← Адаб

Адаб · id 10529

الأوائل للعسكري

أبو هلال العسكري

Полный текст (423 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الى لقاء الله، فلا أراكم تفرون الا الى الدنيا من الموت، ما أنتم براملين، بعد هذا اليوم غدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فأتى الاشعث بن قيس معاوية فقال: ما أردت برفع المصاحف؟ قال: أردت أن نرجع نحن وأنتم الى كتاب الله، فتبعثون رجلا منكم، ونبعث رجلا منا، فيختارا لهذا الامر رجلا تصلح عليه الامة، قال: أنصفت، فرجع وأخبر الناس بقوله، فاختلفوا، فكان رأى الجمهور، وقد أنكره آخرون وهم عبادهم، وأهل البصائر منهم، وأرادوا معاودة الحرب، فأبى الناس وفارقوا عليا، وهم أربعة آلاف، وأراد الباقون عليا للتحكيم، فقال: أحكم ابن عباس، فقال: الاشتر أو الاحنف، فأبى أصحابه، وقالوا: ان لم تحكم أبا موسى لم نرم معك بسهم، فحكمه على كره منه له وللتحكيم. وحكم معاوية عمرو بن العاص، فكتبوا بينهم كتابا فى ذلك، ورجع على- رضى الله عنه- الى الكوفة، فأقام والناس مختلفون، منهم من يرى التحكيم خطأ، ومنهم من يراه صوابا، ومعاوية بدمشق لا ينكر عليه أحد شيئا ثم اجتمع الحكمان، «١» فخلع أبو موسى عليا- ﵇ وأقر عمرو معاوية، فقال الذين فارقوا عليا وأنكروا التحكيم «٢» قالوا لعلى: حكمت فى دين الله فتب، فقال: ما أذنبت فأتوب، وانما غلبنى الناس، فأتيت ما أتيت من ذلك كرها، ولو أردت الحرب لكان أصحابى أشد على من أهل الشام، ففارقوه وقالوا: لا حكم الا لله. وأول من قالها بصفين عروة بن جديم، «٣» وقيل يزيد بن عاصم

стр. 352

المحاربى، ثم قاتلهم على- ﵇ على النهر فهزمهم، «١» وكان أميرهم أول ما اعتزلوا ابن الكواء، ثم بايعوا لعبد الله ابن وهب الراسبى، وكان أحد الخطباء الاجواد، فقال لهم عند بيعتهم إياه: إياكم والرأى الفطير، والكلام القصير، دعوا الرأى يغب، «٢» فان غبوبه يكشف للمرء عن حقيقته، وكان يقول: ان ازدحام الجواب مضلة للصواب، وليس الرأى بالارتجال، ولا الحزم بالاقتضاب، فلا تدعونكم السلامة من خطأ موبق، وغنيمة تليها من غير صواب الى معاودته، «٣» والتماس الريح من جهته، ان الرأى ليس ينتهى، «٤» ولا هو ما أعطتك البديهة وانتزاع الخاطر، وخمير الرأى خير من فطيره، «٥» ورب شىء غابه خير من طريه، وتأخيره خير من تقديمه وانما ذم الناس البديهة لان الهوى يقابلها، ومدحوا الفكر لان الرأى استيقظ له، فإذا كان الرأى هو المشاورة، فحق لما نتج ان يكون حكمة لا تخطىء، وصوابا لا يفل، وحقا لا ينازع، وكان الخوارج يذهبون الى ان كل ذنب صغير أو كبير كفر، ويرون قتل الجمهور من التابعين. ثم تأول نافع بن الازرق- وهو الذى نسب اليه الأزارقة- قول الله تعالى رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً تأول هذه الآية على ان قتل الأطفال، وبقر النساء عن الاجنة حلال «٦» ، فلما أظهر ذلك، فارقه طائفة من أصحابه ثم قتل

стр. 353

برستقباد «١» فولى عبد الله بن بشير فانحاز بهم الى دولاب «٢» . وكان الخوارج أشد الناس جلدا ومصابرة للأقران وكلبا اذا رأوا فرصة، فما زالوا يظهرون على كورة كورة ويليهم منهم أمير بعد أمير حتى صار الامر الى قطرى بن الفجاءة، ثم اختلفوا عليه وهو بجيرفت، «٣» فارتحل بمن معه الى طبرستان وأقام طائفة منهم مع عبد ربه الصغير بجيرفت، فصار اليهم المهلب، فارتحلوا يريدون سجستان، واتبعهم فلحقهم فى بعض الطريق بعد قتال شديد، «٤» وأمر فى الناس والنجدة عجيب، وخرجت طائفة منهم مع عمرو الصبا، حتى دخلوا قوس، «٥» فبعث اليهم الحجاج سفيان بن الابرد فحاصرهم، (حتى جعلوا يأكلون خيولهم، ثم خرجوا اليه بأسيافهم، فقاتلوهم حتى قتلوا) «٦» والتقى سورة بن الجرد مع قطرى وهو شيخ كبير، فوقعت أبهام قطرى فى فم سورة، فما زال يلوكها حتى أثخنه، وصاحت جاريته، واأمير المؤمنيناه! فعرف أنه قطرى فأقبل باذان مولى الاشاعرة، فأعان سورة عليه فقتلاه، واختلفا فى حمل رأسه، فقال رجل من الجند: ضعا رأسه على يدى حتى تتفقا، فوضعاه على يده فطار بالرأس الى سفيان بن الابرد، فأوفده الى الحجاج، فأعطاه عشرة آلاف درهم (ثم قدم باذان على الحجاج فصدقه، وأعطاه أربعة آلاف درهم) «٧» وأمر لسورة بعشرة آلاف درهم، وذلك فى سنة تسع وتسعين، وروى ان معاوية أول من زعم ان الله يريد أفعال العباد كلها، وانه اول من ترك القنوت فى صلاة الغداة.

стр. 354

أول من أظهر الرفض «١» ابن سبأ وذلك أنه أظهر الطعن على السلف، وبلغ من ذلك مبلغا أنكره عليه على- ﵇ فنفاه من الكوفة، فلما قتل على رجع اليها ودعا الناس الى مقالته، فأجابه بعضهم وثبتت الى اليوم. أول ما اختلف الناس فى خلق القرآن أيام أبى حنيفة فسئل عن ذلك أبو يوسف، فأبى ان يقول انه مخلوق، وسئل عنه أبو حنيفة فقال: انه مخلوق، «٢» لان من قال، والقرآن لا أفعل كذا فقد حلف بغير الله، وكل ما هو غير الله فهو مخلوق، فأخرجها من طريقته فى الفقه، وأجاب عليها على مذهبه. أول من زعم أن الله لم يزل متكلما جهم بن صفوان ومما تفرد به فيما ذكره أبو القاسم البلخى قوله: إن الجنة والنار تفنيان، وان الايمان هو المعرفة فقط دون الاقرار وسائر الطاعات، وهو من أهل ترمذ- بلدة على شاطىء نهر بلخ- وخرج مع الحارث بن شريح ينتحل الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فقتل بمرو، قتله سالم الجون فى آخر ملك بنى أمية. أول من قص فى مسجد رسول الله ﷺ تميم الدارى أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن مسلم التيمى عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب قال: اول من قص فى

стр. 355

مسجد رسول الله- ﷺ تميم الدارى، استأذن عمر أن يذكر بالله فأبى، ثم استأذن أخرى فأبى، حتى كان آخر ولايته فاذن له ان يذكر يوم الجمعة، قبل أن يخرج عمر للصلاة، فكان عمر يمر به فيشير الى حلقة هذا الذبيح، ثم توفى عمر. فاستأذن عثمان بن عفان، فأذن له ان يذكر يومين فى الاسبوع، فكان يفعل ذلك، وقد روى غير ذلك. أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن حباب عن عيسى بن يونس عن أبى بكر بن أبى مريم عن حبيب ابن عبيد عن عصيف بن الحارث الثمالى ان عبد الملك بن مروان سأله عن القصص ورفع الايدى على المنابر فقال: انه لمن أمثل ما أحدثتم، واما أنا فلا أجيبك اليهما، انى حدثت عن النبى- ﷺ أنه قال «ما من أمة تحدث فى دينها بدعة الا أضاعت مثلها من السنة» والتمسك بالسنة أحب الى من إحداث بدعة. وقالوا: اول من قص عبيد بن عمير الليثى بمكة ويقال: أول من قص الأسود بن سريع التميمى صحابى وكان يقول فى قصصه: فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... والّافانىّ لا أخالك ناجيا وسمع أبو نواس أن القصص بدعة فسار الى مسجد بعض القصاص ليعبث به، ومعه أصحاب له، فجلس وأخرج يده من ذيله ينتف أبطه فقال له القاص- ما هذا موضع ذا، فصاح به أبو نواس ويلك! وقال: أترد على وأنا فى سنة وأنت فى بدعة، فضحكوا منه. أول من حكم فى نتف اللحية مسروق نتف كوسج لحية الالحى فرفع الى مسروق فدعا بالميزان فنتف لحية الكوسج ووزنها فنقص عما نتف من لحية الألحى، فتممه من رأس الكوسج حتى استوى الميزان.

стр. 356

أول من وضع الإعراب أبو الاسود الدؤلى وهو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان بن كنانة، وأمه من بنى عبد الدار. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حباب بن بشير عن يحيى بن آدم عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود قال: أول من وضع العربية أبو الاسود الدؤلى وجاء به الى زياد بن ابيه- فقال: انى ارى العرب قد خالطت هذه الاعاجم، وقد تغيرت ألسنتها، افتأذن لى أن أضع كلاما يقيمون به كلامهم؟ فقال: لا. فجاء رجل الى زياد: بالبصرة فقال: أصلح الأمير! توفى أبانا وترك بنون، فقال زياد: توفى أبانا، وترك بنون؟ ادعوا أبا الاسود، فقال ضع للناس الذى نهيتك ان تضعه لهم. وأخبرنا أبو احمد عن أبى زيد عن أبى حاتم عن محمد بن عباد عن أبيه قال: سمع أبو الاسود رجلا يقرأ «ان الله برىء من المشركين ورسوله» بكسر رسوله فقال: لا يسعنى الا ان أصنع شيئا أصلح به نحو هذا فوضع النحو وأبو الأسود اول من قال بالقدر، «١» والمسلمون كلهم ينتفون من هذا الاسم فبعضهم يقول: ان اسم القدر انما يلحق من يكثر من ذكر القدر. (فلا يفعل فعلا محمودا أو مذموما ولا يأتى عليه حسنة ولا سيئة الا قال: هذا بقدر الله، وهكذا قدر الله، وقالوا: يقول أهل اللغة لمن يكثر من ذكر الشىء فى حينه وفى غير حينه) «٢» مثل من يكثر من ذكر العسل، انه عسلى أو يكثر من ذكر المساجد انه لمسجدى، قالوا: فهكذا من يكثر من ذكر القدر انه قدرى، وسمى قدريا. وقال آخرون: بل القدرية الذين يزعمون أنهم يقدرون أفعالهم وأمورهم وقد فرغ المتكلمون من هذا الباب فتركت الاستقصاء.

стр. 357

وأبو الاسود أول من نقط المصاحف، وكان فصيحا حازما عاقلا شاعرا مجيدا، وهو أحد البخلاء المذكورين، وأحد البخر المشهورين. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن معاوية عن الاصمعى خدمنا صاحب لنا قال: سأل أبو الاسود أعرابيا، كيف أبوك؟ قال: أخذته الحمى، ففضخته فضخا ففتحته فتحا «١» فطبخته طبخا فتركته فرخا، قال: فما فعلت امرأته التى عهدتها تهاره وتمارّه وتضاره؟ «٢» قال: طلقها وتزوج غيرها فحظيت ورضيت وبطيت، قال: وما بطيت؟ قال: حرف من العربية لم يبلغك قال الاصمعى: هى مثل رضيت. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: تنازع أبو الاسود وامرأته فى ولد منها الى زياد فقال: أنا أحق به منها حملته قبلها، ووضعته قبلها. فقالت: حمله خفا، ووضعه شهوة، وحملته ثقلا ووضعته كرها، قال زياد: صدقت أنت أحق به ما لم تزوجى، أما لو أدركتنا يا أبا الاسود ودونك قوة لاستعملناك على بعض أمورنا. فقال أللصراع تريدنى؟ وكان مما يدل على بخله قوله لولده: لا تجاروا الله فانه أجود وأمجد، ولو شاء ان يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون محتاج فعل، ولا تجهدوا أنفسكم فى التوسع على الناس فتهلكوا هزالا. وقال له بعض الامراء: سمعت أنك شديد على حقك وأنه لا يذهب لك شىء على أحد، فمم ذلك؟ قال: من سوء ظنى بالناس، ومجانبتى أهل الافلاس وقيل له: ما كان أظرفك لولا بخل فيك! فقال: ما خير ظرف لا يحفظ ما فيه؟. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن موسى ابن اسماعيل عن عسل بن مضمر عن سعيد بن يزيد عن بعض أصحابه قال: قال أبو الاسود لمعاوية:

стр. 358

لو كنت مكان أبى موسى ما صنعت كما صنع، قال: وما كنت تصنع؟ قال: كنت أنظر عدة من المهاجرين وعدة من الانصار، ثم أشهدهم بالله تعالى، المهاجرون أحق بالخلافة أم الطلقاء؟ فقال معاوية: أقسمت عليك بالله لا تذكرها أبدا ما عشت! وباسناد لنا عن سفيان الثورى قال: جاء أبو الاسود الى قومه ومات عريفهم، وقد أجمع رأيهم ان يعرفوا رجلا فقال: لا تعرفوا فلانا فانه أهوج أحمق يأكل طعامكم، ويتثاقل عن حاجاتكم، ولكن عرفوا فلانا فانه أهوس أهيس، ملك ملحس، «١» ان طمع انتهز وان سأل أرز «٢» - والاهوس والاهيس الجواد السمح- وسمع أبو الاسود قوما يستشيرون فى تزويج امرأة وخاطبها فقال: زوجوها من عاقل، فان أحبها أكرمها، وان أبغضها أنصفها. أول من صنف فى الفقه مالك بن أنس صنف الموطأ وهو مالك بن أنس بن عامر من حمير، وعداده فى بنى تيم بن مرة من قريش، وكان أبوه أنس بن عامر يروى عن عمر وعثمان وطلحة وأبى هريرة، وحمل مالك ثلاث سنين، وكان شديد البياض، أصلع عظيم الهامة، وكان يأتى المسجد ويقيم صلاته فيه ويقضى حقوق اخوانه فى التهانى والتعازى ثم ترك ذلك فقيل له فيه، فقال: ليس كل الناس يقدر ان يخبر بعذره، وكان يكره حلق الشارب، ويراه مثله، وسعى به الى جعفر بن سليمان، وقالوا: انه لا يرى ان بيعتكم هذه شيئا، فغضب جعفر، ودعا به فجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، فلم يزل بعد ذلك الضرب فى العلو والرفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليا حلى بها، وبلغ من منزلته فى الناس أن أهل المدينة كانوا يستسقون بقلنسوته، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، وله خمس وثمانون سنة ودفن بالبقيع.

стр. 359

أول من صنف الكلام أبو حذيفة واصل بن عطاء قال أبو عثمان: لم يعرف فى الاسلام كتاب كتب على أصناف الملحدين، وعلى طبقات الخوارج، وعلى غالية الشيعة والمشايعين فى قول الحشوية قبل كتب واصل بن عطاء، وكل أصل نجده فى أيدى العلماء فى الكلام والاحكام فانما هو منه، وهو أول من قال: الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، واجماع وأول من علم الناس كيفية مجىء الاخبار وصحتها وفسادها واول من قال: الخبر خبران، خاص وعام، فلو جاز ان يكون العام خاصا، جاز أن يكون الخاص عاما، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون الكل بعضا والبعض كلا، والامر خبرا والخبر أمرا، وأول من قال: إن النسخ يكون فى الأمر والنهى دون الاخبار. وأول من سمى معتزليا، «١» وذلك لمجانبته تقصير المرجئة «٢» . وغلو الخوارج، «٣» وكل من نبز «٤» بشىء أنف منه، مثل الرفض والجبر «٥» والرافض يسمى نفسه شيعى، والمجبر يقول: أنا سنى، ولذلك المرجىء يسمى نفسه شاريا. والمعتزلى راض باسم الاعتزال غير نافر منه، ولا كاره له ولا مستبدل به، لما رضيه له سلفه وكان أبو حذيفة واصل خطيبا راوية قد لقى الناس، وجالس ابن الحنفية وسمع منه، واختلف الى الحسن، وكان طويل الصمت، وكان يظن به الخرس، فقيل لعمرو ابن عبيد: انه أعلم الناس بالرد على أهل البدع والملحدة

стр. 360

فقال عمرو: لا يأتى هذا العنق بخير، وكان واصل العنق، «١» مضطرب الخلق، فلما اجتمع عمرو معه وناظره واصل فى المنزلة بين المنزلتين «٢» لزمت عمرو الحجة، فترك مذهبه، وكان يذهب الى ان الفاسق منافق على قول الحسن، ورأى عمرو من غزارة علم واصل ونفاذه فى وجوه المعرفة ما هاله فقال: أشهد ان الفراسة باطل، والزكن خطأ «٣» وكان مع كماله واجتماع خصال الفضل فيه قبيح اللثغة، «٤» لم تسمع الراء من أحد أفحش مخرجا منه من فيه، وهو شىء لا يتصور فى كتاب، فما زال يروض نفسه حتى أخرج الراء من كلامه، فقال الفضل ابن عيسى الرقاشى: ان كان قد أعد لكل ما يمتحن فيه على جهة التخلص فى غير استكراه، والتوقى من غير تكلف انه لعجيب، وخطب هو وشبيب بن شيبة، والفضل بن عيسى الرقاشى عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأتى الفضل ابن عيسى، وشبيب بن شيبة بكل عجيب من اللفظ، وبديع من المعنى، ثم خطب واصل فانتظم معانيهما فى ألفاظ يسيرة، ثم افتن فيما لم يخطر لهما على بال، ولم يسنح «٥» لهما فى وهم فقال شبيب: أيها الامير! لو قطع كلامه على أول ابتدائه لقيل: هذا ممن نقل اللحن، ويصيب المفصل، وأما الآن فهل سمعت للشيخ وحده؟ فأسنى لهما الجائزة فقبلاها، وردها واصل، فتوهم عبد الله ان يسويه من التفضيل فى الجائزة على قدر فضله فى البراعة، فأضعفها له، فلم يقبلها، وقال: اجعل جائزتك نبش القبص «٦» لاهل هذا البلد، فزاد عجبه من تركه الراء فى الحفر، وتناوله النبش ليتخلص منها. وكان مرة فى بعض الثغور، ففاجأهم

стр. 361

العدو ليلا فسمعوه يقول لغلامه: ألبد الجواد «١» فاستظرفوا توقيه الراء، وهو يكلم غلامه والاظرف أنه كان على ذلك الحال من المخافة والانزعاج. وبلغه ان بشار بن برد الشاعر ذكر عنده عمر فنال منه، وعثمان فشتمه، ثم على رضى الله عنهم جميعا فأنشد: وما خير الثّلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الّذى لا تصحبينا فقال واصل: اما هاهنا أحد يذهب الى هذا الاعمى المشنف المكنى بأبى معاذ فيبعج بطنه على مهاده، فقال: الاعمى ولم يقل: الضرير، وقال المكنى بأبى معاذ ولم يقل: بشار، وقال: المشنف ولم يقل: المرعث- وذلك ان بشارا كان يلقب المرعث، والمرعث المقرط، والرعث القرط، والمشنف المقرط أيضا، والشّنف القرط الذى يعلق فى أعلى الأذن- وقال: يبعج ولم يقل: يبقر، وترك الفراش، وقال: المهاد. واما قولهم: واصل الغزال، فلم يكن غزالا، ولكن كان يجلس الى أبى عبد الله الغزال مولى قطن الهلالى، وكان رضيعه ومن مستحبيه، وذلك مثل ما قيل لابراهيم بن يزيد الخوزى، ولم يكن خوزيا، وانما كان ينزل بمكة بشعب الخوز وأبو سعيد المقبرى ليس بنسب، ولكن كان ينزل المقابر، وقد أجمع أصحابنا أن واصلا لم يمس بيده دينارا ولا درهما قط، ولذلك قال الاسباط بن واصل الشيبانى فى كلمة يرثى فيها واصلا: ولا صرّ «٢» دينارا ولا مسّ درهما ... ولا عرف الثّوب الّذى مرّ قاطعه يقول: لم يدر كم شبرا يقطعه، كما تعرف التجار وقد علمنا ان دعاة واصل فى الآفاق، ورسله الى الاطراف، أنبل من جميع رؤساء النحل. وكان

стр. 362

قد جهز الى افريقية والى خراسان والجبال والى السند والى الثغور والحجاز رجالا يدعون الى مقاله، فهجروا له الاوطان، وخلفوا الازواج والولدان، واهملوا الاموال، وصبروا عن مجالسة الاخوان، وليس هذا بصفة غزال، ولا أحد ممن يعالج الحرف، وقال أبو الطروق يردد ذلك المعنى: متى كان بيّاع الغزول مقدّما ... على كلّ حال فى الرّهان وسابق متى اجتمع الشّرق المنير وغربه ... ليبّاع غزل خامل الأصل مارق أول من وضع اللغة على الحروف وأول من عمل العروض أبو عبد الرحمن الخليل بن احمد وكان من فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد صريح فيهم، وقيل هو مولاهم، وأصله من الفرس،- والفراهيد غنم صغار، واحدها فرهود- وكان الخليل من أزهد الناس وأعلاهم نفسا، وأشدهم تعففا وكان الملوك يقصدونه متعرضين له لينال من دنياهم فلم يكن يفعل ذلك، وكان يعيش من بستان له خلفه أبوه بالجزيرة، «١» وكان يحج سنة ويغزو سنة حتى جاءه الموت. حدثنا أبو احمد عن الصولى عن المغيرة بن محمد المهلبى من حفظه قال: حدثنا خالد بن خداش قال. كان الخليل ابن أحمد يحب ان يرى عبد الله ابن المقفع، وكان عبد الله يحب ذلك، فجمعهما عباد بن عباد المهلبى، فتحدثا ثلاثة أيام ولياليهن، ثم افترقا، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ قال: ما رأيت مثله قط، وعلمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقنع: كيف رأيت الخليل؟ قال: ما رأيت مثله قط، وعقله أكثر من علمه. قال المغيرة: وصدقا فى ذلك، فقد أدى عقل الخليل الى أن مات أزهد الناس، وجهل ابن المقفع فكتب أمانا لعبد الله بن على على المنصور، فقال فيه

стр. 363

ما كان مستغنيا ان يقوله مما لا تتحمل الامراء فضلا عن الخلفاء مثله، فكتب المنصور حين قرأ قوله: «ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله، فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون فى حل من بيعته» فاشتد ذلك على المنصور جدا، وخاصة أمر البيعة، فكتب الى سفيان بن معاوية- وهو أمير على البصرة- أن اقتل ابن المقفع، فقتله. ولم يكن فى العرب أزكى من الخليل بن احمد، وهو مفتاح العلوم ومصرفها. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: سمعت احمد بن يحيى يقول: انما وقع الغلط فى كتاب العين لان الخليل رسمه ولم يحشه، ولو حشاه ما أبقى فيه شيئا، لان الخليل لم ير مثله، وقال: حشا الكتاب قوم علماء، الا انه لم يؤخذ عنهم رواية، وانما وجد بنقل الوراقين، فاختل الكتاب لهذه الجهة. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى، عن محمد بن يحيى الادمى عن عبد الله بن الفضل عن أبيه قال: كان عندنا رجل يعطى دواء لظلمة العين، ينتفع به الناس فمات. فأضر ذلك بمن كان يستعمله. فذكر ذلك للخليل فقال: أله نسخة؟ فقالوا لم نجد نسخة. قال: فهل كانت له آنية يعمل فيها؟ قالوا: نعم. قال: فجيئونى بها، فجاءوه بها، فجعل يتشممه ويخرج نوعا نوعا، (حتى ذكر خمسة عشر نوعا،) «١» ثم سأل عن جمعها، ومقاديرها، فعرف ذلك ممن يعالج مثله، فعمله وأعطاه الناس، فانتفعوا به، مثل تلك المنفعة، ثم وجدت النسخة فى بعض كتب الرجل، فوجد الاخلاط ستة عشر خلطا كما ذكر الخليل، لا يغفل منها الا خلطا واحد. حدثنا أبو أحمد عن الصولى عن اسحاق بن ابراهيم القزاز عن ابراهيم التيمى قال: سمعت عبد الله بن داود الحرسى يقول: قال الخليل بن احمد:

стр. 364

ثلاثة أشياء أنا أحبها لنفسى ولمن أحب رشده: أحب أن أكون بينى وبين ربى من أفاضل عباده، وأكون بينى وبين الخليفة من أوسطهم، وأكون بينى وبين نفسى من شرهم. قال عبد الله: لو كتب شىء بالذهب لكتب هذا. وقال الخليل: اذا أردت ان تعرف خطأ معلمك فجالس غيره. وحدثنا الصولى عن محمد بن يزيد قال: نما الى أن الخليل بن أحمد قال: اذا خرجت من منزلى لقيت أحد ثلاثة: اما رجل أعلم منى بشىء فذلك يوم فائدتى، او مثلى فذلك يوم مذاكرتى، أو دونى فذلك يوم ثوابى. وقال الخليل: أكثر من العلم لتفهم، واختر منه لتحفظ، وقال: أنا أول من سمى الاوعية ظروفا، وانما قيل للانسان ظرف وهو ظريف، لحفظه الادب وقال: أثقل ساعاتى على ساعة آكل فيها. وأول من سمى بأحمد بعد النبى- ﷺ والد الخليل. وأول من سمى عبد الصمد مؤدب لآل مروان. روى أن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان كان فى مكتب عبد الصمد، فساومه بشىء كرهه، فدخل سعيد- وهو غلام- على بعض خلفاء بنى مروان فشكاه اليه فقال: إنّه والله لولا أنت لم ... ينج منّى سالما عبد الصّمد انّه قد رام منّى حظّه ... لم يرمها قبله منّى أحد فهو فيما رام منّى كالّذى ... يطلب الثّعلب فى حبس الاسد فطرده الخليفة واختار لولده مؤدبا غيره. حدثنا أبو احمد عن الصولى عن المبرد عن الحرمى قال: قال الخليل بن احمد: رتبت البيت من بيوت العرب- يريد الخباء- فسميت الاقواء ما جاء

стр. 365

من المرفوع فى الشعر والمخفوض فى قافية واحدة نحو قول النابغة. أمن آل ميّة رائح أو مغتدى «١» .............. ثم قال:.......... وبذاك خبّرنى الغراب الاسود قال: انما سميته أقواء لتخالفه، لان العرب تقول أقوى الفاتل اذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى. قال: وسميت تغير ما قبل حروف الروى سنادا من مساندة بيت الى بيت اذا كان كل واحد منهما ملقيا على صاحبه ليس مستويا، ومثل ذلك من الشعر: عبد شمس أبى فان كنت غضبى ... فاملأى وجهك الجميل خدوشا ثم قال.............. وبنا سمّيت قريش قريشا «٢» قال: وسميت الاكفاء ما اظطرب حرف رويه، فجاء مرة نونا ومرة ميما، والعرب تفعل ذلك لقرب مخرج الميم من النون مثل قوله: بنات وطّاء على خدّ الظّلم ... لا يشتكين عملا ما أنقين مأخوذ من قولهم: بيت مكفاء اذا اختلف شقاه، واللقاة الشقة فى مؤخر البيت، والايطاء من طرح بيت على بيت، وأصله طرح شىء فوق شىء، فكأنه أوطأه اياه، والايطاء رد القافية مرتين.

стр. 366

قال الحرمى: والاخفش يضع الاكفاء فى موضع السناد، والسناد فى موضع الاكفاء على هذا الاستشقاق قال الخليل: وسمى البيت الذى نصفه مثل آخره مصرع وشطره مصراع، كقول امرىء القيس. قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل فكأنه باب على مصراعين قال ذو الرمة: وشعر قد أرقت له ظريف ... أجنّبه المساند والمحالا وقال جرير: ولا الاقواء أو مرس القوافى ... بأفواه الرّواة ولا سنادا «١» أول من ترجم له الطب والنجوم خالد بن يزيد وكان شاعرا فصيحا جوادا قيل له: جعلت أكثر شغلك فى طلب الصنعة، قال: أطلب بذلك أن أغنى الاخوان وأصل الاقارب والجيران، انى طمعت فى الخلافة وأختزلت دونى، فلم أجد منها عوضا الا أن أبلغ آخر هذه الصنعة، فلا أحوج أحدا عرفنى أن يقف بباب السلطان رغبة أو رهبة. قال أبو هلال- أيده الله- ليس من يعتقد ان الكمياء يصح، ويطمع فى قلب الفضة ذهبا أو النحاس فضة بتام العقل، لانه يطمع فى قلب الاعيان، وقلب الطبائع والجبلات عن أصولها، ولا يكون ذلك الا من سخافة العقل وعدم التمييز. أول من صنف فى غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى صنف كتاب المجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن

стр. 367

الازرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسرها له واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أول ما روى فى ذلك، وهو خبر معروف. وكان من عدم معرفته وتقدمه فى العربية ربما لم يتم البيت من الشعر حتى يكسره، ويخطىء اذا قرأ فى المصحف، وكان يبغض العرب ويؤلف فى مثالبها الكتب، ويرى رأى الخوارج، ويرمى باللواط، فبعث به أبو نواس فقال: صلّى الإله على لوط وشيعته ... أبى عبيدة قل بالله آمينا وكان مولى لتميم، ومات سنة عشر ومائتين او احدى عشرة، وقد قارب المائة، وكثير من العلماء والرؤساء المعروفين رموا بذلك، حكى عن الحجاز أنه قال: غلام فى محله أنفع من حوض فى جب، ودخل الجاحظ على المازنى وعنده المبرد- وهو غلام- فأخفى شخصه فى جب عن الجاحظ، وجلسا يتحدثان فعطس المبرد من مكمنه، فقال الجاحظ: من هذا المبرد منا؟ فسمى بذلك. وقال الشاعر: ويوم كنار الشّوق فى الصّدر وال ... حشا على أنّه منها أجرّ وأوقد ظللت به عند المبرّد قائلا ... فما زلت من الفاظه أتبرّد ودخل البحترى مسجد المبرد، فرأى غلمانا ملاحا فقال: ما أحسن المسجد بقناديله! وفى نحو ذلك يقول بعضهم فى مجلس ابن دريد: من يكن للظّباء طالب صيد ... فعليه بمجلس ابن دريد انّ فيه لأوجها قيّدتنى ... عن طلاب العلى بأوثق قيد وأخبرنا أبو أحمد قال: كنا فى مجلس نفطويه، وهى يملى، فدخل غلام وضىء، فقطع الاملاء، وقال: قال رجل من أهل عصرنا:

стр. 368

كم خاس «١» ميعادك يا مخلف ... كم تحلف الوعد تحلف قد صرت لا أدعو على كاذب ... ولا ظلوم الفعل لا ينصف فما شك أحد ممن حضر ان الغلام كان قد وعده فأخلفه، وان الشعر له. وأخبرنا أبو أحمد قال: كنا فى مجلس ابن دريد وكان يتضجر ممن يخطىء فى قراءته، فحضر غلام وضىء، فجعل يقرأ ويكثر الخطأ، وابن دريد صابر عليه، فتعجب أهل المجلس، فقال رجل: يا أهل المجلس! لا تعجبوا فان فى وجهه غفران ذنوبه، فسمعها ابن دريد، فلما أراد ان يقرأ قال: هات يا من ليس فى وجهه غفران ذنوبه، فعجبوا من صحة سمعه، مع علو سنه. وأخبرنا أبو القاسم بن شيراز- ﵀ قال: أخبرنا أبو بكر الجوهرى قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: كان سعيد بن حميد الكاتب قد هوى غلاما من أبناء الاتراك- بسر من رأى «٢» - بارع الجمال، فبذل له خمسين دينارا ليحضره فقال: على أنى اذا أذن العشاء الآخرة انصرفت، فلما وافى أمر بوضع فما فرغوا حتى كان وقت صلاة العشاء الآخرة، فقال سعيد: يا غلام! الدواة والقرطاس، فكتب الى المؤذن: قل لراعى الظّلام أخّر قليلا ... قد قضينا حقّ الصّلاة طويلا ليس فى ساعة تؤخّرها وز ... ر تكافا بها وتأتى جميلا وتراعى حقّ الفتوّة فينا ... وتعافى من أن تكون ثقيلا أول ما ظهر اللواط حين كثر الغزو فى صدر الاسلام وطالت غيبة الناس عن أهليهم، وذلك حين افتتح خراسان، وجمع البعوث فى ثغورها، وسبوا ذرارى المشركين فيها، واتخذوهم وصفاء،

стр. 369

يخدمونهم فى خاص أنفسهم، وطالت الخلوة معهم والصحبة لهم، وعلى حسبها يكون الانس، ورأوهم يجرون مجرى النساء فى بعض صفاتهن، فطلبوا منهم ذلك الفعل فأجابوهم، وأطاعوهم للأنس الذى بينهم، لما عودوهم من شدة الانقياد لهم. وكان ابتداؤه اول ما ظهر من خراسان فى صدر الاسلام ولم يعرف أهل الجاهلية من العرب والعجم أصلا، والدليل على ذلك أنه لم يرو فيه شعر ولا مثل، وكان من عادتهم ان يقولوا الاشعار الكثيرة فى الشىء الزهيد كقولهم فى الفأر والجوز، وحكايتهم عن لسان الضب «١» واليربوع «٢» وغير ذلك، ولو كان معروفا ذلك الفعل عندهم لعيروا به أو وصفوه، فأنهم يصفون مادونه، اما ما روى عن النبى- ﷺ او عن أمير المؤمنين على- ﵇ انه رأى رجلا ينكح رجلا فالقى عليهما حائطا، «٣» فان المنكوح كان مبتلى بالداء الذى يسمى الابنة ولم يكن ذلك لشهوة النكاح، وقد ذكر جماعة من رؤساء العرب فى الجاهلية بهذا الداء، منهم أبو جهل، وكانت الفرس ترى على من به هذا الداء ثم مكن من نفسه ضرب الرقبة، وعلى من فعل به ذلك مثله أيضا، وكانوا يجعلون الناكح بمنزلة القاتل لانه ضيع نطفة كان يكون منها انسان، فكانوا يرون قتله لذلك. أول من صنف فى صنعة عبد الله بن المعتز الف كتابا صغيرا سماه كتاب البديع، «٤» وذكر أن اسم البديع اسم لفنون

стр. 370

من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأخرين بينهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم، ولا يدرون ما هو؟ وقال: وما جمع فنون البديع غيرى، ولا سبقنى اليه أحد، وألفته فى سنة أربع وسبعين ومائتين، وأول من نسخه منى على بن يحيى بن أبى منصور المنجم. وكان عبد الله كثير الادب، بارعا فى الفضل، كامل الأداء فى المعرفة، وهو غاية فى الشعر لا يلحقه فيه أحد من بنى هاشم، وربما ادعى قوم لعلى بن محمد بن طباطبا مشاكلة عبد الله بن المعتز فى الشعر، وذلك أنهم رأوا لعبد الله تشبيهات فى فنون الأشياء، ورأوا لعلى بن محمد كلاما فى بعضها، فظنوا أنهما اتفقا من هذه الجهة وما كل سمراء تمرة، «١» والشأن فى الالفاظ وتسويتها وسلاستها وحلاوتها، فأما المعانى فمطرحة يتناولها كل أحد. وقد يستوى معنى كلامين وبينهما كما بين الثرى والثريا، وأين تقع ألفاظ على من ألفاظ عبد الله؟ وألفاظ على ظاهرة التكلف تعلوها مجاجة أهل الخبل، وألفاظ عبد الله فيها سلاسة أهل العراق وجزالة أهل الحجاز، فمن ذلك قوله فى متنزه ذكره: الا ربّ يوم قد لبست ظلاله ... كما أغمد القين الحسام اليمانيا «٢» وان ثقبته العين لاقت قراره ... تخال الحصى فيها نجوما رواسيا اذا ما تمشّت فىّ عين خريدة «٣» ... فليست تخطانى الى من ورائيا

стр. 371

وليل كجلباب الشّباب قطعته ... بفيتان صدق يقبلون الامانيا وأنّا رأينا المشرفيّات والقنا ... وبذل النّدى للمكرمات مراقيا «١» وجمع سقينا أرضه من دمائه ... ولو كان عافانا قبلنا العوافيا ودسناهم بالضّرب والطّعن دوسة ... أماتت حقودا ثمّ أحيت معاليا وقوله: اذا لاح روض منه ظلّل روضه ... نسيم ضعيف الجانبين رقيق ترى هاجع الانوار ترفع جفنه ... كذى الغشى يلقى راحة فيفيق «٢» وقوله: والرّيح تجذب أطراف الرّداء كما ... أفضى الشّقيق إلى تنبيه وسنان وقوله: وحلت عليها ليلة رحبيّة «٣» ... اذا ما صفا فيها الغدير تكدّرا

стр. 372

طويلة ما بين البياضين «١» لم يكن ... ليصدق فيها صبحها حين بشّرا كأنّ الرّباب الجون دون سحابه ... خليع منّ الفتيان يسحب مئزرا «٢» اذا لحقته لوعة من ورائه ... تلفّت واستلّ الحسام المذكّرا «٣» وقوله: وقد علا الطّود نيلا من أصائله ... كما يصفّر فودى رأسه الخرف «٤» الى محاسن كثيرة يضيق الوقت عن استيعابها والاحاطة بكلها او بجلها وانظر الآن الى تكلف على بن محمد فى قوله يصف النجوم: نجوم أراعى طول ليل بروجها ... وهنّ لبعد السّير ذات لعوب كأنّ الّتى حول المجرّة أوردت ... لتكرع «٥» فى ماء هناك صبيب ولا صبح الّا رائد الرّيع «٦» اذ رأى ... اوائل مرعى اللّيل غير خصيب

стр. 373

كأنّ رسول الفجر يخلط فى الدّجى ... شجاعة مقدام بجبن هيوب وهذه الألفاظ لا ماء لها ولا طلاوة «١» عليها وقال: وأصبح كالسّماء الأرض لونا ... وقد أخذت تقطّر من جمود رخاما سقفها يحكى رخاما ... فمن ثلج وغيم ذى ركود كأنّ الشّمس مرآة تراءى ... لنا ولها شعاع ذو خمود متى تر شمس دجن خلف غيم ... ترى المرآة فى كفّ الحسود تقابلها فتلبسها عشاء ... بأنفاس تزايد فى الصّعود وهذا كما ترى شعر ساقط لا خير فى لفظه ووصفه، وكذلك أكثر شعره الا ماندر، وهو قليل. ولعبد الله من النثر ما لا يتعلق به شىء من الكلام، فمن ذلك قوله: «العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره، اذا الباغى بغى عليك، قام الداعى بك، العقل غريزة يزينها التجارب، الحكمة شجرة تنبت فى القلب، وتثمر فى اللسان، النفس أدنى عدو، النصح بين الملأ تقريع، المتواضع فى طلب العلم أكثر علما، كما أن المنخفض من الارض أكثر البقاع ماء، اذا زاد العقل نقص الكلام، نعم الجهال كرياض المزابل، «٢» الشفيع جناح الطالب، منع الحافظ خير من عطاء المضيع، الآمال لا تنتهى، والحى

стр. 374

لا يكتفى، فى العواقب شاف او مريح، الدار الضيقة العمى الاصفر، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح، المعرفة بالفضيلة عليك فضيلة منك، ثب على الفرصة او دع، «١» قلوب الاخيار حصون الاسرار، أهل الدنيا كصورة فى صحيفة لا ينشر بعضها الا اذا طوى البعض، من لم يتعرض للنوائب تعرضت له، أفقرك الولد وعاداك، من تكلف مالا يعنيه فاته ما يعنيه، الغضب ضد العقل، النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها الا أن تجدد حطبها، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، ولكن فقد الحاملين سبب عدمه، المعروف غل «٢» لا يكفه الا الشكر او المكافأة، لا راحة لحاسد، ولا حياء لحريص، الحرمان مع الحرص، الذل مع الدين، لا يكفيك من لم تكفه» وله شىء من هذا المعنى كثير. ولما توفى المكتفى قام العباس بن الحسن، فأمر المقتدر، وأخذ البيعة له بالخلافة، فاستخلف وهو صبى لم يبلغ، ثم قتل طائفة من الجند العباس بن الحسن، وخلعوا المقتدر، وبايعوا عبد الله بن المعتز، واستوزروا له محمد بن داود بن الجراح، فمكث بذلك ليلة، فلما كان من الغد، أنفذ عبد الله الحسين بن حمدان، فى جند الى دار المقتدر بالله، فخرج اليه الخزر والاتراك، وأخذه العامة بالضجيج وانهزم، وخرج عبد الله هاربا الى البردان «٣» ، ثم جلس فى زورق صياد فعاد الى بغداد، فأدخل دار المقتدر فكان آخر العهد به، فورد على الناس ما لم يروا أعجب منه قط، وهو رجوعه الى بغداد على غير عهد ولا عقد بها، وكان قد بويع له بالخلافة، وخرج معه وجوه القواد، وكبراء الناس. فقال الناس: لم يكن به بأس، ولكن أدركته حرفة الأدب.

стр. 375

الباب الثامن فيما جاء من ذكر النساء

стр. 376

أول امرأة خفضت وثقبت أذنها هاجر أم اسماعيل أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم بن سعيد الجوهرى عن الواقدى عن ابن أبى سبرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أكرم ابراهيم النبى- ﷺ هاجر، فشق ذلك على سارة، قالت: تصنع بأمتى هذا؟ فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أطراف، فخاف ابراهيم أن تمثل بها، قال: الا أدلك على ما تبرين به يمينك؟ قالت: بلى. قال تخفضينها وتثقبين أذنيها، فكانت هاجر أول من خفضت وثقبت أذناها فجعلت فيها قرطين، فقالت سارة: ما أرى هذا زادها الا حسنا. أول امرأة اكتحلت بالاثمد زرقاء اليمامة واسمها طسم، وسميت بلدها بها، قال محمد بن حبيب: كانت تبصر من مسيرة أيام، وكانت من جديس طسم، «١» خرج قوم من طسم الى حسان تبع، فاستجاشوه على جديس، فجهز اليهم جيشا، فلما صاروا فى الجو على مسيرة ثلاثة أيام، صعدت فرأت الجيش، وقد حمل كل رجل منهم شجرة يستتر بها ليلبسوا عليها، فقالت: قد أتتكم الشجر، وأتتكم حمير قد أخذت شيئا شجرة، فلم يصدقوها، فقالت: أحلف لقد أرى رجلا ينهش كتفا أو يخصف

стр. 377

نعلا! فلم يصدقومها فصبحهم حسان فاجتاحهم وأخذ الزرقاء، فشق عينيها، فاذا فيها عروق سود من الاثمد فقال الاعشى يصفها: اذا نظرت نظرة ليست بكاذبة ... ورفّع الآل رأس الكلب فارتفع قالت: أرى رجلا فى كفّه كتف ... او يخصف النّعل لهفا أيّة صنع أول من غنى الغناء العربى طويس وقالوا جرادة جارية ابن جدعان، فمن قال ان طويسا أول من غنى قال: كانت الفرس والروم فى أيام ابن الزبير- لما هدمت الكعبة- يبنونها ويغنون بألحانهم، فسمعها المغنون فنقلوها الى العربى، وكانوا قبل ذلك لا يتجاوزون الرمل والهزج «١» واول من ابتدأه طويس، وطويس اول مشئوم ولد فى الاسلام، ولد يوم توفى- ﷺ وفطم يوم مات أبو بكر- رضى الله عنه- وبلغ الحلم يوم قتل عمر- رضى الله عنه- وتزوج يوم قتل عثمان- رضى الله عنه- وولد له يوم قتل على- رضى الله عنه وكان يكنى أبا عبد النعيم، «٢» وكان يقول: أنا أبو عبد النعيم، وأنا طاوس الجحيم، واحتج من قال: ان أول من غنى جرادة، بأن اسحاق الموصلى ذكر للجرادتين، جاريتى عبد الله بن جدعان فى المائة المختارة لحنا من الثقيل الاول وهو: أقفر من أهله مصيف ... فبطن نخلة فالعريف هل تبلغنّى ديار قومى ... مهريّة سيرها لفيف «٣» يا أمّ عثمان نوّلينا ... قد ينفع السّائل الطّفيف أعمامها الشّم من لؤىّ ... صيد وأخوالها ثقيف «٤»

стр. 378

ولم تزل الجرادتان فى ملك ابن جدعان حتى أسن فوهبهما لامية ابن أبى الصلت. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الزبير بن بكار عن جعفر ابن الحسن عن ابراهيم بن أحمد قال: قدم أمية بن أبى الصلت على عبد الله بن جدعان فلما دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما أتى بك! قال: كلاب غرماء نبحتنى ونهشتنى، فقال له عبد الله: وأنا على حقوق لزمتنى، فأنظرنى قليلا أنجم «١» ما فى يدى، وقد ضمنت قضاء دينك، ولا أسألك عن مبلغه، فأقام أياما ثم أتاه، فأنشأ يقول: أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك انّ شيمتك الحياء وعلمك بالامور فأنت قرم ... لك الحسب المهذّب والسّناء كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء تبارى الرّيح مكرمة وجودا ... اذا ما الكلب اجحره «٢» الشّتاء اذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثّناء فلما أنشده هذا الشعر، كانت عنده قينتان قال: خذ أيهما شئت، فأخذ احداهما وانصراف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، فقالوا: قد ألفيته عليلا، فلو رددتها عليه، فانه يحتاج الى خدمتها كان ذلك أقرب لك عنده، وأكثر من كل حق ضمنه، فوقع الكلام من أمية موقعا، فرجع

стр. 379

ليردها، فقال له ابن جدعان: لعلك انما تردها لان قريشا لاموك على أخذها، فقال: ما أخطأت يازهير، وأنشد: عطاؤك زين لامرىء ان حبوته ... كسيب وما كلّ العطاء يزين وليس بشين لامرىء بذل وجهه ... اليك كما بعض السّوال يشين فقال عبد الله خذ الاخرى، فأخذهما وخرج، فلما صار الى القوم أنشأ يقول: وما لى لا أحيّيه وعندى ... مواهب يطّلعن من النّجاد لأبيض «١» من بنى عمرو بن تيم ... وهم كالمشرفيّات الحداد لكلّ قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرّأس تقدم كلّ هادى عماد «٢» البيت قد علمت معدّ ... وانّ البيت يرفع بالعماد له داع بمكّة مشمعلّ «٣» ... وآخر فوق دارته ينادى الى ردح من الشّيزى عليها ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد «٤»

стр. 380

وقال فيه: ذكر ابن جدعان بخير ... كلّما ذكر الكرام من لا يخون ولا يعق ... ولا يبخّله الانام «١» يهب النّجيبة والنّجيب له الرّحالة والزّمام «٢» وذكر أبو اسحاق الموصلى ان اول من غنى الغناء العربى سعد بن منجح أبو عثمان «٣» ، وقالوا: أبو عيسى مولى لبنى مخزوم ومن عنائه: أسلام انّك قد ملكت فاسجحى ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح «٤» منّى على عان أطلت عناءه ... فى الغلّ عندك والعناة تسرّح «٥» إنّى لأنصحكم وأعلم أنّه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح والذى عليه أكثر العلماء أن طويسا أول من غنى الغناء العربى. أول امرأة بايعت النبى من نساء الأنصار أم عامر الأشهلية أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى عن أسامة بن زيد الليثى عن داود بن حصين عن أبى سفيان مولى أبى أحمد قال: سمعت أم عامر الأشهلية تقول: جئت أنا وليلى بنت الحطيم وحواء بنت يزيد بن السكن، فدخلنا عليه، يعنى على

стр. 381

النبى- ﷺ ونحن متلفعات بمروطنا «١» بين المغرب والعشاء، فسلمت ونسبنى فانتسبت، ونسب صاحبتى فانتسبتا، فرحب بنا ثم قال: حاجتك، فقلت: يا رسول الله! جئنا نبايعك على الاسلام، فقد صدقناك، وشهدنا ان ما جئت به حق، فقال رسول الله- ﷺ قد بايعتكن، قالت أم عامر: فدنوت منه، فقال: انى لا أصافح النساء، قولى لالف امرأة كقولى لامرأة واحدة. وقد روينا ان عليا- ﵇ قال لمعاوية فى بعض منازعاتهما: يا ابن اللخناء، «٢» فقال معاوية: دع أبا الحسن ذكر أمى، فما هى بأخس نسائكم، وقد بايعت النبى- ﷺ فصافحها، وما رأيته صافح امرأة غيرها، فعلى مقتضى هذا الخبر، تكون هند أول من صافحها رسول الله- ﷺ من النساء «٣» . وقالوا: أول من بايعت النبى- ﷺ أم سعد كبشة بنت رافع، وأم عامر بنت يزيد بن السكن وحواء بنت يزيد بن السكن. أول امرأة قطعت فى السرقة قلابة بنت سفيان المخزومية قطعها النبى- ﷺ وشفعوا لها، فقال-: ﷺ لو سرقت فاطمة لقطعتها. أول امرأة حدت فى القذف حمنة بنت جحش أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حسين بن ابراهيم عن فليح بن سليمان الأسلمى عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثى وعبيد الله ابن عبد الله قالوا: قالت عائشة: كان

стр. 382

النبى- ﷺ اذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بيننا فى غزاة غزاها، فخرج سهمى، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فاتخذ لى هودجا، وسرنا ثم نزلنا عند القفول منزلا، فلما حان الرحيل قمت فمشيت، فلما قضيت حاجتى وأقبلت مسست صدرى، فاذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته، واحتمل هودجى، فرحلوه وهم يحسبون انى فيه- وكان النساء اذ ذاك خفافا، إن إحداهن تأكل العلقة من الطعام «١» . فأقبلت وقد ارتحلوا، فجلست، ثم غلبتنى عيناى فنمت، وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش، فلما أصبح رأى سوادا، فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه، «٢» ثم ركبت راحلته حتى أتيت الجيش بعد ما نزلوا فى نحر الظهيرة، «٣» فتكلم المنافقون، والذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول، وقدمنا المدينة، واشتكيت شهرا لا أشعر بما يفيض فيه أصحاب الافك، ثم خرجت مع أم مسطح، فعثرت فى مرطها فقالت: تعس مسطح «٤» فقلت: بئس ما قلت! أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: يا هنتاه! «٥» ألم تسمعى ما يقولون؟ فأخبرتنى بقول أهل الافك، فازددت مرضا. واحتبس الوحى، فاستشار النبى- ﷺ على بن أبى طالب وأسامة ابن زيد- ﵀ فى فراقى، فقال أسامة: ما نعرف الا خيرا، وقال على: يا رسول الله! لا تضيق على نفسك، فان النساء كثير، ثم انزل الله تعالى

стр. 383

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... «١» الآيات الى آخر القصة، فأتاها رسول الله- ﷺ فقالت: بحمد الله لا بحمدك، ثم أمر رسول الله بحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش فجلدوا ثمانين ثمانين. فهؤلاء أول من جلد فى القذف، ثم قال حسان: يعتذر عما كان منه، ويمدح عائشة- رضى الله عنها- حصان رزان لا تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «٢» فقالت عائشة:- رضى الله عنها- لكنك يا حسان لست كذلك، وكان أبو بكر- رضى الله عنه- ينفق على مسطح، فحلف ليقطعن عنه النفقة، فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى ... الى قوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ «٣» فقال أبو بكر: بلى نحب ذلك، وعاد فى النفقة هذا معنى الحديث. أول امرأة حملت فى نعش من العرب زينب بنت جحش زوج النبى- ﷺ ورضى الله عنها، وقد ذكرنا أمر النعش فيما تقدم. أول ظعينة هاجرت «٤» الى المدينة أم سلمة زوج النبى- ﷺ -

стр. 384

أول بكر هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، فتزوجها زيد بن حارثة، ثم تزوجها الزبير بن عبد الرحمن بن عوف ابن عمرو بن العاص. أول امرأة نبئت سجاح بنت سويد بن خالد أخبرنا أبو احمد عن رجل نسيت اسمه قال: قال عمر بن بكير عن هشام ابن الكلبى عن عوانة أو غيره قال: كان من حديث سجاح بنت سويد بن خالد ابن أسامة بن العنبر بن يربوع التميمية، وتكنى أم صادر، وأخوها عتبان وكانوا من بنى تغلب، فلما قبض النبى- ﷺ واستخلف أبو بكر، وكانت الردة، نبئت سجاح، وخرجت من بنى تغلب، فتبعها أناس كثيرون من النمر ابن قاسط وأياد. ومن بنى تغلب الهذيل بن عمران. فخرجت تسير بهم الى بلاد بنى تميم، فلقيها بنو حنظة فقالت: انا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بعثت نبية، قالوا، مرينا، قالت: ان رب السماء والتراب يأمركم ان توجهوا الركاب، وتستعدوا للنهاب، ثم تغيروا على الرباب، «١» فليس دونهم حجاب. فسارت بنو حنظلة الى بنى ضبة، وهم من الرباب، وسارت سجاح ومن معها من بنى تغلب والنمر ابن قاسط الى حفر التيم، وعليه من الرباب بنو عدى وثور، فأما بنو حنظلة فلقوا بنى ضبة، فهزمتهم، ولقيت سجاح ومن معها تيما وعديا وثورا، فقاتلوهم قتالا شديدا، وجاءتهم وفود بنى تغلب والنمر وأياد، وأرسلت بنو ضبة يطلبون الى حنظلة أن يودوا «٢» قتلاهم، ويصالحوهم، فقالت: لا تعجلوا على الرباب فانهم يحثون نحوكم الصعاب.

стр. 385

ثم قالت: عليكم باليمامة، فانها دار اقامة، نلقى أبا ثمامة، فان كان نبيا ففى النبى علامة، وان كان كذوبا فله ولقومه الندامة، ولا يلحقكم بعد ملامة، فخرجوا نحوها ومعها عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد، وعمرو بن أهثم، والاقرع بن حابس وشبث بن ربعى وهو مؤذنها- فساروا حتى نزلوا الصمان، «١» فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب- وكان قد تنبأ- فتجسس أهل اليمامة لها- فقال مسيلمة: دعونى ورأيى، فأهدى لها، وكتب اليها، ان موعدنا يوم كذا نلتقى فيه، ونتدارس، فان كان الحق بيدك بايعناك، وان كان فى أيدينا بايعتنا، فخرجت فى أربعين، فلما جلسوا أحصاهم، ثم قال ليقم من هاهنا عشرة، ومن هاهنا عشرة، ومن هاهنا عشرة، ومن هاهنا عشرة، حتى ننظر من صاحب الأمر، فقاموا. فقال مسيلمة لغلامه: عثن لها لتذكر الباه- والعثان الدخان- أى بخر لها بشىء من الطيب- فقال مسيلمة: لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ولكن قريشا لا يعدلون، رحم الله من سمع، وما زال أمره فى كل ما شاء مجتمع، وأطمع فى الخير فطمع، أراكم الله محياكم، ومن رجز «٢» خلاكم، ويوم القيامة نجاكم، علينا صلوات من معشر أبرار، لا أشقياء ولا نجار، يصلون بالليل، ويصومون بالنهار، ولربهم الكبار، رب النور والأمطار، ولما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم انبسطت، النساء يأتون، والخمر يشربون، أنتم معشر الابرار، سبحان ربى كيف يحيون، والى رب السماء يرقون، لو أنها حبة من خردلة فى جندلة «٣» لقام عليها شهيد، يعلم ما فى الصدور، أكثر الناس، يومئذ المثبور، «٤» قالت: أشهد أنك نبى، وآمنت به.

стр. 386

فقال: انكن- معشر النساء- خلقتن لنا أفراجا، وخلقنا لكم أزواجا، فاذا ملكناكن أرتجن لنا ارتجاجا، «١» فنولجه فيكن ايلاجا، فتخرجن أولادا انتاجا، قالت: صدقت. ثم قال: ألا قومى الى البيت ... فقد هيىّ لك المضجع فان شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع وان شئت سلقناك ... وان شئت على أربع قالت: بذلك أوحى الى. قال: هل لك أن تزوجينى نفسك، فيكون الملك بيننا، ونخفف عن عشيرتنا؟ قالت: نعم. فتزوجها وانطلق الى اليمامة، وتركت الجمع الذى كان معها بالصمان، ورفع مسيلمة عن بنى تميم صلاة الغداة «٢» والظهر والعشاء، وقال: ان بنى تميم لقاح لا أتاوة عليهم- يعنى الخراج- فعامة بنى تميم لا يصلون هذه الصلوات الى اليوم فلم تزل عند مسيلمة الى ان قتل، فهربت فلم توجد، ثم أسلمت فتزوجها رجل من قومها، فولدت له ثلاثة وماتت بالبصرة. قالوا: ولما وقع عليها مسيلمة، خرجت هى قومها وهى تنظف عرقا، قالوا: ما عندك؟ قالت: وجدته أحق بالامر منى، فبايعته، وزوجته نفسى، قالوا: ومثلك لا يتزوج بغير مهر؟ فقال مسيلمة: جعلت مهرها ان رفعت عنكم صلاة الغداة والعتمة، «٣» فقد أوحى الى بذلك. قالوا: وما هو؟ قال: ضفدع بنت ضفدعين رأسك فى الماء ورجلك فى الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الاكرمين، قومى ادخلى التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمدين، فرضوا، فلما عرف قومها حالها قال عطارد بن

стр. 387

حاجب بن زرارة: أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا فلعنة الله ربّ النّاس كلّهم ... على سجاح ومن بالإفك أعوانا أعنى مسيلمة الكذّاب لا سقبت ... أصداءه غيث مزن حيث ما كانا «١» وقال الاغلب العجلى: انّ سجاحا لاقت الكذّابا ... سألها فأعيت الجوابا وهتكت عن سترها الحجابا ... فلا أهلا لقيت ولا رحابا أول امرأة لبست المصبغات فى الإسلام شميلة أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن شباب بن خياط عن الهيثم بن عدى عن ابن عباس عن الشعبى قال: كانت شميلة أول من لبست المصبغات، وعملت السقوف، وعبأت الطيب، وكانت تحت ابن عباس، فربما أخذ دملجها «٢» فتأتى به امرأة ذرعة بنت مشرح أم على فتقول: هذا طوق شميلة، فتقول: انه لحسن فتقول: انه والله دملجها، فتقول: لا بارك الله لك ولا لها! وكان ابن فسوة وهو عتيبة بن مرداس قد أتى ابن عباس فحجبه، «٣»

стр. 388

فجعل يهجوه، ويذكر شميلة، فمما قال: أتيت ابن عبّاس أرجّى نواله ... فلم يرج معرفى ولم يخش منكرى وقال لبوّابيه: لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب من كلّ منظر ويسمع أصوات الخصوم وراءه ... كصوت حمام فى القليب المغوّر فلو كنت من زهران قضيّت حاجتى ... ولكنّنى مولى جميل بن معمر فليت قلوصى عرّيت أو رحلتها ... الى حسن فى داره وابن جعفر اذا هى همّت بالخروج يصدّها ... عن القصد مصراعا منيف محيّر يطالع أهل الشّوق والباب دونه ... بمستفلك الذّفرى أسيل المذمّر «١» أول ما عرفت الجمازات ان أم جعفر أمرت الرجالين فى بعض مسيرها خلف الرشيد، أن يزيدوا فى سير البختية، وخافت فوت الرشيد، فلما حركت مست ضروبا من المشى من المرفوع وجمزت «٢» فى خلال ذلك، ووافقت امرأة حسنة الاختيار، تفهم الامر، فوجدت لذلك الجمز رائحة، ومع الراحة لذة، فأمرتهم ان يسيروها تلك المسيرة، فمازالوا يقربون ويبعدون، ويخطئون ويصيبون، وهى فى

стр. 389

خلال ذلك تخطئهم وتصوبهم، حتى شدوا من معرفة ذلك شدوا، «١» ثم انها قرعتهم لاتمام ذلك حتى تم واستوى، وقد تقع مثل هذه الامور اتفاقا، كما سقط الناطق «٢» من كف الاجير فى الصفر «٣» المذاب فخاف أهله فساده، ثم رأوا ما أعطى من اللون فعملوا فى الزيادة والنقصان، وكان ذلك فى دولة الاسلام، ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الشبه البتة. أول امرأة جلدت فى زنبيل أم جعدة الليثى وهى جدة بنى جعدة، أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن يحيى بن أبى غسان عن بحر بن على، ان ابنة لعثمان بن عفان كانت تحت مروان بن الحكم،- وهو يومئذ أمير على المدينة- وكانت تحب الحديث، وكان ممن يحدث اليها رجل من بنى ليث، ثم أحد بنى سجع يقال له: عبد الرحمن بن عمر بن شييبة، وكان يلقب خان الجمال وكان ذلك يبلغ مروان فيكذب به، وكان أخوا مروان عبد الرحمن ويحيى يطالبان أن يخلى بينه وبينهم، فبينما هم على ذلك إذ خرج مروان حاجا، فبلغ أخوته حين دخلوا مكة ان قد أدخلته، فرفعوا ذلك الى مروان. وقالوا: ائذن لنا ننهض اليه فنقتله، فزجرهم عن ذلك فألحوا عليه، حتى اذا كان يوم النفر الأول ألحوا عليه فقال: دونكم وما تريدون، فخرجوا، وسمع ذلك خصى على رأس مروان فانسل، وجعل يسأل عن منازل بنى ليث، حتى دخل عليهم، فوجد عبد الرحمن بن جحش،- وهو ابن عم الرجل- فقال له: تعرف ابن عمك خان الجمال؟ قال: نعم. قال: تعلم ان بنى الحكم، قد استأذنوا الامير ان يخرجوا ليقبضوا عليه فى دار مروان؟ قال وما علمك بذلك؟ قال:

стр. 390

كفيتك. أنه عندها فر رأيك. ثم ولى. قال فقلت: أبعده الله وأسحقه! ثم أدركتنى الرحم فقمت الى ناقتى الزلوج فارتحلتها، ثم أخذت بزمامها حتى جئت العقبة، فسألت عندها: هل رمى أحد؟ قالوا: نعم. مر الآن ركب متنكرون فرموا ثم ولوا سراعا. فرميت ثم مضيت سريعا، حتى دخلت المسجد الحرام، فسألت أهل الطواف عنهم فقالوا: نعم طاف الآن بنو الحكم وغلمان لهم، ثم مضوا على رواحلهم، فركبت، فلا أمر على أحد الا قالوا: مروا سراعا، حتى نزلت السرج، «١» فأشير لى اليهم، أنظر الى عمائمهم، فسرت حتى أمسيت، وجاوزت بريديدعة، «٢» نظرت الى بياضهم معرسين، قال: فنزلت وعلقت الزمام الى عنق راحلتى، ثم خرجت وخرجت وراءها، وعدلت ذات الشمال عن المحجة، فاستيقظ رجل منهم فقال: من هذا؟ قلت: فحام، قال: أمض راشدا حتى اذا تواريت منهم أنخت وركبت، ووضعت السوط فى الراحلة، فجئت المدينة من الغد، حيث صليت العتمة، فأنخت عند باب المسجد الذى عند باب مروان- والقاضى أبو هريرة- فسألت عنه فقيل: انصرف، وأخذت بحلقة المسجد، وصحت بأعلى صوتى- أنا عبد الله بن جحش وقد سبقنا الحاج، وتركت الامر صالحا، لا يقولن أحد انى كنت قبله، ورددت ذلك مرارا حتى علمت أن من فى الدار قد سمع صوتى، فلما رأيت ذلك قلت أيضا: أنا ابن جحش وهى الزّلوج ... حمراء فى حاركها دموج «٣» كأنّ فاها قتب مفروج ... يأيّها الفوّاقة والولوج «٤»
следующие страницы →