← Адаб

Адаб · id 10529

الأوائل للعسكري

أبو هلال العسكري

Полный текст (423 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكان الذى ملك جذيمة على ثغر العرب ازدشير بن بابك، وأنزله الحيرة، وكان عقيما لا يولد له، واختلف فى نسبه فقيل: من العماليق، «١» وقيل: من الأزد، وقيل: من تنوخ، وكان شديد الكبر، فمن كبره أنه كان ينادم الفرقدين «٢» ذهابا بنفسه، يشرب قدحا، ويصب لكل منهما قدحا، قال متمم: وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتىّ قيل لن يتصدّعا فلمّا تفرّقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا حتى نادمه مالك وعقيل، وفيهما يقول الشاعر: تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء «٣» لو علمت جليل فلا تحسبى أنىّ تناسيت عهده ... ولكنّ صبرى يا أميم جميل ألم تعلمى قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل وجذيمة هو الذى يقول: أضحى جذيمة فى تزيين منزله ... قد حاز ما جمعت من قبله عاد

стр. 72

وكان من أحسن الناس وجها، فخطب «١» الزباء بنت عمر ابن طريف من العماليق، وكانت على الشام والجزيرة من قبل الروم، وكانت قد بنت على شاطىء الفرات من الجانبين قصورا ومدائن، وهى إلى اليوم قائمة خربة، وكانت حصينة لا يسلكها سالك، ولا يدركها طالب، وقد سقفت فى الفرات أنفاقا بين مدينتيها، تفزع إليها إذا حزبها أمر، وكانت تغزو من حولها من العرب، فغزت دومة «٢» الجندل وتيماء، «٣» وهو الأبلق، فامتنع عليها، فقالت: «تمرد مارد «٤» وعز الابلق» «٥» فأرسلتها مثلا، فاجابت جذيمة، وكانت بكرا، فجمع أصحابه فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضى، وخالفهم قصير بن سعد اللخمى، وكان لبيبا، وقال: إن النساء يهدين إلى الأزواج، فعصاه وسار حتى كان بمكان يدعى بقة بين هيت والأنبار، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالشخوص إليها، لما علموا من رأيه فيها، فقال له قصير: انصرف ودمك فى وجهك فأبى، فقال قصير: «لا يطاع لقصير أمر» ، فأرسلها مثلا، وطعن جذيمة حتى عاين مدينتها، والكتائب دونها هالة، فقال لقصير: ما الرأى؟ فقال: (تركت الرأى ببئر بقة) ، ثم قال: وعلى هذا إن لقيتك الكتائب فحيوك تحية الملوك، وساروا أمامك. فقد كذب ظنى، وإن أخذوا جنبيك فإنى معرض لك العصا، وهى (لا يشق غبارها) . (وكان جذيمة استعمل على ملكه ابن أخته عمرو بن عدى بن النضر بن ربيعة اللخمى، فلم يشعر ذات يوم أن رأى العصا عليها قصير فقال: (خبر ما جاءت به العصا) فأخبره قصير الخبر، وقال: أطلب بثأرك منها قال: (كيف وهى

стр. 73

أمنع من عقاب الجو) ؟ فقال قصير: أما إذا أبيت، فإنى سأحتال (فدعنى وعداك ذم) «١» فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم أتى الزباء، فقالت: (لأمر ما جدع قصير أنفه) فقال: أتهمنى عمرو فى مشورتى على خاله بإتيانك فجدعنى، فلم تقر نفسى عنك، وان لى مالا كثيرا بالعراق، فأعطينى شيئا، وأرسيلنى بعلة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه من طرائف العراق، ففعلت، فأطرفها وزادها مالا كثيرا، وقال: هو ربح، فاعجبها وسرت به، فردته ثانية، فأطرفها وزادها، وتلطف حتى علم موضع الانفاق، ثم ردته ثالثة، فأتى عمرا فقال: أحمل الرجال فى الصناديق على الابل، ففعل، وفيهم عمرو، فلما وافاها، نظرت إلى العير، فقالت: إن العير لتحمل صخرا أو تطأ فى وحل، وصنع لها رجز فقالت: ما للجمال مشيها وئيدا «٢» أجندلا «٣» يحملن أم حديدا أم صرفانا» تارزا شديدا ... أم الرّجال جثّما قعودا «٥» ودخلت العير المدينة، وكانت أفواه الجواليق مربوطة من قبل الرجال فحلوها، ووقعوا إلى الأرض مستلمين، وشدوا عليها فخرجت هاربة تريد السرب، فاستقبلها قصير وعمرو فضربها عمرو فقتلها، ويقال: بل كان لها خاتم فيه سم فمصته، وقالت: (بيدى لا بيد عمرو) «٦» فماتت، وسبيت الذرارى، ونهبت الأموال، فقالت العرب فى أمرها أشعارا كثيرة: فمن ذلك

стр. 74

قول المتلمس: ومن حذر الاوتار ما حزّ أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس وقال نهشل: ومولى عصانى واستبدّ برأيه ... كما لم يطع بالبقّتين قصير فلمّا رأى ما غبّ أمرى وأمره ... وولّت بأعجاز الأمور صدور تمنّى أنيسا أن يكون أطاعنى ... وقد حدثث بعد الأمور أمور وقال عدى بن زيد «١» ألا يا أيّها المترى المرجّى ... الم تسمع بخطب الأوّلينا دعا بالبقّة الأمراء يوما ... جذيمة ينتحى عصبا تبينا «٢» فطاوع أمرهم إلّا قصيرا ... وكان يقول لو تبع اليقينا ودسّت فى صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولان تدينا ففاجأها وقد جمعت فيوجا «٣» ... على أبواب حصن مصلتينا

стр. 75

فأردته ورغب النفس يردى ... ويبدى للفتى الحين المبينا وحدّثت العصا الانباء عنه ... ولم أر مثلها فرسا هجينا «١» وقدّدت الأديم لراهشيه «٢» ... وألفى قولها كذبا ومينا ومن حذر الملاوم والمخازى ... وهنّ المندبات لمن منينا أطفّ «٣» لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا فأهواه لمارنه «٤» فأضحى ... طلاب الوتر مجدوعا مشينا وصادفت امرأ لم تخش منه ... غوائله وما أمنت أمينا فلمّا ارتدّ منها أرتدّ صلبا ... يجرّ المال والصّدر الضغينا «٥» أتتها العيس تحمل مادهاها ... وقنّع فى المسوح الدّار عينا ودسّ لها على الانفاق عمرا ... بشكّته «٦» وما خشيت كمينا

стр. 76

فجللها قديم الأثر عضبا ... يصكّ به الحواجب والجبينا «١» فأضحت من خزائنها كأن لم ... تكن زبّاء حاملة جنينا وأبرزها الحوادث والمنايا ... وأىّ معمّر لا يبتلينا ولم أجد الفتى يلهو بشىء ... ولو أثرى ولو ولد البنينا وإن أمهلن ذا جد «٢» عريض ... علقن به «٣» وإن فرّطن حينا الم تر أنّ ريب الدّهر يعلو ... أخا النّجدات والحصن الحصينا أول عربى لبس الطوق عمرو بن عدى وكان عدى «٤» ينادم جذيمة، فعشقته رقاش أخت جذيمة، فحملت منه، فلما خشيت الفضيحة قالت: اذا سكر الملك فاسأله أن يزوجنى منك. ففعل، ودخل عليها من ليلته، وأصبح هاربا من جذيمة، فلما استبان حملها قال جذيمة حدّثنى رقاش لا تكذبينى ... الحرّ حملت أم لهجين

стр. 77

أم لعبد فأنت أهل لعبد ... أم لدون فأنت أهل لدون فقالت: حملت ممن زوجتنى منه، فولدت عمرا، فلما كبر فقد مدة، ثم ظفر به مالك وعقيل النديمان فأتيا به جذيمة، فحكمهما، فسألاه منادمته فأجابهما إليها، وأرسل عمرا إلى أمه، فزينته وألبسته طوقا، فقال: شب عمرو عن الطوق، فسار مثلا فلما كان من أمر جذيمة ما كان، قام عمرو مقامه، فلم يزل هو وولده وهم آل المنذر على الحيرة من قبل الفرس حتى ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، فأزالهم وملك الحرث بن عمرو آكل المرار الكندى، فلما ملك أنو شروان بن قباذ ملك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، فلما أقبل هرب الحارث، واتبعته خيل المنذر فأدركوا ابنه عمرا فقتلوه، وفاز هو ثم قتلته كلب بسخلانه. أول من اتخذ السياط مالك الأصبحى وهو ملك من ملوك اليمن، فسمى السوط الأصبحى قال الراعي: أخذوا العريف فقطّعوا حيزومه «١» ... بالأصبحيّة «٢» قائما مغلولا «٣» وقال فى لغز: عليك سلام الاصبحيّة كلّما ... يحن أخو شوق لبعد ديار

стр. 78

فأنت أخو شين وخدن «١» دناءة ... وصاحب عار وابن أمّ شنار «٢» أول من اتخذ الرحال العلافية حزم بن ذياب وكانت العرب تركب المخاصر قال ذو الرمة وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد أحمّ علافىّ وأبيض صائم ... وأعيس مهرى وأروع ماجد «٣» وأخد المعنى البحترى فقال: اطلبا ثالثا سواى فانىّ ... رابع العيس والدّجى والبيد قال أبو بكر بن دريد: علاف حى من العرب تنسب إليهم الرحال العلافية. أول من وضع الكتاب العربى قيل إسماعيل ﵇، والصحيح عند أهل العلم أنه مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة «٤» وهما من أهل الأنبار، وفى مصداق ذلك يقول الشاعر:

стр. 79

كتبت أبا جاد وحطّى مرامر ... وسوّدت سربالى ولست بكاتب وسئل المهاجرون، ممن تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة وسئل أهل الحيرة عن ذلك، فقالوا: من أهل الأنبار. وقالوا: أول من وضعه أبجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت وضعوا الكتاب على أسمائهم، وكانوا ملوكا، «١» وقد عظم الله أمر الكتابة وفخم شأنها، فجعل ذكرها فى أول ما أنزل من كتابه، وهو قوله: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ وأكثر العلماء فى وصف الخط، فمن أجود ما قيل وأوجز قول بعضهم، الخط مركب البيان، وقال جعفر بن يحيى: الخط خيط الحكمة، به تفصّل وينظم منثوره فنظمته وقلت: الكتب عقد شوارد الكلم ... والخطّ خيط فرائد الحكم بالخطّ نظّم كلّ منتشر ... منها وفصّل كلّ منتظم وقال بشر بن المعتمر: القلب معدن، والخط جوهر، واللسان مستنبط، والعلم صانع، والخط صنعه، وقال أبو العينا: الخطوط رياض العلوم، وتخاير غلامان فى خطيهما إلى سهل

стр. 80

بن هرون فقال: هذا وشى محبوك، «١» وهذا ذهب مسبوك، تسابقتما إلى غاية فتوافقتما فى نهاية. ومن فضل حسن الخط أنه يدعو الناظر إلى قراءته، وإن اشتمل على لفظ مرذول، ومعنى مجهول، وربما اشتمل الخط القبيح على بلاغة وبيان وفوائد فيرغب الناظر فيه عن المنفعة به لوحشة صورته، وكان مشايخ الكتاب ودهاة العمال يختارون أن يكون ما يرفعونه من حسباناتهم إلى دواوين السلطان بخط قبيح، ومداد ناضل، «٢» ليثقل تصفحه فيترك استقصاء النظر فيه. وقالوا: القلم قيم الحكمة، وقال بعضهم: مستودع قرطاسه حكما ... كالرّوض فرّق بينه زهره وكأنّ أحرف خطّه شجر ... والشّكل فى أضعافه ثمره أول من قال مرحبا وأهلا سيف بن ذى يزن قالها لعبد المطلب بن هاشم لما وفد إليه مع قريش ليهنئوه برجوع الملك إليه، وذلك أن عبد المطلب قال له بعد أن دعا له وهنأه: نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجنا لك، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة، «٣» فقال: وأيهم أنت؟ فقال عبد المطلب قال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومناخا سهلا، وملكا ربحلا، «٤» يعطى عطاء جزلا. ومعنى مرحبا، وجدت رحبا أى سعة، وأهلا أى وجدت أهلا كأهلك، وقال الفراء: معناه رحب الله بك وأهلك، على الدعاء،

стр. 81

فأخرجه مخرج المصدر ومعنى رحب واسع أول من اتخذ أسنة الحديد سيف بن ذى يزن أمر معصما وهوقين فاتخذها، وكانت أسنة العرب قبل ذلك قرون البقر الوحش، وفى مصداق ذلك يقول الشاعر: تقلّب صعدة جرداء «١» فيها ... نقيع السّمّ أو قرن محسّ «٢» أول من حرم القمار أقرع بن حابس أخبرنا القاسم عبد الوهاب بن ابراهيم عن العقدى عن أبي جعفر عن المدائنى وغيره قالوا: أول من حرم القمار أقرع بن حابس، بعث رسول الله ﷺ وأقرع بن حابس حكم العرب فى كل موسم بعكاظ، وهو من المؤلفة قلوبهم وهم: أبو سفيان بن حرب. وابنه معاوية، وحكيم بن حزام؟ والحرث بن هشام، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس. أعطى رسول الله- ﷺ كل واحد من هؤلاء مائة من الإبل، إلا صفوان بن أمية فانه أعطاه شعبا «٣» بما فيه من نعم وغنم، فتكلمت الأنصار فقال رسول الله- ﷺ الا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله، فرضوا وعندها قال ذو الخويصرة التميمى لرسول الله: هذا عطاء لا يراد به وجه الله، فغضب رسول الله وقال: (اذا لم أعدل فمن؟) وأعطى عباس بن مرداس أربع قلائص «٤» فقال:

стр. 82

أتجعل نهبى ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع وقد كنت فى القوم ذا مدرأ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع إلّا قلائص أعطيتها ... عديد قوائمها الاربع فزيد حتى رضى وعبيد اسم فرسه أول من أحدث الحداء أخبر أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن يزيد بن حكيم عن الحكم ابن أبان عن عكرمة، وحدثنا باسناده عن أبى زيد عن أبى عاصم عن عبد الله بن مجاهد وغيره قالوا: بينا رسول الله- ﷺ سائر إلى تبوك، اذ سمع حداء فأسرع، فقال: ممن أنتم؟ قالوا: من مضر، قال: وأنا من مضر فاحدوا، قالوا: إنا لأول من حدا بيننا خيار مياسير. قال لبعض أصحابه: ألا تنزل فتسوق؟ قال: نحن على ظهورها ولا ندرى ما نقول، فكيف اذا كنا عند استاهها؟ فضربه بعصا، فصاح يايدى، وسارت الابل، فضحك رسول الله- ﷺ ونزل رجل من أصحابه يسوق ويقول: تا الله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فقال رسول الله- ﷺ (رحم الله قائلها) قالوا: وجبت وقائلها: هو عامر بن الأكوع، ضرب العدو فقصر السيف فأصابه فمات، وكانوا يكتبون من مات شهيدا، فشكوا فى عامر حتى قال فيه رسول الله- ﷺ هذا القول، فى كلام هذا معناه. قال الشيخ أبو هلال:﵀ وأمر الصوت عجب، منه ما يقتل كصوت الصاعقة، ومنه ما يسر ويبهج حتى يرقص، ومنه ما يقلق، ومنه ما يبكى، ومنه ما يزيل العقل ويورث العشق، وقد بكى ما شرحويه من قراءة أبّى، فقيل له: كيف تبكى من كتاب لا تصدق به؟ قال انما أبكانى الشجا. وبه

стр. 83

ينومون الصبيان، ويسقون الدواب بالصفير، وتصر آذانها اذا غنى المكارى، وتزيد الابل فى مشيها ونشاطها إذا حدا بها الحادى، ويستخرج به الحية من جحرها، فيظن العامة ان ذلك انما يكون بالرقى، وليس كذلك، ولكن للصوت فى طباعها تأثير، والرعد الشديد إذا وافق سباحة السمكة فى أعلى الماء رمت بيضها، والحمامة ربما رمت بيضها قبل الأجل، وتسمع الرعد فيتعضل «١» عليها أياما بعد طول الأجل، واذا قلت الرعود فى السنة قلت الكمأة «٢» فيها، وأهل البطائح يبنون حظيرة فى الماء، ويصيحون حولها فيجتمع السمك إليها حتى تمتلىء، وأهل الصناعات اذا خافوا الملال ترنموا، وينشط الرهبان أنفسهم بألحان يمجدون الله بها، ويستريحون من التعب والسهر إليها، وللنفس قوى شريفة من الحلم والجود والشجاعة تتحرك بالنغمات، ومن الأصوات ما يشجع ويغرى مثل أصوات الدبادب والبوقات «٣» ولذلك اتخذت فى الحروب، وقالوا: اذا سمعت الابل ضربا وزمرا أقبلت وطأطأت رؤوسها حتى كادت تنام، وعندهم ان المريض اذا سمع أصوات المزاهر خف ما به، ويستبدل الطفل اذا سمعها ضحكا ببكائه، ويزعمون ان الغناء يفتح أبواب الرأى، ويسدد الفكر، وكان الاسكندر اذا التبس عليه أمر أمر بالغناء، واذا توجه له الرأى قطعه، وكانت ملوك العجم اذا نابتها نائبة لجأوا الى اللهو والغناء، ويستفتحون به وجوه الرأى، ولما بلغ أنو شروان أن خاقان غلب على أرمينية ونهب وسلب استقبله بالملاهى والزمر، فظن خاقان ان ذلك استصغارا له ففر منهزما، ونبذ ما كان أفاده، فقالت الاعاجم: ان الملك الموكل بالفرح هو الذى فله «٤» ودفعه، وكانوا يتيمنون «٥» بعد ذلك بالغناء والملاهى.

стр. 84

وقالوا لا يكره السماع إلا ذوو الطباع الفاسدة والأنفس الكدرة، كما أن الطيب لا يعافه «١» إلّا كل مأووف المشام، «٢» وليس طرب من طرب على الغناء من أجل المعانى، لأن أكثرهم لا يفضله على معنى، وليست لأصوات البلابل والهزارات والقمارى والورشانات معان، وهى على ما نعرفها معجبة مطربة مذكرة لمعاهد الآلات وادمان التواصل والاسعاف، وذلك موجود فى أشعار العرب، كقول حميد بن ثور: وما هاج هذا الشوق الّا حمامة ... دعت ساق حرّ فى حمام ترنّما عجبت لها أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما ولم أر مثلى شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما ودخل أبو تمام أبر شهر وهى نيسابور، فسمع فى بعض لياليه فيها مغنيه تغنى بالفارسية، فعشق صوتها، ثم أحضرها، فلما أكثر منها فتن بها، وما كان يعرف شيئا مما تغنى به، فقال: حمدتك ليلة شرفت وطابت ... أقام سهادها «٣» ومضى كراها «٤» سمعت بها غناء كان أولى ... بأن تنقاد نفسى من غناها ومسمعة تفوق النّفس «٥» حسنا ... ومن تصممه لا يصمم صداها

стр. 85

مرت «١» أوتارها فشفت وشاقت ... ولو يسطيع حاسدها فداها ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت «٢» كبدى فلم أجهل شجاها «٣» فكنت كأنّنى أعمى معنّى «٤» ... يحبّ الغانيات «٥» ولا يراها أخذه بشار فقال: يا قوم أذنى لبعض الحىّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا ويقال: ان من الألحان الفارسية لحنا يسمى القمى، لا يسمعه احد الا طرب عليه، عرفه أو لم يعرفه، وان الذى سمعه أبو تمام كان ذلك اللحن. أول عربى قتل خنقا عدى بن زيد ويكنى أبا عمرو، وكان فى ترجمة كسرى، فأرسله الى قيصر فحمد أمره وعظم عنده، وكان يسكن الحيرة، فوردها وهو من أنبل أهلها ولو اراد أن يملكه كسرى لفعل، الا أنه كان مشغوفا بالصيد واللهو، وأراد كسرى أن يستعمل عليها، فاستشاره فأشار بالنعمان بن المنذر، ثم قدم به عليه، وقال له: ان سألك كسرى فقال: أتكفينى العرب وأخوتك؟ وكانوا مع النعمان اثنا عشر رجلا، فقل: اذا أنا لم أكفكهم فأنا عن غيرهم أعجز، وقال لاخوته: قولوا: نكفيك العرب إلا النعمان، فلما قالوها: انصرف عنهم كسرى، وأمر عديا ان

стр. 86

يملك النعمان فملكه، فغضب عدى بن أوس من مرينا، وكان يريد الملك للأسود بن المنذر، فصنع عدى بن زيد طعاما لعدى بن أوس، ودعاه الى المحالفة الا يبغى واحد منهما لصاحبه غائله، وقام عدى بن زيد فحلف، فقال عدى بن أوس: وعلى مثل ما حلفت لا أزال أبغيك الغوائل حتى أموت، فما زال النعمان مكرما لعدى بن زيد حتى دعاه عدى يوما الى طعام صنعه، فركب اليه النعمان فاعترضه عدى بن أوس فاحتبسه فتغدى عنده، فاحتفظها عدى بن زيد عليه، فدعاه النعمان فأبى ان يأتيه، فأمر فسحب من منزله اليه فأثقله بالحديد وحبسه، وفى ذلك يقول عدى بن زيد: وقد ماتت عنده فى السجن امرأته أمية: فاذهبى يا أمىّ «١» غير بعيد ... لا يؤاتى العناق من فى الوثاق فاذهبى يا أمىّ إنّ يشأ الل ... هـ يفرّج من ضيق هذا الخناق قد نبت فىّ الخطوب التّى قب ... لى فما بعدها إلى اليوم باق لا تعدّى ريب المنون ذوى الخفض ولا من خيانة برماق «٢» وقال أيضا: الا من مبلغ النّعمان عنّى ... وقد تهدى النّصيحة من مغيب «٣» أحظّى كان سلسلة وغلّا ... وقيدا والبيان لدى اللّبيب «٤»

стр. 87

وهم أضحوا لديك كما أرادوا ... وقد يرجى النّوال من المثيب فما زال يسأله الاقالة ويستعظفه فى مثل قوله: أبلغ النّعمان عنّى مألكا ... أنّه قد طال حبسى وانتظارى لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى نحن كنّا قد علمتم قبلها ... عمد البيت وأوتاد الإصارى «١» نحسن الهنء «٢» اذا استهنائنا ... ودفاعا عنك بالأيدى الكبارى ولج النعمان فى حبسه، فكلم عمرو أخو عدى كسرى فيه فأمر النعمان بتخليته، فخاف ان يكيده اذا خلاه، فأرسل اليه من خنقه، وأعطى الرسول أربعة آلاف مثقال على ان يخبر الرسول كسرى أنه وجده ميتا، فجزع كسرى لموته، فأراد النعمان أن يسكن منه، فكتب اليه: إنى وجدت لعدى ابنا هو له خلف، فكتب بان يبعثه اليه ففعل، واسمه زيد فلم يزل يبغى الغوائل للنعمان عند كسرى، فقال له يوما: رأيت رغبتك فى النساء، وعند آل المنذر منهن ما تشتهيه، الا أنهم يأنفون من مصاهرتك، فغضب وكتب الى النعمان مع زيد بن عدى وأسوار معه يريده على تزويجه بعض بناته أو أخواته، فقال النعمان أما وجد الملك فى مها السواد «٣» وفارس ما يكتفى به؟ فقال زيد للاسوار: أتسمع ما يقول؟ ثم ورد على كسرى فذكر أنه قال: اما للملك فى بقر السواد كفاية؟ وإنما قال النعمان: المها وأراد الحسان حسب ما تقول العرب للمرأة الحسناء مهاة وظبيه، فغضب كسرى وكتب الى

стр. 88

النعمان أقبل، وأحس بالشر، فأتى طيئا وغيرها من القبائل يعوذ بها فلم يقبلوه، وقالوا لو أطقنا أن نخلصك منه خلصنا أنفسنا منك، فوضع ماله عند هانىء بن مسعود، وخرج الى المدائن وقال: أسير الى كسرى وأعلم أنّه ... سيقتلنى والموت لا شكّ نازل وما جزعى من ان أموت وانّما ... حياتى فى الدّنيا ليال قلائل وكان فرارى منه عارا وسبّة ... فسرت وقد جاشت علىّ المراجل «١» عرضت على جلّ القبائل حربه ... فردّت علىّ الحرب تلك القبائل فقيس سراب لامع وتميمها ... هباء مقيم والأعاصير وائل فقلت لنفسى ليس للموت مدفع ... فموتى ولم تنسب اليك الرّذائل فلما دخل المدائن لقى زيد بن عدى، فقال له: أنت فعلت هذا واللات لأسقينك بكأس أبيك! فقال: أنج نعيم، فو الله لقد أثبت لك أخيّة لا ينزعها المهر الأرن، أى النشيط، فأمر به كسرى فألقى تحت أرجل الفيلة فقتلته، «٢» فقال سلامة بن جندل: هو المولج النّعمان بيتا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق وكان لآبرويز ألف فيل، واثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وخمسون ألف

стр. 89

فرس وبرذون «١» وبغل، ويذكر من الجواهر والمتاع والآنية ما لم يذكر لاحد من الملوك قبله ولا بعده، وبلغ جنده فى الشرق والغرب ما لم يبلغ جند ملك قط، وكان جبارا عاتبا، فقتله ابنه شيرويه،- واسمه قباذ- ووثب على اخوته فقطع أيديهم وأرجلهم، ووقع الطاعون فيهم حتى أفناهم. أول من خرج من تهامه اياد قال: وكانت مكة وما حولها تجمع ولد نزار فكثرت أياد فضاقت بهم، فخرجوا الى الارياف حتى نزلت بين الحيرة والبحرين على عهد بنى أسد، فلما كان زمن سابور ذى الاكتاف أفسدوا وأصابوا الطريق وأغاروا على السواد، وسابور بالجبل كان يتصيف هناك، وقال: بل وثب فارسى على امرأة منهم فنكحها، فوثب أخوها واسمه- أحمد- فنكح أخت الفارسى، فغضب سابور فجمع لهم وكتب اليهم لقيط بن يعمر الأياد وكان رهينة عند سابور عن أياد لئلا تعتو «٢» فقال فيها: يا دار عمرة من محتلّها الجزعا ... هاجت لك الهمّ والأحزان وارجعا يالهف نفسى إن كانت أموركم ... شتّى وأحكم أمر النّاس فاجتمعا لو أنّ جمعهم راموا بهدّته ... شمّ الشّماريخ من تهلان «٣» لا تصدعا فى كلّ يوم يسنّون الحراب لكم ... لا يهجعون اذا ما غافل هجعا

стр. 90

وأنتم تحرثون الارض عن سفه ... فى كلّ معتمد تبغون مزدرعا «١» وتلقحون حيال الشّول آونة ... وتنتجون بدار القلعة الرّبعا «٢» وتلبسون ثياب الأمن ضاحية ... لا تجمعون وهذا الجيش قد جمعا اذكوا العيون وراء السّرح واحترسوا ... حتّى ترى الخيل من تعدائها رجعا فإن غلبتم على ضنّ بداركم ... فقد لقيتم بأمر الحازم الفزعا مالى أراكم نياما فى بلهنية «٣» ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا وقد أظلّكم من شطر أرضكم ... هول له ظلم يغشاكم قطعا هو الفناء الّذى تبقى مذلّته ... إن طار طائركم «٤» يوما وان وقعا لا تتمروا المال للأعداء انّهم ... ان يظهروا يحتووكم والتّلاد معا وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا

стр. 91

لا مسرفا «١» إن رخاء العيش ساعده ... ولا اذا عضّ مكروة به خشعا مشرّد «٢» النّوم تعنيه أموركم ... يروم منها الى الأعداء مطّلعا ما أنفكّ يحلب هذا الدّهر اشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا لا يطعم النّوم إلّا ريث يحفزه ... همّ يكاد حشاه يحطم الظّلعا «٣» حتّى استمرّت على شزر «٤» مريرته ... مستحكم الرّأى لا فحما ولا ضرعا «٥» هذه أجود أبيات قيلت فى صفة صاحب حرب وقائد جيش. وقال فى آخرها لقد محضت لكم ودىّ بلا دخل ... فاستيقظوا انّ خير العلم ما نفعا وهى أجود قصيدة قيلت فى الانذار. فلما بلغهم هربوا، فتبعهم جند سابور فالتقوا بموضع (دير الجماجم) «٦» واصطلمت أياد، وبدت طائفة منهم فدخلت بلاد الروم، فطاب

стр. 92

سابور ملكها بهم فأبى أن يسلمهم اليه، فغزاه حتى أسره فكان محبوسا عنده سبع سنين، ثم جدعه وخلاه بعد أن عطف عليه ما يؤديه فى كل سنة، فقال الشاعر: الأحمر ان أهلكا أيادا ... وحرّما قومهما السّوادا هو أحمر واحد وهو الرجل الذى أتى الأعجمية، ضم اليه آخر حاله كحاله فقال: الاحمران، كما قال: الدبران لدبر واحد ضم اليه مكان آخر فقال: الدبران، ومن قول لقيط «يكون متبعا طورا ومتبعا» أخذ زياد قوله (الا وأنا قد سسنا وساسنا السائسون وجربنا وجربنا المجربون فوجدنا هذا الامر- يعنى السلطان- لا يصلحه الا شدة فى غير عنف ولين فى غير ضعف) فلما قضى كلامه قال الاحنف: انما الرجل بجده، والسيف بحده، والفرس بشده، والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وقد بلغ بك جدك ما ترى، وأنك لا تحمد حتى تبتلى. اول من جليت «١» له السيوف سعد بن سهل وقد روى فيه شعر لم أرتضه فتركته.

стр. 93

الباب الثالث فيما جاء من ذلك منسوبا إلى النبى « ﷺ »

стр. 94

أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم محمد ﷺ أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى قال: سألت أبا خليفة عن كتاب بسم الله الرحمن الرحيم قال: سئل ابن عائشة عن ذلك فقال: حدثنى أبى ان قريشا كتبت فى جاهليتها باسمك اللهم، فكان النبى ﷺ يكتب كذلك ثم أنزلت بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها «١» فأمر ان يكتب فى صدور الكتب بسم الله، ثم نزلت قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «٢» فكتب بسم الله الرحمن، ثم نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٣» فجعل ذلك فى صدور الكتب، ثم كتب فى أول كل سورة من سور القرآن سوى براءة لتشبهها بالانفال، «٤» ومعنى بسم الله، أبدأ ببسم الله. أول من ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز محمد- ﷺ - وذلك حين احتاج الى مكاتبة الملوك فقيل له: إنهم لا يقبلون الكتب الا مختومة، فاتخذ خاتما من ذهب، ففشت خواتيم الذهب فى أصحابه، فطرحه واتخذ خاتما من ورق، ونقش عليه محمد رسول الله فى ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول

стр. 95

سطر والله سطر، وكان فى يده حتى مات، وفى يد أبى بكر حتى مات، وفى يد عمر حتى مات، وفى يد عثمان ست سنين، فلما كثرت عليه الكتب دفعه الى رجل من الانصار ليختم عنه به، فأتى قليبا «١» لعثمان فسقط الخاتم فيه فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ خاتما من ورق ونقش عليه مثل النقش الاول، واما ديوان الخاتم فأول من اتخذه معاوية، وولاه عبيد الله بن أوس الغسانى وسلم اليه الخاتم وعلى فصه «لكل عمل ثواب» ، وكان سبب ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حمد بن معاوية عن الهيثم بن عدى قال: كان عمر بن سعيد غلاما ليزيد بن معاوية، فقطع الى ابن الزبير بعثا عليهم عمرو بن الزبير، فلما التقوا أسره عبد الله بن الزبير فقال له: قبحك الله أما كان فى بلائى عندك ما يكفيك؟ من كان يطلبه بشىء فليقم، فجعل الرجل يقول: نتف لحيتى، وآخر يقول نتف أشفار عينى، وآخر يقول نزع حلمة ثديى فيؤمرون بالقصاص منه، فأقام بذلك سنة، ثم جاء مصعب ابن عبد الرحمن بن عوف فقال: ضربنى مائة سوط وليس بأمير ولم أذنب ذنبا، فأمره فضربه فنغل «٢» جلده فمات، فلامه الناس على ذلك، فقال: أنكم لا تدرون ما صنعت به: كتب له معاوية بمائة الف درهم الى زياد فقلب الكتاب فجعلها مائتى الف فدفعها اليه زياد، فلما رفع محاسبه قال معاوية: ما كتبت له الا بمائة الف، فنظروا فى الديوان فوجدوها مائة الف، فكتب معاوية إلى مروان وهو على المدينة يأمره بأخذه بها، فحبسه فأديتها عنه، وجعل ديوان الخاتم من يومئذ. وكان خالد بن الزبير أخو عمرو لأمه، أمهما بنت خالد بن سعيد قد أعطى عمرا الامان هو وعروة وعبيدة أبناء الزبير، فاحتقرهم عبد الله فى كلام هذا معناه وقال: حتّام لا أنفكّ حارس سكّة «٣» ... أدعى فاسمع مذعنا وأطيع

стр. 96

يتداول النّاس الرّياسة بينهم ... وأروم «١» حظّهم فلا أسطيع وأكلّف العبء الثّقيل وإنّما ... يبلى بها الاتباع لا المتبوع فعليهم الاثقال يحتملونها ... وعلى الرّئيس الختم والتوقيع وقال آخر: يا أيّها الملك المنفّذ أمره شرقا وغربا أمنن بختم صحيفتى ما دام هذا الطّين رطبا واعلم بأنّ جفافه ممّا يعيد السّهل صعبا وقال آخر: ختمت الفؤاد على سرّها ... كذاك الصّحيفة بالخاتم هوت بى إلى حبّها نظرة ... هوىّ الفراشة للجاحم أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن عمرو بن تركى القاضى عن القحذمى قال: كان على خاتم البريد للأكاسرة صورة ذباب، يريدون بذلك الا يحجب كما ان الذباب لا يمكن حجبه، وكانوا لا يمكنون منه الا الوزراء فقط، أخبرنا أبو أحمد عن الجلودى عن زياد بن الخليل عن يزيد بن خالد عن مروان بن عمر العمرى عن محمد ابن كعب أنه قال: الأمانة خير من الخاتم والخاتم خير من ظن السوء. أول ما أوحى اليه ﷺ وأنزل عليه من القرآن أخبرنا أبو أحمد- ﵀ قال: حدثنا الجوهرى قال: حدثنا عمر ابن شبه قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا الوليد بن محمد عن الزهرى عن عروة عن عائشة قال: وحدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن غير هؤلاء قال: أول ما

стр. 97

بدىء به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة، ثم حبب اليه الخلاء، فبينما هو فى حراء أتاه جبريل- ﵇ فقال له: اقرأ قال: قلت ما أنا بقارىء، فغطنى ثم أرسلنى وقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى قوله تعالى عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «١» فرجع ترجف بوادره، «٢» فأخبر خديجة، فخرجت إلى الراهب وعداس عبد العتبة بن ربيعة كان يتعبد وإلى ورقة بن نوفل فسألتهم عن جبريل- ﵇ فقالوا: وما ذكرك له ولست من أهل ذكره؟ فألحت عليهم، فقالوا: أمين الله على وحيه ورسوله إلى رسله، قالت: فان محمدا ذكر أنه أتاه، فقال: ورقة أخشى أن شيطانا تشبه له فرجعت، وقد أنزل الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «٣» ثم صار النبى ﷺ إلى ورقة بن نوفل وقرأ عليه الآيات، فقال: أشهد ان هذا كلام الله، وان أدرك زمانك اتبعك، ثم احتبس الوحى، فقالت قريش: ودعه ربه وقلاه «٤» فأنزل الله تعالى وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «٥» فمكث سنتين، ثم أنزل الله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٦» فلما فعل اشتدت عليه قريش، ثم نزل ذكر البعث فأتاه أبى ابن خلف بعظم نخر وفته «٧» وذراه وقال: أتعدنا ان يحيى الله هذا؟ فأنزل الله تعالى أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «٨» ثم اشتد عليه أمر قريش حتى أدخل الشعب، ثم كان من أمر الهجرة ما كان فى كلام هذا معناه.

стр. 98

أول صلاة صلاها صلاة الاولى وأول صلاة ركع فيها صلاة العصر أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا ابراهيم بن محمد قال: حدثنا عثمان بن سعيد الاحول قال: حدثنى على بن عباس عن أبى الجحاف عن عبد الكريم مولى زاذان قال: سمعت عليا- ﵇ يقول: صليت قبل الناس بتسع سنين، وأن أول صلاة ركعنا فيها صلاة العصر، قلت: يا رسول الله ما ما هذا؟ قال أمرت به. وكانت العرب تأنف من الركوع وتسميه التحنية. أخبرنا أبو أحمد حدثنا الجوهرى قال: حدثنا حماد بن سلمه عن الكلبى ان وفد ثقيف قدموا على رسول الله- ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا اخوالك وأصهارك وجيرانك وأشد أهل نجد عليك حربا، وخيرهم لك سلما، إن حاربناك حاربك من بعدنا، وان سالمناك سالمك من بعدنا، فاجعل لنا الا نعشر ولا نحشر ولا ننحنى ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، فقال «١» : لكم ألا تحشروا ولا تعشروا ولا تكسروا أصنامكم بأيديكم ولا خير فى دين ليس فيه ركوع، قالوا فمتعنا باللات سنة، فان خشيت لائمة العرب فقل: الله أمرنى بذلك، فقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- لا والله ولا نعمت عين، أحرقتم كبد رسول الله أحرق الله أكبادكم، «٢» لا والله حتى تدخلوا فيما دخلت فيه العرب فأنزل الله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ «٣» ولما وفد عامر بن الطفيل ومعه أربد بن ربيعة أخو لبيد لامه على رسول الله، وسأله عامر الخلافة بعده، وطلب منه المرباع، «٤» وأن يكون له الوبر ولرسول الله المدر، «٥» قال له رجل: لو سألت سبابة من سبابة

стр. 99

المدينة ما أعطاك، يعنى بلحة. ورأى عامر الصلاة فقال: والله لا نظرت الى عامرية منحنية، وقال: لأملأنها خيلا شقرا ورجالا حمرا. فدعا عليه رسول الله- ﷺ فأصابته غدة فانحاز إلى بيت سلولية، فجعل يقول: غدة كغدة البعير وموت فى بيت سلولية؟ فصار مثلا يضرب فى اجتماع نوعين من المكروه، ثم مات وأخذت أربد صاعقة بعد ذلك، وكان عامر يقدم اليه لقتل رسول الله اذا شغله عامر بالكلام، فلما انصرف لامه على ترك ذلك، فقال أربد: والله ما هممت بذلك الا دخلت بينى وبينه او كنت أضربك؟ فرثى لبيد أربد فقال: ما ان تعدّ المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف «١» ولا ... أرهب نوء السّماك «٢» والأسد فجّعنى الرّعد والصّواعق بالفارس يوم الكريهة النّجد وقال يرثيه: ذهب الّذين يعاش فى أكنافهم ... وبقيت فى خلف كجلد الأجرب يتأكلون مذمّة وخيانة ... ويعاب قائلهم وان لم يشغب «٣» يا أربد الخير الكريم فعاله ... أفردتنى أمشى بقرن أعضب انّ الرّزية لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب

стр. 100

وقال فيه أيضا: ألا ذهب المحافظ والمحامى ... ودافع ضيمنا يوم الخصام وهل حدّثت من أخوين داما ... على الأيّام الا ابنى شمام ابنا شمام جبلان وقال أيضا يرثيه. بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع «١» وقد كنت فى أكناف جار مضنّة ... ففارقنى جار بأربد نافع فلا جزع ان فرّق الدّهر بيننا ... فكلّ امرىء يوما له الدّهر فاجع وما النّاس الّا كالدّيار وأهلها ... بها يوم حلوّها وغدوا بلاقع «٢» وما البرّ الّا مضمرات وفى التّقى ... وما المال الّا معمرات ودائع «٣» وما المرء الّا كالشّهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد اذ هو ساطع وما المال والأهلون الّا ودائع ... ولا بدّ يوما أن ترد الودائع وما النّاس الّا عاملان فعامل ... يتبّر مايبنى وآخر رافع

стр. 101

قال أبو هلال: مضمرات أى لايراها الناس، والمعمرات ما اعمرتك عمرى أى جعلتها لك، يتبر يعنى يفسد والمعنى الناس صنفان مصلح ومفسد. فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقىّ بالمعيشة قانع أليس ورائى ان تراخت منيّتى «١» ... لزوم العصا تحنى عليها الاصابع أخبّر أخبار القرون التّى مضت ... أدبّ كأنى كلّما قمت راكع وأصبحت مثل السّيف أخلق جفنه «٢» ... تقدم عهد القين «٣» والنّصل قاطع فلا تبعدن إنّ المنيّة موعد ... علينا فدان للطّلوع وطالع أعاذل ما يدريك الّا تظنّيا ... اذا ارتحل الفتيان من هو راجع أتبكى على اثر الشّباب الّذى مضى ... الا إنّ أخذان الشّباب الرّعارع «٤» أتجزع ممّا أحدث الدّهر للفتى ... وأىّ كريم لم تصبه القوارع «٥»

стр. 102

ويمضون ارسالا ويلحق بعدهم ... كما ضمّ أخرى التاليات المشايع لعمرك ما تدرى الطّوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع «١» مضى ما مضى منّى وفىّ بقيّة ... كأنى سيف ناحل الاثر قاطع أول صلاة صلاها جماعة أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا ابو طاهر النديم قال: حدثنا اسحاق ابن محمد النخعى قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حفص قال: حدثنى أبى قال: مر أبو طالب ومعه جعفر على نبى الله- ﷺ وهو يصلى وعلىّ على يمينه فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك، فتأخر على وقام جعفر معه وتقدمهم رسول الله، فأنشأ أبو طالب يقول: انّ عليّا وجعفرا ثقتى ... عند احتدام «٢» الزّمان والكرب لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما ... أخى ابن أمّى من بينهم وأبى والله لا أخذل النّبى ولا ... يحذله من بنى ذو حسب فكانت اول جماعة فى الاسلام.

стр. 103

أول جمعة صلاها وأول خطبة خطبها أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى قال: حدثنا أبو سعيد القرشى قال: أول خطبة خطبها رسول الله- ﷺ فى يوم أول جمعه صلاها فى بنى سالم فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادى من يكفره، وأشهد الا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العمل وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصى الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا مبينا، أوصيكم بتقوى الله، فانه خير ما أوصى به المسلم المسلمين أن يحضهم على الآخرة ويأمرهم بالتقوى، فاحذروا ما حذركم الله من نقمته، «١» فلا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أجل منه ذكرى تكون لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما ينوى من أمر آخرته، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمره فى السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن ذلك دركا لعاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما سوى ذلك تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً «٢» الآية فسبحان الذى صدق قوله وأنجز وعده حقا بلا خلف، لقوله ذلك فانه يقول ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٣» فاتقوا الله فى عاجل أمركم وآجله فى السر والعلانية، فانه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً «٤» ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وان تقوى الله تقوى نعمته وتقوى عقوبته وتقوى سخطه، وان تقوى الله تبيض الوجه وترضى الرب وترفع الدرجة، خذوا بحقكم لا تفرطوا، وأحسنوا كما أحسن الله اليكم، وعادوا

стр. 104

أعداءه وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ «١» وسماكم المسلمين، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ «٢» ولا قوة الا بالله، أكثروا ذكر الله، وأعملوا لما بعد اليوم فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله الذى بينه وبين الناس، ذلك بان الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه «٣» . أول ما صلى رسول الله صلاة الخوف أخبرنا أبو القاسم عن العبدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأبو أحمد عن الجوهرى عن عمر بن شبه عن شيوخه قال: أغار ابن عيينة الفزارى على لقاح «٤» رسول الله- ﷺ بالغابة، فنذر بهم سلمة بن الاكوع فتبعهم فما زال يرميهم حتى استنقذها منهم، وبلغ رسول الله الخبر فنودى يا خيل الله اركبى، وذلك أول ما نودى به، فجاء بالمسلمين، فتقدم الاخرم الأسدى فعقر فرس عبد الرحمن بن عيينه، وعطف عليه عبد الرحمن فقتله، وتحول إلى فرسه ثم عقر عبد الرحمن فرس أبى قتادة، وكان من المسلمين، فعطف عليه أبو قتادة فقتله وتحول إلى فرسه، وهو فرس الأخرم، وانهزم المشركون، وطرحوا ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون بذلك حتى نزلوا على الماء، وأتاهم عيينة مددا لهم، وحضرت الصلاة فصلى النبى بأصحابه صلاة الخوف، فقامت طائفة بإزاء العدو وطائفة معه، فصلى بهم ركعة، فذهبوا إلى المصاف، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة، وصلى القوم ركعة ركعة وصلى رسول الله ﷺ ركعتين، هكذا قالوا. فلما جاء الليل انصرف المشركون الى بلادهم، فطلب أصحاب رسول

стр. 105

الله منه أن يتبعهم، فقال: ملكتم فاسجحوا، «١» ورجع رسول الله الى المدينة فى كلام هذا معناه. قال أبو زيد: وهو أول فرس غدا فى سبيل الله تعالى، وهو فرس المقداد بن عمرو، فدل ذلك على ان الغزوة كانت قبل بدر، «٢» اذ قد قيل: ان الخيل كانت يوم بدر فرسا للمقداد وفرسا لمرثد بن أبى مرثد، وذكر المدائنى ان غارة عبد الرحمن على اللقاح كانت سنة ست، وان أول ما صلى صلاة الخوف فى ذات الرقاع وهى سنة خمس. أول امرأة تزوجها ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، وكانت قبله عند أبى هالة، فولدت له هندا وهالة، «٣» وهما خالا الحسن والحسين، وخلفه عليها عتيق بن عائذ بن عبد الله المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، وهى الطاهرة، وهى أخت فاطمة لأمها، وهى خالة الحسن والحسين ﵉، وكانت عند صيفى. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا جزاء بن عبد الحميد عن أشعث عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير قال: اجتمعت نساء قريش فى عيد لهن فجاءهن يهودى فقال: يوشك أن يبعث فيكن نبى فأيتكن استطاعت أن تكون له أرضا يطؤها فلتفعل، فشتمنه وطردنه، ووقر ذلك فى صدر خديجة، وكانت استأجرت رسول الله- ﷺ وبعثته مع ميسرة غلامها الى الشام، فبينما هى تنظر قدومهما نظرت

стр. 106

رجلا يطلع من عقبة المدينة وليس فى السماء غيم الا قدر ما يظله، واذا هو النبى- ﷺ فقالت: ان قول اليهودى حق والمبعوث محمد، فقالت له: اخطبنى، فلقى عمه ابا طالب فقال: أخطب على خديجة، قال: أخاف الا يفعلوا أيم قريش وأنت يتيم قريش، فقال: أخطبها على، فلقى أبو طالب أباها وقالوا: عمها،- وهى الصحيح- فذكر له ذلك فلقيها فقال: فلان يخطبك لشيخ من قريش، فقالت: شيخ قضى شبابه وساء خلقه لا حاجة لى فيه، فقال لها: محمد فقالت أوسط قريش حسبا وأفصحهم لسانا، أعود عليه بمالى فيكون عطف يمينى، فبعث اليه ان تعالى نزوجك، فاستنهض معه أبا طالب فقال: أخاف الا يفعلوا وان ردونى كانت الفضيحة، فتأخر وبعث معه حمزة، فمروا بعلى يلعب مع الصبيان فانطلق معهم، فلما دخلوا قال النبى: ﷺ الحمد لله الحى الذى لا يموت فقالوا: ما هذا الكلام؟ ثم تكلم بما أراد وأرادوا، فقالوا: تكلمت، ولكن من يضمن لنا المهر؟ فقال على: أبى، فلما بلغ الخبر أبا طالب جعل يقبل عليا ويقول: بأبى أنت وأمى. قالوا: والصحيح ان رسول الله- ﷺ كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، ولو كان ذلك كذلك لكان لعلى يوم استشهد أكثر من سبعين سنة، ولم يقل هذا أحد، والغلط فى أحد الأمرين إما فيما رووه من كون على معهم، او فيما ذكروه من سن النبى يومئذ، وقد قيل: أنه كان يومئذ ابن ثلاثين سنة، وقالوا: ابن خمس وثلاثين والله أعلم بالصواب. وروى أن أبا طالب خطب فى تزويج النبى ﷺ خديجة، أخبرنا أبو احمد قال: حدثنى أبو الحسن محمد بن القاسم السعدى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا اسحاق بن محمد النخعى قال: حدثنا محمد بن عثمان الواسطى قال: حدثنا على بن هشام ابن محمد بن عبد الله بن رافع عن أبيه عن جده قال: لما أراد النبى أن يتزوج خديجة خطب ابو طالب فقال: الحمد لله، جعلنا من زرع ابراهيم وذرية اسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا،

стр. 107

وجعلنا الحكام على الناس، ثم ان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى من لا يوازن بأحد الا رجح به، ولا يعدل بأحد الا فضله، وان كان فى المال قلا فان المال ظل زائل، وله فى خديجة رغبة ولها فيه مثلها، وما كان من صداق ففى مالى، وله بعد نبأ عظيم وخطر شاسع، وهذه من الخطب المستحسنة الموجزة. وشبهها خطبة أمير المؤمنين على- ﵇ لنفسه فى املاك فاطمة، حدثنا أبو احمد عن أبى الحسين النسابة عن سعيد بن العباس عن الزبير ابن بكار عن عمه قال: سمعت أبا سعيد الأصمعى يقول: لما أملك على بفاطمة- ﵉ قال له النبى: ﷺ أخطب فقال: الحمد لله شكرا لانعمه وأياديه، وأشهد ان لا اله الا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على سيدنا محمد صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، واجتماعنا مما قدره الله تعالى وأذن فيه، وان رسول الله زوجنى ابنته فاطمة بصداق اثنتى عشرة أوقيه، فاسألوه واشهدوا. وقالوا: خطب النبى- ﷺ لما زوج فاطمة، أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن إسماعيل عن الغلابى عن سعيد بن وافد قال: سمعت الحسين بن زيد بن على يقول: سمعت عبد الله بن الحسين بن الحسن بن على- ﵉ يحدث عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن جابر قال الغلابى: وحدثنى احمد بن عيسى بن زيد قال: حدثنى الحسين بن زيد عن عمومته وأهله قالوا: ان رسول الله- ﷺ حين زوج عليا فاطمة خطب فقال: الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المرهوب عقابه، المرغوب اليه فيما عنده، النافذ أمره فى سمائه وأرضه، الذى خلق الخلق بقدرته، ودبرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيهم، ثم ان الله جعل المصاهرة نسبا لاحقا، وأمرا مفترضا نسخ بها الايام «١» وألزمها

стр. 108

الأنام، فقال وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً «١» فأمر الله يجرى الى قضائه، وقضاؤه يجرى الى قدره، وقدره يجرى الى أجله، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ «٢» ، ثم ان الله تعالى أمرنى ان أزوج فاطمة من على، وقد زوجته على أربعمائة مثقال فضة ان رضى بذلك على، فقال على:- رضى الله عنه- رضيته عن الله ورسوله فقال: جمع الله شملكما، وأسعد جدكما، وأخرج بينكما كثيرا طيبا، «٣» قال جابر: فو الذى بعثه بالحق، لقد أخرج بينهما كثيرا طيبا. وتزوج- ﷺ عائشة بنت أبى بكر بكرا، ولم يتزوج بكرا غيرها ودخل بها ولها تسع سنين، وسودة بنت زمعة بن قيس، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم سلمة واسمها هند بنت أمية بن المغيرة المخزومية، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، فهؤلاء ست قرشيات، وزينب بنت جحش، وكانت قبله عند زيد بن الحارثية «٤» وهى التى نزل فيها فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها «٥» . وزينب بنت خزيمة الهلالية، وميمونة بنت الحارث ابن حزن الهلالية، ونكح مما أفاء الله عليه جويرية بنت الحارث بن ضرار الخزاعية، وصفية بنت حيى بن أخطب النضيرية، وريحانة بنت زيد من بنى قينقاع، وتزوج أيضا عمرة بنت يزيد العامرية وكان بها وضح فطلقها، وأسماء بنت النعمان بن الحارث بن الأسود بن شراحيل بن كندى بن الجون بن آكل المرار، وأم شريك وهى التى وهبت له نفسها.

стр. 109

وتوفيت عنده منهن خديجة، وزينب بنت خزيمة، وريحانة، وخلى سبيل العامرية والكندية، وأرجأ ام شريك، وتوفى عن تسع: عائشة وحفصة وأم سلمه وأم حبيبة وسوده وزينب وصفية وميمونة وجويرية، وبعث اليه المقوقس بمارية وأختها سيرين، فاتخذ مارية لنفسه وأولدها ابراهيم- ﵇ ووهب سيرين لحسان بن ثابت وهى أم عبد الرحمن. أول ولد ولد له عبد الله أخبرنا أبو القاسم بن سيران عن عبد الرحمن بن جعفر عن الغلابى عن العباس بن بكار عن الهزلى عن عكرمة عن ابن عباس، وحدثنا أبو احمد عن الطوس عن الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، وعن غير هؤلاء يزيد بعضهم على بعض قالوا: تزوج رسول الله- ﷺ خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهى بنت أربعين سنه، فأول من ولدت له عبد الله ثم زينب ثم القاسم ثم الطاهر ثم المطهر ثم رقية ثم أم كلثوم ثم الطيب ثم المطيب ثم فاطمة، وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات القاسم والطاهر قبل النبوة فمر رسول الله راجعا من جنازة القاسم على العاص بن وائل السهمى وابنه عمرو فقال: أنى لأشنؤه فقال العاص: لا جرم فقد أصبح أبتر، فانزل الله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ، «١» وزوج زينب من أبى العاص بن الربيع، وأم كلثوم «٢» من عتيبة بن أبى لهب، فطلقها بعد أن نبىء رسول الله، فتزوجها عثمان، فولدت له عبد الله فلما بلغ ست سنين ماتت والنبى ببدر، «٣» فتزوج بعدها أم كلثوم وتزوج على

стр. 110

فاطمة فى السنة الثانية من الهجرة. أول ما تكلم به حين دخل المدينة أخبرنا أبو احمد عن الجلودى عن عبد الرحمن بن خلف عن معاذ بن عوذ الله عن عوف بن أبى جميلة عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله- ﷺ المدينة احتفل الناس قبله، فقالوا: قدم رسول الله- قدم رسول الله، فجئت فى الناس فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب، وكان أول شىء تكلم به أن قال. «أيها الناس اطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا الارحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» ومما يجرى مع هذا قول بعضهم: أبخل الناس من بخل بالسلام على معرفته وجاره إذا غدا أو راح، ودخل بعض الصلحاء على بعض الخلفاء فسلم، فقيل له: أصبت السنة واخطأت الأدب، فقال: لا خير فى أدب ليس فيه سنة. وجعل السلام فى الاسلام مكان السجود، والمصافحة بدل تقبيل اليد، ولما دخل جعفر بن أبى طالب فى أصحابه على النجاشى سلموا عليه ولم يسجدوا له فغضب، فقال له جعفر: أيها الملك جئناك بتحية رضيها الله لأوليائه وأهل طاعته فجعلها تحية أهل الجنة، وكان السجود تحيتنا اذ نحن نعبد الأوثان، فبدلنا الله بها خيرا منها وهو السلام فرضى. أخبرنا أبو احمد عن بعض رجاله عن ابراهيم بن المدبر قال: دخل الفقهاء على المتوكل ونحن وقوف بين يديه فاستدناهم، فكل قبل يده، الا اسحاق بن اسرائيل فإنه قال: ما ينقصك يا أمير المؤمنين الا أقبل يديك، وقد حدثنى الفضل بن عياض عن هشام عن الحسن أنه قال: المصافحة تزيد فى المودة وتبقى ببهاء المؤمن، فبسط المتوكل يده فصافحه، ثم وصله بأكثر ما وصل واحدا منهم وقلت فى المعنى:
следующие страницы →