Полный текст (237 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمَغْنَمِ، وَالْمَغْرَمِ فَهَذَا بَاطِلٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ صَحِيحَةٌ بِشَرْطِ اسْتِوَاءِ حَالِ الشَّرِيكَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ حَرْبِيَّيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ صَحَّتْ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ لَمَا فَسَدَتْ مُعَاوَضَةٌ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ ذَكَرَهَا أَئِمَّةُ الْخِلَافِ.
النَّوْعُ الثَّانِي شَرِكَةُ الْأَبَدَانِ، وَهِيَ شَرِكَةُ الْحَمَّالِينَ، وَالدَّلَّالِينَ، وَهُوَ أَنْ يَتَشَارَكَا الِاشْتِرَاكَ فِي أُجْرَةِ الْعَمَلِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ، وَجِيهًا مَعْرُوفًا عِنْدَ التُّجَّارِ فَيَكُونُ مِنْ جِهَتِهِ التَّنْفِيذُ، وَمِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ الْعَمَلُ فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ.
[الْبَاب السَّابِع فِيمَا يُحَرِّم عَلَى الرِّجَال اسْتِعْمَاله وَمَا لَا يُحَرِّم]
يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ، وَالذَّهَبِ مُطْلَقًا إلَّا فِي اتِّخَاذِ أَنْفِ مَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّى فَقَدْ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا بَأْسَ بِتَمْوِيهِ الْخَاتَمِ بِذَهَبٍ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَسْنَانُ الْخَاتَمِ مِنْ الذَّهَبِ فَحَرَامٌ قَالَ الْإِمَامُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُشَبَّهَ بِضَبَّةِ الْإِنَاءِ، وَيُجَنَّبَ دِيبَاجٌ عَلَى ثَوْبٍ، وَهَذَا حُكْمُ طِرَازِ الذَّهَبِ إذَا حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمَّا الْفِضَّةُ فَيَحِلُّ التَّخَتُّمُ بِهِ، وَتَحْلِيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ مِنْ السَّيْفِ، وَالسِّنَّانِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَفِي تُرْسِ السَّرْجِ، وَاللِّجَامِ، وَجْهَانِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ.
أَمَّا لُبْس الْحَرِيرِ، وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ لِلصَّبِيِّ، أَوْ غَيْرِ مُمَيَّزٍ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ
стр. 72
فِي حَقِّهِ، وَيَجِبُ نَزْعُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا لِقَوْلِهِ ﷺ : «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالَانِ لِإِنَاثِهَا» ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَهَذَا يُضَعَّفُ مَعْنَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهِ، نَعَمْ يَحِلُّ التَّزَيُّنُ بِالذَّهَبِ، وَالْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ، وَهُوَ حَلَالٌ لَهُنَّ أَعْنِي الذَّهَبَ، وَالْحَرِيرَ، أَمَّا مَا لَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: اتِّخَاذُ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَفِي الْمُكْحَلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ.
الثَّانِيَةُ: سَكَاكِينُ الْمِهْنَةِ إذَا حُلِّيَتْ بِالْفِضَّةِ، وَاسْتِعْمَالُ الرِّجَالِ لَهَا فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ يُشَبَّهُ بِآلَاتِ الْحَرْبِ.
الثَّالِثَةُ: تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ حَمْلُهُ عَلَى الْإِكْرَامِ، وَفِي الذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُصْحَفِ مِنْ الْكُتُبِ فَلَمْ يَجُزْ تَحْلِيَتُهَا بِذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ كَمَا لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الدَّوَاةِ، وَالسِّكِّينِ، وَالْمِقْلَمَةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ تَجْوِيزَ تَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْجَوَازَ فِي الْمِقْلَمَةِ، وَسَائِرِ الْكُتُبِ، وَهُوَ مُنْقَدِحٌ فِي الْمَعْنَى إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ تَحْرِيمٌ إلَّا فِي الْأَوَانِي، وَأَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
الرَّابِعَةُ: تَحْلِيَةِ الْكَعْبَةِ، وَالْمَسَاجِدِ بِقَنَادِيلِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، مَمْنُوعٌ.
هَكَذَا نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَلَا يَبْعُدُ مُخَالَفَتُهُ حَمْلًا عَلَى الْإِكْرَامِ كَمَا فِي الْمُصْحَفِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ فُرُشُ الْحَرِيرِ، وَكَذَا التَّبَخُّرُ فِي مِجْمَرَةِ الْفِضَّةِ، أَوْ الذَّهَبِ، أَوْ الشُّرْبُ فِي آوَانِيهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آوَانِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، أَوْ اشْتِعَالُ مَاءِ الْوَرْدِ فِي قَمَاقِمِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ، وَكَذَا بَيْعُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ، وَقَلَانِسِ الذَّهَبِ يَعْنِي مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلرِّجَالِ، وَيُعْلَمُ بِعَادَةِ الْبَلَدِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلرِّجَالِ فَمَحْظُورٌ شَرْعًا.
стр. 73
[الْبَاب الثَّامِن فِي الْحَسَبَة عَلَى مُنْكَرَات الْأَسْوَاق]
أَمَّا الطُّرُقَاتُ الضَّيِّقَةُ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ السُّوقَةِ الْجُلُوسُ فِيهَا، وَلَا إخْرَاجُ مِصْطَبَةِ دُكَّانِهِ عَنْ سَمْتِ أَرْكَانِ السَّقَائِفِ إلَى الْمَمَرِّ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَيُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إزَالَتُهُ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهِ
لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ
، وَكَذَا إخْرَاجُ الْفَوَاصِلِ، وَالْأَجْنِحَةِ، وَغَرْسُ الْأَشْجَارِ، وَنَصْبُ الدَّكَّةِ فِي الطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ أَمَّا إذَا نَصَبَ دَكَّةً عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَغَرَسَ شَجَرَةً فَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْمَارَّةُ ثُمَّ قَالُوا لَا يَخْتَصَّ بِفِنَاءِ دَارِهِ بَلْ لَوْ تَبَاعَدَ جَازَ، وَإِلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ لَا يَجُوزُ الْغِرَاسُ فِي الشَّارِعِ، وَالدَّكَّةُ الْمُرْتَفِعَةُ فِي مَعْنَاهَا، وَلَا نَظَرَ إلَى اتِّسَاعِ الطَّرِيقِ، وَتَضَايُقِهَا فَإِنَّ الرِّفَاقَ قَدْ تَصْطَدِمُ لَيْلًا، وَيَزْدَحِمُ أَسْرَابُ الْبَهَائِمِ، وَيَنْضَمُّ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ مَحَلُّ الْبِنَاءِ، وَالْغِرَاسِ، وَيَنْقَطِعُ أَثَرُ اسْتِحْقَاقِ الطُّرُقِ، وَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّوَارِعَ مُشْتَرَكَةٌ كَالْمَوَاتِ إلَّا أَنَّ فِيهَا اسْتِحْقَاقَ الطُّرُقِ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهَا، وَالْبِنَاءُ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَوَاتِ، وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ أَذِيَّةٌ، وَإِضْرَارٌ عَلَى السَّالِكِينَ، وَكَذَلِكَ رَبْطُ الدَّوَابِّ عَلَى الطُّرُقِ بِحَسَبِ تَضَيُّقِ الطَّرِيقِ، وَانْحِبَاسِ الْمُجْتَازِينَ مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ
стр. 74
إلَّا بِقَدْرِ حَاجَةِ النُّزُولِ، وَالرُّكُوبِ؛ لِأَنَّ الشَّوَارِعَ مُشْتَرَكَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَكَذَا طَرْحُ الْكُنَاسَةِ عَلَى جَوَازِ الطُّرُقِ، وَتَبْدِيدِ قُشُورِ الْبِطِّيخِ، أَوْ رَشِّ الْمَاءِ بِحَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ التَّزَلُّقُ، وَالسُّقُوطُ، وَكَذَا إرْسَالُ الْمَاءِ مِنْ الْمَزَارِيبِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَائِطِ إلَى الطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الثِّيَابَ، وَيُضَيِّقُ الطُّرُقَ، وَكَذَا تَرْكُ مِيَاهِ الْمَطَرِ، وَالْأَوْحَالِ فِي الطُّرُقِ مِنْ غَيْرِ كَسْحٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مُنْكَرٌ، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِهِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ بِالْقِيَامِ بِهَا.
[فَصَلِّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَع أحمال الحطب والشوك وروايا الْمَاء ونحوهم مِنْ دُخُول السوق]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ أَحْمَالَ الْحَطَبِ، وَأَعْدَالَ التِّبْنِ، وَرَوَايَا الْمَاءِ، وَشَرَائِجَ السِّرْجِينِ، وَالرَّمَادِ، وَأَحْمَالَ الْحَلْفَاءِ، وَالشَّوْكِ بِحَيْثُ يُمَزِّقُ ثِيَابَ النَّاسِ فَذَلِكَ مُنْكَرٌ يُمْكِنُ شَدُّهَا، وَضَمُّهَا بِحَيْثُ لَا تُمَزِّقُ، مِنْ الْأَثْوَابِ شَيْئًا فَإِنْ أَمْكَنَ الْعُدُولُ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ وَاسِعٍ، وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ إذْ حَاجَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ إلَيْهِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ الدُّخُولِ إلَى الْأَسْوَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ، وَيَأْمُرُ حَامِلِي الْحَطَبِ، وَالتِّبْنِ، وَالْبَلَاطِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَاللِّفْتِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْقُرْطِ إذَا، وَقَفُوا فِي الْعِرَاصِ أَنْ يَضَعُوهَا عَنْ ظُهُورِ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهَا إذَا، وَقَفَتْ، وَالْأَحْمَالُ عَلَيْهَا أَضَرَّتْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ تَعْذِيبًا لَهَا، وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلِهِ» ، وَيَأْمُرُ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ بِكَنْسِهَا، وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُجْتَمَعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّ النَّاسَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا ضَرَرَ، وَلَا إضْرَارَ» .
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّطَلُّعُ عَلَى الْجِيرَانِ مِنْ السُّطُوحَاتِ، وَالنَّوَافِذِ، وَلَا أَنْ يَجْلِسَ الرِّجَالُ فِي طُرُقَاتِ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَزَّرَهُ الْمُحْتَسِبُ.
стр. 75
[الْبَاب التَّاسِع فِي مُعْرِفَة الْقَنَاطِير وَالْأَرْطَال وَالْمَثَاقِيل وَالدَّرَاهِم]
لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ أُصُولُ الْمُعَامَلَاتِ، وَبِهَا اعْتِبَارُ الْمَبِيعَاتِ لَزِمَ الْمُحْتَسِبَ مَعْرِفَتُهَا، وَتَحْقِيقُهَا لِتَقَعَ الْمُعَامَلَةُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ كُلِّ إقْلِيمٍ عَلَى أَرْطَالٍ تَتَفَاضَلُ فِي الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَسَعُ الْمُحْتَسِبَ جَهْلُهُ لِيَعْلَمَ تَفَاوُتَ الْأَسْعَارِ، وَأَمَّا الْقِنْطَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فَقَدْ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ هُوَ أَلْفٌ، وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْ الضَّحَّاكِ أَلْفٌ، وَمِائَتَا مِثْقَالٍ، وَرَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ أَبُو نَصْرَةَ هُوَ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْقِنْطَارُ أَلْفُ دِينَارٍ» ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ دِيَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ.
وَعَنْ أَبِي صَالِح مِائَةُ رِطْلٍ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالرِّطْلُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنَّ الرِّطْلَ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي الْأَمْصَارِ، وَالْبُلْدَانِ فَالرِّطْلُ الْحِجَازِيُّ مِائَةٌ، وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَالرِّطْلُ الْمِصْرِيُّ مِائَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْبَغْدَادِيُّ مِائَةٌ، وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الدِّمَشْقِيُّ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَالرِّطْلُ الْحَمَوِيُّ سِتُّمِائَةٍ، وَسِتُّونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْحَلَبِيُّ سَبْعُمِائَةٍ، وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْحِمْصِيُّ سَبْعُمِائَةٍ، وَأَرْبَعٌ
стр. 76
وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ اللَّيْتِيُّ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالرِّطْلُ الْجَرْوِيُّ ثَلَثُمِائَةٍ، وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَالرِّطْلُ الْحَرَّانِيُّ سَبْعُمِائَةٍ، وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالْعَجْلُونِيُّ، وَالرُّومِيُّ أَلْفٌ، وَمِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالرِّطْلُ الْغَزَّاوِيُّ سَبْعُمِائَةٍ، وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالْقُدْسِيُّ، وَالْخَلِيلِيُّ، وَالنَّابُلُسِيُّ ثَمَانُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَالْكُرْكِيُّ تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَفِي الْمَحِلَّاتِ أَرْطَالٌ مُخْتَلِفَةٌ فَالْمُتَعَامَلُ بِهَا فِي الْأَسْوَاقِ مَا يُذْكَرُ مَدِينَةُ قُوصُ لَهَا أَحْوَالُ رِطْلُ اللَّحْمِ، وَالْخُبْزِ، وَالْخُضَرِ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ بَاقِي الْحَوَائِجِ ليتي مِائَتَا دِرْهَمٍ مَدِينَةُ أَسْيُوطَ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْوَالِ فَالْخُبْزُ، وَاللَّحْمُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَسِتُّمِائَةٍ بَاقِي الْحَوَائِجِ ليتي مِائَتَا دِرْهَمٍ، مَدِينَةُ مَنْفَلُوطَ اللَّحْمُ، وَالْخُبْزُ ليتي مِائَتَا دِرْهَمٍ الْبَاقِي مِصْرِيُّ مِائَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَأَرْبَعُونَ، مُنْيَةُ بْنُ خَصِيبٍ عَلَى رِطْلِ مِصْرَ مِائَةٌ، وَأَرْبَعٌ، وَأَرْبَعُونَ مَدِينَةُ إخْمِيمَ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْوَالِ الْخُبْزُ، وَاللَّحْمُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَيُسَمَّى مَنٌّ وَالْبَاقِي ليتي مِائَتَا دِرْهَمٍ، دروت السربام عَلَى رِطْلِ مِصْرَ مَدِينَةُ الْمَحَلَّةِ رِطْلَانِ، وَثُلُثَا رِطْلٍ مِصْرِيِّ، ثَغْرُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رِطْلَانِ، وَأُوقِيَّتَانِ ثَلَثُمِائَةٍ، وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، ثَغْرُ دِمْيَاطَ رِطْلَانِ، وَرُبْعٌ، وَنِصْفُ أُوقِيَّةٍ مِصْرِيٍّ، الْبِلْبِيسِ رِطْلٌ، وَرُبْعٌ مِصْرِيٌّ مِائَةٌ، وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا، مَدِينَةُ سَمَنُّودَ رِطْلَانِ، وَسُدُسٌ مِصْرِيٌّ، مَدِينَةُ الْفَيُّومِ مِائَةٌ، وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ بَلْدَةً وَافَقَ رِطْلُهَا لِبَلْدَةٍ أُخْرَى إلَّا نَادِرًا، أَوْ قَرْيَةً لِقَرْيَةٍ لَا يُؤْبَهُ بِهِمَا، وَالْأُوقِيَّةُ مِنْ نِسْبَةِ رِطْلِهَا جُزْءٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا.
[فَصَلِّ مِقْدَار الْمِثْقَال]
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْمِثْقَالُ فَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ دِرْهَمٌ، وَدَانِقَانِ، وَنِصْفٌ، وَهُوَ أَرْبَعٌ، وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُ حَبَّاتٍ، وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ حَبَّةٍ، وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَثَمَانُونَ حَبَّةٍ، وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ حَبَّةٍ، وَزْنُ كُلِّ حَبَّةٍ مِنْهَا مِائَتَانِ حَبَّةٍ مِنْ حُبُوبِ الْخَرْدَلِ الْبَرِّيِّ الْمُعْتَدِلِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانَ الْمِثْقَالُ بِمَكَّةَ
стр. 77
فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ، وَسَبْعُونَ حَبَّةً مِنْ حُبُوبِ الشَّعِيرِ الْمُمْتَلِئِ غَيْرِ الْخَارِجِ عَنْ الْمَعْهُودِ، وَالدِّرْهَمُ سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَهُوَ سِتُّونَ حَبَّةً.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الدِّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبَّةً، وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ حَبِّ الشَّعِيرِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَوَزْنُ كُلِّ حَبَّةٍ مِنْ الدِّرْهَمِ سَبْعُونَ حَبَّةً مِنْ حُبُوبِ الْخَرْدَلِ الْبَرِّيِّ الْمُعْتَدِلِ، وَالدِّينَارُ مِثْلُ الدِّرْهَمِ، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ، وَالدِّرْهَمُ مِنْ الدِّينَارِ بِنِصْفِهِ، وَخُمُسِهِ، وَهَذَا الْقَيْدُ تَقْرِيبًا عَلَى مَا ضَبَطَهُ الْأَئِمَّةُ فَإِنْ عُرِفَ الدِّرْهَمُ الْإِسْلَامِيُّ بِطَرِيقٍ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَتَحَقَّقَ قَدْرُهُ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَمَدًا فِي مَعْرِفَةِ الْمِثْقَالِ، وَإِلَّا فَلَا ضَابِطَ إلَّا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حَبِّ الشَّعِيرِ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ اسْتِقْرَارِهِ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ فَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ الدَّرَاهِمِ، وَأَنَّ مِنْهَا الْبَغْلِيُّ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ دَوَانِقَ، وَمِنْهَا الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ثَلَاثَةُ دَوَانِقَ، وَمِنْهَا الْيَمَنِيُّ، وَهُوَ دَانِقٌ قَالَ اُنْظُرُوا الْأَغْلَبَ فِيمَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ مِنْ أَعْلَاهَا، وَأَدْنَاهَا فَكَانَ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فَكَانَا اثْنَا عَشَرَ دَانِقًا فَأَخَذَ نِصْفَهَا فَكَانَ سِتَّةَ دَوَانِقَ فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ الْإِسْلَامِيَّ سِتَّةَ دَوَانِقَ، وَمَتَى زِدْت عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا، وَمَتَى نَقَصْت مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِهِ كَانَ دِرْهَمًا، وَكُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ عَشْرِ مَثَاقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَسُبْعَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ الْمَنْقُوشَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ تَرِدُ رُومِيَّةً، وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ تَرِدُ كِسْرَوِيَّةً، وَحِمْيَرِيَّةً قَلِيلَةً فَأَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ بِضَرْبِ الدَّرَاهِمِ بِالْعِرَاقِ فَضَرَبَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَسَبْعِينَ ثُمَّ أَمَرَ
стр. 78
بِضَرْبِهَا فِي النَّوَاحِي سَنَةَ سِتٍّ، وَسَبْعِينَ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ.
وَحَكَى يَحْيَى بْنُ النُّعْمَانِ الْغِفَارِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ سَبْعِينَ عَلَى ضَرْبِ الْأَكَاسِرَةِ، وَعَلَيْهَا بِرْكَةٌ مِنْ جَانِبٍ، وَاَللَّهُ مِنْ جَانِبٍ ثُمَّ غَيَّرَهَا الْحَجَّاجُ بَعْدَ سَنَةٍ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا بِسْمِ اللَّهِ الْحَجَّاجُ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ ذُكِرَتْ هَاهُنَا لِتَعَلُّقِهَا بِذِكْرِ الدَّرَاهِمِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ لَا يُهْمِلَ أَمْرَ هَذَا الْبَابِ.
[الْبَاب الْعَاشِر فِي مُعْرِفَة الْمَوَازِين وَالْمَكَايِيل وَالْأَذْرُع]
أَصَحُّ الْمَوَازِينِ، وَضْعًا مَا اسْتَوَى جَانِبَاهُ، وَاعْتَدَلَتْ كِفَّتَاهُ، وَكَانَ ثُقْبُ عِلَاقَتِهِ فِي، وَسَطِ الْعَمُودِ، وَيُحَدَّدُ الثُّقْبُ، وَتُجْعَلُ الْمِسْمَارُ فُولَاذًا حَتَّى تَكُونَ سَرِيعَةَ الْجَرَيَانِ فَمَتَى لَمْ تُفْعَلْ ذَلِكَ كَانَتْ تَسْكُنُ فَتَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي.
[فَصَلِّ عَلَى الْمُحْتَسَب أَنْ يَأْمُر أَصْحَاب الْمَوَازِين بِمَسْحِهَا وَتَنْظِيفهَا فِي كُلّ سَاعَة]
(فَصْلٌ) : وَيَأْمُرُ أَصْحَابَ الْمَوَازِينِ بِمَسْحِهَا، وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْأَدْهَانِ، وَالْأَوْسَاخِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَحْمِلُ شَيْئًا فِي خُرْمِهَا فَيَضُرُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَنْبَغِي إذَا شَرَعَ فِي الْوَزْنِ أَنْ يُسَكِّنَ الْمِيزَانَ، وَيَضَعَ فِيهَا الْبِضَاعَةَ مِنْ يَدِهِ فِي الْكِفَّةِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَلَا يَهْمِزُ بِإِبْهَامِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَخْسٌ، فَتَكُونُ مَوَازِينُ الْبَاعَةِ مُعَلَّقَةً، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ الْبَاعَةِ أَنْ يَزِنَ بِمِيزَانٍ الْأَرْطَالَ فِي يَدِهِ، وَمِنْ الْبَخْسِ الْخَفِيِّ فِي مِيزَانِ الذَّهَبِ
стр. 79
أَنْ يَرْفَعَهُ بِيَدِهِ تِلْقَاءَ، وَجْهِهِ ثُمَّ يَنْفُخَ عَلَى الْكِفَّةِ الَّتِي فِيهَا الْمَتَاعُ نَفْخًا خَفِيفًا فَتَرْجَحُ بِمَا فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِي تَكُونُ عَيْنُهُ إلَى الْمِيزَانِ لَا إلَى فَمِ صَاحِبِهِ، وَلَهُمْ فِي الْمِيزَانِ صِنَاعَةٌ يَجْعَلُ بِهَا الْبَخْسَ مِثْلَ أَنْ يُلْصِقَ شَمْعَةً تَحْتَ إحْدَى كِفَّتَيْ الْمِيزَانِ، أَوْ يُشْكِلَ رَزَّةَ الْمِيزَانِ الْعُلْيَا بِخَيْطِ شَعْرٍ رَقِيقٍ لَا يَنْظُرُهُ الْمُشْتَرِي فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ تَفَاوُتٌ، وَلَهُمْ أَيْضًا الْعَلَّاقَةُ الَّتِي تُسَمَّى الْمُودِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَمُودُ الْمِيزَانِ فُولَاذًا، وَيُعْمَلُ لِسَانُهُ أَرْمَهَانًا، وَيُعَوِّجُ رَأْسَ اللِّسَانِ إلَى الْجَانِبِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْحَرَامِ فَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَاعْلَمْ أَنَّك وُلِّيت مِنْ الْكَيْلِ، وَالْمِيزَانِ أَمْرَ مَنْ هَلَكَتْ فِيهَا الْأُمَمُ السَّالِفَةُ فَبَاشِرْهُمَا بِيَدِك مُبَاشَرَةَ الِاخْتِيَارِ، وَالِاخْتِبَارِ، وَلَا تُقِلْ أَهْلَهُمَا عَثْرَةً فَإِنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَنْهَى عَنْ الْعِثَارِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ سَوَادِ النَّاسِ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ هِمَّتُهُ إلَّا فَرْجُهُ، أَوْ ضِرْسُهُ فَحَدُّهُمْ التَّعْزِيرُ الَّتِي هِيَ نَزَّاعَةٌ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ، وَتَوَلَّى.
[فَصَلِّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُخْتَبَر الْقَبَّان الْقِبْطِيّ بَعْد كُلِّ حِينٍ]
(فَصْلٌ) : وَالْقَبَّانُ الْقِبْطِيُّ، فَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَخْتَبِرَهُ بَعْدَ كُلِّ حِينٍ فَإِنَّهُ يَنْفَسِدُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي، وَزْنِ الْحَطَبِ، وَالْبَضَائِعِ الثَّقِيلَةِ، وَيُتَّخَذُ عِنْدَهُ عِيَارَاتٌ مِنْ حَصًى فِي خَرَائِطَ لِيفٍ هِنْدِيٍّ، أَوْ خَيْشٍ، وَيَضَعُهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا النَّدَاوَةُ، وَلَا الْغُبَارُ، وَيُعَيِّنُ لِعِيَارِ الْقَبَّانِينَ رَجُلًا يُوثَقُ بِدِينِهِ، وَأَمَانَتِهِ لَا يَشُوبُهُ فِي ذَلِكَ رِيَاءٌ، وَلَا مُحَابَاةٌ لِأَحَدٍ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ، وَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ أَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ الْوَزْنِ بِالْقَبَّانِ إلَّا مَنْ ثَبَتَتْ أَمَانَتُهُ، وَعَدَالَتُهُ، وَمَعْرِفَتُهُ بِالْعُدُولِ مِنْ أَهْلِ الْخِيرَةِ فِي مَجْلِسِهِ فَإِنَّهَا صِنَاعَةٌ عَظِيمَةٌ
стр. 80
وَالْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي وَاقِفَانِ لَا يَعْلَمَانِ صِحَّةَ ذَلِكَ مِنْ سَقَمِهِ إلَّا مِنْ لَفْظِهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ الْأَرْطَالُ مِنْ حَدِيدٍ وَيُعِيرَهَا الْمُحْتَسِبُ وَيَخْتِمَ عَلَيْهَا بِخِتْمٍ مِنْ عِنْدِهِ]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ الْأَرْطَالُ مِنْ حَدِيدٍ، وَيُعَيِّرُهَا الْمُحْتَسِبُ، وَيَخْتِمُ عَلَيْهَا بِخَتْمٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَا يَتَّخِذُوهَا مِنْ الْحِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا قُرِعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتُنْقَضُ فَإِذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى اتِّخَاذِهَا لِقُصُورِ يَدِهِ عَنْ اتِّخَاذِ الْحَدِيدِ أَمَرَهُ الْمُحْتَسِبُ بِتَجْلِيدِهَا ثُمَّ يَخْتِمُهَا بَعْدَ الْعِيَارِ، وَيُجَدِّدُ النَّظَرَ فِيهَا بَعْدَ كُلِّ حِينٍ لِئَلَّا يَتَّخِذُوا مِثْلَهَا مِنْ الْخَشَبِ، وَرُءُوسِ اللِّفْتِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْحَانُوتِ الْوَاحِدِ دَسْتَانِ مِنْ أَرْطَالٍ، أَوْ صَنْجٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُهْمَةٌ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَتَّخِذُ عِنْدَهُ مَا لَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاِتِّخَاذِهِ مِثْلُ ثُلُثُ رِطْلٍ، وَثُلُثُ أُوقِيَّةٍ، وَثُلُثُ دِرْهَمٍ لِمُقَارَبَةِ النِّصْفِ، وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ فِي حَالِ الْوَزْنِ عِنْدَ كَثْرَةِ الزَّبُونِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يتفقد عيار المثاقيل والصنج والأرطال والحبات عَلَى حِينِ غفلة مِنْ أصحابها]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لَلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَفَقَّدَ عِيَارَ الْمَثَاقِيلِ، وَالصَّنْجِ، وَالْأَرْطَالِ، وَالْحَبَّاتِ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهَا فَإِنَّ فِي الصَّيَارِفِ مَنْ يَأْخُذُ حَبَّاتِ الْحِنْطَةِ فَيَنْقَعُهَا فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَغْرِسُ فِيهَا رُءُوسَ إبَرِ الْفُولَاذِ ثُمَّ تُجَفَّفُ فَتَعُودُ إلَى سِيرَتِهَا الْأُولَى، وَلَا يَظْهَرُ فِيهَا شَيْءٌ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا لَوْنَ صَنْجِ الْفِضَّةِ مُخَالِفًا لِلَوْنِ صَنْجِ الْمَثَاقِيلِ فَرُبَّمَا، وَضَعُوا صَنْجَةَ النِّصْفِ دِرْهَمٍ عِوَضًا عَنْ الرُّبَاعِيِّ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ، وَكَذَا صَنْجَةَ الثُّمُنِ عِوَضًا عَنْ صَنْجَةِ الْقِيرَاطَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ فِي الْمَكَايِيل]
(فَصْلٌ فِي الْمَكَايِيلِ) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «الْمِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزْنُ عَلَى، وَزْنِ مَكَّةَ» ، وَالْمِكْيَالُ الصَّحِيحُ
стр. 81
مَا اسْتَوَى أَعْلَاهُ، وَأَسْفَلُهُ فِي الْفَتْحِ، وَالسَّعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورَ الْفَمِ، وَلَا يَكُونَ بَعْضُهُ دَاخِلًا، وَبَعْضُهُ خَارِجًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشُدَّهُ بِالْمَسَامِيرِ لِئَلَّا يَصْعَدَ فَيَزِيدَ، أَوْ يَنْزِلَ، وَيَنْقُصَ، وَأَجْوَدُ مَا عُيِّرَتْ بِهِ الْمَكَايِيلُ الْحُبُوبُ الصِّغَارُ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِي الْعَادَةِ مِثْلُ الْخَرْدَلِ، وَالْبِرْسِيمِ، وَبِزْرِ قَطُونَاءَ وَالْكُسْفُرَةُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ فِي كُلِّ حَانُوتٍ مِنْ الْمَكَايِيلِ الصَّحِيحَةِ، مِكْيَالٌ، وَنِصْفُ مِكْيَالٍ، وَرُبُعُ مِكْيَالٍ، وَثُمُنُ مِكْيَالٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهَا بِخَتْمِ الْمُحْتَسِبِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى اتِّخَاذِ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُجَدِّدَ النَّظَرَ فِي الْمَكَايِيلِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحِمْصَانِيِّينَ، وَالْفَوَّالِينَ، وَالْعَلَّافِينَ مَنْ يَأْخُذُ قِطْعَةَ خَشَبٍ يَحْفِرُهَا مِكْيَالًا فَيَكُونُ طُولُهَا شِبْرًا مَثَلًا، وَالْمَحْفُورُ مِنْ دَاخِلِهَا أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ فَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِسَعَتِهَا، وَطُولِهَا، وَلَا يَعْلَمُونَ الْمِقْدَارَ الْمَحْفُورَ، وَهَذَا تَدْلِيسٌ لَا يَخْفَى، وَيُرَاعَى أَيْضًا مَا يُلْصِقُونَهُ فِي أَسْفَلِ الْمِكْيَالِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُلْصِقُ أَسْفَلَهُ الْخُبْزَ فُجْلٍ، وَالْجِبْسَ الْأَسْوَدَ يُلْصِقُونَهُ لَصْقًا لَا يَكَادُ يُعْرَفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْصِقُ فِي جَوَانِبِهِ الْكُسْبَ فَلَا يُعْرَفُ، وَلَهُمْ فِي مَسْكِ الْمِكْيَالِ صِنَاعَةٌ يَحْصُلُ بِهَا الْبَخْسُ فَلَا يَدَعُ الْكَشْفَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَأَمَّا الْكَيَّالُونَ فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَكْتَالُ مَا يَقْبِضُهُ زَائِدًا، وَيُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْغَزْرُ، وَالطَّرْحُ، وَعِنْدَ الصَّرْفِ يَجْعَلُهُ نَاقِصًا، وَيُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْمُشْفَقُ، وَقَدْ ذَمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ فَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُحَذِّرَهُمْ، وَيُخَوِّفَهُمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْبَخْسِ، وَالتَّطْفِيفِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَشْهَرَهُ حَتَّى يَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُ.
стр. 82
[فَصَلِّ مِقْدَار مُدّ النَّبِيّ ﷺ ]
(فَصْلٌ) : وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ صَاعُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ، وَثُلُثٌ، وَأَسْنَدَ الْبُخَارِيُّ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ذَكَرَ لِي أَبِي أَنَّهُ عَيَّرَ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَهُ رِطْلًا، وَثُلُثَيْنِ، وَفِي كِتَابِ عِقْدِ الْجَوَاهِرِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ أَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُؤَدَّى بِهِ الصَّدَقَاتُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ رِطْلٍ، وَنِصْفٍ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ رِطْلٍ، وَرُبُعٍ، وَقَالَ: بَعْضُهُمْ رِطْلٌ، وَثُلُثٌ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَالْوَيْبَةُ سِتَّةَ عَشَرَ قَدَحًا مِنْ نِسْبَةِ كَيْلِ الْبَلَدِ.
[فَصَلِّ أَنْوَاع الْأَذْرُع]
(فَصْلٌ) : وَالْأَذْرُعُ سَبْعٌ، أَقْصَرُهَا الْقَصَبَةُ ثُمَّ الْيُوسُفِيَّةُ ثُمَّ السَّوَادُ ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى ثُمَّ الْهَاشِمِيَّةُ الْكُبْرَى، وَهِيَ الزِّيَادِيَّةُ ثُمَّ الْعُمَرِيَّةُ ثُمَّ الْمِيرَاثِيَّةُ فَأَمَّا الْقَصَبَةُ، وَهِيَ تُسَمَّى ذِرَاعُ الدُّورِ، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعِ السَّوَادِ بِأُصْبُعٍ، وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ، وَضَعَهَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي، وَبِهَا يَتَعَامَلُ أَهْلُ كُلِّ، وَادٍ، وَأَمَّا الْيُوسُفِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي يُذَرِّعُ بِهَا الْقُضَاةُ الدُّورَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعِ السَّوَادِ بِثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ، وَضَعَهَا الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ، وَأَمَّا ذِرَاعُ السَّوَادِ فَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ ذِرَاعِ الْهَاشِمِيَّةِ الصُّغْرَى بِأُصْبُعٍ، وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهَا الرَّشِيدُ، وَقَدَّرَهَا بِذِرَاعِ خَادِمٍ أَسْوَدَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ فِي ذِرَاعِ الْبَزِّ، وَالتِّجَارَةِ، وَالْأَبْنِيَةِ، وَهِيَ قِيَاسٌ لِنِيلِ مِصْرَ، وَأَمَّا الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى، وَهِيَ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الذِّرَاعِ، إنَّهَا ذِرَاعٌ حَدَّهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَهِيَ أَنْقَصُ مِنْ
стр. 83
الزِّيَادِيَّةِ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عُشْرٍ، وَبِهَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِالْبَصْرَةِ، وَالْكُوفَةِ.
وَأَمَّا الْهَاشِمِيَّةُ الْكُبْرَى فَهِيَ ذِرَاعُ الْمَلَكِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَهَا إلَى الْهَاشِمِيَّةِ الْمَنْصُورُ، وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ ذِرَاعِ السَّوَادِ بِخَمْسِ أَصَابِعَ، وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَيَكُونُ ذِرَاعًا، وَثُمُنَيْ عَشَرَ بِالسَّوَادِ، وَتَنْقُصُ عَنْهَا الْهَاشِمِيَّةُ الصُّغْرَى بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عُشْرِهَا، وَسُمِّيَتْ زِيَادِيَّةً؛ لِأَنَّ زِيَادًا مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ، وَهِيَ الَّتِي يُذَرِّعُ بِهَا أَهْلُ الْأَهْوَازِ، وَأَمَّا الذِّرَاعُ الْعُمَرِيَّةُ، وَهِيَ ذِرَاعُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّتِي مَسَحَ بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ، وَهِيَ ذِرَاعٌ وَقَبْضَةٌ، وَإِبْهَامٌ قَائِمَةٌ قَالَ الْحَكَمُ: إنَّ عُمَرَ عَمَدَ إلَى أَطْوَلِهَا، وَأَقْصَرِهَا فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَالِثَةً، وَأَخَذَ الثُّلُثَ مِنْهَا، وَزَادَ عَلَيْهَا قَبْضَةً، وَإِبْهَامًا قَائِمَةً، وَخَتَمَ طَرَفَيْهَا بِالرَّصَاصِ، وَبَعَثَ بِذَلِكَ إلَى حُذَيْفَةَ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى مَسَحَا بِهَا أَرْضَ السَّوَادِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ مَسَحَ بِهَا بَعْدَ، عُمَرَ بْنُ هُبَيْرَةَ.
وَأَمَّا الذِّرَاعُ الْمِيرَاثِيَّةُ فَتَكُونُ بِذِرَاعِ السَّوَادِ ذِرَاعًا، وَثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، وَثُلُثَيْ أُصْبُعٍ، وَأَوَّلُ مَنْ، وَضَعَهَا الْمَأْمُونُ، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ فِي ذِرَاعِ الْبَرِيدِ، وَالسُّكُورِ، وَالسُّوقِ، وَكَذَا الْأَنْهَارِ، وَالْحَفَائِرِ، وَأَمَّا الذِّرَاعُ الْمُقَدَّرُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرُهُ فَهُوَ أَرْبَعَةٌ، وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ بَطْنُ كُلِّ حَبَّةٍ لِظَهْرِ الْأُخْرَى، وَالشَّعِيرَةُ بِسِتِّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبَغْلِ.
стр. 84
[الْبَاب الْحَادِيَ عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الْعَلَّافِينَ وَالطَّحَّانِينَ]
يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ احْتِكَارُ الْغَلَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ، وَلَا يَخْلِطُوا رَدِيءَ الْحِنْطَةِ بِجَيِّدِهَا، وَلَا عَتِيقَهَا بِجَدِيدِهَا فَإِنَّهُ تَدْلِيسٌ عَلَى النَّاسِ، وَيَلْزَمُ الطَّحَّانِينَ بِغَرْبَلَةِ الْغَلَّةِ مِنْ التُّرَابِ، وَتَنْقِيَتِهَا مِنْ الطِّينِ، وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْغُبَارِ قَبْلَ طَحْنِهَا، وَلَهُمْ أَنْ يَرُشُّوا عَلَى الْحِنْطَةِ مَاءً يَسِيرًا عِنْدَ طَحْنِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ الدَّقِيقَ بَيَاضًا، وَيُغَيِّرُ عَلَيْهِمْ مَنَاخِلَ الدَّقِيقِ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي صُوفِهِ ضَعْفٌ، وَيَعْتَبِرُ الْمُحْتَسِبُ الدَّقِيقَ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا يَخْلِطُوا فِيهِ دَقِيقَ الْحِمَّصِ، أَوْ الْفُولِ حَتَّى يَزِيدَهُ زَهْرَةً، وَهَذَا غِشٌّ فَمَنْ وَجَدَهُ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَأَدَّبَهُ، وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ لَا يَطْحَنُوا عَلَى إثْرِ نَقْرِ الْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ إذَا نَزَلَ مَعَ الدَّقِيقِ، وَيُلْزِمُهُمْ بِنَقَاءِ الْغَلَّةِ، وَكَثْرَةِ دَوْسِهَا حَتَّى يَخْرُجَ الدَّقِيقُ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي النَّقَاءِ، وَيَنْبَغِي لِأَرْبَابِ الدَّوَابِّ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي اسْتِعْمَالِهَا، وَأَنْ يُرِيحُوهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ لِحَاجَتِهَا إلَى الرَّاحَةِ، وَالسُّكُونِ، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ الدَّابَّةَ فِي طَحْنِ أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ، وَيْبَةٍ، وَيَتَفَقَّدَ مَوَازِينَهُمْ الْمُرْصَدَةَ لِوَزْنِ الدَّقِيقِ، وَأَرْطَالَهُمْ، وَكَذَا مَوَازِينَ الْفِضَّةِ، وَصِنَجَهَا، وَأَكْيَالَهُمْ، وَبِطَطَهُمْ، وَعِيَارَاتِهَا، وَيَأْمُرَهُمْ أَنْ تَكُونَ الْفَوَارِغُ الْمُعَدَّةَ لِحَمْلِ الدَّقِيقِ صِحَاحًا؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ يَكُونُ صَحِيحًا مِنْ الطَّاحُونِ فَمَتَى كَانَتْ الْفَوَارِغُ مُقَطَّعَةً ضَاعَ الدَّقِيقُ فِي الطُّرُقَاتِ فَيَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي، وَأَنَّ الْبَطَّةَ خَمْسُونَ رِطْلًا فَيَكُونُ التَّلِّيسُ ثَلَاثُ
стр. 85
بِطَطٍ فَإِنَّهُ مِائَةٌ، وَخَمْسُونَ رِطْلًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الطَّحَّانِينَ، وَظَائِفَ يَرْفَعُونَهَا إلَى حَوَانِيتِ الْخَبَّازِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة عَلَى طَحَّانِينَ الْقَمْح الْبَيْتُوتِيِّ]
(فَصْلٌ) : وَيُؤْخَذُ عَلَى طَحَّانِينَ الْقَمْحِ الْبَيْتُوتِيِّ بِمَا نَذْكُرهُ لِمَنْ يَأْكُلُ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَا تَمِيلُ نَفْسُهُمْ إلَى أَكْلِ الْخُبْزِ السُّوقِيِّ لِأَجْلِ مَا يُحْتَرَزُ عَلَيْهِ فِي الْبُيُوتِ، وَيُبَاشِرُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيَلْزَمُ أَنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُوا مَنْ يَتَسَلَّمُ قُمُوحَ النَّاسِ إلَّا ثِقَةً أَمِينًا عَفِيفًا عَنْ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ بُيُوتَ النَّاسِ، وَيُخَاطِبُ، أَوْلَادَهُمْ، وَجَوَارِيَهُمْ، وَيَحْمِلُهَا بِأَمَانَةٍ إلَى طَاحُونٍ مَعْلُومَةٍ فَحِينَئِذٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِالْوَزْنِ، وَيُعْطِيهَا بِالْوَزْنِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَأَنْ يَكْتُبَ عَلَى كُلِّ قُفَّةٍ اسْمَ صَاحِبِهَا، وَمَكَانَهُ فِي يَقْطِينَةٍ، وَيُعَلِّقَهَا فِي أُذُنِ الْقُفَّةِ حَتَّى لَا تَخْتَلِطَ، وَأَنْ تَكُونَ نَاعِمَةَ الطَّحْنِ حَتَّى تَحْصُلَ الزَّكَاةُ لِصَاحِبِهَا، وَالْوَيْبَةُ الْمِصْرِيَّةُ زِنَتُهَا أَرْبَعُونَ رِطْلًا إلَى أَرْبَعَةٍ، وَأَرْبَعِينَ، وَمَهْمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ مِنْ الْوَيْبَةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَخْلِطُ قَمْحَ أَحَدٍ فِي قَادُوسِ الطَّحْنِ حَتَّى يُزِيلَ مَا بَقِيَ مِنْ قَمْحِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ مَا حَوْل الْحَجَرِ مِنْ الدَّقِيقِ يَكْنُسُهُ بِمِكْنَسَةٍ عِنْدَهُ لِئَلَّا يَدْخُلُ مَالُ أَحَدِهِمَا فِي مَالِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَيَصِيرُ حَرَامًا.
стр. 86
[الْبَاب الثَّانِي عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الْفَرَّانِينَ وَالْخَبَّازِينَ]
يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِرَفْعِ سَقَائِفِ أَفْرَانِهِمْ، وَيَجْعَلَ فِي سُقُوفِهَا مَنَافِسَ، وَاسِعَةً لِلدُّخَانِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِكَنْسِ بَيْتِ النَّارِ فِي كُلِّ تَعْمِيرَةٍ، وَغَسْلِ البسليت، وَتَنْظِيفِ مَاءَهُ، وَغَسْلِ الْمَعَاجِنِ، وَتَنْظِيفِهَا، وَيَتَّخِذَ لَهَا أَبْرَاشًا كُلُّ بُرْشٍ عَلَيْهِ عُودَانِ مُصَلَّبَانِ لِكُلِّ مِعْجَنَةٍ، وَلَا يَعْجِنُ الْعَجَّانُ بِقَدَمَيْهِ، وَلَا بِرُكْبَتَيْهِ، وَلَا بِمِرْفَقَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَهَانَةٌ لِلطَّعَامِ، وَرُبَّمَا قُطِّرَ فِي الْعَجِينِ شَيْءٌ مِنْ عَرَقِ إبْطَيْهِ، أَوْ بَدَنِهِ، وَلَا يَعْجِنُ إلَّا، وَعَلَيْهِ مِلْعَبَةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، وَيَكُونُ مُلَثَّمًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَطَسَ، أَوْ تَكَلَّمَ فَقَطَرَ شَيْءٌ مِنْ بُصَاقِهِ، أَوْ مُخَاطِهِ فِي الْعَجِينِ، وَيَشُدُّ عَلَى جَبِينِهِ عِصَابَةً بَيْضَاءَ لِئَلَّا يَعْرَقَ فَيَقْطُرُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَحْلِقُ شَعْرَ ذِرَاعَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْعَجِينِ، وَإِذَا عَجَنَ فِي النَّهَارِ فَلِيَكُنْ عِنْدَهُ إنْسَانٌ عَلَى يَدِهِ مِذَبَّةٌ يَطْرُدُ عَنْهُ الذُّبَابَ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ الْمُحْتَسِبُ مَا يَغُشُّونَ بِهِ الْخُبْزَ مِنْ الْكُرْكُمِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَإِنَّهُمَا يُوَرِّدَانِ، وَجْهَ الْخُبْزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهُ بِالْحِمَّصِ، وَالْفُولِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَلْزَمُهُمْ أَلَّا يَخْبِزُوهُ حَتَّى يَخْتَمِرَ فَإِنَّ الْفَطِيرَ يَثْقُلُ فِي الْمِيزَانِ، وَالْمَعِدَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَلِيلَ الْمِلْحِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْشُرُوا عَلَى، وَجْهِهِ الْأَبَازِيرَ الطَّيِّبَةَ مِثْلَ الْكَمُّونِ الْأَبْيَضِ، وَالْكَمُّونِ الْأَسْوَدِ، وَالسِّمْسِمِ، وَالْيَانَسُونِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يُخْرِجُونَ الْخُبْزَ مِنْ بَيْتِ النَّارِ حَتَّى يُنْضَجَ نَضْجًا جَيِّدًا مِنْ غَيْرِ احْتِرَاقٍ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى كُلِّ حَانُوتٍ، وَظِيفَةً رَسْمًا يَخْبِزُونَهُ
стр. 87
فِي كُلِّ يَوْمٍ لِئَلَّا يَخْتَلَّ الْبَلَدُ عِنْدَ قِلَّةِ الْخُبْزِ، وَيَتَفَقَّدُ الْأَفْرَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ صُنَّاعِ الْخُبْزِ مِنْ الْمَبِيتِ فِي أَكْسِيَةِ الْعَجِينِ، وَلَا مَكَانِ فُرُشِ الْعَجِينِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِنَشْرِهَا عَلَى حِبَالٍ بَعْدَ نَفْضِهَا، وَغَسْلِهَا فِي كُلِّ، وَقْتٍ.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة عَلَى فَرَّانِينَ الْخَبَز البيتوتي]
(فَصْلٌ) : وَيَأْخُذُ الْمُحْتَسِبُ عَلَى فَرَّانِينَ الْخُبْزِ الْبَيْتُوتِيِّ لِعِظَمِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِصْلَاحِ الْمَدَاخِنِ، وَتَنْظِيفِ بَلَاطِ الْفُرْنِ بِالْمَكَانِسِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ عَنْ اللُّبَابِ الْمُحْتَرِقِ، وَالرَّمَادِ لِئَلَّا يُلْصَقَ فِي أَسْفَلِ الْخُبْزِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ غُلَامٌ يُعَلِّمُ بِهِ أَخْبَازِ النَّاسِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الْعَجِينِ فَلَا يَعْرِفُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ السُّمْكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ الْخُبْزِ لِئَلَّا يَسِيلَ شَيْءٌ مِنْ دُهْنِهِ عَلَى الْخُبْزِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْعَجِينِ زِيَادَةً عَمَّا جَعَلَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الثَّالِث عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الشَّوَّائِينَ]
يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَزِنَ عَلَيْهِمْ الْبَهَائِمَ قَبْلَ إنْزَالِهَا التَّنُّورَ، وَيَكْتُبَهُ فِي دَفْتَرِهِ ثُمَّ يُعِيدَهُ إلَى الْوَزْنِ بَعْدَ إخْرَاجِهَا فَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَصَ مِنْهُ الثُّلُثُ فَقَدْ تَنَاهَى نُضْجُهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَعَادَهُ إلَى التَّنُّورِ، وَلَا يُمَكِّنَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا إلَّا الْبَهَائِمَ اللِّطَافَ الْبَلَدِيَّةَ السِّمَانَ الْجِذْعَان فِي
стр. 88
السِّنِّ، وَلَا يُمَكِّنَهُمْ مِنْ عَمَلِ الْبَهَائِمِ الصَّعِيدِيَّةِ، وَلَا الْبَرَاقِي، وَلَا الْمُجَنَّسِ، وَهُوَ الَّذِي أَبُوهُ صَعِيدِيَّةٌ، وَأُمُّهُ بَرْقِيَّةٌ، وَبِالْعَكْسِ، وَلَا الْبَهَائِمِ الثَّنِيَّاتِ الْهَزِيلَةِ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ، وَزْنِهِ، وَهُوَ لَحْمٌ أَنْ لَا يَضَعُوا فِيهِ صِنَجَ الْحَدِيدِ، أَوْ مَثَاقِيلَ الرَّصَاصِ، وَعَلَامَةُ نُضْجِ الشَّوِيِّ أَنْ يَجْذِبَ الْكَتِفَ بِسُرْعَةٍ فَإِنْ جَاءَتْ فَقَدْ انْتَهَى فِي النُّضْجِ، وَأَيْضًا يُبَالِغُ فِي تَجْرِيحِهِ، وَهُوَ لَحْمٌ، وَهُوَ أَنْ يَشُقَّ الْقُطْنَةَ شِقَتَيْنِ مِنْ تَحْتِ الْأَلْيَةِ إلَى آخِرِ الْمَسْرُبَةِ ثُمَّ يَجْرَحُ الْوَرِكَيْنِ تَجْرِيحًا تَامًّا، وَيَمْسَحُ خُفَافَتِهِ، وَيُطْلِقُ شَرَجَاتِهِ، وَيَخْلَعُ أَعْصَابَهُ، وَعَظْمَ سِنِّهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ النَّارُ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَلَا يُمَكِّنْهُمْ بِأَنْ يُدَلُّوهُ حَتَّى يَطْهُرَ بِالْمَاءِ بَطْنُهُ مِنْ الرَّوْثِ، وَمَلَّاحِيهِ مِنْ الدَّمِ، وَجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلَا يُمَكِّنْهُمْ أَنْ يُلَوِّنُوهُ إلَّا بِالزَّعْفَرَانِ، وَلَا يُمَكِّنْهُمْ مِنْ إلْوَانٍ بِالْمَغْرَةِ، وَلَا بَابِيّ مُلَيْحٍ، وَلَا بِالْعَسَلِ، وَلَا بِاللَّبَنِ فَإِنَّهُ يُظْهِرُ اللَّوْنَ فَيَظُنُّ الرَّائِي أَنَّهُ نَضِجَ، وَهُوَ غَيْرُ نَاضِجٍ، وَهُوَ غِشٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْبَحُ الْبَهَائِمَ الْكَبِيرَةَ، وَيَحْمِلُ بَعْضَهَا إلَى الْمُحْتَسِبِ، وَيُخْفِي الْبَاقِي فَيَعْتَبِر عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَيَأْمُرُهُمْ أَلَّا يُطَيِّنُوا تَنَانِيرَهُمْ إلَّا بِطِينٍ طَاهِرٍ قَدْ عُجِنَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الطِّينَ مِنْ أَرَاضِي حَوَانِيتِهِمْ، وَهُوَ مُخْتَلِطٌ بِالدَّمِ، وَالرَّوْثِ، وَذَلِكَ نَجَسٌ، وَرُبَّمَا انْتَثَرَ عَلَى الشِّوَاءِ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ فَتْحِ التَّنُّورِ فَيُنَجَّسُ.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة عَلَى بَاعَة الشَّوِيّ الْمَرْضُوض]
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَاعَةُ الشَّوَى الْمَرْضُوضِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَضَعُ تَحْتَ يَدِهِ شَيْئًا يُقَالُ لَهُ تَشْرِيبُ التَّنُّورِ، وَهُوَ مَاءٌ، وَمِلْحٌ، وَهُوَ الَّذِي يَطْلُعُ مِنْ تَحْتِ الْبَهَائِمِ مِنْ التَّنُّورِ فِي قَدَحٍ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْمُشْتَرِينَ عِنْدَ رَضِّ الشِّوَى، وَيَرُشُّهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ يَفْضُلُ عِنْدَهُ فَضْلَةٌ مِنْهُ فِي لَيَالِي الصَّيْفِ فَيُصْبِحُ مُتَغَيِّرًا فَيَمْزُجُهُ
стр. 89
بِاللَّيْمُونِ الطَّرِيِّ لِيُنَقِّيَ رِيحَهُ، وَطَعْمَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَفِيهِمْ مَنْ يَرُضُّ شَحْمَ الْكُلَى مَعَ الشَّوَى، وَالْكُبُودِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَجَمِيعُ هَذَا تَدْلِيسٌ يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَعْتَبِرَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الْبَيْعِ، وَأَرَادُوا الِانْصِرَافَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْثُرُوا عَلَى قَرَمِهِمْ الْمِلْحَ، وَيُغَطُّوهَا بِأُبْلُوجَةٍ فَارِغَةٍ خَشْيَةً مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الرَّابِع عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى النقانقيين]
الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ مَوَاضِعُهُمْ الَّتِي يَصْنَعُونَ فِيهَا النَّقَانِقَ بِقُرْبِ دَكَّةِ الْمُحْتَسِبِ، وَيُلْزِمُهُمْ الْمُحْتَسِبُ أَنْ لَا يَعْمَلُوا إلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّ غِشَّهُمْ فِيهَا كَثِيرٌ، وَيَأْمُرُهُمْ بِتَنْقِيَةِ اللَّحْمِ، وَجَوْدَتِهِ، وَاسْتِمَانِهِ، وَيَكُونُ مِنْ لَحْمِ الضَّأْنِ، وَيَدُقُّ عَلَى الْقُرُمِ النَّظِيفَةِ، وَلْيَكُنْ عِنْدَهُ وَاحِدٌ حِينَ يَدُقُّ اللَّحْمَ بِيَدِهِ مِذَبَّةٌ يَطْرُدُ الذُّبَابَ بِهَا، وَلَا يَخْلِطُوا مَعَ اللَّحْمِ عَلَى الْقَرْمَةِ الشَّحْمَ، وَلَا شَيْئًا مِنْ بُطُونِ الْبَهِيمَةِ، وَلَا يَخْلِطُوا مَعَهُ مِنْ السَّمِيذِ، وَلَا الْفُلْفُلِ، وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَدْهَانِ إلَّا بِحُضُورِ الْمُحْتَسِبِ، أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ أَمِينٍ يَثِقُ بِهِ الْمُحْتَسِبُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَحْثُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَصَارِينِ النَّقِيَّةِ الْمَغْسُولَةِ بِالْمَاءِ، وَالْمِلْحِ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ مَا يَغُشُّونَ بِهِ النَّقَانِقَ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا بِلُحُومِ الْمَعْزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا بِلُحُومِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا بِالسَّمِيذِ الزَّائِدِ عَنْ الْمُعْتَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا بِاللُّحُومِ الْوَاقِعَةِ الْهَزِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُشُّ الْمَاءَ عَلَى
стр. 90
اللَّحْمِ، وَقْتَ دَقَّهُ، وَيَعْرِفُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِأَنْ يَشُقَّ النَّقَانِقَ قَبْلَ قَلْيِهَا لِيَنْظُرَ مَا فِيهَا مِنْ الْغِشِّ، وَمَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى ذَكِيٍّ، وَلَا عَارِفٍ فَإِنَّ كُلَّ مَدْقُوقٍ مَجْهُولٍ لَكِنَّ الْحَاذِقَ لَا يَخْفَاهُ شَيْءٌ مِنْ غُشُوشِهِمْ، وَأَمَّا إذَا وُضِعَتْ فِي الْمِقْلَاةِ فَلَا تَكَادُ تُعْرَفُ؛ لِأَنَّهُمْ يَبْخَشُونَهَا بِالسَّفُّودِ، وَإِذَا قَارَبَتْ النُّضْجَ فَسَالَ مَا فِيهَا مِنْ الدُّهْنِ فَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ، وَيُلْزِمُهُمْ بِتَغْيِيرِ الطَّاجِنِ الَّذِي يُقْلَى فِيهِ كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِالشَّيْرَجِ الطَّرِيِّ، ثُمَّ يَنْثِرُونِ عَلَيْهَا بَعْدَ قَلْيِهَا الْأَبَازِيرَ الطَّيِّبَةَ، وَالتَّوَابِلَ الْمَسْحُوقَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.
[الْبَاب الْخَامِس عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الكبوديين والبوارديين]
يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَخْلِطُوا كُبُودَ الْمَعْزِ، وَلَا الْبَقَرِ بِكُبُودِ الضَّأْنِ بَلْ كُلٌّ مِنْهَا يُعْمَلُ عَلَى جِهَتِهِ، وَيُحْضِرُهُمْ الْمُحْتَسِبُ إلَى مَجْلِسِهِ، وَيُلْزِمُهُمْ بِالْإِشْرَاحِ الرَّفِيعِ ثُمَّ بَعْدَ الْإِشْرَاحِ يُنْثَرُ عَلَيْهَا الْمِلْحُ، وَيَجْعَلُوا فِي مِشَنَّةِ ثِمَارٍ، وَيُطَهِّرُوا بِالْمَاءِ ثُمَّ يُسَخِّنُوا تَسْخِينًا خَفِيفًا ثُمَّ يُدْلُوا فِي التَّنُّورِ فَإِذَا انْتَهَى نُضْجُهَا خَرَّطُوا بِحَضْرَتِهِ، أَوْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيُضَافُ عَلَيْهَا الْمِلْحُ النَّاعِمُ، وَالْكُسْفُرَةُ الْيَابِسَةُ، وَالْكَرَاوْيَةُ الْمُحَمَّصَةُ نِصْفَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ
стр. 91
وَيُضَافُ عَلَيْهَا الْفُلْفُلُ الْمَصْحُونُ لِكُلِّ عَشْرَةِ أَسْيَاخٍ أُوقِيَّةٌ، وَمِنْ الْقِرْفَةِ اللِّفِّ الْمَصْحُونَةِ لِكُلِّ عَشْرَةِ أَسْيَاخٍ أُوقِيَّةٌ ثُمَّ يُضَافُ عَلَيْهَا الزَّيْتُ الطَّيِّبُ الرَّفِيعُ لِكُلِّ عَشْرَةِ أَسْيَاخٍ رِطْلٌ، وَنِصْفٌ، وَيُحْتَرَزُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَخْلِطُوا الْبَائِتَ مَعَ الطَّرِيِّ، وَلَا الْمَصْلُوقَ بِالْبَصَلِ مَعَ الْمَشْوِيِّ، وَإِذَا بَاتَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ أَعْرَضَهُ عَلَيْهِ مِنْ بَاكِرِ النَّهَارِ، وَيُلْزِمُهُ بِبَيْعِهِ وَحْدَهُ.
[فَصَلِّ مَا يُؤْخَذ عَلَى البوارديين]
(فَصْلٌ) : يُؤْخَذُ عَلَى البوارديين أَنْ لَا يُرْخُوا الْكُرُنْبَ إلَّا فِي الْمَاءِ الْحَارِّ، وَلَا يُطْلَعَ بِهِ مِنْ الْقِدْرِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ نُضْجُهُ، وَأَمَّا اللِّفْتُ، وَاللُّوبْيَاءُ فَلَا يَخْلِطُوا الْفَرَنْسِيَّةَ بِالْحَرّانِيَّةِ، وَلَا يَعْمَلَهَا إلَّا مُقَمَّعَةَ الْعِيدَانِ، وَكَذَا اللِّفْتُ، وَيُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَصْلُقُوا بِنَشَادِرٍ فَإِنَّهُ بَخْسٌ، وَمُضِرٌّ بَلْ بِالنَّطْرُونِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَا يَشِيلُوهُ مِنْ الْمَاءِ الْحَارِّ فَيَضَعُوهُ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يُعْطِيَ لَوْنَهُ خُضْرَةً لِلزَّبُونِ، وَهَذَا مُضِرٌّ يُورِثُ الْبَرَصَ، فَيَتَفَقَّدُ مَوَاضِعَ الْعَمَلِ فَمَنْ وَجَدَهُ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَدَّبَهُ التَّأْدِيبَ التَّامَّ، وَيُلْزِمُهُمْ أَلَّا يَخْلِطُوا الْبَائِتَ بِالطَّرِيِّ، وَلَا يَصْلُقُوا اللِّفْتَ فِي مَرَقَةِ اللُّوبْيَاءِ، وَلَا اللُّوبْيَاءَ فِي مَرَقَةِ اللِّفْتِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْآكِلِينَ، وَكَذَلِكَ بَاذِنْجَانُ الصَّاجِ يُلْزِمُهُمْ بِأَنْ يُنْضِجُوهُ، وَيُضِيفُوا إلَيْهِ الْخَلَّ الْحَاذِقَ، وَالْكَرَاوْيَةَ، وَالْكُسْفُرَةُ الْيَابِسَةَ، وَحَوَائِجَ الْبَقْلِ، وَالْفُلْفُلِ، وَالْقِرْفَةِ الْمَصْحُونَةِ، وَيُلْزِمُهُمْ بِأَنْ يُقْلِعُوا أَقْمَاعَهُ الْيَابِسَةَ، وَكَذَلِكَ الرِّجْلَةَ يَأْمُرُ بِنُضْجِهَا، وَتَنْقِيَتِهَا مِنْ الرَّمْلِ، وَالْعِيدَانِ، وَيُضِيفُ إلَيْهَا الْخَلَّ الْحَاذِقَ، وَالثُّومَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْنَعُهَا بِاللَّبَنِ، وَالثُّومِ فَيُلْزِمُهُمْ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَقِلَّةِ الثُّومِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَكَذَلِكَ الْمُبَعْثَرَةُ يُلْزِمُهُمْ بِعَرْضِ الْبَيْضِ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْزَلَ الطَّرِيُّ مِنْ الْفَاسِدِ، وَيُلْزِمُهُمْ بِأَنْ يُضِيفُوا إلَيْهَا الزَّيْتَ الطَّيِّبَ حَتَّى يَقْطَعَ زُفَرَةَ الْبَيْضِ وَالْفُلْفُلِ
стр. 92
وَالْقِرْفَةَ، وَالْكَمُّونَ، وَكَذَلِكَ الْبَاذِنْجَانَ الْمَقْلُوَّ يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَقْلُوهُ إلَّا مُقَشَّرًا، وَيَجْعَلُهُ فِي الْمَاءِ، وَالْمِلْحِ قَبْلَ قَلْيِهِ حَتَّى يَخْرُجَ دَغَلُهُ ثُمَّ يَقْلِيهِ بِالشَّيْرَجِ الطَّرِيِّ، وَلَا يَرْفَعُهُ مِنْ الْمِقْلَاةِ حَتَّى يَتِمَّ نُضْجُهُ، وَلَا يُمَكِّنُهُ مِنْ قَلْيِهِ بِالزَّيْتِ الْحُلْوِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقْلِيهِ بِهِ، وَيُوهِمُ الزَّبُونَ أَنَّهُ بِشَيْرَجٍ، وَهَذَا غِشٌّ فَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ.
[الْبَاب السَّادِس عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الْجَزَّارِينَ]
وَلَا يَحِلُّ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلَّا السَّمَكَ، وَالْجَرَادَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أُحِلَّ لَكُمْ مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» ، وَلَا يَحِلُّ ذَكَاةُ الْمَجُوسِيِّ، وَلَا عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَأَرَادَ بِهِ الذَّبْحَ فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكُرِهَ ذَكَاةُ الصَّبِيِّ، وَالْأَعْمَى، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا أَخْطَئُوا مَوْضِعَ الذَّكَاةِ، وَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ حَتَّى الْقَصَبَ، وَالْحَجَرَ الْمُحَدَّدَ إلَّا السِّنَّ، وَالظُّفُرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الذَّكَاةِ بِهِمَا.
وَقَالَ: «إنَّهُمَا مُدَى الْحَبَشَةِ» ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْجَزَّارُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ
стр. 93
الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ، وَأَنْ تُسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةُ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَاتِ، وَأَنْ تُنْحَرَ الْإِبِلُ مَعْقُولَةً مِنْ قِيَامٍ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَةً يَنْحَرُهَا فَقَالَ ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا»
فَيَأْخُذُ حَرْبَةً، أَوْ سِكِّينًا فَيَغْرِزُهَا فِي شَفْرِ النَّحْرِ، وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي فِي أَعْلَى الصَّدْرِ، وَأَصْلِ الْعُنُقِ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ، وَالْغَنَمَ مُضْجَعَةً «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضْجَعَ الْكَبْشَيْنِ» ، وَأَلْحَقْنَا الْبَقَرَ بِهِمَا لِمُشَارَكَتِهِمَا إيَّاهُ فِي سُنَّةِ الذَّبْحِ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَأَنْ تُقْطَعَ الْأَوْدَاجُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ أَوْحَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا وَدَجَانِ لَا غَيْرُ، وَهُمَا عِرْقَانِ فِي جَانِبَيْ الْعُنُقِ مِنْ مُقَدِّمِهِ تَفُوتُ الْحَيَاةُ بِفَوَاتِهِمَا، وَالْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ فَإِنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ، وَبَعْضَ الْمَرِيءِ فَوَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فَلَوْ، وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ هَلْ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، أَوْ لَا فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْحَرَكَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنْ تَحَرَّكَ بَعْدَهُ حَلَّ، وَظَهَرَ أَنَّ حَرَكَتَهُ كَانَتْ حَرَكَة مَذْبُوحٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّك لَمْ يَحِلَّ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ لَا بُدَّ مَعَ الْحَرَكَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِنْ قَرَائِنَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الظَّنُّ أَمَّا مُجَرَّدُ الْحَرَكَةِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَا يُكْتَفَى بِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالِاخْتِلَاجِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَكَذَا لَا عِبْرَةَ بِإِنْهَارِ الدَّمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: خُرُوجُ الدَّمِ دَلِيلُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ، وَلَا يَجُرُّ شَاةً بِرِجْلِهَا جَرًّا عَنِيفًا، وَلَا يَذْبَحُ بِسِكِّينٍ كَالَّةٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ.
وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ» ، وَلَا يَشْرَعُ فِي السَّلْخِ بَعْدَ الذَّبْحِ حَتَّى تَبْرُدَ الشَّاةُ، وَتَخْرُجَ مِنْهَا الرُّوحُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ -
стр. 94
أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ لَا تُسْلَخُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ حَتَّى تَبْرُدَ، وَيُمْنَعُوا مِنْ ذَبْحِ الْبَقَرِ الْحَوَامِلِ، وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَمَرَ أَلَّا يُذْبَحَ مِنْ الْبَقَرِ إلَّا الْمَخْلُوعَ الْوَرِكَ، وَالْأَعْوَرَ، وَالْأَعْمَى، وَالْمَقْلُوعَ السِّنِّ، وَالْمُرَيَّشَ الْعُنُقِ، وَالْمَجْنُونَ، وَالْمَشْقُوقَ الْحَافِرِ، وَمَا بِهِ عَاهَةٌ، أَوْ مَرَضٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الْجَوَامِيسَ، وَالْبَقَرَ الْحَبَشِيَّةَ، وَأَنْ تُذْبَحَ بَهِيمَةٌ، وَفِي بَطْنِهَا، وَلَدٌ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْجَنِينُ ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» .
وَيُنْهَى الْأَبْخَرُ عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّاةِ عِنْدَ السَّلْخِ؛ لِأَنَّ نَكْهَتَهُ تُغَيِّرُ اللَّحْمَ، وَتُزَفِّرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشُقُّ اللَّحْمَ مِنْ الشَّفَافِيرِ، وَيَنْفُخُ فِيهِ الْمَاءَ، وَلَهُمْ أَمَاكِنُ يَعْرِفُونَهَا فِي اللَّحْمِ يَنْفُخُونَ فِيهَا الْمَاءَ، فَيُرَاعِيهِمْ الْمُحْتَسِبُ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْهِرُ فِي السُّوقِ الْبَقَرَ السِّمَانَ ثُمَّ يَذْبَحُ غَيْرَهَا، وَلَا يَذْبَحُ جَمَلًا مُقَرَّحَ الْجِسْمِ إلَّا أَنْ يُبْرِئَ مَا بِجِسْمِهِ.
[فَصَلِّ يَمْنَع الْمُحْتَسَب الْقَصَّابِينَ مِنْ الذَّبْح عَلَى أَبْوَاب دَكَاكِينهمْ]
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقَصَّابُونَ فَيَمْنَعُهُمْ الْمُحْتَسِبُ مِنْ الذَّبْحِ عَلَى أَبْوَابِ دَكَاكِينِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُلَوِّثُونَ الطَّرِيقَ بِالدَّمِ، وَالرَّوْثِ، وَهَذَا مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا لِلطَّرِيقِ، وَإِضْرَارًا بِالنَّاسِ بِسَبَبِ تَرْشِيشِ النَّجَاسَةِ بَلْ حَقُّهُ أَنْ يَذْبَحَ فِي الْمَذْبَحِ، وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ إخْرَاجِ تَوَالِي اللَّحْمِ مِنْ حَدِّ مَصَاطِبِ حَوَانِيتِهِمْ بَلْ يَكُونُ تَمَكُّنُهُ فِي الدُّخُولِ عَنْ حَدِّ الْمِصْطَبَةِ لِئَلَّا تُلَاصِقَهَا ثِيَابُ النَّاسِ فَيُضَرُّونَ بِهَا، وَيَأْمُرَهُمْ أَنْ يُفَرِّدُونَ لُحُومَ الْمَعْزِ عَنْ لُحُومِ الضَّأْنِ، وَلَا يَخْلِطُوا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَيُنَقِّطُوا لَحْمَ الْمَعْزِ بِالزَّعْفَرَانِ
стр. 95
لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، وَتَكُونُ أَذْنَابُ الْمَعْزِ مُعَلَّقَةً عَلَى لُحُومِهَا إلَى آخِرِ الْبَيْعِ، وَيُعْرَفُ لَحْمُ الْمَعْزِ بِبَيَاضِ شَحْمِهِ، وَدِقَّةِ صُلْبِهِ، وَرِقَّةِ عَظْمِهِ، وَلَا يَخْلِطُوا شُحُومَ الْمَعْزِ بِشُحُومِ الضَّأْنِ، وَيُعْرَفُ شَحْمُ الضَّأْنِ بِعُلُوِّ صُفْرَتِهِ، وَلَا اللَّحْمَ السَّمِينَ بِاللَّحْمِ الْهَزِيلِ، وَلَا الذَّكَرَ بِالْأُنْثَى، وَفِيهِمْ مَنْ يُعَلِّقُ ذَكَرَ الْخَرُوفِ عَلَى النَّعْجَةِ، وَيُوهِمُ الزَّبُونَ بِأَنَّهَا خَرُوفٌ، وَهَذَا غِشٌّ، وَإِذَا، وَقَعَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ بَهِيمَةٌ مَرِيضَةٌ، أَوْ مُتَغَيِّرَةُ اللَّوْنِ مَنَعَهُ مِنْ بَيْعِهَا مَعَ اللَّحْمِ الَّذِي عَلَى حَانُوتِهِ بَلْ يَأْمُرُهُ بِبَيْعِهَا خَارِجًا عَنْهُ لِئَلَّا يُبَطِّنَ بِهَا تَحْتَ الْبَهَائِمِ الْمُتَعَافِيَةِ، وَلَا يَبِيعُهَا إلَّا بِحُضُورِ أَمِينٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا لِلطَّبَّاخِينَ الَّذِينَ يَطْبُخُونَ لِلنَّاسِ شَيْئًا، وَيَأْمُرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا فَرَغَ مِنْ الْبَيْعِ أَنْ يَأْخُذَ مِلْحًا مَسْحُوقًا، وَيَنْثُرَهُ عَلَى الْقَرْمَةِ الَّذِي يُقَصِّبُ عَلَيْهَا اللَّحْمَ لِئَلَّا يُدَوَّدَ فِي زَمَنِ الْحَرِّ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يُغَطِّيَهَا بِبُرْشٍ، وَفَوْقَهُ أُبْلُوجَةٌ فَارِغَةٌ مُثْقَلَةٌ بِالْحِجَارَةِ لِئَلَّا يَلْحَسَهَا الْكِلَابُ، أَوْ يَدِبَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِلْحًا فَالْأُشْنَانُ الْمَسْحُوقُ يَقُومُ مَقَامَهُ،
وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ لَا يُشَارِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِئَلَّا يَتَّفِقُونَ فِي سِعْرٍ وَاحِدٍ
، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ بَيْعِ لَحْمٍ بِالْحَيَوَانِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَإِذَا شَكَّ الْمُحْتَسِبُ فِي الْحَيَوَانِ هَلْ هُوَ مَيْتَةٌ، أَوْ مَذْبُوحٌ اُخْتُبِرَ بِالْمَاءِ فَإِنْ طَفَحَ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَإِنْ رَسَبَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَيُلْقِي مِنْهُ شَيْئًا عَلَى الْجَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يُعَلَّقْ عَلَى الْجَمْرِ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَإِنْ عَلِقَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَكَذَلِكَ الْبِيضُ إذَا طُرِحَ فِي الْمَاءِ فَمَا كَانَ مَذَرًا فَهُوَ يَطْفُو، وَمَا كَانَ طَرِيًّا فَهُوَ يَرْسُبُ، وَيُعْتَبَرُ عَلَى صَيَّادِينَ الْعَصَافِيرِ، وَسَائِرِ الطُّيُورِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ بِالْمَاءِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا دِينَ لَهُمْ، وَرُبَّمَا اخْتَنَقَ مَعَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الطُّيُورِ فَبَاعُوهُ مَعَ الْمَذْبُوحِ
стр. 96
[فَصَلِّ فِيمَا يَحِلّ أَكُلّه وَمَا لَا يَحِلّ]
(فَصْلٌ) : فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وَالطَّيِّبُ يَقَعُ عَلَى الْحَلَالِ، وَتَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَمَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فِي إبَاحَتِهِ، وَلَا تَحْرِيمِهِ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ، وَعَادَتِهِمْ فَمَا كَانَ فِي عَادَتِهِمْ مُسْتَطَابٌ أَكْلُهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا كَانَ مُسْتَخْبَثًا غَيْرَ مُسْتَطَابٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ عَادَةٌ فَإِنَّهُ يُقَاسُ عَلَى مَا لَهُمْ فِيهِ عَادَةٌ فَإِنْ كَانَ الْتِئَامُهُ بِالْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ أَكْثَرَ أُكِلَ، وَإِنْ كَانَ شَبَهُهُ بِمَا لَا يُؤْكَلُ أَكْثَرَ لَمْ يُؤْكَلْ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] يَعْنِي الْحَلَالَ، وَيَقَعُ عَلَى الطَّاهِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] يَعْنِي طَاهِرًا، وَيَقَعُ عَلَى مَا تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ كَمَا يُقَالُ هَذَا طَعَامٌ طَيِّبٌ، وَهَذَا شَيْءٌ طَيِّبٌ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى عَادَةِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ الْخِطَابَ لَهُمْ.
وَالْكَلَامَ خَارِجٌ عَلَى عَادَاتِهِمْ، وَلَيْسَ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى عَادَةِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَالْعَرَبِ الْأَجْلَافِ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ يَأْكُلُونَ كُلَّمَا وُجِدَ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَأَلَ أَعْرَابِيًّا، فَقَالَ: مَا تَأْكُلُونَ؟ قَالَ: نَأْكُلُ كُلَّ مَا دَبَّ، وَدَرَجَ إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ، وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ صَفْرَاءُ كَبِيرَةُ الْبَطْنِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْجِعُونَ فِي ذَلِكَ إلَى عَادَاتِهِمْ، وَعَادَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ؟ قُلْنَا: لَيْسَ يَكَادُ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ رَجَعْنَا إلَى عَادَةِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْحَيَوَانُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: طَاهِرٌ، وَنَجِسٌ، فَأَمَّا الطَّاهِرُ مِنْ دَوَابِّ الْإِنْسِ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَالْخَيْلُ لِمَا
стр. 97
رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ الْخَيْلِ» ، وَيُؤْكَلُ مِنْ دَوَابِّ الْوَحْشِ الْبَقَرُ، وَالْحِمَارُ، وَالظَّبْيُ، وَالضَّبُّ، وَالضَّبُعُ، وَالثَّعْلَبُ، وَالْأَرْنَبُ، وَالْيَرْبُوعُ، وَالْقُنْفُذُ، وَالْوَبَرُ، وَابْنُ عَرِسٍ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَطَابَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَلَا تَتَقَوَّى بِنَابِهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَأَحَلَّ الضَّبُعَ، وَلَهُ نَابٌ» فَحُمِلَ عَلَى أَنَّ مَا لَهُ نَابٌ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَهُ قُوًى يَعْدُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَى بَهَائِمِهِمْ، وَمَوَاشِيهِمْ كَالْأَسَدِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَالدُّبِّ، وَالْفِيلِ، وَالْقِرْدِ، وَالزَّرَافَةِ، وَالتِّمْسَاحِ، وَابْنِ آوَى فَهَذَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إجْمَاعًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَهُ نَابٌ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ فِيهِ عَدْوَى، وَافْتِرَاسٌ كَالضَّبُعِ، وَالثَّعْلَبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا عِنْدَنَا مُبَاحٌ قَالَ مَالِكٌ هُوَ مُحَرَّمٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَكْرُوهٌ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ تَحْرِيمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَارَةَ قَالَ سَأَلْت جَابِرًا فَقُلْت الضَّبُعُ صَيْدٌ قَالَ نَعَمْ قُلْت يُؤْكَلُ قَالَ نَعَمْ قُلْت سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ؛ وَلِأَنَّهَا بَهِيمَةٌ لَا تُنَجَّسُ بِالذَّبْحِ يَحِلُّ أَكْلُهَا كَالشَّاةِ، وَأَمَّا الثَّعْلَبُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ الثَّعْلَبُ، وَالْوَبَرُ، وَالْقُنْفُذُ حَلَالٌ، فَأَمَّا الثَّعْلَبُ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ، وَأَمَّا الْوَبَرُ فَهِيَ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ أَكْبَرُ مِنْ ابْنِ عُرْسٍ، وَأَمَّا الْقُنْفُذُ فَمَعْرُوفٌ، وَأَكْلُ الْجَمِيعِ جَائِزٌ، وَأَمَّا الْأَرْنَبُ حَلَالٌ أَكْلُهُ رَوَى أَنَسٌ ﵁ قَالَ «كُنْت غُلَامًا حَزَوَّرًا فَاصْطَدْت أَرْنَبًا فَشَوَيْتهَا فَأَنْفَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِفَخِذِهَا، وَوَرِكِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْته بِهِ» ،
стр. 98
، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَكْرُوهٌ وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فَإِنَّهُ قَالَ يَأْثَمُ بِأَكْلِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ حَرَامٌ، وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ «دَخَلْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَنْزِلَ مَيْمُونَةَ فَقُدِّمَ إلَيْهِ ضَبٌّ مَحْنُوذٌ يَعْنِي مَشْوِيٌّ فَأَهْوَى إلَيْهِ بِيَدِهِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسْوَةِ اللَّوَاتِي فِي الْبَيْتِ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الَّذِي يَأْكُلُ فَقَالُوا إنَّهُ ضَبٌّ فَرَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ فَقَالَ خَالِدٌ فَقُلْت أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَالَ فَاجْتَرَرْتُهُ إلَى نَفْسِي، وَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيَّ» .
وَأَمَّا ابْنُ آوَى فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَوَجْهُهُ بِأَنَّ لَهُ نَابٌ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ فِيهِ عَدْوٌ فَشَبَّهَهُ بِالثَّعْلَبِ، وَالضَّبُعِ، وَأَمَّا السِّنَّوْرُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَهْلِيٌّ، وَبِرِّي أَمَّا الْأَهْلِيُّ فَحَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْلُ السِّنَّوْرِ حَرَامٌ، وَثَمَنُهُ حَرَامٌ» ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْخَبَائِثَ كَالْفَأْرِ، وَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ، وَسِنَّوْرُ الْبَرِّ قِيلَ: إنَّهُ يُؤْكَلُ كَحِمَارِ الْوَحْشِ، وَقِيلَ لَا يُؤْكَلُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَأَمَّا النَّجِسُ فَهُوَ الْكَلْبُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ بِحَالٍ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ مِنْ الْحَشَرَاتِ كَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْفَأْرِ، وَالْوَزَغِ، وَالسَّامِّ الْبَرَصِ، وَالْخُنْفُسَاءِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالذُّبَابِ، وَالْجُعْلَانِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَحِمَارِ قَبَّانٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وَقِيلَ الصِّرَارُ حَلَالٌ كَالْجَرَادِ، وَالِاعْتِبَارُ مِنْ الْعَرَبِ بِأَهْلِ الْقُرَى دُونَ أَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ يَأْكُلُونَ كُلَّمَا دَبَّ، وَدَرَجَ فَإِنْ اسْتَطَابَ قَوْمٌ شَيْئًا، وَاسْتَخْبَثَهُ آخَرُونَ رُجِعَ إلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ فَإِنْ اُتُّفِقَ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ نُظِرَ إلَى شَبَهِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
стр. 99
شَبَهٌ مِمَّا يَحِلُّ، وَفِيمَا لَا يَحْرُمُ فِيهِ، وَجْهَانِ.
وَأَمَّا الزَّرَافَةُ فَقَدْ جَعَلَهَا الشَّيْخُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَقَوَّى بِنَابِهِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ إنَّ الزَّرَافَةَ حَلَالٌ كَالثَّعْلَبِ، وَيُؤْكَلُ مِنْ الطُّيُورِ النَّعَامَةُ، وَالدِّيكُ، وَالدَّجَاجُ، وَالْبَطُّ، وَالْإِوَزُّ، وَالْحَمَامُ، وَالْعُصْفُورُ، وَكُلُّ ذِي طَوْقٍ، وَمَا أَشْبَهَهُمْ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا يَصْطَادُ بِالْمِخْلَبِ كَالنَّسْرِ، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْبَازِي، وَالْحِدَأَةِ، وَلَا مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ، وَالْغُرَابِ الْأَسْوَدِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ، وَأَمَّا غُرَابُ الزَّرْعِ، وَالْغُدَافُ، وَهُوَ صَغِيرُ الْجُثَّةِ لَوْنُهُ لَوْنُ الرَّمَادِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُمَا يُؤْكَلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا يَلْتَقِطَانِ الْحَبَّ فَأَشْبَهَ الْفَوَاخِتَ، وَقِيلَ لَا يُؤْكَلَانِ كَالْأَبْقَعِ، وَلَا يُؤْكَلُ الْهُدْهُدُ، وَالْخُطَّافُ، وَالْخُفَّاشُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ: يَحِلُّ أَكْلُ الْهُدْهُدِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ، وَغَيْرِ مَأْكُولٍ كَالسَّبُعِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَهُوَ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الذِّئْبِ، وَالضَّبُعِ، وَقِيلَ كَالْحِمَارِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْحِمَارِ الْوَحْشِ، وَحِمَارِ الْأَهْلِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، وَيُكْرَهُ أَكْلُ الشَّاةِ الْجَلَّالَةِ، وَهِيَ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا الْعَذِرَةُ الْيَابِسَةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ: هِيَ الَّتِي تَتَعَاطَى أَكْلَ الْعَذِرَةِ، وَالْأَشْيَاءِ الْقَذِرَةِ، وَكَذَا تُكْرَهُ النَّاقَّةُ، وَالْبَقَرَةُ، وَالدَّجَاجَةُ الْجَلَّالَةُ، وَكَذَا يُكْرَهُ لَبَنُهَا، وَبَيْضُهَا، وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْتَلِطُ بِلَحْمِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ لَحْمًا طَرِيًّا حَتَّى أَنْتَنَ.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: إنْ ظَهَرَ فِي اللَّحْمِ رَائِحَةُ الْعَذِرَةِ حَرُمَ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ، وَعَنْ شُرْبِ لَبَنِهَا حَتَّى تُحْبَسَ» ، فَإِنْ أَطْعَمَ الْجَلَّالَةَ طَعَامًا طَاهِرًا حَتَّى طَابَ لَحْمُهَا أَيْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ مِنْهُ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ بَلْ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: حَدَّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنْ يُحْبَسَ الْبَعِيرُ، وَالْبَقَرَةُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَالشَّاةُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَالدَّجَاجَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ السَّمَكُ لِلْخَبَرِ، وَلَا يُؤْكَلُ الضِّفْدَعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ
стр. 100
- ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، وَلَوْ حَلَّ أَكْلُهُ لَمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَكْلِهِ إلَّا بِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَّةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَاءِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَكَذَا النَّسْنَاسُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْآدَمِيَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَالسَّرَطَانُ مِثْلُهُ.
وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا فِي حِلِّ الضِّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَمَا سِوَاهُمَا فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُؤْكَلُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵎ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] ، وَقِيلَ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّ السَّمَكَ بِالْحِلِّ، وَقِيلَ مَا أُكِلَ شَبَهُهُ فِي الْبَرِّ أُكِلَ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ شَبَهُهُ كَكَلْبِ الْمَاءِ، وَخِنْزِيرِهِ لَا يُؤْكَلُ اعْتِبَارًا بِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَحِلُّ فَفِي اشْتِرَاطِ ذَبْحِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ هَلْ تُسَمَّى سَمَكًا أَمْ لَا، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا فِيهِ ضَرَرٌ كَالسُّمِّ، وَالزُّجَاجِ وَالتُّرَابِ، وَالْحَجَرِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵎ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وَلَا يَحِلُّ كُلُّ شَيْءٍ نَجِسٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ.
[الْبَاب السَّابِع عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الرواسين]
أَمَّا الرُّءُوسُ، وَالْأَكَارِعُ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا نِيًّا، وَمَشْوِيًّا، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَسْمُوطُ أَلْحَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِالْأَكَارِعِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ مِنْهُ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ اللَّحْمِ إذْ يُؤْكَلُ مَعَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ إنْ كَانَ مَشْوِيًّا فَكَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ نِيًّا فَفِيهِ احْتِمَالٌ فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُهُمْ بِنَظَافَةِ سَمْطِ الرُّءُوسِ، وَالْأَكَارِعِ بِالْمَاءِ الشَّدِيدِ الْحَرَارَةِ، وَجَوْدَةِ نَتْفِ الشَّعْرِ عَنْهَا ثُمَّ يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ
стр. 101
الْبَارِدِ غَيْرِ الَّذِي سُمِطَتْ فِيهِ، وَيُشَقُّ خَيَاشِيمُ الْبَهِيمَةِ بَعْدَ أَنْ يُقْذَفَ مَقْدِمُهَا، وَيَنَزَّلُ مَا فِيهِ مِنْ الْقَذَى وَالْوَسَخِ، وَالدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ إنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا مِنْ الْأَكَارِعِ شَيْءٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو صُوفَانَ، وَيُشَقُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُضِرٌّ، وَلَا يَخْلِطُوا رُءُوسَ الْمَعْزِ بِالضَّأْنِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتُسْلَخُ رُءُوسُ الْمَعْزِ قَبْلَ السَّلْقِ لِيَتَمَيَّزَ عَلَى الضَّأْنِ، وَلَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى عَارِفٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا إذَا أُشْكِلَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ - عَلَامَاتٍ تَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَامَةُ رُءُوسِ الضَّأْنِ أَنَّ تَحْتَ كُلِّ عَيْنٍ ثُقْبٌ يُسَمُّونَهُ مَأْقًا، وَلَيْسَ تَحْتَ عُيُونِ الْمَعْزِ شَيْءٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ خُرْطُومَ الْمَعْزِ رَقِيقٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلضَّأْنِ، وَرُبَّمَا كَسَدَتْ عِنْدَهُمْ الرُّءُوسُ فَخَلَطُوهَا بِالطَّرِيَّةِ، وَعَلَامَةُ الْبَائِتِ أَنَّكَ تَسُلُّ الْعَظْمَ الرَّقِيقَ الَّذِي فِي الْمَبْلَعِ الْمُسَمَّى بِالشَّوْكَةِ ثُمَّ تَشُمُّ رَائِحَتَهُ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَهُوَ بَائِتٌ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا أَلَّا يَسْلُقُوا الرُّءُوسَ إلَّا بِالْمَاءِ الْحُلْوِ، وَيُضَافُ إلَيْهِ الْقِرْفَةُ، والمصطكى، وَالشَّبُّ، وَالزَّيْتُ الطَّيِّبُ، وَالْمِلْحُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَيِّبُهُ، وَيَقْطَعُ الزُّفَرَةَ، وَلَا يُخْرِجْ الرُّءُوسَ مِنْ الْغُمَّةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ نُضْجُهَا، فَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ.
[الْبَاب الثَّامِن عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الطَّبَاخِينَ]
يَأْمُرُهُمْ بِتَغْطِيَةِ أَوَانَيْهِمْ، وَحِفْظِهَا مِنْ الذُّبَابِ، وَهَوَامِّ الْأَرْضِ بَعْدَ غَسْلِهَا بِالْمَاءِ الْحَارِّ، وَالْأُشْنَانِ، وَأَنْ لَا يَخْلِطُوا لُحُومَ الْمَعْزِ بِلُحُومِ الضَّأْنِ، وَلَا
стр. 102
لُحُومَ الْإِبِلِ بِلُحُومِ الْبَقَرِ لِئَلَّا يَأْكُلَهَا مَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ فَيَكُونُ سَبَبًا لِنَكْسَتِهِ.
وَإِذَا طَبَخَ اللَّحْمَ بِمَاءٍ نَجِسٍ صَارَ ظَاهِرُهُ، وَبَاطِنُهُ نَجِسًا، وَكَيْفَ يَطْهُرُ فِيهِ، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَغْلِيَهُ فِي الْمَاءِ الطَّاهِرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُكَاثِرَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَعْصِرَهُ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ كَثْرَةَ الدُّهْنِ، وَقِلَّةَ اللَّحْمِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يُسْلَئُونَ الدُّهْنَ، وَيُفْرِغُونَهُ فِي الْقِدْرِ فَيَطْفُو عَلَى، وَجْهِ الطَّعَامِ فَيَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ، وَيَظُنُّونَهُ مِنْ كَثْرَةِ اللَّحْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ عَلَى وَجْهِ الْقِدْرِ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الْعَطَّارِ يُسَمَّى القنبيل يُشْبِهُ الشَّيْرَجَ فَإِذَا غُرِفَ مِنْ الْقِدْرِ شَيْءٌ هَرَبَ ذَلِكَ إلَى جَانِبِ الْقِدْرِ، وَلَا يَصْعَدُ مِنْهُ فِي الْغَرْفِ شَيْءٌ، وَهَذَا غِشٌّ، وَعَلَامَةُ لَحْمِ الْمَعْزِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِدْرِ أَزْرَقَ، وَعَظْمُهُ رَقِيقٌ، وَعَلَامَةُ لَحْمِ الْبَقَرِ أَنْ تَكُونَ بَشَرَتُهُ فِيهَا غِلَظٌ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ مَا يَغُشُّونَهُ فِي الْأَطْعِمَةِ فَإِنَّهُمْ يَغُشُّونَ الْمَضِيرَةَ بِالدَّقِيقِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي وَزْنِهَا، أَوْ دَقِيقِ الْأُرْزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ الْمَصْلُوقَةَ بِاللَّبَنِ الْحَلِيبِ فَيَعْتَقِدُ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَيَاضَ تِلْكَ الْمَرَقَةِ مِنْ كَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهَا بِقَلِيلٍ مِنْ الْأُرْزِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ الْمُهَلَّبِيَّة بِعَسَلِ الْقَصَبِ، وَيَقُولُ لِلزَّبُونِ: إنَّهَا بِقِطَارَةٍ، وَكُلُّ هَذَا تَدْلِيسٌ، وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أُنَبِّهُ كُلَّ مَنْ لَا دِينَ لَهُ عَلَى غِشِّ الْأَطْعِمَةِ لَذَكَرْت مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا كَثِيرَةً فِي اخْتِلَافِ أَشْيَاءَ، وَلَكِنِّي أَعْرَضْت عَنْ ذِكْرِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا، أَوْغَادُ النَّاسِ،
стр. 103
وَيَأْمُرُهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَبَازِيرِ، وَقِلَّةِ الْإِمْرَاقِ، وَنَضَاجَةِ اللُّحُومِ، والتَّغَاطِي، وَغَسْلِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يَأْكُلُ فِيهَا النَّاسُ بِالْمَاءِ النَّظِيفِ، وَالْأُشْنَانِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصَلِّ مَا يُؤْخَذ عَلَى طَبَاخِينَ النِّيدَة]
(فَصْلٌ) : وَيُؤْخَذُ عَلَى طَبَّاخِينَ النِّيدَة أَلَّا يَسْتَعْمِلُوا إلَّا الدَّقِيقَ الْعَلَامَةَ الطَّيِّبَ، وَيُكْثِرُوا نَشَاوَاتِهَا حَتَّى تَكْثُرَ حَلَاوَتُهَا، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ تَعْلِيقِ الْمِيزَانِ، وَلَا مِنْ بَيْعِهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ نُضْجُهَا، وَيُقَرِّرُ لِكُلِّ تَلِّيسٍ - وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلَا دَقِيقٍ - وَيْبَةً بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ مِنْ الْبُقُولِ، وَلَا يَسْتَعْمِلُ الْقَمْحَ الْعَتِيقَ الَّذِي فِيهِ الرَّائِحَةُ لِئَلَّا يَحْصُلَ فِيهَا تَغَيُّرُ الطَّعْمِ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ عَمَلِهَا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْفَوَاكِهِ لِئَلَّا تَكْسُدَ عَلَيْهِمْ فَتَحْمُضَ فَتَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي، وَيُلْزِمُهُمْ إذَا بَاتَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ أَلَّا يَخْلِطُوهُ عَلَى الطَّرِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْمُنْكَسِرُ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهَا رَغْوَةٌ، وَيَظْهَرَ فِيهَا شَيْءٌ أَسْوَدُ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ صَبْغِهَا فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَصْبُغُهَا بِشَيْءٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مُلَيْحٍ فَيُعْطِي زُهْرَةَ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا نَاضِجَةٌ، وَهِيَ عَجِينٌ حَتَّى تُعْطِيَهُ الْوُقُوعَ فِي الْمِيزَانِ، وَأَحْسَنُ النِّيدَةِ مَا قَوِيَ نُضْجُهَا، وَكَثُرْت حَلَاوَتُهَا، فَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ جَمِيعَهُ.
[الْبَاب التَّاسِع عَشْر فِي الْحَسَبَة عَلَى الشرائحيين]
(الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الشُّرائِحيِّينَ) يُؤْخَذُ عَلَى الشُّرائِحيِّينَ أَنْ يَحْتَرِزُوا عَلَى أَطْعِمَةِ النَّاسِ، وَغَسْلِ الْمَوَاعِينِ بِالْأُشْنَانِ، وَاللِّيفِ، وَسَمْطِهَا بِالْمَاءِ الْحَارِّ، وَكَذَلِكَ السَّخَّانَةُ يَأْمُرُهُمْ بِغَسْلِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ بَاكِرِ النَّهَارِ، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوا إلَّا الْحِرَاقَ الطَّاهِرَ، وَلَا يُوقِدُوا بِكِرْسٍ
стр. 104
وَلَا بِقِمَّةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي أَطْعِمَةِ النَّاسِ بَلْ بِالْحَطَبِ أَوَّلًا، وَلَا يَقْدُمُ عَلَى أَطْعِمَةِ النَّاسِ إلَّا مَنْ عَرَفَ جَمِيعَ الْأَطْعِمَةِ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اللَّوْحِ إلَّا مَنْ يَكُونُ ثِقَةً أَمِينًا عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، وَإِذَا انْكَسَرَتْ عِنْدَهُمْ قِدْرٌ لَا يُعْمِلُوهَا بِالدَّمِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ بَلْ بِالطَّحِينِ، وَالْبِرَامِ.
[الْبَاب الْعِشْرُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الهرائسيين]
يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ الْمُحْتَسِبُ أَنْ يُعْمَلَ لِكُلِّ وَيْبَةِ قَمْحٍ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ أَرْبَعُونَ رِطْلًا بِالْمِصْرِيِّ مِنْ لُحُومِ الْبَقَرِ، أَوْ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَانِ، وَثَلَاثُونَ رِطْلًا، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ لُحُومِ الْمَعْزِ، وَلَا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَإِنَّهُمْ يَغُشُّونَ النَّاسَ بِذَلِكَ، وَلَا يُظْهِرُونَهُ لَهُمْ، وَيَكُونُ اللَّحْمُ سَمِينًا طَرِيًّا نَقِيًّا مِنْ الْعُرُوقِ، وَالْأَوْسَاخِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ، وَلَا مُتَغَيِّرَ الرَّائِحَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فِي الْمَاءِ، وَالْمِلْحِ سَاعَةً حَتَّى يَخْرُجَ مَا فِي بَاطِنِهِ مِنْ الدَّمِ ثُمَّ يُخْرَجُ، وَيُغْسَلُ بِمَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ يُنْزَلُ فِي الْقِدْرِ ثُمَّ يُخْتَمُ عَلَيْهَا بِخَاتَمِ الْحِسْبَةِ
стр. 105
فَإِذَا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ حَضَرَ الْمُبَاشِرُ لِذَلِكَ، وَفَكَّ الْخَاتَمَ، وَهَرَسَهَا بِحَضْرَتِهِ لِئَلَّا يَشِيلُوا اللَّحْمَ مِنْهَا، وَيُعِيدُوهُ إلَيْهَا مِنْ الْغَدِ فَأَكْثَرُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُخْتَمْ عَلَى الْقِدْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ الْهَرِيسَةَ بِالْقُلْقَاسِ الْمُدَبَّرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْتَاعُ لَحْمَ الرُّءُوسِ، وَيَعْمَلُهُ فِيهَا إذَا وَجَدَ فُرْصَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيتُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَيُضِيفُهُ إلَى، وَظِيفَةِ بَاكِرِ النَّهَارِ فَيُرَاعِي الْمُحْتَسِبُ كَشْفَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) : وَيَكُونُ دُهْنُ الْهَرِيسَةِ طَرِيًّا طَيِّبَ الرَّائِحَةِ قَدْ عُمِلَ فِيهِ عِنْدَ سَلْئِهِ الْمُصْطَكَا والدارصيني، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ مَا يَغُشُّونَ بِهِ الدُّهْنَ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ عِظَامَ الْبَقَرِ، أَوْ الْجِمَالِ، وَيَكْسِرُهَا، وَيَأْخُذُ أَقْصَابَهَا فَيَسْلُقُهَا [فَيَخْرُجُ مِنْهَا دُهْنٌ كَثِيرٌ] ، وَيَعْمَلُهُ عَلَى، وَجْهِ الْهَرِيسَةِ، وَالطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَطِّرُ مِنْهُ شَيْئًا [عَلَى بَلَاطَةِ] فَإِنْ سَالَ، وَلَمْ يَجْمُدْ فَهُوَ خَالِصٌ، وَإِنْ جَمَدَ فَهُوَ مَغْشُوشٌ، وَيَأْمُرُهُمْ بِغُسْلِ قُدُورِ الْهَرِيسَةِ، وَقُدُورِ الدُّهْنِ، وَتَنْظِيفِهَا لِئَلَّا تَتَغَيَّرَ رَائِحَتُهَا، وَطَعْمُهَا فَيَتَوَلَّدُ فِيهَا الدُّودُ.
[الْبَاب الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى قَلَّائِينَ السَّمَك]
يُؤْمَرُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِغَسْلِ قُفَافِهِمْ، وَأَطْبَاقِهِمْ الَّتِي يَحْمِلُونَ فِيهَا السَّمَكَ، وَيَنْثُرُونَ فِيهَا الْمِلْحَ الْمَسْحُوقَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بَعْدَ الْغَسْلِ، وَكَذَلِكَ
стр. 106
يَفْعَلُونَ بِمَوَازِينِهِمْ الْخُوصِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا غَفَلُوا عَنْ غَسْلِهَا فَاحَ نَتِنُهَا، وَكَثُرَ، وَسَخُهَا فَإِذَا وُضِعَ فِيهَا السَّمَكُ الطَّرِيُّ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، وَفَسَدَ طَعْمُهُ، وَيُبَالِغُوا فِي غَسْلِ السَّمَكِ بَعْدَ شَقِّهِ، وَتَنْظِيفِهِ، وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جِلْدِهِ، وَفُلُوسِهِ ثُمَّ يَنْثُرُونَ عَلَيْهِ الْمِلْحَ الْمَصْحُونَ، وَيُقَوِّي شَرَشَهُ فِي زَمَنِ الْحَرِّ حَتَّى يَشُدَّهُ، وَتَنْقَطِعَ رَائِحَتُهُ ثُمَّ يَنْثُرُ عَلَيْهِ الدَّقِيقَ ثُمَّ يَقْلُونَهُ بَعْدَ أَنْ يَجِفَّ، وَلَا يَخْلِطُوا فِي الدَّقِيقِ شَيْئًا مِنْ أَبُو مُلَيْحٍ، وَهُوَ الْعُصْفُرُ الْمَصْحُونُ حَتَّى يُعْطِيَ زُهْرَةً عِنْدَ الْقَلْيِ، وَلَا يَبُلُّهُ بِالْمَاءِ عِنْدَ الْقَلْيِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ زُفَرَةً، وَصَلَابَةً، وَغَيْرَ نُضْجٍ، وَلَا يَخْلِطُوا الْبَائِتَ بِالطَّرِيِّ، وَعَلَامَةُ الطَّرِيِّ أَنَّ خَيَاشِيمَهُ حُمْرٌ، وَالْبَائِتُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْمَقْلِيَّ كُلَّ سَاعَةٍ لِئَلَّا يَقْلُوهُ بِدُهْنِ الشَّحْمِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ بُطُونِ السَّمَكِ، وَيَخْلِطُونَ هَذَا الدُّهْنَ بِالزَّيْتِ عِنْدَ قَلْيِهِ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ أَنْ يَقْلُوهُ إلَّا بِزَيْتِ الْقُرْطُمِ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ مِنْ زَيْتِ السَّلْجَمِ، أَوْ بِالشَّيْرَجِ الطَّرِيِّ، وَلَا يَقْلُوهُ بِزَيْتِ الْبِزْرِ إذَا كَانَ مُتَغَيِّرَ الرَّائِحَةِ، وَلَا يُخْرِجُوا السَّمَكَ الْمَقْلِيَّ حَتَّى يَنْتَهِيَ نُضْجُهُ مِنْ غَيْرِ سَلْقٍ، وَلَا إحْرَاقٍ، وَأَمَّا السَّمَكُ الْمَشْوِيُّ فَيُلْزِمُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا حَوَائِجَهُ بِحَضْرَةِ مَنْ يَثِقُ إلَيْهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَعْدَ غَسْلِهِ، وَتَنْظِيفِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنْ لَا يُخْرِجُوهُ مِنْ الْفُرْنِ حَتَّى يَكْتَمِلَ نِضَاجُهُ، وَأَمَّا السَّمَكُ الَّذِي يُحْمَلُ مِنْ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، أَوْ يُكْسَدُ فِي الْمَخَازِنِ فَلَا تُقَشَّرُ فُلُوسُهُ عَنْهُ حَتَّى يُوثَقَ بِالْمِلْحِ، وَلَا سِيَّمَا رُءُوسُهُ، وَخَيَاشِيمُهُ فَإِنَّ الدُّودَ أَوَّلُ مَا يَتَوَلَّدُ فِيهَا، وَمَتَى فَسَدَ السَّمَكُ الْمَجْلُوبُ، أَوْ الْمَكْسُودُ رُمِيَ بِهِ عَلَى الْمَزَابِلِ خَارِجَ الْبَلَدِ.
стр. 107
[الْبَاب الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى قَلَّائِينَ الزَّلَابِيَّة]
يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِقْلَى الزَّلَابِيَةِ مِنْ النُّحَاسِ الْأَحْمَرِ الْجَيِّدِ فَأَوَّلُ مَا يُحْرَقُ فِيهِ النُّخَالَةُ ثُمَّ يُدَلِّكُهُ بِوَرَقِ السَّلْقِ إذَا بَرَدَ ثُمَّ يُعَادُ إلَى النَّارِ، وَيُجْعَلُ فِيهِ قَلِيلُ عَسَلٍ، وَيُوقَدُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْتَرِقَ الْعَسَلُ ثُمَّ يُجْلَى بِمَدْقُوقِ الْخَزَفِ ثُمَّ يُغْسَلُ، وَيُسْتَعْمَلُ فَإِنَّهُ يُنَقَّى وَسَخُهُ، وَيَكُونُ الدَّقِيقُ مِنْ أَجْوَدِ مَا يَكُونُ مِنْ الْعَلَامَةِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ دَقِيقُ الزَّلَابِيَةِ مِنْ أَعْلَى الدَّقِيقِ زَادَتْ بَيَاضًا، وَأَجْوَدُ مَا قُلِيَتْ بِهِ الشَّيْرَجُ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقْلُوهَا بِغَيْرِهِ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقَلْيِ بِزَيْتِ الْقُرْطُمِ، وَهُوَ الْحُلْوُ، وَيُسَمَّى عِنْدَهُمْ الدُّهْنُ، وَلَا يَشْرَعُ فِي قَلْيهَا حَتَّى يَخْتَمِرَ عَجِينُهَا، وَعَلَامَةُ اخْتِمَارِهِ أَنَّهَا تَطْفُو عَلَى وَجْهِ الشَّيْرَجَ، وَالْفَطِيرُ مِنْهَا يَرْسُبُ فِي أَسْفَلِ الْمِقْلَى، وَالْمُخْتَمِرُ أَيْضًا يَكُونُ مِثْلَ الْأَنَابِيبِ، وَإِذَا جَمَعْتهَا فِي كَفِّك اجْتَمَعَتْ، وَإِذَا أَرْسَلْتهَا عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، وَالْفَطِيرُ تَكُونُ مَرْصُوصَةً، وَلَيْسَ فِيهَا تَجْوِيفٌ، وَلَا يُجْعَلُ فِي عَجِينِهَا مِلْحٌ، وَلَا نَطْرُونٌ بَلْ الْبُورَقُ أَوَّلًا، وَيُعْمَلُ الْيَسِيرُ مِنْهُ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ بِالْحَلَاوَةِ فَتَغْثَى النَّفْسُ إذَا كَانَتْ بِالْمِلْحِ، وَأَمَّا سَوَادُ الزَّلَابِيَةِ فَقَدْ يَكُونُ مِنْ وَسَخِ الْمِقْلَى، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ دَقِيقِهَا، أَوْ تَكُونُ مَقْلُوَّةً بِالزَّيْتِ الْمُعْتَادِ، وَرُبَّمَا جَازَتْ عَلَيْهَا النَّارُ لِسُوءِ الصِّنَاعَةِ، وَقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ، فَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 108
[الْبَاب الثَّالِث وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْحَلْوَانِيِّينَ]
الْحَلْوَاءُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَعِيَارُ أَخْلَاطِهَا عَلَى قَدْرِ أَنْوَاعِهَا مِثْلُ النَّشَاءِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْخَشْخَاشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا فِي نَوْعٍ قَلِيلًا فِي نَوْعٍ آخَرَ وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى الْعُرْفِ وَنَذْكُرُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْهَا وَهِيَ الْمُقْرِضَةُ السَّكْبُ وَالصَّابُونِيَّةُ وَاللَّوْزِيَّةُ وَالْخَشْخَاشِيَّة وَالْفُسْتُقِيَّةُ وَخَبِيصَةُ الْيَقْطِينِ وَالْقَاهِرِيَّةُ وَالْمُشَبِّكُ والزقلبع والمصطنعية وَالْقَطَائِفُ الْمَقْلِيُّ والعاصدية وَرَأْسُ الْعُصْفُورِ وَسَاقُ الْخَادِمِ وَالْحَمَا والبانوا وَزَلَابِيَةٌ أَفِرِنْجِيَّةٌ وَكَعْكٌ تُرْكِيٌّ وافطلوا وَتَالِفَةٌ وعاضدية وَالشَّعْبِيَّةُ وَلُقَيْمَاتُ الْقَاضِي وَخُدُودُ التُّرْكِ وَخُدُودُ الْأَغَانِيّ وأخميمية وَأَسْيُوطِيَّةٌ وَلِبَابِيَّةٍ وَرْدِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ وَمَسِيرُ الْيَقْطِينِ وَمَجْرُودَةٌ وَهَرِيسَةُ الدَّجَاجِ وَهَرِيسَةُ الْوَرْدِ وجوارش عُودٍ وجوارش عَنْبَرٍ وجوارش مُصْطَكَا وجوارش نازنج وكشيك الْهَوَى وَأَقْرَاصُ لَيْمُونٍ وَدَنَفٌ فُسْتُقِيٌّ وَبَلَاطٌ وَصِفَتُهُ بُنْدُقٌ وَيُعْقَدُ عَقِيدَ إسْكَنْجَبِيل
стр. 109
وخشكنانك شَامِيٌّ وَمِصْرِيٌّ وبسندود وَمُشَاشٌ وَكَعْبُ غَزَالٍ هياجي وسابوري وَلَوْزِينْجُ رُطَبٍ وَفَرْكُ أَوْسَاطٍ وَصِفَتُهُ حَشْوُ الشَّعْبِيَّةِ الكاهي وقاووت وَبُقْسُمَاطٌ وَصِفَتُهُ تَأْلِيفُ الخشكنان وَكُلْ وَاشْكُرْ وَدَلَالَاتُ بِنْتِ الصَّالِحِ وَأَمْشَاطُ سُكَّرِيٍّ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْحَلْوَى تَامَّةَ النُّضْجِ غَيْرَ نِيَّةٍ وَلَا مُحْتَرِقَةٍ، وَلَا تَبْرَحُ الْمِذَبَّةُ فِي يَدِهِ يَطْرُدُ عَنْهَا الذُّبَابَ، وَيُعْتَبَرُ عَلَيْهِمْ مَا يَغُشُّونَ بِهِ الْحَلْوَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ الْحَلْوَى الْمُقْرَضَةَ بِغَيْرِ عَسَلِ النَّحْلِ وَيَجْعَلُ فِيهَا عَصْرَةَ لَيْمُونٍ أَخْضَرَ وَيَقُولُ لِلزُّبُونِ إنَّهَا بِعَسَلِ النَّحْلِ وَهَذَا غِشٌّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ الْمُشَبِّكَ وَالْقَاهِرِيَّةَ بِالْقَنْدِ عِوَضَ عَسَلِ النَّحْلِ وَهَذَا غِشٌّ وَقَدْ يَغُشُّونَ الخبائص النَّاعِمَةَ وَالرَّطْبَةَ وَالصَّابُونِيَّةَ بِالنَّشَا الْخَارِجِ عَنْ الْحَدِّ الْمُعْتَادِ، وَعَلَامَةُ غِشِّهَا أَنَّهَا تَتَفَتَّتُ وَإِذَا بَاتَتْ خُمَّتْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّ قَلْبَ الخشكنان بِالدَّقِيقِ الزَّائِدِ عَلَى الْمُعْتَادِ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ ضَرَائِبُ مَعْرُوفَةٌ مِنْهَا: أَنَّ ضَرِيبَةَ الْحَلْوَى الْمُقْرَضَةِ وَالصَّابُونِيَّةِ وَخَبِيصَةِ الْيَقْطِينِ لِكُلِّ عَشَرَةِ أَرْطَالِ سُكَّرٍ رِطْلَانِ نَشَا وَرِطْلَانِ قَلُوبَاتٍ وَالطِّيبُ الْجَيِّدُ، وَأَمَّا الخشكنان فَضَرِيبَتُهُ كُلُّ قِنْطَارِ سُكَّرٍ بِالْمِصْرِيِّ لَهُ خَمْسُونَ رِطْلًا دَقِيقًا يُعْمَلُ فِي تَأْلِيفِهِ وَمِثْقَالُ مِسْكٍ عِرَاقِيٍّ وَخَمْسَةُ أَرْطَالٍ مَاوَرْدٍ شَامِيٍّ وَقَلْبُ الْفُسْتُقِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَيَكُونُ قِشْرُهُ دُهِنَ بِالشَّيْرَجِ الْكَثِيرِ، وَأَمَّا الْمَنْفُوشُ فَضَرِيبَتُهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَرْطَالِ دَقِيقٍ خَمْسَةُ أَرْطَالِ نَشَا وَيُخْبَزَ وَيُقْلَى بِالشَّيْرَجِ الطَّرِيِّ، وَيُحْتَرَزُ عَلَى
стр. 110
لَطَاخِّهِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْمَلُ الْقَنْدَ عِوَضَ السُّكَّرِ وَيَقُولُ هُوَ سُكَّرِيٌّ وَيَأْمُرُهُمْ بِقِلَّةِ زِيبَقِ الْبَيْضِ وَكَثْرَةِ الطِّيبِ حَتَّى يَقْطَعَ زَفْرَتَهُ، وَجَمِيعُ غُشُوشِ الْحَلَاوَةِ لَا تَخْفَى فِي مَنْظَرِهَا فَيُعْتَبَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ جَمِيعُهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
[الْبَاب الرَّابِع وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الشرابيين]
تَدْلِيسُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ لَا يُمْكِنُ حَصْرُ مَعْرِفَتِهِ عَلَى التَّمَامِ لِأَنَّ الْعَقَاقِيرَ وَالْأَشْرِبَةَ مُخْتَلِفَةُ الطَّبَائِعِ وَالْأَمْزِجَةِ وَالتَّدَاوِي عَلَى قَدْرِ أَمْزِجَتِهَا فَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ لِمَرَضٍ وَمِزَاجٍ فَإِذَا أُضِيفَ إلَيْهَا غَيْرُهَا أَحْرَفَهَا عَنْ مِزَاجِهَا فَأَضَرَّتْ بِالْمَرِيضِ لَا مَحَالَةَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاقِبُوا اللَّهَ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُخَوِّفَهُمْ وَيَعِظَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ الْعُقُوبَةَ وَيُحَذِّرَهُمْ بِالتَّعْزِيرِ وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ أَشْرِبَتَهُمْ وَعَقَاقِيرَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ بَعْدَ خَتْمِ حَوَانِيتِهِمْ مِنْ اللَّيْلِ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَطْبُخُوا الْأَشْرِبَةَ إلَّا مِنْ السُّكَّرِ الطَّيِّبِ النَّقِيِّ الْمِصْرِيِّ وَلَا يَطْبُخُوا بِشَيْءٍ مِنْ التَّرْنِيقِ وَلَا مِنْ جَلابِية الْعَسَلِ الْمُرْسَلِ وَأَنْ يُقَرِّرَ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ فِي دُسْتُورِ الطِّبِّ وَهُوَ لِكُلِّ عَشَرَةِ أَرْطَالِ سُكَّرٍ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ مِنْ مَاءِ الْفَاكِهَةِ وَأَنْ لَا يُكْثِرُوا شَرَابَ التُّفَّاحِ وَلَا شَرَابَ الِانْجِبَارِ وَلَا الْبَنَفْسَجِ وَأَمْثَالِهَا بِلَيْمُونٍ فَإِنَّهُ يُجَرِّدُ الْأَمْعَاءَ وَيَضُرُّ بِالْمَرِيضِ أَمَّا الْأَشْرِبَةُ فَأَسْمَاؤُهَا كَثِيرَةٌ وَتَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ اسْمًا وَنَذْكُرُ مَا اُشْتُهِرَ.
следующие страницы →