Полный текст (1 011 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فيقال بت جذلا وأصبح ناعما ... ولشتّ فينا إن بدالك «١» أوقظ
زعم الذي كحل الأحيصر عينه ... أن لست تضبط منزلا بتحفّظ
أعنى به من لا أبوح بذكره ... أبدا وأكنى عن مليح الملحظ
لو كنت حرّا مانجا من ضربة ... يضنى بها إن نفسه لم يلفظ
وإذا امرؤ بالوعظ خلل سمعه ... فغصى النّهى فكأنه لم يوعظ
حدّثنا الفضل بن الحباب، قال: حدّثنا محمد بن سلام، قال: لما ولى معاذ بن معاذ قضاء البصرة كتب اليه أبان:
يا معاذ بن معا ... ذ الخير يا خير حكيم
قد تهيّا اللاحق ... يون وأصناف تميم
لزموا مسجدنا فى ... ضيقه أيّ لزوم
شمّروا القمض وحكوا ... موضع السجد بثوم
كلهم يأمل أن تو ... دعه مال يتيم
فاتق الله فقد أص ... بحت فى أمر عظيم
قال الفضل: قد رويت لابن مناذر، وهي لأبان قال أبو بكر: وكنت يوما بحضرة أبى ذكوان، فسعل ثم قذف ثم تشكى من مفاصله، فجعلنا ندعو له فقال: أنا والله كما قال أبان اللاحقي، إن أبان ابن عبد الرحيم كان يعادي جارا له يقال له محمد بن خالد بن عاصم الثقفى، وكان كثير العلل، وكان يلقب أبا الأطول فبلغ الموت من غلة كانت به ثم تماثل فجلس على بابه يثلب من أرجف بموته، فقال أبان:
أبا الأطول طوّلت ... وما ينفع تطويل
стр. 72
بك السلّ ولا والله ... ما يبرأ مسلول
ولكن ربّما جرّ ... اذا ما كان تمهيل
كما كان وقد كان ... به القرحة مكحول
ويوم حار «١» بالعنب ... ر والقيسى بهلول
وكلّ كان ذا جمع ... له همّ وتأميل
فصاروا جزرا للمو ... ت قد غالتهم غول
وأنت الرابع التابع ... ما عن ذاك تأجيل
ولا يغررك من طبّ ... ك أقوال أباطيل
أري فيك علامات ... وللأشياء تأويل
هزالا قد بري جسم ... ك والمسلول مهزول
وذبّانا حواليك ... فموقوذ ومقتول
وحمى منك فى العظم ... فأنت الدّهر مملول
وأعلام سوى ذاك ... تواريها السراويل
ولو بالفيل مما ب ... ك عشر مانجا الفيل
أهذي نكهة المعد ... ة أم ضرسك مأكول
وما هذا على فيك ... قلاع أم دماميل
أم الحمى أحبّتك ... فهذا البثر تقبيل
وما بال مناجيك ... توليّ وهو معلول
فان كان من الخوف ... فقد سال بك النيل
وان تحتج الى علمي ... فطبى «٢» لك مبذول
عليك الحنظل المدقو ... ق سفّا وهو منخول
стр. 73
وقد يوصف ممّا ب ... ك حلتيت وفتيل
ولا عدنا ومن صبر ... بلا طبخ مثاقيل
فذا وصف نوصيّك ... بلا قال ولا قيل
وقال يهجو محمد بن بشير الخثعمى ... أقول لابن بشير
وسلحه فى عجانه ... ونقده فى حشاه
مازل عن ميزانه ... يا جاهلا قوت نخل
تزيد في ثمرانه ... طوبى لصاحب نخل
خريت في بستانه
حدّثنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا عيسى بن اسماعيل، عن عبد الله بن محمد عثمان بن لاحق، قال: أولم محمد بن خالد، فدعا أبان بن عبد الحميد، وسهم «١» ابن عبد الحميد، وعبيد الله بن عمرو العتبي، والحكم بن قنبر فاحتبس عنهم الغداء، فجاء محمد بن خالد فوقف على الباب، وقال: ألكم حاجة [أعزكم الله] «٢» يمازحهم، فقال أبان:
حاجتنا عجّل علينا بها ... من الحشاوي كل طردين «٣»
فقال ابن قنبر:
ومن خبيص قد حكت عاشقا ... صفرته زين بتلوين
فقال سهم
وأتبعوا ذاك بآبية ... فأنكم أصحاب آبين «٤»
فقال عبيد الله
دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين
стр. 74
فأحضر الغداء وخلع عليهم ووصلهم.
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى حماد بن اسحاق، قال: سألت اسحاق عن قصيدة أبان اللاحقى ومعنى قوله فيها:
وأقلى ضوء برق مث ... ل ما أقلى عفا مزج
وأبغض يوم تنأى ... والزيانب كلها سمج
ويعجبني لابراهيم ... والأوتار تعتلج
أمرّ مدامة صرفا ... كان صبيبها ودج
فقال لى: أي «١» الزيانب [الذين] ذكرن في أصوات، ومن أشهر هن زينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يقول فيها ابن رهيمة مولى عثمان بن عفان:
تصابيت أن بانت بعقلك زينب ... وكيف تصابى الشيخ والرّأس أشيب
ومنها: دعيني أمّ مسكين ... دعيني لا تلوميني
فانّ اللوم يا زين ... ب يؤذيني ويغرينى
ومنها: إنما زينب همي ... بأبى تلك وأمي
بأبى زينب لا ... أكنى ولكنى أسمى
[بأبى زينب من ... قاض قضى عمدا بظلمي
بأبى من ليس لى في ... قلبه قيراط رحم] «٢»
في كل هذا غني يونس الكاتب ومنها:
يا زينب الحسناء يا زينب ... يا أكرم الناس اذا تنسب.
стр. 75
ومنها:
إنما زينب الهوى ... وهي الهمّ والمنى
[ذات دل تضنى الصحى ... ح وتبرى من الجوى
لا يغرنك أن دعو ... ت فؤادى الى النوى
واحذرى هجرة الحبى ... ب اذا مل وانزوى] «١»
ومنها: زينبي راعي وصالي ... واسمعي مني مقالي
وقول أبان:
يوم تبدى لنا قتيلة عن جي ... د أسيل تزينه الأطواق
الغناء فيه لمعبد وقول أبان وأقلى ضوء برق، يريد قول الأحوص:
ضوء برق بدا لعينك أم شبّت بذي الأثل من سلامة نار الغناء فيه لمعبد وقول أبان عفا مزج أراد قول الأحوص أيضا:
عفا مزج الي لصق ... الى الهضبات من هكر
الغناء لمالك بن أبى السمح.
حدّثنا المبرد، قال: حدّثنى أبو واثلة «٢» قال كان أبان بن عبد الحميد اللاحقى يتولع بابن مناذر الصبيري من بنى صبير بن يربوع بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، ويقول له إذامت فلا ترثيني يعرّض به بأنه لا يجيد الشعر الا في المراثى، فقال ابن مناذر يهجوه:
стр. 76
غنج أبان ولين منطقه ... يخبّر الناس أنه حلقى
داء به «١» تعرفون كلكم ... يا آل عبد الحميد في الأفق
قد يلبث الشيخ منكم حقبا ... بين أنين ولذعة الحرق
حتي اذا ما السماء جلّله ... كان أطباؤه على الطرق
نفرّجوا عنه بعض كربته ... بمسبطرّ مطوّق العنق
وهجاه بمثل هذا [من] القصار، فأمسك عنه أبان ثم سفر بينهما فاصطلحا.
حدّثنا الحسين بن على المهري قال: حدّثنى شاكر بن عبد الله بن عبد الحميد ابن لاحق، قال الحسين: وكان لاحق محدثا فأما البشير بن الفضل بن لاحق فمحدث جليل روى عن ابن شبرمة وعن غيره. فأما شاكر فكان يحيى بن خالد [البرمكى] قد جعل أبان بن عبد الحميد على الشعراء يعرضون عليه أشعارهم فما رضيه أثبته ومالم يرضه أسقطه، وكان أبو نواس ظئر «٢» حمدان بن أبان ومعهم تأدب وكان ينهاه عن مجون أشعاره فلا يقبل، فكان ذلك سبب قول أبى نواس:
نادمت يوما أبانا ... لادرّ درّ أبان
فجاء بابيات قد ذكرناها «٣» قال الحسين: فأجابه حمدان بن أبان.
أبو نواس بن هانى ... وأمه حليان
وقد روينا هذه الأبيات لأبان، ورواها الحسين عن شاكر لحمدان بن أبان، وقال: فلما أنشد أباه أبان:
إن زدت شيئا على ذا ... ما عشت فاقطع لسانى
قال له أبان: ليس بزيد، فلا تزد أنت.
стр. 77
حدثنا أبو ذكوان عن ابراهيم بن سفيان الزيادى، أن غلاما يهوديا كان يقال له هيلا، وكان مجالس أبا العتبي عبيد الله، وكان أحسن الناس وجها وأبوه من مياسير يهود البصرة فمات فوجد به العتبي وجدا شديدا وبكاه ورثاه، فقال له أبان وأنشدنى بيتين من شعر أبان «١» ثم رفع اليّ وأنا بواسط أبو طالب الأنباري كتابا بخط أبى علي الكرانى، وكان قد سمع منه وأنا أعرف الناس به «٢» لأن وكيعا أخرج إلي منه شيئا كثيرا أخذه من الكراني.
أنشدنى عبد الرحمن بن عبد الواحد أبو على العميري لأبان اللاحقى يهجو أبا العتبي:
ألا قل لعبيد الله ... ما بالك لا تسلا
أهذا كله فرط ... أسى منك على هيلا
وقد صار من النار ... الى أطباقها السفلى
تبكّيه وترثيه ... بكاء الواله الثكلى
لقد أملى لك الله ... فلا يغررك ما أملى
وقد أحسن اذ أبلا ... ك فاشكر حق ما أبلى
كأنى بك قد خلي ... ت دنياك كما خلّا
فلا آخرة نلت ... ولم تبق لك الأولى
وقد خيّرت فاخترت ... صديقا مثله يقلى
شبيها بك في الغدر ... وفي كفر الذي تولى
وقد حدثني عنه ... وما كذبته يعلى
وعن قنطرة الشطّ ... حديثا غيره أحلى
стр. 78
يقول العبد في الكندو ... ج «١» يا مولاي ذا أحلى
فما أدري وقد غابا ... به أيهما الأعلى
أكان العبد من فوق ... أم الفوق هو المولى
لقد عمهما اللعن ... فأولى لهما أولى
قال أبو بكر: ولأبان خبر مع [أبى] العتبي أنا آتى به بعقب هذا.
حدّثنى أبو ذكوان عن التّوزى «٢» قال صحّف الفيض بن عبد الحميد في حلقة يونس. بن حبيب وأنشد بيت ذي الإصبع العدوانى:
عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
قال الفيض: جنة الارض، فقال خلف الأحمر يهجوه:
لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب
أشد لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا مامشى من غراب
اذا ذكروا عنده عالما ... ربا حسدا أو رماه بعاب
وليس من العلم في كفه ... إذا ذكر العلم غير التراب
أضاليل جمّعها شوكر ... وأخرى مولدة لابن داب «٣»
فزاد أبان علي أبياته، وذكر تصحيفا لأبى العتبي، وقد ذكر رجلا فقال يكنى أبا الضيم وانما هو آبى الضيم، فقال أبان:
فلو كان ما قد روي عنهما ... سماعا ولكنه من كتاب
رأى أحرفا شبهت في الهجاء ... سواء اذا عدّها في الحساب
فقال أبى الضيم يكنى أبا ... وليست أبى إنما هى آبى «٤»
وفي يوم صفّين تصحيفة ... وأخرى له فى حديث الكلاب
стр. 79
وتصحيف فيض بن عبد الحمي ... د في جنة الارض او في الرباب «١»
وعالى بذلك في صوته ... كقعقعة الرعد بين السحاب
حدّثنا البلعى عن أبى حاتم قال سمع أبان رجلا يقول شر الدواب يبقى على الآرىّ فقال: «٢»
رأيت الموت أعرض عن حميد ... وألقى داهرا تحت التراب
وجوه «٣» الخيل هالكة ويبقى ... على آريّة شر الدواب
قال الصولي: ثم وجدت بخط الكرانى: أنشدنى أبو على بن عمارة شيخ من آل أبى عمرو بن العلاء لأبان اللاحقي، فذكر هذين البيتين، ثم قال: وأنشدنى أيضا له فى المعنى:
مضى أنس وقفّاه حسين ... ومات أخوهما عبد السلام
ثلاثة أنجم أفلوا جميعا ... درارىّ تضىء دجى الظلام
وعاش مذمّم لفساد دهر ... خؤون العهد يلعب بالأنام
نريد الشىء يجري فيه خرق «٤» ... فيجعل طوله شهر الصيام
صواب القول إيجاز بليغ ... وأعيا العيّ إكثار الكلام
كذاك الخيل يبقى الدّون منها ... فأما السابقات فللحمام
حدثنا محمد بن سعيد، قال: حدثنى عيسى بن اسماعيل، قال: جلس أبان اللاحقى ليلة فثلب أبا عبيدة، وقال: يقدح في الأنساب، ولا نسب له. فنمّ من حضره الى أبى عبيدة، فجلس في مجلسه وقال: لقد أغفل السلطان كلّ شىء حتى أغفل أخذ الجزية من أبان اللاحقى [وهو] وأهله [يهود] «٥» وهذه منازلهم فيها
стр. 80
أسفار التوراة وليس فيها مصحف، وأوضح الأدلة على تهودهم، أن أكثرهم يدّعى حفظ التوراة ولا يحفظ من القرآن ما يصلي به فبلغ ذلك أبان، فقال:
لا تنمّن عن صديق حديثا ... واستعذ من تشرّر النمام «١»
واخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
قال أبو بكر: وجدت بخط أبى على الكرانى، أنشدنى أبو عبد الله محمد بن زياد اليؤيؤ لأبان من أبيات:
وهذا أوان الصرم ... «٢» فاذهب ... عليك العفا من صاحب وخليط
قطعتك فاقطعني فغاية وصلنا ... إذا كان من مرو إياب نشيط
قال: [ونشيط] هذا مولي لعبيد الله بن زياد، خانه في شىء وهرب الى مرو، فجعل أهل البصرة يقولون في أمثالهم: مرجع «٣» نشيط من مرو.
ما روى فى صحة دين أبان
قال أبو بكر: حدّثنى محمد بن الرياشى، قال: ذكر أبان اللاحقى عند أبى فطعن رجل على دينه فرد عليه أبى، وقال: حدثنى ابن عائشة- وحسبك به- أنه ما أخذ عليه شيء في دينه قط مع كثرة قراءة للقرآن وصدقة، ثم أنشدنى أبى له:
قلت للحواري قد طوّلت إتعابى ... مالى وللشعر، والقرآن أولى بى
مالى وللشعر لولا ما تكلفنى ... وقد مضت حقب لي بعد أحقاب
وهذه قصيدة له، له فيها مدح وهجاء.
стр. 81
حدّثنى محمد بن سعيد، قال: حدّثنى عيسى بن إسماعيل قال: كنا في مجلس أبى زيد «١» فذكروا أبان بن عبد الحميد، فقالوا كان كافرا، فقال أبو زيد وغضب:
كان جاري فما فقدت قراءته فى ليلة قط، وقال غير أبى زيد: كان أبان ينصرف من دور البرامكة فينام لعله ما شرب، ثم ينتبه فيصلي حتى يصبح.
وهو القائل حين أراد الرشيد أن يجعل بعض صدقات البصرة [و] ضياع البصرة خراجا، واجتمعوا اليه وسألوه أن يعمل أبياتا الى يحيى بن خالد فقال:
أشهد أن لا إله إلا ... إلهنا الخالق الكبير
محمد عبده رسول ... جاء بحقّ عليه نور
وأن هارون خير وال ... في العدل ما إن له نظير
خليفة الله قد رضينا ... ماسار فينا وما يسير
وأنه خير ما إمام ... وأن يحيى له وزير
أبا على إليك نشكوا ... ظلما عرانا به مغير
تزعم أموالنا خراجا ... وهي كما لم تزل عشور
وشرطنا أن كل محيى ... فهي له ملكها يصير
حكم نبي الهدى أتتنا ... سنّته وهو لا يجور
حدّثنا الغلابى، قال: حدّثنا مهدي بن سابق، قال: كان أبان بن عبد الحميد اللاحقي جارا لى وكان باطنه خيرا من ظاهره، وكان يصلي بالليل وقلب ليحيى كتاب كليلة ودمنة فأعطاه مائة ألف درهم، وعمل له كتاب المنطق بشعر وأدب ابن المقفع.
стр. 82
الغزل لابان وهو قليل جدا
حدّثنا محمد بن على الماوردي. قال: حدّثنا الجاحظ، قال: قيل لأبان قل في الغزل كما يقول فيه أبو نواس، قال: فأبو نواس لم ينقل الكتب لشعر كما نقلت، وانما أعمل الشعر فيما ينفعنى.
وقال أبان:
صرمتك بعد وصالها ... وسئمت طول مطالها
ورمت فلم تخطيء فوا ... دك مرشقات نبالها
لما رأت كلفى بها ... منعت قليل نوالها
ولهان ما أرضى به ... وأراه من إجمالها
أنس الحديث وقبلة ... أشفي الصدى بزلالها
فاذا أردت عتابها ... ألجمت من إجلالها
فكر الفؤاد بها وهمّ ... النفس من بلبالها
أما النهار فلا تجفّ ... العين من تهمالها
وأبيت منتجي الهمو ... م أخوض فى أهوالها
وكأنّ ناظر مقلتي ... وقف على تمثالها
وتبيت فارغة الهوى ... ما إن خطرت ببالها
لو خيّرت من خلقها ... لم تعد فضل كمالها
ماء الشباب بخدّها ... والحسن في سربالها
فالموت إن هي أدبرت ... والعيش في إقبالها
قال الصولي: وأنشدنا المبرد لعبد الصمد يقول «١» في غلام من أولاد الجند:
متّ من حبه وبغض أبيه
стр. 83
فقال لنا: أول من نطق بهذا أبان اللاحقي فإنه كان يحب جارية للهذيل اسمها مليحة، وكان الهذيل يغار «١» عليها فإذا علم أن أبانا في مكان لم يوجه بها اليه، فقال أبان:
إنى أرانى سوف أصبح ميتا ... أولا سأصبح ثم لا أمسى
من حب جارية الهذيل وبغضه ... وكلاهما قاض على نفسى
فكلامها «٢» اشفى به سقمي ... وإذا تكلم عاد لي نكسى
وقال من أبيات:
لئن حبس المشيب عنان لهوي ... وبقى لي قليلا من كثير
فكم من ليلة قصرت وطابت ... ومن يوم لهوت به قصير
تقصّره بمجلسها فتاة ... تشبه «٣» صورة القمر المنير
كأن التاج معصوب برأسى ... أحيّا فوق أرواح السرير
إذا اختلفت أناملها وغنت ... ألم تربع بمنزلة ودور
رأيت العيش يجمعه ثلاث ... اذا تمّت كفتك من السرور
طبيخ الشمس لم تسفعه نار «٤» ... ولم يعبق به وضر القدور
وجاريتان توقع ذي بطبل ... وتحسن تيك في مثنى وزير
واشكال من الفتيان صيغت «٥» ... خلائقهم على كرم وخير
يفدّي بعضهم بعضا إذا ما ... تمشّت فيهم كأس المدير
مختار شعر أبان فى المدح وغيره
قال يصف مدينة فسا، وأصلهم منها في قصيدة طويلة مدح قاضيها:
يا حبّذا فسا «٦» ويا طيبها ... سرّتها العليا وأقطارها
стр. 84
إذا البلاد اغبرّ آفاقها ... وجال بالحاصب إعصارها
ويبس العود وجفّ الثرى ... وقيل هذا العام إقفارها
زادت على ذاك ندى تربه ... وأشرقت للعن أنوارها
والقيظ إن صرت الى قيظها ... إذا كسا الأوراق اشجارها
اذا سرى الماء الى عوده ... واطّردت تستنّ أنهارها
وأخرجت زينتها أرضها ... وثمّ في البهجة إنضارها
رأيت عيشا لا ترى مثله ... ما طرفت في العين أشفارها
منها لاهل الدين:
ذلك للدّنيا وأبنائها ... منزلة يسعد عمّارها
ما اشتهت الأنفس أو «١» لذّ ... ت الأعين أو نالته افكارها
صرديّنة حرية أيّما ... شاء فقد وافق مختارها
إن هبت الريح مساء «٢» بها ... لم يجد القرّ بها جارها
أو ركدت في القيظ لم يؤذه ... من لثق العكة إقرارها «٣»
فالحرّ والقرّ وفصلاهما ... يلذّه الثاوى «٤» وسفّارها
والليل إن أظلم ليل بها ... وصبحها إن آن إسفارها
معتدل سوّي تقديره ... اذ غيره خولف أقدارها
نسيمه أطيب من مسكة ... أزكى بها المجمر عطّارها
لا الموطن الثاوي بها يبتغى ... دارا ولا يستاق زوّارها
فيها ملاهي كلها معجب ... يشغل فيها الطرف نظارها
стр. 85
منها رهان الخيل ان أرسلت ... في حلبة يشهر مضمارها
فلو تراها حين تجرى معا ... كأن لمع البرق إحضارها
رأيت مالم تر شبها له ... مذشقّ للأعين إبصارها
وطرّد الصيد فما إن تنى «١» ... ظباؤها عقرى وأعيارها
والعود والصنج بها معمل ... والطبل إن شئت ومزمارها
والحسن قد فاز بتفصيله ... نساؤها العون وأبكارها
ناعمة الأحشاء ممكورة ... كان لين الزّفّ ابشارها «٢»
ولو ترى والي أحكامها ... لقلت بالبصرة سوّارها
حلما وعلما عاريا جهله ... وسيرة جانبها عارها
يهون فى الحق عليه إذا ... عاندت الأشراف أصغارها
سيّان فى الحق إذا ما بدا ... ساكنها الأدنى وخيارها
وحبذا الحبشان من أهلها ... يمنها الغرّ وأمضارها
تحسن فى العشرة أخلاقها ... وفى النّدى تعظم أخطارها
فى الحق لو قدم تفصيلها ... ان فصلت للناس أمصارها
وخصلة خصت بها أنه ... خير بنى الكفار كفارها
أوفاهم في عهده ذمة ... إن ضيّع الذمة غدّارها
لو قيل........... ... . «٣» جهدا كنت أختارها
وقال يرثى سوار بن عبد الله القاضى بالبصرة:
نفّر نومي الخبر الساري ... إذ صرخ النعىّ بسوّار
стр. 86
هدّ له ركنى وآض الحشا ... كأنما سعّر بالنار
يا عين فابكيه ولا تقصري ... فليس هذا حين إقصار
وحقّ للباكي عليه البكا ... ما طرفت عين بأشفار
ومادعت ورقاء رأد الضحى ... في أيكة حفّت بأشجار
وما جرت أدم الفيافى وما ... لاح سراب المزنة الجاري
كأننا يوم فقدناه لم ... نمس بأسماع وأبصار
إمام عدل قائل فاضل ... يجلو دجى الشك بأنوار
كانت وجوه الحق قد أسفرت ... فأظلمت من بعد إسفار
وآذن الشرّ بإقباله ... وآذن الخير بإدبار
وعاث أهل البغى لما رأي ... أهل النهى قلة أنصار
ومرّ دهر كان محلوليا ... وعاد ممزوجا بأمرار
وكان سوّار إلى مدّة ... تجري الى الحق بمقدار
لما تقضت وأتى يومه ... عدا عليه الباسل الضاري
دهر على أمثاله طالما ... أنحى بأنياب وأظفار
اذا انتحى جبار ملك أتى ... من دون حجاب وأستار
يا بعد سوّار وإن لم يكن ... أصبح منا نازح الدار
وكيف لا يبعد من فوقه ... صفائح الترب وأحجار
في حفرة حل بها وحده ... موحشة ضيقة الغار
مكن فيها بيته حافر ... بمنسف طورا ومحفار
قد ودّع الدنيا وسكانها ... واعتاض أجوار [ا] بأجوار
لا يسمعون الصوت إما دعوا ... ولا يهشّون لزوّار
стр. 87
تسفى الرياح الترب من فوقهم ... نسجا بإقبال وإدبار
وإن يكن مات فلمّا يمت ... طيب ثنا منه وأخبار
وسنن الدين التى سنّها ... خلّف منها خير آثار
لا يبرح السالك منهاجها ... منها بخير ما سرى الساري
كم مسلم أنقذ من عصبة ... تسجد للصلبان كفّار
يدعى إلى الكفر فإن عافه ... دان بإكراه وإجبار
وحاصن تفتن عن دينها ... تبكى بعين دمعها جاري
قد طال في أيديهم أسرها ... وكان يفديها بقنطار
وخائف أمّن من بعد ما ... ضاقت به آفاق أقطار
كم حق أبرار وما يرتجى ... خلّص من أظفار جبار
وظالم نكب عن قصده ... رد بإقماء وإصغار
ليس بخلاف لو أي وأى «١» ... وليس فى العهد بختّار
ولم يكن نزرا بكيّا ولا ... كان إذا قال بمهذار
والجود مطبوع عليه فما ... يمسك مالا خوف إقتار
سيّان فى الحق اذا ماعرا ... حالاه فى عسر وايسار
من لليتامى كان يعتادهم ... منه بإكرام وإيثار
والغارم المحتاج والمبتلى ... والضيف والمسكين والجار
كان لهم حصنا حصينا إذا ... سماؤهم ضنّت بإمطار
كم قد شرى لله من مرة ... نفسا رعاه الله من شاري
على سبيل الحق لا بدعة ... يزرى على محدثها الزاري
فمرة منها وتلك التي ... طارت لآفلق وأمصار
стр. 88
فى مشرب المصر وقد كاده ... قوم بإفساد وأضرار
ليصلح الماء على أهله ... من شرب نهر لا كأنهار
لما رأى الوفد وأدناهم ... أكبر ذاكم أى أكبار
وقام بالحقّ الذي قد رأى ... مقام جهر «١» غير إسرار
فى موطن ترجف منه الحشا ... مخافة من سوء جبار
ومرة أخرى وتلك التى ... خاطر فيها أي اخطار
فى ساكن البحرين إذ طولبوا ... بدمن منها وأوبار «٢»
فسار حتي حلّ فى دارهم ... أبناء حرب غير أغمار
فاستنقذ الله به سبيهم ... بحكم وال غير خوّار
وفى الذي أنفذ «٣» من حكمه ... إذ وضح الحق لمختار
على إمام سوطه سيفه ... ليس إذا همّ بنظّار
فلم يجد في الله من دونه ... بل أحكم الحكم بإمرار
كم من بريد لأبى مسلم ... جاء على الطّىّ بطومار
فى سبب لو تمّ أفضى الى ... داهية دهياء مذكار
فرده عزم امرىء حازم ... صلب القوى ليس بحوّار
ناه عن المنكر يبغى به الله ... وبالمعروف أمّار
وفى ولاة الخرج إذ عاندوا ... أعذر منهم أىّ إعذار
فأبدل «٤» الله به منهم ... أخيار عمال بأشرار
كان المرجّى لعدوّ إذا ... أبرّ والمدرك بالثار
انى وإن أكثرت فى ذكره ... يقلّ عما فيه إكبارى
стр. 89
فقولنا إذ نزلت هذه ... بحسن تسليم وإقرار
إنا الى الله وإنا له ... ربّ الأنام الخالق الباري
ورحمة الله ورضوانه ... على ابن عبد الله سوّار
قال أبو بكر: وهي قصيدة طويلة جئت بهذا منها، وزعموا أنه لم يرث قاض بأحسن منها.
وجدت بخط الكرانى، أنشدنى أبان لجده:
سعدتما ما بقيتما أبدا ... وتمّ في غبطة سرور كما
خبّرنى الباهليّ أنكما ... غاديتما بكرة صبو حكما
فارتاح قلبي إلى حديثكما ... لما استوى منكما اجتماعكما
إن كان شوقكما اليّ كما ... وصفت من صبوتي أتيتكما
وكتب اليهما مرة أخرى:
بعثت برقعتى شوقا اليكم ... فلم يك منكم رجل يجيب
فما زالت تسكّتنى سليمى ... ببيت قاله رجل لبيب
«فإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب»
وهذا يومنا لذّ فعيشوا ... بما أعطيتم منه وطيبوا
مختار شعر أبان من قصائده المزدوجات
قال في قصيدته التي نقل فيها كليلة ودمنة:
هذا كتاب كذب «١» ومحنه ... وهو الذي يدعى كليل «٢» دمنه
فيه دلالات «٣» وفيه رشد ... وهو كتاب وضعته الهند
стр. 90
فوصفوا آداب كلّ عالم ... حكاية عن ألسن البهائم
فالحكماء يعرفون فضله ... والسخفاء يشتهون هزله
وهو على ذاك يسير الحفظ ... لذّ على اللسان عند اللفظ
يا نفس لا تشاركي الجهالا ... في حب مذموم كأن قد زالا
يا نفس لا تشقى ولا تعنّى ... في طلب الدنيا ولا تمنّى
مالم ينله أحد إلا ندم ... اذا تولى ذاك عنه وسدم
دنياك بالأحباب والإخوان ... كثيرة الآلام والأحزان
وهي وإن نيل بها السرور ... آفاتها وغمّها كثير
يا نفس لا يحملك حبّ أهلك ... ولا أدانيك على أن تهلكى
في جمع ما يرضيهم فانه ... يضرب من أمثال ذاك الدّجنه
ينال قوم عرفها ونحترق ... رأي به يرضى أخو الرأى الحمق
وجدت ذا النسك الذى قد فكرا ... فزاده تفكيره توقرا
وقلّ لما رضى اهتمامه ... وتمّ من سروره تمامه
وترك الدنيا لمن يشقى بها ... ومن يقاسي الكد من أنصابها
فعندها نجا من الشرور ... ونال أقصى غاية السرور
ثم سخت عن كل فان نفسه ... فلقي السعد وغاب نحسه
وأبصر الثواب في القيامه ... فأمن الحسرة والندامه
ومثل الدنيا كبرق الخلّب ... من يغترر منه بسقى يكذب
وهو قياسا مثل نوم النائم ... تفرحه أضغاث حلم الحالم
حتى اذا استيقظ صار همّا ... ما كان في النوم به ألمّا
فكيف بالصبر على أيام ... عما قليل هنّ لانصرام
стр. 91
وكيف والدنيا بلاء كلها ... لا يأمن الآفات فيها أهلها
أشهد أنّ الله فرد واحد ... أقرّ أو أنكر ذاك جاحد
ليس له كفؤ ولا ند أحد ... لم يولد «١» الله ولا له ولد
وأننى بما عملت مرتهن ... ما كان منه من قبيح وحسن
من باب الأسد والثور:
وإنّ من كان دنىء النفس ... يرضى من الأرفع بالأخسّ
مثل الكلب الشقيّ البائس ... يفرح بالعظم العتيق اليابس
وان أهل الفضل لا يرضيهم ... شيء إذا ما كان لا يعنيهم
كالاسد الذى يصيد الأرنبا ... ثم [يري] الغير المجدّ هربا
فيرسل الأرنب من أظفاره ... ويتبع العير على إدباره
والكلب من رقته ترضيه ... بلقمة تقذفها في فيه
ومن يعش ما عاش غير خامل ... له سرور دائم ونائل
فهو وان كان قصير العمر ... أطول عمرا من حليف فقر
ومن يعش في وحشة وضيق ... وقلة المعروف في الصديق
فهو وإن عمّر طول دهره ... ليس بمغبوط بطول عمره
وقيل أيضا إنه قد ينبغى ... للرجل الفاضل فيما يبتغي
أن لا يرى إلا مع الأملاك ... أو يعبد الله مع النساك
كالفيل لا يصلح الا مركبا ... لملك أو راعيا مسيبا
قال له «٢» السبع لقد سمعت ... وكلّ ما تقول قد فهمت
стр. 92
لكنني لست أظنّ ما تظن ... بالثور من غش بلى ظنّي حسن
قال له دمنة: من ثم أتي ... وهذه من حاله هي التي
رفعته حتى تعدّى طوره ... وكان هذا لك منه شكره
وتلك أخلاق اللئيم الفاجر ... الكافر المغرور غير الشاكر
ما إن يزال ناصحا نفاعا ... حتى يرى من حاله ارتفاعا
فعندها يسمو الي ما فوقها ... إلى التى لا تستطيع أوقها
وربما كان هلاك الشجر ... فى حسن الغصن وطيب الثمر
وذنب الطاووس فهو زينه ... كذاك أحيانا وفيه حينه
وباذل النصح لمن لم يشكره ... كطارج فى سبخ ما يبذره
لا خير للعاقل فى ذى المنظر ... إن هو لم يحمده عند المخبر
وليس فى الصديق ذى الصفاء ... خير اذا لم يك ذا وفاء
الرجل العاقل من لا يسكره «١» ... كأس سموّ واقتدار ينظره
فالجبل الثابت فى أصوله ... لا تقدر الريح على تحويله
والناقص العقل الذى لا رأى «٢» له ... يطغي إذا ما نال أدنى منزله
مثل الحشيش أيما ريح جرت ... مالت به فأقبلت وأدبرت
الأهل والإخوان والأعوان ... عند ذوى الأموال حيث كانوا
والمال هادى الرأي والمروّه ... وهو على كل الأمور قوّه
والمال فيه العز والجمال ... والذلّ حيث لا يكون المال
وربما دعا الفقير فقره ... الى التي يحبط فيها أجره
فيخسر الدين كما كان خسر ... دنياه والخسران مالا ينجبر
стр. 93
وليس من شىء يكون مدحا ... لذى الغنى إلا يكون ترحاء
على الفقير ويكون ذما ... كذاك يدعى وبه يسمّى
فان يكن جدا يقولوا أهوج ... كذاك عند الحرب لا يعرج
وهو إذا كان جوادا سيدا ... سمّى للفقر مضيعا مفسدا
أو يك ذا حلم يقل ضعيف ... أويك بسّاما يقل سخيف
الرّجل العاقل فيما يسدى ... مغتبط لكسبه للحمد
لأنه باع قليلا فانيا ... واعتاض من ذاك كثيرا باقيا
فأغبط الناس الكثير نائله ... ومدرك النجح لديه سائله
فلا تعدّ ذا غنى غنيا ... حتى يكون ماجدا سريا
واعلم بأنّ الملك المشاورا ... ذا العقل فيما نابه المؤزّرا
فإنه يعضد بالتأييد ... يغنى به عن كثرة الجنود
والتابع الحازم أمرا يحزمه ... النصحاء غير أهل التهمه
يزداد حرمة بهم ورشدا ... زيادة البحر اذا ما مدّا
بما يصبّ فيه من أنهاره ... حتى يهيج الموج «١» من تياره
والموت من مات كريما صابرا ... خير من العيش ذليلا صاغرا
قال أبو بكر: والله ما أدرى لا ما اخترت ولا ما تركت، ولو علمت حقيقة هذه القصيدة ما ضمنت ما تضمنت، لأنها قصص لا يحسن بعضها الا ببعض، والإحسان فيها قليل؛ فقد أضربت عن ذكرها والاختيار منها، وفيما حكيناه مما ذكرناه منها غنى وكفاية
стр. 94
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى على بن محمد النوفلى قال: لما عمل أبان كتاب كليلة ودمنة شعرا في قصيدته المزدوجة أعطاه البرامكة على ذلك مالا عظيما، فقيل له بعد ذلك: ألا تعمل شعرا في الزهد؛ فعمل قصيدة مزدوجة فى الصيام والزكاة يوائم بها تلك، وقد وجدت هذه القصيدة وترجمتها:
[في الصيام والزكاة]
قصيدة الصيم والزكاة ... نقل أبان من فم الرواة
قال أبان بن عبد الحميد اللاحقي:
هذا كتاب الصوم وهو جامع ... لكل ما قامت به الشرائع
من ذلك المنزل في القرآن ... فضلا على من كان ذابيان
ومنه ما جاء عن النبيّ ... من عهده المتبع المرضىّ
صلى الإله وعليه سلما ... كما هدى الله به وعلما
وبعضه على اختلاف الناس ... من أثر ماض ومن قياس
والجامع الذى إليه صاروا ... رأي أبى يوسف مما اختاروا
قال أبو يوسف أما المفترض ... فرمضان صومه اذا عرض
والصوم في كفارة الأيمان ... من حيث ما يجري على اللّسان
ومعه الحجّ وفي الظهار ... الصّوم لا يدفع بالإنكار
وخطأ القتل وحلق المحرم ... لرأسه فيه الصيام فافهم
فرمضان شهره معروف ... وفرضه مفترض موصوف
والصوم فى الظّهار إن لم يقدر ... مظاهر يوما على محرّر
والقتل إن لم يك عمدا قتله ... فانّ ذاك فى الصيام مثله
شهران فى العدة كاملان ... متصلان، لا مفرّقان
стр. 95
والحنث فى رواية مقوله «١» ... ثلاثة أيامها موصوله
ومثلها في العدة الأيام ... للمحرم الحالق فى الإحرام
ثلاثة يصومها إن حلقا ... لا بأس إن تابعها أو فرّقا
والصوم فى المتعة ان لم يجد ... هديا وكان بالصيام يفتدي
صيام أيام مؤقّتات ... ثلاثة فى الحجّ مفروضات
وبعد ما يرجع صوم سبعه ... عشرة كاملة في المتعه
أما الثلاثة التي فى الحجّ ... فكان من أدركت من محتجّ
أو غيره ممن يرى أن يرويه ... يقول يوما قبل يوم الترويه
ويومها وصوم يوم عرفه ... مؤتلفات الصوم لا مختلفه
قالوا وإن أحبّ ان يفرّقا ... فذاك ما ليس عليه ضيّقا
إن كان ذاك الصوم منه بعد ما ... يكون في عمرته قد أحرما
ولو أراد الصوم فى شوّال ... من بعد أن يوجب بالهلال
عمرته لكان ذاك مجزيا ... بذاك يفتى من أنى مستفتيا
وهي طويلة جدا.
стр. 96
أخبار حمدان بن أبان بن عبد الحميد بن أبان ومختار من شعره
قال أبو بكر الصولي: حدّثنى محمد بن زياد، قال: كانت فى عبد الصمد ابن المعذّل عربدة إذا سكر، فعربد يوما فى مجلس فيه حمدان بن أبان بن عبد الحميد ابن أبان وكان أيّدا فقال لهم: كلوه اليّ وحدي وأخذه وكفّفه وجعله فى بيت وأغلق بابه، وقال: إذا أصبحتم فأطلقوه، وانصرف، فبلغه أن عبد الصمد حلف ليهجونه سنة، فقال حمدان يهجوه:
قل لعبد الصمد الأح ... مق لا يغضب عليّه
وعلى أمك فاغضب ... وأكوها في الهن «١» كيّه
أمك العفلاء جا ... ءتنى بسلمى ورقيه
وهي ساقت ليلة ... فاطمة أخرى إليه
فقضينا فيهم ال ... حق وقلبنا السويه «٢»
وقال يهجو [هـ] ويذكر جدته المعروفة بالزرقا .
لم تخل زرقاء من العيب ... فى ظاهر والموت «٣» فى غيب
جاء «٤» ببخراء صنانية ... فى حجرها بند من الشيب
فقلت: يازرقاء دلّست لى ... وأنت في منع وفى سيب
فسّاية قد خرّقت منخري ... بالفسو من كمّ ومن جيب
قالت: وهل تنكر إلا الذي ... لست أراه لى بالعيب؟
стр. 97
كذاك تلقى كلّ عبديّة ... لاتك من ذلك في ريب!
وروى محمد بن داود عن أبى العيناء، قال: حدّثنى أبو شبل البرجمي، قال:
أنشدنى حمدان بن أبان لنفسه يهجو وليدا الزامر، وكانت بنته حسنويه تحته:
يا ولد الزّامر ال ... زانى وابن الزانيبن
يا أيا قرة عي ... نىّ ويا سخنة عيني
أنت والله من الأختان شين غير زين ... قدّر الله لها من
ك ولى عاجل بين
وقال، وقد أنكر على امرأته شئ يخاطبها:
تعالي لا نلطّ ولا تلطّى ... ونكشف ما نريد ولا نغطي
على أنى أمطّ إذا افترقنا ... فشأنك عند فرقتنا فمطي
قال: وأهل البصرة ينشدون [هذين البيتين] له إلا المبرّد فانه ينشد [هما] لغيره:
يلاحظها طرفي فتومي بطرفها ... وتخبر عما في الضمير من الودّ
فان فطن الواشون صدّت وأعرضت ... وإن غفلوا قالت نزال «١» عن الود
وقال فى طلّ مغنية كانت لبعض الحول:
ياطلّ ما أبصرت أحلى ولا ... أملح من وجهك ياطلّ
لا سيما ساعة ودّعتنا ... والدمع من عينيك منهلّ
فقدت مولاك الذي وجهه ... ينضح فيه أبدا خلّ
стр. 98
وكان غضب على امرأته ثم ردّها فليم فى ذلك فقال:
إن تكن قرّة عينى ... أسقطت في الناس سقطه
أو تكن مرّت برهد «١» ... فلقد جاءت بغبطه
والنميري له كا ... نت على المنبر ضرطه
ثم قد أصبح ما ... بعد له «٢» صاحب شرطه
وقال يهجو مغنية:
فرجها دنّ «٣» بشوط ... وهى من خلف ضروط
فاذا واقعتها ... فهو خرّوط ضروط «٤»
وقال يهجو:
قد رأينا حسن سابا ... طك والدّار الطّويله
وعلمنا أنّ فيها ... كلّما تلفى القبيله
غير أنّ الجنّ لا ... تحسن في خبزك حيله
حدّثنى الصولى، قال: حدّثناعون، قال: مدح حمدان بن أبان بن عبد الحميد ابن أبان ابراهيم بن رباح فلم يثبه، وقال: لا أعطي والله زوج حسنوية العاهرة على مدحه ثوابا، فقال يهجوه:
يا ابن رباح أنت في صوره ... تورث من دبّ وخنزيره
ما زلت ترعى بين أعفاجها ... سلاح مخمور ومخموره
حتى بدا رأسك من فرجها ... يشبه قبحا رأس سنّوره
стр. 99
من قحبة قوّادة لم تزل ... معروفة بالسّحق مشهوره
كأنّ نبت الشعر حول استها ... درابزين حول مقصوره
وقال أيضا:
أنت يا عمران جعس «١» ... بعضه رطب ويابس
تضحك الناس وأنت ال ... دّهر من بعضك عابس
تدّعي أموال قارو ... ن وأنت الدهر سائس
أبدا تعلو وتعلى ... راجلا طورا وفارس
كيفما كنت فبئس ال ... شئ ملبوس ولابس
وقال أيضا:
وابأبى من زرتها ليلة ... وقد خلا من بيضه الشهر
فلم أزل أشرب من ريقها ... مالا يدانى طيبه الخمر
وقلت والليل لخطو المنى ... عشاوة يتبعها الفجر
تومي «٢» عن البدر وعن غرة ال ... شمس وأنت الشمس والبدر
وقال أيضا:
أحباب قلبى كم يكون القلى ... أمالكم عن ذاك إقصار
أنتظر القادم من برّكم ... وما لصوم الهجر إفطار
стр. 100
ما اخترناه من قصيدة حمدان بن ابان بن عبد الحميد بن أبان في وصف الحب وأهله وهى طويلة
ما بال أهل الأدب ... منا وأهل الكتب
قد وضعوا الآدابا ... وأتبعوا الكتابا
لكل فنّ دفتر ... منقّط محبّر
ففرّقت أجناسا ... وعلموها النّاسا
بالحيل الرفيقه ... والفطن الدقيقه
فأرشدوا الضّلالا ... وعلموا الجهالا
سوى المحبين فلم ... يرعوا لهم حقّ الذمم
في علم ما قد جهلوا ... وما به قد ابتلوا
قد غلقت رهونهم ... واستعبرت عيونهم
وحالفوا السّهادا ... وخالفوا الرّقادا
فليلهم طويل ... ونومهم قليل
أبدانهم نحيله ... متعبة عليله
نفوسهم حزينه ... مشعوفة رهينه
ظاهرة غمومهم ... باطنة كلومهم
باكية عيونهم ... قريحة جفونهم
إن ظلموا لم يظلموا ... وإن شكوا لم يرحموا
أحبابهم في لعب ... وفي دوام الطّرب
صافية ألوانهم ... ضاحكة أسنانهم
стр. 101
قد سكنوا القصورا ... وقارنوا السرورا
تفرغوا للهجر ... وللنوى والغدر
بعاشق يهواهم ... بالله ما أقساهم
وعدهم وعيد ... إقرارهم جحود
بؤسى لأهل العشق ... أهل الضنّى والرّقّ
ليس لهم وسيله ... ولا وجوه حيله
رأيت لما أخذلوا ... وفى هواهم وحلوا
أن أرشد المغفّلا ... الجاهل المضلّلا
إلى الطريق الواضح ... عند البلاء الفادح
وابتدي كتابا ... بالوصف بابا بابا «١»
يا أيها الناس فعبوا ... وصيتي واستمعوا
ففى صفاتى عجب ... وفي كتابى أدب
قصيدتي مقوّمه ... ألفاظها منظّمه
فيها هوى العشاق ... ومنية المشتاق
وصفت أهل العشق ... ولم أمل عن حقّي
فاسمع مقالا صادقا ... يا من يبيت عاشقا
للحبّ خلّتان ... هما هما اللتان
الصبر والرفق معا ... يوما إذا ما اجتمعا
فى عاشق مهجور ... مباعد مغرور
قضى قريبا وطرا ... وبلغاه الوطرا
стр. 102
ما الحسن والإحسان ... والملك والسلطان
ما حسن في العين ... أحسن من إلفين
بعدل وصف الإلف ... وكسره للطّرف
يوما إذا ما التقيا ... في مجلس فاشتفيا
مداومين للنظر ... قد أمنا كلّ حذر
يبادران الخلوه ... ويظهران الصّبوه
مساعدين اتفقا ... بانا ولم يفترقا
هواهما مخزون ... سرّهما مدفون
مداريين أصبحا ... للناس لم يفتضحا
من جرّب الحب عرف ... ما بين ملك وأسف «١»
لن يبلغ الصبّ المنى ... إلا بصبر وعنا
إن الهوى ضروب ... وأمره عجيب
وأهله أطوار ... فيه لهم أوطار
للعاقل الشريف ... والأحمق السخيف
فمنهم مرزوق ... محبب معشوق
على اضطراب الخلق ... منه وسوء الخلق
تقضى له الأوطار ... وتعمل الاشعار
مقرب ما يقصى ... مطاوع ما يعصى
ومنهم محروم ... محارف «٢» مشئوم
على جمال هيئته ... وحسنه وبهجته
стр. 103
ومنهم من يبتدي ... ينال عيشا رغدا
من غير سعي وطلب ... وغير كد ونصب
فجدّ ذاك الأسعد ... والبخت منه أجود
إذ فاز باللذّات ... وادرك الحاجات
ومنهم من يتعب ... في حبه ويدأب
أسقمه طول الهوى ... وشفه وجد الجوي
فذاك صبّ قد شقى ... بؤسى له ماذا لقى!
ومنهم البصير ... العاقل النحرير
يحتمل الهجرانا ... ويحمل الاحزانا
فلا يزال مبتلى ... حتى ينال أملا
ومنهم العميد ... الجاهل البليد
يحبّ بالتضجر ... والجهل والتكبر
يلقى الحبيب باهتا ... فلا يزال ساكتا
ومنهم من يهوي ... بالغيب ياتى عفوا
فيزرع الغموما ... مستجلب هموما
فذاك حبّ الغيب ... ليس به من عيب
من دونه حجاب ... ودونه أبواب
فما لذاك لبث ... وليس منه مكث
حتى يرى مقهورا ... في حبه محسورا
ومنهم جبّار ... في حبّه ازورار
يزهى إذا ماعشقا ... ورهنه قد غلقا
стр. 104
يلتزم اللجاجه ... فليس يبدي الحاجه
فذاك حبّ الفوت ... وفيه كرب الموت
ومنهم من للنظر ... يهوى ولم يعد البصر
إذا رأى خليله ... داوى به غليله
يكتم ما يقاسى ... من أعين الجلّاس
ومنهم من اقتصر ... على الحديث والنظر
غايته السّلام ... واللّحظ والكلام
مدافع عن حبّه ... يكتم وجد قلبه
ينفى الهوى وينكره ... وبالتبرّي يستره
فذاك حبّ العاقل ... حبّ أديب كامل
وبعضهم لا يقنعه ... الا عمود يودعه
قد طلب الحراما ... والتمس الآثاما
فذاك حبّ النّهم ... الماجن المغتلم
حقّ له الحرمان ... والمنع والخذلان
وبعضهم مذّاق ... معانت ملّاق
مستعمل للكذب ... وخرق فى الكتب
فذاك حبّ الزور ... يلسع كالزنبور
وبعضهم عميد ... غاية ما يريد
خلوة من يهواه ... في مشهد يلقاه
لحظته مسارقه ... مبيته معانقه
مكاتم لحبّه ... فى بعده وقربه
стр. 105
فذاك حبّ يكمد ... نيرانه لا تخمد
ومنهم من يهتف ... بالحبّ حين يشعف
إذا الحبيب ضدّا ... ولم ينله ودّا
تاه عليه وخرق ... وصدّ عنه وحمق
وقال في آخرها:
قد تمّ منى الوصف ... ولم يخنّى الرصف
وانقضت القصيدة ... محبوبة حميده
والحمد للرحمن ... ذي العزّ والسلطان
والذمّ للشيطان ... ذى الذّم والطّغيان
أخبار أبان بن حمدان بن أبان بن عبد الحميد بن أبان وشعره:
حدّثنى أبو بكر بن إسماعيل، قال: حدّثنا بكر بن محمد المازني، قال: كان حمدان بن أبان بن عبد الحميد موسرا سريا، وكان ابنه أبان بن حمدان بن أبان ظريفا ماجنا يدمن الشراب ويصحب الخلعاء، فقال له أبوه: يا بنى قد افتضحت [في] البلد بأفعالك هذه المشهورة، فلو غمضتها وسترت ما يظهر منها، واستعملت ذلك فى البساتين، كان أخفى وأستر، فلزم البساتين وترك دخول البصرة جملة، وأقام بناحية المعلى، فكتب أبوه حمدان يذكر شوقه اليه وشفقته عليه من البستان وحميّاته، فكتب اليه:
يا أبى لا ترث لي من غيبتى ... أنا في خير ولهو ودعه
صرت من حبس دنا مطلقا ... ومن الضيق إلى كل سعه
بيت خيش ونبيذ سائغ ... وحيال الباب منى مشرعه
стр. 106
ومعي في كل يوم مسمع ... حاذق يطربني أو مسمع
وندامى كمصابيح الدّجى ... كلّهم يأخذ كأسا مترعه
لا يبالى من لحافى شربها ... أبدا حتى يوارى «١» مصرعه
وسخول «٢» خمسة أو ستة ... فاذا قلّوا فعندى أربعه
وخواب هادرات هدرها ... ودساتيج «٣» ملأى مترعه
ومغنّ غرد يطربنى ... فإذا شئت تغنيت معه
قال: فكتب إليه أبوه حمدان: نشدتك الله يا بنى أن تدخل البصرة وهذه حالك فإن احتجت الينا لحقنا بك.
قال الصولى: فقلت لأبى ذكوان حين قرأت عليه هذا الخبر إن بعض أهل البصرة ينشد بعض هذه الأبيات لبعض أولاد العتبي، فقال لي ذاك شعر آخر فأنشدنيه «٤» وأبان هذا قليل الشعر جدا لا أعرف له إلا غزلا وجدته فى بعض كتب أهله فمنه ما قاله فى إلف نأى عنه:
غاب على حسن وصلنا الهجر ... فخان قلب المتيم الصبر
وانتظمت أسهم الفراق له ... جوانحا بين طيّها جسم
والبين مذ كان آفته ... ينقص عن دهر عمرها العمر
من لم يمت بين هجرة ونوى ... فما له في حياته عذر
ثم قدم غائبه هذا، فقال:
بنفسى من ولى وخلف لي الحزن ... ولم يتّرك للعين حظّا من الوسن
стр. 107
اذا [ما] أراد العاذلات ملامتى ... أتاهم بعذر واضح وجهه الحسن
فمن كان مسرورا بقرب لقائه ... فلا ذاق ما قد ذقت منه من الحزن
تقرب منّى من تمنيت قربه ... وتلك لعمرى نعمة مالها ثمن
فقرت بما أهوى وأعطانى الرّضا ... وقد كنت ذا وجد عليه بذا الزمن
شعر أبى شاكر عبد الله بن عبد الحميد بن لاحق
وانما أتساهل في اختيار أشعار هؤلاء لأنهم مقلون، فان لحق أشعارهم حقّ الاختيار قلت وذهبت.
قال الصولي: حدثنا محمد بن يزيد المبرّد، قال: كان عثمان بن رشد «١» العميري صالح الأدب مليح الشعر وكان سراة أهل البصرة يدعونه ويعاشرونه، فقال فيهم أبو شاكر عبد الله بن عبد الحميد:
ان عثمان الكدود «٢» بن رشد ... ذو ولايات على كلّ أحد
يملك الأكل عليهم قبل أن ... يأكل الملّاك في كل بلد
قد تولّى خبر الحضرة من ... قبل الله عليهم والرصد
يسرج الأشهب أعلى سحر ... ثمّ لا يخليه من ركض وكدّ
مرة عند جوين أو أبى ... حسن أيهما طعما أعدّ
فإذا استصعب إذن ساعة ... قال يا حارث «٣» ذا يوم نكد
عد إلى البيت الذي تعرفه ... وابتزل إذنك أن كان ركد
خبزنا أطيب من خبزهم ... وكذا الخمرة تطفو بالزّبد
مثل الثعلب والعنقود إذ ... قصرت عنه يداه حين مدّ
стр. 108
قال: مثل الخلّ دعه جانبا ... وهو كالسّكّر طيبا والشهد!
حدّثنى محمد بن الحسن البلعىّ قال: حدّثنى أبو حاتم سهل بن محمد، قال: كان أبو شاكر عبد الله بن عبد الحميد من فتيان البصرة وظرفائهم، وعمّر عمرا طويلا، وكان موسرا لا يعرف إلا الشرب والسماع، فشرب يوما عند قوم من بنى زهرة كان يعاشرهم، فدخل اليهم ابن مسعدة الذّارع في حاجة لأبيه، وكان أحسن من بالبصرة وجها، فأوصل رقعة وأخذ الجواب، وأراد الانصراف، فحلف أبو شاكر أنه إن لم يجلس انصرف، فسألوه ذلك، فقال: أردّ الجواب وأعود اليكم، فمضى ثم رجع فشرب وغنىّ، فقال أبو شاكر:
لهف نفسي على الغزال الغرير ... وعلى وجهه الجميل النضير
وعلى طبعه فداء له أه ... لى ومالي ومعشري وعشيري
ذاك بدع من خلق ربك لم ... يجعل له في جماله من نظير
أمه الشمس كان ألقحها ال ... بدر فجاءت بنور حسن لنور
ما برى الله مثله بشرا ... سبحان خلّاقه العليم القدير
يا خليلي لا صبر لي، عيل صب ... رى فأبديت ما يجنّ ضميرى
فأشر ما تراه بارك فيك الله ... من قائل لنا ومشير
إن قلبي أمسى أسير أمير ... ليس من رأيه فكاك الاسير
ملك المسعدىّ بالحسن رقيّ ... فأسى بى فمن عليه مجيرى!
جاء في أزرقية يتثنى ... غصن بان ولحظ خشف غرير
نحو شرب لا فحش فيهم ولكن ... حلماء ذوو عفاف وخير
أعملوا كأسهم فطابت بما طا ... ب لهم من معتّقات الخمور
ليس يدرون غير ماهات واشرب ... وحديث كاللؤلؤ المنثور
стр. 109
فأتاهم بدور فحيوه بالكأ ... س وفدّوه من صروف الدّهور
فتعالت به الشّمول فغنى ... أسعدينى بدمعك المنزور «١»
ثم ثنى والقوم قد طربوا من ... هـ قياما به لفضل السرور
هل عرفت الديار يا ابن أنيس ... دارس آيها كخطّ الزّبور
ثم نادي يا أرض سيرى فسارت ... طوع أمر يفوق أمر الأمير
يا خليلى قد كنت تزعم أنى ... ساحر اللفظ صائب التدبير
قد وربّى سحرت من قبل أن ... أسحر فاعجب لساحر مسحور!
قال أبو بكر: وعلىّ بن مسعدة هذا، يقال إنه أحسن من ولد بالبصرة، كان الناس يقصدونه ليروا وجهه وحسنه إلى أن شاخ، وفيه يقول أبو نواس:
رأيت الهلال بوجه الهلال ... علىّ بن مسعدة الذّارع
وأبو شاكر القائل في الزهري يمدحه وجدت هذه القصيدة في كتاب:
ألا يا مجلس الشرب ... على نهر أبى بكره
لدى القصر وعند الرو ... ض في الغبطة والنضره
وعند الواحد الماج ... د من خير بنى زهره
كريم الجدّ واري الزن ... د محض طيب العشره
ظللنا عنده في عي ... ش صدق ناضر الزهره
لدينا الراح والريحا ... ن في زق وفي ذكره «٢»
وعوّاد وطبّال ... تخيرناه عن خبره
وزمّار ونعّار ... عليم مطرب النعره
وألوان ملاه لس ... ت أحصيها من الكثره
стр. 110
وظبي ذو دلال غ ... نج في طرفه فتره
له من عنبر الهند ... على جبهته طرّه
وقدّ قد حكى الغصن ... ووجه لاح كالزهره
غزال جعل الدّرّ ... له من لفظه سحره
فما يلفظ إلّا س ... قطت من فمه درّه
يثنى ويغنى قل ... لعبد الله ياعرّه «١»
لقد صيرتنى لما ... نطقت الشعر بى شهره
فكم من نخرة قد ن ... خر الشّرب ومن نعره
ولّبوه كما لبى ... حليف الحجّ والعمره
وصرنا فيه صفّين ... تبارى زمرة زمره
فكنا يمنة نصف ... ونصف جالس يسره
وأمّرنا أميرين ... وكل جائز الإمره
فناديتهم صبرا ... قليلا تنجلى الغبره
إلى أن خان أصحابي ... وذاقوا سرعة الفتره
بنفسى أنتم كرّوا ... فإن الفتح فى الكرّه
فكرّوا بعد ما والله ... همّ القوم بالفرّه
وما زلت بهم حتى ... أتانا الله بالنّصره
وحتى جعل الله ... على أعدائنا الدّبره
أمير «٢» القوم قد دبّ ... ر أن يغلب بالكسره
رجا أمرا تمناه ... فأخطت استه الحفره
следующие страницы →