← Адаб

Адаб · id 10529

الأوائل للعسكري

أبو هلال العسكري

Полный текст (423 стр.). Показаны 386–423 · переход к 391.

стр. 386

فقال: انكن- معشر النساء- خلقتن لنا أفراجا، وخلقنا لكم أزواجا، فاذا ملكناكن أرتجن لنا ارتجاجا، «١» فنولجه فيكن ايلاجا، فتخرجن أولادا انتاجا، قالت: صدقت. ثم قال: ألا قومى الى البيت ... فقد هيىّ لك المضجع فان شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع وان شئت سلقناك ... وان شئت على أربع قالت: بذلك أوحى الى. قال: هل لك أن تزوجينى نفسك، فيكون الملك بيننا، ونخفف عن عشيرتنا؟ قالت: نعم. فتزوجها وانطلق الى اليمامة، وتركت الجمع الذى كان معها بالصمان، ورفع مسيلمة عن بنى تميم صلاة الغداة «٢» والظهر والعشاء، وقال: ان بنى تميم لقاح لا أتاوة عليهم- يعنى الخراج- فعامة بنى تميم لا يصلون هذه الصلوات الى اليوم فلم تزل عند مسيلمة الى ان قتل، فهربت فلم توجد، ثم أسلمت فتزوجها رجل من قومها، فولدت له ثلاثة وماتت بالبصرة. قالوا: ولما وقع عليها مسيلمة، خرجت هى قومها وهى تنظف عرقا، قالوا: ما عندك؟ قالت: وجدته أحق بالامر منى، فبايعته، وزوجته نفسى، قالوا: ومثلك لا يتزوج بغير مهر؟ فقال مسيلمة: جعلت مهرها ان رفعت عنكم صلاة الغداة والعتمة، «٣» فقد أوحى الى بذلك. قالوا: وما هو؟ قال: ضفدع بنت ضفدعين رأسك فى الماء ورجلك فى الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الاكرمين، قومى ادخلى التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمدين، فرضوا، فلما عرف قومها حالها قال عطارد بن

стр. 387

حاجب بن زرارة: أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا فلعنة الله ربّ النّاس كلّهم ... على سجاح ومن بالإفك أعوانا أعنى مسيلمة الكذّاب لا سقبت ... أصداءه غيث مزن حيث ما كانا «١» وقال الاغلب العجلى: انّ سجاحا لاقت الكذّابا ... سألها فأعيت الجوابا وهتكت عن سترها الحجابا ... فلا أهلا لقيت ولا رحابا أول امرأة لبست المصبغات فى الإسلام شميلة أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن شباب بن خياط عن الهيثم بن عدى عن ابن عباس عن الشعبى قال: كانت شميلة أول من لبست المصبغات، وعملت السقوف، وعبأت الطيب، وكانت تحت ابن عباس، فربما أخذ دملجها «٢» فتأتى به امرأة ذرعة بنت مشرح أم على فتقول: هذا طوق شميلة، فتقول: انه لحسن فتقول: انه والله دملجها، فتقول: لا بارك الله لك ولا لها! وكان ابن فسوة وهو عتيبة بن مرداس قد أتى ابن عباس فحجبه، «٣»

стр. 388

فجعل يهجوه، ويذكر شميلة، فمما قال: أتيت ابن عبّاس أرجّى نواله ... فلم يرج معرفى ولم يخش منكرى وقال لبوّابيه: لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب من كلّ منظر ويسمع أصوات الخصوم وراءه ... كصوت حمام فى القليب المغوّر فلو كنت من زهران قضيّت حاجتى ... ولكنّنى مولى جميل بن معمر فليت قلوصى عرّيت أو رحلتها ... الى حسن فى داره وابن جعفر اذا هى همّت بالخروج يصدّها ... عن القصد مصراعا منيف محيّر يطالع أهل الشّوق والباب دونه ... بمستفلك الذّفرى أسيل المذمّر «١» أول ما عرفت الجمازات ان أم جعفر أمرت الرجالين فى بعض مسيرها خلف الرشيد، أن يزيدوا فى سير البختية، وخافت فوت الرشيد، فلما حركت مست ضروبا من المشى من المرفوع وجمزت «٢» فى خلال ذلك، ووافقت امرأة حسنة الاختيار، تفهم الامر، فوجدت لذلك الجمز رائحة، ومع الراحة لذة، فأمرتهم ان يسيروها تلك المسيرة، فمازالوا يقربون ويبعدون، ويخطئون ويصيبون، وهى فى

стр. 389

خلال ذلك تخطئهم وتصوبهم، حتى شدوا من معرفة ذلك شدوا، «١» ثم انها قرعتهم لاتمام ذلك حتى تم واستوى، وقد تقع مثل هذه الامور اتفاقا، كما سقط الناطق «٢» من كف الاجير فى الصفر «٣» المذاب فخاف أهله فساده، ثم رأوا ما أعطى من اللون فعملوا فى الزيادة والنقصان، وكان ذلك فى دولة الاسلام، ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الشبه البتة. أول امرأة جلدت فى زنبيل أم جعدة الليثى وهى جدة بنى جعدة، أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن يحيى بن أبى غسان عن بحر بن على، ان ابنة لعثمان بن عفان كانت تحت مروان بن الحكم،- وهو يومئذ أمير على المدينة- وكانت تحب الحديث، وكان ممن يحدث اليها رجل من بنى ليث، ثم أحد بنى سجع يقال له: عبد الرحمن بن عمر بن شييبة، وكان يلقب خان الجمال وكان ذلك يبلغ مروان فيكذب به، وكان أخوا مروان عبد الرحمن ويحيى يطالبان أن يخلى بينه وبينهم، فبينما هم على ذلك إذ خرج مروان حاجا، فبلغ أخوته حين دخلوا مكة ان قد أدخلته، فرفعوا ذلك الى مروان. وقالوا: ائذن لنا ننهض اليه فنقتله، فزجرهم عن ذلك فألحوا عليه، حتى اذا كان يوم النفر الأول ألحوا عليه فقال: دونكم وما تريدون، فخرجوا، وسمع ذلك خصى على رأس مروان فانسل، وجعل يسأل عن منازل بنى ليث، حتى دخل عليهم، فوجد عبد الرحمن بن جحش،- وهو ابن عم الرجل- فقال له: تعرف ابن عمك خان الجمال؟ قال: نعم. قال: تعلم ان بنى الحكم، قد استأذنوا الامير ان يخرجوا ليقبضوا عليه فى دار مروان؟ قال وما علمك بذلك؟ قال:

стр. 390

كفيتك. أنه عندها فر رأيك. ثم ولى. قال فقلت: أبعده الله وأسحقه! ثم أدركتنى الرحم فقمت الى ناقتى الزلوج فارتحلتها، ثم أخذت بزمامها حتى جئت العقبة، فسألت عندها: هل رمى أحد؟ قالوا: نعم. مر الآن ركب متنكرون فرموا ثم ولوا سراعا. فرميت ثم مضيت سريعا، حتى دخلت المسجد الحرام، فسألت أهل الطواف عنهم فقالوا: نعم طاف الآن بنو الحكم وغلمان لهم، ثم مضوا على رواحلهم، فركبت، فلا أمر على أحد الا قالوا: مروا سراعا، حتى نزلت السرج، «١» فأشير لى اليهم، أنظر الى عمائمهم، فسرت حتى أمسيت، وجاوزت بريديدعة، «٢» نظرت الى بياضهم معرسين، قال: فنزلت وعلقت الزمام الى عنق راحلتى، ثم خرجت وخرجت وراءها، وعدلت ذات الشمال عن المحجة، فاستيقظ رجل منهم فقال: من هذا؟ قلت: فحام، قال: أمض راشدا حتى اذا تواريت منهم أنخت وركبت، ووضعت السوط فى الراحلة، فجئت المدينة من الغد، حيث صليت العتمة، فأنخت عند باب المسجد الذى عند باب مروان- والقاضى أبو هريرة- فسألت عنه فقيل: انصرف، وأخذت بحلقة المسجد، وصحت بأعلى صوتى- أنا عبد الله بن جحش وقد سبقنا الحاج، وتركت الامر صالحا، لا يقولن أحد انى كنت قبله، ورددت ذلك مرارا حتى علمت أن من فى الدار قد سمع صوتى، فلما رأيت ذلك قلت أيضا: أنا ابن جحش وهى الزّلوج ... حمراء فى حاركها دموج «٣» كأنّ فاها قتب مفروج ... يأيّها الفوّاقة والولوج «٤»

стр. 391

أخرج فقد آن لك الخروج ... أتاك بالقوم مطايا عوج «١» لهنّ من طول السّرى ضجيج قال: وكان مروان قد اتهم أم جعدة التى تمشى بين خان الجمال وبين زوجته، فأخذها- وكانت عظيمة ذات خلق- وأمر بها فجعلت فى مكتل، ثم ربط عليها وهى فيه- فكانت اول امرأة جلدت فى مكتل.

стр. 392

الباب التاسع فيما جاء عن العجم خاصة

стр. 393

أول من اتخذ النيروز عيدا أجمعت الفرس ان جم الملك أول من اتخذ النيروز «١» عيدا، وجعل تعظيمه دينا، وهو الذى بنى مدينة طوس «٢» وقال النسابون: فى زمانه بعث الله تعالى هودا الى عاد، وصالحا الى ثمود، وولد قحطان أبو اليمن، وكان الدين قد تغير قبله، فلما ملك جدده وأظهر العدل، فسمى اليوم الذى ملك فيه نوروز- أى اليوم الجديد- ثم عربته العرب فقالوا: نيروز الحق ببناء طيقور وزعمت الفرس ان ذلك اليوم كان معظما عند أهل المعرفة قبل جم، لأنه اليوم الذى خلق الله فيه الخلق، قالوا: ولذلك جعل الله فى وقته ابتداء الشور النامى، «٣» وهيج تناسل الحيوان وجعل المهرجان «٤» دليل القيامة، لتناهى جمهور النامى فيه وانقطاع النماء عنه، ووقوف معظم الحيوان عن التناسل. وذكروا ان سبب رفعهم النار فى ليلته قصدا لتحليل العفونات والزلوجات التى أبقاها الشتاء فى الهواء، وأرادة التنويه بذكره وشهرة أمره، ورش الماء فيه انما هو بمنزلة النشرة، «٥» وهو أيضا تطهير مما قد انضاف الى الابدان من دخان النيران فى ليلته، وسبب اهداء السكر فيه ان قصب السكر ظهر فى زمن جم، ولم يعرف قبله، فوقع لبعض الناس ذواقه بالاتفاق، فلما وجد حلاوته احتال

стр. 394

لاستخراج مائه وطبخه، فوقع الفراغ منه فى يوم النيروز، فأهداه الى الملك فيما أهدى اليه، فتبرك به وجعل اهداءه سنة، وكان الملك من ملوك الفرس يجلس فى النيروز، فيقوم رئيس الكتاب فيقول بعد الحمد لله ومدح الملك: أيها الملك! الرفق يمن، والخرق «١» شؤم، وصالحوا الاعوان محتاجون الى ما يقيمهم فى أفعالهم، ويفضل عنهم لعطلتهم، فان ضيق عليهم كان معولهم على مال السلطان، فيكون من حيث يرتجى الربح يقع الخسران، وحيث تكون الخيانة، يكون التمحق، «٢» وحيث الامانة، تتم البركة، والفجور يقلل قطر السماء، ومع الخيانة تعدم الزكاة، الخراج يدر الاموال، والاموال تكون الجنود، وبالجنود يقمع العدو، فيتم العدل، ثم يمسك. ويقوم المؤيد، ويقدم هديته، فيثنى على الله ثم على الملك ويقول: بقليل الغفلة يطول العناء، فأشرف على أمرك أيها الملك، حتى لا يستتر عليك ما تحتاج الى معرفته، قدم الحزم فى أمورك تتم وتسلم فى عواقبها، أكظم الغيظ تحمد مغبته فى أمرك، وكن برعيتك رءوفا، تكثر محبتهم لك، أصفح عن المسىء فليس كل الاوقات تدوم لك الطاعة، لا توقع فى غير موضع الايقاع فتظلم، «٣» ولا تتركه فتستضعف لا يمزح بحضرتك فتنتقض جلالتك، ويجترىء الاخساء فى مجلسك، فتذهب هيبتك، ثم يجلس. ويقوم الوزير، ويقدم هديته، ويقول بعد الثناء على الله ثم على الملك: بسط العدل، وتقويه الجند، واعطاء المستحق، وتأديب المسىء، ترغيب فى احسان من ليس محسنا، ويزع عن الاساءة من كل مسيئا، واذا انصرف المحسن عن بابك بغير مكافأة، والمسىء بغير عقوبة، أو شك الا يرى فيه محسن ولا يغيب عنه المسىء، بدرور «٤» الارزاق تصفو ضمائر الاجناد،

стр. 395

وببسط العدل تكثر العمارة، وبتوفر الخراج تسلم قلوب الرعية، ثم يجلس. ويقوم رأس المرازية، ويقدم هديته، ويقول بعد الثناء على الله تعالى ثم على الملك: الجنود جناح الملك، وسداد الثغر، ومفاتيح الحصون، وبهم قمع الاعداء ورفع الاولياء، وحقيق برفع المنزلة، واسناد العطية من بذل دمه، ولم يضن عن الملك بنفسه، بالسرور تكون النجدة، وبالسرور تكون الكفاية، وبحق أقول: ان حسم العادة، ومنع الواجب مما يوغر الصدر حتى يصير الولى عدوا فيحتاج الى الاحتراس ممن يحترس به، ثم يقدم الناس هداياهم، فيأمر بالخلع والجوائز، ومكافأة كل مهد على قدره. وكان من سير ملوكهم ان يتأملوا هدايا الاولياء، ويعرفوا مقاديرها، ويأمروا باثباتها فى الديوان، فمن أهدى مالا يترقب أحواله، فاذا اتفق له او لاقاربه أعراس أو املاك أو غير ذلك مما يحتاج فيه الى نفقة أضعف له قيمة ما أهداه أضعافا مضاعفة وحمل إليه، ومن أهدى سهما حمل له من فاخر الثياب ما يعلوا السهم اذا أقيم، ومن أهدى تفاحة أو أترجه أعطى زنتها ذهبا، أو غرز فيها الدنانير حتى تعمها، وتحمل اليه، ومن أغفل مكافأته على ما أهداه لعارض يعرض ثم لا يذكر بنفسه دفع حقه الى عدوه وحرم منه. أول ما ظهر المهرجان على عهد أفريدون وذلك ان الدين قبل أيامه فسد، أفسده الضحاك فوثب به أفريدون فقيده، فسمى اليوم الذى ظفر فيه المهرجان، والمهر الوفاء، وجان: سلطان فكان معناه سلطان الوفاء، «١» وكان سبيل الملك فيه سبيله فى النيروز، القتل والأسر.

стр. 396

أول من وضع العشور الضحاك وهو نمرود وهو أول من تغنى له، وأول من لبس التاج، وفى زمانه ولد ابراهيم ﵇، وقصته ما قصه الله تعالى فى القرآن. أول من نظر فى الطب افريدون وفى زمانه ظهرت الفلاسفة، وتكلم فى فنونهم، والله أعلم بحقائق هذه الاشياء. أول من جمر البعوث فرعون والتجمير ان يلزم الامير الجيش الثغر، ولا يأذن لهم فى القفول، قال الشاعر: معاوى امّا أن تجهّز أهلنا ... الينا وامّا أن نؤوب معاويا أجمّرتنا تجمير كسرى جنوده ... ومنّيتنا حتّى مللنا الامانيا معاوى للحبس المحجّر قد أتى ... له سنتان فى خراسان ناويا معاوى كم ذى زوجة قد تركته ... ومن ذى أخ لا يرجونّ التّلاقيا وان لا تدع تجميرنا عن نسائنا ... نعد لك أيّاما تشيب النّواصيا وكان عمر رضى الله عنه يجمر الجيش، حتى سمع امرأة تنشد ليلا وهو الذى أخبرناه أبو احمد عن أبى روق عن الرياشى عن أيوب بن الحسن الهاشمى عن ابن أبى أويس عن مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر ليلة فسمع امرأة تقول:

стр. 397

تطاول هذا اللّيل وأسودّ جانبه ... وأرّقنى أن لا خليل ألاعبه فو الله لولا الله لا شىء غيره ... لحرّك من هذا السّرير جوانبه ولكنّنى أخشى الإله وأتّقيه ... واحفظ بعلى أن تنال مراكبه فسأل حفصة- رضى الله عنها-، كم تصبر المرأة على زوجها؟ فقالت: أربعة أشهر أو ستة أشهر- شك مالك- فقال: لا أحبس جيشا أكثر من هذا. والتجمير فى غير هذا الموضع رمى الجمار. قال الشاعر: ولم أر كالتّجمير موقف ساعة ... ببطن منى ترمى جمار المحصّب وتبدى الحصى منها اذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب والإجمار السرعة فى السير، ويقال لليلة قبل السرار: ليلة جمير، ويقال: جمرت المرأة شعرها اذا ضفرته وتجمر القوم اذا صار لهم بأس، وخف مجمر أى مجتمع، وأجمر حيله جعلها جملة، والجمرات من العرب عبس وضبة ونمير والحارث. أول من طبخ الآجر هامان قالوا: وهو قوله تعالى فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً «١» والصرح القصر. ولمح بعضهم بأبيات فيها ذكر هامان، وتشييد

стр. 398

الصرح، وهو قوله: ان كان فى آية لله معتبر ... فأنت معتبر فى كلّ انسان جسم نحيف وأنف قد صفا عظما ... كأنّه جبل فى رأس ثعبان لو كان فرعون اذ رام السّماء سما ... فيه لأعياه عن تشييد هامان ومثله فى المبالغة قول الاعشى: واستغفر الله منه. لا ترى جسمها مع الأنف الّا ... بدليل وسمعة ومنادى لا تلمنى ربّ العباد فما ... كنت إلا سخريّة للعباد وقال آخر: فلو جعلت امامى ... ودنت دين اليهود لكان حصنى ممّا ... أخاف أنف سعيد وكان أخفى لشخصى ... عن العدوّ الحسود من خندق دون حصن ... عليه بابا حديد أول من غير سنة آل ساسان يزدجرد الاثيم سمى أثيما لكثرة مقابحه، كانت ملوك الفرس يتوخون المعدلة والانصاف، ويزيحون أسباب الظلم والعدوان فى جميع متصرفاتهم، وينصرون المظلوم وان كان دنيا على الظالم وان كان شريفا، ويقولون: اذا لم يكن الملك منصفا عادلا فهو لص متغلب، حتى ولى يزدجرد الاثيم فأزال هذه وقال: ليس على الرعية أن تعترض على الراعى فى شىء مما يريده، وليس للرعية أن تشكوه، وتنكر شيئا من أمره.

стр. 399

وكان ذات يوم واقفا فى جنده، فأقبل فرس من أحسن ما يكون من الخيل، عليه سرج ولجام، ولم ير أحسن منه، فتبادر القوم نحوه، فكل من قرب منه رمحه، «١» وهو فى ذلك يؤم «٢» يزدجر، فقال: دعوه فانه يريدنى، وتقدم اليه وأخذ بلجامه ومسحه، وانقاد له الفرس، فبينما هو يدور به، ويمسحه، رمحه فأصاب قلبه، فمات من وقته، فقالت الفرس: ذلك الملك الموكل بالعدل، لما كثر من يزدجرد الجور بعثه الله اليه فقتله. أول من جعل للضيف صدر المجلس بهرام جور وهو أول من سماه مهمان، ومعناه عظيم وذكر فى مفاخرات العرب والعجم عربيا وفارسيا تفاخرا، فغلب العربى الفارسى فى كل خصلة ذكراها، حتى ذكر القرى والضيافة فقال الفارسى: لنا فى ذلك ما ليس للعرب، نحن نسمى الضيف مهمان أى عظيمنا أو كبيرنا، فنجعل أنفسنا نضافة إليه، وانتم تسمونه الضيف، فتجعلونه مضافا اليكم، فغلب الفارسى العربى فى هذه الخصلة. أول من وضع الخراج وقالوا: أول من وضع الخراج وأزال المقاسمة أنو شروان، مر بغلة يتناول منها صبى شيئا وأمه تمنعه فقال: لم تمنعينه؟ فقالت: ان فيها حقا للملك، فلا نستحلها لأنفسنا حتى نؤدى حقه فيها، فقال: قذ ضيقنا على الناس، لو أخذنا عن كل غلة شيئا معلوما، وخلينا بينها وبين صاحبها كان أمثل، فجمع وزراءه ليوافقهم على استبداء الخراج وترك المقاسمة، فقام بعض

стр. 400

الكتاب فقال: أيها الملك! أعيذك بالله أن تضع ما يبقى على ما يفنى! فقال للكتاب: أقتلوه، فقاموا اليه بالدوى، «١» فضربوه حتى قتلوه، وهو أول من قتل بالدوى. أول من مسح الأرض وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: اول من مسح الارضين، ووضع الدواوين وجدد الخراج، ووظف على البلاد، قباذ، فصير لذلك ديوانا بحلوان سماه ديوان العدل، وكان كل شىء يجبى من مملكة الفرس عشر مرات مائة ألف ألف «٢» مثقال، وكان الملك اذا أخذ نصف الجباية، وترك النصف للناس، كان الناس متماسكين- ليست بهم سعة ولا ضيق- فان أخذ أكثر من النصف أضر ذلك بهم بقدر أخذه، فحباهم قباذ ستمائة ألف ألف، وذلك تسعمائة ألف ألف درهم، «٣» فأضر ذلك بالناس وكان العراق يجبى أيام أنو شروان ستمائة ألف ألف مثقال. وأما أبرويز فانه أحرز فى بيوت الأموال تسعة آلاف ألف، «٤» وترك فى أيدى الناس فى المملكة مائة ألف ألف فهلك الناس، حتى كانت الجارية تقام فتباع بدرهم.

стр. 401

أول ما عمل القورج «١» لما عمل كسرى القاطول «٢» ، انقطع الشرب على أهل السافل فخرجوا يتظلمون اليه، فوافقوه فى متنزه له راكبا، فقالوا: أيها الملك! جئنا متظلمين منك، فنزل وجلس على التراب وقال: لا أبرح حتى أزيل ظلامتكم، فذكروا قصتهم فأمر بسد القاطول فقالوا: لا نجشم الملك فى ذلك، ولكن تجعل لنا ماء يجرى الينا من فوق القاطول، فأمر بعمل قورج أجرى فيها الماء اليهم، فكان أول ما عرف القورج.

стр. 402

الباب العاشر فى ذكر أنواع مختلفة من أحاديث جاءت عن العرب والعجم قصر على نوع منها أن يعقد له باب وفى ذكر أشياء عثرت بها بعد نظم أبواب الكتاب فجمعتها فى هذا الباب.

стр. 403

أول شىء بناه الله تعالى قال العتبى: وجدت فى التوراة أول شىء بناه الله تعالى السماء. أول قرية بنيت على الارض قرية يقال لها: ثمانين، بناها نوح- ﵇ وجعل لكل رجل ممن معه بيتا وكانوا ثمانين فهى الى اليوم تسمى ثمانين. أول بيت بنى الكعبة قال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً «١» وبكة موضع البيت، ومكة اسم البلد. أول من خاط الثياب ولبسها ادريس وكانوا يلبسون الجلود، وهو أول من خط بالقلم على ما قالوا والله أعلم. أول من عملت له النورة سليمان ﵇ كذا قيل، والنورة عربية صحيحة. أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أضل الكذاب ناقة، فاتهم بنى عميرة، فتجوع لهم، ليتشوه «٢» على ماء لهم، فلما كان يوم ورودها تعرى ثم رجز: لهمّ ان كانت بنو عميره ... رهط الثّلاث هذه مقصوره قد حشدوا الغدرة مذكوره ... وأصبحوا كأنّهم قاروره «٣»

стр. 404

من ابل وغنم كثيره ... فابعث عليهم سنة قاشورة «١» تحتلق المال احتلاق النوّره «٢» فقالوا: كم ثمن ناقتك؟ قال: ثلاثون درهما فأعطوه اياها. التشوة: ان يقف الرجل بحذاء ابل يريد ان يصيبها بالعين، فيقول: ما أحسنها ما أسمنها، والتجوع تفعل من الجوع، وعندهم أنه اذا جاع كان ذلك أنكى فيها، ومن أحسن ما شبه به النورة اذا طلى بها قول بعض المحدثين: ومجرّد الابواب أسلم نفسه ... لمجرّد يكسوه مالا ينسج ثوب تمزّقه الانامل رقّة ... ويزيله الماء الزّلال فيبهج فكأنّه لمّا بدا فى خضرة ... نصفان ذا عاج وذا قيروزج «٣» أول من عمل الصابون سليمان ﵇ والصابون اسم أعجمى، وان كان موافقا لبعض أبنية العرب مثل ياعور وساجور. أول من عمل القراطيس وقالوا: اول من عمل القراطيس يوسف ﵇ والقرطاس عربى وكانت الاغراض «٤» تعمل من القراطيس، فسمى الغرض قرطاسا، ويقال

стр. 405

قرطست اذا أصبت القرطاس، وهو الغرض، ومن بديع ما جاء فى ذلك قول أبى تمام: قرطست عشرا فى مؤذّنة ... فى مثلها من سرعة الطّلب ولقد أرانى لو وقفت يدى ... شهرين أرمى الارض لم أصب أول من ركب الخيل إسماعيل ﵇ وكانت الخيل قبل ذلك وحشا، فأخذها وصنعها، فأنست وتعلم ولده صنعتها منه، فبقى علمه فيهم، ولهذا اختصت العرب بالمعرفة بها، وهى مما يتمدح بارتباطها، قال النبى:﵊ «الغنم بركة، والإبل جمال، والخيل معقود فى نواصيها الخير الى يوم القيامة» وقال فى أنثاها: «ظهورها حرز، وبطونها كنز» وقال: «خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة» والسكة السطر من النخل، والمأمورة المصلحة المعلمة، قال الأسعر الجعفى يصف الخيل: ولقد علمت على توقّى الرّدى ... أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأنامل المقرور أقعى فاصطلى «١» وهذا أحسن ما قيل فى اصطفاف الخيل، والعرب تفتخر باتخاذ الخيل والابل، وتذم الغنم، على ان النبى- ﷺ قال: «السكينة فى أهل الغنم، والخيلاء فى أهل الخيل والابل، وفى الفدادين أهل الوبر، والحكمة يمانية» الفداد الخافى الصوت. وقيل لابنة الخس: ما تقولين فى مائة من الابل؟ قالت: منى. قيل فمائة

стр. 406

من المعز؟ قالت: قنا قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: عنا. «١» قيل: فمائة من الخيل؟ قالت: لا تحس ولا ترى. قيل. فمائة من الحمير؟ قالت: أخزى الله الحمير من مال! فى ظهره دبرة، وفى بطنه كمره، قموص الحنجرة، «٢» ان أرسلته ولى وان ربطته أدلى. أول شعر قيل فى الإسلام قول ضرار بن الخطاب أخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر بن دريد قال: أول شعر قيل فى الإسلام قول ضرار بن الخطاب الفهرى: تداركت سعدا عنوة فأسرته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا فلو نلته طلّت «٣» دماء جراحه ... وكانت حراما ان تطلّ وتهدرا قوله: تداركت سعدا، يعنى سعد بن عباده، والمذر هو ابن عمرو من الخزرج، كانا من الانصار الذين بايعوا رسول الله- ﷺ ليلة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلا، فلما نفر الناس من منى، خرجت قريش فى طلبهم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو كلاهما، ثم أعجزهم المنذر، وأخذوا سعدا، فربطوا يديه الى عنقه، ودخلوا به مكة يضربونه ويجذبونه بحمية. قال سعد: فانى لفى أيديهم اذا طلع رجال من قريش، فيهم رجل مضىء شعشاع «٤» حلو، فقلت فى نفسى: ان كان عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا منى، رفع يده فلطمنى لطمة شديدة. فقلت فى نفسى: ما عندهم بعد

стр. 407

هذا خير، واذا هو سهيل ابن عمرو، ثم هتفت بجبير بن مطعم، والحارث بن أمية ابن عبد شمس فجاء فخلصانى، فقال ضرار هذا الشعر، فأجابه حسان. ولست الى سعد ولا المرء منذر ... اذا ما مطايا القوم أصبحن ضمّرا وانّك واستبضاعك «١» الشّعر نحونا ... كمستبضع تمرا الى أرض خيبرا أول جيش خرج من المدينة بعد وفاة الرسول- ﷺ جيش أسامة أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال: لما كان يوم الاثنين لثلاث بقين من صفر سنة احدى عشرة ضم رسول الله- ﷺ جيشا الى أسامة، فيهم أبو بكر وعمر والزبير، وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم من المهاجرين الاولين وكان لاسامة ثمانية عشر عاما، فتكلم الناس، فخرج رسول الله- ﷺ عاصبا رأسه فخطبهم، وقرظ «٢» أسامة، وذكر حسن منزلته عنده، فسكنوا وخرج أسامة فعسكر فى الجرف، على فرسخ من المدينة، ورسول الله- ﷺ مريض، فاستأذنه أسامة أن يقيم إلى أن يعافى، فلم يأمره ولم ينهه، ثم توفى رسول الله وبويع أبو أبكر- رضى الله عنه-، فخلف أسامة عمر والزبير وأبا عبيدة، وسار الجيش حتى أغار على بلاد الشام، وكان ذهابه ومجيئه أربعين يوما، وقيل سبعين يوما، وكان سعد يلقى أسامة بعد ذلك فيسلم عليه بالامرة، فهذا هو الاصل فى التسليم بالامرة والوزارة والقضاء على المعروفين من هذه الأعمال.

стр. 408

أول يوم انتصفت فيه العرب يوم ذى قار ويسمى يوم ذى قار، ويوم ذات العجوم، ويوم البطحاء، ويوم الجبانات، «١» ويوم ذى الحنو، ويوم قراقر، وكان حديثه أن النعمان بن المنذر قتل عدى بن زيد، وكان فى تراجمة كسرى، فقام ابنه زيد بن عدى مقامه، فما زال يفسد على النعمان عند كسرى أبرويز حتى تنكر له، وأمره بالوفود عليه، فاستودع النعمان حلقه ونعمه هانىء بن مسعود الشيبانى، ورحل الى كسرى، فقتله، واستعمل أياس بن قبيصة على الحيرة، وأمره أن يضم ما كان للنعمان فيبعث به إليه، فبعث إلى هانىء، أن أرسل بودائع النعمان الى، فلم يجبه الى ذلك. وغضب كسرى، وأظهر أنه مستأصل بكر بن وائل، وقال له النعمان بن زرعة التغلبى: أمهلهم حتى يقيظوا، «٢» فانهم اذا قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له: ذو قار، فتأخذهم كيف شئت، فلما نزل بكر بن وائل ذاقار أرسل اليهم النعمان ابن زرعة أن اختاروا احدى ثلاث: اما ان تعطوا بأيديكم فيحكم الملك فيكم كيف يشاء، وإما أن تخلوا الديار، وإما أن تأذنوا بحرب، فتآمروا وولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلى فقال لهم: إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم، وان هربتم قتلكم العطش، فتلقاكم تميم فتهلككم، فليس لكم الا الحرب. فبعث كسرى هامرزا التسترى، وكان على أسلحته بالقطقطان «٣» وإلى والى جلايزين- وكان ببارق- «٤» فانضما الى اياس ابن قبيصة، وأمر قيس بن مسعود- وكان استعمله على الطف «٥» - بالانضمام اليهم، فاجتمعوا بصحراء

стр. 409

ذى قار فانفتل مسعود بن قيس ليلا، فأتى هانىء بن مسعود وقال: أعط قومك سلاح النعمان، ففعل ذلك. فلما دنا الجمعان قال هانىء: يا معشر بكر! لا طاقة لنا بجنود كسرى، ومن معه من العرب، فاركبوا الفلاة فتسارع الناس الى ذلك، وردهم حنظلة بن ثعلبة، وقطع وضن الهوادج «١» لئلا يستطيعوا سوق نسائهم فسمى مقطع الوضن، ونادت نساء بكر، أتدعوننا للقلف وتنصرفون؟ «٢» فحمى الرجال وقطع سبعمائة منهم أيدى أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم بالضرب بالسيوف، فجالوا وضرب حنظلة على نفسه قبة، وقال: والله لا أفر حتى تفر القبة، فرجع أكثر الناس، واستقوا لنصف شهر، والتقوا فعطشت الفرس، فهربت الى الجبانات، فتبعتهم عجل، فقاتلوا فى الجبانات، فعطشوا فمالوا الى بطحاء ذى قار، فأرسلت اياد- وهى مع الفرس- الى بكر بن وائل سرا أنا ننهزم اذا التقيتم، وقويت نفوس بكر وكمنوا كمينا، وباكروهم فالتقوا فقال حنظلة: قد جدّ أشياعكم فجدّوا ... ما علّتى وأنا مؤد «٣» جلد والقوس فيها وتر عردّ ... مثل ذراع البكر أو أشدّ

стр. 410

قد جعلت أخبار قومى تبدو ... انّ المنايا ليس منها بدّ «١» وقال أيضا: من فرّ منكم فرّ عن حريمه ... وجاره الأدنى وعن نديمه «٢» أنا ابن سيّار على شكيمه ... انّ الشّراك قدّ من أديمه وكلّهم يجرى على قديمه ونادى هامرز بردا، فقال برد «٣» بن حارثة اليشكرى: ما تقول؟ قيل: رجل يدعو الى المبارزة. قال: وأبيكم قد أنصف. وبرز له برد فقتله. وقال حنظلة: يا قوم! لا تقفوا لهم فيسبغوكم النشاب، فحملت ميسرة بكر وميمنتها على الفرس وخرج الكمين من ورائهم، وفشل اياس بن قبيصة وهو فى القلب، وولت اياد منهزمة فانهزمت الفرس فقتلوا ما بين بطحاء ذى قار حتى بلغوا الراحضة، «٤» وقتل حنظلة بن ثعلبة والى حلايزين، وأسر النعمان ابن زرعة «٥» وقال:

стр. 411

رجعت بنعمان بن زرعة مردفا ... على سابح يهدى الرّعيل المقدّما «١» وأبكت عيون من زهير وأشللت ... كنانة فى يوم من السّر أقتما ثم من عليه فخلى عنه. وقال بكير أصم بنى الحارث ان كنت ساقية المدامة أهلها ... فاسقى على كرم بنى همّام ضربوا بنى الاحرار يوم لقوهمو ... بالمشرفىّ على مقيل الهام «٢» وقال الأغلب العجلى: قد علموا يوم خنّابزين ... إن مالت الاحياء مقبلينا وطارت الجفون وانقضينا ... أنّا بنى عجل ان التقينا ندفع عنّا حدّ من يلينا ... الغمرات ثمّ تنجلينا عنّا ونيران تأخّرينا قال العديل بن فرج العجلى: وما يعدّو من يوم سمعت به ... فى النّاس أفضل من يوم بذى قار

стр. 412

وقال الاخطل: هلّا لقيتم معدّا كلّ معضلة ... كما لقينا معداّ يوم ذى قار وروى عن النبى- ﷺ أنه قال: «اليوم ينتصف العرب من العجم» فنظروا فإذا هو يوم ذى قار. أول من علم المثمنات من الجوارى الغناء ابراهيم الموصلى أخبرنا أبو القاسم بن سيران- رحمه الله تعالى- عن شيخ له عن عمر بن شبة قال: حدثنى اسحاق قال: لم يكن الناس يعلمون الجارية الحسناء الغناء، وانما كانوا يعملون الصفر والسود، وأول من علمهن أبى، فبلغن كل مبلغ، وأول من بلغ فيهن الثمن الوافر أمان جارية قرين النحاس، بلغت مائة ألف درهم، وكان ابن أبى عيينة يهواها فقال لابى: قلت لمّا رأيت أمان ... قد طغى سومه بها طغيانا لا جزى الله الموصلىّ أبا اسحاق عنّا خيرا ولا احسانا جاء من موصل بوحى من الشّيطان أغلى به علينا القيانا «١» من غناء كأنه سكرات الموت يصبى القلوب والآذانا وقال ابن سيابة: يا أبا اسحاق قد نفّقت أسواق القيان ... وجعلت القينة الشّوهاء فى حدّ الحسان

стр. 413

بأغانيك الّتى يروينها ... خير الاغانى كم شقى بك فيهنّ ... ومفتون وعانى ما لابراهيم فى العل ... م بهذا الشّأن ثانى انّما عمر أبى اس ... حاق زين للزّمان جنّة الدّنيا أبو اس ... حاق فى كلّ زمانى «١» قال ابراهيم: أتيت الفضل بن يحيى يوما فقلت له: هب لى درهما فان الخليفة قد حبس يده عنا فقال: ما عندى ما أرضاه لك، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ومعه خمسون الف دينار يشترى لنا بها، ثم قال: ما فعلت ضيا جاريتك؟ قلت: هى عندى قال: أقول له: يشتريها منك، فلا تنقصها عن خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه وانصرفت. فبكر على رسول صاحب اليمن، ومعه صديق لى، فقال جاريتك ضيا فأخرجتها، واستتممت بها خمسين ألف دينار، فقال: هل لك فى ثلاثين ألف دينار مسلمة؟ قال: وكان شراؤها على أربعمائة دينار، وأخذنى زمع «٢» لما سمعت ذكر ثلاثين ألف دينار، وخفت أن يحدث عليها أو على المشترى أو على الفضل حادثة فيفوتنى ذلك، فسلمتها اليه وأخذت المال، وبكرت على الفضل، فلما نظر الى ضحك وقال: يا ضيق الحوصلة! حرمت نفسك من عشرين ألف دينار، فقلت له: دعنى والله! لقد دخلنى شىء أعجز عن وصفه، فبادرت بقبول المال. فقال: لا ضير! يا غلام! هات الجارية، فجىء بها على حالها، فقال خذها، انما أردت نفعك، فلما نهضت قال: ان صاحب أرمينية «٣» قد جاءنا فقضينا حوائجه، ونفد ما كتبه، ومعه ثلاثون ألف دينار يشترى لنا بها ما نريد،

стр. 414

فاعرض عليه جاريتك، ولا تنقصها عن ثلاثين ألف دينار، فانصرفت، وبكر على صاحب أرمينية، فساومنى الجارية، فقلت: لا أنقصها عن ثلاثين ألف دينار، فقال: معى على الباب عشرون ألف دينار مسلمة، خذها، فدخلنى- والله- مثل الذى دخلنى فى المرة الاولى، وخفت مثل خوفى الاول، فسلمتها اليه، وأخذت المال، وجئت الفضل فقال: ويلك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، وضحك وضرب برجله، فقلت: خفت والله ما خفت فى المرة الأولى، قال: جاريته يا غلام! فجىء بها، فقال خذها، ما أردنا الا منفعتك، فقلت: أشهدك- جعلت فداءك- أنها حرة، وأنى قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم، قد كسبت لى فى يومين خمسين ألف دينار، فما جزاؤها الا هذا. أول من غنى من الأنصار رجل يقال له: أحمد النّصبىّ الهمدانى من أهل الكوفة كان يغنى فى أشعار أعشى همدان، وكانا ينتجعان «١» بشعره (هذا يقوله) وهذا يغنى به، ثم خرجا مع عبد الرحمن بن الاشعث، فقتلا، وترك النصب «٢» فلم يذكر حتى أعادة جحظة، فأبدع فيها، وأعجب الناس بها وأخذوها عنه، والنصب ضرب من النشيد، والنشيد على ثلاثة أضرب: أولها الاستهلال وهو أن يكون النشيد فى بعض البيت الاول، ثم يكون باقى البيت مبسوطا، والضرب الثانى أن يكون فى بيت تام، وربما كان فى بيتين، والتشبيه قد يتكرر فى الشعر مرتين، فيكون البيت الاول نشيدا، والثانى نشيطا، والثالث نشيدا أيضا، والنسب «٣» ان يكون النشيد فى عدة أبيات، قال: ولا يكون الا على الطنبور «٤» .

стр. 415

أول من قصد القصائد مهلهل يقول الفرزدق: (ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل) وهو خال امرىء القيس، واسمه عدى بن ربيعة، وأسر يوم قضة، وهو آخر أيام بكر وتغلب، وكان على تغلب فأسره الحارث بن عباد- وهو لا يعرفه- فقال له: تدلنى على عدى بن ربيعة- المهلهل- وأنت آمن، فقال له المهلهل: ان دللتك عليه فلى دمى؟ قال: نعم. قال: فأنا عدى بن ربيعة، فجز ناصيته وخلاه، وقال: لهف نفسى على عدىّ ولم ... أعرف عديّا اذ أمكنتنى اليدان ثم خرج مهلهل فلحق باليمن، فنزل فى جنب فخطب اليه رجل منهم ابنته فقال: انى غريب طريد فيكم، وان أنكحتكم قال الناس: اقتسروه فأكرهوه حتى زوجها، وكان المهر أدما فقال: أنكحها فقدها الاراقم فى ... جنب وكان الحباء من أدم «١» لو تأتّى من جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم «٢» ثم انحدر، فأسره عوف بن مالك بن ضبيعة فمات فى اساره.

стр. 416

أول من أطال الرجز الاغلب وقيل العجاج أخبرنا أبو احمد عن الشطبى قال: حدثنا محمد بن احمد ابن الحسن قال: حدثنا أبو اسحاق السبيعى قال: ذكروا الرجز والرحاب فقالوا: كان الرجز يقول منه الرجل فى الجاهلية فى الحرب واذا خاصم او شاتم او فاخر يقول: البيتين أو الثلاثة ونحو ذلك، فكان العجاج أول من رفع الرجز وشرفه، وفتح أبوابه، وشبهه بالشعر، فجعل له اوائل وتشبيه، ووصف فيه الديار وأهلها وذكر ما فيها، وذكر الرسوم «١» والقلوب، ونعت الابل والطلول «٢» وكان يشبه العجاج بامرىء القيس، وفى أول الاسلام كانوا يقولون العجاج وابنه رؤبة، ثم اختلفوا، فقال تميم: أولهم العجاج ثم حميد الارقط ثم رؤبة وقالت ربيعة أولهم الاغلب ثم أبو النجم ثم العجاج، واحتجت بقول العجاج: (انّى أنا الاغلب حيا قد نشر) ، قالوا: وانما قال حكيم بن متعة من بنى تميم. قالوا: وأرجز الرجز ثلاث أرجوزات، ليس فى الجاهلية والاسلام، أمدح من أرجوزة العجاج (قد جبر الدّين الاله فجبر) . ولا أرجوزة فى وصف رام وقانص وحمير رجز من أرجز رؤبة (وقائم الاعماق خاوى المخترق) . ولا أرجوزة فى وصف الابل ورعاتها ورعيها أرجز من أرجوزة أبى النجم (الحمد لله الوهوب المجزل) وقد فضلت هذه الاراجيز لانها جمعت جودة مع طول. أول من وقف على الديار وأبكى واستبكى امرؤ القيس بن حجر وقالوا: امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام، وأياه عنى امرؤ القيس بن حجر فى قوله:

стр. 417

يا صاحبىّ قفا النّواعج «١» ساعة ... نبكى الدّيار كما بكى ابن حمام وقال ابن حذام، وانشدوا لامرىء القيس: عوجا على الطّلل المحيل «٢» لعلّنا ... نبكى الدّيار كما بكى ابن حزام وامرؤ القيس اول من قال: (دع ذا) فى الخروج عن النسيب الى المديح وغيره، وأول من شبه الخيل بالعصا واللقوة «٣» والسباع والطير، (واول من شبه النساء بالظبى، وأول من شبه بشبهين فى بيت واحد وهو قوله: كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى «٤» واول من شبه الحمار بمقلاة الوليد- وهو عود يضرب بالقلة يلعب بها الصبى- وأول من شبه بكرّ الاندرى،- وهو الحبل- وهو أول من شبه الطلل بالوحى وبالزنبور فى العسب. أول من خاطب بأطال الله بقاءك عمر بن الخطاب حدث على بن حرب الموصلى يرفعه الى عبيد بن رفاعة عن أبيه قال: جلس على- ﵇ والزبير وسعد فى جماعة الى عمر- رضى الله عنهم أجمعين- فتذاكروا العزل «٥» فقال: لا بأس به فقال رجل: أنتم تزعمون انه الموءودة الصغرى، فقال على- رضى الله عنه-: لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع، تكون سلالة من طين، ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ولحما ثم خلقا آخر، فقال عمر صدقت- أطال الله بقاءك- فجرى من يومئذ.

стр. 418

أول من كتب فى آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان أبى بن كعب وهو أول من كتب لرسول الله- ﷺ حين قدم المدينه. أول من قال: جعلت فداءك عبد الله بن عمر قال يونس بن عمران: ذكر رسول الله- ﷺ الفتنة، او ذكرت له فقال: اذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، «١» وضعفت أمانتهم، واختلفوا فصاروا هكذا- وشبك بين أصابعه- فقال ابن عمر: جعلت فداءك يا رسول الله! فكيف أصنع؟ قال: الزم بيتك، وعليك بما تعرفه، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع العامة. وقالوا: أول من قالها على- رضى الله عنه- لما دعا عمرو ابن عبدود العامرى الى البراز يوم الخندق فلم يجبه أحد، فقال على- رضى الله عنه- جعلت فداك يا رسول الله! أتأذن لى؟ قال: انه عمرو بن ود فقال: وأنا على ابن أبى طالب، فخرج اليه فقتله. وأما من أشار الى هذه اللفظة فأخذها الناس منه حاتم الطائى وهو يقول: اذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... بموت فكن أنت الّذى تتأخّر أول من أجرى على العميان والزمنى وأقام طعمة «شهر رمضان الوليد بن عبد الملك» أول من طرد الخيل طرفة فقال: فقل لخيّال الحنظليّة ينقلب ... اليها فإنّى واصل حبل من وصل فتتبعه جرير فقال:

стр. 419

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزّيارة فارجعى بسلام قال أبو هلال: وهذا باب ان أوردناه احتجنا الى افراد كتاب له. أول من خرج اللطيف وعقد المعانى مسلم بن الوليد قال بعضهم: هو أول من أفسد الشعر، وجاء بالفن الذى سماه الناس بالبديع، ثم جاء بعده الطائى، فتخير فيه وليس ذلك عندنا كذلك، انما تلك طريقة تستظرف، ومسلك يستطرف، وكيف يقال لمثل قوله: أجررت حبل خليع فى الصّبا غزل ... وشمّرت همم العذّال فى عذل ولقوله فيها: موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنّه أجل يسعى الى أمل «١» يكسو السّيوف نفوس النّاكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل «٢» ولمثل قوله: يجود بالنّفس ان ضنّ الجواد بها ... والجود بالنّفس أقصى غاية الجود وقوله: وانىّ وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل «٣»

стр. 420

فان أغش قوما بعده أو ازورهم «١» ... فكالوحش يدنيها من الانس المحل كيف يقال لهذا القول انه فاسد، لا يقول ذلك الا من لا علم له بجواهر الكلام: أول من رثى نفسه يزيد وهو ابن حذاق العبدى، وشعره اول شعر قيل فى ذم الدنيا. هل للفتى من بنات الدّهر من واق ... أم هل له من حمام الموت من راق قد رحّلونى وما رحّلت من سغب ... والبسونى ثيابا غير أخلاقى ورفّعونى وقالوا: أيّما رجل ... وأدرجونى كأنّى طىّ مخراق «٢» وارسلوا فتية من خيرهم نسبا ... ليسندوا فى ضريح التّرب أطباقى «٣» وأقسموا المال وأرفضّت عوائدهم ... وقال قائلهم: مات ابن حذّاق هوّن عليك ولا تولع باشفاق ... فانّما مالنا للوارث الباقى كأنّنى قد رمانى الدّهر من غرض ... بنا فذات بلا ريش وأفواق «٤»

стр. 421

أول من قال أيدك الله عمر بن الخطاب قال عمر- رضى الله عنه- ذلك، لعلى بن أبى طالب- رضى الله عنه- أول أطم «١» بنى بالطائف أخبرنا أبو احمد قال: حدثنا الجلودى قال: حدثنا المغيرة ابن محمد قال: حدثنا ابراهيم بن محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا العتبى عن أبيه قال: خرج أبو سفيان بن حرب وركب من قريش وثقيف يريدون بلاد كسرى بتجارة لهم، فلما ساروا ثلاثا جمعهم أبو سفيان، فقال: انا فى مسيرنا هذا لعلى خطر، قدومنا على ملك لم يأذن لنا بالقدوم عليه، وليس لنا بمتجر، فأيكم يذهب بالعير، فان أصيب فنحن براء من دمه، وان يغنم فله نصف الربح،؟ فقال غيلان بن سلمة الثقفى: أنا أمضى بالعير، فقال: فلو رآنى أبو غيلان اذ حسرت ... عنّى الامور بأمر ماله طبق لقال رغب ورهب أنت بينهما ... حبّ الحياة وهول النّفس والشّفق امّا مسيف على مجد ومكرمة ... او أسوة لك فيمن يهلك الورق «٢» وخرج بالعير، وكان أبيض طويلا جعدا، فتخلق ولبس ثوبين أصفرين، وشهر نفسه، وقعد بباب كسرى، حتى أذن له فدخل عليه، وشباك من ذهب بينه وبينه، فقال له الترجمان: يقول لك الملك: ما أدخلك بابى بغير اذنى؟

стр. 422

فقال: لست من أهل عداوة أكن جاسوسا، وانما حملت تجارة، فان أردتها فهى لك، وأن كرهتها رددتها، قال: وانه ليتكلم اذا سمع صوت كسرى، فخر ساجدا فقال له الترجمان: يقول لك الملك: ما أسجدك؟ فقال: سمعت صوتا مرتفعا حيث لا ترفع الاصواب، فظننته صوت الملك، فسجدت، فشكر ذلك له، وأمر له بمرفقة توضع تحته، فرأى فيها صورة الملك، فوضعها على رأسه، فقال له الحاجب: الملك يقول لك: إنما بعثنا بها اليك لتقعد عليها، فقال: قد علمت، ولكنى رأيت عليها صورة الملك، فوضعتها على أكرم أعضائى، فقال له: ما طعامك فى بلادك؟ قال: الخبز. قال: هذا عقل الخبز، ثم اشترى منه التجارة بأضعاف أثمانها، وبعث معه من بنى له أطما بالطائف، فكان أول أطم بنى بالطائف. قال أبو هلال- أيده الله-: فى هذا الخبر دليل على ان الامر الذى عقده نوفل بن عبد مناف بين العرب والفرس، كان قد انقضى. قال: وهذا آخر ما خرج الينا من الاوائل وان خرج شىء آخر ألحقناه به وبالله التوفيق. وفرغنا من أملائه يوم الأربعاء لأربع عشرة خلت من شعبان، سنة خمسة وتسعين وثلاثمائة وحسبنا الله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الاكرمين وسلم.

стр. 423

خاتمة وهذا آخر ما توفقت اليه، ويعلم الله أنى لم أضن بجهد، ولم أقصر فيما تمكنت منه، راجيا المعذرة عما يجده القارىء من تقصير فى التعليق، فقد بذلت أقصى الجهد، مع قلة المراجع، وضيق الوقت. وقد فرغت من التعليق عليه صباح يوم الأحد ٢٨ من شهر ذى القعدة سنة ١٣٨٥ هـ. الموافق ٢٠ من شهر مارس سنة ١٩٦٦ م. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الاكرمين، ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين. المدينة المنورة ٢٨ من ذى القعدة سنة ١٣٨٥ هـ. ٢٠ من مارس سنة ١٩٦٦ م.