Полный текст (1 011 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
[مقدمة الجزء الأول]
[مقدمة رئيس التحرير]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعريف
- ١- عزيزى القارىء.. تقدم لك الذخائر هذه المرة (قطعة) من تاريخنا الأدبى المطعّم دائما بالسياسة، هذه (القطعة) هى كتاب (الأوراق) للصولى (أبوبكر محمد بن يحيى ت ٣٣٥ هـ) .
هذا الكتاب يلف رحلته شىء من (الدرامية) - إن جاز التعبير- فقد ذكروا أن المؤلف لم يتمّه، كما أن الأجزاء التى أنجزت منه لم يتم تحقيقها بالكامل. ومع ذلك فقد دفعت قيمة الكتاب التى نوه بها القدماء، كما نوه بها الذين اطلعوا على بعض صفحاته من المحدثين.. أقول: دفعت قيمة الكتاب ذلك العاشق القادم من الغرب- من انجلترا على وجه التحديد- إلى أن يتحمل مشقة تحقيق ما تيسر له من أجزائه، هذا العاشق هو محققه الأستاذ ج. هيورث. دن، الذى شده ما سمع عن الكتاب من أساتذته من المستشرقين وأصدقائه من المصريين، كما لفتته طرافة مادة الكتاب، فانتهز فرصة قدومه إلى مصر معلما للغة الإنجليزية- وضع خطا تحت كلمة (الإنجليزية) - فهو لم يأت كواحد من المستشرقين لتدريس العربية أو بعض الموضوعات التى يعنى بها المستشرقون، وإنما قدم لتدريس الإنجليزية، وعلى الرغم من ذلك فقد انتهز فرصة وجوده فى مصر وحصوله على نسخة القطعة المتبقية من الكتاب ليشرع فى تحقيقه وتقديمه إلى القراء، ليبصروا عيانا ما سبق أن نوّه به سماعا.
стр. 2
- ٢-
المادة الأدبية فى الكتاب- وعمادها الشعر- كلها لمحدثين عبّاسيّين سواء كانوا من البيت العباسى- خلفاء وأبناء خلفاء- أو كانوا من غيرهم؛ والأحداث السياسية كلها أبطالها عباسيون- سواء من العرب أو غير العرب- والكل مثير ولافت، سواء الشعر أو الأحداث السياسية أو الأشخاص الذين أسهموا فى صنع تلك الأحداث.
من هذه الزاوية يعد كتاب الأوراق وثيقة أدبية وتاريخية لاغنى عن قراءتها لكل من يهمه تاريخ الأدب العربى، وقبل هذا لكل من يهمه تاريخ هذه الأمة العربية التى بقدر ما نعمت بعهود من التوحد والقوة عانت عهودا أطول من التفكك والهوان.
- ٣- قدّم الأستاذ المحقق ثلاثة أجزاء من الكتاب على مدى سنوات ١٩٣٤، ١٩٣٥، ١٩٣٦، هى- وفقا لترتيب طباعتها: قسم أخبار الشعراء، أخبار الراضى بالله والمتقى لله، أشعار أولاد الخلفاء.
كلمات المؤلف- الصولى- فى مطلع الجزء الثانى- أخبار الراضى والمتقى- تنص على أنه فرغ قبله من أخبار الخليفة القاهر (٣٢٠- ٣٢٢ هـ) [انظر ص ١] بينما تشير كلمات المحقق إلى وجود جزء تاريخى آخر يتناول أخبار خليفتين سابقين على القاهر، هما: المكتفى بالله (٢٨٩- ٢٩٥ هـ) والمقتدر بالله (٢٩٥- ٣٢٠ هـ) ، وقد وعد المحقق بالبدء فى طبع هذا الجزء التاريخى بعد الجزء الخاص بأشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم [انظر صفحة (د) من مقدمة المحقق لأشعار أولاد الخلفاء] لكن يبدو أن حائلا حال دون ذلك، فبقى الكتاب- فيما نعلم- قاصرا على هذه الأجزاء الثلاثة التى
стр. 3
نقدمها اليوم لقراء الذخائر، بنفس الترتيب الذى قدمها به الأستاذ المحقق، وإن كانت القرائن تدل على أن ترتيب تأليفه كان مختلفا.
- ٤- عزيزى القارئ.. كم أتمنى أن يكون قد لفتك وصفى لمحقق الكتاب الأستاذ (ج. هيورث. دن) بأنه (ذلك العاشق القادم من الغرب) ، كم أتمنى أن تسألنى عن سر هذا الوصف، وأقول لك: إجابتى شرطها أن تقرأ كلمات الرجل فى وصف حماسته للسفر إلى مصر شوقا إلى رؤية مخطوط (الأوراق) والعمل على تحقيقه ونشره.
يقول: «ظللت أتحين الفرص التى تذلل لى الطريق إلى مصر، وكنت كما قال الشاعر:
أعلّل النفس بالامال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وحدث أن اختارتنى وزارة المعارف فى مصر مدرسا للغة الإنجليزية، فكان هذا الاختيار الغاية التى لا مطلع وراءها، ووقع من نفسى (مواقع الماء من ذى الغلة الصادى) .
وطبعا لم يكن ثمة ما يحبب إلىّ مثل هذا الاختيار سوى أنه يتيح لى نشر الكتاب، وكما يقول المتنبى:
ولو لم يكن فى مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشرق المستهام المتيّم
لقد جاء هذا النص فى مقدمته للجزء الأول- قسم أخبار الشعراء (صفحة د) - واصفا- كما قلت- حماسته لإخراج الكتاب، ولقد أخرج جزءه الأول ثم جزءه الثانى (أخبار الراضى والمتقى) ، وها هو ذا فى مقدمته للجزء الثالث يشعر بالامتنان للذين نوّهوا بعمله فى الجزئين ثم حثوه على إخراج جزئه الثالث، يقول: «لم تكد المطبعة
стр. 4
تفرغ من إصدار القسم الثانى المشتمل على أخبار الراضى بالله والمتقى لله.. ولم تكد النسخ الأولى منه تصل إلى أيدى العلماء حتى انثالت علىّ الرسائل، بعضها فرح مستبشر بمضيّى فى إظهار ذلك القسم وسابقه، متفائل بالنجاح فى إخراج كتاب الأوراق، وبعضها يطرى عملى فيه وعنايتى به.. ولم يكن حظى من الذين قرأوا الكتاب ولم يكتبوا إلىّ، بأقل من حظى من أولئك الأفاضل الذين قرأوا الكتاب وكتبوا إلىّ، بل كان حظى من بعضهم أوفى وأجل، فهم لم يكتبوا إلىّ فحسب، إنما ملأوا الدنيا كتابة فى الصحف وإذاعة فى المذياع» .
[مقدمة أشعار أولاد الخلفاء. صفحة أ، ب] .
أذكرك- عزيزى القارئ- بأن النصين اللذين قرأتهما للتوّهما لرجل غير عربى، تعلم العربية هناك فى مدرسة العلوم الشرقية بلندن، وقد يكون هناك- إلى جانب الدراسة- ما ساعده على إجادتها، ومع ذلك يظل هو الرجل صاحب اللسان الآخر، الذى لم يرضع العربية من ثدى الأم كما يقولون، يكتب العربية بهذا المستوى الرائع، ويضمّن نصه الأول بيتين ونصف البيت من الشعر تضمينا محكما واقعا موقعه من سياق الكلام، وأنا أحيلك على المقدمات التى صدّر بها الأجزاء الثلاثة التى نشرها من الكتاب، وهى صفحات قليلة، ولكنها تؤكد إلى أى مدى كانت العربية طيّعة لقلمه- وهو الغريب عنها، القاطن فى بلد لا يتكلمها- هذا فى الوقت الذى يتلوّى فيه أبناؤها تحت دعوى صعوبتها، ويعتذرون- أولا يعتذرون- عن الخطأ فيها، وربما جعلوا ذلك الخطأ مدعاة للفخر والتباهى بأنهم من دارسى اللغات الأجنبية، أو أنهم غير مختصين بالعربية.
стр. 5
- ٥-
ألست معى- عزيزى القارئ- فى أننى وأنت- إن كنت منتميا مثلى إلى هذه الأمة- فى أننا معا من أمة حار فى فهمها المنجمون؟، هى الأمة التى ضحكت من (حالها) الأمم، الأمة التى فيها من المضحكات المبكيات ما لا يحصى، وإن كان أشدّها مدعاة للضحك- أو للبكاء، سيان- تنكّر أبنائها للغتهم والتباهى بعدم إتقانها، بل وبالجهل بها، وليتهم وقفوا عند هذا الحد، حد استشعار القصور فى أنفسهم، ومحاولة ستره، ولكنهم تجاوزوا هذا الحد إلى انتقاد اللغة، فهى- مرة- قاصرة، ومرة صعبة، ومرة فيها تزيّد فائض عن الحاجة!! ما وجه القصور؟ يجيبون القصور عن ملاحقة التطور العلمى بعدم الاشتمال على المصطلحات اللازمة لمجاراة هذا التطور! ناسين أن اللغة نتاج حضارى وأن غناها وفقرها- فى مجال المصطلحات خاصة- إنما هو انعكاس لغنى أو لفقر الحضارة التى أنتجتها، وأن الحضارة التى تنتج (المسمّيات) هى التى تحمل اللغة على تقديم (الأسماء) ، أما الحديث عن الصعوبة فكلام مرسل، وكل لغة لها بنيتها الخاصة فى الاشتقاق والتصريف وتعلق الكلمات بعضها ببعض وعناصر الربط بينها عند الإضافة، فضلا عما يقدّم وما يؤخر.
ويأتى حديث الزيادة أو الفائض الذى لا لزوم له.. فلا لزوم للإعراب ولا لزوم لنون النسوة ولا لزوم للتثنية- يكفى المفرد والجمع- ولا لزوم للجملة الفعلية- تكفى الجملة الإسمية- لماذا؟ لأن هذه الظواهر لا وجود لها في بعض اللغات الأخرى الحديثة المتطورة!! وليس هذا مكان النقاش، ولكنى فقط أذكر بمبدأ أساسى يجب أن نقر به: إنّ من
стр. 6
الخطأ الفادح قياس بنية لغة على بنية لغة أخرى، هذا مرفوض بالنسبة لكل اللغات، ولو كان للنقاش والمقارنة مكان هنا لذكرت كثيرا من الظواهر فى بعض اللغات الأخرى مما يمكن الجدل حول جدواها، لكن ليس هذا هو المكان المناسب.
وإنما أقول لأصحاب هذه الأفكار ممّن أصابتهم عقدة الخواجة: إننى على يقين من أنه لو كان الأمر بالعكس، أى لو كان الإعراب وعلامة التأنيث- أقصد نون النسوة- والتثنية والجملة الفعلية موجودة فى بعض اللغات الأخرى دون العربية لأصبح الموقف- فى تصورى- مختلفا ولوقفتم تهاجمون العربية لخلوها من هذه الظواهر، التى كانت ستكون عندئذ خصائص تدل على رقى اللغة التى توجد فيها ودقتها وحرصها على التفريق بين النوعين وعلى إبراز الفارق المعنوى بين الجملة الفعلية والإسمية..
إلخ.
هذه- أيها السادة- هى الحقيقة: إننا نأتمر- ربما لا شعوريا- بأوامر من خارجنا، أوامر- قد لا نكون على وعى بها- تجعلنا عبيدا للإحساس بالدونية، ومن ثم للتقليد، وإلا فلو كان الأمر أمر صلاحية للاستمرار لوجبت التحية لتلك اللغة التى ضربت الرقم القياسى فى طول عمرها بين اللغات الحية، ولعد طول العمر هنا دليلا على الحيوية والمرونة والقابلية للتطور، لا مظهر عجز وشيخوخة لا وجود لهما إلا فى أذهان القائلين بهما.
معذرة- عزيزى القارئ- إذا كنت قد أقحمت عليك هذا الموضوع.. وإنما جر إليه التداعى.. التداعى بالتناقض بين جمال العربية التى كتب بها الرجل الغريب عنها، الأستاذ (ج. هيورث. دن) وهو يقدم تحقيقه لكتاب (الأوراق) للصولى، وركاكة اللغة التى يتحدث بها- متباهين- بعض أبنائها، مضيفين إلى ذلك
стр. 7
اتهامها بالصعوبة والتخلف، زاعمين لأنفسهم الحق والقدرة على إجراء ما يرونه من عمليات البتر والترقيع مما يسمّونه تطويرا.
أما العربية فإنى أسمعها تردد بلسان الشاعر القديم:
وكم جاهل بى وهو يجهل جهله ... ويجهل علمى أنّه بى جاهل
عبد الحكيم راضى أغسطس ٢٠٠٤
стр. 8
محقق الكتاب
الأستاذ/ ج. هيورث. دن لم نستطع الوصول إلى معلومات تساعدنا على التعريف بمحقق الكتاب، سوى ما ذكره هو عن نفسه فى مقدمته للجزء الأول من أنه درس فى مدرسة العلوم الشرقية بلندن، وأنه قدم إلى مصر منتدبا من وزارة المعارف المصرية لتدريس اللغة الإنجليزية، وواضح من كتابته أنه كان يجيد العربية إجادة كاملة تدعو إلى الإعجاب وأنه كان مشغوفا بكتاب الأوراق للصولى بعد ما سمعه عنه من أساتذته فى أوروبا ومن أصدقائه فى مصر مما جعل تحقيق الكتاب هو هدفه الأول من هذه الرحلة.
стр. 9
مقدم هذه الطبعة
الأستاذ الدكتور منير عبد القادر سلطان- تخرج فى كلية الآداب- جامعة الإسكندرية ١٩٦٢- حصل على الدكتوراه فى الآداب من نفس الكلية ١٩٧١- عين مدرسا للنقد والبلاغة بكلية البنات جامعة عين شمس ١٩٧٥- تدرج فى مناصب هيئة التدريس بالكلية- تولى رئاسة قسم اللغة العربية بها من ١٩٩٤- ١٩٩٧- حاليا أستاذ النقد والبلاغة بالكلية.
- أعير إلى أكثر من جامعة عربية بالسعودية وقطر- أشرف على عديد من رسائل الدكتوراه والماجستير كما شارك فى مناقشة العديد منها، وفى تقويم الأعمال العلمية المقدّمة للجان للترقية.
من مؤلفاته:
- إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة- الإيقاع الصوتى فى شعر شوقى الغنائى- بديع التراكيب فى شعر أبى تمام- الكلمة والجملة- الصورة الفنية فى شعر المتنبى- ابن سلّام الجمحى وطبقات الشعراء- المرزبانى والموشح
стр. 10
تقديم
د. منير سلطان
أولا: أبوبكر الصّولى (٢٥٥- ٥/٣٣٦ ه ـ)
يقدّر للرجل أن تكون حياته صورة منتزعة من أحداث عصره، هو نتاج ونتيجة، وهى منبع ومصبّ، وإذا استعرضنا حياة الصولى أيقنّا أنه من العسير على مثله أن ينسب إلى عصر غير عصره، ومن الطبيعى لمثل عصره أن يفرز رجلا كمثله، وإن لم يكن، تكون نواميس الطبيعة قد خرقت، وطبائع الأشياء قد انحرفت.
والصولى هو رجلنا الذى سنجلس إليه (١) والعصر العباسى الثانى فى بغداد هو عصرنا الذى سيكون مرآة نرى فيه الصولى ونراه فى الصولى، مع احتفاظ كل منهما بخصائصه. ذلك العصر (٢٤٧- ٣٣٤ هـ) (٢) الذى بدأ بمقتل خليفة، وانتهى بسمل خليفة، المتوكل قتل بيد ابنه وولى عهده، والمستكفى سمل بيد معزّ الدولة البويهى.
وبدخول البويهيّين بغداد انتهى عصر سيطرة الأتراك على بغداد، وبدأ عصر سيطرة الفرس، وقد كانوا مسيطرين فى العصر العباسى الأول، واضطرّ المعتصم أن يكثر من الأتراك ليخفف من ضغط الفرس حتى تحول العنصر التركى إلى كابوس، فجاء معز الدولة البويهى ليعيد النفوذ للفرس، أما عن العرب فكانوا يجلسون فى صالة المسرح يتفرجون، ويدفعون الثمن من قوتهم ودمائهم، وقد كانوا فى الدولة الأموية هم أبطال الملحمة، وكانت هذه العناصر مصنفة تحت قائمة العبيد والموالى ثم تغيرت الأدوار (٣) .
стр. 11
العصر هنا بمعنى الحقبة الزمنية ذات الأحداث المتشابهة، والتى وقعت فى مكان محدد، لأسباب محددة، نتائجها متوقعة، وهى أحداث ولد الصولى بعد ثمانى سنوات من بدايتها، وعاش سنة أو سنتين قبل نهايتها.
كان من الممكن أن يكون أبو بكر الصولى شاعرا أو كاتبا (٤) أو نحويا (٥) أو فقيها (٦) أو إخباريا (٧) أو موسيقيا (٨) أو منجّما (٩) أو مهندسا (١٠) أو نديما (١١) ولكنه آثر أن يكون كلّ هؤلاء، أن يكون عدّة رجال فى رجل، محيطا بكل شيء، وليس متخصصا فى شيء، فالمتخصص فى علم ما، أو فن ما هو: الذى يضيف إضافة لتخصصه، وتكون له فيه علامة، ولا يمكن للدارسين أن يتجاوزوه إذا تذاكروا الفائقين فى علم ما، أو فن ما، أما الموسوعى فهو:
الذى يسبح فى فضاء المعارف ولا يغوص، يتعمق ولا يبعد، وإن ابتعد لا يغيب، ويجسب له أنه جمع فأوعى، وسمع وروى وحفظ ودرى، فتحول إلى وعاء امتلأ علما يشفى غلة الصادى، ويروى ظمأ الملهوف، لكن ليس له مجال تخصص يقف فيه، وهكذا كان الصولى، هو نتاج طبيعى للعصر العباسى الثانى فى بغداد.
وأعلم أنه سيتبادر إلى الذهن فورا أعلام كبار فى حضارتنا الإسلامية، فالمدائنى (٢١٥ هـ) ترك حوالى سبعة وثلاثين ومئتى كتاب (١٢) ، والجاحظ (٢٥٥ هـ) ترك مكتبة معروفة، وكذا ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) ، والطبرى (٣١٠ هـ) ، وأبو حيان التوحيدى (٤٠٠ هـ) وغيرهم كانوا موسوعيين وكانوا صورة منتزعة من عصورهم، مثل الصولى، ولكنهم تميزوا عنه بأنهم تجاوزوا عصورهم بتراثهم، فصاروا صالحين لكل العصور، وكان لهم من
стр. 12
تكوينهم العلمى والاجتماعى والثقافى والنفسى ما ساعدهم على ترك علامة بل علامات فيما تناولوه من علم أو فن، فأضافوا أفكارا، وغيروا مفاهيم، وكان لهم امتداد على يد تلاميذهم، وهنا يختلف الصولى.
كان الصولى على أهميته البالغة نتاجا لعصر هو نفسه نتيجة لأحداث وقعت فى عصر بل عصور سابقة عليه، أحداث كان لها أثرها الدامى فى جسد الأمة الإسلامية منذ أن قتل عثمان بن عفان إلى أن جاءت الدولة الأموية التى تعصبت للعرب، والدولة العباسية الأولى التى تعصبت للفرس، ثم الدولة العباسية الثانية التى قامت على أكتاف الأتراك، فأخذوا يجرون عربة الدولة العباسية فى المنحدر إلى أن وصلت بهم إلى القاع، ليجدوا رءوسهم تحت أقدام معز الدولة البويهى، وتفتّتت الإمبراطورية إلى دويلات وإمارات، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.
الصولى غير المدائنى، غير الجاحظ وابن قتيبة، والعصر الذى ظهر فيه الصولى ما كان بحاجة إلى أعلام أفذاذ مثلهم يتجاوزون العصور، ويقفزون فوق أسوار الزمن، كان بحاجة إلى من يرصد أحداثه، ويصور فساده، ويحكى تناقضاته، وينظر بالبصر والبصيرة إلى أحوال العلم والعلماء، والدين والفقهاء، والأدب والأدباء والسياسة والساسة، والتقلبات المذهلة، والأوضاع الغريبة، ولم لا؟ والمجتمع- فى ظل هذه الفتن والاضطرابات والقلاقل- تحول إلى مجتمعات داخل مجتمع، الخليفة والقصر والأمراء والوزراء مجتمع، والقادة والجيش مجتمع، والعلماء والفقهاء والأدباء مجتمع، والتجار والصّناع مجتمع، وعامة الشعب مجتمع، والعبيد مجتمع وهكذا، دوائر تحكمها الطبقية
стр. 13
الغليظة، تتعامل مع بعضها حسب قوانين معلومة، وتتعامل مع غيرها وفق قوانين متفق عليها، وعادة ما تحدث الاضطرابات حين يختل النظام وتتداخل القوانين، وتنتهك الحدود، وهذا هو- فى رأيى- سر ظهور أسماء لامعة فى العصر العباسى الثانى فى كل فن وعلم بالرغم من الفوضى التى نراها بالعين المجردة من الخارج، ومن ثمّ لا تدهش لكثرة العلماء والفقهاء والفنانين بالرغم من الخلل الاجتماعى والاقتصادى والسياسى والأخلاقى الصارخ الذى كانوا يعيشون فيه.
إن اطلاعا سريعا على كتاب العصر العباسى الثانى لأستاذنا الدكتور شوقى ضيف يرينا كيف كانت الحركة العلمية تأليفا وترجمة فى كل العلوم العربية والدينية والفلسفية والطبيعية، وكيف كان زحام العلماء وطلاب العلم فى المساجد والمجالس الأدبية، وكيف كان تشجيع الخلفاء والوزراء والأسر الموسرة للعلم والعلماء، حتى ليخيل إلينا أننا فى أوج العصر العباسى الأول (١٣) والحقيقة أن العصر العباسى الثانى أضاف إضافاته، واجتهد اجتهاداته، وترك علاماته، إنها سر عظمة الحضارة الإسلامية، أن تستمر شعلتها مضيئة حتى فى الظلام الدامس.
ثانيا: كتاب الأوراق
بين أيدينا تحفة أدبية تاريخية نقدية لها أثرها البالغ، وقيمتها الفريدة، قطعة من تاريخنا وشخصيتنا وحضارتنا جديرة بالتوقير، والفخر، والتقدير، تلك هى كتاب (الأوراق) للصولى.
هذا نحن ... ، وهذا تراثنا ...
стр. 14
وقد قام بتحقيقه المستشرق الجليل ج. هيورث. دن، تلميذ المستشرق الكبير هـ. أ. جب، وقد صدرت الأجزاء الثلاثة المتاحة منه على مدى سنوات ١٩٣٤، ١٩٣٥، ١٩٣٦.
ويشير المحقق إلى أن المظنون أن هذا الكتاب يقع فى خمسة أجزاء أو ستة، وأن الموجود منه أربع مجلدات متفرقة فى عدة مكاتب (١٤) ثم يعلن عن عزمه على طبع القسم الخاص بأخبار المكتفى بالله والمقتدر بالله. (١٥)
فالكتاب لم يتم بعد بالنسبة لنا، والنديم- المعروف خطأ باسم ابن النديم- فى الفهرست يقول: إن الصولى لم يتمه (١٥) ، أى أنّ نقصين قد اجتمعا على الكتاب: نقص من الصولى، ونقص من إهمالنا لتراثنا.
أ- وعنوان الكتاب الأوراق يحدثنا عنه النديم بعد تقديمه للصولى قائلا: الصولى: محمد بن يحيى بن العباس الصولى، من الأدباء الظرفاء، والجمّاعين للكتب، نادم الراضى، وكان أولا يعلّمه، ونادم المكتفى ثم المقتدر دفعة واحدة، وأمره أظهر وأشهر، وعهده أقرب من أن نستقصيه، وكان من ألعب أهل زمانه بالشطرنج. (١٦)
حسن المروءة، مات سنة ثلاثين وثلاثمئة. (١٧) ، وتوفى مستترا بالبصرة لأنه؛ روى خبرا فى علىّ ﵇، فطلبته الخاصة والعامة لقتله، وله من الكتب: (الأوراق فى أخبار الخلفاء والشعراء) ولم يتمه، والذى خرج منه، أخبار الخلفاء بأسرهم وأشعار أولاد الخلفاء وأيامهم، من السفاح (١٨) إلى أيام ابن المعتز وأشعار من بقى من بنى العباس ممن ليس بخليفة، ولا ابن خليفة لصلبه، وأول ذلك شعر عبد الله بن على، وآخره شعر أبى أحمد
стр. 15
محمد بن إبراهيم بن عيسى المنصور، ويتلو ذلك أشعار الطالبييّن، ولد الحسن والحسين، وولد العباس بن على، وولد عمر بن على، وولد جعفر بن أبى طالب، ثم تلا ذلك أشعار ولد الحارث بن عبد المطلب، وبعده أخبار ابن هرمة ومختار شعره، أخبار السيد الحميرى ومختار شعره، أخبار أحمد بن يوسف ومختار شعره، أخبار سديف ومختار شعره، وهذا الكتاب عوّل عند تأليفه على كتاب المرثدى فى الشعر والشعراء. (١٩) ، بل نقله نقلا وانتحله انتحالا، وقد رأيت دستور الرجل (٢٠) فى خزانة الصولى، فافتضح به بعد ذلك ... (٢١)
ولو وصل إلينا كتاب المرثدى المسمى ب أشعار قريش لاستطعنا أن نحدد مدى إفادة الصولى منه وساعتئذ سأوافق النديم على ما ذهب إليه، مع ملاحظة ذكرها عنه ياقوت الحموى وابن حجر العسقلانى وهى أنه: كان شيعيا معتزليا، يسمّى أهل السنة (الحشويّة) ويسمّى الأشاعرة (المجبرة) ويسمى كل من لم يكن شيعيا (عاميا) (٢٢) ، فالصولى بالنسبة للنديم ضمن الفئة الثالثة: عامّى.
أقول سأوافقه على أن الصولى قد نقل كتاب أشعار قريش للمرثدى، فهل نقل عنه أشعار أولاد الخلفاء؟ وأشعار الراضى والمتقى وأخبارهما؟
وهب أنه فعل، فأين ذوق الصولى فى اختيار الأشعار؟، وثقافته فى المفاضلة؟
وخبرته فى النقد؟ يبدو أن النديم لم يكن على وفاق مع الصولى، ودليلى فى الفهرست. (٢٣)
وقد قرأت كتاب الفهرست كله باحثا عن سابق للصولى أو لا حق، قد
стр. 16
ألّف كتابا سمّاه الأوراق فلم أجد سوى أبى عبد الله محمد بن داود بن الجراح (٢٩٦ هـ) ، قد ألّف كتابا سماه الورقة (٢٤) ويقول د. عبد الوهاب عزام محقق الكتاب ومعه الأستاذ عبد الستار فراج (٢٥) : قيل إن ابن الجراح سمّى كتابه الورقة لأنه؛ التزم فيه أن يترجم لكل شاعر ورقة واحدة، وليس معنى هذا أن التراجم سواء فى طولها، فالكتاب يشهد بغير هذا، بعض التراجم فى النسخة بين أيدينا أربع صفحات وبعضها ثلاث، وبعضها صفحة، وبعضها أقل، وأكثر التراجم نحو صفحتين ... ، لعله أراد أنه: كتاب مختصر، معظم تراجمه لا تزيد على ورقة، وإن كان بعضها أكثر وبعضها أقل، ويؤيد هذا أنه بعث بالكتاب رسالة إلى ابن المنجم. (٢٦)
ولماذا لا يكون ابن الجراح قد رسم أن تكون كل ترجمة فى ورقة لا تتجاوزها وحين استمر فى الكتاب أجبرته المادة التى جمعها أن يتجاوز الورقة؟ الأمر الذى تجنبه الصولى وسمى كتابه الأوراق، الأوراق فى الترجمة الواحدة، الأوراق فى التراجم جميعا؟ احتمال.
ب- وتأتى قيمة كتاب الأوراق فى:
١- أن الصولى شاهد عيان على أحداث وقعت فى القصر، ومواقف حدثت بينه وبين الخليفة الراضى والمتقى والمكتفى والمقتدر، بل بينه وبين أشهر شعراء العصر كالبحترى وابن المعتز.. إلخ، مما يرقى بالكتاب إلى أن يكون وثيقة معتمدة لا ينال الشك منها بسهولة.
٢- أن الصولى يلزم نفسه بأن يقول ما لا يعرف، وأن يدّون فى كتابه من الأخبار غير المتداول عن الخليفة والخلافة، أو عن الشعر
стр. 17
والشعراء، أو عن اللهو والمجالس، أو عن القرارات الحاسمة التى تصدر من قصر الخلافة تمس الدولة وحياة الناس، مما زاد من قيمة الكتاب وجعله مصدرا أساسيا فى موضوعه.
٣- أن الصولى يلتزم الصدق فى الرواية، فليس الصولى الذى يكذب وهو من هو؛ ذو المكانة والأهمية، والاعتداد بالنفس والعلم والأصل لدرجة الغرور، وكسب الأعداء والحساد.
٤- أن الصولى يمثل نبض العصر العباسى بتقلباته السريعة، واستقراره المؤقت، وتعايش المتناقضات فيه، فى حياة الدولة وحياة الفرد.
٥- أن أسلوب الصولى يعتمد على القص والحوار، وتصوير الأبطال، وكشف خفايا النفوس، وتعرية المسئولين من خلفاء إلى أمراء إلى وزراء إلى قوّاد إلى سائر رجال البطانة والقصر، ومعهم النساء والعبيد والجوارى، فالكتاب تصوير عن قرب لما يحدث وراء الكواليس، ورصد للقيم والمبادئ، عاليها وسافلها.
٦- أن منهج الكتاب امتداد للاتجاه الذى بدأه ابن المعتز فى الاحتفاء بصناع الحياة، فى الرئاسة والعلم والفن، فطالما نظر المؤلفون إلى الخلف من امرئ القيس إلى ابن هرمة، وتحدثوا كثيرا عن عمالقة الماضى، فأين الذين يشكلونها الآن، إنه اتجاه مقابل للاتجاه المحافظ:
اتجاه اللغويين والنقاد الذين يتعصبون للقديم، ويزورّون عن الجديد لأسباب أقنعوا بها أنفسهم.
стр. 18
٧- لو فرّغنا كتاب الأغانى من نصوص الصولى، وكذا كتاب الموشح والمعجم للمرزبانى لما بقى لهم فى كتبهم الكثير. وليس هما فقط فغير الأصفهانى والمرزبانى توجد قائمة من ياقوت الحموى والشريفين: (الرضىّ والمرتضى) ، والقالى وابن عبد ربه وابن رشيق..
إلخ.
ج- أجزاء كتاب الأوراق:
أريد أن استعرض مع القارئ الكريم أجزاء كتاب الأوراق، ولكن ليس إلا بعد أن أناقش مسألة شكلية. فالكتاب فى طبعته البيروتية قد وضع العنوان فيه هكذا: أخبار الشعراء المحدثين من كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ وتحت هذا العنوان وصف المجلد الأول، أمّا المجلد الثانى فكان: أخبار الراضى بالله والمتقى لله، أو تاريخ الدولة العباسية من سنة ٣٢٢ هـ إلى سنة ٣٣٢ هـ من كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ، والمجلد الثالث كان: أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم من كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ، وأقول:
١- إن الذى بين أيدينا أجزاء وليست مجلدات مستقلة.
٢- إن عنوان الكتاب- طبقا لرواية النديم- الأوراق يقول: الأوراق فى أخبار الخلفاء والشعراء، ولم يتمه، والذى خرج منه.. فتكون كلمة الأوراق أولا، ثم يكتب تحتها أخبار كذا..، وأشعار كذا..
الجزء الأول، أو القسم الأول، وهكذا.
стр. 19
٣- إن المنطقى أن يخرج الصولى للناس- وهذا ما قاله النديم- أخبار الخلفاء، وهى الأخبار التى يجيدها الصولى، والتى فيها طرافة، وإليها تشوّق، ولها إغراء، لما فيها من غرائب كانت خافية عن الجمهور، أما أن يقدّم أول ما يقدّم الجزء الخاص بأخبار الشعراء المحدثين، وقد احتلوا مكانتهم فى قلوب الجمهور وعلى رفوف المكتبات، منذ ابن المعتز (٢٩٦ هـ) إلى وقت الصولى، فأمر غير منطقى.
٤- الجزء الذى وعد المحقق أن يعده للطبع، وهو القسم الخاص بأخبار المكتفى بالله (٢٨٩- ٢٩٥ هـ) ، والمقتدر بالله (٢٩٥- ٣٢٠ هـ) ، كان يجب أن يقدّم فى التحقيق على الجزءالذى قدّمه فى أخبار الراضى والمتقى، ليكون الترتيب هكذا:
كتاب الأوراق أخبار المكتفى بالله والمقتدر بالله لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الأول كتاب الأوراق أخبار الراضى بالله والمتقى لله.
لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الثانى
стр. 20
كتاب الأوراق أشعار أولاد الخلفاء لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الثالث كتاب الأوراق أخبار الشعراء المحدثين لأبى بكر الصولى (٣٣٦ هـ) الجزء الرابع هذا، وسوف أتناول الأجزاء الثلاثة المتبقية من الكتاب وفقا للترتيب الذى ذكرته، وهو- كما نرى- الترتيب الفعلى للكتاب، بصرف النظر عن ترتيب صدورها فى الطبعة التى يعاد تصويرها فى سلسلة (الذخائر) أولا: أخبار الراضى بالله والمتقى لله يقع هذا الجزء فى خمس وثمانين ومئتى صفحة، وبه مقدمة للمحقق، بها وصف للمخطوطة، وكلمة شكر وثناء، ومكان وتاريخ كتابتها لندن فى العاشر من يونيو من عام ١٩٣٥ م ثم صورة ورقة من نسخة المخطوطة المحفوظة بمكتبة شهيد على بالآستانة.
وبدأ الكتاب هكذا بسم الله الرحمن الرحيم تحتها: أخبار الراضى بالله وبعدها مباشرة يقول الصولى: قال أبوبكر محمد بن يحيى، قد فرغنا
стр. 21
والحمد لله من ذكر أخبار القاهر والأحداث فى أيامه، ونحن نذكر الآن بيعة الراضى بالله، وما كان من أمره والأحداث فى أيامه إن شاء الله (٢٧) ، والنديم يقول: كتاب (الأوراق فى أخبار الخلفاء والشعراء) ، ولم يتمه، والذى خرج منه: أخبار الخلفاء بأسرهم،.. مما يدل على أن الكتاب ضخم، ويقع فى أجزاء عديدة، حتى ولو لم يتمه الصولى.
وهو ليس كتابا فى التأريخ بالمعنى الدقيق للتأريخ، ولكنه تسجيل لأحداث عاصرها الصولى، لها أهميتها، تسجيل انطباعى ليس وراءه فلسفة تهتم برصد الأسس العامة التى بنيت عليها الدولة الإسلامية، والثوابت التى تأصلت فى حياة الأمة من عهد الرسول ﷺ إلى عهد الدولة الأموية فالعباسية، والمتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية والعلاقات الدولية، والتيارات المتشابكة والتطورات المتلاحقة فى الداخل والخارج.. إلخ، مما تلتقطه- فى العادة- عين المؤرخ المدرّب، كتاب الأوراق بأجزائه التى وصلت إلينا، أخبار بالمعنى الدقيق للكلمة، رصد لأحداث حدثت بالفعل، قام به رجل أديب كاتب بارع يمارس الشعر وليس بشاعر له علامة فارقة، لا هو ولا الخليفة الراضى الذى حرص على نقل قطعة كبيرة من شعره على حروف الهجاء من الألف إلى الياء، بالإضافة إلى غيره من الخلفاء ولا استثنى منهم سوى ابن المعتز. نظم الشعر شيء، ولو كان جيدا، وإبداع الشعر الذى له صوته الخاص، وروحه الخاصة، وتفرده وغرابته وتوحشه أيضا شيء آخر، ولهذا فرّق النقاد بين مطلق الشعراء وفحول الشعراء.
стр. 22
الإضافة التى تجعلنا نتمسك بكتاب الأوراق وندع كتابا آخر فى تاريخ ما ذكره الصولى، أننا نقرأ كتابا بقلم أديب يسجل الترعات الإنسانية الدفينة لأناس كتب على أحدهم أن يكون خليفة، أو أميرا، أو وزيرا أو نديما..، فطفحت منهم الأنا الحقيقية بما فيها من سوء وشذوذ، وحب وكره، وحقد وسماحة، وتكالب وزهد، إنهم أبطال مسرح الحياة، بعد أن انتهى دورهم من فوق خشبة المسرح السياسى، إنهم بشر.
ستقرأ لأديب يجعلك تلمس ما يدور فى ردهات القصر كأنك جالس فى القصر، وتقرأ ما يدور فى الشارع وفى البيوت وفى نفوس الناس كأنك مواطن عباسى بغدادى يعيش القرن الرابع الهجرى.
ثانيا: أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم يقع هذا الجزء فى ثلاث وثلاثين وثلاثمئة صفحة، نظرا لكثرة من سيتحدث عنهم الصولى، ويقول فى مقدمته: قال أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولى: قد فرغت من أشعار الخلفاء وأخبارهم [مما يؤكد كلامى فى ترتيب الكتاب] وهذه أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم ثم نتبعهم بأشعار سائر بنى العباس، ثم نتبع ذلك بأشعار ولد أبى طالب، ثم أشعار من بقى من بنى هاشم، إن شاء الله وفى الهامش تعليق من المحقق يقول فيه: ما وجدنا فى النسخة الخطية إلّا أشعار أولاد الخلفاء، وقليلا من أشعار بنى العباس (٢٨) .
لقد تآزر على كتاب الصولى مشاغله وتقلبه بين حالتى الغنى الفاحش، والفقر المدقع، وضيق وقته، وتغير مزاجه، بالإضافة إلى إهمالنا فى حق تراثنا.
стр. 23
وإذا كنت قلت فى الجزء الأول من أخبار الخلفاء إنها ليست تاريخا بل هى أخبار، فإننى أقصد إلى أنها الأخبار التى صنعت التاريخ، والأحداث التى شكلت الدولة العباسية، وهى لحمة التاريخ وأساسه، وأصل بضاعته، ثم تأتى الرؤية والمنهج ومتطلبات الدراسة التاريخية. وليس الهدف من كتاب أشعار أولاد الخلفاء سرد أبيات شعر لمن لا يتوقع منه أنه يقول الشعر، لكن الهدف:
١: تسجيل شعر لمبدعين لا يتوقّع منهم أن تكون لهم علاقة بالفن فما أولاد الخلفاء والفن؟! يقول لنا الصولى: إنهم بشر وعرب، بشر لهم وجدان، وعرب لهم حسّ فنى، جدهم الأكبر امرؤ القيس.
٢: يريد الصولى أن يرينا: كيف كان يوظّف الشعر فى المناسبات الحساسة، والمواقف المصيرية، وكيف كان ينقل الأفكار والآراء ويحسم المشكلات.
٣: يرينا كذلك الأحداث الخفية، التى يعجز المؤرخون عن الوصول إليها، وإن عرفوها لا يقدروا خطورتها وأثرها فى تحريك مصائر الأمور.
٤: يرينا مدى رفاهية ذوق أولاد الخلفاء، فى اختيار الكلمة والجملة والعبارة، والصورة والمجاز والكناية، وأحيل القارىء الكريم إلى أشعار عليّة بنت المهدى وأخت الرشيد وأخبارها.
стр. 24
٥: إن الصولى يسلط الأضواء على هذه الطبقة التى يصعب الوصول إليها من عامة الشعب وخاصتهم، ليقول لنا: إن هؤلاء الخلفاء وأبناءهم ومن حولهم ليسوا غلاظا شدادا كما يظهرون أمامكم، فمنهم الفنانون، والمرهفو الحسّ، والمفلقون فى الشعر، وهذا ابن المعتز نموذجا واضحا على هذا.
وبمناسبة ذكر ابن المعتز الشاعر الناقد وموقف الصولى من شعره، فقد امتدت رفقة الصولى له تسعا وثمانين ومئة صفحة، من ص ١٠٧ إلى ص ٢٩٦، مما يكاد يكون كتابا مستقلا. ونقل من شعره ما يكاد يغطى ديوانه كله، ويقول أستاذنا الدكتور/ شوقى ضيف فى حديثه عن ديوان ابن المعتز وتوجد منه مخطوطة برواية الصولى بدار الكتب المصرية (٢٩) ، فهل هذا الجزء منها، أو هو هى؟! لست أدرى.
فى هذا الجزء يحدثنا الصولى عن أبى عبد الله محمد بن أبى العباس السفّاح، وأبى إسحاق إبراهيم بن المهدى، وعن أبى القاسم هبة الله بن إبراهيم المهدى، ثم عن عليّة بنت المهدى وأخبارها حديثا ليس بالقصير، ثم عن عبد الله بن موسى الهادى، وأبى عيسى بن الرشيد وغيرهم، إلى أن يتوقف عند ابن المعتز وقفة تطول، ثم يفتح فصلا جديدا فى أمر من بقى من بنى العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن خليفة، وبهم ينهى الكتاب.
أعلام ما كنا نسمع بالكثير منهم أو عنهم، رجال ونساء، شعراء وشواعر، ما دارت أسماؤهم على ألسنتنا، نعم للشهرة نصيب، فليس من الضرورى أن تكون عبقريا لتصير مشهورا، لكن من الضرورى أن تتهيأ
стр. 25
لك من الظروف والعوامل التى لا دخل لها بالعبقرية ليجرى اسمك على كل لسان، ويوضع فى الظل أقوام أقل ما يقال فيهم: إنهم عباقرة لكنهم غير محظوظين. وهذا ما حدث لحشد كبير من شعراء الدولة العباسية، فوجدوا أمثال الصولى ينتزعهم من الظل ويسلط عليهم الأضواء.
ثالثا: أخبار الشعراء المحدثين:
ويقع فى خمس وخمسين ومئتى صفحة، وللشعراء المحدثين نصيب من اهتمام الصولى هم: أبان بن عبد الحميد اللاحقى وحمدان بن أبان اللاحقى، وعبد الله بن عبد الحميد اللاحقى، وإسماعيل بن بشر بن المفضل اللاحقى، واستغرق هذا منه ثلاثا وسبعين صفحة، ثم انتقل إلى أخبار أشجع السّلمى، وأعاد ما فعله من استرسال مع شعر الخليفة الراضى، والخليفة بن المعتز، فاستمر مع أشجع ثلاثة وخمسين صفحة محاولا استقصاء أخباره ومختار أشعاره، ثم انتقل إلى أخى أشجع السّلمى: أحمد بن عمرو معطيا إياه ستّ صفحات ليتسلم الوزير الكاتب أحمد بن يوسف وزير المأمون، مستمرا معه ومع أبنائه وابن أخته أحمد بن سلمة الكاتب إلى نهاية الكتاب.
والمنهج الذى اتّبعه الصولى فى كتابه: الأوراق هو منهج الدوائر أو الطبقات الاجتماعية أو الفنية.
فثمة دائرة الخلفاء، ثم دائرة أولاد الخلفاء، ثم دائرة الشعراء الكتاب الوزراء، ثم الشعراء الكتاب.. إلخ، وفى داخل الدائرة يلزم نفسه بالتجانس، فالخلفاء قبيلة، وأبنائهم قبيلة، والأسرة الشاعرة قبيلة، وكل قبيلة لها
стр. 26
مترلتها، وقيمتها الفنية، كأن الإبداع يورّث!، أو له نصيب من الإطار الاجتماعى والاقتصادى، والفكرى الذى يولد فيه الفنان، وهذه النظرة الطبقية نابعة من طبيعة عمل الصولى فى القصور، وليس هذا هو السبب الوحيد لتأليف كتاب الأوراق، لكنه المنهج الذى ألزم به نفسه، حتى إنه ليضيق به ذرعا، ثم يقبله خضوعا للخطة التى وضعها، فأبو عبد الله محمد ابن أبى العباس له شعر قليل، وما كانت له أن تفرد له ترجمة (٣٠) ، وكذا أبو القاسم هبة الله بن إبراهيم بن المهدى، يقول فيه: وهذا وإن لم يكن ابن خليفة يعدّ فى الخلفاء، فإنّا جئنا به بعقب ذكر أبيه، كما شرطنا فى الرسالة التى فى صدر هذا الكتاب، أنّا إذا ذكرنا شاعرا فكان فى أهله شعراء، ذكرناهم جميعا بعقب ذكره، ليكون أمرهم أقرب إلى ملتمسه، فأجرينا هذا على ذلك (٣١) وعلى هذا الشرط وضع عبد الله بن موسى الهادى (٣٢) ، وأبا عيسى بن هارون الرشيد (٣٣) ، وعبد الله بن محمد الأمين (٣٤) ، وفى جزء الشعراء المحدثين، ومع أحمد بن أبى سلمة الكاتب يقول: جئت بأحمد هذا فى جملتهم؛ لأنه ابن اختهم، ولأن أحمد أول اسمه ألف، وهو شاعر مليح الألفاظ، دقيق الفطنة، مقلّ. (٣٥)
هذا هو الصولى، الذى كان له منهج منضبط فى الرواية، فرواياته لا بد أن تتصل بالأسانيد، وما كان يأخذ رواية عن صحفى، ولا يدس بخرافة فى رواية، ولا يروى إلّا الجديد، أو ما يظنّ أن الأدباء وعامة الشعراء بحاجة إلى معرفته، وكان أمينا فى نقله، صادقا فى حسه حتى على نفسه، له لفتاته
стр. 27
النقدية، فكان ينتقد بعض الشعر الذى يرويه- حتى لنفسه- ويعتذر عن إيراده لولا حاجة المناسبة إليه.
هذا هو الصولى، الذى طوّف ما طوّف فى ساحة القرنين الثالث والرابع الهجريّين، قرنى العصر العباسى الثانى فى بغداد، وروى الخبر، والشعر، والفكاهة، مدركا بوضوح أنه يكتب للأجيال المقبلة التى ستبحث عن الحقيقة، وتريد أن تعرف ما حدث من أفواه مشاهير، ومن أدعى إلى الثقة من رجل كان نديما لصنّاع القرار، وكان أديبا شاعرا ناقدا، كاتبا فذا، فكتب ضمن ما كتب كتاب الأوراق وها نحن نقلب صفحات الأوراق لترداد لصاحبه إكبارا، وتقديرا، ولتراثنا إعجابا وتوقيرا.
أ. د/ منير سلطان
стр. 28
الهوامش
(١) انظر فى ترجمته: ابن العماد الحنبلى شذرات الذهب- ٢/٣٣٩، ط بيروت، المكتب التجارى للطباعة والنشر- والدّلجى (أحمد بن على) - الفلاكة والمفلوكون ص ١٠٣، أعيد نشره فى سلسلة الذخائر رقم ١٠٥ الهيئة العامة لقصور الثقافة- ٢٠٠٣ م، وابن خلّكان- وفيات الأعيان- ٣/٤٧٧- تحقيق د. إحسان عباس، ط بيروت ١٩٧٢ م، وابن الأثير، الكامل فى التاريخ- ٦/٣٢٤ ط الأزهرية، القاهرة ١٣٠١ هـ- الأولى، السمعانى- الأنساب ص ٣٥٧ ط لندن ١٩١٢ م، وابن الجوزى- المنتظم ٦/٣٥٩ ط حيدرأباد ١٣٥٧ هـ- والمرزبانى- معجم الشعراء- ص ٤٣١- تحقيق عبد الستار أحمد فراج- أعيد نشره فى سلسلة الذخائر (رقم ٩٣) بالهيئة العامة لقصور الثقافة ٢٠٠٣ م، اليافعى- مرآة الجنان- ٢/٣١٩، ط حيدرأباد الدكن ١٣٣٧ هـ-، اين الأنبارى- نزهة الألبّاء فى طبقات الأدباء- ص ٣٤٣- ط حجر ١٢٩٤ هـ، والمسعودى، مروج الذهب- ٤/٢٩٨، تحقيق الشيخ قاسم الشماعى الرفاعى، ط دار القلم، بيروت، الأولى- ١٩٨٩ م، الأصفهانى- الأغانى- ١٠/٤٣ ط المؤسسة المصرية للنشر والترجمة، بالإضافة إلى كتبه التى تناثرت فيها أخبار عنه، وعن أساتذته وكتبه وتلاميذه مثل: أخبار البحترى (المقدمة التى كتبها لشرحه ديوان البحترى) ، وأخبار أبى تمام (المقدمة التى كتبها لشرحه ديوان أبى تمام) وكتابه الأوراق وكتاب أدب الكتاب.. إلخ.
(٢) انظر فى تاريخ العصر العباسى الثانى فى بغداد:
المسعودى، مروج الذهب- ٤/١٢١ وما بعدها، تحقيق الشيخ قاسم الشماعى الرفاعى، ابن تغرى بردى، ط دار الكتب- ١٩٥٠ م، الطبرى- تاريخ الطبرى، ط دار المعارف، ابن طباطبا- الفخرى فى الآداب السلطانية، المطبعة الرحمانية بمصر، البغدادى- الفرق بين الفرق- ط محمد محيى الدين عبد الحميد، الديارات للشابشتى، الطبعة الثانية، الصابى (الهلال بن المحسّن) - كتاب الوزراء ط عيسى الحلبى- ١٩٥٨ م، آدم ميتز- الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى ترجمة د. أبى ريدة، الطبعة الأولى، الشيخ محمد الخضرى- محاضرات الأمم الإسلامية، ط سنة ١٩٢١ م- الدكتور حسن إبراهيم حسن- تاريخ الإسلام السياسى والدينى والثقافى- مكتبة النهضة سنة ١٩٤٦ م، عبد العزيز الدورى- دراسات فى العصور العباسية المتأخرة- ط بغداد.. إلخ.
(٣) يقول د. أحمد جمال العمرى- كان الصولى شاعرا (فحلا؟!) بين فحول عصره الأفذاذ، استطاع أن يقف بين هؤلاء المشهورين منافسا قويا، فهو شاعر جزل اللفظ متخير الكلمات، لا يجد مشقة فى الأوزان، ولا فى اختيار القوافى ... - أبوبكر الصولى، العالم الأديب النديم- ص ١٣٥، سلسة أعلام العرب رقم ١٠١، ط الهيئة المصرية للكتاب- ١٩٧٣ م، ولو خففنا من تحمس الصديق الفاضل-
стр. 29
رحمة الله- لشاعرية الصولى، لاستطعنا أن نقول: إنه شاعر انتشرت أشعاره فى كتبه، وبخاصة فى كتاب الأوراق أما الفحولة فموضوع آخر.
(٤) كتب الصولى فى النثر الفنى مثل: رسالة الصولى إلى مزاحم بن فاتك، وقد حقق هذه الرسالة ونشرها محققو كتاب أخبار أبى تمام وجعلوها مقدمة لأخباره، مع أن أخبار أبى تمام مقدمة لشرح الصولى لديوان أبى تمام، فكانت الرسالة توضع بعد أخبار أبى تمام وليس قبلها، والمحققون هم:
محمد عبده عزام، وخليل محمود عساكر، ونظير الإسلام الهندى، من ص ٣ إلى ص ٥٦- منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت، الثالثة- ١٩٨٠ م، وله رسالة إلى ابن أبى الساج أخبار الراضى ص ٢٧، يقول:
وكان ابن أبى السّاج فى هذا الوقت بواسط عازما على لقاء القرامطة، وكنت أنفذت إليه رسالة طويلة فى كتاب عملته له، أوصيه فيه بالمطاولة، وهى رسالة حسنة- قد سرقها الناس منى-، تجمع ضروبا من العلوم.، وله رسالة إلى القاضى عمر بن محمد يقول: ... ، وكانت له أشعار ملاح، وجوابات منى، قد أفردت لذلك كتابا فيه هذه الأشعار، وفيه رسالة عملتها فى وصف أبيه. ص ١٤١ من أخبار الراضى بالله والمتقى لله- وله كتاب الغرر وهو عبارة عن أمال له. لعله أملاها على تلاميذه فى حلقات الدرس، يقول السمعانى: وكتبت جزءين من أماليه الحسنة عن شيخنا أبى منصور الجواليقى ببغداد- الأنساب ص ٣٥٨، والنديم- الفهرست ص ٢٢٢ ط التجارية.
(٥) له كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه- البغدادى- هدية العارفين، ٢/٣٨، ط أستانبول- ١٩٥٥ م، وهو لإلمامه بعلم النحو ومدارسه، قام بإعراب دواوين الشعراء، وذكر بعض ما اختلفت فيه مدارس النحو، حتى وضعه القفطى ضمن أنباه نحاته- ٣/٢٢٣، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط دار الكتب- ١٩٥٠ م.
(٦) له كتاب الشامل فى علم القرآن ذكر النديم أنه لم يتمه، ثم يقول: وللعلماء فى ذلك نوادر ليس هذا موضعها، الفهرست- ٢٢١، وله جزء الصولى فى الحديث جمعه الصولى من مرويات الحفاظ، ويقول الذهبى: وله جزء سمعناه سير أعلام النبلاء- ١٠/٧٣، تحقيق صلاح الدين المنجد، إخراج معهد المخطوطات العربية، وذكر الصولى أن له كتبا فى الحديث- أخبار أبى تمام ص ٦٢. وله كتاب العبادة الفهرست للنديم ص ٢٢١- وكتاب رمضان وكتاب سؤال وجواب رمضان الفهرست ٢٢١.
٧- مؤلفات الصولى الإخبارية ذات شقين، شق يتصل بالتأريخ السياسى، وآخر بالتأريخ الأدبى وتراجم الشعراء، وفيما يتصل بالتأريخ السياسى: ألّف الصولى مجموعة منها: الجزء الذى يتصل بتأريخ الخلفاء والدولة العباسية من كتاب الأوراق، كتاب الوزراء، كتاب القرامطة، كتاب خبر الجمل، رسالة فى فضل أبى بكر محمد بن طغج، كتاب مناقب على بن الفرات وأما ما يتصل بالتأريخ الأدبى، فله
стр. 30
تراجم مجموعة كبيرةمن الشعراء المحدثين، وما لدينا منها أخبار أبى تمام، وأخبار البحترى، وأخبار الشعراء المحدثين، وأشعار أولاد الخلفاء، والمفقود منها كثير.
(٨) - قد استمد الصولى معرفته للموسيقى والغناء، ومعرفة الألحان وإيقاعاتها- من الحفلات التى كانت تقام فى قصور الأمراء والخلفاء ومن اتصالاته بالمغنين والملحنين (أخبار الراضى- ٤٦) ، ويقول د. أحمد جمال العمرى- رحمة الله-: وقد اشتهر الصولى بأنه كان يعرف الغناء ويجيده، ويعرف أضربه وفنونه ومقاماته..، ويعرف مراتب المغنين والمغنيات، وليس أدل على ثقافة الصولى الموسيقية من تأليفه كتابا عن إسحاق الموصلى (وفيات الأعيان لابن خلكان- ٣/٤٧٧) ، أكبر المغنين فى العصر، جمع فيه أخباره ومؤلفاته- أبوبكر الصولى ص ٩٦.
(٩) - لم تنته ثقافة الصولى عند الأدب واللغة والفقة والموسيقى، بل إنه اطلع أيضا فى علم الكواكب والنجوم، وما كتب عن الكسوفات والخسوفات وما أتت به الروايات والتنبؤات، وكان يربط دائما بين ما اطلع عليه ودرسه، وبين الأحداث المحيطة به، فحين قتل المتقى لله سنة ٣٣٣ هـ، ربط الصولى بين مقتله وبين ما جاءت به الرواية من ناحية، وما حدث من كسوفات فى الكواكب من ناحية أخرى، يقول:
وما أعجب ما اتفق له من صحة الأخبار فيه، جاءت الرواية أن عمر الحادى والعشرين من الخلفاء أقل من ثلثى عمر الذى كان قبله، وأكثر من نصفه، فكان كذلك، وذكر بليناس فى كتابه الذى ذكر فيه الكسوفات، وهو كتاب قديم، قد ألف فى قديم الدهر أمر ملك بابل فقال: وأنا أحكى لفظة من كتابه، ومن طلب هذا الكتاب، وجد ما ذكرته فيه على ما شرحته، إن شاء الله، قال بليناس: أخبار الراضى- ٢٨٣.
(١٠) - ذكر ابن تغرى بردى أن الصولى نبغ فى علم الهندسة، وأن هذا العلم انتهى إليه- لأنه شارك فى وضع دعائمه وأصوله- النجوم الزاهرة ٣/٢٩٦.
(١١) - النديم- بأوسع معانيها- هو الأديب، ذلك الذى يجمع بين مختلف العلوم- (من كل بستان زهرة) - فيكون عالما وفقيها وكاتبا وشاعرا، ملما بأنواع الثقافات السابقة والمعاصرة، ملما بالعديد من العلوم كالفلك والطب والنجوم والطرد والقنص، ولعب الصوالج، والشّطرنج، والموسيقى، والغناء، ولا تقف ثقافته ومعلوماته عند هذه الثقافات، بل لابد أن تتوافر فيه، وتجتمع له ألوان أخرى من الشمائل الخلقية مثل: الدماثة واللين والصبر واللباقة وحسن التصرف، قادرا على التكيف حسب ما تقتضيه الظروف والأوضاع، مرنا، يتشكل ويتلون بشكل وميول مجالسيه من الخلفاء والأمراء والوزراء، ذكيا، سريع الخاطر، لمّاحا، يستشف الأفكار، يكتم الأسرار، لا يخطئ، ولا يتلجلج، ولا يترلق ... وهل كان الصولى إلّا كل هؤلاء فى رجل واحد!؟ انظر كشاجم- أدب النديم- ص ٣ ط بولاق سنة ١٢٩٨ هـ، وابن عبد ربه- العقد الفريد- ١/٢٦٥ تحقيق أحمد أمين وآخرين، ط مصر ١٩٤٠ م، وانظر د. أحمد
стр. 31
جمال العمرى- أبوبكر الصولى- ١١٧ وما بعدها.
(١٢) - النديم- الفهرست- ١٥٣.
(١٣) - د، شوقى ضيف- العصر العباسى الثانى- الحياة العقلية من ص ١١٥ إلى ١٧٩.
(١٤) - مقدمة تحقيق أخبار الشعراء المحدثين صفحة واو.
(١٥) - النديم- الفهرست- ٢٢١- ويقول الزر كلى فى كتابه الأعلام: اشتهر صاحب الترجمة (يتكلم عن النديم) بابن النديم، إلّا أن محقق طبعة الفهرست فى طهران (شعبان- ١٣٩١ هـ) رضا تجدّد، نبه إلى أنه هو النديم لا ابن النديم وصوّر الصفحة الأولى من مخطوطة نفيسة فى شيستربتى جاء اسم الكتاب فيها الفهرست للنديم وعلى هامشها من اليمين بخط المؤرخ أحمد بن على المقريزى ما نصبه: مؤلف هذا الكتاب أبو الفرج محمد بن أبى يعقوب إسحق بن محمد بن إسحق الوراق، المعروف بالنديم- الأعلام- ٦/٢٩.
(١٦) - يقول النديم فى الفهرست: الصولى له كتاب الشّطرنج النسخة الأولى وكتاب الشّطرنج النسخة الثانية.
(١٧) - لا أميل إلى الأخذ هذا التاريخ، ولا سنة (خمس وثلاثين وثلاثمئة) تاريخا لوفاة الصولى، وأميل إلى الأخذ بالسنة التى ذكرها المرزبانى تاريخا لوفاة الصولى وهى ست وثلاثين وثلاثمئة، فالمرزبانى من أكبر تلاميذ الصولى يقول عنه: شيخنا رحمة الله تعالى، نادم المكتفى بالله، فكان واسع الرواية، حسن الحفظ للآداب، والافتنان فيها حاذقا بتصنيف الكتب، ووضع الأشياء فى مواضعها، وله أبوّة حسنة، كان جده صول وأهله ملوك جرجان، ثم رأس أولاده بعده فى الكتابة، وتقلّد الأعمال الجليلة السلطانية، وتوفى أبوبكر بالبصرة سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، وشعره كثير، فمنه ... - معجم الشعراء- ٤٣١، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، سلسلة الذخائر رقم ٩٣، ط الهيئة العامة لقصور الثقافة- ٢٠٠٣ م.
(١٨) - يقصد: أبا عبد الله محمد بن أبى العباس السفاح ابن أبى العباس السفاح، أول خلفاء بنى العباس وتوفى سنة ست وثلاثين ومئة، وجاء بعده أخوه أبو جعفر المنصور- انظر السيوطى- تاريخ الخلفاء- ص ٢٥٦ وما بعدها، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية- الثالثة- ١٩٦٤ م.
(١٩) - عن المرثدى يقول النديم، هو: أبو أحمد بن بشر المرثدى الكبير، الذى كتب إليه ابن الرومى (٢٨٣ هـ) ، وله من الكتب: كتاب أشعار قريش، وعليه عوّل الصولى فى الأوراق، وله انتحل، ورأيته بخط المرثدى- والفهرست ص ١٩٣.
(٢٠) - ظنى أنه يقصد ب دستور الرجل، أى: كتاب المرثدى الذى اتخذه الصولى عمدة له فى تأليف كتاب الأوراق.
(٢١) - الفهرست- ٢٢١.
стр. 32
(٢٢) - عن الأعلام للزركلى- ٦/٢٩، الذى رجع إلى: لسان الميزان للعسقلانى- ٥/٧٢، وإلى معجم الأدباء لياقوت- ٦/٤٠٨ (٢٣) - فى حديث النديم عن جمع الصولى لشعر ابن هرمة يقول: وقد صنّفه ولم يأت بشىء، ص ٢٣٣، وفى حديثه عن الخبز أرزى واسمه نصر بن أحمد بن مأمون من شعراء البصرة، يقول: رقيق الألفاظ غير بصير بصناعة الشعر، وقد عمل شعره على الحروف، ونحل إلى الصولى ص ٢٤٦، ولا أدرى هل يقصد المدح، أى أن شهرة الصولى نسبت إليه كتاب الخبز أرزى حتى يروج بين القراء، وهذا أمر معروف فى عالم الكتب والوراقة فى التراث، كما هو حادث فى أيامنا هذه، أم يقصد القدح، أى أن الصولى صنع بكتاب الخبز أرزى صنيعه مع كتاب المرثدى؟!، على أية حال لم يكن الصولى يروق للنديم.
(٢٤) - النديم- الفهرست- ١٩١ (٢٥) - ط دار المعارف- سلسلة ذخائر العرب، رقم ٢٩١، الثالثة ١٩٧٧ م (٢٤) - الورقة- مقدمة التحقيق- ص ١٥ (٢٧) - أخبار الراضى- ص ١ (٢٨) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٣ (٢٩) - د، شوقى ضيف- العصر العباسى ص ٣٢٥، ط دار المعارف.
(٣٠) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٥ (٣١) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٥٠ (٣٢) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٨٤ (٣٣) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٨٨ (٣٤) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٩٧ (٣٥) - أشعار أولاد الخلفاء- ص ٢٥١
стр. 33
[مدخل الجزء الأول]
إهداء الكتاب
إلى استاذى العلامة هـ. ا. ر. جب الأستاذ بمدرسة العلوم الشرقية بلندن. إقرارا بفضله، وتحدثا بنعمته، إذ لفتنى الى هذا الكتاب النفيس وحبب الى إحياءه ونشره فى ابناء اللغة العربية والمستشرقين وكانت آراؤه نبراسا اهتديت بنوره حتى اتممت هذا العمل، فله منى شكر المنعم.
ج. هيورث دن اول يناير ١٩٣٤
стр. 34
مقدمة الناشر
ذكر صديق لى بمصر انه فى مثل هذا الشهر من العام المنصرم كان يسأل أستاذه العلامة أحمد أمين بكلية الآداب بالجامعة المصرية:
أى المخطوطات العلمية أحق بالاحياء والنشر؟
فكان كتاب الأوراق لأبى بكر محمد بن يحيى الصولى فى صدر الكتب التى اختارها ودله عليها.
وقريبا من ذلك العهد كان أستاذى النابغة (هـ. ا. ر. جب) فى مدرسة العلوم الشرقية يصف لى هذا الكتاب، ويحببه إلى، ويحثنى على نشره، ويبالغ فى امتداحه وتقريظه.
وما كان يدور بخلدى أن فى الدنيا كتابا يستحق هذا الاطراء الذى كان الاستاذ جب يسبغه على كتاب الأوراق هذا، ويلبسه منه ثوبا فضفاضا. وأذكر اننى قبل ذلك كثيرا ما كنت ألمح تردد اسم محمد بن يحيى الصولى فيما قرأته من الكتب؛ لا فى كتب القدماء فحسب، لكن وفى كتب المحدثين من مؤلفى هذا العصر امثال الدكتور طه حسين والدكتور زكى مبارك والأستاذ كراتشكوفسكى فى مقاله عن الصولى بدائرة المعارف الاسلامية وكذلك الاستاذ بروكلمان فى كتابه تاريخ الأدب العربى
стр. 35
كنت اذ ذاك فى لندن وكانت كلمات الأستاذ جب هذه تلهبنى حماسة وتثير فى رغبة تكاد لا تخبو فترة من الزمن فى احياء هذا الكتاب ظللت أتحين الفرص التى تذلل لى الطريق الى مصر وكنت كما قال الشاعر:
اعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل وحدث أن اختارتنى وزارة المعارف فى مصر مدرسا للغة الانكليزية، فكان هذا الاختيار الغاية التى لا مطلع وراءها ووقع من نفسى مواقع الماء من ذى الغلة الصادى وطبعا لم يكن ثمة ما يحبب إلى مثل هذا الاختيار سوى انه يتيح لى نشر الكتاب وكما يقول المتنبى ولو لم يكن فى مصر ماسرت نحوها بقلب المشوق المستهام المتيم وما إن وصلت إلى مصر حتى كنت أؤم دار الكتب المصرية، ثم إذا بى أقرأ هذه القطعة التى أتولى اليوم نشرها واستنسخ منها هذا الكتاب، ثم إذا بى أقابل صديقى محمد إسماعيل الصاوى واقص ويقص على ذلك النبأ السار عن الكتاب وشد ما كانت دهشتنا عظيمة مذ وقفنا على رأى عالمى الشرق والغرب، وإجماعهما على تفضيل هذا الكتاب، وجدارته بالطبع والاحياء.
стр. 36
وكان لهذا الاتفاق فى الرأى أطيب أثر وأجمله، اذ بعث فينا روحا قويا جديدا، صرفنى وصرفه معى إلى العناية الشديدة بتصحيح الكتاب ومراجعته، وطبعه بمطبعته وإنى لأشكر حضرة الدكتور طه حسين فقد كنا نلجأ إليه فى كثير من المعضلات أثناء تصحيح الكتاب كما أشكر حضرة الاستاذ أحمد أمين الذى تشرفت بالتلقى عنه بكلية الآداب فى الجامعة المصرية مذ كنت بمصر ثم حضرة مدير دار الكتب المصرية وامنائها الفضلاء الاستاذ على أفندى فكرى وخليفه افندى وفضيلة الاستاذ الشيخ محمد عبد الرسول لما أبدوه لنا من جميل المساعدة
стр. 37
وصف الأصل المخطوط
هناك في دار الكتب المصرية قطعة خطية هي الجزء الأخير من كتاب الاوراق لإمام أهل الأدب أبى بكر محمد بن يحيي الصولى، نرجح أنها كتبت حوالى القرن السادس الهجري أي بعد عصر المؤلف بنحو قرنين تقريبا، كما نرجح أنها الأصل الوحيد في مكاتب العالم هذا الأثر النفيس عدت عليه الارضة ولم ترع ذمام الادب فيه، فأكثرت به من العيث والفساد، وأضاع تطاول العمر بعض أوراقه الأولى وقوض ما تماسك من البقية الباقية، اللهم إلا أوراقا قليلة استطاعت أن تصابر الدهر، وتثبت على تطاول العصر، تبعث في النفس شيئا من اللوعة والألم حينا، وكثيرا من الإجلال والإكبار أحيانا وأدركته عناية الله ورفق أولى البصر فى مكتبة دار الكتب المصرية فمنعوه إلا من الخاصة، واستنسخوا منه كتابا آخر كل ما نأخذها به أنها عهدت بكتابته إلى كاتب لاصلة بينه وبين المعرفة ولا نسب، فشوه ومسخ، وحرف وصحف.
ومن قبل ذلك فى سنة ١٢٤٩ هجرية انتسخت منه نسخة بخط محمد عبد الله الزمرانى، ورثتها مكتبة الازهر عن سليمان باشا أباظه، وهذه النسخة تكاد تكون قريبة من الأصل إهمال إعجام وكثرة خطأ، وكنا نظن أن ناقلها أدرك الأصل قبل أن تفسده الارضة مع اننا نعذر هؤلاء النساخ فليس خط الاصل الاول مما يسهل قراءته على العامة، فهى أولا تعرو من الاعجام إلا قليلا، وقد رسمت حروفها بطريقة متشابهة فمثلا الراء والدال والنون والالف واللام والكاف والواو والياء رسمت بشكل
стр. 38
واحد. والباء والفاء والميم والجيم والكاف اذا وقعت فى أول الكلمة كذلك ترسم بشكل متقارب، إلى زيادة حروف ونقصان أخري ووجود ثقوب من آثار العث كانت تخيل الينا كالنقط فوق الحروف، وأحيانا كانت تذهب بمعالم بعض الحروف ولعل ذلك هو ما دفع المسيو فوري الخورى حينما كلفه المسيو كريمسكى بنقل القطعة الخاصة بأبان بن عبد الحميد اللاحقى التى طبعها في روسيا سنة ١٩١٣ م الى أن يعتمد على النسخة الجديدة فنقله منها، ولذا وقع فى كثير من أخطائها ثم لما أراد وصف الاصل الذى نقل منه وصف النسخة القديمة. ومن أجل ذلك كانت مهمة تصحيح هذه القطعة من الخطورة بمكان ولقد استنفدت منا جهدا كبيرا، نرجو أن نكون موفقين فيه
كتاب الأوراق وهل هذه القطعة التي ننشرها منه ؟
وصف ابن النديم كتاب الأوراق فى كتابه الفهرست فقال «انه لم يتم والذي خرج منه أخبار الخلفاء بأسرهم، واشعار أولاد الخلفاء وأيامهم من السفاح الى أيام ابن المعتز أشعار من بقي من بنى العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن خليفة لصلبه وأول ذلك شعر عبد الله بن على، وآخره شعر أبى أحمد محمد بن أحمد بن اسمعيل ابن ابراهيم بن عيسي بن المنصور، ويتلو ذلك أشعار الطالبيين ولد الحسن والحسين وولد العباس بن على وولد عمر بن على وولد جعفر بن أبى طالب، ثم تلى ذلك أشعار ولد الحارث بن عبد المطلب، وبعده أخبار ابن هرمة الشاعر ومختار شعره، أخبار السيد الحميرى ومختار شعره، أخبار أحمد بن يوسف ومختار شعره، أخبار سديف ومختاره» ويعده ابن خلكان فى ثبت مؤلفات الصولي، ولكنه يسميه كتاب الورقة ويذكر أنه جمع أخبار جماعة من الشعراء ورتبه على حروف المعجم وكلهم من
стр. 39
الشعراء المحدثين، كأنه يعتبر قسم أخبار الشعراء هذا كتابا آخر والمسعودي يذكره في مروج الذهب عنه فيقول «وكذلك سلك محمد بن يحيى الصولى فى كتابه المترجم بالأوراق فى أخبار الخلفاء من بنى العباس وبنى أمية وشعرائهم ووزرائهم» ومن زواية ابن النديم يتضح أن هذه القطعة من كتاب الأوراق فقد جاء فى نهايتها أنها آخر ما عمله الصولى. وهي بوضعها تدل على أنها تلى القسم الثانى من القطعة الثالثة الموجودة في الاستانة والمحفوظة صورتها الفتوغرافية فى دار الكتب الملكية والمظنون أن هذا الكتاب يقع في خمسة أجزاء أو ستة والموجود منه الآن أربع مجلدات مفرقة فى عدة مكاتب الأولى فى مدينة ليننغراد فى روسيا وتبدأ بحوادث سنة ٢٢٦ الى ٢٥٦ وهى بلا شك إن لم تكن أول الكتاب فهي أولى القطع التى وجدت حتى الآن والقطعة الثانية فى مكتبة الازهر تحت رقم ٦٧٣٧ أباظه وهى في ١٨٤ ورقة أولها الورقة الثالثة فيها بيعة المقتدر بالله ٢٩٥ ثم أخبار سنة ست وتسعين ومائتين حتى سنة تسع وبها أخبار الحسين بن منصور المعروف بالحلاج وأخبار سنة عشر وثلاثمائة إلى ثمان عشرة وثلثمائه وكتب فى آخرها آخر الجزء الرابع ويليه الخامس ويلاحظ أن لفظة الرابع كانت الخامس كما أن الخامس كانت السادس اصلحهما كاتب في عصر متأخر عن عصر الكاتب الاول قليلا والقطعة الثالثة بالاستانة وقد نقلت منها صورة فتوغرافية الى دار الكتب
стр. 40
المصرية تحت رقم ٣٥٣٠ وتشمل قسمين الأول تاريخى وضعه على طريقته فى القطعتين الاولتين فيه أخبار الراضي بالله من ٣٢٢ حتى سنة ٣٣٣ واخبار المتقى بالله والقسم الثانى في أخبار الشعراء وأشعارهم خاصة وضعه على نظام هذه القطعة التى ننشرها اليوم به اشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم ثم أشعار سائر بنى العباس وأشعار ولد أبى طالب وأشعار من بقى من بنى هاشم والقطعة الرابعة وهي الأخيرة والتى ننشرها رتب فيها الشعراء المحدثين على حسب بيوتاتهم وأسرهم، فقد ذكر بيت اللاحقين وبيت أشجع السلمى وبيت أحمد بن يوسف والقاسم بن صبيح. وهذه القطعة أيضا مقسمة قسمين ذكر الصولى أنه رتب الشعراء فيهما على الحروف والذين أول أسمائهم ألف ولكنه لم يفعل وفى هذه القطعة تذكر أخبار أبان اللاحقى ومزدوجته التى نظم فيها كتاب كليلة ودمنة ولكنها غير تامة وبها أيضا قصيدته فى الصيام والزكاة. وقد جاء فيها ما يدل صريحا على أنها من كتاب الاوراق اذ قال الصولى «قد صرت من كتاب الخلفاء وهو كتاب الاوراق الى ذكر بعض الشعراء الذين أولهم الف الخ» وأهم ماعنى الصولى به فى هذه القطعة جمع الشعراء المغمورين وقد راعى الصولى الاحاطة بشعرهم وتساهل فى اختيار شعرهم لانهم مقلون فأما المشهورون من الشعراء فقد توخى فى ايراد شعرهم ناحية الاختيار
ترجمة المؤلف
هو أبوبكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تكين المعروف بالصولى «١» ويذكر الخطيب أن له أبوة حسنة فان جده صول وأهله
следующие страницы →