Полный текст (1 011 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكان لهذا الاتفاق فى الرأى أطيب أثر وأجمله، اذ بعث فينا روحا قويا جديدا، صرفنى وصرفه معى إلى العناية الشديدة بتصحيح الكتاب ومراجعته، وطبعه بمطبعته وإنى لأشكر حضرة الدكتور طه حسين فقد كنا نلجأ إليه فى كثير من المعضلات أثناء تصحيح الكتاب كما أشكر حضرة الاستاذ أحمد أمين الذى تشرفت بالتلقى عنه بكلية الآداب فى الجامعة المصرية مذ كنت بمصر ثم حضرة مدير دار الكتب المصرية وامنائها الفضلاء الاستاذ على أفندى فكرى وخليفه افندى وفضيلة الاستاذ الشيخ محمد عبد الرسول لما أبدوه لنا من جميل المساعدة
стр. 37
وصف الأصل المخطوط
هناك في دار الكتب المصرية قطعة خطية هي الجزء الأخير من كتاب الاوراق لإمام أهل الأدب أبى بكر محمد بن يحيي الصولى، نرجح أنها كتبت حوالى القرن السادس الهجري أي بعد عصر المؤلف بنحو قرنين تقريبا، كما نرجح أنها الأصل الوحيد في مكاتب العالم هذا الأثر النفيس عدت عليه الارضة ولم ترع ذمام الادب فيه، فأكثرت به من العيث والفساد، وأضاع تطاول العمر بعض أوراقه الأولى وقوض ما تماسك من البقية الباقية، اللهم إلا أوراقا قليلة استطاعت أن تصابر الدهر، وتثبت على تطاول العصر، تبعث في النفس شيئا من اللوعة والألم حينا، وكثيرا من الإجلال والإكبار أحيانا وأدركته عناية الله ورفق أولى البصر فى مكتبة دار الكتب المصرية فمنعوه إلا من الخاصة، واستنسخوا منه كتابا آخر كل ما نأخذها به أنها عهدت بكتابته إلى كاتب لاصلة بينه وبين المعرفة ولا نسب، فشوه ومسخ، وحرف وصحف.
ومن قبل ذلك فى سنة ١٢٤٩ هجرية انتسخت منه نسخة بخط محمد عبد الله الزمرانى، ورثتها مكتبة الازهر عن سليمان باشا أباظه، وهذه النسخة تكاد تكون قريبة من الأصل إهمال إعجام وكثرة خطأ، وكنا نظن أن ناقلها أدرك الأصل قبل أن تفسده الارضة مع اننا نعذر هؤلاء النساخ فليس خط الاصل الاول مما يسهل قراءته على العامة، فهى أولا تعرو من الاعجام إلا قليلا، وقد رسمت حروفها بطريقة متشابهة فمثلا الراء والدال والنون والالف واللام والكاف والواو والياء رسمت بشكل
стр. 38
واحد. والباء والفاء والميم والجيم والكاف اذا وقعت فى أول الكلمة كذلك ترسم بشكل متقارب، إلى زيادة حروف ونقصان أخري ووجود ثقوب من آثار العث كانت تخيل الينا كالنقط فوق الحروف، وأحيانا كانت تذهب بمعالم بعض الحروف ولعل ذلك هو ما دفع المسيو فوري الخورى حينما كلفه المسيو كريمسكى بنقل القطعة الخاصة بأبان بن عبد الحميد اللاحقى التى طبعها في روسيا سنة ١٩١٣ م الى أن يعتمد على النسخة الجديدة فنقله منها، ولذا وقع فى كثير من أخطائها ثم لما أراد وصف الاصل الذى نقل منه وصف النسخة القديمة. ومن أجل ذلك كانت مهمة تصحيح هذه القطعة من الخطورة بمكان ولقد استنفدت منا جهدا كبيرا، نرجو أن نكون موفقين فيه
كتاب الأوراق وهل هذه القطعة التي ننشرها منه ؟
وصف ابن النديم كتاب الأوراق فى كتابه الفهرست فقال «انه لم يتم والذي خرج منه أخبار الخلفاء بأسرهم، واشعار أولاد الخلفاء وأيامهم من السفاح الى أيام ابن المعتز أشعار من بقي من بنى العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن خليفة لصلبه وأول ذلك شعر عبد الله بن على، وآخره شعر أبى أحمد محمد بن أحمد بن اسمعيل ابن ابراهيم بن عيسي بن المنصور، ويتلو ذلك أشعار الطالبيين ولد الحسن والحسين وولد العباس بن على وولد عمر بن على وولد جعفر بن أبى طالب، ثم تلى ذلك أشعار ولد الحارث بن عبد المطلب، وبعده أخبار ابن هرمة الشاعر ومختار شعره، أخبار السيد الحميرى ومختار شعره، أخبار أحمد بن يوسف ومختار شعره، أخبار سديف ومختاره» ويعده ابن خلكان فى ثبت مؤلفات الصولي، ولكنه يسميه كتاب الورقة ويذكر أنه جمع أخبار جماعة من الشعراء ورتبه على حروف المعجم وكلهم من
стр. 39
الشعراء المحدثين، كأنه يعتبر قسم أخبار الشعراء هذا كتابا آخر والمسعودي يذكره في مروج الذهب عنه فيقول «وكذلك سلك محمد بن يحيى الصولى فى كتابه المترجم بالأوراق فى أخبار الخلفاء من بنى العباس وبنى أمية وشعرائهم ووزرائهم» ومن زواية ابن النديم يتضح أن هذه القطعة من كتاب الأوراق فقد جاء فى نهايتها أنها آخر ما عمله الصولى. وهي بوضعها تدل على أنها تلى القسم الثانى من القطعة الثالثة الموجودة في الاستانة والمحفوظة صورتها الفتوغرافية فى دار الكتب الملكية والمظنون أن هذا الكتاب يقع في خمسة أجزاء أو ستة والموجود منه الآن أربع مجلدات مفرقة فى عدة مكاتب الأولى فى مدينة ليننغراد فى روسيا وتبدأ بحوادث سنة ٢٢٦ الى ٢٥٦ وهى بلا شك إن لم تكن أول الكتاب فهي أولى القطع التى وجدت حتى الآن والقطعة الثانية فى مكتبة الازهر تحت رقم ٦٧٣٧ أباظه وهى في ١٨٤ ورقة أولها الورقة الثالثة فيها بيعة المقتدر بالله ٢٩٥ ثم أخبار سنة ست وتسعين ومائتين حتى سنة تسع وبها أخبار الحسين بن منصور المعروف بالحلاج وأخبار سنة عشر وثلاثمائة إلى ثمان عشرة وثلثمائه وكتب فى آخرها آخر الجزء الرابع ويليه الخامس ويلاحظ أن لفظة الرابع كانت الخامس كما أن الخامس كانت السادس اصلحهما كاتب في عصر متأخر عن عصر الكاتب الاول قليلا والقطعة الثالثة بالاستانة وقد نقلت منها صورة فتوغرافية الى دار الكتب
стр. 40
المصرية تحت رقم ٣٥٣٠ وتشمل قسمين الأول تاريخى وضعه على طريقته فى القطعتين الاولتين فيه أخبار الراضي بالله من ٣٢٢ حتى سنة ٣٣٣ واخبار المتقى بالله والقسم الثانى في أخبار الشعراء وأشعارهم خاصة وضعه على نظام هذه القطعة التى ننشرها اليوم به اشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم ثم أشعار سائر بنى العباس وأشعار ولد أبى طالب وأشعار من بقى من بنى هاشم والقطعة الرابعة وهي الأخيرة والتى ننشرها رتب فيها الشعراء المحدثين على حسب بيوتاتهم وأسرهم، فقد ذكر بيت اللاحقين وبيت أشجع السلمى وبيت أحمد بن يوسف والقاسم بن صبيح. وهذه القطعة أيضا مقسمة قسمين ذكر الصولى أنه رتب الشعراء فيهما على الحروف والذين أول أسمائهم ألف ولكنه لم يفعل وفى هذه القطعة تذكر أخبار أبان اللاحقى ومزدوجته التى نظم فيها كتاب كليلة ودمنة ولكنها غير تامة وبها أيضا قصيدته فى الصيام والزكاة. وقد جاء فيها ما يدل صريحا على أنها من كتاب الاوراق اذ قال الصولى «قد صرت من كتاب الخلفاء وهو كتاب الاوراق الى ذكر بعض الشعراء الذين أولهم الف الخ» وأهم ماعنى الصولى به فى هذه القطعة جمع الشعراء المغمورين وقد راعى الصولى الاحاطة بشعرهم وتساهل فى اختيار شعرهم لانهم مقلون فأما المشهورون من الشعراء فقد توخى فى ايراد شعرهم ناحية الاختيار
ترجمة المؤلف
هو أبوبكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تكين المعروف بالصولى «١» ويذكر الخطيب أن له أبوة حسنة فان جده صول وأهله
стр. 41
كانوا ملوك جرجان ثم رأس أولاده بعده في الكتبة وتقلد الأعمال السلطانية وابن خلكان يوافقه على ذلك ولكنه يزيد ايضاحا فيقول «وكان صول وفيروز أخوين ملكا جرجان تركيان تمجسا وصارا أشباه الفرس فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبى صفرة جرجان أمنهما فلم يزل صول معه وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر» وهنا نلمح اضطرابا تاريخيا طفيفا فابن قتيبة يذكر فى المعارف أن الذي فتح جرجان انما هو المهلب بن أبى صفرة لا ابنه يزيد، وياقوت يذكر أن أول من أحدث بناء جرجان انما هو يزيد أى أنها لم تكن قد حدثت قبل ذلك الحين فكيف نتصور أنهم كانوا ملوكا فيها؟
ومهما يكن لهذا الخلف من أثر فالصولى أحد الفضلاء المشاهير العالمين بفنون الآداب، المحاضرين بأخبار الملوك وأيام الخلفاء ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء نادم الراضى بالله وكان أولا يعلمه ونادم المكتفي بالله والمقتدر بالله، وكان مقربا من الخلفاء والأمراء مقبول القول عندهم وامتدحهم بجمل من الشعر رائعة وأرخ لهم كما أرخ لشعرائهم وكتابهم، وصنف لهم المؤلفات وكانوا يستظرفونه ويأنسون إلى حديثه. وهو يحدثنا أن المكتفى استصحبه فى سفرة سافرها للصيد وأنه كان يأكل بين يدي المكتفى بالله وينشده الاشعار، ولمهارته فى لعب الشطرنج يظن بعض مؤرخي الفنون والآداب أنه الواضع الأول لفن الشطرنج. وقد شاهد الراضى في بعض متنزهاته بأليونة بستانا مونقا وزهرا رائقا فقال لمن حضر: هل رأيتم أحسن من هذا؟ فكل قال أشياء ذهب فيها إلى مدحه، ووصف محاسنه وأنها لا يفي بها شيء من زهرات الدنيا، فقال الراضى بالله: «لعب الصولي بالشطرنج والله أحسن من هذا ومن كل ما تصفون»
стр. 42
ويظهر أنه كان بخفض من العنش لكثرة ما كان يغدقه عليه الخلفاء والأمراء من العطايا والصلات الفاخرة وكان أحد المؤرخين العصريين جيد الحفظ والرواية لجيد الشعر وأخبار العلماء، والمؤرخون يعتمدون عليه في تدوين أخبار الخلفاء فى عصره، وكان إلى ذلك لغويا فقيها محدثا شاعرا أديبا عالما بالقراءات والغناء وضروبه وأنواع الخطوط، وقد دون فى كتاب أدب الكتاب قواعد للاملاء وهو الى ذلك ماجن خليع كثير الايراد لأشعار المتماجنين والخليعين ومؤلفات الصولى كلها طريقة ينحو فيها منحى مؤلفى عصره، وتظهر فيها شخصيته الممتازة، وكثيرا ما يتحدث عن نفسه في كتاب الأوراق ويدون أحواله مع الخلفاء ووزرائهم وكتاب أدب الكتاب يعطى فكرة واضحة عن مقدار معرفته وثقافته الواسعة في فنون الآداب، ولو أن شيئا يعطى نصيبه من الحظوة والتقدير والمكانة لغطى كتابه هذا على كتاب ابن قتيبة أدب الكتاب الذى لا يريد من الكاتب إلا أن يملأ رأسه بجمل من الألفاظ وطائفة من أبواب اللغة وقد نقده الصولى وذكر أنه رجم بالغيب وأن نسجه كاذب مهلهل، وقال إن كتابه المستحق أن يسمى أدب الكتاب على الايجاب لا على الاستعارة، وعلى التحصيل لا على التمثيل وبالرغم من كل هذا فقد لقي كتاب ابن قتيبة من الحفاوة والاعتبار- حتى من شيوخ ابن خلدون- ما لم يلقه هذا الكتاب.
وقد تتلمذ الصولى لجماعة كبيرة من المحدثين والفقهاء والادباء والشعراء أمثال المبرد وثعلب والسجستانى يروى عنهم كما يروى عن أرسطاطاليس وجالينوس وبعض الملوك اليونانية وقد قرأ عليه كثير ممن صاروا أئمة الأدب في العهد الذى تلى عصره مثل المرزبانى صاحب كتاب الموشح، ويكاد كتابه الموشح يكون من عمل
стр. 43
الصولي وإنما المرزبانى راوية له اذ نجد على رأس كل خبر من الاخبار التى وردت فيه حدثنا الصولى أو حدثنا أبو بكر أو محمد بن يحيى الصولى وأبو الفرج الاصبهانى يروى في كتابه الاغانى نحو ثلثمائه خبر كلها عن الصولى ولم يخل الصولى مع كل هذا الفضل من نقد فقد ذكر أبن النديم أنه عول عند تأليف كتاب الأوراق على كتاب المرثدي في الشعر والشعراء بل نقله نقلا وانتحله ويقول ابن النديم وقد رأيت دستور الرجل فى خزانة الصولى فافتضح به كذلك هجاه أبو سعيد العقيلى فانه رأى بيتا له مملوءا كتبا قد صنفها وجلودها مختلفة الألوان وكان يقول هذا كله سماعى وإذا احتاج إلى معاودة شىء منها قال يا غلام هات الكتاب الفلانى فقال أبو سعيد
إنما الصولىّ شيخ ... أعلم الناس خزانه
إن سألناه بعلم ... طلبا منه إبانه
قال يا غلمان هاتوا ... رزمة العلم فلانه
كما أخذ عليه أنه روى أحاديث موضوعة وصحف فى أخرى، والمؤرخون مختلفون في وفاة الصولى فبعض يذكر أنه توفي سنة ٣٣٥ وآخر يقول ٣٣٦ ولكنهم متفقون جميعا على إغفال تاريخ مولده وقد دلنا البحث على أنه عمر ثمانين سنة أو ما يقاربها.
وللصولى في الشعر مقدرة فائقة وقدم ثابتة، وشعره وان لم يكن فى المرتبة الاولى الا أنه قوي عذب ويتخلل كتابه الاوراق قصائد ومقطعات له ومعظمها مدائح للخلفاء ووزرائهم وأمرائهم، وسنبسط القول فيه ونعمد لتحليله وذكر الكثير منه قريبا حين ننشر القطع الباقية من كتاب الاوراق والله يقدر الخير ويهدي اليه
стр. 44
الجزء الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[أخبار أبان بن عبد الحميد اللاحقى واتصاله بالبرامكة
أبان بن عبد الحميد «١» بن لاحق بن عفر، مولى بنى رقاش «٢» من أهل البصرة، شاعر مطبوع، مقدّم فى العلم بالشعر والحفظ له «٣» قدم بغداد فاتصل بالبرامكة وانقطع اليهم، وعمل لهم كتاب كليلة ودمنة فحسن موقعه منهم.
ويقال: إنه قلب الكتاب فى ثلاثة أشهر الى الشعر، وهو أربعة عشر ألف بيت. وذكر حمدان ابنه: أنه كان يصلي ولوح موضوع بين يديه، فإذا صلى أخذ اللوح فملأه من الشعر الذي صنعه ثم يعود الي صلاته.
وعمل أيضا قصيدة ذات الحلل، ذكر فيها مبتدأ الخلق وأمر الدنيا وأشياء من المنطق، وغير ذلك. وهي قصيدة مشهورة، ومن الناس من ينسبها الى أبى العتاهية، والصحيح أنها لأبان. وله مدائح فى هارون الرشيد، وفى الفضل ابن يحيى بن خالد.
стр. 45
ويقال: إنه كان جميل الطريقة حسن التديّن متألها «١» قرأت على الحسن بن على الجوهري عن ابى عبيد الله المرزبانى، قال: اخبرنى محمد بن العباس حدّثنا محمد بن موسى البربري حدّثنا حماد بن اسحاق قال:
ألزم يحيى بن خالد البرمكي أبان بن عبد الحميد دارا لا يخرج منها حتى ينقل كتاب كليلة ودمنة من الكلام الي الشعر فنقله، فوهب له عشرة آلاف دينار. قال ويقال: إن كل كلام نقل الى شعر فالكلام أفصح منه الا كتاب كليلة ودمنة «٢» قال المرزبانى واخبرنى محمد بن يحيى حدّثنا القاسم بن اسماعيل حدّثنى محمد ابن صالح الهاشمي حدّثنى ابن لأبان بن عبد الحميد اللاحقي، قال: أحبّ يحيى بن خالد أن يحفظ كتاب كليلة ودمنة فاشتد عليه ذلك، فقال له أبان بن عبد الحميد:
أنا أعمله شعرا ليخفّ على الوزير حفظه، فنقله الى قصيدة عملها مزدوجة، عدد أبياتها أربعة عشر ألف بيت، في ثلاثة أشهر فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار، وقال له جعفر بن يحيى: الا ترضى أن أكون راويتك لها! ولم يعطه شيئا. قال فتصدّق بثلث المال الذي أخذه.
وكان أبان حسن السريرة حافظا للقرآن عالما بالفقه، وقال عند وفاته: أنا أرجو الله واسأله رحمته، ما مضت على ليلة قط لم أصلّ فيها تطوعا كثيرا «٣» أخبرني الصولي قال: حدّثنا ابو العيناء قال: حدّثنى الحرمازي قال خرج ابان بن عبد الحميد من البصرة طالبا للاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائبا فقصده فأقام ببابه مدة مديدة لا يصل إليه، فتوسل إلى من وصّل له شعرا اليه، وقيل: إنه توسل إلى بعض بنى هاشم ممن شخص مع الفضل، وقال له:
стр. 46
يا عزيز النّدى ويا جوهر الجو ... هر من آل هاشم بالبطاح
إن ظنّى وليس يخلف ظنّى ... بك في حاجتي سبيل النجاح
إن من دونها لمصمت باب ... أنت من دون قفله مفتاحي
تاقت النفس يا خليل السماح ... نحو بحر الندي مجاري الرّياح
ثم فكرت كيف لي! واستخرت الله عند الإمساء والإصباح وامتدحت الأمير أصلحه الله بشعر مشهّر الأوضاح فقال: هات مديحك، فأعطاه شعرا في هذا الوزن وقافيته:
أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب خطيب أديب ... ناصح زائد على النّصاح
شاعر مفلق أخف من ال ... ريشة مما يكون عند الجناح
وهى طويلة يقول فيها:
إن دعانى الأمير عاين منّى ... شمّريا كالبلبل الصّيّاح
قال: فدعا به ووصله ثم خصّ بالفضل، وقدم معه فقرب من قلب يحيى بن خالد وصار صاحب الجماعة وزمام أمرهم «١» أخبرنا أبوبكر الصولي حدّثنا ابو الحسن البرذعي قال: حدّثنى محمد بن الحسن مصقول عن العتّابى، قال: كنا بباب الفضل بن يحيى البرمكى أربعة آلاف ما بين شاعر وزائر؛ وفينا فتى يحدثنا ونجتمع اليه، فبينا هو ذات يوم قاعد إذ أقبل اليه غلام له كأجمل الغلمان! فقال له: يا مولاي؛ أخرجتنى من بين أبويّ، وزعمت أن لك وصلة بالملوك، فقد صرنا الي اسوإ ما يكون من الحال،
стр. 47
وقال: إن رأيت تأذن لى فأنصرف إلي أبوي فعلت. قال فاغرو رقت عينا الفتى، ثم قال: ائتني بدواة وقرطاس، فأتاه بهما فقعد حجزة «١» فكتب رقعة، ثم عاد الي مجاسه ثم قال للغلام انصرف الى وقت رجوعي اليك فبينا نحن كذلك إذ جاء رجل يستأذن على الفضل، فقام اليه الفتى فقال: توصل رقعتى هذه الي الأمير؟ قال: وما في رقعتك؟ قال: أمدح نفسى وأحثّ الأمير على قبولي، قال: هذه حاجة لك دون الأمير، فان رأيت أن تعفينى فعلت، قال قد فعلت. فعاد الى مجلسه فخرج الحاجب فقام إليه، فقال له مثل مقالته الأولى، فاستظرفه الحاجب، وقال: إن رجلا يتّصل بمثل الفضل يمدح نفسه لا يمدح الفضل عجيب. فأخذ منه الرقعة ثم دخل فلوّحها للفضل فقرأ منها سطرين وهو مستلق على فراشه، ثم استوى قاعدا وتناول الرقعة فقرأها، فلما فرغ من الرقعة قال للحاجب: أين صاحب الرقعة؟ قال: أعز الله الأمير، لا والله لا أعرفه لكثرة من الباب. فقال الفضل أنا أنبذه لك الساعة، يا غلام! اصمد القصر فناد: أين مادح نفسه؟ فقام الغلام فصاح، فقام الفتي من بيننا بغير رداء ولا حذاء، فلما مثل بين يدي الفضل قال له: أنت القائل ما فيها؟ قال نعم! قال أنشدنى فأنشأ الفتى يقول:
أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب خطيب بليغ ... ناصح زائد على النّصاح
شاعر مفلق أخف من ال ... ريشة مما يكون تحت الجناح
ثم أروي عن ابن هرمة لل ... ناس بشعر محبّر الايضاح
стр. 48
[ثم أروي من ابن سيرين لل ... علم بقول منوّر الافصاح
ثم أروي من ابن سيرين المشع ... ر وقول النسيب والامداح] «١»
لي فى النحو فطنة ونفاذ ... لي فيه قلادة بوشاح
إن رمي بى الأمير أصلحه الله ... رماحا صدمت حد الرماح
ما أنا واهن ولا مستكين ... لسوى أمر سيّدي ذي السّماح
لست بالضخم يا أمير ولا الفد ... م ولا بالمجحدر الدّحداح
لحية سبطة ووجه جميل ... واتّقاد كشعلة المصباح
وظريف الحديث من كل لون ... وبصير بحاليات ملاح
كم وكم قد خبأت عندي حديثا ... هو عند الملوك كالتفاح
[فبمثلى تخلو الملوك وتلهو ... وتناجي فى المشكل الفدّاح] «٢»
أيمن الناس طائرا يوم صيد ... في نمدّو خرجت أم في رواح
أبصر الناس بالجوارح والخي ... ل وبالخرّد الحسان الملاح
كل هذا جمعت والحمد لله ... على أننى ظريف المزاح
لست بالنّاسك المشمّر ثو ... بيه ولا الماجن الخليع الوقاح
إن دعانى الأمير عاين منى ... شمّريا كالجلجل الصياح
فقال له الفضل:
كاتب، حاسب، خطيب، أديب ... ناصح، زائد على النصاح؟
قال: نعم، أصلح الله الأمير، فقال الفضل: يا غلام الكتب التى وردت من فارس فأنى بها، فقال للفتى خذها فاقرأها وأجب عنها، فجلس بين يدى الفضل يكتب، فقال له الحاحب اعتزل يكن أذهن لك، فقال ههنا الرأي أجمع بحيث الرغبة
стр. 49
والرهبة، فلما فرغ من الكتب عرضها على الفضل، فكأنّما شق عن قلبه.
فقال الفضل: يا غلام بدرة، بدرة، بدرة. فقال الفتى للغلام اعز الله الأمير دنانير أو دراهم؟ قال دنانير يا غلام. فلما وضعت البدرة بين يديه قال الفضل:
احملها بارك الله لك فيها. قال الفتى: والله يا أيها الأمير ما أنا بحمال وما للحمل خلقت؛ فان رأي الأمير أن يأمر بعض غلمانه بحملها على أن الغلام لي. فأشار الفضل إلى بعض الغلمان فأشار الفتي اليه مكانك، فقال: ان رأي الأمير أيده الله أن يجعل الخيار الي في الغلمان كما فعل بين البدرتين فعل، فقال: اختر. فاختار أجملهم غلاما فقال احمل، فلما صارت البدرة على منكب الغلام بكى الفتى فاستفظع الفضل ذلك وقال: ويلك! استقلالا؟ قال: لا والله أيدك الله، ولقد أكثرت، ولكن أسفا أن الأرض تواري مثلك! قال الفضل: هذا أجود من الأول، يا غلام زده كسوة وحملانا.
قال العتابى: فلقد كنت أرى ركاب الفتى تحت ركاب الفضل «١» وشكا مروان بن ابى حفصة الى بعض إخوانه تغيّر الرشيد عليه وامساك يده عنه، فقال له: ويحك أتشكو الرشيد بعد ما أعطاك؟ قال: أو تعجب من ذلك! هذا أبان اللاحقي قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها واحدة مثل ما أخذته من الرشيد فى دهري كله، سوي ما أخذه منهم ومن أشباههم بعدها «٢»
صداقته للمعذل بن غيلان وتهاجيهما
أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدّثنا ابو قلابة عبد الملك بن
стр. 50
محمد قال. كان أبان اللاحقي صديقا للمعذل بن غيلان وكانا مع صداقتهما يتعابثان بالهجاء فيهجوه المعذل بالكفر، وينسبه الى الشؤم ويهجوه أبان وينسبه الى الفساء الذي تهجى به عبد القيس وبالقصر، وكان المعذل قصيرا فسعى فى الإصلاح بينهما أبو عيينة المهلبي، فقال له أخوه عبد الله وهو أسن منه: يا أخي إن فى هذين شرا كثيرا ولابد من أن يخرجاه فدعهما ليكون شرّهما بينهما والا فرّقاه على الناس، فقال أبان يهجو المعذل:
أحاجيكم ماقوس لحم سهامها ... من الرّيح لم توصل بقدّ ولا عقب
وليست بشريان وليست بشو حط ... وليست بنبع لا وليست من الغرب
ألا تلك قوس الدحدحي معذّل ... بها صار عبديّا وتمّ له النسب
تصكّ خياشيم الأنوف تعمدا ... وإن كان راميها يريد بها العقب
فان تفتخر يوما تميم بحاجب ... وبالقوس مضمونا لكسري بها العرب
فحي ابن عمرو فاخرون بقوسه ... وأسهمه «١» حتى يغدّب من غلب
قال أبو قلابة: فقال المعذل فى جواب ذلك:
رأيت أبانا يوم فطر مصليا ... فقسّم فكري واستفزّنى الطرب
وكيف يصلى مظلم القلب دينه ... على دين مان إنّ ذاك من العجب «٢»
أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدّثنا أبو خليفة وأبو ذكوان والحسن ابن علي النهدي قالوا: كان المعذل بن غيلان يجالس عيسى بن جعفر بن المنصور وهو يلي حينئذ إمارة البصرة من قبل الرشيد، فوهب المعذل بن غيلان له «٣» بيضة عنبروزنها أربعة أرطال، فقال أبان بن عبد الحميد:
стр. 51
أصلحك الله وقد أصلحا ... إنى لا آلوك أن أنصحا
علام تعطى منوى عنبر ... وأحسب الخازن قد أرجحا
من ليس من قرد ولا كلبة ... أبهى ولا أحلى ولا أملحا
ما بين رجليه الي رأسه ... شبر فلا شبّ ولا أفلحا «١»
أخبرنى محمد بن خلف، قال: حدّثنا النخعى واسحاق، قال: حدّثنا الجماز قال:
هجا أبان المعذل بن غيلان فقال:
كنت أمشى مع المعذّل يوما ... ففسا فسوة فكدت أطير
فتلفتّ هل أرى ظربانا ... من ورائى والارض بى تستدير
فإذا ليس غيره واذا إع ... صار ذاك الفساء منه يفور
فتعجبت ثم قلت لقدأ ع ... رف، هذا فيما أري خنزير
فأجابه المعذل فقال:
صحفت أمّك إذ سمّتك بالمهد أبانا قد علمنا ما أرادت لم ترد إلا أتانا صيّرت باء مكان التاء والله عيانا قطع الله وشيكا من مسمّيك اللسانا «٢»
معاشرته لابى النضير وهجاؤه له
وكان أبان اللاحقي يعاشر أبا النضير عمر بن عبد الملك مولى بنى جمح، ثم تصارما وهجاه وهجا جواريه وافترقا على قلى «٣»
стр. 52
اخبرنى محمد بن يحيى الصولي قال: حدّثنا عون بن محمد الكندي قال: كان لأبى النضير جوار يغنين ويخرجن الى جلة أهل البصرة، وكان ابان بن عبد الحميد يهجوه بذلك فمن ذلك قوله:
غضب الأحمق إذ مازحته ... كيف لو كنا ذكرنا المزدغة!
أو ذكرنا أنه لا عبها ... لعبة الجد بمزح الدغدغه
سود الله بخمس وجهه ... دغن امثال طين الردغه
خنفساوان وبنتا جعل ... والتى تفتر عنها وزغه
يكسر الشعر وإن عاتبته ... فى مجال قال هذا في اللغه «١»
وأنشدنى عمي، قال: انشدنى الكرانى، قال: انشدنى ابو اسماعيل اللاحقى لجده أبان في هجاء أبى النضير:
إذا قامت بوا كيك ... وقد هتّكن أستارك
أيثنين على قبر ... ك أم يلعنّ أحجارك
وما تترك في الدنيا ... اذا زرت غدا نارك؟
ترى في سقر المثوى ... وابليس غدا جارك
بلى تترك بواقيك ... ودنياك وأو تارك
وخمسا من نبات «٢» ... الليل قد ألبسن اطمارك
تعالى الله ما أقبح ... إذ ولّيت ادبارك «٣»
أخبرنى الحسن بن علي عن بن مردويه قال: حدّثنى ابو طلحة الخزاعي عن
стр. 53
اللاحقي قال. كان جدي أبان يشرب مع إخوان له على شاطيء دجلة بعد مصارمته أبا النضير، وكان القوم اصدقاء له ولأبى النضير فذكروه، فقال أبان: إن حضر انصرفت فأمسكوا فقال فيه:
ربّ يوم بشطّ دجلة لذّ ... وليال نعمت فيها لذاذ
غيبة لم تطل عليّ وماذا ... خير قرب المطرمذ الملاذ
ترك الأشربات ليس بعاط ... لرساطونها ولا الراقياذ
وحكى الأحمق الذي ليس يدري ... أنّ خير الشراب هذا اللذاذ
ضلّ رأي أراه ذاك كما ... ضل غواة لاذوا بشرّ ملاذ
أنت أعمى فيما ادّعيت كما ... لست لصوغ الألحان بالأستاذ
كان ذنبا أتوب منه الي اللّ ... هـ اختياريك صاحبا واتخاذي
إن لله صوم شهرين شكرا ... أن قضى منك عاجلا إنقاذي
لا لدين ولا لدنيا ولا ... تصلح في علم ما ادّعي بنفاذ «١»
وكان حمّاد عجرد، وحمّاد الراوية، وحماد بن الزبرقان، ويونس بن هرون، وعلى بن الخليل، ويزيد بن الفيض، وعبادة، وجميل بن محفوظ، وقاسم، ومطيع، ووالبة بن الحباب، وأبان بن عبد الحميد، وعمارة بن حربية يتواصلون وكأنهم نفس واحدة. وكان بشّار ينكر عليهم، ويونس الذي زعم حماد عجرد أنه قد غرّ نفسه بهؤلاء كان أشهر بهذا الرأي منهم، وكان قد كتب كتابا لملك الروم فى مثالب العرب وعيوب الإسلام بزعمه.
وذكر أبو نواس أبان بن عبد الحميد اللاحقي، وبعض هؤلاء ذكر انسان
стр. 54
يري لهم قدرا وخطرا فى هجائية لأبان وهو قوله:
جالست يوما أبانا ... لادرّ درّ أبان
ونحن حضر رواق «١» ... الأمير بالنهروان
حتي إذا ما صلاة ... الا ولي أتت لأوان
فقام ثم بها ذو ... فصاحة وبيان «٢»
فكلّ ما قال قلنا ... الى انقضاء الأذان
فقال: كيف شهدتم ... بذا بغير عيان؟
لا أشهد الدهر حتّى ... تعاين العينان!
فقلت: سبحان ربّى! ... فقال: سبحان مانى!
فقلت: عيسى رسول ... فقال: من شيطان
فقلت: موسى كليم ال ... مهيمن المنان
فقال: ربك ذو مق ... لة إذا ولسان
فنفسه خلقته ... أم من فقمت مكانى
عن كافر يتمارى ... بالكفر بالرحمن
يريد أن يتسوّى ... بالعصبة المجّان
بعجرد وعباد ... والوالبيّ الهجان
[وابن الإياس الذي ... ناح نخلتي حلوان] «٣»
стр. 55
وقاسم ومطيع «١» ... ريحانة الندمان «٢»
[انى وأنت لزان ... من زنية وزوانى] «٣»
فقال أبان يجيبه
إن يكن هذا النوا ... سىّ بلاذنب هجانا
فلقد نكناه حينا ... وصفعناه زمانا
هانىء الجون أبوه ... زاده الله هوانا
سائل العباس واسمع ... فيه من أمك شانا
عجنوا من جلنار ... ليكيدوك عجانا «٤»
ويقول الجاحظ: والعجب أنه- أي أبا نواس- يقول فى أبان إنه ممن يتشبه بعجرد، ومطيع، ووالبة بن الحباب، وعلى بن الخليل، واصبع، وأبان فوق ملء الأرض من هؤلاء، ولقد كان أبان وهو سكران أصح عقلا من هؤلاء وهم صحاة، فاما اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه! «٥» ويقول الجاحظ: والمطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلى والسيد الحميري، وابو العتاهية، وابن ابى عيينة. وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل، وسلما الخاسر، وخلف بن خليفة؛ وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء وبشّار أطبعهم كلهم «٦»
стр. 56
قال أبان] «١»
لمّا جري وجري لهم ... سبق الجياد على مهل
والعزم سيف صارم ... والحلم أوزن من جبل
حلو وفيه مرارة ... مزجا بعدل فاعتدل
فلذي العداوة علقم ... ولذي الوداد جنى العسل
لو كنت تأخذ مثل ما ... تعطي أنى «٢» لك أن نملّ
أو كان ذاك من الفرا ... ت لما رئى فيه بلل
ولو ان مال القل «٣» حمّ ... ل ما تحمّل ما استقلّ
ملك أعير مهابة ... لم يخل قلبا من وجل
وإذا تنافرت الخصو ... م إليه في لبس فصل
لامائلا لهوي ولا ... عن حقّ أعداء عدل
أكرم ببرمك والدا ... ومن البنين بما نجل
لا نبتغي بذلا بهم ... أبدا ومن أين البدل؟
أخبار أبان متصلة مع البرامكة أخباره مع الرشيد
قال الصّولي: حدّثنى محمد بن سعيد، قال: حدّثنا عليّ بن محمد النوفليّ
стр. 57
قال: عاتب أبان البرامكة في إعطاء الرشيد الأموال للشعراء وفقره مع ذلك، مع خدمته لهم وموضعه منهم، فقال له الفضل: إن سلكت مذهب مروان «١» أوصلت شعرك، وبلغتك إرادتك. قال: والله ما أستحلّ ذاك! فقال له الفضل:
كلنا يفعل ما لا يحل، ولك بنا وبسائر الناس أسوة، فقال أبان:
نشدت بحقّ الله من كان مسلما ... أعمّ بما قد «٢» قلته العجم والعرب
أعمّ نبيّ الله أقرب زلفة ... اليه أم ابن العمّ في رتبة النّسب؟
وأيّهما أولي به وبعهده ... ومن ذاله حقّ التّراث بما وجب؟
فإن كان عباس أحقّ بتلكم ... وكان علىّ بعد ذاك على سبب
فأبناء عباس هم يرثونه ... كما العم لا بن العم في الإرث قد حجب
وفى حسن إذ قلتم فيه حجّة ... فقد باعها لا ينكر الناس أو وهب
فإن كان ذا حق فعمدا أضاعه ... وإن كان ذا دعوى فكفوا عن الشغب
وهبه كما قلتم، وليس كذاكم ... أما ذادكم عنها المطالب واغتصب؟
فأهملتموها لم تروا حيلة لها ... إلي أن أراد الله إتمام ما أحب
فحظّ بنى مروان منها وحظكم ... مع الغيظ والحرمان والعيلة الحرب
فقام بها من لم يكلها إليكم ... ومن هو أولى بالذي بزّ واستلب
إمام بنى العباس حين سما لها ... وبالله فيما رام أدرك ما طلب
فشرّد أهلوه وأودى وصيّه ... بحبس ابن مروان فسلم واحتسب
فان كانت القربى فهم أهل حقه ... وهم أهلها إن كان حقّ لمن غلب
стр. 58
ثم جاء بهذه الأبيات الى الفضل، وقال: قد اقترضت فوفّر علىّ الجاري.
فقال: ما بقيت، وما يرد «١» اليوم على أمير المؤمنين شىء أعجب اليه من أبياتك فركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، واتصل به بعد ذلك.
حدّثنى برد بن حارثة الربعى، قال: حدّثنى أبو اسماعيل أبان بن عبد الحميد قال: لما شخص الفضل بن يحيى بن خالد الى الريّ لمحاربة يحيى بن عبد الله بن حسن خرج معه جدي أبان فظفر بيحيى على أمان وكدّه له، وقدم به الى الرشيد، وعمل أبى في الفضل قصيدة مشهورة كان أبان عملها قبل صلح الفضل ليحيى، فلما صالحه ألحق فيها أبياتا، وسلك مسلك أبياته المتقدمة:
أأحزنك الأولى ردّوا ... جمال الحىّ وادّلجوا
نعم فبنات همّ الصد ... ر فى الأحشاء تعتلج
ومنزلة وقفت بها ... لأدنى عهدها حجج
محتها الريخ يغشى التر ... ب مغناها وينتسج
نعمنا ليلة الأنعا ... م حيث العرج «٢» ينعرج
بناعمة كمثل البد ... ر شاب دلالها غنج
تغادينى المعازف عو ... دها والصنج والرنج
بكفّي شادن لم أن ... سه في طرفه غنج
له نغمات قينات ... بها الارواح تختلج
أحبّ من الغناء ملي ... ح ما إيقاعه الهزج
стр. 59
وأقلى «١» ضوء «٢» برق مث ... ل ما أقلى غنا مزج
وأبغض يوم تنأي وال ... زيّانب كلّها سمج
ويعجبنى لإبراهيم ... والأوتار تختلج
أمر «٣» سلافة صرفا ... كأن صبيبها ودج
[فظلّ تخاله ملكا ... يصرّفها ويمتزج] «٤»
كذاك العيش إذ قلبي ... رخيّ باله بلج
[لدور أمس بالدولاب ... حيث السّيب ينعرج] «٥»
أحبّ الي من دلسجا ... ن «٦» والاعلاج قد ثلجوا
وهبّت ذات صرّاد ... بلبس الثلج تنتفج
وما قزوين لي وطن ... ظواهرها ولا الولج
بفضل تفرج الغمّي ... اذا ضاقت فتنفرج
بأمر «٧» برمكيّ الع ... زّ يعليه به درج
رحيب الصدر إن ضاقت ... على ذي المحنة الفرج
فما في باعه قصر ... ولا في لفظه رتج
أخو هيجا أطال مرا ... سها درب بها لهج
به صدأ الحديد مما ... زجا مسكا له أرج
وأر عن ذي كتائب بال ... فضاء غذاءه المهج
стр. 60
يسير به ذو ضغن «١» ... عليه الصدر منشرج
سما فضل له بالخيل ... في أنسائها شنج «٢»
فأوهد منه شاهقه ... وعالت لجّه لجج
كما قد شدّ بالمغرو ... ر أتباع له همج
غواة قادهم داع ... الى غيّ فقد لحجوا
وكم قد رامها منهم ... أولو حجج فما فلجوا
فما ينهاهم «٣» الأولي ... وذمّهم الذي نتجوا
وما لله سعيهم ... ولا غضبا له خرجوا
وما حجّوا بذلك بل ... عليهم كانت الحجج
كأنى بالبغال وقد ... أتت غاياتهم تسج «٤»
إلى ملك كضوء الصب ... ح تعشى عنده السرج
له ميراث عبّاس ... وقرباه التى تشج
قويم الدّين ما في حك ... مه زيغ ولا عوج
وما عنه لملتمس ... أراد الحق منعرج
فإن يصفح فعادته ... وإن يوقع فلا حرج
أطائف جنّة أهوي ... بيحيى قاده هوج
стр. 61
إلي أن ساقه قسرا ... لموكب حربه رهج
أسيرا في يدي علج ... عدته بلؤمها علج
جنيب الخوف لا أمن ... ولا عزّ ولا فرج
أتاك به وليّك لم ... يخف نارا لها وهج
فظل تبيع شهوته ... كما يستتبع البذج
(البذج الجمل) يقول: يتبع يحيى ما يريد الفضل، كما يتبع البذج أمّه.
قال أبو بكر: ولما ماتت هيلانة جارية الرشيد، وجدبها وجدا شديدا، فرثاها الشعراء فوصلهم، فقال أبان على لسان الرشيد:
أعينى لقد جار الزمان فجودي ... ولا تطلبا لي راحة بجمود
لقد بنت ياهيلان منى فقيدة ... وربّ قرين بان غير فقيد
سقى الله دهرا كان يجمع بيننا ... ويرغم فيه أنف كلّ حسود
تمرّ لنا طير الزّمان سوانحا ... وانجمه تجري لها بسعود
ففقدك ياهيلان كدّر عيشتى ... وأخلق من دنياي كلّ جديد
وقال يعزى الرشيد عنها:
يا أمير المؤمنين المرتضى ... احمد الله على ما قد قضى
إن تكن هيلان وافت قدرا ... فاسل يعقبك به الله الرّضا
إنما يحزن من ليس له ... خلف يسليه عمّا قد مضى
بل أنا الباكى لشيب راعنى ... وشباب بان منى فانقضى
стр. 62
وقال يرثيها:
بتّ ضجيع الحزن ما أغفي ... لحادث جلّ عن الوصف
حزنان حزن منهما ظاهر ... وأوجع الحزنين ما أخفى
أنت أهلت التّرب من فوقها ... مواريا تحت الثّرى إلفي!
لهفى على هيلان لو أنّه ... يردّ شيئا فائتا لهفى!
وقال يخاطب الرشيد، ويهنئه بما فعل الفضل فى أمر يحيى بن عبد الله بن حسن:
هنيئا أمير المؤمنين لك الظّفر ... فقد تمّت النّعمى وقد ساعد القدر
رآك إله الناس أولى بملكه ... فأصغاكه لا منّ فيه ولا كدر
وقد كان يحيى الفاطميّ سمت به ... له همة في الصّدر جاش لها وجر «١»
أراد التى تهوي الجبال لكونها ... وترجف منها الأرض لو تمّ ما أئتمر «٢»
وكان رجا بالطّالقان ذخيرة ... كنوزا له كانت على الدهر تدّخر
فكان هو الكنز الذي أيّدت به ... خلافة هارون الإمام وما شعر
أتاك بيحيى الفضل سلما يقوده ... مقرا ولولا يمن جدّك ما أقر
لئن كان يوم الفضل فيه مشهّرا ... لأكرم بيوم منه أفنى به الخزر
وقال يرثى هيلانة:
أديل من السرور الحزن لما ... ثوت هيلان في جدث ورمس
وأصبحت البلاد غداة ولّت ... عليها وحشة من بعد أنس
стр. 63
وقال يمدح الرشيد، ويذكر أمر الفضل وما صنعه فى أمر يحيى:
لتمد برّز الفضل بن يحيى ولم يزل ... يسامي من الغايات ما كان أرفعا
رآه أمير المؤمنين لملكه ... كفيلا «١» لما أعطى من العهد مقنعا
قضى بالتي سدّت «٢» لهارون ملكه ... وأجيت ليحيى نفسه فتمتّعا
فأمست بنو العبّاس بعد اختلافها ... وآل علىّ مثل ربذى ترمّعا «٣»
لئن كان من سدّى «٤» القريض أجاده ... لقد صاغ إبراهيم فيه وأوقعا
قال أبو بكر: يعنى أن ابراهيم بن ميمون الموصلى المغنى غنى في هذا الشعر.
وقال يمدح الفضل بن يحيى، ويذكر أمر يحيى بن عبد الله بن حسن:
إن شمل الشيب قناع. البلى ... مفارقا منى وأصداغا
فقد أرى أشوس ذامرة ... وحية أربد لدّاغا
يأنس بى الصيّد إذا رمته ... فصار إمّا شئت روّاغا
كم عاقل أحظى وكم جاهل ... أنشغه العلقم انشاغا
وشادن أحور ذي صيغة ... حسّنها الرّحمن إذ صاغا
يسكن من بغداد في كرخها ... حيث رأيت القصر والباغا
زار بقزوين خيال له ... يسرى على قصد وماراغا
بات يناغينى فياليته ... كان إذا الصبّح بد اناغا
يا ربّ موسى والتى قلتها «٥» ... أصبح في الأحراز ولّاغا
стр. 64
لا يظفر الواشى بإفساد ما ... بينهم إن دبّ نزّاغا
راموا انتقال الملك عن أسّه ... فما زجا «١» ذاك ولا ساغا
فأفسدوا صالح دنياهم ... واحتملوا في الدّين أوزاغا
لمّا رأوا ليثا أبا أشبل ... يولغها في الدم إيلاغا
فلا أبا العبّاس تمّت له ال ... نعمة إفضالا وإسباغا
من بعد ما أعذر في نصحه ... فلم يدع نصحا وإبلاغا
يعدو به عبل سليم الشظى ... أكمل ألواحا وأرساغا
يحسن بالسّيف قراع العدا ... وينزغ الأرماح إنزاغا
فأووا إلي السّلم جنوحا وقد ... خاضوا من الفتنة أرداغا
وقال فى الفضل بن يحيى:
بالفضل يحسن لفظ كلّ مقال ... وبه تسير غرائب الأمثال
وبه تكشّف مظلم الفتن الّتى ... يمسى العباد بها علي زلزال
حسن الّتى بالفضل ردّ مخوفها ... باد لئن كانت بغير قتال
أعطى ابن عبد الله يحيى ذمّة ... وصل الوفاء حبالها بحبالى
وقال فى ذلك ويخاطب أمير المؤمنين الرشيد:
أطال الله في عزّ ونصر ... بقاءك يا أمير المؤمنينا
إذا ما الحرب شبّ لها ضرام ... تقلّب فيه أيدي النّا كبينا
стр. 65
فسولّ مهمّها الفضل بن يحيى ... وقد رجّمت في يحيى الظنونا
مقرا بالّذي قد كان يأتي ... ويفعل حزبه المتشيّعونا
لئن خصتك نعمتها بفضل ... لقد عمت جميع المسلمينا
وقال فى بيعة الرشيد للامين
عقد لخليفة بيعة ... لمحمد فعلى التمام
لسمىّ مهدىّ الملو ... ك محمد خير الأنام
سيما الخلافة بين ... في الوجه منه مع الفطام
نور كواضح غرّة ال ... بدر المنوّر في الظّلام
مصداق ما كنا نحدّ ... ث فيه من ملك الغمام
لا قصرت عنه ولا ... وصلت اليه ألف عام
وقال أبو بكر ولما قال أبان للفضل بن يحيى
أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
وروي أن الموصل لها إلى الفضل بن يحيى محمد بن المنصور الذي يعرف بفتى العسكر- وقد ذكرتها لأبان في أول أخباره مع البرامكة- بلغت قصيدته أبا نواس فقال:
إنّ أولى بقلّة الحظّ منى ... المسمّى بالبلبل الصياح
قد رأوا منه حين عبّ لديهم ... أخرس الصوت غير ذي افصاح
لم يكن فيك من صفاتك شىء ... غير خلق مدحدح دحداح
لحية ثطة وأنف قصبر ... وانثناء عن التّقي والصّلاح
فيك ما يحمل الملوك على الخر ... ق ويسطو بالسيّد الجحجاح
стр. 66
والذي قلت فيك باق صحيح ... والذي قلت ذاهب في الرّياح
أخبار لأبان متفرقة مع جماعة من الشعراء
حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا محمد بن زياد، قال: حدّثنى أبان بن عبد الملك بن أبان «١» قال اشتري جاز لأبان غلاما تركيا بألف دينار، فكان أبان يهواه، ويخفى ذلك عن مولاه، فقال فيه:
ليتني! والجاهل المغ ... رور من غرّ بليت!
نلت ممّن لا أسمّي ... وهو جاري بيت بيت
قبلة تنعش ميتا ... إننى حيّ كميت
لا أسمّيه ولكن ... هو في كيت وكيت
قال: كان اسمه بيتك.
قال الصولى: حدّثنى سوّار بن أبى شراعة، قال: حدّثنى أبو العيناء عن العباس بن رستم، قال: دخلت مع أبان بن عبد الحميد على عنان جارية الناطفي وهي في خيش، فقال لها أبان:
العيش في الصيف خيش
فقالت بسرعة:
إذ لا قتال وجيش
وأنشدتها لجرير
ظللت أرائى «٢» صاحبىّ صبابتى ... وقد علقتني من هواك علوق
стр. 67
فقالت مسرعة «١»
اذا عقل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق
وكان في جوار أبان رجل من ثقيف يقال له محمد بن خالد بن عمار الثقفي، وكان عدوا لأبان، فتزوج بعمارة بنت عبد الرحمن الثقفي، وكانت كثيرة المال فقال أبان يهجوه ويحذرها منه:
لما رأيت البزّ والشّاره ... والفرش قد ضاقت به الحاره
واللّوز والسّكّر يرمى به ... من فوق ذي الدّار وذي الدّاره
وأحضروا الملهين لم يتركوا ... طبلا ولا صاحب زماره
قلت لماذا؟ قيل: أعجوبة ... محمد زوّج عمّاره
لا عمر الله بها ربعه ... ولا رأته مدركا ثاره
ماذا رأت فيه، وماذا رجت؟ ... وهي من النّسوان مختاره!
أسود كالسّفّود ينسى لنا ال ... تّنّور بل محراك قيّاره
تجري على أولاده خمسة ... أرغفة كالرّيش طيّاره
وأهله فى الأرض من خوفه ... ان أفرطوا في الأكل سيّاره
ويحك فرّي وأعصبي ذاك بى «٢» ... فهذه أختك فرّاره
اذا غفا بالليل فاستيقظي ... ثم اظفري إنك ظفّاره
فصعدت نائلة «٣» سلّما ... تخاف أن تصعده الفاره
سرور غرتها فلا عوفيت ... فانها اللخناء غراره
لو نلت ما أبعدت «٤» من ريقبا ... إنّ لها نفثة سحاره
стр. 68
قال: فلما سمعت عمارة هذه بشعره هذا هربت، فحرم الثقفي من جهتها مالا كثيرا.
قال أبو بكر: حدّثنى القاسم بن إسماعيل، قال: حدّثنى أبو إسحاق الزيادي، قال: كان عسكر، مولى سليمان بن على يشرب يوما عند أبان اللاحقى، فسكر أبان فقال له الفضل بن عروة الثقفى: لو سمحت لعسكر بجبتك الخزّ لكثر من يشكرك عليها، ويعوضك منها، فخلعها عليه فلما، أصبح ندم وقال:
أتانى عسكر أخزا ... هـ من إياي قد أخزي
وقد ألبست من شقو ... ة جدّي جبتى الخزّا
وكانت من تلاد مو ... دع من شفق حرزا
حذار أن يراها طا ... مع يوما فتبتزّا
فجاء القدر الجال ... ب بى يحفزنى حفزا
إلي مستكتب يدعى ... بفضل حافظ المعزى
فقال اكس فتى يمن ... حك الودّ تزد عزّا
فلا والله لا تنب ... ذ «١» في العالم أو ترزا
ولما قال ذا كنت ... كسيف هزّ فاهتزّا
فأهويت الي الجبّ ... ة رأيا موريا عجزا
وقد بينته لمّا ... حواها قال من عزّا «٢»
فما كان لما نال ... وإن كان قد استهزاض أأكسوه ولم أرهب
له سوطا ولا حرزا ... فقال الكلب إذ فاز
وما يسمع لي وكزا
стр. 69
وحاز الفرو والجبّ ... ة: قد أعطيت اشكزا «١»
فما إن فيّ من خير ... سوى أن آكل الخبزا
وأنى أقبل الضّيم ... وأنّى أحلب العنزا
وأنى من شراب الشيّ ... خ كسرى أكثر القلز «٢»
وقد طاوعى المنط ... ق حتي قلت ما أجزا
فعزّونى عن الجبّ ... ة عافا الله من عزّى
لأمر قيل في الأمثا ... ل من عزّ امرءا بزّا
وكان زياد صديقا للاحشين «٣» سار الزنادي والجوشنى من موالي تميم، وكان في الاحشين سار لين كلام. فكان أبان يسميهما الاجتين «٤» فحرج الجوشنى مع بعض الأمراء فأهدي إلي الزنادي هدية فلم ينصبه منها فقال، أبان يمازحهما:
قل لبيضاء بضة ذات أع ... طاف وساق لفّاء كالجمّاره
لفتاة كحلاء تستوطن المس ... جد يدعونها بأحشين ساره
شطبة رخصة الأنامل هي ... فاء تثنّى في مشيها خطاره
انعمي يافتاة آل زياد ... زادك الله نعمة وغضاره
أجمع الناس لا خلاف على أن ... حسنك أن قد أربى على حسن ساره
وعلى حسن ساكن الجبّ لما ... أخرجته من جبه السياره
خبرينا بالله ربك بالح ... ق فللحقّ بهجة وإناره
أيّ شىء إليك أخت بنى جو ... شن أهدت من فائدات الإماره
أي شىء أهدت إليك من ال ... عشر ابنتى أميرة عشاره
ولقد زرت دارها وأرى الأخ ... ت تؤدّي للأخت حقّ الزّياره
стр. 70
قالت الخير يا مكلف أهدت ... والأمانى تارة بعد تاره
كلل الصّين بين مصبوغة زر ... قاء تتلو مصبوغة جلناره
وأرتني الأرطال من عنبر لد ... ن ومسك فى مسك «١» تسعين فاره
وأرتنى حصر الحشيش ولاذ ال ... صين «٢» من كل ريطة ذات شاره
وأتى تدرج «٣» وبيع كثير ... ونعال سندية صراره
تلك أختي وتلك ذخرى التى لي ... ست من الناس غير ما مختاره
هى مثل القضيب في دعص رمل ... جمعت حسن منظر ووثاره
قد أعارت شمس النهار ضياء ... وجمالا فحسنها بالإعاره
قلت هذا لكم فما حظنا من ... هـ فقالت حظ الحسود حجاره!
حدّثنى أبو ذكوان، قال: أنشدنى المازنى لابان في جار له يقال له يزيد التامّ لتمام خلقه، وكانت له جارية تغنى، ويألفه أبان وإخوان من أجله «٤» فعلقت فتى كان يدخل معهم الى يزيد حتى اشتهر أمرها معه، فكتب أبان إلى يزيد التام:
أيزيد إنك نائم فاستيقظ ... ومضيع لقوام جاهك فاحفظ
كن لينا ما لم تكن مستضعفا ... وإذا تنكّر صاحب لك فاغلظ
لا تشربنّ الدّهر إلا ماصفا ... فاذا رأيت قذي بكأسك فالفظ
وخذ النصيحة من أخ لك واعظ ... والبس سكينة مقلع مستوعظ
مالي رأيتك تستخف بذي النهى ... وتصيخ أذنك للمليح المنعظ
يأتيك من لو قيل توهب بدرة ... لك إن لحظت مسارقا لم تلحظ
فيقال ليس هناك نابى «٥» آخر ... لا بالودود تخاله كالمحفظ
стр. 71
فيقال بت جذلا وأصبح ناعما ... ولشتّ فينا إن بدالك «١» أوقظ
زعم الذي كحل الأحيصر عينه ... أن لست تضبط منزلا بتحفّظ
أعنى به من لا أبوح بذكره ... أبدا وأكنى عن مليح الملحظ
لو كنت حرّا مانجا من ضربة ... يضنى بها إن نفسه لم يلفظ
وإذا امرؤ بالوعظ خلل سمعه ... فغصى النّهى فكأنه لم يوعظ
حدّثنا الفضل بن الحباب، قال: حدّثنا محمد بن سلام، قال: لما ولى معاذ بن معاذ قضاء البصرة كتب اليه أبان:
يا معاذ بن معا ... ذ الخير يا خير حكيم
قد تهيّا اللاحق ... يون وأصناف تميم
لزموا مسجدنا فى ... ضيقه أيّ لزوم
شمّروا القمض وحكوا ... موضع السجد بثوم
كلهم يأمل أن تو ... دعه مال يتيم
فاتق الله فقد أص ... بحت فى أمر عظيم
قال الفضل: قد رويت لابن مناذر، وهي لأبان قال أبو بكر: وكنت يوما بحضرة أبى ذكوان، فسعل ثم قذف ثم تشكى من مفاصله، فجعلنا ندعو له فقال: أنا والله كما قال أبان اللاحقي، إن أبان ابن عبد الرحيم كان يعادي جارا له يقال له محمد بن خالد بن عاصم الثقفى، وكان كثير العلل، وكان يلقب أبا الأطول فبلغ الموت من غلة كانت به ثم تماثل فجلس على بابه يثلب من أرجف بموته، فقال أبان:
أبا الأطول طوّلت ... وما ينفع تطويل
стр. 72
بك السلّ ولا والله ... ما يبرأ مسلول
ولكن ربّما جرّ ... اذا ما كان تمهيل
كما كان وقد كان ... به القرحة مكحول
ويوم حار «١» بالعنب ... ر والقيسى بهلول
وكلّ كان ذا جمع ... له همّ وتأميل
فصاروا جزرا للمو ... ت قد غالتهم غول
وأنت الرابع التابع ... ما عن ذاك تأجيل
ولا يغررك من طبّ ... ك أقوال أباطيل
أري فيك علامات ... وللأشياء تأويل
هزالا قد بري جسم ... ك والمسلول مهزول
وذبّانا حواليك ... فموقوذ ومقتول
وحمى منك فى العظم ... فأنت الدّهر مملول
وأعلام سوى ذاك ... تواريها السراويل
ولو بالفيل مما ب ... ك عشر مانجا الفيل
أهذي نكهة المعد ... ة أم ضرسك مأكول
وما هذا على فيك ... قلاع أم دماميل
أم الحمى أحبّتك ... فهذا البثر تقبيل
وما بال مناجيك ... توليّ وهو معلول
فان كان من الخوف ... فقد سال بك النيل
وان تحتج الى علمي ... فطبى «٢» لك مبذول
عليك الحنظل المدقو ... ق سفّا وهو منخول
стр. 73
وقد يوصف ممّا ب ... ك حلتيت وفتيل
ولا عدنا ومن صبر ... بلا طبخ مثاقيل
فذا وصف نوصيّك ... بلا قال ولا قيل
وقال يهجو محمد بن بشير الخثعمى ... أقول لابن بشير
وسلحه فى عجانه ... ونقده فى حشاه
مازل عن ميزانه ... يا جاهلا قوت نخل
تزيد في ثمرانه ... طوبى لصاحب نخل
خريت في بستانه
حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا عيسى بن اسماعيل، عن عبد الله بن محمد عثمان بن لاحق، قال: أولم محمد بن خالد، فدعا أبان بن عبد الحميد، وسهم «١» ابن عبد الحميد، وعبيد الله بن عمرو العتبي، والحكم بن قنبر فاحتبس عنهم الغداء، فجاء محمد بن خالد فوقف على الباب، وقال: ألكم حاجة [أعزكم الله] «٢» يمازحهم، فقال أبان:
حاجتنا عجّل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين «٣»
فقال ابن قنبر:
ومن خبيص قد حكت عاشقا ... صفرته زين بتلوين
فقال سهم
وأتبعوا ذاك بآبية ... فأنكم أصحاب آبين «٤»
فقال عبيد الله
دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين
стр. 74
فأحضر الغداء وخلع عليهم ووصلهم.
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى حماد بن اسحاق، قال: سألت اسحاق عن قصيدة أبان اللاحقى ومعنى قوله فيها:
وأقلى ضوء برق مث ... ل ما أقلى عفا مزج
وأبغض يوم تنأى ... والزيانب كلها سمج
ويعجبني لابراهيم ... والأوتار تعتلج
أمرّ مدامة صرفا ... كان صبيبها ودج
فقال لى: أي «١» الزيانب [الذين] ذكرن في أصوات، ومن أشهر هن زينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يقول فيها ابن رهيمة مولى عثمان بن عفان:
تصابيت أن بانت بعقلك زينب ... وكيف تصابى الشيخ والرّأس أشيب
ومنها: دعيني أمّ مسكين ... دعيني لا تلوميني
فانّ اللوم يا زين ... ب يؤذيني ويغرينى
ومنها: إنما زينب همي ... بأبى تلك وأمي
بأبى زينب لا ... أكنى ولكنى أسمى
[بأبى زينب من ... قاض قضى عمدا بظلمي
بأبى من ليس لى في ... قلبه قيراط رحم] «٢»
في كل هذا غني يونس الكاتب ومنها:
يا زينب الحسناء يا زينب ... يا أكرم الناس اذا تنسب.
стр. 75
ومنها:
إنما زينب الهوى ... وهي الهمّ والمنى
[ذات دل تضنى الصحى ... ح وتبرى من الجوى
لا يغرنك أن دعو ... ت فؤادى الى النوى
واحذرى هجرة الحبى ... ب اذا مل وانزوى] «١»
ومنها: زينبي راعي وصالي ... واسمعي مني مقالي
وقول أبان:
يوم تبدى لنا قتيلة عن جي ... د أسيل تزينه الأطواق
الغناء فيه لمعبد وقول أبان وأقلى ضوء برق، يريد قول الأحوص:
ضوء برق بدا لعينك أم شبّت بذي الأثل من سلامة نار الغناء فيه لمعبد وقول أبان عفا مزج أراد قول الأحوص أيضا:
عفا مزج الي لصق ... الى الهضبات من هكر
الغناء لمالك بن أبى السمح.
حدّثنا المبرد، قال: حدّثنى أبو واثلة «٢» قال كان أبان بن عبد الحميد اللاحقى يتولع بابن مناذر الصبيري من بنى صبير بن يربوع بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، ويقول له إذامت فلا ترثيني يعرّض به بأنه لا يجيد الشعر الا في المراثى، فقال ابن مناذر يهجوه:
следующие страницы →