Полный текст (423 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع
وقال ابن ميادة:
يداه يد تنهلّ بالخير والنّدى ... وأخرى شديد بالاعادى ضريرها
وناراه نار زاد كلّ مدفّع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها
وقال الأعشى:
يشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النّدى والمحلّق
والمحلق الممدوح وكان هذا البيت يستحسن حتى قال الحطيئة:
متى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
فعفى على الاول، هكذا قالوا، وعندى ان الاول أحسن وأعذب.
ونار الحرب: مثل وليس بحقيقة.
ونار السليم، توقد للملدوغ اذا سهر، وللمجروح اذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضه الكلب، «١» لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤديهم الى الهلكة: قال المجروح:
أبا ثابت أنا إذا يسبقوننا ... ستركب خيل أو ينبّه نائم
стр. 37
نداميّة تعشى الفراش رشاشها ... يبيت له ضوء من النّار جاحم
والمنزوف اذا نام أصابه الكزاز «١» .
ونار الفداء: وذلك ان الملوك اذا سبوا القبيلة خرجت اليهم السادة للفداء والاستنهاب، فكرهوا ان يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، وفى الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون لانفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن، وذلك قول الأعشى:
وهذا الّذى أعطاه بالجمع ربّه ... على فاقة وللملوك هباتها
نساء بنى شيبان يوم أوارة «٢» ... على النّار اذ تجلى له فتياتها
ونار الوسم: يقال للرجل ما نارك؟ أى، ماسمة إبلك؟ وقرب بعض اللصوص أبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه، وانما سئل عن ذلك لانهم يعرفون ميسم كل قوم وكرم أبلهم من لؤمها فقال:
يسألنى الباعة أين نارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها
كلّ نجار أيل نجارها ... وكلّ دار لأناس دارها
وكلّ نار العالمين نارها
стр. 38
وقال آخر:
يسقون آبالهم بالنّار ... والنّار قد تسقى من الأوار
يقول لما رأوا نارها خلوا لها المنهل فشربت لعز أصحابها.
أول من سمى الجمعة جمعة وكانت تسمى عروبة كعب بن لؤى
وذلك أنه جمع قريشا وخطبهم فقال: اسمعوا وعوا، وتعلموا تعلموا، وتفهموا تفهموا، ليل داج، «١» ونهار ساج، «٢» والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والأولون كالآخرين، كل ذلك الى بلى، فصلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، وأصلحوا أعمالكم، فهل رأيتم من هالك رجع؟! ام ميت نشر؟ الدار أمامك، والظن خلاف ما تقولون، زينوا حرمكم وعظموه، وتمسكوا به ولا تفارقوه، فسيأتى له بناء عظيم، وسيرخج منه نبى كريم، ثم قال:
نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها
يؤوبان «٣» بالاحداث حين تآوبا ... وبالنّعم الضّافى علينا ستورها
صروف «٤» وأنباء تقلّب أهلها ... لها عقد ما يستحلّ مريرها «٥»
على غفلة ياتى النّبى محمّد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
стр. 39
ثم قال أيضا:
يا ليتنى شاهد النّجوى لدعوته ... خير العشيرة يبغى الحقّ جذلانا «١»
ولعروبة نظائر من الاسماء التى كانت تستعمل ثم ترك استعمالها، فمن ذلك أسماء الايام كلها، وعروبة منها، فقد كانوا يسمون الأحد الأول، والإثنين أهون، والثلاثاء جبار، والاربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار، وأنشد الاعشى.
أآمل أن أعيش وأنّ يومى ... بأوّل أو باهون أو جبار
أو التّالى دبار أو فيومى ... بمؤنس او عروبة أو شيار
وكانوا يقولون الاتاوة، فتركوها وقالوا: الخراج، والمكس فتركوه وقالوا:
الضربية وقالوا: أنعم الله صباحك ومساك وتركوا أن يقولوا للملك أبيت اللعن وأن يقولوا للصاحب والسيد والملك أربابا، وأن يقولوا للجارية غلامة وللمرأة رجلة، وكل ذلك كان مستعملا فى الجاهلية قال أمرؤ القيس:
ألا أنعم صباحا أيها الطّلل «٢» البالى
وقال الحارث بن حلزة:
ربّنا وابننا وأفضل من يمشى ومن دون ما لديه الثّناء «٣» وقال آخر: يهان لها الغلامة والغلام
стр. 40
وقال آخر:
لم يراعوا حرمة الرّجله «١»
وقد حدثت فى الاسلام معان وسميت بأسماء كانت فى الجاهلية لمعان أخر، فأول ذلك القرآن «٢» والسورة «٣» والآية «٤» والتيمم، قال تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
«٥» أى تحروه، ثم كثر ذلك حتى سمى التمسح تيمما، والفسق وهو الخروج من طاعة الله تعالى، وانما كان ذلك فى الرطبة اذا خرجت من قشرها، والفأرة اذا خرجت من جحرها، وسمى اظهار الايمان مع اسرار الكفر نفاقا، والسجود لله ايمانا، وللوثن كفرا، ولم يعرف أهل الجاهلية من ذلك شيئا.
ومنه تسمية الرجل الذى أدرك الجاهلية والاسلام مخضرما، وأصله من خضرمت الغلام أى ختنته، والأذن إذا قطعت من طرفها شيئا وتركته ينوس، «٦» وكأن زمان الجاهلية قطع عليه وقال بعضهم: الخضرمة الابل التى نتجت من العراب واليمانية، فقيل: رجل مخضرم اذا عاش فى الجاهلية والاسلام وهذا أعجب «٧» القولين إلىّ، وكان أهل الجاهلية يقولون رجل صروره اذا بلغ النهاية فى العبادة، فصار ذلك فى الاسلام اسما لمن لم يحج، وكانوا يسمون قوام البيت السدنة، فقيل فى الإسلام الحجبة، ومن الاسماء المستحدثة تسمية الفرج المتاع والعورة، وأصل العورة الانكشاف والامكان، يقال أعور الفارس اذا بدا موضع منه للطعن والضرب، وأعور البيت اذا أمكن السراق، وفى القرآن إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
«٨» أى معورة ممكنة لمن أرادها، وعورة الثغر المكان الذى اذا انكشف وظهر
стр. 41
للعدو خيف من جهته، ومن ذلك الغائط «١» والنجو «٢» والعذرة «٣» لزيل الانسان، والملامسة للنكاح، الى غير ذلك مما يطول شرحه.
أول قسامة كانت
ما أخبرنا به أحمد قال: أخبرنا الهذلى قال: أخبرنا أبو عبد الله الجهنى قال:
كان من حديث عمرو بن علقمة وخداش بن عبد الله ان خداشا خرج الى الشام فى ركب قريش واستأجر، عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، فلما كان ببعض الطريق نزلوا منزلا، وانطلق خداش بظهره يرعاه، وترك عند عمرو ناقة مهزولة، وأمره أن يعلفها، وفى عنقها حبل، فمر قوم على عمرو فاستعانوه وقد شردت أبلهم، فطرح لهم الحبل الذى فى عنق الناقة، فلما جاء خداش قال: أين الحبل؟ فأخبره أنه أعاره رجلا، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ وقد نزلنا أرضا لانجد فيها مستعانا، فضربه بعصا فشجه، فضمن «٤» من ضربته، وجعل يجد وجعا كأنه ينزل الى صدره.
فكتب عمرو كتابا الى أبى طالب وأبى سفيان بن حرب وبنى عبد مناف، أنه كان من أمرى كذا وكذا، فان رجع اليكم ولست معه فقد قتلنى، فاطلبوا بدمى، ثم استعرض قوما فدفعه اليهم فبلغوا بنى عبد مناف، فلما قدم خداش وليس معه عمرو سألوه عنه، فقال: مات فقالوا: كذبت بل قتلته، فطلبوا العقل، فأبى عليهم، فقال: ما مكث إلا أياما حتى مات فتحاكموا الى الوليد بن المغيرة، وهو يومئذ حكم قريش، فقضى على خداش ورهطه بالقسامة، أن يحلف خمسون رجلا ما قتلنا صاحبكم، فحلفوا كلهم إلا حويطب بن عبد العزى، افتدت أمه يمينه بأربعين أوقية ورقا، والاوقية أربعون درهما، وكان أكثر قريش ريعا بمكة فهلك الذين
стр. 42
حلفوا جميعا، وورثهم حويطب فذلك قول أبى طالب:
أفى فضل حبل لا أباك ضربته ... بمنسأة قد جاء حبل وأحبل
هلمّ إلى حكم ابن صخرة انّه ... سيحكم فيما بيننا ثمّ يعدل
كما كان يقضى فى أمور تنوبنا ... فيعمل للأمر الحسيم فيفصل
وصخرة هى أم الوليد فقال أبو الوليد أحد بنى عامر بن لؤى:
أتدعو إلى حكم بن صخرة آنفا ... أماه «١» لحكم العبد والعبد أنذل
خداش اذا ما هاجت الحرب فارس ... وعند بنى سجع بمكّة يعمل
أبا طالب ما كنت تعلم أنّه ... خداش اذا ما كان يوم محجّل
قال العباس بن عبد المطلب فى ذلك وقد روى لغيره
أيا قومنا ان تنصفونا فانصفت ... قواطع «٢» فى ايماننا تقطر الدّما
تركناهم لا يستحلّون بعدنا ... لذى رحم من سائر النّاس محرما
стр. 43
وزعناهم «١» وزع النوامس «٢» بالقنا ... وكلّ سريجىّ «٣» اذا هزّ صمّما
فلا ترجونّا حاصن بعد طهرها ... لئن نحن لم نتار من القوم علقما
أبا طالب لا تقبل النّصف منهم ... وان أنصفوا حتّى تعقّ وتظلما
وغلط عمر بن شبه من هذا الخبر فى ثلاثة مواضع قال: المقتول علقمة بن المطلب وهو عمرو بن علقمة وانما زل لما سمع قول العباس «لئن نحن لم نثأر من القوم علقما» وانما اراد عمرو بن علقمة فلم يستو له البيت فذكر علقمة اضطرارا وقال علقمة ابن أخت أبى طالب وليست تعرف لابى طالب أخت كانت عند المطلب بن عبد مناف ثم قال وقضى فيه الوليد وهو غلط ولا يشك أهل الاخبار أنه قضى بالقسامة وأنه اول قسامة قضى بها.
اول من خلع نعليه لدخول الكعبة الوليد بن المغيرة
فخلع الناس نعالهم فى الاسلام، وكانت قريش يقولون: لا وثوبى الوليد الخلق منهما والجديد، وكانوا عملوا له تاجا ليتوجوه به، فجاء الاسلام فانتقض أمره، وكان من قبل يسمى ريحانة قريش، أخبرنى بعض البصريين قال: دخل رجل منا مشهدا بالبصرة فمشى بنعليه حتى تخطى الى المحراب، فوثب عليه القوم يضربونه فقال: اسمعوا عذرى فان تصورتموه والا فشأنكم، انا رجل منكم يعنى من الشيعة وقد جعلت لله على نفسى الا أمر بهذا المشهد الا أدخله متبركا به متقربا الى الله فيه، واجتزت هذا الوقت وانا جنب، فلم أخلع نعلى لئلا تمس رجلى أرضه، فخلوه واعتذروا اليه، فلم أر اجهل منهم، نقموا
стр. 44
عليه ما هو فى سعة من فعله، وعذروه فى المحظور.
ومثله ما سمعت أصحابنا يتحدثون ان جماعة دخلوا على بعض المتكلمين ببغداد، فوجدوه يأكل فى يوم من شهر رمضان، فلما أنكروا عليه قال:
أخبركم أنى لست أشك فى الله- تعالى- ولكنى أشك فى النبوة، فبلغ بعض الشيوخ قوله فقال: ما رأينا رجلا نقم عليه الفسق واعتذر بالكفر غيره، وقريب منه ما أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا الجوهرى قال: أخبرنا عمر بن شبة عن صلت بن مسعود عن احمد بن شبوية عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال:
قدم معاوية مكة أو قال المدينة، فأتى المسجد فقعد فى حلفة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبى بكر، فأقبلوا اليه، وأعرض ابن عباس عنه، فقال:
وأنا أحق بهذا الامر من هذا المعرض وابن عمه، فقال: ابن عباس ولم؟ ألتقدم فى الاسلام؟ أم سابقة مع رسول الله؟ أم قرابة منه؟ قال: لا. ولكن ابن عمى المقتول ظلما، قال فهذا أحق به، يريد ابن أبى بكر، قال: إن أباه مات موتا قال: فهذا أحق به، يريد ابن عمر، قال: ان أباه قتله كافر، قال فذاك أدحض لحجتك ان المسلمين عتبوا على ابن عمك فقتلوه فى كلام هذا معناه.
اول من حرم الخمر فى الجاهلية الوليد بن المغيرة
وقيل اول من حرمها قيس بن عاصم، وكان يأتيه خمار فيبتاع منه الخمر، ولا يزال فى جواره حتى ينفذ ما عنده، فشرب ذات يوم فسكر سكرا شديدا، فجذب ابنته، وتناول ثوبها، وأنهب ماله ومال الخمار، وانشأ يقول وهو يضربه.
من تاجر فاجر جاء الآله به ... كأنّ لحيته أذناب أجمال
جاء الخبيث بميسانية «١» تركت ... صحبى وأهلى بلا عقل ولا مال
стр. 45
فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع، وما قال، فآلى أنه لا يذوق الخمر أبدا، وقال:
رأيت الخمر صالحة «١» وفيها ... خصال تفسد الرّجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أسقى بها أبدا سقيما
ولا أعطى بها ثمنا حياتى ... ولا أدعو لها أبدا نديما
ودخل حارثة بن بدر الغسانى على زياد وفى وجهه أثر، فقال له: زياد:
ما هذا الاثر فى وجهك؟ قال: ركبت فرسا لى أشقر فحملنى حتى صدم بى الحائط، فقال له زياد: انك لو ركبت الاشهب لم يصبك مكروه، وقيل لاعرابى، لم لا تشرب»
الخمر؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلى.
وممن اشتدت رغبته فى الخمر حتى بلغت الغاية، ابن هرمة دخل على المنصور فأنشده:
له لحظات من حفا فى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «٣»
فأمّ الذى أمّنت آمنة الرّدى «٤» ... وأمّ الذى حاولت بالثّكل ثاكل «٥»
فأعجب بها المنصور وقال: ما طلبتك؟ قال: تكتب الى عاملك
стр. 46
بالمدينة الا يحدنى اذا وجدنى سكرانا، قال: لا أعطل حدا من حدود الله، قال: يحتال لى فكتب الى عامله، من أتاك بابن هرمة سكرانا فاجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين، فكان العون «١» إذا مروا به يقول من يشترى مائة بثمانين؟ فيتركونه ويمضون.
ومما يجرى مع هذا ما أخبرنا به أبو احمد قال: أخبرنا الكرمانى قال:
أخبرنى أبو جعفر بن العينى عن أبيه قال: حدثنا دعبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشيص وأبو نواس فى مجلس لهم، فقال له أبو نواس: مجلسنا هذا قد شهد اجتماعنا فيه، ولهذا اليوم ما بعده، فليأت كل امرىء منكم بأحسن ما قاله، فلينشدناه فأنشد أبو الشيص:
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمنى اللوّم
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّى منك حظّى منهم
وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم
فجعل أبو نواس يعجب من هذا الشعر، حتى لا يكاد ينقضى عجبه، وأنشد مسلم أبياتا من شعره الذى يقول فيه:
موف على مهج «٢» فى يوم ذى رهج «٣» ... كأنّه أجل يسعى الى أمل
стр. 47
فقال له أبو نواس: هات يا أبا على، وكأنى بك قد جئتنا بأم الفلا.
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فقلت: كأنك كنت فى نفسى، ثم سألوه ان ينشدهم، فأنشدهم:
لا تبك ليلى ولا تطرب الى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأسا إذا نزلت فى حلق شاربها ... أبصرت جمرا بها فى العين والخدّ
والخمر ياقوتة والكأس لؤلوة ... من كفّ جارية ممشوقة القدّ «١»
تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا فمالك من سكرين من بدّ
لى نشوتان وللنّدمان «٢» واحدة ... شىء خصصت به من دونهم وحدى
قال: فقاموا فسجدوا له، قال: أفعلتموها أعجمية؟ لا كلمتكم ثلاثا وثلاثا وثلاثا ثم قال: تسعة أيام، وهجر الاخوان كبيرة، وفى هجر بعض يوم استصلاح للفاسد، وعقوبة على الهفوة، ثم التفت الينا فقال: أعلمتم ان رجلا عتب «٣» على أخ له فى المودة، فكتب اليه المعتوب عليه، يا أخى، أن أيام العمر أقل من أن تحتمل الهجرة، قال أبو هلال: فأخذ هذا المعنى بعضهم فقال:
الدهر أقصر مدة ... من أن يمحّق بالعتاب
стр. 48
وقال فى معناه:
لا تعن الدهر على مبتلى ... يرجوك أن تكفيه الدهر
وعد الى الوصل فعمر الفتى ... أقصر أن يحتمل الهجر
أول من قطع فى السرقة الوليد بن المغيرة
قطع رسول الله- ﷺ فى الاسلام، وجاء به القرآن فى قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
«١» وكانت قريش تحكم بذلك، وروى العلماء أن بيت مقيس بن عبد القيس السهمى كان مألفا «٢» لشبان قريش، وكان له قينتان «٣» ، يقال لهما: اسماء وعثمة يغنيانهم، وكان ديك ودييك الخزاعيان يخدمانهم، فنفد شرابهم ذات يوم ونفقتهم، فعمد أبو لهب وكان من جملتهم الى غزال كان فى الكعبة فتناوله ليلا، وكسره وأخذ ما فيه من ذهب وياقوت، وكان له قرطان وهبهما لأسماء وعثمة، ثم صاروا الى غير نزلت بالابطح «٤» تحمل الخمر، فاشتروا كل خمر فيها فشربوا شهرا، ثم مر العباس بن عبد المطلب بدور بنى سهم عشيا، فسمع القينتين تغنيان بقول الشاعر:
انّ الغزال الّذى كنتم وحليته ... تقنونه لخطوب الدهر والغير «٥»
طافت به عصبة من شر قومهم ... أهل التّقى والعلى والبيت ذى الستر
واستقسموا فيه بالأزلام «٦» علّكم ... أن تحضروا بمكان الرأس والاثر
стр. 49
فعرف العباس أبا طالب، فجاء فى نفر حتى دنوا من الباب، فسمعوا أبا سامع يقول للقينتين: غنياهم بقولى:
أبلغ بنى النضر أعلاها وأسفلها ... أنّ الغزال وبيت الله- والركن
أمست قيان بنى سهم تقسّمه ... لم يغل عند نداماهنّ فى الثمن
وقهوة مزّة تغلى التجار «١» بها ... غانية عتّقت فى الدنّ من زمن
فلما صحوا، هرب بعضهم، وأخذت القينتان، فوجد عندهما القرطان، فقالتا: انما نحن أمتان فخليتا، وأخذ ديك فقطعت يده، وتجافوا عن أبى لهب لشرفه، وكان الغزال أهداه الى البيت اسفنديار الفارسى حين سمع بذكر البيت يحج إليه.
أول من كسا البيت
أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا عبد الله بن العباس، قال: حدثنا الفضل بن عبد العزيز قال: حدثنا ابراهيم الجوهرى قال: قال الواقدى: حدثنى حزام بن هشام عن أبيه قال: نهى رسول الله- ﷺ ان يسب أسعد الحميرى وهو تبع، وقال: انه أول من كسا البيت، وزاد غيره فقال: هو أبو كرب وهو أول من جعل للبيت مفتاحا، وقال:
وكسونا البيت الّذى حرّم الله ... ملاء معصّبا وبرودا «٢»
стр. 50
ونطاعا من الخصاف «١» فرشنا ... وجعلنا لبابه اقليدا «٢»
وقال فهاتان منقبتان لليمن ليس فى العرب لها أخت ولا سنة.
حدثنا باسناده عن الواقدى قال: حدثنى اسماعيل بن ابراهيم بن أبي ربيعة عن أبيه قال: كسى البيت فى الجاهلية الانطاع، ثم كساه النبى- ﷺ الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطى، «٣» ثم كساه الحجاج ديباجا، «٤» والصحيح ان أول من كساه الديباج ابن الزبير، وقيل يزيد بن معاوية، وقيل عبد الملك، وأول من خلق «٥» البيت ابن الزبير، وأول من أحرمه يزيد بن معاوية، وهم الذين كانوا يسترون البيت.
أول من نسأ النسىء القلمس
وهو حذيفة «٦» بن عبد فقيم وتوارثه بنوه فكان آخرهم الذى أدرك الاسلام أبو ثمامة.
أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا عبد الله عن الفضل عن إبراهيم عن الواقدى قال: كانت العرب اذا فرغوا من حجهم اجتمعوا بمنى اليه- يعنى القلمس فأحل لهم من الشهور ما أحل، وحرم ما حرم، فأحلوا ما أحل، وحرموا ما حرم، وكان اذا حرم أربعة الاشهر ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذى حرم الله حرموها، فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه وحرم مكانه صفرا
стр. 51
فحرموه، لتواطىء عدة أربعة الاشهر، فلما أرادوا الصدر «١» اجتمعوا اليه فقال: انى أحللت دماء المحلين من طىء وخثعم فاقتلوهم حيث ثقفتموهم، وانما أحل دماء طىء وخثعم لأنهما يصيبان الناس فى الاشهر الحرم، قال جندل الطعان يفتخر بالنسىء:
لقد علمت معدّ أنّ قومى ... كرام النّاس ان لهم كراما
وأىّ النّاس فاتونا بوقر «٢» ... وأىّ النّاس لم يعلك لجاما «٣»
ألسنا النّاسئين «٤» على معدّ ... شهور الحلّ نجعلها حراما
أول من بوب بمكة باب حاطب بن أبى بلتعة
وفيه نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
«٥» وكان كتب الى أهل مكة يعرفهم ان رسول الله- ﷺ يريد غزوهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة واحتج بها المرجئة «٦» وقالوا: هذا فعل مثل هذا الفعل ولم يخرج من الايمان، قيل لهم:
قال- تعالى- فى آخر الآية: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
افتسمونه ضبالا؟ فان قالوا نعم. قلنا: فى الخروج من اسم الايمان مثل ذلك، فان قيل: هذا يعنى أنه من يفعله بعد النهى والوعيد قلنا مثله.
стр. 52
أول من سقف بها بيتا وكانوا ينزلون العريش
واول من اتخذ بها روشنا «١» بديل بن ورقاء الخزاعى، وهو أول من بنى بها بيتا مربعا، وكانوا لا يبنون بها بيتا مربعا لان الكعبة مربعة فلا يبنون بها بيتا رفعا لشأنها وتشريفا لامرها، وأول من بنى بها بيتا سعد بن سهم فقال عبد الله بن وداعة يفتخر:
وسعد السعود جامع الشمل إنّه ... بدا الحلف والاحلاف أهل خلاف
وأوثق عهد الحلف والودّ بينهم ... بأمر حصيف «٢» فيهم ونصاف
وذلك ما أرسى ثبير»
مكانه ... وما بلّ بحر صوفة بنطاف
واول من بوب بمكّة بيته ... وسوّر فيها مسكنا باثاف
واكرم من تحت السماء أبوّة ... وأمجد أمّا عطّفت بعطاف
فذاك ابن نعم «٤» ساد غير مكلّف ... ولكن بأفضال «٥» وفضل عفاف
والنطاف جمع نطفة وهى الماء يقال نطفة عذبة أى ماء عذب.
стр. 53
ومن أوائل أفعالهم حلف الفضول
اخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا ابو عمر القاضى قال: حدثنا عبد الله ابن شبيب عن ابى بكر بن ابى شيبة عن عبد الله بن عروة عن حكيم ابن حزام، واخبرناه عن الطوس عن الزبير بن بكار عن رجل عن محمد بن حسن عن محمد بن فضالة عن هشام بن عروة عن عائشة، وأخبرناه عن ابى بكر بن دريد عن ابى حاتم عن أبى عبيدة، يزيد بعضهم على بعض، فجعلت أحاديثهم حديثا واحدا، ان رجلا من بنى زبيد من مذحج قدم مكة بسلعة فباعها من العاص بن وائل، وكان شريفا فظلمه ثمنها، وأبت الأحلاف- عبد الدار ومخزوم وجمع- ان يعينوه عليه، فأوفى الزبيدى على أبى قبيس «١» عند طلوع الشمس، وقريش حول الكعبة، فصاح بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائى الدار والنفر
ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا للرّجال وبين الحجر والحجر
هل محفر من سهم لخفرتهم ... فعادل أم ضلال مال معتمر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقال الزبير بن عبد المطلب: ما لهذا مترك، فاجتمعت زهرة وتيم وأسد فى دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعاما، فتحالفوا ليكونن يدا على الظالم للمظلوم حتى يردوا حقه اليه، وعلى التأسى فى المعاش، فقالت قريش قد دخل هؤلاء فى فضل من الامر، ثم أتوا العاص بن وائل، فانتزعوا سلعة
стр. 54
الزبيدى من يده فدفعوها اليه، وقال الزبير وكان صاحب هذا الحلف:
إنّ الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... ألّا يبيت ببطن مكّة ظالم
وورد رجل من خثعم مكة، ومعه بنت له يقال لها القتول، من أحسن الناس وجها فعلقها «١» نبيه بن الحجاج، وغلب عليها أبويها، فأتى أبوها حلف الفضول، فحالوا بينها وبينه، قال نبيه: أتركوها عندى الليلة: فقالوا:
ما أجهلك، ولا شخب «٢» ناقة، فقال نبيه:
لولا الفضول وحلفها ... والخوف من عدوانها
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
وشربت فضلة ريقها ... ولنمت فى أحشائها
وقال:
راح صحبى ولم أحى القتولا ... لم أودّعهم وداعا جميلا
إذ بدا للفضول ان يمنعوها ... قد أرانى ولا أخاف الفضولا
وقال النبى- ﷺ : قد شهدت مع عمومتى فى دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت عليه اليوم لأجبت، وما أحب أن سينقضى ولى حمر النعم، ثم كان بين الحسين- ﵇ وبين معاوية كلام فى أرض للحسين، فقال الحسين لابن الزبير خيره فى ثلاثة والرابعة الصلح: ان يجعلك او ابن عمر بينى وبينه، او يقر بحقى ثم يسألنى ان أهبه له، او يشتريه منى فان
стр. 55
أبى فوالذى نفسى بيده لاهتفن عليه بحلف الفضول، فقال ابن الزبير: والله لئن فعلت وأنا قاعد لأقومن، او قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحى مع روحك، ثم خيره بين ابن الزبير او ابن عمر، فقال معاوية: لا حاجة لنا فى الصلح، واشتراها منه، هكذا رواه لنا أبو أحمد عن الطوسى باسناده الذى تقدم، ورواه لنا أيضا فى كتاب أمراء المدينة أن هذه القصة كانت للحسين مع الوليد بن عقبة بن أبى سفيان وهو يلى المدينة.
أول من أهدى البدن الى البيت الياس بن مضر
وهو اول من وضع الركن بعد ذهابه فى الطوفان، وقال بعض المفسرين: إياه عنى الله تعالى فى قوله: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ
يعنى الياس بن مضر وأهل دينه جميعهم (بالواو والنون) «١» ، كأن كل واحد منهم الياس، وقال بعضهم الياس والياسين بمعنى واحد، كما تقول ميكال وميكائيل، وقرىء على آل ياسين يعنى محمدا- ﷺ .
أول من غير الحنيفية وبحر البحيرة وسيب السائبة وجعل الوصيلة والحام عمرو بن لحى
وهو عمرو بن ربيعة أبو خزاعة، وهو أول من ولى البيت منهم، ثم رحل الى قومه بالشام ورأى الاصنام تعبد فاعجبته عبادتها، وقدم مكة بهبل، ودعا الناس الى عبادته والى مفارقته الحنيفية، فأجابه الجمهور وأكثره من لم يجربه حتى استمر «٢» له ما أراد منه، وقال النبى- ﷺ : «أطلعت فى النار فرأيت عمرو بن لحى يجر قصبه فيها- والقصب المعا «٣» - وكان الأصل فى عبادة الاوثان، ان قوما من الأوائل اعتقدوا ان الكواكب تفعل أفعالا تجرى فى
стр. 56
النفع والضر مجرى أفعال الآلهة على حسب ما يعتقده بعض أهل التنجيم، فاتخذوا عبادتها دينا، وأراد ملوكهم ورؤساؤهم توكيده فى أنفسهم والزيادة فيه عندهم، وذلك ان الملك يحتاج الى الدين كحاجته الى الرجال والمال، لأن الملك لا يثبت الا بالتبعة، والتبعة لا تكون الا بالإيمان، والإيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذا لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد من أمر الملك بالدين، فصنعوا لهم الاصنام على صور الكواكب التى يعبدونها بزعمهم، ليشاهدوها من قرب فتحلوا فى نفوسهم، وتزكوا محبتها فى قلوبهم، ثم انتشر ذلك فى أكثر الارض، وعم جل «١» الأقاليم، وسمعت المشايخ يذكرون ان بعض المراكب اخطأ السمت «٢» فى بعض البحار حتى انتهى أهله إلى جزيرة، واذا فيها ناس لم يعرفوا قط أن فى الارض ناسا غيرهم، وعرف بدلائل المكان ان أحدا منا لم يخلص اليهم قط، واذا هم يعبدون الاصنام، ووقفوا من جهتهم بالاشارة الى ان السبب الذى دعاهم الى عبادتها هو الذى ذكرناه فى أمر الكواكب وهذا من أعجب ما فى هذا الباب والله أعلم.
وزعمت العرب أنها تعبد الاصنام لتشفع لها عند الله، وهذا مثل ما حكى عن بعض السؤال أنه كان يقول «اللهم ارزق الناس حتى يعطونى» فقال له أبو الحارث حميد: مالك تسأل الله سفتجة «٣» بالرزق، سل الله يرزقك، وكان ينبغى للعرب أن يعبدوا الله ليرحمهم، ولا يحتاجون الى اقامة شفيع.
وعمرو بن لحى اول من بحر البحيرة وسيب السائبة وجعل الوصيلة والحام.
والبحيرة: الناقة اذا نتجت خمسة أبطن، فان كان الخامس أنثى بحروا
стр. 57
أذنها أى شقوها، وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها، وان كان ذكرا نحروه للآلهة، ولحمه للرجال دون النساء.
والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل ان سلمه الله من مرض أو بلغه منزلة ان يفعل ذلك، فلا يحبس عن رعى ولا ماء ولا يركبه أحد.
والوصيلة: من الغنم كانوا اذا ولدت الشاة سبعة أبطن فان كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وان كان أنثى تركت، وان كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم تذبح لمكانها وكان لبنها وجميع منافعها حراما على النساء، وان وضعته ميتا اشترك فى أكله الرجال والنساء.
وقالوا: السائبة الانثى من الابل، يسيبها الرجل لآلهته، ومن البقر والغنم فيكون ظهورها وأولادها وأصوافها واوبارها وأشعارها للآلهة، والبانها للرجال دون النساء.
والحامى: الفحل اذا ركب ولد ولده، وقالوا: اذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره، فلا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.
стр. 58
الباب الثانى فيما جاء من ذلك عن عامة أهل الجاهلية
стр. 59
أول ما قيل الجاهلية
جاءت امرأة الى رسول الله- ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن إبلا لى أصيبت فى الجاهلية، فأنزل الله تعالى الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى
«١» وكانت قريش تسمى فى الجاهلية العالمية لفضلهم وعلمهم، قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب
ألسنا أهل مكّة عالميا ... وأدركنا السلام بها رطابا
والسلام الحجارة والعرب تزعم أن الحجارة كانت رطبة لينة قال ابن العجاج:
قدّ كان ذلكم زمن الفطحل «٢» ... والصخر متبلّ كطين الوحل
وقال مقاتل بن سليمان: أثرت قدم ابراهيم- ﵇ فى الصخر كتأثير أقدام الناس فى ذلك الزمان فى الصخور، الا أن الله تعالى سوى تلك الآثار وعفاها ومسحها ومحاها سوى أثر قدم ابراهيم- ﵇ تكرمة له، وارادة لتخليد ذكره وكانوا يقولون ان كل شيء كان يعرف وينطق قال أمية:
بآية كان ينطق كلّ شىء ... وخان أمانة الديك الغراب
стр. 60
ويقولون ان الاشجار لم يكن لها شوك، قال الشاعر:
وكان رطيبا يوم ذلك صخرها ... وكان حصيدا طلحها وسيالها «١»
وان ذلك انما تغير حين عصى ابن آدم فى قتله أخاه، وان الأرض لما شربت من دم المقتول عوقبت بعشر خصال: أنبت فيها الشوك، وصير فيها الفيافى «٢» . وخرق فيها البحار، وملح طعمها، وطعم أكثر مياهها، وخلق فيها الهوام والسباع، وجعلت قرار العاصين، وصير جهنم فيها، وجعل ثمرها لا يأتى إلا فى حين، وجعلت توطأ بالأقدام، ثم لم نشرب بعد دم أحد من ولده ولا غير ولده، قال عمر «٣» لأبى مريم الحنفى: وكان قتل أخاه زيدا يوم اليمامة «انى لاشد بغضا لك من الأرض للدم» فقال أبو مريم: أو يضر بى ذلك؟ قال لا: قال فلا أبالى، ويقال: ان الحية كانت مثل الجمل، وكانت تطير، فدخل فيها ابليس، فطارت به حتى أدخلته الجنة، فأغوى آدم، فسيرت ملعونة، قال عدى بن زيد:
وكانت الحيّة الرّقطاء «٤» إذ خلقت ... كما ترى ناقة فى الخلق أو جملا
قال: فعوقبت بقص جناحيها، وقطع أرجلها، واعراء جلدها، وشق لسانها، والقاء عداوة الناس عليها، ونسب الكذب والظلم اليها، فقيل:
أكذب من حية، وأظلم من حية، وكذبها ان تنطوى فى الرمل على الطريق فتصير كأنها طبق خيزران، ومنها حيات بيض تستدير فتحسب خلاخيل أو أساور، وذلك لتغرى الناس فتهلكهم، وظلمها أنها لا تمر بجحر فتدخله الا هرب صاحبه منه وخلاه، الى غير ذلك من حشو كثير وتخليط طويل عريض.
стр. 61
أول من خطب على العصا والراحلة قس بن ساعدة الايادى
وهو أول من أظهر التوحيد بمكة، وما حولها مع ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، ولو لم يكن من فضل قس الا أن النبى- ﷺ روى عنه لكفاه فخرا.
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان عن يحيى ابن عبد الحميد الوراق عن أبى معاوية عن الاعمش عن مسلم بن مسروق عن عبد الله قال: قدم وفد أياد على النبى ﷺ فقال: ما فعل قس بن ساعدة؟ قالوا: هلك يا رسول الله، فقال كأنى أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر ويقول:
أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، «١» وأنهار مجراة، إن فى السماء لخبرا، وان فى الارض لعبرا، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسما لا أثم فيه، ان لله دينا هو أرضى له وأفضل من دينكم الذى أنتم علية، إنكم لتأتون من الامر منكرا ثم انشأ.
فى الذاهبين الأوّلين ... من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مواردا للموت ... ليس لها مصادر
ورأيت قومى نحوها ... يمضى الأكابر والاصاغر
لا يرجع الماضى الىّ ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر
وقال النبى ﷺ : (يعرض هذا الكلام يوم القيامة على قس بن ساعدة فإن كان قاله لله فهو من أهل الجنة)
стр. 62
وهو أول من قال (أما بعد) أخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم عن العقدى عن بعض رجاله قال: أوصى قس بن ساعدة ولده فذكر الله ثم قال:
(أما بعد) - وهو أول من قالها- فان المعا تكفيه البقلة، وترويه المرقة، ومن عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك يجد من يظلمه، وإن عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك، وإذا نهيت عن شىء فابدأ بنفسك، ولا تجمع مالا تأكل، ولا تأكل مالا تحتاج إليه، وإذا أخرت فلا يكونن كنزك الا فعلك، وكن عف العيلة، «١» مشترك الغنى، تسد قومك، ولا تشاور مشغولا وان كان حازما، ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا تدع فى عنقك طوقا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك، وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فأقصر، ولا تستودعنّ سرك أحدا، فانك ان فعلت ذلك لم تزل وجلا، وكان المستودع بالخيار، إن جنى عليك كنت أول ذلك، وإن وفى لك كان الممدوح دونك.
وقالوا: أول من قال (أما بعد) داود ﵇ وهو قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
«٢» أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن زياد ابن الخيل عن إبراهيم بن المنذر عن عمر بن عبد العزيز عن أبى الزناد عن أبيه عن بلال بن أبى بردة عن جد أبى موسى أنه قال: فصل الخطاب (أما بعد) وقال الشعبى كذلك، ومعناه أنه يفصل بين الحمد لله وغيره مما سابق البربرى: يبتدأ «٣» وبين ما يجىء بعده من القول، قال الشاعر:
باسم الذى أنزلت من عنده السّور ... والحمد لله أمّا بعد يا عمر
فإن رضيت بما يأتى وما يذر ... فكن على حذر قد ينفع الحذر
стр. 63
وقال آخر:
سارعى منك ما ضيّعت منّى ... وهل يرعى لذى غدر ذمام
وأمّا بعد فالدّنيا علينا ... مكدّرة لفقدك والسلام
والمراد أنها لا تقع مبتدأة، ويجوز أن تقع بعد بسم الله الرحمن الرحيم، ولا بد من مجىء الفاء بعدها، لأن أما لا عمل لها الا اقتضاء الفاء، لأن الفاء تصل بعض الكلام ببعض وصلا لا انفصال بينه ولا مهلة فيه، وأما فاصلة، وأثبت بالفاء لرد الكلام على أوله، وقال الضحاك بن مزاحم: فصل الخطاب العلم بالقضاء، وقال شريح والحسن: فصل الخطاب الشهود والايمان، ذهبا إلى أنه بهما يجب الحكم وتفصل الأمور.
وهو أول من كتب من فلان إلى فلان، رأيت فى بعض الكتب أن قسا كتب إلى بعض من هو على أول من كتب من فلان إلى فلان نحلته، من قس بن ساعدة، إلى فلان بن فلان- وهو أول من كتب بذلك- ورأيت بعده كلاما زدنا فى اللفظ والوصف عليه، فأخذت معناه، وكسوته الألفاظ من عندى، وزدت عليه ليحسن، أما بعد فانك لا تفوتك ربك بنفسك، فكن عند رضاه، وأحذر سخطه يكفك المهم، ويدرأ «١» عنك غائبة الملم، وانظر ماذا تجرح «٢» فإنك مجزى بما تكدح، «٣» وكن لله يكن لك، وعليك بالصبر فإنه من أوكد أسباب النصر، واياك والإضاعة «٤» فإنه لا يبقى عليها الكثير، ولا يتبين معها القليل،
стр. 64
ولا تصحبن أحمق «١» ولا فاجرا ولا بخيلا، فالأحمق يوثقك، «٢» والفاجر يوبقك، «٣» والبخيل يسلمك، واعلم أنه إذا أهملت نفسك لم تجد من يرعاها، فتول من اصلاحها ما لا يقدر عليه غيرك والسلام.
أول من قضى فى الخنثى عامر بن الظرب العدوانى
أخبر أبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن إبراهيم الجوهرى عن الواقدى قال: لم يكن فى العرب عضلة الا أسندت إلى عامر بن الظرب، سئل عن الخنثى «٤» أتعطى حظ الذكر أم حظ الأنثى؟ فلم يدر ما يقضى فيه، فقالت جاريته «٥» : اجعله ليقم فليبل، فإن خرج البول مما يكون للرجال فهو رجل، وإن خرج مما يكون للنساء فهى امرأة، فقضى به فاستمر، ثم ثبت فى الإسلام فى كلام هذا معناه.
وكان يقول فى وصيته: ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، وما رأيت موضعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس، ولو كان يميت الناس الداء لاحياهم الدواء، سيرجع الميت حيا، ويعود لا شىء شيئا، فنفرت العرب عنه، فقال: ويل أمها نصيحة لو كان من يسمعها يقبلها.
أول من رجم فى الزنا ربيعة بن حدار الأسدى
وذلك أن امرأة منهم هويت «٦» رجلا، واحتالت حتى هربت إليه،
стр. 65
وأوهمهم أنها هلكت، ثم لقيها بعض بنيها فعرفها، ورفع أمرها إلى ربيعة بن حدار الأسدى، فأمر برجمها فرجمت، وذكر أنها تمارضت ثم تماوتت حتى حملت إلى المقابر فدفنت، فلما انصرف القوم عطف عليها صديقها فأخرجها وذهب بها والله أعلم، وهذا بعيد، على أن النساء مع ضعف عقولهن ربما أبدعن فى الحيلة وأجدن المكيدة، ولا تتم حيلهن إلا على الرجال، لاستضعافهم لهن واستغبائهم إياهن وظنهم أن المرأة ليس لها قوة ولا عزيمة، ولا يغلبك مثل مغلب.
ومن حيلهن ما حدثنا به أبو القاسم الكاغدى قال: أخبرنا العقدى عن المدائنى أن ابن زائدة فى فوارس لقوا رجلا ببعض بلاد الشرك معه جارية لم ير مثلها شبابا وجمالا، فصاحوا به أن خل عنها ومعها قوس فرمى بعضهم فجرحه فهابوا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمى فانقطع وتره، فأسلم الجارية واشتد فى جبل كان قريبا منه، فابتدروها»
وفى أذنها قرط فيه درة فانتزعها بعضهم فقالت:
ما قدر هذه؟ كيف لو رأيتم درتين فى قلنسوته «٢» فاتبعوه فقالوا: ألق ما فى قلنسوتك، وفيها وتر قوس كان أعده ونسيه، فلما ذكروه عقده فى قوسه، فولى القوم ليس لهم هم إلا أن ينجوا بأنفسهم، وخلوا عن الجارية.
وأخبرنا باسناده عن المدائنى قال: كان لرجل من الخوز ضيعة بالبصرة يغشاها فى كل حين، فتزوج بالبصرة فبلغ امرأته الخوزية ذلك، فلطفت حتى عرفت اسم ولى امرأته، فافتعلت كتابا منه إلى زوجها تعلمه فيه أنها ماتت، فينبغى أن ترد البصرة لقبض ميراثها، فلما أصلح الرجل أمره للخروج قالت له:
يا هذا قد أنكرت طول اختلافك إلى البصرة وقد تخوفت أنك تزوجت بها، فلا تفارقنى حتى تطلق كل امرأة لك بالبصرة، فقال فى نفسه: ما على أن أرضى هذه بما لا يضرنى، فحلف بالطلاق على كل امرأة بالبصرة، فلما فرغ قالت
стр. 66
له: دونك الجهاز فكله فى بيتك، فقد كفاك الله مؤونة السفر.
وأخبرنا باسناده عن المدائنى عن خالد بن كلثوم أن الفرزدق كان قد راود امرأة شريفة فى قومها عن نفسها، وتهددها بالهجاء إن لم تطعه، فاستعانت بالنوار امرأة الفرزدق، فقالت النوار: واعديه الليلة وأعلمينى ففعلت، فجاءت النوار ودخلت الحجلة، «١» وجاء الفرزدق ودخل ونحى السراج.
فلما واقعها قالت: يا فاسق، قال: وأنت هى ما أطيبك حراما وأردأك حلالا.
وأخبرنا بإسناده عن المدائنى عن الأصمعى عن الأخيل بن أبى الأخيل عن أدهم التميمى قال: لقينى كثير عزة فقال: لقينى جميل فى الموضع الذى لقيتنى فيه فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أمى الحبيبة أعنى بثينة قال: وأين تريد؟ قلت: إلى الحبيبة أريد عزة، قال: لا بد من أن ترجع عودك على بدوك فتستجد لى موعدا من بثينة، فقلت: عهدى بأبيها، قال: لا بد، قلت: فمتى آخر عهدك بهم؟ قال: بالدوم وهم يرحضون «٢» ثيابهم، قال: فأتيت إياها فقال: ماردك يا ابن أخى؟ قلت أبياتا عرضت لى فأحببت عرضها عليك، فأنشدته:
فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبى ... على نأى «٣» دار والموكّل مرسل
بأن تجعلى بينى وبينك موعدا ... وأن تأمرينى بالّذى فيه أفعل
стр. 67
وآخر عهدى منك يوم لقيتنى ... بأسفل وادى «١» الدوم والثّوب يغسل
فضربت بثينة جانب الخدر، وقالت: أخسأ فقال أبوها: مهيم «٢» يا بثينة؟ قالت: كلب يأتينا اذا نوم الناس من وراء الرابية، قال: فرجعت إليه، فأخبرته أنها وعدته اذا نوم الناس.
وأخبرنا باسناده عن المدائنى عن العتبى قال: كانت امرأة من بعض نساء أهل الشويرة «٣» خطبها رجال من قريش منهم عبد الله بن عباس بن أبى ربيعة، فسأل عن أغلب الناس عليها، فقيل: مولاة لها، فبذل لها الفى درهم ان احتالت فى صرفها إليه، فخلت بها المولاة، ونصبت ذراعها تحت حنكها تنظر فى وجهها، وتتنفس الصعداء فقالت: مالك؟ قالت: أرحمك قالت:
ولم؟ قالت: إن المرأة لا تنعم إلا بزوج وولد، قالت: قد خطبنى رجال من قريش فلان وفلان وعبد الله ابن عباس، فقالت: أف أف «٤» لا تريدينه؟ إنى رأيته يبول، ورأيت بين رجليه رجلا ثالثة، فردت جميع من خطبها وأجابت عبد الله، فلما دخل بها رأته مثل الدر اللطيف فباتت بشر ليلة، وقالت لمولاتها: بكم بعتنى؟ قالت: بالفين، قالت لا أكلتيها الا فى مرض.
أول من حكم أن الولد للفراش أكثم بن صيفى
وكانت العرب لا تقدم عليه أحدا فى الحكمة، ومن كلامه: أن قول
стр. 68
الحق لم يدع لى صديقا، الاقتصاد أبقى للجام، «١» من لم يأس «٢» على ما فاته ودع نفسه، من قنع بما هو فيه غنى، التقدم قبل التندم، رأس الأمر خير من ذنبه، لن يهلك أمرؤ عرف قدره، ولم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله، أخذ بعضهم رأس الأمر خير من ذنبه فقال:
ورأس أمر الفتى ... خير له من ذنبه
وقريب منه قول ابن الرومي:
أبنىّ إنّ فضول الحظّ ميسمة «٣» ... فانظر لنفسك بعض الحظّ واتّرك
وكن قلنسوة المملوك تحظ به ... ولا تكوننّ نعلى بذلة الملك
وقريب من قوله: من لم يأس على ما فاته ودع نفسه، قول الآخر: إن حزنت على ما فات فاحزن على ما لم يأت، وقال النابغة:
اليأس عمّا فات ينفع راعيه «٤» ... ولربّ مطعمة تعود ذباحا
أول خلع كان ثم أثبته الإسلام ما كان من عامر بن الظرب
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشى عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عدى عن مجالد عن الشعبى قال: كان من حديث عامر بن
стр. 69
الظرب أنه زوج ابنته ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، وقال لأمها حين أراد البناء بها، قولى لابنتك: لا تنزلن فلاة إلا ومعها ماء، وأن تكثر استعمال الماء، فإن الماء جعل للاعلى جلاء وللأسفل نقاء، وإياك أن تميلى إلى هواك ورأيك، فإنه لا رأى للمرأة، ولا تستكرهن زوجها على نفسه، ولا تمنعه عند شهوته فإن الرضا فى الاتيان عند اللذة ولا تكثر مضاجعته فإن الجسد إذا مل مل القلب، فلما دخلت الجارية عليه نفرت منه، ولم ترده فأتى ابن أخيه العم، فشكا إليه، فقال له: يا ابن أخى، إنها وإن كانت ابنتى فإن نصيبك الأوفر، فاصدقنى فإنه لا رأى لمكروب، «١» وان صدقتنى صدقتك، ان كنت نفرتها فاحفظ عصاك عن بكرتك تسكن، وإن كانت نفرت عنك من غير تنفير منك فذلك الداء الذى لا دواء له، والا يكن وفاق ففراق، وأجمل القبيح الطلاق، ولن يترك «٢» أهلك مالك، وقد خلعتها منك، وأعطيتك مهرها، وهى فعلت ذلك بنفسها، فزعم العلماء إن ذلك أول خلع كان.
أول من رفع له الشمع وأول من احتذى بالنعال وأول من وضع المنجنيق وأول من ملك قضاعة بالحيرة جذيمة الأبرش
وكان أبرص فكنى عنه بالأبرش والوضاح، على أن بعض العرب تتبرك بالبرص وتمدحه قال ابن حبناء
لا تحسبنّ بياضا فىّ منقصة ... إنّ اللهاميم «٣» فى أقرانها بلق
стр. 70
وقال آخر:
يا كأس لا تستنكرى نحولى ... ووضحا أوفى على خصيلى «١»
فإنّ نعت الفرس الرحيلى «٢» يكمل بالغرّة والتحجيلى «٣» وقال آخر:
أبرص فيّاض اليدين أكلف «٤» والبرص أندى باللهى وأعرف «٥» وقال آخر:
نفرت سودة عنّى إذ رأت ... صلع الرأس وفى الجلد وضح
قلت يا سودة هذا والّذى ... يفرج الكربة عنّا والكلح
هو زين لى فى الوجه كما ... زيّن الطرف تحاسين القرح
وزعم أبو نواس أن جذيمة كان يفخر بالبرص ولو كان كذلك لما كنى عنه بالبرش والوضح وزعم أن بلعاء بن قيس لما شاع فى جلده البرص قيل له ما هذا؟ قال: سيف الله جلاه وقال آخر:
ليس يضرّ الطرف توليع البهق ... إذا جرى فى حلبة الخيل سبق
стр. 71
وكان الذى ملك جذيمة على ثغر العرب ازدشير بن بابك، وأنزله الحيرة، وكان عقيما لا يولد له، واختلف فى نسبه فقيل: من العماليق، «١» وقيل: من الأزد، وقيل: من تنوخ، وكان شديد الكبر، فمن كبره أنه كان ينادم الفرقدين «٢» ذهابا بنفسه، يشرب قدحا، ويصب لكل منهما قدحا، قال متمم:
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتىّ قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
حتى نادمه مالك وعقيل، وفيهما يقول الشاعر:
تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء «٣» لو علمت جليل
فلا تحسبى أنىّ تناسيت عهده ... ولكنّ صبرى يا أميم جميل
ألم تعلمى قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل
وجذيمة هو الذى يقول:
أضحى جذيمة فى تزيين منزله ... قد حاز ما جمعت من قبله عاد
стр. 72
وكان من أحسن الناس وجها، فخطب «١» الزباء بنت عمر ابن طريف من العماليق، وكانت على الشام والجزيرة من قبل الروم، وكانت قد بنت على شاطىء الفرات من الجانبين قصورا ومدائن، وهى إلى اليوم قائمة خربة، وكانت حصينة لا يسلكها سالك، ولا يدركها طالب، وقد سقفت فى الفرات أنفاقا بين مدينتيها، تفزع إليها إذا حزبها أمر، وكانت تغزو من حولها من العرب، فغزت دومة «٢» الجندل وتيماء، «٣» وهو الأبلق، فامتنع عليها، فقالت: «تمرد مارد «٤» وعز الابلق» «٥» فأرسلتها مثلا، فاجابت جذيمة، وكانت بكرا، فجمع أصحابه فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضى، وخالفهم قصير بن سعد اللخمى، وكان لبيبا، وقال: إن النساء يهدين إلى الأزواج، فعصاه وسار حتى كان بمكان يدعى بقة بين هيت والأنبار، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالشخوص إليها، لما علموا من رأيه فيها، فقال له قصير: انصرف ودمك فى وجهك فأبى، فقال قصير: «لا يطاع لقصير أمر» ، فأرسلها مثلا، وطعن جذيمة حتى عاين مدينتها، والكتائب دونها هالة، فقال لقصير: ما الرأى؟ فقال:
(تركت الرأى ببئر بقة) ، ثم قال: وعلى هذا إن لقيتك الكتائب فحيوك تحية الملوك، وساروا أمامك. فقد كذب ظنى، وإن أخذوا جنبيك فإنى معرض لك العصا، وهى (لا يشق غبارها) .
(وكان جذيمة استعمل على ملكه ابن أخته عمرو بن عدى بن النضر بن ربيعة اللخمى، فلم يشعر ذات يوم أن رأى العصا عليها قصير فقال: (خبر ما جاءت به العصا) فأخبره قصير الخبر، وقال: أطلب بثأرك منها قال: (كيف وهى
стр. 73
أمنع من عقاب الجو) ؟ فقال قصير: أما إذا أبيت، فإنى سأحتال (فدعنى وعداك ذم) «١» فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم أتى الزباء، فقالت: (لأمر ما جدع قصير أنفه) فقال: أتهمنى عمرو فى مشورتى على خاله بإتيانك فجدعنى، فلم تقر نفسى عنك، وان لى مالا كثيرا بالعراق، فأعطينى شيئا، وأرسيلنى بعلة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه من طرائف العراق، ففعلت، فأطرفها وزادها مالا كثيرا، وقال: هو ربح، فاعجبها وسرت به، فردته ثانية، فأطرفها وزادها، وتلطف حتى علم موضع الانفاق، ثم ردته ثالثة، فأتى عمرا فقال: أحمل الرجال فى الصناديق على الابل، ففعل، وفيهم عمرو، فلما وافاها، نظرت إلى العير، فقالت: إن العير لتحمل صخرا أو تطأ فى وحل، وصنع لها رجز فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا «٢» أجندلا «٣» يحملن أم حديدا
أم صرفانا» تارزا شديدا ... أم الرّجال جثّما قعودا «٥»
ودخلت العير المدينة، وكانت أفواه الجواليق مربوطة من قبل الرجال فحلوها، ووقعوا إلى الأرض مستلمين، وشدوا عليها فخرجت هاربة تريد السرب، فاستقبلها قصير وعمرو فضربها عمرو فقتلها، ويقال: بل كان لها خاتم فيه سم فمصته، وقالت: (بيدى لا بيد عمرو) «٦» فماتت، وسبيت الذرارى، ونهبت الأموال، فقالت العرب فى أمرها أشعارا كثيرة: فمن ذلك
стр. 74
قول المتلمس:
ومن حذر الاوتار ما حزّ أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس
وقال نهشل:
ومولى عصانى واستبدّ برأيه ... كما لم يطع بالبقّتين قصير
فلمّا رأى ما غبّ أمرى وأمره ... وولّت بأعجاز الأمور صدور
تمنّى أنيسا أن يكون أطاعنى ... وقد حدثث بعد الأمور أمور
وقال عدى بن زيد «١»
ألا يا أيّها المترى المرجّى ... الم تسمع بخطب الأوّلينا
دعا بالبقّة الأمراء يوما ... جذيمة ينتحى عصبا تبينا «٢»
فطاوع أمرهم إلّا قصيرا ... وكان يقول لو تبع اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولان تدينا
ففاجأها وقد جمعت فيوجا «٣» ... على أبواب حصن مصلتينا
стр. 75
فأردته ورغب النفس يردى ... ويبدى للفتى الحين المبينا
وحدّثت العصا الانباء عنه ... ولم أر مثلها فرسا هجينا «١»
وقدّدت الأديم لراهشيه «٢» ... وألفى قولها كذبا ومينا
ومن حذر الملاوم والمخازى ... وهنّ المندبات لمن منينا
أطفّ «٣» لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا
فأهواه لمارنه «٤» فأضحى ... طلاب الوتر مجدوعا مشينا
وصادفت امرأ لم تخش منه ... غوائله وما أمنت أمينا
فلمّا ارتدّ منها أرتدّ صلبا ... يجرّ المال والصّدر الضغينا «٥»
أتتها العيس تحمل مادهاها ... وقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الانفاق عمرا ... بشكّته «٦» وما خشيت كمينا
следующие страницы →