتِئْجَارُ الصَّائِغِ عَلَى صَنْعَةِ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْعَمَلُ، وَاجِبًا عَلَى الْأَجِيرِ، وَلَا يَكُونُ بِحَيْثُ تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ، وَحَفْرِ الْقُبُورِ، وَدَفْنِ الْمَوْتَى، وَحَمْلِ الْجَنَائِزِ، وَفِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى إمَامَةِ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى الْآذَانِ، وَعَلَى التَّصَدِّي لِلتَّدْرِيسِ، أَوْ إقْرَاءِ الْقُرْآنِ خِلَافٌ، أَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى تَعْلِيمِ مَسْأَلَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ تَعْلِيمِ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَصَحِيحٌ. [فَصَلِّ الشَّرِكَة الْبَاطِلَة وَأَنْوَاعهَا] (فَصْلٌ) : وَيُمْنَعُ مِنْ الشَّرِكَةِ الْبَاطِلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَخْلِطَا مَالَيْهِمَا، وَلَكِنْ يَقُولَا تَفَاوَضْنَا فِي

стр. 71

الْمَغْنَمِ، وَالْمَغْرَمِ فَهَذَا بَاطِلٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ صَحِيحَةٌ بِشَرْطِ اسْتِوَاءِ حَالِ الشَّرِيكَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ حَرْبِيَّيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ صَحَّتْ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ لَمَا فَسَدَتْ مُعَاوَضَةٌ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ ذَكَرَهَا أَئِمَّةُ الْخِلَافِ. النَّوْعُ الثَّانِي شَرِكَةُ الْأَبَدَانِ، وَهِيَ شَرِكَةُ الْحَمَّالِينَ، وَالدَّلَّالِينَ، وَهُوَ أَنْ يَتَشَارَكَا الِاشْتِرَاكَ فِي أُجْرَةِ الْعَمَلِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ، وَجِيهًا مَعْرُوفًا عِنْدَ التُّجَّارِ فَيَكُونُ مِنْ جِهَتِهِ التَّنْفِيذُ، وَمِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ الْعَمَلُ فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. [الْبَاب السَّابِع فِيمَا يُحَرِّم عَلَى الرِّجَال اسْتِعْمَاله وَمَا لَا يُحَرِّم] يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ، وَالذَّهَبِ مُطْلَقًا إلَّا فِي اتِّخَاذِ أَنْفِ مَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّى فَقَدْ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا بَأْسَ بِتَمْوِيهِ الْخَاتَمِ بِذَهَبٍ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَسْنَانُ الْخَاتَمِ مِنْ الذَّهَبِ فَحَرَامٌ قَالَ الْإِمَامُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُشَبَّهَ بِضَبَّةِ الْإِنَاءِ، وَيُجَنَّبَ دِيبَاجٌ عَلَى ثَوْبٍ، وَهَذَا حُكْمُ طِرَازِ الذَّهَبِ إذَا حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمَّا الْفِضَّةُ فَيَحِلُّ التَّخَتُّمُ بِهِ، وَتَحْلِيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ مِنْ السَّيْفِ، وَالسِّنَّانِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَفِي تُرْسِ السَّرْجِ، وَاللِّجَامِ، وَجْهَانِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ. أَمَّا لُبْس الْحَرِيرِ، وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ لِلصَّبِيِّ، أَوْ غَيْرِ مُمَيَّزٍ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ

стр. 72

فِي حَقِّهِ، وَيَجِبُ نَزْعُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا لِقَوْلِهِ ﷺ : «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالَانِ لِإِنَاثِهَا» ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَهَذَا يُضَعَّفُ مَعْنَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهِ، نَعَمْ يَحِلُّ التَّزَيُّنُ بِالذَّهَبِ، وَالْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ، وَهُوَ حَلَالٌ لَهُنَّ أَعْنِي الذَّهَبَ، وَالْحَرِيرَ، أَمَّا مَا لَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: اتِّخَاذُ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَفِي الْمُكْحَلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ. الثَّانِيَةُ: سَكَاكِينُ الْمِهْنَةِ إذَا حُلِّيَتْ بِالْفِضَّةِ، وَاسْتِعْمَالُ الرِّجَالِ لَهَا فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ يُشَبَّهُ بِآلَاتِ الْحَرْبِ. الثَّالِثَةُ: تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ حَمْلُهُ عَلَى الْإِكْرَامِ، وَفِي الذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُصْحَفِ مِنْ الْكُتُبِ فَلَمْ يَجُزْ تَحْلِيَتُهَا بِذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ كَمَا لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الدَّوَاةِ، وَالسِّكِّينِ، وَالْمِقْلَمَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ تَجْوِيزَ تَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْجَوَازَ فِي الْمِقْلَمَةِ، وَسَائِرِ الْكُتُبِ، وَهُوَ مُنْقَدِحٌ فِي الْمَعْنَى إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ تَحْرِيمٌ إلَّا فِي الْأَوَانِي، وَأَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ. الرَّابِعَةُ: تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ، وَالْمَسَاجِدِ بِقَنَادِيلِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، مَمْنُوعٌ. هَكَذَا نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَلَا يَبْعُدُ مُخَالَفَتُهُ حَمْلًا عَلَى الْإِكْرَامِ كَمَا فِي الْمُصْحَفِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ فُرُشُ الْحَرِيرِ، وَكَذَا التَّبَخُّرُ فِي مِجْمَرَةِ الْفِضَّةِ، أَوْ الذَّهَبِ، أَوْ الشُّرْبُ فِي آوَانِيهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آوَانِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، أَوْ اشْتِعَالُ مَاءِ الْوَرْدِ فِي قَمَاقِمِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ، وَكَذَا بَيْعُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ، وَقَلَانِسِ الذَّهَبِ يَعْنِي مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلرِّجَالِ، وَيُعْلَمُ بِعَادَةِ الْبَلَدِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلرِّجَالِ فَمَحْظُورٌ شَرْعًا.

стр. 73

[الْبَاب الثَّامِن فِي الْحَسَبَة عَلَى مُنْكَرَات الْأَسْوَاق] أَمَّا الطُّرُقَاتُ الضَّيِّقَةُ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ السُّوقَةِ الْجُلُوسُ فِيهَا، وَلَا إخْرَاجُ مِصْطَبَةِ دُكَّانِهِ عَنْ سَمْتِ أَرْكَانِ السَّقَائِفِ إلَى الْمَمَرِّ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَيُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إزَالَتُهُ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ ، وَكَذَا إخْرَاجُ الْفَوَاصِلِ، وَالْأَجْنِحَةِ، وَغَرْسُ الْأَشْجَارِ، وَنَصْبُ الدَّكَّةِ فِي الطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ أَمَّا إذَا نَصَبَ دَكَّةً عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَغَرَسَ شَجَرَةً فَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْمَارَّةُ ثُمَّ قَالُوا لَا يَخْتَصَّ بِفِنَاءِ دَارِهِ بَلْ لَوْ تَبَاعَدَ جَازَ، وَإِلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ لَا يَجُوزُ الْغِرَاسُ فِي الشَّارِعِ، وَالدَّكَّةُ الْمُرْتَفِعَةُ فِي مَعْنَاهَا، وَلَا نَظَرَ إلَى اتِّسَاعِ الطَّرِيقِ، وَتَضَايُقِهَا فَإِنَّ الرِّفَاقَ قَدْ تَصْطَدِمُ لَيْلًا، وَيَزْدَحِمُ أَسْرَابُ الْبَهَائِمِ، وَيَنْضَمُّ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ مَحَلُّ الْبِنَاءِ، وَالْغِرَاسِ، وَيَنْقَطِعُ أَثَرُ اسْتِحْقَاقِ الطُّرُقِ، وَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّوَارِعَ مُشْتَرَكَةٌ كَالْمَوَاتِ إلَّا أَنَّ فِيهَا اسْتِحْقَاقَ الطُّرُقِ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهَا، وَالْبِنَاءُ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَوَاتِ، وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ أَذِيَّةٌ، وَإِضْرَارٌ عَلَى السَّالِكِينَ، وَكَذَلِكَ رَبْطُ الدَّوَابِّ عَلَى الطُّرُقِ بِحَسَبِ تَضَيُّقِ الطَّرِيقِ، وَانْحِبَاسِ الْمُجْتَازِينَ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ

стр. 74

إلَّا بِقَدْرِ حَاجَةِ النُّزُولِ، وَالرُّكُوبِ؛ لِأَنَّ الشَّوَارِعَ مُشْتَرَكَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. وَكَذَا طَرْحُ الْكُنَاسَةِ عَلَى جَوَازِ الطُّرُقِ، وَتَبْدِيدِ قُشُورِ الْبِطِّيخِ، أَوْ رَشِّ الْمَاءِ بِحَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ التَّزَلُّقُ، وَالسُّقُوطُ، وَكَذَا إرْسَالُ الْمَاءِ مِنْ الْمَزَارِيبِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَائِطِ إلَى الطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الثِّيَابَ، وَيُضَيِّقُ الطُّرُقَ، وَكَذَا تَرْكُ مِيَاهِ الْمَطَرِ، وَالْأَوْحَالِ فِي الطُّرُقِ مِنْ غَيْرِ كَسْحٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مُنْكَرٌ، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِهِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ بِالْقِيَامِ بِهَا. [فَصَلِّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَع أحمال الحطب والشوك وروايا الْمَاء ونحوهم مِنْ دُخُول السوق] (فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ أَحْمَالَ الْحَطَبِ، وَأَعْدَالَ التِّبْنِ، وَرَوَايَا الْمَاءِ، وَشَرَائِجَ السِّرْجِينِ، وَالرَّمَادِ، وَأَحْمَالَ الْحَلْفَاءِ، وَالشَّوْكِ بِحَيْثُ يُمَزِّقُ ثِيَابَ النَّاسِ فَذَلِكَ مُنْكَرٌ يُمْكِنُ شَدُّهَا، وَضَمُّهَا بِحَيْثُ لَا تُمَزِّقُ، مِنْ الْأَثْوَابِ شَيْئًا فَإِنْ أَمْكَنَ الْعُدُولُ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ وَاسِعٍ، وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ إذْ حَاجَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ إلَيْهِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ الدُّخُولِ إلَى الْأَسْوَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ، وَيَأْمُرُ حَامِلِي الْحَطَبِ، وَالتِّبْنِ، وَالْبَلَاطِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَاللِّفْتِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْقُرْطِ إذَا، وَقَفُوا فِي الْعِرَاصِ أَنْ يَضَعُوهَا عَنْ ظُهُورِ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهَا إذَا، وَقَفَتْ، وَالْأَحْمَالُ عَلَيْهَا أَضَرَّتْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ تَعْذِيبًا لَهَا، وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلِهِ» ، وَيَأْمُرُ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ بِكَنْسِهَا، وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُجْتَمَعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّ النَّاسَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا ضَرَرَ، وَلَا إضْرَارَ» . وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّطَلُّعُ عَلَى الْجِيرَانِ مِنْ السُّطُوحَاتِ، وَالنَّوَافِذِ، وَلَا أَنْ يَجْلِسَ الرِّجَالُ فِي طُرُقَاتِ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَزَّرَهُ الْمُحْتَسِبُ.

стр. 75

[الْبَاب التَّاسِع فِي مُعْرِفَة الْقَنَاطِير وَالْأَرْطَال وَالْمَثَاقِيل وَالدَّرَاهِم] لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ أُصُولُ الْمُعَامَلَاتِ، وَبِهَا اعْتِبَارُ الْمَبِيعَاتِ لَزِمَ الْمُحْتَسِبَ مَعْرِفَتُهَا، وَتَحْقِيقُهَا لِتَقَعَ الْمُعَامَلَةُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ كُلِّ إقْلِيمٍ عَلَى أَرْطَالٍ تَتَفَاضَلُ فِي الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَسَعُ الْمُحْتَسِبَ جَهْلُهُ لِيَعْلَمَ تَفَاوُتَ الْأَسْعَارِ، وَأَمَّا الْقِنْطَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فَقَدْ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ هُوَ أَلْفٌ، وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ الضَّحَّاكِ أَلْفٌ، وَمِائَتَا مِثْقَالٍ، وَرَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ أَبُو نَصْرَةَ هُوَ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْقِنْطَارُ أَلْفُ دِينَارٍ» ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ دِيَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ. وَعَنْ أَبِي صَالِح مِائَةُ رِطْلٍ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالرِّطْلُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنَّ الرِّطْلَ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي الْأَمْصَارِ، وَالْبُلْدَانِ فَالرِّطْلُ الْحِجَازِيُّ مِائَةٌ، وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَالرِّطْلُ الْمِصْرِيُّ مِائَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْبَغْدَادِيُّ مِائَةٌ، وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الدِّمَشْقِيُّ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَالرِّطْلُ الْحَمَوِيُّ سِتُّمِائَةٍ، وَسِتُّونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْحَلَبِيُّ سَبْعُمِائَةٍ، وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْحِمْصِيُّ سَبْعُمِائَةٍ، وَأَرْبَعٌ
следующие страницы →