Полный текст (1 011 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمر من بقى من بنى العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن خليفة للعباسية
شعر عبد الله بن علّى بن عبد الله بن العبّاس وطرف من أخباره والسّبب الّذى ادّعى له الخلافة
حدّثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن صالح النطاح قال حدثنى أبو مسعود الكوفى؛ قال قال أبو العباس السفاح لعبد الله ابن على عمه إن قتلت مروان فلك الخلافة بعدى، فقتل مروان لأن صالح بن على كان من تحت يده.
حدّثنا محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن صالح قال حدثنى أبو قريش ريحان خادم أبى مسلم، وكان قد جاز المائة، قال قال أبو العباس. من يسير إلى مروان فهو ولى عهدى، فقال عبد الله بن على أنا.
وقد ذكرنا خبر خروجه وأمانه وموته فى أخبار المنصور حدّثنا محمد بن زكريا اللؤلؤى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك
стр. 947
عن الهيثم بن عدى، قال لما قتل عبد الله بن على بنى أمية قال:
الظّلم يصرع أهله ... والبغى مرتعه وخيم
ولقد يكون لك البعي ... د أخا ويقطعك الحميم
حدّثنا مشيح بن حاتم العكلى؛ قال أنشدنا يعقوب بن جعفر ابن عبد الله بن على لما قتل بنى أمية بنهر أبى فطرس
بنى أميّة قد أفنيت آخركم ... فكيف لى منكم بالأوّل الماضى
يطيّب النّفس أنّ النّار تجمعكم ... عوّضتم من لظاها شرّ معتاض
فنيتم لا أقال الله عثرتكم ... بليث غاب إلى الأعداء نهّاض
إن كان غيظى بفوت منكم فلقد ... رضيت فيكم بما ربّى به راضى
حدّثنا الغلابى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: قال حدثنا الهيثم ابن عدى قال: أشرف عبد الله وهو مستخف بالبصرة عند أخيه سليمان بن على؛ فرأى رجلا له جمال يجر أثوابه ويتبختر؛ فقيل من هذا؟ فقيل فلان الأموى، فقال يا أسفى، وإن فى طريقنا بعد منهم لوعثا، وقال لمولى له بحقى عليك إلا جئتنى برأسه؛ ثم أنشد قول سديف:
علام وفيم تترك عبد شمس ... لها فى كلّ راعية ثغاء
стр. 948
فما فى القبر فى حرّان منها ... ولو قتلت بأجمعها فداء
يعنى قبر ابراهيم بن محمد الامام، فمضى مولاه فأخبر سليمان بما قاله، فنهاه أن يقبل منه، فاعتل عليه بأنه فاته.
حدّثنا عون بن محمد الكندى، قال حدثنا إسحق الموصلى، قال حدثنا الحارث بن الليث مولى عبد الله بن على عن أبيه قال جعل عبد الله بن على ينظر إلى القتلى يوم الزاب، والتفت إلى أبى عون بن محمد بن صول وهما إلى جانبه فقال:
ولقد شفى نفسى وأذهب حزنها ... أخذى بثأرى من بنى مروان
ومن آل حرب ليت شيخى شاهد ... سفكى دماء بنى [أبى] سفيان «١»
حدّثنى أبو العيناء قال حدثنا الاصمعى؛ قال سمعت جعفر بن سليمان يقول لما قتل عبد الله بن على من قتل من بنى أمية بلغ ذلك إلى سليمان بن على؛ فقال ما كنت أحب لأخى أن يحتقب هذا الأمر ولقد وفى بما قال صغيرا، بقوله كان أبونا على بن عبد الله يقول له يا بنى إن تمكنت من بنى أمية ما تصنع بهم؟ فيقول أذبحهم، قال وقال عبد الله بن على لأبيه، يا أبت كل ولدك اثنان من أم وثلاثة غيرى؛ فانه لا أخ لى من أمى فأوص بى، قال فأوصى إلى سليمان ابن على به، وكان سليمان وصى على بن عبد الله، قال جعفر فكان
стр. 949
عبد الله لوصية على به أحب الى سليمان أبى من أخيه، صالح بن على وهو لأمه وأبيه.
حدّثنى عمرو بن تركى القاضى قال حدثنا القحذمى عن أبيه قال وفد على على بن عبد الله رجل من ولد الخطاب بن عبد مناف، فقال له إن الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل على بن عبد الله بقول يزيد بن الصعق الكلابى:
أواردة عليا عكاظ تصلّها ... فراس ولمّا فوقها الصّاع مهوعا
فقال له الرجل لئن مضى للجبلين أهله دما، قال فلما قتل عبد الله ابن على من قتل روى له هذا الخبر، فأنشد البيت الذى تمثل به أبوه فقال عبد الله بنحو ذلك:
وردنا دماء من أميّة عذبة ... وكلنا لها فى القتل بالصّاع أصوعا
وما فى كثير منهم لقتيلنا ... وفاء ولكن كيف بالثّأر أجمعا
إذا أنت لم تقدر على الشّرّ كلّه ... وأعطيت بعضا فليكن لك مقنعا
رعينا نفوسا منهم بسيوفنا ... وصاح بهم داعى الفناء فأسمعا
قضينا بهم دينا وزدنا عليهم ... كما زاد بعد القرض من قد تطوّعا
وكان لهم من باطل الملك عارض ... فلمّا علته الشّمس حقّا تقشّعا
فليت علىّ الخير شاهد أسهم ... أصابتهم لم يبق فى القوس منزعا
стр. 950
حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة، قال حدثنى أبى قال لما دخل أبو مسلم الكوفة أمر أن يكون إلى جانبه رجل تعرفه الناس، فجاءوه برجل فلفيه عبد الله بن شبرمة الضبى. فسلم عليه ودعا له فأقبل عليه لجلالته وفصاحته، فقال له الرجل هذا ابن شبرمة الضبى، قال فزوى وجهه عنه ففطن ابن شبرمة لذلك، وقال قلت فى نفسى ذكر والله يوم الجمل، فقلت أيها الأمير إنى من ضبة الكوفة ولست من ضبة البصرة، وقد كانت مع أمير المؤمنين على ﵇ يوم الجمل تفاتل ضبة البصرة، قال فأقبل علىّ وقال كن معنا فسايرته الى أن نزل وأمرنى فنزلت، فدخلت معه بيتا فيه سيف ومصحف، فقال يا ابن شبرمة إن هذا «يريد المصحف» يأمرنى بهذا «يريد السيف» فقلت قد علم الأمير أن هذا ينهاه عن هذا إلا فى حقه، قال صدقت، ثم كتب كتابا الى عبد الله بن على يحضه فيه على صلة الرحم وجمع الألفة والبيعة لابن أخيه المنصور، ويرغبه ويرهبه، فلما فرغ منه قال لى انظر فيه فنظرت فاذا هو لم يبق غاية، فقال زد فيه شيئا يا ابن شبرمة، قال فلم أر للزيادة وجها الا أن يكون شعرا فقلت:
قل لأخى مكاشرة وضغن ... سعرت الحرب بين بنى أبيكا
فأورثت الضّغائن من بنيهم ... بنى أبنائهم وبنى بنيكا
стр. 951
ولو طاوعتنى وقبلت رأيى ... لسرت لهم بسيرة أوّليكا
وأقررت الخلافة حيث حلّت ... ولم تعرض لملك بنى أخيكا
كأنّك قد أصابك سهم غرب ... وغادرك العداة وأسلموكا
فقرأه فاستحسنه، وأنفذ الكتاب، فعاد الجواب من عبد الله ابن على:
ذرينى وما جرّت علىّ يد الدّهر ... فما يصعب الأمر المهول على جرّ
يرى الموت لا ينحاش عنه تكرّما ... وصبرا وان كان القيام على الجمر
حفاظا لما قد ورّثتنا جدودنا ... وصبرا وما للمرء خير من الصّبر
بذلك أوصانا الكرام ولم نزل ... على تلك نمضى لا نضجّ من الدّهر
قال أبو بكر والابيات للحصين بن الحمام المزنى «١» حدّثنا الحسين ابن اسماعيل قال حدثنا على بن عبد الله السلمى، قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الحميد بن فضالة بدمشق قال أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، قال حدثنا عتبة بن حماد الحكمى أبو خليد القارى، قال حدثنا عبد الرحمن الاوزاعى، قال بعث الى عبد الله بن على وأعظمنى ذلك واشتد على فأقدمت وأدخلت عليه والناس قيام سماطين بين يديه فى أيديهم المكافر كوبات. فأدنانى ثم قال لى يا عبد الرحمن ما تقول فى
стр. 952
مخرجنا هذا؟ فقلت أصلح الله الامير قد كانت بينى وبين أخيك داود مودة فأعفنى، قال لتخبرنى، فقلت لأصدقنه واستبسلت للموت، فقلت حدّثنى يحيى بن سعيد الانصارى عن محمد بن ابراهيم عن علقمة بن وقاص سمع عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول «إنّما الأعمال بالنّيّات ولكلّ امرىء مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه» قال وفى يده قضيب ينكث به الارض، فقال يا عبد الرحمن ما تقول فى قتلنا أهل هذا البيت من بنى أمية؟ فقلت كما قلت قال لتخبرنى فقلت حدّثنى محمد بن مروان عن مطرف بن الشّخّير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه لا يحلّ قتل المسلم إلّا باحدى ثلاث البارىء لدينه أو رجل قتل نفسا فيقتل بها أو رجل زنى بعد إحصان» قال ثم أطرق هويا، ثم قال أخبرنى عن الخلافة أهى وصيه من رسول الله صلى الله عليه؟ فورد على مثل ما ورد ثم قلت لأصدقنه. فقلت لو كانت وصية من النبى صلى الله عليه لكم ما ترك على ﵇ أحدا يتقدمه، ثم سكت سكتة وقال ما تقول فى أموال بنى أمية؟
فاستعفيت فقال لتخبرنى فقلت إن كانت لهم حلالا فهى عليكم حرام، وإن كانت لهم حراما فهى عليكم حرام، قال ثم أمرنى فأخرجت.
стр. 953
حدّثنا أبو ذكوان قال حدثنا ابن؟؟ عائشة قال قالت امرأة من نساء بنى أمية لعبد الله بن على قتلت من أهلى وذويهم اثنى عشر ألفا فيهم ألفا لحية خضيبة، فقال عبد الله
تكبّر عندى القتل وهو صغير ... على مأرب والدّائرات تدور
وقالت قتلت الأهل فى كلّ بلدة ... وأنت بعفو لو تشاء جدير
فقلت وهل فيكم لعفوى موضع ... ولى منكم بعد القناة ثؤور
لئن دنت الأنساب منّا ومنكم ... لقد باعدتها بالعراق قبور
فلا تنكروا أن يؤخذ الحقّ منكم ... فما فى قصاص المسلمين نكير
وإن تك يمنانا أصابت يسارنا ... بجرح فما جرح اليمين يضير
وقد كنتم فى الشّرك تحذون حذونا ... وكلّ إلى أقصى المساء يسير
فلمّا أتى الاسلام أظلم فخركم ... ولاح لنا بدر الفخار ينير
ولو شئتم ما غاب عنكم ضياؤه ... ولكن أباه غادر وكفور
حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنى عبد الله بن أبى الخطاب عن أبيه قال لما دخلت ابنة مروان بن محمد على عبد الله بن على حين قتل مروان فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال لست به، فقالت السلام عليك أيها الامير، قال وعليك السلام
стр. 954
قالت ليسعنا عدلكم، قال إذن لا يبقى على الارض منكم أحد لأنكم حاربتم عليا ﵇ ودفعتم حقه ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين بن على ﵇، و [قطعتم] رأسه، وقتلتم زيد بن على وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثلتم به، و [لعنتم] على ابن أبى طالب ﵇ على منابركم، وضربتم على بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم الامام ابراهيم فى حبسكم، فعدلنا ألا نبقى منكم أحدا، فقالت فليسعنا عفوكم قال أما هذا بنعم، ثم أمر برد أموالها عليها ثم قال عبد الله بن على:
سننتم علينا القتل لا تنكرونه ... فذوقوا كما ذقنا على سالف الدّهر
حدّثنا الحسين بن فهم ومحمد بن موسى ومحمد بن سعيد قالوا حدثنا محمد بن صالح النطاح أبو عبد الله قال وجه عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى صالح بن على، فنظر اليه وتحول، فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال صالح بن على «لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان فى فى هر لكفانا ذلك!» حدّثنا الغلابى قال حدثنا العتبى قال لما أتى عبد الله بن على موت السفاح ادعى الخلافة، وجعل يقول ذاك ولا يخطب به ولا يشهره حتى دخل البعلبكى المؤذن، فاستأذن وسلم بالخلافة عليه، فخطب الناس ولم يجد بدا من أن يشهر أمره، وكان البعلبكى معه قبل أن يصير مع المنصور، ومدحته الشعراء بالخلافة فقال رؤبة:
стр. 955
يا أيّها القائل قولا أجنفا ... سفاهة من قوله وسرفا
ما قام عبد الله إلّا آنفا ... خوفا على الاسلام أن يستضعفا
وأن يرام نقضه فيتلفا ... ومن صلاح النّاس أن يستخلفا
عمّ بعهد ابن أخ تلحّفا ... أشجع من ليث عرين أغضفا
وقال رؤبة أيضا
إنّ لعبد الله عندى أثرا ... ونعما جزاؤها أن تشكرا
أبهى الرّجال منظرا ومخبرا ... قدّمه الله فما تأخّرا
حدّثنى الحارث بن أبى أسامة قال حدثنا يحيى بن زكريا مولى على بن عبد الله قال لما قتل عبد الله بن على من بنى أمية قال عبد الله ابن عمر بن عبد الله بن على العبلى والعبلات من بنى عبد شمس «١»
تقول أمامة لمّا رأت ... شخوصى عن المنزل المنفس
وقلّة نومى على مضجعى ... لدى هجعة الأعين النّعّس
فقال فيها
أفاض المدامع قتلى كدا ... وقتلى بكثوة لم ترمس «٢»
стр. 956
وقتلى بوج وباللّابتي ... ن من يثرب خير ما أنفس»
وبالزّابيين نفوس ثوت ... وقتلى بنهر أبى فطرس
أولئك قوم أناخت بهم ... نوائب من زمن متعس «٢»
فزلّت حياتى لمن رامها ... وأنزلت الرّغم بالمعطس
فبلغ قوله هذا عبد الله بن على، فقال عبد الله بن على:
شفى النّفس لو أنّها تشتفى ... دماء بنهر أبى فطرس
وقتلى كدى حين أرديتهم ... بكثوة والواضح الأملس
وقتلى بوجّ من الظّالمين ... إلى النّار مارت ولم ترمس
فمن كان قتلهم ساخطا ... يعضّ من الرّغم بالمعطس
حدّثنا أبو الحسن مشيح بن حاتم العكلى، قال حدثنا يعقوب ابن جعفر بن سليمان الهاشمى، قال لما كتب جدى سليمان بن على وسائر إخوته الامان لأخيهم عبد الله بن على على المنصور، قال لهم هذا الأمان لازم إذا وقعت عينى عليه، فلما أدخل داره عدل به ولم يره المنصور، فحبس فكتب من الحبس إلى إخوته: هذه حيلة
стр. 957
جرت على بكم ومنكم فاحتالوا لى فيها، قال وأنشدنى من شعره فى حبسه ذلك:
نقض العهد خائس بالامان ... مستحلّ محارم الرّحمن
سلبتنا الوفاء والحلم طوعا ... فاعتلينا به بنو مروان
ليتنى كنت فيهم حسب العي ... ش طليقا أجرّ حبل الأمانى
كلّ عتب تعيرنيه اللّيالى ... فبسيفى جنيته ولسانى
حدّثنا محمد بن الفضل قال حدثنا عمرو بن شبة قال حدثنى محمد ابن يحيى قال حدثنى عبد الله بن يحيى بن على عن عبد الله بن الحسين ابن الفرات قال رحت عشية من قرية بطريق مكة مع عبد الله وحسن ابنى حسن بن حسن فضمنا المسير وداود وعيسى وعبد الله ابن على بن عباس قال فسار عبد الله وعيسى ابنا على أمام القوم فقال داود لعبد الله بن حسن لم لا يظهر محمد أبو ذاك قبل ملك بنى العباس؟ فقال عبد الله لم يأت الوقت الذى يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنهم الذين يظهر عليهم «١» قتلا ذريعا، قال فسمع عبد الله بن على الحديث، فالتفت إلى عبد الله بن حسن، فقال [يا] أبا محمد:
سيكفيك الجعالة مستميت ... خفيف الحاذ من فتيان جرم
стр. 958
أنا والله الذى أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، وولد عبد الله بن على فى آخر ذى الحجة سنة اثنتين ومائة، وتوفى سنة تسع وأربعين ومائة.
شعر أبى موسى عيسى بن موسى بن محمّد بن علىّ بن عبد الله وطرف أخباره
حدّثنى مشيح بن حاتم العكلى قال حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال ذكر عيسى بن موسى بين يدى أبى جعفر بن سليمان فقال ذاك شيخ الدولة وسيد الاهل، وكان أبوه موسى بن محمد غزا مع أبيه محمد فى غزاة ذى الشامة المعيطى، فتوفى فقدم محمد ذا الشامة ليصلى عليه فأبى وقال أنت أحق بذلك، فقدمه فصلى عليه [وبقى] ذو الشامة على قبره حتى دفن، وكان يجىء إلى أبيه، وهو مريض فيسأله عنه، فشكر ذلك السفاح وسائر ولد أبيه، فلم ينالوا لما جاءت دولتهم معيطيا بمكروه.
ويروى أنه دست إلى عيسى بن موسى شربة لما امتنع من البيعة للمهدى فأفلت منها بعد أن تناثر شعره، فقال فى ذلك يحيى بن زياد ابن أبى جراية البرجمى:
أفلت من شربة الطّبيب كما ... أفلت ظبى الصّريم من قتره
стр. 959
من قابض يقبض العريض إذا ... ركّب سهم الحتوف فى وتره
دافع عنه العظيم قدرته ... صولة ليث يزيد فى خمره
حتّى أتانا ونار شربته ... تعرف فى سمعه وفى بصره
أزعر قد طار عن مفارقه ... وحف أثيت النّبات من شعره
حدّثنى الغلابى قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال دخل أبو نخيلة على المنصور فأنشده أرجوزة منها:
قل للأمير الواحد الموحّد ... إنّ الّذى ولّاك ربّ المسجد
خلافة تبلغ أقصى المسند ... فيكم على رغم أنوف الحسّد
ليس ولىّ عهدها بالأرشد ... وهى على جوز وبعد مقصد
مهّد لها قصد السّبيل تهتدى ... عيسى فرحّلها إلى محمّد
حتّى تكون من يد إلى يد ... فقد رضينا بالهمام الأمرد
وقد عقدنا غير أن لم نشهد ... وغير أنّ العقد لم يؤكّد
فوصله المنصور وكتب له بمال إلى الرى فخرج وأخذه حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى قال حدثنى أبى عن محمد ابن قيس الاشعثى، قال لما قال أبو نخيلة ما قال: ليس ولى عهدها بالأرشد؛
стр. 960
قال عيسى بن موسى وما يدرى العبد، فوالله ما أتيت غياقط! ثم قال يعرض بالمنصور:
وما آمر بالسّوء إلّا كفاعل ... وما سامع الّا كآخر قائل
ثم أمر بأبى نخيلة من رمى به فى بئر، فتظلم أهله إلى المنصور فقال ما أعرف حقيقة دعواكم، ولو عرفتها ما كنت مقيدا شيخ بنى هاشم بعبد بنى حيان، فيئسوا وانصرفوا، وكان عيسى بن موسى إذا حج حج معه قوم يتعرضون لمعروفه وصدقاته وصلاته، وكان جوادا تقيا، فقال أبو الشدائد الفزارى:
عصابة إن حجّ عيسى حجّوا ... وإن أقام بالعراق دجّوا
قد نالهم نائله فلجّوا «١» ... والقوم عندى حجّهم معوّج
ما هكذا كان يكون الحجّ
فقيل له يا أبا الشدائد أتهجو الحاج؟ فقال:
إنّى وربّ الكعبة المبنيّه ... والله ما هجوت من ذى نيّه
ولا امرء ذا رعة تقيّه ... لكنّنى أبقى على البقيّه «٢»
من عصبة أغلوا على الرّعيّه ... أسعار ذى مشرى وذى عطيّه
стр. 961
حدّثنا المغيرة بن محمد المهلبى قال حدثنا محمد بن عبد الله العتبى قال حدثنا أبى قال سمعت محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن يخطب الناس بالمدينة، فقرأ فى خطبته طسم تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم مّا كانوا يحذرون ويومىء إلى ناحية المنصور، قال وإذا صوت من ناحية يسمع ولا يرى قائله:
أتتك الرّواحل والملجما ... ت بعيسى بن موسى فلا تعجل
قلت أنا وهذا الشعر لابن هرمة ومنه:
وقال لى النّاس إنّ الحياء ... أتاك مع الملك المقبل
فدونكها يا ابن ساقى الحجيج ... فانّى بها عنك لم أبخل
لقول الوصىّ وأنت ابنه ... وصىّ نبىّ الهدى المرسل
وولى داود بن عيسى المدينة ومكة، فأقام بمكة فكتب اليه يحيى بن مسكين:
ألا قل لداود ذى المكرما ... ت والعدل فى بلد المصطفى
أقمت بمكّة مستوطنا ... فهاجر كهجرة من قد مضى
وأما موسى بن عيسى فيكنى أبا عيسى فأخذ ولد أبيه وأمه ابراهيم ابن محمد الامام وولى المدينة الرشيد والكوفة وسوادها للمهدى
стр. 962
وموسى والرشيد وولى المدينة للرشيد وأرمينية ومصر. وكان ابنه احمد بن موسى بن عيسى بن موسى سيدا وولى اليمامة للرشيد «١» .
حدّثنا محمد بن زكريا قال حدثنا عبد الله بن الضحاك قال حدثنا الهيثم، قال لما ألح المنصور على عيسى بن موسى بن محمد أن يخلع نفسه من الخلافة، ويقدم المهدى عليه ويكون بعده قال عيسى بن موسى:
خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهما ... إمّا صغار وإمّا فتنة عمم
وقد هممت مرارا أن أساقبهم ... كأس المنيّة لولا الله والرّحم
ولو فعلت لزالت عنهم نعم ... بكفر أمثالها تستنزل النّقم
حدّثنا عمرو بن تركى قال حدثنا القحذمى قال أنشد أبو نخيلة المنصور:
دونك عبد الله أهل ذاكا ... خلافة الله الّتى أعطاكا
بها حباك وبها أصطفاكا ... فقد تنظّرنا لها أباكا
ثمّ انتظرناك لها إيّاكا ... فنحن نستذرى إلى ذراكا
ارم إلى محمّد عصاكا ... واضرب بمن والاك من عاداكا
فابنك مااسترعيته كفاكا ... أيشبه الأبعد من داناكا
стр. 963
ما تستوى فى فضلها يداكا ... وإنّما تخطّ فى هواكا
فجرّد الرّأى لمن عراكا ... ثمّ اعصب الأقرب من رضاكا
فما يريد النّاس غير ذاكا «١»
وجعل المنصور يضحك وأبو نخيلة ينشده، فأمر له بمائة ألف درهم كتب له بها إلى الرى، فقال له عقال بن شبة: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، فان تم ما أردت لتغتبطن، وإلا فاطلب فى الارض، فقال له أبو نخيلة.
كيف التّخلّص من شبا أنيابها ... علقت معالقها وصرّ الجندب
فلما أقبل من الرى وجه إليه عيسى بن موسى ببعض مواليه فقتلوه وسلخوا وجهه حتى لا يعرف، وقالوا له هذا أوان صر الجندب، فقال لقد كان جندبا على مشئوما، وهرب غلمان أبى نخيلة بالمال.
ومن شعر عيسى بن موسى
وحدباء لو أطلقتها من عقالها ... تضايق عنها الأفق والأفق واسع
ولكنّنى يعتادنى من حميّتى ... حذار شباب تمنطيه الوقائع
وخوفى أحداثا متى ما أنل بها ... أقف موقف الحيران والنّقع ساطع
стр. 964
فأبق على ما بيننا من قرابة ... وراجع فخير المذنبين المراجع
فانّك إن ولّيت ذمّة بيننا ... خلافا تولّتك السّيوف القواطع
حدّثنا القاضى عمرو بن تركى قال حدثنا القحذمى قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه فى البيعة للمهدى كتابا غليظا جوابا لكتاب المنصور اليه:
«فهمت كتاب أمير المؤمنين، المزيل عنه نعم الله، والمعرضه لسخطه بما قرب فيه من القطيعة ونقض الميثاق، أوجب ما كان الشكر لله عليه، وألزم ما كان الوفاء له، فأعقب سبوغ النعم كفرا وأتبع الوفاء بالحق غدرا، وأمن الله أن يجعل ما مذمن بسطته إحسانا، وتمكينه إياه استدراجا، وكفى الله من الظالم منتصرا، والمظلوم ناصرا، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبى وإليه المصير.
ولقد انتهت أمور يا أمير المؤمنين لو قعدت عنك فيها فضلا عن ترك معونتك عليها لقام بك القاعد، ولطال عليك القصير، ولقد كنت واجدا فيها بغيتى، وآمنا معها نكث بيعتى، فلزمت لك طريقة الوفاء إلى أن أوردتك شريعة الرخاء، وما أنا بآيس من انتقام الله ورفع حلمه وكتب بعد ذلك:
بدت لى أمارات من الغدر سمتها ... أظنّ وإيّاها ستمطركم دما
وما يعلم العالى متى هبطاته ... وإن سار فى ريح الغرور مسلّما
стр. 965
أتهضمنى حقّا تراه مؤخّرا ... لحكم إلهى حين صرت مقدّما
سننت انتقاض العهد فاصبر لمثله ... بنقضك من عهدى الّذى كان أبرما»
حدّثنا عمرو بن تركى القاضى قال حدثنا القحذمى، قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه فى الخلع، وطرح عليه من أهل خراسان من هدده بالقتل:
«لو سامنى غيرك ما سمتنى، لا ستنصرتك عليه، ولا ستشفعت بك اليه، حتى تقر الحرم مقره، وتنزل الوفاء منزلته، ونحن أول دولة يستن بعملنا فيها، وينظر إلى ما اخترناه منها، وقد استعنت بك على قوم لا يعرفون الحق معرفتك ولا يلحظون العواقب لحظك، فكن لى عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائك عن صلة الرحم، وقطع الظلم إن شاء الله» «فأجابه المنصور» لولا أنك تسام النزول عن حق لك، وواجب فى يديك لزال الضرع اليك، والتحمل عليك. ولولا أنى أخاف أن تسبق أيدى هذه العصبة من أهل الدولة اليك، لما كلفتك شاقا ولا حملتك مكروها، ولكنى عندك بالنصح لك والاشفاق عليك فى جنبة من لا يرضى منك إلا بارادته، ولا يستمهل أيامك لسرعته، وما الذى أسمو بك اليه بدون الذى يستنزلونك عنه، والله يوفقك ويحسن الاختيار لك»
стр. 966
فلما قرأ عيسى كتابه قال:
فررت اليك من محن اللّيالى ... فسلّطت الخطوب بما شجانى
فكنت كمن شكا رمضاء حرّ ... تلذّع بالّتى تحت الدّخان
تعجّل نصرتى وتحرّ حقّى ... ومن يرضى المغيّب بالعيان
ولم ير مثلك الرّامون طرفا ... يكلّف ظالعا سبق الرّهان
إذا ما كنت للغاوين كهفا ... تعينهم فللت شبا لسانى
ولو أنّى تطاوعنى أناتى ... وتسعدنى على رفض الهوان
لما عطف الزّمان عليك ودّى ... ولم ألجأ اليك من الزّمان
محوت بما أتيت تبوت حقّى ... وما تمحو سوى آى القران
ولو طاوعت فيك مقال غاو ... لنلت مطالع النّجم اليمانى
وأسلمت الخطاب إلى بليد ... يجادل عنك منقطع البيان
ولكنّي صبرت النّفس أرجو ... دنّوا من بعيد غير دان
يكون من استجارك من ملّم ... كمحول على طرف اللّسان «١»
يبيت مقلقلا يطوى حشاه ... على همم بعدن من الأمانى «٢»
стр. 967
ستبعد بين أهلك غير شكّ ... كما بعد الوهاد من الرّعان «١»
حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى قال حدثنا أبى، قال كان عيسى بن موسى أصدق الناس لأبى مسلم على المنصور قال عيسى بن موسى:
أبا مسلم إن كنت عاصى أمرنا ... وباغينا سوء فلست بمسلم
سيفنيك ما أفنى القرون الّتى خلت ... وما حلّ فى أكناف عاد وجرهم
وما كان أنأى منك عزّا ومفخرا ... وأنهض بالجيش الهمام العرمرم
فبلغ الشعر أبا مسلم فلما قدم عاتب عليه عيسى بن موسى فجحده وقال لقد نسبه قائله إلى.
حدّثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن الحارث قال لما استوت الخلافة للمهدى قال لعيسى بن موسى قبل أن يتم له سنة إنك أجبت عمك على تقديمى، وأنا أحب أن أخرجك عن هذا الامر وأجعله لابنى، فان عصيتنى استحققت ما يستحقه العاصى القاطع وإن أطعتنى فما تبلغ منيتك ما أنويه لك، قال افعل ما تحب، وخلع نفسه فأمر له المهدى بعشرين الف الف درهم وأقطعه قطائع كثيرة، وأقطع ولده.
стр. 968
حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن اسحق النفرى قال حدثنا صالح بن اسحق [قال كان] عيسى بن موسى من أجل بنى هاشم عقلا، امتنع من أن يخلع نفسه جهده ثم لما رأى الخلع حزما بادر اليه، وله فى ذلك كلام مأثور وأشعار حسان وأنشد له:
أشكو إلى من يعلم الشّكوى ... ويسمع الأسرار والنّجوى
ومن به آمل دفع الّذى ... كنت له من قبل أن أهوى
صار إلى [ما] كنت أرثى له ... وأرتجيه أعظم البلوى
يضربنى سيفى ويرمى العدى ... نحرى بسهم لى ما أشوى
قد نقض العهد امرؤ ما له ... ميل إلى الحقّ ولا دعوى
يولى يمينا أنّه ناصح ... والنّصح منه أبدا دعوى
حدّثنا أحمد بن محمد بن اسحق قال حدثنى هارون بن محمد بن اسحق بن عيسى بن موسى قال حدثنى ابى على «١» عن ابراهيم بن موسى قال كتب أبو جعفر المنصور إلى عيسى بن موسى كتابا يحثه فيه على خلع نفسه وتقديم المهدى عليه، فكتب اليه عيسى:
بسم الله الرّحمن الرّحيم (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)
وقال عز وجل
стр. 969
(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)
قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهمته وأنعمت بالنظر اليه كما أمر وتنحرته، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدنى لينقصنى، ويقربنى ليبعدنى، وما أجهل ما لى فى رضاه من الحظ الجزيل، والاثر الخطير، ولكنه سامنى ما تشح به الانفس وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده ما دام له حظ فيه.
وقد علم أمير المؤمنين انه يريد هذا الامر لابنه لا له، وهو صائر [إلى ما سيصير] اليه اشغل ما يكون، وأحوج الى حسنة قدمها، وسيئة اجتنبها ولا صلة فى معصية الله، ولا قطيعة ما كانت فى ذات الله «١»
стр. 970
[بقية أخبار عيسى بن موسى
قال صاحب الاغانى: وعيسى ممن ولد ونشأ بالحميمة من أرض الشام، وكان من فحول أهله. وشجعانهم وذوى النجدة والرأى والبأس والسؤدد منهم، وقبل أن أذكر أخباره فانى أبدأ بالرواية فى أن الشعر له «٢» إذ كان الشعر ليس من شأنه، ولعل منكرا أن ينكر ذلك إذا قرأه.
أخبرنى حبيب بن نصر المهلبى وعمى قالا حدثنا عبد الله بن أبى سعد، ورأيت هذا الخبر بعد ذلك فى بعض كتب ابن أبى سعد فقابلت به ما روياه فوجدته موافقا.
قال ابن أبى سعد حدّثنى على بن الصباح، قال حدثنى أبو عبد الله محمد بن اسحاق بن عيسى بن موسى، قال لما خلع أبو جعفر عيسى ابن موسى وبويع للمهدى قال عيسى بن موسى:
خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهما ... إمّا صغار وإمّا فتنة عمم
وقد هممت مرارا أن أساقيهم ... كأس المنيّة لولا الله والرّحم
стр. 971
ولو فعلت لزالت عنهم نعم ... بكفر أمثالها تستنزل النّقم
على هذه الرواية فى الشعر روى من ذكرت؛ وعلى ما صدر من الخلاف فى الالفاظ يغنّى أنشدنى طاهر بن عبد الله الهاشمى، قال أنشدنى بريهة المنصورى هذه الابيات، وحكى ان ناقدا خادم عيسى كان واقفا بين يديه ليلة أتاه خبر المنصور، ومادره عليه من الخلع، قال فجعل يتململ على فراشه ويهمهم ثم جلس فأنشد هذه الابيات؛ فعلمت أنه كان يهمهم بها وسألت الله ان يلهمه المزاء والصبر على ما جرى شفقة عليه.
قال ابن ابى سعد فى الخبر الذى قدمت ذكره عنهم وحدّثنى محمد بن يوسف الهاشمى، قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحيم قال حدثتنى كلثم بنت عيسى قالت قال موسى بن محمد ابن على بن عبد الله بن العباس رأيت كانى دخلت بستانا، فلم آخذ منه إلا عنقودا واحدا عليه من الحب المتراصف ما الله به عليم، فولد لى عيسى بن موسى ثم ولد لعيسى من قد رأيت.
قال ابن ابى سعد فى خبره هذا:
وحدّثنى على بن سليمان الهاشمى قال حدثنى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن مالك مولى عيسى قال حدثنى أبى قال كنا مع عيسى لما سكن الحيرة وأرسل إلى ليلة من الليالى فأخرجنى من
стр. 972
منزلى، فجئت اليه فاذا هو جالس على كرسى، فقال لى يا عبد الرحمن لقد سمعت الليلة فى دارى شيئا ما دخل سمعى قط إلا ليلة بالحميمة والليلة، فانظر ما هو، فدخلت استقرى الصوت فوجدته فى المطبخ، فاذا الطباخون قد اجتمعوا وعندهم رجل من الحيرة يغنيهم بالعود، فكسرت العود وأخرجت الرجل وعدت اليه فأخبرته فحلف لى أنه ما سمعه قط إلا تلك الليلة بالحميمة وليلته هذه.
أخبار أبى العبر ونسبه
هو ابو العباس بن محمد بن أحمد ويلقب حمدونا الحامض بن عبد الله بن عبد الصمد بن على بن عبد الله بن العباس المستوى «١» فى أول عمره منذ أيام الامين، وهو غلام إلى أن ولى المتوكل الخلافة، فترك الجد وعدل الى الحمق والشهرة به، وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام والبحترى وأبا السمط بن أبى حفصة، ونظراءهم.
حدّثنى عمى عبد العزيز بن حمدون قال سمعت الحامض يذكر أن أبنه أبا العبر ولد بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد، قال وعمر إلى خلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان فى عصره بالجد ونفق نفاقا عظيما، وكسب فى أيام المتوكل مالا جليلا،
стр. 973
وله فيه أشعار حميدة يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة، كثيرة المحال، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت فى الناس «١» وحدّثنى محمد بن الازهر، قال حدثنى الزبير بن بكار، قال قال عمى ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به، وفضح عشيرته، والله إنه لعر بنى آدم جميعا، فضلا عن أهله والادنين «٢» أفلا يردعه ويمنعه من سوء اختياره؟ فقلت إنه ليس بجاهل كما تعتقد، وإنما يتجاهل، وإن له لأدبا صالحا، وشعرا طيبا، ثم أنشدته [له] :
لا أقول الله يظلمنى ... كيف أشكو غير متّهم
وإذا مالدّهر ضعضعنى ... لم تجدنى كافر النّعم
قنعت نفسى بما رزقت ... وتناهت فى العلا هممى
ليس لى مال سوى كرمى ... وبه أمنى من العدم
فقال لى ويحك، فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له والله يا عم لو رأيت ما يصل اليه بهذه الحماقات لعذرته، فان ما استملحت «٣» له
стр. 974
لم ينفق، فقال عمى وقد غضب أنا لا أعذره فى هذا ولو حاز به الدنيا بأسرها، لا عذرنى الله إن عذرته إذن.
وحدّثنى مدرك بن محمد الشيبانى قال حدثنى ابو العميس الصيمرى قال قلت لأبى العبر ونحن فى دار المتوكل، ويحك إيش يحملك على هذا السخف الذى قد ملأت به الارض خطبا وشعرا وأنت أديب ظريف مليح الشعر؟
فقال يا كشخان أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟ وأيضا أتتكلم؟
تركت العلم وصنعت فى الرقاعة نيفا وثلاثين كتابا؟
أحب أن تخبرنى لو نفق العقل أكنت تقدم على البحترى، وقد قال فى الخليفة بالامس:
عن أىّ ثغر تبتسم ... وبأىّ طرف تحتكم
فلما خرجت أنت عليه وقلت:
فى أىّ سلح ترتطم ... وبأىّ كفّ تلتطم
أدخلت رأسك فى الرّحم ... وعلمت أنّك تنهزم
فأعطيت الجائزة وحرم، وقربت وأبعد. فى حر أمك وحر أم كل عاقل معك. فتركته وانصرفت.
قال مدرك: ثم قال لى أبو الغبر قد بلغنى أنك تقول الشعر فان قدرت أن تقوله جيدا جيدا، وإلا فليكن باردا باردا مثل شعر
стр. 975
ابى العبر، وإياك والفاتر فانه صفع كله.
حدّثنى جعفر بن محمد بن قدامة، قال حدثنى ابو العيناء قال انشدت ابا العبر
ما الحبّ إلّا قبلة ... وغمز كفّ وعضد
أو كتب فيها رقى ... أنفذ من نفث العقد
من لم يكن ذا حبّه ... فانّما يبغى الولد
ما الحبّ إلّا هكذا ... إن نكح الحبّ فسد
فقال لى كذب المأبون وأكل من خراى رطلين وربعا بالميزان فقد أخطأ واساء ألا قال كما قلت
باض الحبّ فى قلبى ... فواويلى إذا فرّخ
وما ينفعنى حبّى ... إذا لم أكنس البربخ
وإن لم يطرح الأص ... لع خرجيه على المطبخ
ثم قال كيف ترى؟ قلت عجبا من العجب قال ظننت أنك تقول لا فأبل يدى وأرفعها «١» ثم سكت فبادرت وانصرفت خوفا من شره حدّثنى عبد العزيز بن احمد عم أبى قال كان ابو العبر يجلس بسر من رأى فى مجلس يجتمع عليه فيه المجان يكتبون عنه، فكان
стр. 976
يجلس على سلم وبين يديه بلاعة فيها ماء وحمأة وقد سد مجراها وبين يديه قصبة طويلة وعلى رأسه خف وفى رجليه قلنسيتان ومستمليه فى جوف بئر وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع ويصيح مستمليه من جوف البئر من يكتب عذبك الله، ثم يملى عليهم، فأن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاعة إن كان وضيعا، وإن كان ذا مروة رشش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس فى الكنيف إلى أن ينفض المجلس ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين قال وكانت كنيته أبا العباس فصيرها أبا العبر ثم كان يزيد فيها فى كل سنة حرفا حتى مات، وهى أبو العبر طرد طيل طليرى بك بك بك «١» حدّثنى جحظة قال رأيت أبا العبر بسر من رأى وكان أبوه شيخا صالحا، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه لم هجرت ابنك؟ قال فضحنى كما تعلمون بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك حتى يهجننى ويؤذينى ويضحك الناس منى، فقالوا له أى شىء من ذاك وبماذا هجنك؟ قال اجتاز على منذ أيام ومعه سلم فقلت له ولاى شىء هذا معك؟ فقال لا أقول لك فأخجلنى وأضحك بى كل من كان عندى،
стр. 977
فلما أن كان بعد ايام اجتاز بى ومعه سمكة، فقلت له إيش تعمل بهذه؟ فقال انيكها فحلفت لا أكلمه أبدا أخبرنى عمى عبد الله قال سمعت رجلا سأل ابا العبر عن هذه المحالات التى يتكلم «١» بها أى شىء أصلها قال أبكر فأجلس على الجسر ومعى دواة ودرج فأكتب كل شىء أسمعه من كلام الذاهب والجائى والملاحين والمكارين حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضا وألصقه مخالفا فيجىء منه كلام ليس فى الدنيا احمق منه اخبرنى عمى قال رايت ابا العبر واقفا على بعض آجام سر من رأى وبيده اليسرى قوس جلاهق، وعلى يديه اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رئة فى حبل مشدود بأنشوطة وهو عريان فى ايره شعر مفتول مشدود فيه شص؟؟ قد القاه فى الماء للسمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له خرب بيتك إيش هذا العمل؟ فقال اصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحى؛ إذ امر بى طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريبا منى أرسلت اليه الباشق، والرئة التى على رأسى يجىء الحدأ ليأخذها فيقع فى الوهق، والدوشاب أصطاد به الذباب، وأجعله فى الشص فيطلبه السمك ويقع فيه. والشص فى ايرى فاذا مرت به السمكة أحسست بها فأخرجتها قال وكان المتوكل يرمى به فى المنجنيق الى الماء وعليه قميص
стр. 978
حرير فأذا علا فى الهواء صاح الطريق الطريق، ثم يقع فى الماء فتخرجه السباح قال وكان المتوكل يجلسه على الزلاقة فينحدر فيها حتى يقع فى البركة ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ففى ذلك يقول فى بعض حمقاته
ويأمر بى الملك ... فيطرحنى فى البرك
ويصطادنى بالشّبك ... كأنّى من السّمك
وحدّثنى جعفر بن قدامة قال قدم ابو العبر بغداد فى أيام المستعين وجلس للناس فبعث إسحق بن ابراهيم فأخذه وحبسه فصاح فى الحبس «لى نصيحة» فاخرج ودعا به اسحق فقال هات نصيحتك قال على ان تؤمننى قال نعم، فقال الكشكية لا تطيب إلا بالكشك. فضحك اسحق وقال هو فيما أرى مجنون فقال لا «هو امتخط حوت» قال ايش هو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله «١» وتبسم ثم قال اظن انى فيك مأثوم، قال لا ولكنك فى ماء بصل فقال اخرجوه عنى إلى لعنة الله ولا يقيم ببغداد فأرده إلى الحبس، فعاد الى سرمن رأى، وله اشعار ملاح فى الجد منها ما أنشدنيه الاخفش له
стр. 979
يخاطب غلاما أمرد
ايها الأمرد المولع بالهج ... ر أفق ما كذا سبيل الرّشاد
فكأنّى بحسن وجهك قد ألب ... س فى عارضيك ثوب حداد
وكأنّى بعاشقيك وقد بدّ ... لت فيهم من خلطة ببعاد
حين تنبو العيون عنك كما ين ... قبض السّمع عن حديث معاد
فاغتنم قبل أن تصير إلى كا ... ن وتضحى فى جملة الأضداد
أخبرنى الحسن بن على قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنى أحمد بن على الانبارى قال كنا فى مجلس يزيد بن محمد المهلبى بسر من رأى فجرى ذكر ابى العبر فجعلوا يذكرون حماقاته وسقوطه فقلت ليزيد كيف كان عندك. فقد رأيته؟ فقال ما كان الا أديبا فاضلا ولكنه رأى الحماقة أنفق وانفع له فتحامق، فقلت له انشدك أبياتا له أنشدنيها فانظر لو أراد دعبل فأنه أهجى أهل زماننا أن يقول فى معناها ما قدر على أن يزيد على ما قال، قال أنشدنيها فأنشدته قوله
رأيت من العجائب قاضيين ... هما أحدوثة فى الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين فذّا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
هما فأل الزّمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
وتحسب منهما من هزّ رأسا ... لينظر فى مواريث ودين
стр. 980
كأنّك قد جعلت عليه دنا ... فتحت بزاله من فرد عين
فجعل يضحك من قوله ويعجب منه ثم كتب الابيات اخبرنى الحسن قال حدّثنا محمد بن مهرويه قال حدثنى ابن أبى أحمد قال قال لى أبو العبر إذا حدثك إنسان بحديث لا تشتهى أن تسمعه فاشتغل عنه بنتف ابطك، حتى يكون هو فى عمل وانت فى عمل وقال محمد بن داود حدّثنى أبو عبد الله الداودى قال كان أبو العبر شديد البغض لعلى بن أبى طالب صلوات الله عليه وله فى العلويين هجاء قبيح.
وكان سبب ميتته أنه خرج الى الكوفة ليرمى بالبندق مع الرماة من أهلها فى آجامهم، فسمعه بعض الكوفيين يقول فى على صلوات الله عليه قولا قبيحا استحل به دمه فقتله فى بعض الآجام وغرقه فيها.
ومن شعره]
إن يكن للعيون فى وجهك العي ... ش فانّ القلوب تكوى بجمر
يا قليل النّظير مستطرف الشّ ... كل بديع الجمال مغرى بهجرى
كفّ عنّى الصّدود يا واحد الحس ... ن فقد عيل من صدودك صبرى
وهو القائل
إلهى إنّ بى فقرا اليه ... وأنت ولىّ إشفاقى عليه
стр. 981
فان لم تقض لى فيه بصبر ... يسلّينى فدعنى فى يديه
وحدّثنى أخوه و] «١» يعرف بسعوط وكان جارنا فى شارع عبد الصمد لأخيه:
هوى [دفين] وهوى بادى ... اظلم فجازيك بمرصاد «٢»
يا واحد [الأمّة فى] حسنه ... أسرفث فى هجرى وإبعادى «٣»
قد كدت [ممّا نال] منّى الهوى ... أخفى على أعين عوّادى
عبدك يحيى بأخذه قبلة ... يجعلها خاتمة الزّاد «٤»
حدّثنا أحمد بن محمد الاسدى قال حدثنى أبو العبر أنه كان يهوى غلاما فكان يتيه عليه فى محبته فقال له:
أفبى تتيه وقد علا ... ك الشّعر فى خدّ فحل
وخرجت من حدّ الظّبا ... ء وصرت فى حدّ الابل
стр. 982
أصبحت تطلب وصلنا ... عد للعداوة بالخجل
حدّثنا أحمد بن محمد قال قدم علينا ابو العبر من سر من رأى فسألته عن اخباره فقال إن محمد بن عبد الملك قد قصدنى وحبس كتبا بأرزاقى فدخلت عليه فأنشدته:
قم فاسقنى يا محمّد ... من سكيرىّ مبرّد
ولا تفنّد عليها ... فليس مثلى يفنّد
وهذا آخر ما وجد بالأصل الشمسى المنقول عن نسخة مكتبة شهيد على بالأستانة
стр. 983
فهارس الكتاب
١- فهرس الأعلام
٢- فهرس الأماكن والبقاع
٣- فهرس التّراجم
стр. 984
فهرس الأعلام
آدم ﵇ ٢١ و ٣٢٤
ابراهيم بن اسحاق ٣٤
ابراهيم بن اسماعيل الكاتب (نطاحة) ٥٦
ابراهيم الامام- ابراهيم بن محمد ابراهيم بن الحسن بن سهل ٢٠
ابراهيم بن شاهين ٥٣، ٨٥
ابراهيم بن عبيد الله ١٠٤
ابراهيم بن على بن هشام ٢٣ و ٣٠
ابراهيم بن محمد الامام ٨٨ و ٢٨٩ و ٢٩٩ و ٣٠٥ و ٣١٢
ابراهيم بن عبد الله بن المهدى- أبو اسحاق: ١٧ و ١٨ و ٢٠- ٢٨ و ٣٠- ٣٥ و ٣٨ و ٤٥- ٤٧ و ٤٩ و ٥٢ و ٥٣ و ٥٥، ٨٣ و ٨٩ و ٩٠
ابراهيم بن موسى ٣١٩
ابليس ١٣٢ و ١٩٤
أحمد (رسول الله) ١١١ و ١٥٧ و ١٥٩ و ١٨٥
آل أحمد (رسول الله) ١١٨
أحمد (خال ابراهيم بن المهدى) ١٧
أحمد (معشوق ابن المعتز) ١٨٥ و ١٩٤ و ٢٣٠
أحمد بن ابراهيم بن المهدى ٤٤
أحمد بن الحارث ٣١٨
أحمد بن الحسين الهاشمى- أبو عبد الله ٧٠
أحمد بن الرشيد- ابو عيسى بن الرشيد ٥٦ و ٨٣ و ٨٨ و ٩٤
احمد بن زهير ١٥
стр. 985
أحمد بن سعيد الدمشقى ١٠٧
أحمد بن سيف- أبو الجهم ٦٣
أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن على- حمدونا، الحامض ٣٢٣
احمد بن أبى العلاء ١٤٣
احمد بن على ٦
احمد بن على الانبارى ٣٣٠
احمد بن عمران النسائى ١٣
احمد بن أبى فنن ١٠٧
أحمد بن المتوكل- ابن فتيان ١٠٤
احمد بن محمد بن اسحاق الطالقانى- أبوبكر ١٣ و ١٦ و ٥٥ و ٦٠ و ٧٠ و ٣١٩
احمد بن محمد الاسدى- ابو الحسن ١١ و ٦١ و ١٠٦ و ٣٣١ و ٣٣٢
احمد بن موسى بن بغا ١٣٧
احمد بن موسى بن عيسى بن موسى ٣١٣
احمد بن يحيى- ابو العباس (ثعلب) ١٠٧ و ١١٣ و ١١٤
أحمد بن يحيى بن جابر: ١٦ و ١٧
أحمد بن يزيد بن محمد- ابو جعفر المهلبى ٢٠ و ٣٠ و ٤٥ و ٥٠ و ٥١ و ٥٧ و ٥٨ و ٦٠ و ٦١ و ٨٢ و ٩٢ و ١٠٥
احمد بن يوسف الكاتب ٣٠ و ٣٤
الاحوص ٣١
الاخطل ٩٣ و ١١٤
ادريس بن ادريس ١١٧
اردشير ١٤٤
اسحق؟ ١٧ و ٥٣
اسحاق بن ابراهيم الموصلى ٤ و ٢٣ و ٢٥ و ٣٠ و ٣٢ و ٣٢٩
اسحاق بن سليمان بن المنصور- أبو يعقوب ٣٤
اسحق بن عبد الله الحمرانى ٣
следующие страницы →