Полный текст (423 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
وأما بعد فهذه هى الطبعة الثانية لكتاب الأوائل لأبى هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى، تخرج على القراء الكرام فى ثوب جديد، وقد اهتممت فيها بتدقيق كثير من التحقيقات والتعليقات التي أتيحت لى فرصة مراجعتها، كما اهتممت بإثبات كثير من الفقرات التى سقطت من الطبعة الأولى.
ولما كان ضبط آيات القرآن الكريم ضرورة حتمية ليتمكن القارىء الكريم من قراءتها صحيحة كما رويت عن أئمة القراء، وكما وردت فى المصحف الشريف كان لابد من الاهتمام بضبطها، والعناية بوضع علامات الاعراب على حروفها حتى يتحقق الغرض من الضبط.
وكما اهتممت بضبط الآيات القرآنية الشريفة اهتممت كذلك بضبط ما ورد فى ثنايا الكتاب من الشعر حتى تسهل قراءته آملا أن يجد القارىء الكريم فى هذه الطبعة ما يرغبه فى استيعاب ماحواه هذا الكتاب النفيس من العلوم والمعارف. نفع الله به، وأجزل لمؤلفه ومحققه المثوبة والأجر إنه سميع قريب مجيب
стр. 2
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، المحقق دكتور محمد السيد الوكيل جدة فى يوم الأربعاء ١ من شهر ربيع الأول عام ١٤٠٦ هـ ١٣ من شهر نوفمبر عام ١٩٨٥ م
стр. 3
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه ونهج نهجه واتبع هداه.
أما بعد. فإن إحياء التراث العلمى لكل أمة حتم واجب على أبنائها، وإن تخليد آدابها فريضة لا يستطيع القيام بها إلا أهلها، كما ان العناية بابراز هذا التراث العلمى الأدبى فى ثوب قشيب شىء لا بد منه- لا سيما الكتب التى لم تزل تطوى عليها المكتبات العتيقة أجنحتها، وتواريها بين أحشائها من المخطوطات التى لم يقدر لها بعد الخروج من مخابئها لترى النور، ولم تهيأ لها العقول التى تتناولها بالتحقيق والتصحيح والتعليق..
وان كتابنا- الأوائل- هذا الذى بين أيدينا لهو أحد هذه الكتب وهو كتاب كما سيرى القارىء فريد فى تبويبه، ظريف فى عرضه تليد فى أحداثه، وهو فوق ذلك مزيج من الأدب الذى تستمتع العقول بتحصيله، والتاريخ الذى تتوق النفوس إلى الوقوف على حقائقه، وقد عهد إلى سعادة مدير الجوازات والجنسية بالمدينة المنورة السيد أسعد طرابزونى بتصحيحه وتحقيقه والتعليق عليه، وقدم إلى نسخة مخطوطة يرجع تاريخ نسخها إلى سنة ١٢٦٧ هـ، وعدد صفحاتها ثلاثمائة صفحة، ومسطرتها واحد وعشرون سطرا، وبالاطلاع على النسخة وجدت فى ذيلها ما يشير الى أنها أخذت من نسخة خطية موجودة فى مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وذهبت الى المكتبة ووجدت النسخة وليس فيها ما يشير الى تاريخ خطها، ولكنى وجدت فى نهايتها تعليقا لأحد قرائها يدعو لكاتبها بطول العمر وأرخه بعام ١١٥٣ هـ،
стр. 4
ففهمت من ذلك أن كاتبها كان حيا حتى ذلك التاريخ، ويتضح من ذلك أنها نسخت منذ مائتين وخمسة وثلاثين عاما تقريبا، وعدد صفحاتها أربعمائة وثمانون صفحة، ومسطرتها ثمانية عشر سطرا، فاستخرت الله وعزمت أن أعتمد عليها فى التصحيح والتحقيق رغم خطها الذى لا يقرأ إلا بصعوبة ومشقة، وذلك لعدم نقط الحروف أولا ولعدم الفوارق التى تميز بين الحروف ثانيا حتى يشتبه عليك الكاف واللام كما يلتبس عليك الميم والراء فى آخر الكلمة، ومشينا خطوات فى التحقيق لا بأس بها رغم كل هذه الصعوبات، ثم فوجئنا بسقوط فقرات اختل لفقدها المعنى واضطرب لسقوط التركيب، وأصبحنا كمن يقرأ ألغازا لا يجد لها حلا، ورحنا نفتش عن نسخة أخرى، وفى اليوم التالى بشرنى الأستاذ عبد الحميد السنارى الموجه الدينى بمنطقة المدينة المنورة التعليمية بوجود نسخة مخطوطة بخط فارسى قديم يصعب قراءته، والنسخة موجودة بمكتبة مدرسة دار الحديث بالمدينة المنورة، وعدد صفحاتها ثلاثمائة وأربع وثمانون صفحة، ومسطرتها سبعة عشر سطرا.
ولا يفوتنى هنا أن أسجل ما للأستاذ عبد الحميد من فضل كبير، فقد ساعدنى كثيرا بوقته وجهده وعلمه طوال فترة المقابلة التى قضاها معى فى المكتبات المختلفة، واعانتنا النسخة الأخيرة على استكمال كثير من الفقرات والكلمات التى فقدت فى النسخة الأولى، ومع هذا فكنا نتعثر فى كلمات لا نستطيع قراءتها أحيانا، وأحيانا لا نجد لها فى معجمات اللغة معنى لتحريف فيها، وكثيرا ما كانت تواجهنا جمل غير مستقيمة المعنى لما فيها من تقديم وتأخير، فأما الكلمات التى لم استطع قراءتها فكنت اقرأ ما قبلها وما بعدها واضع مكانها كلمة مناسبة يستقيم بها المعنى دون خلل او اضطراب، واما الكلمات التى لم أقف على معناها فى المعجمات فقد أشرت اليها فى التعليق بقولى (هكذا وجدت فى الأصل ولعل المراد كذا) ، واما الجمل التى اختل معناها لاختلال تركيبها فكنت أقدم ما يستحق التقديم وأؤخر ما محله التأخير حتى يستقيم المعنى، كما شرحت الكلمات الصعبة فى ذيل كل صفحة، ومع هذا فانى أشعر أنه لا بد من هفوات يدركها ذوو البصائر والمعرفة، والأمل
стр. 5
التماس العذر عند العثور عليها فقد بذلت جهد استطاعتى وما قصرت فى شىء أستطيعه، وأما الناشر فانى اسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، فقد أخرج الى النور كتابا كاد الدهر أن يطوى صفحاته عليه فينسى.
نبذة تاريخية:
قال صاحب كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون: علم الأوائل علم يتعرف منه أوائل الوقائع والحوادث بحسب المواطن والنسب، وهو من فروع علم التاريخ والمحاضرات، وفيه كتب كثيرة منها كتاب الأوائل لأبى هلال الحسن بن عبد الله العسكرى المتوفى سنة ٢٩٥ هـ، وهو اول من صنف فيه، ولخصه الإمام جلال الدين السيوطى، وسماه بالوسائل، وللطبرانى ولأبى القاسم الراشدى وللجلال بن خطيب داريا رحمهم الله تعالى. وجاء فى هامش لطائف المعارف لمحققيه الأستاذين ابراهيم الابيارى وحسن كامل الصيرفى، أول من ألف هذا الفن- الأوائل- ابن قتيبة الدينورى سنة ٢٧٦ هـ. فى كتاب المعارف، وابن رسته أبو على احمد بن عمر فى القرن الثالث فى كتابه الاعلاق النفيسة، والطبرانى سليمان بن احمد بن أيوب سنة ٣٦٠ هـ. وله كتاب الأوائل، وأبو هلال الحسن العسكرى بعده سنة ٣٩٥ هـ. وله كتاب الأوائل ايضا، وقد لخصه الجلال السيوطى سنة ٩١١ هـ وسماه (الوسائل الى معرفة الأوائل) ، ومن قبل السيوطى وبعد العسكرى القاضى بدر الدين محمد الشبلى سنة ٧٦٩ هـ. وله كتاب (محاسن الوسائل فى علم الأوائل) ، ثم ابن خطيب داريا محمد بن احمد بن سليمان بن يعقوب سنة ٨١٠ هـ. وكتابه لم يعرف اسمه، وبعده الحافظ شهاب الدين أبو الفضل احمد بن على بن حجر سنة ٨٥٢ هـ. واسم كتابه (اقامة الدلائل على معرفة الأوائل) ، ثم القاضى على دده سنة ٩٩٨ هـ. واسم كتابه (محاضرة الاوائل ومسامرة الأواخر) ، ثم المولى عثمان بن محمد المعروف بدوفاكين زاده الرومى سنة ١٠١٣ هـ. وله كتاب (أزهار الخمائل فى وصف الأوائل) ، ثم بعد هذا أرجوزة تسمى (وسائل السائل الى معرفة الأوائل) .
стр. 6
ونرى من هذا العرض ان صاحب كشف الظنون يقول: ان العسكرى اول من ألف فى هذا الفن، ومحققى لطائف المعارف يقولان: ان ابن قتيبة هو أول من ألف فى هذا الفن، ولا خلاف بينهما عند التحقيق، فان ابن قتيبة فى كتابه المعارف تكلم عن الأوائل عرضا ولم يفرد لها كتابا، وهو متقدم على العسكرى، وأما العسكرى فقد أفرد لها كتابا خاصا، وعلى هذا يكون ابن قتيبة أول من كتب فى هذا الفن والعسكرى أول من ألف فيه كتابا خاصا كما بين ذلك فى مقدمة كتابه.
ومؤلف كتابنا:
هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران أبو هلال اللغوى العسكرى قال أبو طاهر السلفى: وكان لأبى أحمد تلميذ وافق اسمه اسمه واسم أبيه اسم أبيه وهو عسكرى أيضا، فربما اشتبه ذكره بذكره فاذا قيل الحسن بن عبد الله العسكرى الأديب فهو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران أبو هلال اللغوى العسكرى. نسبة الى عسكر مكرم- وقد وجدت فى شذرات الذهب كنية للآخر تغاير كنية صاحبنا فهذا أبو هلال وذاك أبو أحمد.
قال أبو طاهر: سألت الرئيس أبا المظفر محمد بن أبى العباس الابيوردى- ﵀ بهذان عنه، فأثنى عليه ووصفه بالعلم والفقه معا وقال: كان يبرز (يتبزز) «١» احترازا من الطمع والدناءة والتبذل، وكان الغالب عليه الأدب والشعر، روى أبو الغنائم بن حماد المقرىء املاء قال: أنشدنا أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى لنفسه:
قد تخطّاك شباب ... وتفشّاك مشيب
فأتى ما ليس يمضى ... ومضى ما لا يؤوب
فتأهّب لسقام ... ليس يشفيه طبيب
стр. 7
لا توهّمه بعيدا ... إنما الآتى قريب
ومن شعر أبى هلال فى تفضيل الشتاء على غيره من الأزمنة قوله:
وغيوما مطرّزات الحواشى ... بوميض من البروق وخفو «١»
كلّما أرخت السماء عراها ... جمع القطر بين سفل وعلو
وهى تعطيك حين هبّت شمالا ... برد ماء فيها ورقّة جوّ
وترى الأرض فى ملاءة ثلج ... مثل ريط لبسته فوق فرو
فاستعار المرار «٢» منها لباسا ... سوف يمنى من الرياح بنصو «٣»
فكأنّ الكافور موضع ترب ... وكأنّ الجمان «٤» موضع قرو «٥»
وليال أطلن مدّة درس ... مثلما قد مددن فى عمر لهو
وقد روى عن أبى هلال أبو سعد السمان الحافظ بالرى، وأبو الغنائم بن حماد المقرىء.
مؤلفاته:
ومؤلفاته كثيرة وفى فنون مختلفة فله فى اللغة كتاب.
стр. 8
١- التلخيص.
٢- وكتاب صناعتى النظم والنثر وله فى الأدب.
٣- جمهرة الأمثال.
٤- ومعانى الأدب.
٥- وكتاب التبصره.
٦- وشرح الحماسة.
٧- والدرهم والدينار.
٨- واعلام المعانى فى معانى الشعر.
٩- والفرق بين المعانى.
١٠- وديوان شعر.
١١- ونوادر الواحد والجمع.
وله فى التاريخ.
١٢- من احتكم من الخلفاء الى القضاة.
١٣- والأوائل، وله فى تفسير القرآن الكريم كتاب.
١٤- المحاسن فى خمسة مجلدات، وله فى فنون مختلفة.
١٥- العمدة.
١٦- وفضل العطاء على العسر.
١٧- وما تلحن فيه الخاصة.
وزاد صاحب البغية على هذه الكتب رسالة فى العزلة والاستئناس بالوحدة.
ويبدو أن المؤلف ﵀ كان رقيق الحال، وكان يكتسب قوته بكده، نلمح ذلك فى شعره الذى ضاق فيه بالحياة وتبرم بأهلها، وروى ياقوت
стр. 9
فى معجم الأدباء عن أبى طاهر السلفى قال: ومما أنشدنا القاضى أبو أحمد الموحد بتستر قال: أنشدنا أبو حكيم العسكرى اللغوى قال: أنشدناه أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرى لنفسه بالعسكر:
إذا كان مالى مال من يلفظ العجم «١» ... وحالى فيكم حال من حاك أو حجم
فأين انتفاعى بالأصالة والحجى ... وما ربحت كفّى من العلم والحكم
ومن ذا الذى فى الناس يبصر حالتى ... فلا يلعن القرطاس والحبر والقلم
كذلك تدل الأبيات الآتية على انه كان يمارس البيع والشراء بنفسه، وأنه كان فى مجتمع لا يقدر العلماء والأدباء استمع اليه يقول:
جلوسى فى سوق أبيع وأشترى ... دليل على أنّ الأنام قرود
ولا خير فى قوم تذلّ كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عنّى رثاثة كسوتى ... هجاء قبيحا ما عليه مزيد
قال ياقوت فى معجمه (واما وفاته فلم يبلغنى فيها شىء غير انى وجدت فى آخر كتاب الأوائل من تصنيفه. وفرغنا من املاء هذا الكتاب يوم الأربعاء لعشر خلت من شعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة) وكتاب الأوائل هو آخر ما صنف المؤلف، ولم يعثر على أثر فى التصنيف بعد هذا العام، ولهذا فان ياقوت يرى انه توفى سنه ٣٩٥ هـ. ﵀ رحمة واسعة وقد مدحه أحد
стр. 10
الشعراء بقوله:
وأحسن ما قرأت على كتاب ... بخطّ العسكرى أبى هلال
ولو أنّى جعلت أمير جيش ... لما قاتلت إلا بالسّؤال
فإنّ الناس ينهزمون منه ... وقد ثبتوا لأطراف العوالى
المحقق
стр. 11
مقدمة المؤلف
رب يسر وأعن الحمد لله الذى رفع رتبة الأدب وذويه، وأعلى منزلة العلم وحامليه، وجعلهم للدين قواما، وللمحاسن نظاما، ففهم بهم الغبى، وأنطق العيى، وصيرهم ورثة انبيائه، وأئمة لأوليائه، وحججا على أعدائه، وألبسهم العز ما أبقاهم، وخلد ذكرهم حين أفناهم، فأعيانهم مفقودة، وأمثالهم فى القلوب موجودة، وذلك من أعظم النعم عليهم، وأفضل المنن لديهم، ولما فى بقاء الذكر من الجمال وفى خلود الاسم من الكمال، قال ابراهيم ﵇ فيما حكى الله تعالى عنه: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
«١» وقال تعالى: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
«٢» فقرعهم باعراضهم عما فيه ذكرهم، وتباهتهم «٣» عما فيه جميل ذكره، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
«٤» فامتن عليهم بالقرآن لما لهم فيه من بقاء الذكر، وجميل النشر، وقد قال الأول: ذكر الرجل عمره الثاني، قال الشاعر:
لعمرك إنّ المرء تخلد بعده ... أحاديثه والمرء ليس بخالد
стр. 12
وقال آخر:
وما الخير فى طول الحياة إذا امرؤ ... مضى ثمّ لم يذكر بخير عواقبه
وقال آخر:
ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنّه من نشرها منشور
وقال آخر:
فإن يك أفنته اللّيالى ومرّها ... فإنّ له ذكرا سيفنى اللّياليا
وقال آخر
عرضت وجهى ودنا انطلاقى ... والمال يفنى والثّناء باقى
وقال آخر:
فأثنوا علينا لاأبا لأبيكم ... بإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد
ومما يقرب منه قول زهير:
فلو كان حمد الناس يخلد لم يمت ... ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
ولكنّ فيه باقيات وراثة ... فورّث بنيك بعضها وتزوّد
تزوّد الى يوم الممات فإنّه ... ولو كرهته النّفس آخر معهد
стр. 13
وقال الأسدى:
فإنى أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندى أن أموت ولم ألم
وقال آخر:
وإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا ... ومن الحديث مهالك وخلود
وقال بعضهم: (لان أذكر فى شر خير لى من ألا أذكر فى شر ولا خير) «١» وسمعت رجلا يقول: (لأن أكون رأسا فى الضلالة أحب الى من أن أكون ذنبا فى الهداية «٢» ) .
والنباهة لباقية التى لا تدركها الايام، والذكر العالى الذى لا يحطه مرور الزمان، نباهة العلماء وذكر الحكماء، لأنه يسير فى الأوقات من غير دافع يرده، ولا مانع يصده، وتؤمن عليه غارة الليالى والأيام، وجناية السنين والاعوام فى دروس آثاره وطموس أنواره، وقليل العلم كثير بل ليس من العلم قليل، وخير العلم ما ينفع وأنفعه ما يحاضر به، ولا يعتاض عند مطلبه، وأجل ما يعين على حفظه حسن تصنيفه، وبراعة تدوينه وتأليفه واولى ما يصنف منه ما تعظم الحاجة اليه، ويكثر تطلع النفوس الى معرفته والوقوف عليه، وإن أغفل إتقانه الأولون، وأخل باستقصائه المتقدمون.
قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل- أيده الله-: وقد رأيت أكثر الخاصة وجل العامة لهجين بالسؤال عن أوائل الأعمال، ومتقدمات الأسماء والأفعال، ولم يجدوا فى ذلك كتابا يجمع فنونها ويحوى ضروبها
стр. 14
بأخبارها وشرح وجوهها وأبوابها الا نبذا متفرقة فى تضاعيف الصحف وابتداء الكتب لم تذكر أسبابها ولم تشرح أبوابها، فعملت كتابى هذا مشتملا على هذا النوع من الأخبار وحاويا لهذا الفن من الآثار، مشروحا ملخصا، ومهذبا مخلصا لا يشوبه كدر ولا يرهق وجهه قتر، ليكون عونا على المذاكرة وقوة للمؤانسة، وجعلته عشرة أبواب:
الباب الأول: فى الاخبار عما كان من قريش وفيهم من أوائل الأعمال وابتداءات الأمور فى الجاهلية وما حدث بمكة منها.
الباب الثانى: فيما جاء من ذلك عن عامة أهل الجاهلية بعد قريش من العرب الباب الثالث: فيما جاء من ذلك منسوبا الى النبى- ﷺ الباب الرابع: فيما روى عن الصحابة والتابعين- رضى الله عنهم- الباب الخامس: فيما جاء عن الملوك فى الاسلام.
الباب السادس: فيما جاء منه عن الامراء والرؤساء فى الاسلام.
الباب السابع: فيما جاء منه عن القضاة والعلماء والأدباء.
الباب الثامن: فيما جاء منه عن النساء خاصة.
الباب التاسع: فى الاخبار عما جاء منه عن العجم خاصة.
الباب العاشر: فى أشياء مختلفة رويت عن العرب والعجم ولم ينفرد كل نوع منها بنفسه فجعلتها بابا واحدا وبالله التوفيق.
стр. 15
الباب الأول فيما جاء من ذلك عن قريش
стр. 16
أول ما تحرك أمر قريش
وأخذ شأنهم يرتفع وذكرهم ينتشر حين قدم قصى مكة من عند أمه فاطمة بنت سعد بن سيل الأزدى أزد شنوءه، وكان كلاب أبو قصى تزوجها فولدت له زيدا (وهو قصى) وزهرة ثم هلك كلاب وزهرة قد شب وزيد صغير، فقدم ربيعة بن خزام العذرى مكة فتزوج فاطمة وحملها الى قومه وحمل زيدا لصغره، فولدت فاطمة لربيعة رزاحا وشب زيد فسمته قصيا لبعد داره،- والقصو البعد- فنازع رجلا من عذرة فقال له العذرى: الحق بقومك فلست منا، فأتى أمه فسألها عن قومه فأخبرته بما كان من أمرها وأمره، فشخص مع الحجاج الى مكة، فلم يلبث ان اجتمع مع أبى غبشان سليم بن عمرو الخزاعى على شراب، فلما سكر أبو غبشان اشترى منه قصى ولاية البيت بزق خمر وقعود، فقيل: أخسر من أبى غبشان، وأحمق من أبى غبشان وأندم من أبى غبشان، فجرت أمثالا. قال بعضهم:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزقّ «١» خمر فبئست صفقة البادى
باعت سدانتها بالخمر وانقرضت ... عن المقام وظلّ البيت والنادى
стр. 17
وقال آخر:
أبو غبشان أظلم من قصىّ ... وأظلم من بنى فهر خزاعه
فلا تلحوا «١» قصيّا فى شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه
وقال آخر:
إذا فخرت خزاعة فى قديم ... وجدنا فخرها شرب الخمور
وبيعا كعبة الرّحمن جمعا ... بزقّ بئس مفتخر الفجور
وقال آخر:
باعت خزاعة بيت الله صاحبه ... بزقّ خمر فلا فازوا ولا ربحوا
فتحزبت خزاعة على قصى، فاستنصر أخاه من أمه رزاحا. فأقبل بمن معه، وجمع قصى كنانة فنفوا خزاعه عن مكة، وجمع قريشا من رؤوس الجبال وشعابها فأنزلهم الأبطح، فسمى مجمعا، قال مطرود:
قصىّ أبوكم «٢» كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر
стр. 18
ثم قال أبو تمام:
أادريس ضاع المجد بعدك كلّه ... ورأى الّذى يرجوه بعدك أضيع
مشوا فى زوايا نعشه وكأنّما ... قريش قريش يوم مات مجمّع
ويبسط كفّا فى الخطوب «١» كأنّما ... أناملها فى الجود والبأس أذرع
ففتش قصى عن أجلة قومه فسمى قريشا، والتقريش التفتيش قال الحرث بن حلزة:
أيها المبلغ المقرّش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء
وقيل: كان قريش اسما للنضر بن كنانة واشتقاق من التقرش وهو التكسب وكانت قريش تجارا، وقيل التقرش التجمع.
وكانت صوفة تجيز الناس من عرفة الى جمع ومن جمع الى منى، فاذا رمى الناس الجمار أخذت ناحيتى العقبة، فيقولون: أجيزى صوفة، فلا يجوز أحد حتى تجوز صوفة، وكانوا يرون ذلك دينا، فاعترضهم قصى بمن معه وانهزمت صوفة وخلت مكة والموسم لقصى، فكان أول من نال الملك من ولد النضر بن كنانة فقال رزاح بن ربيعة:
جلبنا الخيل مضمرة تعادى ... من الأعراف أعراف الجناب
الى غورى تهامة قادرينا ... بنى الذفراء فى قاع يباب
стр. 19
وقام بنو علىّ اذ رأونا ... على الأسياف كالإبل الظراب «١»
فأمّا صوفة «٢» الخنثى فخلّوا ... منازلهم محاذرة الضّراب
وقال رزاح أيضا:
أجبنا قصيّا على نايه ... على الخيل تردى رعبلا رعيلا «٣»
نسير بها اللّيل حتّى الصباح ... ونكمى «٤» النهار إلى أن يزولا
وردن سراعا كورد القطا ... يورّعن «٥» ميلا ويركضن ميلا
بأبناء سعد وأشياعها ... نجوب الحزون ونطوى السهولا
فصبّحن مكّة قبل الغطاط «٦» ... فدسن خزاعة دوسا وبيلا
خبطنهم بصلاب النّسور ... كخبط العزيز القوىّ الذّليلا
ومن قبل ذلك ما قد جعلن ... لصوفة منهنّ يوما طويلا
стр. 20
وكنّا له جنّة فى اللّقاء ... وسيفا بيمنى يديه صقيلا
فلما استوى أمر مكة لقصى بنى دار الندوة، فكانت قريش تقضى فيها أمورها، فلا تنكح ولا تشاور فى أمر ولا حرب الا فيها، وهى دار الامارة، وبابها فى المسجد حيال الكعبة.
ثم قال لقريش انتم جيران الله والحجاج زوار الله فهم أضيافه واحق الاضياف بالكرامة أضيافه، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، ففرض عليهم فرضا يدفعونه اليه، فيصرفه فى إقامة الحجاج فجرى ذلك الى اليوم إلا أن الخلفاء هم الذين يقيمونها.
وكان قصى فى زمن بهرام جور وهو بهرام بن يزدجر.
وقصى أول من احتفر بالابطح سقاية للحجاج وسماها العجول وقال:
سقى الله العجول برغم عاد ... وكانت من زيادته العجول
فلم يزل يشرب منها حتى سقط فيها رجل من بنى جعيل فعطلت، وكانت زمزم زمن جرهم.
وهو أول من ثرد الثريد بعد ابراهيم- ﵇ وعاب بعض الشعوبية العرب باتخاذ الثريد وقال: لابد أن يفضل من العرب اذا أكلوا فضلة مرق تجعل لمسكين قال: فأرادت العرب ألا يبطل عليهم ذلك فثردوا فيه قال:
وليس من طعام العجم. واحتج بما أخبرنا به أبو أحمد بن الحسين بن عبد الله ابن سعيد عن الجلودى عن محمد بن زكريا عن محمد بن عبيد الله بن محمد بن على قال: قال حصين لفيروز أحب أن أتغذى عندك، قال: فما تشتهى؟
قال: ثريدا: قال: انى أكره أن أضع على مائدتى طعام الكلاب ولكنى أتحمل ذلك لك.
стр. 21
قال أبو هلال:- أيده الله تعالى-: لو كان الثريد طعاما خبيثا مكروها لكان ما يقال فيه شائعا، فأما وهو طعام مشتهى طيب فلا اعتراض على العرب فى اتخاذ طعام طيب، وليس ترك العجم اياه قدحا فيه فكم من شىء مختار قد تركته العجم غفلة عنه أو جهلا به، وليس ثردهم فى المرق يدل على أنهم أرادوا منع ما يفضل منه.
أول من أخذ الايلاف لقريش هاشم بن عبد مناف
والايلاف كتاب أمان يؤمنهم بغير حلف، فأما الولاف فتدارك «١» لمعان البرق ولا يكاد يخلف، والآلاق- بالقاف- أن يلمع لمعة بعد لمعة وربما أخلف، اخبرنا غير واحد عن ابن دريد وغيره عن أبى حاتم العبثى ومحمد بن سلام قال: كانت قريش تجارا وكانت تجارتهم لا تعدو مكة وما حولها، فخرج هاشم بن عبد مناف الى الشام فنزل بقيصر، وكان يذبح كل يوم شاة ويصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله، وكان من أتم الناس وأجملهم، فذكروا ذلك لقيصر فأحضره، فلما رآه استجهره «٢» وكلمه فأعجبه، فلما رأى مكانه عنده قال: أيها الملك، ان قومي تجار العرب فان رأيت أن تكتب لى كتابا تؤمنهم فيقدمون عليك بما تستظرف من أمتعة الحجاز فيكون أرخص لكم، فكتب كتاب أمان لمن يخرج منهم، فخرج هاشم به فكلما مربحى من العرب أخذ من أشرافهم الأمان حتى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شىء أوتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج معهم هاشم يجوزهم ويوفيهم إيلامهم حتى ورد بهم الشام، وفى ذلك يقول القائل:
تحمّل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن فيض
стр. 22
ثم خرج المطلب بن عبد مناف الى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن اتجر اليهم من قريش، وكان أكبر ولد أبيه، ويسمى الفيض، وهلك بردمان من اليمن. وخرج عبد شمس بن عبد مناف الى ملك الحبشة وأخذ لهم ايلافا ثم ورد مكة وهلك بها وقبره بالحجون، وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه فأخذ لهم عهدا من كسرى، ثم قدم مكة ورجع الى العراق فمات بسلمان فاتسعت قريش في التجارة وكثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش بركة فى الجاهلية والاسلام. وفيهم يقول الشاعر:
كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ «١» خالصه لعبد مناف
وقال مطرود بن كعب يرثيهم:
يا عين جودى وأذرى «٢» الدّمع وانهملى ... وابكى على البيض من سرّ المغيرات
وابكى لك الويل امّا كنت فاقدة ... لعبد شمس بشرقىّ الثّنيّات
وهاشم فى ضريح وسط بلقعة ... تسفى «٣» الرّياح عليه وسط غزّات «٤»
تبكين عين العلا إذ كان مصرعه ... سمح السّجيّة بسّام العشيّات
وكان هاشم يسمى أبا فضلة، واسمه عمرو.
стр. 23
وروى بعض الشيوخ عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال:
خرجت وجماعة من قريش الى العراق فى تجارة، فلما دنونا من الأرياف خرج قوم فقطعوا علينا فدخلنا المدائن مخففين، قال: فكنت أطوف بها أطلب رجلا يفهم عنى ما أقول فأسترشده فى أمرنا فلا أجد، حتى مررت بصائغ سقطت مطرقته فقال: بسم الله، وأخذها فدنوت منه، فذكر انه نصرانى من أهل الحيرة، فشكوت اليه ما لقينا فقال: سر الى باب الملك فان المتظلم لا يمنع منه، فلما ادخلت اليه وذكرت أمرنا دفع إلى ألف درهم وأخرجت، فعدت اليوم الثانى فتكلمت فدفع إلى ألف درهم أخرى وأخرجت، وكذلك فى اليوم الثالث، فلما أمرت بالخروج وقد دفع الى ألفا أخرى أومأت اليه انى لم أحضر لطمع، فعلم أن الترجمان يخون ويؤدى خلاف ما أورد عليه، فأحضر ترجمانا آخر فأدى ما قلت، فقال: لا تبرحوا البلد، فلم نلبث الا قليلا حتى أدخلنا اليه، فاذا اللصوص والترجمان مكتوفون بين يديه وأمتعتنا موضوعة، فقيل لنا: هل تفقدون شيئا منها؟ قلنا: مقرعة، فطالبهم بها فقالوا: لا نعرف لها موضعا ونعوضهم عنها مقرعة فضة، ثم اشترى منا تجارتنا بربح وافر، فذكرت ما أعطيت في الأيام الثلاثة، فقيل: هى لك لا يسترد ما أعطيناه، وأقمنا حتى أصلحنا أمورنا وخرجنا، فاذا اللصوص والترجمان مصلوبون فى المكان الذى قطعوا علينا فيه.
أول من سن الدية مائة من الابل عبد المطلب
أخبرنا جماعة من مشايخنا قالوا: لقى عبد المطلب من قريش أذى كثيرا حين أقام سقاية زمزم، وحسدوه حسدا شديدا لانصراف الناس اليها عن غيرها. لمكانها من المسجد الحرام، ولأنها بئر اسماعيل ﵇، فنذر لئن ولد له عشرة نفرا بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى بنوه عشرة جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم الى الوفاء لله به فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟
стр. 24
قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا وليكتب عليه اسمه ثم ليأتنى به ففعلوا، فدخل بهم على هبل وكان أعظم أصنام قريش يضربون عنده بقداحهم لحوائجهم، فقال عبد المطلب للسادن: أضرب على بنى هؤلاء بأقداحهم، ودخل الكعبة فقام يدعو الله فضرب بها عليهم فخرج القدح على عبد الله،- وكان أحب ولده إليه- وكان هو وأبو طالب لفاطمة بنت عمرو ابن عابد المخزومى، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به الى أساف ونائلة وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحهم ليذبحه، فقامت اليه قريش فقالوا: لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا؟
ولو كان فداه أموالنا أفدينا، وانطلق الى الحجاز فان فيه عرافة فاستخرها، فانطلق حتى قدم عليها فقالت: كم الدية فيكم؟ قال: عشر من الابل، قالت: فارجع الى بلادك ثم قرب صاحبك وعشرا من الابل واضربنّ عليه وعليها بالقداح فان خرجت عليه فزده عشرا من الابل حتى يرضى ربك، فان خرجت على الابل فانحرها عنه، فقد رضى ربك، ونجى ولدك، فخرج حتى أتى مكة ثم قرب عبد الله وعشرا من الابل وضرب فخرجت القداح على عبد الله فزاد عشرا، فما زال يزيد حتى بلغت الإبل مائة فخرجت القداح على الابل، فقالت قريش: قد انتهى رضى ربك.
فقال: والله ما أنصفت ربى، خرجت على عبد الله تسع مرات فلم أذبحه، وخرجت على الابل مرة فأذبحها، لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا فخرجت القداح على الابل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها بائس ولا سبع، وولد رسول الله- ﷺ بعد خمس سنين من هذه القصة.
أول من سن الدية كذلك النضر بن كنانة
وذلك انه قتل أخاه فوداه مائة من الابل فجرت سنة.
стр. 25
قال الكميت:
أبونا الّذى سنّ المئين لقومه ... ديات وعدّاها سلوفا «١» مئينها
فسلّمها واستوثق النّاس للّذى ... تعلّل لمّا سنّ فيها حروبها
غنائم لم تجمع ثلاثا وأربعا ... مسائل بالإلحاق شتّى ضروبها
وقال أبو اليقظان: اول من سنها كذلك أبو سيارة العدوانى، وهو الذى كان يفيض بالناس من المزدلفة الى منى على حمار أسود أربعين سنة، فقالت العرب: أصح من عير «٢» أبى سيارة، فجرت مثلا قال: وكان من دعائه اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعاتنا، واجعل المال فى سمحائنا.
وكان خالد بن صفوان والفضل الرقاشى يختاران ركوب الحمير، ويجعلان أبا سيارة قدوة فيه. قال بعضهم لخالد وهو على حمار: ما هذا الركب؟ قال: عير من نسل الكداذ «٣» اضم السربال، مفتول الاجلاد «٤» ، محملح القوائم، يحمل الرحلة، ويبلغ العقبة، ويقل داؤه، ويخف دواؤه، ويمنعنى أن أكون جبارا فى الأرض أو أكون من المفسدين، ولولا ما فى الحمار من المنفعة، ما امتطى أبو سيارة ظهر عير أربعين سنة.
وأما الفضل فانه سئل عن ركوبه الحمار فقال: أقل الدواب مؤونة، وأسهلها جماحا، وأسلمها صريعا، وأحفظها مهوى، واقربها مرتعا، يرى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويسمى مقتصدا وقد أسرف فى يمنه، ولو شاء أبو
стр. 26
سيارة ان يركب فى الموسم جملا مهريا «١» أو فرسا أعوجيا «٢» لفعل.
فسمع كلامه أعرابى فقال: الحمار شنار، والعير عار، منكر الصوت بعيد الفوت، متزلق فى الوحل متلوث فى الضحل، «٣» ان وقفته أدلى، وان أطلقته ولى، مسايره مشرف، وراكبه مقرف، كثير الروث قليل الغوث، سريع الفواره، «٤» بطىء فى الغاره لا ترقأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب فى إناء.
وقال بعضهم فى وصف بغلة: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة العير.
أول من خضب بالوسمة «٥» من قريش عبد المطلب
حدثنا الشيخ أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى عن الفضل بن الحباب عن الرياشى عن العتبى قال: وفد عبد المطلب على بعض ملوك اليمن فرآه قد شاب، فأمر له بخضاب أسود فاختضب به، فلما رآه عبد المطلب حسنا قال:
فلو دام لى هذا الشّباب حمدته ... وكان بديلا من حبيب قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرة ... ولابدّ من موت يليه أو هرم
стр. 27
أول ما عظم أمر قريش فسميت آل الله وقرابينه
حين هزم الله جيش الفيل، وكان من أول حديثهم أن تبعا دخل فى اليهودية فى أيام قباذ، وكان لدوس- رجل من يهود نجران- ضيعة يخرج بنوه اليها ليلا فيجرون فيها من الماء أكثر مما يخصها، فاجتمعت نصارى نجران فقتلوهم، وطلبوا أباهم دوسا فأعجزهم، فقالوا له: أقبل فقال: لا يقبل المرء على الموت، فذهبت مثلا. فقالوا: الى أين عن لهوك وغنائك؟ فقال:
الاحياء يعون. فسار حتى دخل على ذى نواس وكان تهود، فشكى اليه ما أصيب به، فخرج الى أهل نجران فحاصرهم ثم عاهدهم، فلما تمكن منهم أوقع بهم وهم مغترون، فلم ينج منهم الا الشريد.
فلحق بعضهم بالنجاشى ومعه الانجيل قد أحرق أكثره، فلما رآه ساءه، فكاتب ملك الروم بذلك واستدعى من جهته سفنا يحمل فيها الرجال الى اليمن، وبلغ ذاك ذانواس فصنع مفاتيح كثيرة فلما دنا منه جيش الحبشة أرسل اليهم بها، وقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن فخذوا المال والارض وانا طوع لكم، فاطمأنوا وتفرقوا فى المخاليف «١» يجبون، فارسل ذو نواس الى المقاولة اذا كان يوم كذا فاذبحوا كل ثور أسود فيكم، فعلموا الذى أراد فقتلوهم فلم يبق منهم الا القليل، وبلغ النجاشى ذلك فجهز اليهم سبعين ألفا عليهم أبرهة ومولى بن حزام، وأمرهم الا يقبلوا صلحا.
فعلم ذو نواس أنه لا قبل له بهم، فركب حتى أتى البحر فأقحم فرسه فيه فغرق، وملكت الحبشة اليمن، ونزل أبرهة صنعاء فى قصر غمدان، فكتب اليه النجاشى: من نزل منزل الملوك تجبر، فاهدم ما أشرف من حيطان غمدان حتى توازى به حيطان بلدك ففعل، ثم انصرف عامة الجيش الى الحبشة.
وأقام بها أبرهة ملكا مستبدا بالاموال، فبعث اليه النجاشى بأرياط، فلما
стр. 28
نزل به دعاه الى المبارزة فطمع أرياط فيه،- وكان أقوى منه- وكمن له أبرهة عبدا من عبيده، فلما بادره أرياط وثب العبد فطعنه فقتله، وصفت اليمن لابرهة، وحكم العبد فقال: أريد الا تدخل امرأة على زوجها حتى ابتدىء بها، فقال: لك ذلك، ففعل بذلك زمانا حتى ثارت به أهل اليمن فقتلوه، فقال لهم أبرهة: قد آن لكم ان تكونوا أحرارا، فلما عرف النجاشى عصيان أبرهة حلف على وطء بلاده وجز ناصيته واراقة دمه، فحلق أبرهة شعره وأخذ جزءا من دمه وبعضا من تراب بلده، وكتب الى النجاشى: انما انا عبدك وقد بلغت عنى الكذب، وقد جززت ناصيتي وبعثت بها اليك وبدمى لتريقه وتراب أرضى لتطأه فتبر بيمينك فأعجبه ذلك وأمسك عن الاساءة اليه، فاستجمع ملك اليمن لا برهة.
وبنى كنيسة صنعاء على علوة من غمدان، فاشتغل ببنائها عشر سنين، فلما أتمها رأى الناس شيئا لم يروا مثله قط، وأراد صرف حجاج العرب اليها، حتى دخلها نفر من بنى كنانة من قريش وأحدثوا بها، فغضب أبرهة وعزم على غزو مكة وهدم الكعبة، فخرج بجيش كثيف وتبعه الفساق من خثعم عليهم نفيل بن حبيب وبنو أمه من بنى الحرث بن كعب، فسار حتى نزل الطائف، وفيها بيت يعبد فعزم على هدمه، فقال له مسعود بن معتب: ان رأيت أن تمضى لقصدك، فاذا رجعت رأيت فينا رأيك، فخرج نحو مكة، فلما شارفها أخذ أموال قريش فاستاقها وهم بالمسير، فخرج اليه أبو طالب «١» - وكان له ولأهله فيها ابل- فقال: خل عنها، فلها من لو أراد منعها، فأمر له بإبله، وخرج حتى قام بفناء البيت يدعو الله تعالى ويقول:
لا همّ إنّ المرء يمنع رحله ... فامنع حلالك «٢»
стр. 29
لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم أبدا محالك ... إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدالك
بدالك ثم صار أبرهة، فلما انتهى الى المغمس «١» نكص الفيل فزجروه وأدخلوا الحديد فى أنفه حتى خزموه فلم يتحرك، ثم طلعت عليهم طير أكبر من الجراد فقذفتهم بحجارة فى أرجلها فولوا هاربين، ثم هلك أكثرهم وفيهم أبرهة، فلما دفع الله عن قريش شرهم قالت العرب: قريش آل الله وقرابينه قال الحارث بن ظالم:
فإن يك منهم أصلى فمنهم ... قراش للإله بنو قصىّ
وقال أبو الصلت «٢» الثقفى فى شأن الفيل:
إنّ آيات ربّنا باقيات ... ما يمارى فيهنّ إلّا الكفور
حبس الفيل بالمعمّس حتّى ... ظلّ يحبو كأنّه معقور
وقال أبو قيس بن الأسلت:
وعندكم منه بلاء مصدّق ... غداة أبى يكسوم «٣» مهدى الكتائب
كتائبه بالسّهل تمشى ورحله ... على العدواء فى رؤوس المراقب «٤»
стр. 30
فلمّا أجازوا بطن نعمان ردّهم ... جيوش الإله بين ساف وحاصب «١»
وولد رسول الله ﷺ بعد خمسين يوما من طارقة الفيل، قدم الفيل مكة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من محرم، وولد النبى يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، وهو اليوم العشرون من نيسان سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين من سنى ذى القرنين، والشمس فى الثور، قال أبو الحسن النسابة:
رواه لنا أبو أحمد عنه ولد- ﵇ يوم الإثنين السابع عشر من ذى ماه، وهو اليوم العاشر من نيسان، وقد مضت من ملك أنوشروان أربع وثلاثون سنة وثمانية أشهر، وكان- ﷺ يقول: (ولدت فى زمن الملك العادل أنو شروان) ، ومن أيام ملوك الروم على عهد قسطة، «٢» ومن أيام ملوك اليمن من أول سنة من ملك أبرهة، كذا قال وهو مخالف لما تقدم، ومن أيام ملوك العرب بالعراق لثمان سنين وثمانية أشهر من ملك أبى هند عمرو بن هند، وملك الشام يومئذ أبو الريان الحارث الوهاب.
أول من أوقد النار بالمزدلفة حتى يراها من يندفع من عرفة فهى توقد إلى الآن قصى
وهى احدى نيران العرب، ونيران العرب هى نار الاستمطار، ونار التحالف ونار الأهبة للحرب، ونار الطرد، ونار الحرس، ونار السعالى، ونار الاسد، ونار القرى، ونار السليم ونار العذاء، ونار الوسم.
فأما نار الاستمطار: فكانوا فى الجاهلية الاولى اذا احتبس المطر
стр. 31
يجمعون البقر، ويعقدون فى أذنابها وعراقيبها السلع والعشر، «١» ويصعدون بها فى الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار، ويزعمون أن ذلك أسباب المطر.
قال أميه بن أبى الصلت:
سلع مّا ومثله عشر مّا ... عائل مّا وعالت البيقورا
وقال الودّاك الطائى:
لادرّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة «٢» ... ذريعة لك بين الله والمطر
البيقور والباقور والبقر سواء.
وأما نار التحالف: فانهم كانوا يوقدونها، ويعقدون حلفهم عندها، ويذكرون، منافعها، ويدعون بالحرمان والمنع من خيرها على من ينقض العهد ويحل العقد، ويهولون على من يخلف على الغدر، «٣» قال أبو هلال: وانما كانوا يخصون النار بذلك دون غيرها من المنافع، لان منفعتها تختص بالانسان لا يشركه فيها شيء من الحيوان، قال أوس بن حجر:
إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهوّل حالف
وكانوا يقولون عند عقد الحلف: الدم الدم، الهدم الهدم،- بالفتح- وما بل بحر صوفة، وما رسا ثبير، أو غيره من الجبال كل قبيلة كانوا
стр. 32
يذكرون الجبال التى يعرفونها.
وأما نار الطرد: فانهم كانوا يوقدونها خلف من يمضى ولا يشتهون رجوعه، قال شاعر قديم:
وجمّة أقوام حملت فلم تكن ... لتوقد نارا خلفهم للتندّم
والجمة الجماعة يمشون فى الدم والصلح.
قال بشار:
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... وردّ عليك الصّبا ما استعارا
وأما نار الأهبة للحرب: فانهم كانوا إذا أرادوا حربا، أو توقعوا جيشا، أوقدوا نارا على جبلهم، ليبلغ الخبر أصحابهم فيأتونهم قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد فى خزار «١» ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
واذا جد الامر أوقدوا نارين، قال الفرزدق:
لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... نزل العدوّ عليك كل مكان
ضربوا الصنّائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
وأما نار الحرس: فكانت في بلاد عبس، فاذا كان الليل فهى نار تسطع، وفى النهار دخان يرتفع، وربما ندر منها عنق فأحرق من صوبها،
стр. 33
فحفر لها خالد بن سنان فدفنها، فكانت معجزة له، وأهل النظر ينكرون نبوته، ويقولون: انما كان أعرابيا من أهل البادية، والله تعالى يقول:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
«١» .
وقال خليد العبثى:
وأىّ نبىّ كان من غير قرية ... وهل كان حكم الله فى كرب النّحل
وقال:
كنار الحرّتين لها زفير ... تصمّ مسامع الرّجل السّميع
وأما النار التي تنسب الى السعالى «٢» : فهو شيء يقع للمتغرب والمتقفر قال أبو المطران عبيد بن أيوب:
لله درّ الغول أىّ رفيقة ... لصاحب دوّ «٣» خائف متقفّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالىّ نيرانا تبوح وترهر
وأما نار الصيد: فنار توقد للظباء لتعشى اذا نظرت اليها، ويطلب بها ايضا بيض النعام، قال الطفيل:
عوارب لم تسمع تنوح مقامه ... ولم تر نارا ثمّ حول محرّم
стр. 34
سوى نار بيض أو غزال بقفرة ... أغنّ من الخنس «١» المتاجر توأم
وأما نار الأسد: فانهم يوقدونها اذا خافوه، وهو اذا رأى النار استهالها، فشغلته عن السابلة، قال بعضهم: إذا رأى الأسد النار حدث له فكر يصده عن ارادته، والضفدع اذا رأى النار تحير وترك النقيق، وتنبأ بعضهم فقيل له ما علامتك؟ وكان بقربه غدير فيه ضفادع تنق ليلا قال: آمر ضفادع هذا الغدير بالسكوت فتسكت، ثم قال لغلامه خذ السراج وامض، فقل لها فلتسكت، فسكتت. لما رأت السراج، ففتن القوم، وكان مسيلمة قد عمد الى بيضه فجعلها فى خل، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس. وتركها، فجفت فيها وعادت الى هيئتها، وكذلك تكون وأتى بها جماعته وأهل بيته، فدعاهم الى تصديقه فكذبوه فأخرجها، فلما نظروا اليها تحيروا وصدقوه، وهم أعراب جهال لا يعرفون وجوه الأمور، وأخذ حماما مقاصيص ودخل بيتا، وزعم انه يناجى الله لينبت أجنحتها فى الحال، فغرز فى أجنحتها ريشا أعده عنده، ثم أخرجها وخلاها فطارت فزادت فتنة القوم، وكانوا من أجهل الناس ومن جهلهم انهم اتخذوا إلها من الحيس «٢» فعبدوه دهرا، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال رجل من بنى تميم يهجوهم:
أكلت حنيفة ربّها ... زمن التّقحّم «٣» والمجاعه
لم يحذروا من ربّهم ... سوء العواقب والتّباعه
واما نار الحباحب «٤» : فكل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح من نعال الدواب وغيرها، قال أبو حية:
стр. 35
وأوقد نيران الحباحب والتقى ... غضا «١» تتراقى بينهنّ ولاوله
والعرب تسمى البرق نارا، قال الشاعر:
نار يعود بها للعود جدّته ... والنّار تلفح عيدانا فتحترق
ونار اليراعة: وهو طار صغير، اذا طار بالليل حسبته شهابا، والطرب «٢» من الفراش اذا طار بالليل حسبته شرارة، وتقول العرب: أكذب من تلمع، وهو حجر يلمع من بعيد واذا دنوت منه لم تر شيئا.
ونار القرى: توقد للأضياف، قال الشاعر:
له نار تشبّ بكلّ ريع ... إذا النيران جلّلت القناعا»
وما أن كان أكثرهم سواما «٤» ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وأخذه الأشجع فقال:
تروم الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع
стр. 36
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع
وقال ابن ميادة:
يداه يد تنهلّ بالخير والنّدى ... وأخرى شديد بالاعادى ضريرها
وناراه نار زاد كلّ مدفّع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها
وقال الأعشى:
يشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النّدى والمحلّق
والمحلق الممدوح وكان هذا البيت يستحسن حتى قال الحطيئة:
متى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
فعفى على الاول، هكذا قالوا، وعندى ان الاول أحسن وأعذب.
ونار الحرب: مثل وليس بحقيقة.
ونار السليم، توقد للملدوغ اذا سهر، وللمجروح اذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضه الكلب، «١» لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤديهم الى الهلكة: قال المجروح:
أبا ثابت أنا إذا يسبقوننا ... ستركب خيل أو ينبّه نائم
стр. 37
نداميّة تعشى الفراش رشاشها ... يبيت له ضوء من النّار جاحم
والمنزوف اذا نام أصابه الكزاز «١» .
ونار الفداء: وذلك ان الملوك اذا سبوا القبيلة خرجت اليهم السادة للفداء والاستنهاب، فكرهوا ان يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، وفى الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون لانفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن، وذلك قول الأعشى:
وهذا الّذى أعطاه بالجمع ربّه ... على فاقة وللملوك هباتها
نساء بنى شيبان يوم أوارة «٢» ... على النّار اذ تجلى له فتياتها
ونار الوسم: يقال للرجل ما نارك؟ أى، ماسمة إبلك؟ وقرب بعض اللصوص أبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه، وانما سئل عن ذلك لانهم يعرفون ميسم كل قوم وكرم أبلهم من لؤمها فقال:
يسألنى الباعة أين نارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها
كلّ نجار أيل نجارها ... وكلّ دار لأناس دارها
وكلّ نار العالمين نارها
стр. 38
وقال آخر:
يسقون آبالهم بالنّار ... والنّار قد تسقى من الأوار
يقول لما رأوا نارها خلوا لها المنهل فشربت لعز أصحابها.
أول من سمى الجمعة جمعة وكانت تسمى عروبة كعب بن لؤى
وذلك أنه جمع قريشا وخطبهم فقال: اسمعوا وعوا، وتعلموا تعلموا، وتفهموا تفهموا، ليل داج، «١» ونهار ساج، «٢» والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والأولون كالآخرين، كل ذلك الى بلى، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، وأصلحوا أعمالكم، فهل رأيتم من هالك رجع؟! ام ميت نشر؟ الدار أمامك، والظن خلاف ما تقولون، زينوا حرمكم وعظموه، وتمسكوا به ولا تفارقوه، فسيأتى له بناء عظيم، وسيرخج منه نبى كريم، ثم قال:
نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها
يؤوبان «٣» بالاحداث حين تآوبا ... وبالنّعم الضّافى علينا ستورها
صروف «٤» وأنباء تقلّب أهلها ... لها عقد ما يستحلّ مريرها «٥»
على غفلة ياتى النّبى محمّد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
стр. 39
ثم قال أيضا:
يا ليتنى شاهد النّجوى لدعوته ... خير العشيرة يبغى الحقّ جذلانا «١»
ولعروبة نظائر من الاسماء التى كانت تستعمل ثم ترك استعمالها، فمن ذلك أسماء الايام كلها، وعروبة منها، فقد كانوا يسمون الأحد الأول، والإثنين أهون، والثلاثاء جبار، والاربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار، وأنشد الاعشى.
أآمل أن أعيش وأنّ يومى ... بأوّل أو باهون أو جبار
أو التّالى دبار أو فيومى ... بمؤنس او عروبة أو شيار
وكانوا يقولون الاتاوة، فتركوها وقالوا: الخراج، والمكس فتركوه وقالوا:
الضربية وقالوا: أنعم الله صباحك ومساك وتركوا أن يقولوا للملك أبيت اللعن وأن يقولوا للصاحب والسيد والملك أربابا، وأن يقولوا للجارية غلامة وللمرأة رجلة، وكل ذلك كان مستعملا فى الجاهلية قال أمرؤ القيس:
ألا أنعم صباحا أيها الطّلل «٢» البالى
وقال الحارث بن حلزة:
ربّنا وابننا وأفضل من يمشى ومن دون ما لديه الثّناء «٣» وقال آخر: يهان لها الغلامة والغلام
стр. 40
وقال آخر:
لم يراعوا حرمة الرّجله «١»
وقد حدثت فى الاسلام معان وسميت بأسماء كانت فى الجاهلية لمعان أخر، فأول ذلك القرآن «٢» والسورة «٣» والآية «٤» والتيمم، قال تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
«٥» أى تحروه، ثم كثر ذلك حتى سمى التمسح تيمما، والفسق وهو الخروج من طاعة الله تعالى، وانما كان ذلك فى الرطبة اذا خرجت من قشرها، والفأرة اذا خرجت من جحرها، وسمى اظهار الايمان مع اسرار الكفر نفاقا، والسجود لله ايمانا، وللوثن كفرا، ولم يعرف أهل الجاهلية من ذلك شيئا.
ومنه تسمية الرجل الذى أدرك الجاهلية والاسلام مخضرما، وأصله من خضرمت الغلام أى ختنته، والأذن إذا قطعت من طرفها شيئا وتركته ينوس، «٦» وكأن زمان الجاهلية قطع عليه وقال بعضهم: الخضرمة الابل التى نتجت من العراب واليمانية، فقيل: رجل مخضرم اذا عاش فى الجاهلية والاسلام وهذا أعجب «٧» القولين إلىّ، وكان أهل الجاهلية يقولون رجل صروره اذا بلغ النهاية فى العبادة، فصار ذلك فى الاسلام اسما لمن لم يحج، وكانوا يسمون قوام البيت السدنة، فقيل فى الإسلام الحجبة، ومن الاسماء المستحدثة تسمية الفرج المتاع والعورة، وأصل العورة الانكشاف والامكان، يقال أعور الفارس اذا بدا موضع منه للطعن والضرب، وأعور البيت اذا أمكن السراق، وفى القرآن إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
«٨» أى معورة ممكنة لمن أرادها، وعورة الثغر المكان الذى اذا انكشف وظهر
следующие страницы →