← Адаб

Адаб · id 10538

البرصان والعرجان والعميان والحولان

الجاحظ

Полный текст (633 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم الطبعة الثانية هذه هى الطبعة الثانية من كتاب «البرصان والعرجان» لشيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. وكان من المأمول في الطبعة الأولى أن أراقب طبعها وإخراجها وصنع فهارسها. ولكن شاء القدر ألا أراها إلا بعد أن ظهرت لى من وراء الغيب مطبوعة مفهرسة بيد غيرى في سلسلة منشورات وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية. وهو أمر لم أصنعه ولم أعهده من قبل في جميع ما ظهر من كتبي المؤلفة أو المحققة. وقد ترتب على هذه الغربة التى طوّح فيها الكتاب أن تكثر أخطاء الطبع ويسوء الإخراج، ويشيع الخطأ والنقص كذلك في الفهارس التى أعدّها من صميم الأمانة في التحقيق. ومع إيماني بأن الذين قاموا بإخراج الطبعة الأولى قد بذلوا كثيرا من الجهد في تصحيح تجارب الطبع وأنا لم آذن لهم به، إنّى أرانى قد طويت النفس على أسى عميق وأسف بالغ، وانتظرت على مضض منّى حتى تتاح لي فرصة إعادة الطبع. وإني لسعيد اليوم إذ أتيح لي أن أخرج الطبعة الثانية التي باشرتها بنفسي كلمة كلمة وحرفا بحرف، وقمت بصنع فهارسها على الوجه الذي أرتضيه. وعسى أن أكون قد وفقت فيما صنعت، وأنقذت هذا الكتاب الذي أعتز به وبإخراجه ليكون في ثوبه المرتضى، ونصابه الموثق المحقق.

стр. 2

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه أنبت. عبد السلام محمد هارون مصر الجديدة في ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م.

стр. 3

[مقدمة المؤلف] بسم الله الرّحمن الرّحيم كان ذلك منذ أكثر من عشرين عاما، حينما التقيت بالمغفور له الأستاذ العلامة حسن حسني عبد الوهاب التونسي الصمادحي (١٣٠١- ١٣٨٨ هـ- ١٨٨٤- ١٩٦٨ م) وذلك في دار المعارف بالقاهرة، وجرى ذكر هذا الكتاب فوعدني بصورة منه، وحالت ظروفه دون إنجاز ما وعد. وفي أثناء عملي بجامعة الكويت في سنة ١٩٦٨ زارني في مكتبي المغفور له العلامة خير الدين الزركلي (١٣١٠- ١٣٩٦ هـ- ١٨٩٣- ١٩٧٦) وجرى الحديث بيننا في شأن الكتاب، فأخبرني أنه يمتلك صورة مصغرة منه (ميكرو فيلم) وأنه يعتزم إهدائي هذه النسخة لأقوم بتحقيقها ونشرها. وما إن رجع إلى مقره في بيروت حتى أوفد فاضلا من أقربائه حاملا هذه الهدية الثمينة، فبادرت بتكبيرها، وعكفت على النظر فيها إلى أن تحين فرصة تحقيقها ونشرها. وكنت بين الفينة والأخرى أراجع بعض نصوصها، وأحاول فتح أغلاقها، وهي النسخة الوحيدة المعروفة في العالم كله، التى تقيم الآن في مدينة «بزو» في مكتبة الزاوية العباسية بالمغرب الأقصى. ومنها نسخة مصورة في الخزانة العامة للكتب بمدينة الرباط برقم ٨٧. ومنذ عامين (في أوائل ديسمبر ١٩٧٩) تفضل المسئولون عن الثقافة في العراق الشقيق، بمكاتبتي لإعداد كتاب البخلاء للجاحظ ليكون هدية المهرجان في الاحتفال بالجاحظ رائدا للفكر العربى الموسوعي، في

стр. 4

غضون الأسبوع الأول من تشرين سنة ١٩٨٠ وذلك بناء على نبأ يقول: إننى قد عثرت على نسخة مخطوطة منه لم يرها أحد من قبل، وإننى عاكف على تحقيقها. فكتبت إليهم معتذرا بأن هذا الخبر محرف، وإنني «لم أعثر إلى الآن على مخطوطة جديدة للبخلاء، وأتمنى أن أعثر عليها، وإنما أعكف الآن على إكمال تحقيق كتاب البرصان والعرجان للجاحظ من نسخته الوحيدة في العالم كله، التى صدرت عنها طبعة مشوهة تشويها مبنيا على نقص الخبرة بقراءة المخطوطات، وعدم التمرس الكامل بأسلوب الجاحظ» . وذلك أن نسخة الكتاب، وطبيعة تأليفه، وندرة نصوصه، كل أولئك يلقي فوق كاهل الناظر فيه ما ينوء بحمله. وأشهد لقد كان مستوى الجهد الذي بذلته في تحقيق كل ما أخرجت من كتب شيخنا أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، أهون بكثير من هذا الجهد الجهيد الذي بذلته في تجلية كتابنا هذا، وذلك لما يطوي بين ثناياه من إشارات، وما يقتضى من تفسير وتوضيح ضنّ الجاحظ نفسه به على هذا الكتاب، الذي يقول فيه وفي أمثاله: «وأنا أعلم أن عامّة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا يفسر هذا الغريب. ولكني إن تكلفت ذلك ضعف مقدار كل كتاب منه. وإذا طال جدا ثقل. فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء [١] » . ومن ثمّ كان إكبابي على إعداد نسختي هذه من البرصان ملتمسا عون الله وكان من المترقّب أن تظهر هذه النسخة في الأسبوع الأول من تشرين

стр. 5

الثاني سنة ١٩٨٠. ولكن الظروف التى طرأت من بعد حالت بين الكتاب ورؤية النور، ثم كان للكتاب أن يظهر في هذا الوقت الذي قدّره الله، وله الحمد والثناء. اسم الكتاب: العنوان الذي أبقاه الدهر على صدر الورقة الأولى من المخطوطة بخط يخالف خط صلب الكتاب هو: «كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان» . كما أن الثابت في نهاية المخطوطة بخط الناسخ الأصيل للكتاب: «تم كتاب البرصان والعميان والعرجان والحولان» . ولكنا نجد في كتاب البيان والتبين [١] الذي ألفه الجاحظ بعد كتابنا هذا، ما صورته: «احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصيّ، منذ ذكرنا العصا وتصرفها في المنافع. والذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان» . وكذلك نجد في مقدمة كتابنا هذا القول [٢] : «وقد خفت أن تكون مسألتك إياي كتابا في تسمية العرجان والبرصان والعميان والصمان والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، وزهدتك فيه» .

стр. 6

ويقول بعد ذلك بقليل [١] : «وسألتنى أن أبدأ بذكر البرصان، وأثنّي بذكر العرجان» . فإذا خرجنا من أجواء الكتاب نلتمس تسمية له، لا نكاد نجدها إلا في مواضع يسيرة، تتمثل فيما ذكره ياقوت في معجم الأدباء [٢] : «كتاب العرجان والبرصان» فقط، بتقديم العرجان على البرصان، وهي التسمية التى اقتبسها السندوبي في كتابه: «أدب الجاحظ» [٣] ونقلها عنه بروكلمان في كتابه: «تاريخ الأدب العربي» [٤] . ومنها بغية الوعاة للسيوطي، تذكر له «كتاب العرجان والبرصان والقرعان» . والذي يبدو أن الجاحظ لم يستقر على وضع ثابت في تسمية الكتاب، فقد بدأ كتابه بالكلام على البرصان من ص ١٣- ٧٠ من المخطوطة، ثم ثنّى بالكلام على العرجان من ص ٣٠- ١٣٠ من المخطوطة. كما يبدو أنه أفرد كتابا للعميان والحولان، إذ نجده يقول في كتابنا هذا: «وقد ذكرنا شأن عمرو بن هداب والذي حضرنا من مناقبه في «كتاب العميان» ، فذلك لم نذكره هنا» . والملحوظ أيضا أن الجاحظ في كتابنا هذا لم يعقد بابا أو فصلا

стр. 7

للعميان ولا الحولان ولا الصّمّان، وإن كان قد أورد أخبارا يسيرة ونتفا ضئيلة في ثنايا الكتاب لا تمثّل الجدّية ولا القصد المباشر [١] . لهذا كله آثرت بداعي التّصوّن أن أستبقي عنوان الكتاب كما ورد على ظاهره، وكما سطر في آخره، وإن كانت شهرة الكتاب قديما تحتفظ بكتاب «البرصان» أو «كتاب العرجان» . ولعل أقدم المؤلفات التي أشارت إلى كتابنا هذا هو كتاب (طبقات الشعراء لابن المعتز) الذي ألف كتابه قبل سنة ٢٨٠ أى بعد وفاة الجاحظ بربع قرن تقريبا، إذ نجد فيه هذا النص، في ترجمة أبى الخطاب البهدلي [٢] : «وأشعار أبي الخطاب كثيرة جيدة، وهو أحد العرجان، ذكره الجاحظ في كتابه» . ويأتي بعده أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري (٣٥٠- ٤٢٩) اقتبس منه في ص ١٠٤ من كتابه «ثمار القلوب» عند الكلام على «سعد المطر» . وهو نص مسهب [٣] . كما روى عنه في ص ٢٤١ عند الكلام على «راحة صباغ» ، وأنشد

стр. 8

الأبيات اليائية الأربعة التي أولها: وصفت بجهدى وجه حفص وخلقه ... فما قلت فيه واحدا من ثمانية [١] ويأتى من بعدهما المرتضى المتوفى سنة ٤٣٦ الذي نظر في كتاب البرصان وأشار إليه في موضعين من أماليه في الجزء الأول: الموضع الأول في ص ١٦٨ يقول في الكلام على بشر بن المعتمر: «وذكر الجاحظ أنه كان أبرص» [٢] . والموضع الثانى في ص ٣٠٣ عند الكلام على ذي الإصبع العدواني: «وذكر الجاحظ أنه كان أثرم» ، وروي عنه: لا يبعدن عهد الشباب ولا ... لذّاته ونباته النّضر [٣] فإذا ارتقينا إلى القرن الثامن الهجري وجدنا الحافظ مغلطاي بن قليج (٦٨٦- ٧٦٢) في حواشي نسخته من معجم الشعراء للمرزباني، يروي عن كتاب البرصان نقولا ثلاثة، كما نبه على ذلك المستشرق الألماني «فرتيس كرنكو» أو «سالم الكرنكوي» كما كان يؤثر هذه التسمية: أولها في حواشي ص ٢٧٩: «قال الجاحظ في كتاب البرصان [٤] » : «أبو طالب أول هاشمي في الأرض ولده هاشميان [٥] » . والثاني في حواشي ص ٣٦٠: «قال الجاحظ في كتاب البرصان تأليفه: ومن البرص الأشراف، والرؤساء المتوّجين مالك ذو الرّقيبة. وهو

стр. 9

الذي غصب الزهدمين» [١] . والثالث في حواشي ص ٣٩٥: «معاوية بن حزن بن موءلة، عرف بالمخجّل، على الكناية من البياض والبرص، قال يفخر ببياضه فيما ذكر الجاحظ في كتاب البرصان: يا مىّ لا تستنكري حويلي ... ووضحا أوفى على خصيلي [٢] فإذا كان القرن التاسع وجدنا الحافظ بن حجر العسقلاني (٧٧٣- ٨٥٢) يذكر كتاب البرصان في قوله: «وقع للشيخ مغلطاي في شرح البخاري في أول كتاب التيمم نسبة قصة الأسلع هذا إلى الجاحظ في كتاب البرصان» [٣] وهذا النص المشار إليه يقع في نهاية ترجمة الأسلع العرجي من كتاب الإصابة. لمن ألف الجاحظ هذا الكتاب؟ يذكر التاريخ أن الجاحظ سمى كثيرا من كتبه لكثير من الولاة والكتّاب والقضاة، وأنه أهدى (كتاب الزرع والنخل) إلى إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب، و (كتاب الحيوان) إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، كما أهدى إليه (كتاب الأخلاق المحمودة والمزمومة) و (كتاب الجد والهزل) أيضا. وأنه أهدى كتاب (البيان والتبيّن) إلى القاضي أحمد بن أبى دواد، كما أهدى إليه (كتاب الفتيا) . وأهدى إلى ولده القاضى محمد بن أحمد بن أبي دواد (كتاب المعاش والمعاد) ،

стр. 10

ورسالته في (نفي التشبيه) ، ورسالته في (النابتة) . وكذلك أهدى (كتاب مناقب الترك) إلى الفتح بن خاقان وزير المتوكل. وأهدى (كتاب فصل ما بين العداوة والحسد) إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل ثم المعتمد. ووجّه (كتاب التربيع والتدوير) إلى أحمد بن عبد الوهاب الكاتب. و (كتاب مدح النبيذ وصفة أصحابه) إلى الحسن بن وهب الكاتب. وأهدى (رسالة المودة والخلطة) إلى الكاتب أبي الفرج محمد بن نجاح بن سلمة. وهكذا نجد أن معظم كتبه ورسله ورسائله مهداة إلى من عرف التاريخ أسماءهم. ولكن كتابنا هذا لم نقف على من ألف الجاحظ له هذا الكتاب، ورسم له منهجه، وحمله على تأليفه. وعسى الأيام أن يظهرن فيما بعد اسم من حمل الجاحظ على أن يقوم بصنع هذا الكتاب.. منهج الكتاب: الكتاب كما يبدو مفصّل الأبواب، واضح التقسيم والتبويب، ولكننا لا نجد فيه قولا شافيا في جانب العميان والحولان، طبق ما هو مثبت في عنوانه المدوّن على وجهه، على حين نجد إضافات مسهبة للكتاب في ذكر عاهات لم ينص عليها في العنوان، كالحدب، والوقص، والأدران، والمفاليج، والأشجّين، ومن أصابته اللّقوة واعوجاج الوجه، وذوي الأعضاء المرغوب عنها لشبهها بالحيوان، ومن سقي بطنه، ومن قتلته الصواعق والرياح، وصغار الرءوس وكبارها، والكلام في الأعناق، والصّلع والقرع وذوي الجمم، والأعين والأعسر والأضبط. هذا إلى ما تناثر في تضاعيف الكتاب من موازنات شتى ومضارعات

стр. 11

بين الإنسان والحيوان في كثير من الأمر، ومن يسير من القول في العميان، والعوران، والحولان، والصمان، والثّرم، أشرت إليه في حواشي الورقة السادسة من هذا التقديم. ولم يرد الجاحظ بكتابه هذا أن يذكر العيوب والعاهات نعيا على أربابها، بل قصد بذلك أن يجلو صورة ناصعة مشرقة لذوى العاهات الذين لم تكن عاهاتهم لتحول بينهم وبين تسنّم الذرى. وقد مهّد لذلك بسرد شواهد وآثار من أدب العرب القدامى والمعاصرين له، في الاعتزاز ببعض العاهات والدفاع عنها والصعود أحيانا إلى الفخر بها والتمدّح، وصدق الانتماء. وأشار في ذكاء إلى ذوي العاهات لهم ذمّة وميثاق عند من يطّلعون على عوراتهم وعيوبهم من الأطباء الذين يظهرون على شتى العيوب الباطنة السرّيّة، وكذلك المغسّلون الذين يطّلعون على هنات الموتى، إذ يقول: «وأول الشروط التى وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى. وكذلك حكم من غسّل الموتى» [١] . وهذه نظرة كريمة منه، وعزاء لمن تلقّى هذا الحظّ في دنياه بالرضا والصبر، أو بالسّخط والجزع. وهو يقول في معرض النقد لكتاب الهيثم بن عدي، الذي كان تأليفه المغرض داعية لأن يطلب من الجاحظ تأليف هذا الكتاب: «وقد خفت أن تكون مسألتك إياى كتابا في تسمية العرجان والبرصان، والعميان والصمان والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه،

стр. 12

وزهّدتك فيه. وذكرت لي كتاب الهيثم بن عدي في ذلك، وقد خبّرتك أني لم أرض مذهبه، ولم أحبه له حظا في حياته، ولا لولده بعد مماته» [١] . ثم يسوق الجاحظ نموذجا من كتاب الهيثم بن عدي في العرجان، الذي ليس فيه إلا سرد أسماء من ذكرهم من العرج الأشراف، ويعقّب عليه بقوله: «ولم يك ذكر غير هؤلاء» . ثم يقول: «وذكر العميان، وكان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر. والعرج الأشراف أبقاك الله كثير، والعمى الأشراف أكثر» . فمذهب الجاحظ في هذا الكتاب ليس مذهب السرد أو التشهير، أو ذكر المثالب كما عناه الهيثم بن عدي صاحب كتاب المثالب، وإنما كان مذهبه في هذا الكتاب الفذ أن يجعله ذريعة إلى بيان نظرة العرب في أدبهم وأشعارهم إلى هؤلاء القوم الذين كتبت عليهم العاهة، وتعاملهم الإنسانيّ الرفيع معهم بالقول والفعل، الذي قد يصل إلى الإسراف في مدحهم إياهم بما بدا عليهم من تلك المظاهر أو استتر. وحينما يتناول البرص والبرصان يسهب القول ويفيض فيه ويذكر أنواعه وأسماءه، ثم يتطرق إلى بيان مختلف أسبابه وعلله ومحاولات العرب وغيرهم في علاجه بضروب من الأصباغ، وألوان من الكى بالنار. وهو كذلك لا يذكر الأمراض والعلل الأخرى كالاستسقاء واللّقوة والشجج، إلا ليذكر الذي رووا من الأحاديث والأخبار في ذلك الداء، ومن الروايات في ذلك الدواء، وكيف كانت تعزية العائد، وجواب المعود، وكيف كان دعاؤهم، وبأيّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم؛ فإن ذلك

стр. 13

عظة لمن وعاه وصلاح لمن استعمله [١] . مخطوطة الكتاب: هى في الواقع مجموع يحمل رقم ١٦ في مكتبة «بزو» . وفيه كتب ثلاثة تقع في ٢١٤ صفحة لا تحمل تاريخا، وقد انطمس ترقيمها القديم وأثبت بدله ترقيم حديث بما يسمى اليوم بالأرقام الإفرنجية، وهي الأرقام العربية الأصيلة التي أخذها الفرنجة عن عرب الأندلس والمغرب. وأول المجموعة هو كتابنا هذا. والكتاب الثانى كتاب الوكلاء، والثالث كتاب الصوالجة. والكتابان الأخيران لا يزال الحجر ساريا عليهما، ومن العسر بمكان أن يسمح القائمون بأمر المكتبة بتصويرهما [٢] . وصفحة عنوان المخطوطة مسطور عليها: كتاب البرصان والعرجان والعميان والحولان وكتاب الوكلاء، وكتاب الصوالجة تأليف أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تميم بن المعز: كتبت ولو كتبت بقدر شوقي ... لأفنيت القراطس والمدادا ولكنى اقتصرت على سلام ... يذكرنى الأحبة والودادا وقد أثبت في أعلى الصفحة وجوانبها اليسرى هذه التمليكات.

стр. 14

لإبراهيم بن عمار أحمد ثم لإبراهيم بن عبيد الله بن محمد ... ثم لمروان بن عيسى بن يحيى ... يثق بالله ويتوكل عليه عبده ... عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن. ثم ساقته المقادير للفقير إلى عفو الله تعالى محمد بن الشبلي لطف الله به وفي أيمن الصفحة تحت بيتي الشعر: ملكا لمحمد بن على، اشتراه بوقية ونصف. وفي نهاية أسفل الصفحة سطور خمسة كتب فيها: باب هلاك العدو و ... تأخذ ترابا من تحت رجلية وتخلطه مع ال ... وتعمل منه قرصة وتنقش عليه هذه الحروف بشوكة العقرب وتغرسها فيه و [تلقى] قرصته في النار ترى عجبا فيه....... الاط....... أما صفحات كتاب البرصان فهى ٢١٢ صفحة في كل صفحة تسعة عشر سطرا مكتوبة بالخط الأندلسي الواضح الضارب إلى الجمال مع الشكل الكامل غالبا، وبعض تصحيحات ذاهبة في الندرة على هامش الصفحات. وقد وقع خطأ ظاهر في أوضاع الصفحات وترتيبها لم يتنبّه له من أثبت أرقام الصفحات مسلسلة، وجلدت النسخة بناء على هذا الخطأ، ولكني تمكنت من تدارك هذا الخطأ بمتابعة سياق النص، وأعدت النسخة إلى صواب ترتيبها طبقا للنموذج الموضح بالصور المبيّنة على الصفحات التالية:. كتاب الهيثم بن عدي: ألحق بكتاب البرصان صفحتان كتب في أولاهما: «قال الهيثم بن

стр. 15

عدي» . وتحملان خمسة عنوانات: العميان الأشراف، العور، الحولان، الزّرق، الفقم وفي آخر سطر منهما: ملكهم عبيد الله تعالى الحسن بن على الجلاوى ثم اليكليزى ... وليس من المعقول أن تكون هاتان الصفحتان كتابا كاملا، أو ملخصا لكتاب الهيثم، فإن الجاحظ نفسه ينقل عنه في صلب كتابه، ويقول: «قال الهيثم بن عدي: العرج الأشراف: أبو طالب، معاذ بن جبل، عبد الله بن جدعان» إلى آخر ما اقتبسه. على حين لا نجد في هذا النص المبتور شيئا من هذا. فلا يعدو الأمر في هاتين الصفحتين أن تكون شيئا من نصوص كتاب الهيثم.. تحقيق الكتاب: كان لندرة نصوص البرصان وكثرة ما تزخر به من أعلام، مجهولة وإشارات أدبية وتاريخية غامضة، ما يتقاضى محقّقها ومفسرها كثيرا من الجهد، وصبرا جميلا في التهدى إلى مظانها في بطون المراجع، وحرصا على البعد عن مزلّات الفهم، كما كان رسم كلمات النسخة، والنمط الذي سارت عليه في الكتابة وفي الضبط، مقتضيا للتريث وطول النظر. ولولا طول العهد منى بصحبة الجاحظ، ومعايشة أسلوبه ومراميه، لم يخرج هذا الكتاب بهذه الصورة التي ظهر بها، والتى أرجو أن أنال بها رضا الله جل وعز، ورضا الناس.

стр. 16

فالحمد لمن له الحمد وحده، ومن له الثناء كله، وهو الهادي لمن اهتدى، وما كنّا لنهتدى لولا أن هدانا الله. عبد السلام محمد هارون مصر الجديدة فى صبيحة الخميس ٢٦ من ربيع الأول ١٤٠٢ ٢١ من يناير ١٩٨٢.

стр. 17

[كتاب البرصان] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وسلّم وهب الله لك حبّ الاستماع، وأشعر قلبك حسن التبيّن، وجعل أحسن الأمور فى عينك، وأحلاها في صدرك، وأبقاها أثرا عليك في دينك ودنياك، علما تقيّده [١] ، وضالّا ترشده، وبابا من الخير تفتحه؛ وأعاذك من التكلّف، وعصمك من التلوّن، وبغّض إليك اللّجاج، وكرّه إليك الاستبداد [٢] ، ونزّهك عن الفضول، وعرّفك سوء عاقبة المراء. وقد علمت مع ذلك من مدح بقوله: من أمر ذي بدوات لا تزال له ... بزلاء يعيا بها الجثّامة اللّبد [٣] وأنّ الآخر [٤] قال: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا ممّا تجد واستبدّت مرّة واحدة ... إنّما العاجز من لا يستبدّ

стр. 18

ولا أعلم الموصوف بالاستبداد إلّا مجهّلا مذموما، ولأ أعرف المنعوت بالبدوات إلا مدفّعا مضعوفا. وإنّما الشّأن في وجدان آلة التصرّف، وفي تمام العزم بعد التبيّن، لا أعرف إلّا هذين البيتين، فليضمم مازاد، وليكتب ما.. لبّ [١] . وما كلام الشّاعر في قصيدته، إلّا كقول الخطيب فى خطبته. وما ذلك إلّا كاحتجاج المحتجّ، واختبار المختبر، وأوصاف الواصف. وفي كلّ ذلك يكون الخطأ والصواب [٢] ، وقد قال الشاعر: قليل تصاريف الخليقة لا ترى ... خليلا لعبد الله في الناس قاليا [٣] وقد وصف الآخر قول خليله المتلوّن والمستطرف فقال: شرّ الأخلّاء خليل يصرفه ... واش، وأدنى صاحب يستطرفه ملوّن تنكره وتعرفه فاجعل محاسبة نفسك صناعة تعتقدها، وتفقّد حالاتك عقدة ترجع إليها [٤] ، حتّى تخرج أفعالك مقسومة محصّلة، وألفاظك موزونة معدّلة، ومعانيها مصفّاة مهذّبة، ومخارج أمورك مقبولة محبّبة. فمتى كنت كذاك كانت رقّتك على الجاهل الغبيّ بقدر غلظتك على المعاند الذّكيّ، وتحبّ

стр. 19

الجماعة بقدر بغضك للفرقة، وترغب في الاستخارة والاستشارة بقدر زهدك في الاستبداد واللّجاجة، وتبدأ من العلم بما لا يسع جهله، قبل التطّوع بما يسع جهله. ولا تلتمس الفروع إلّا بعد إحكام الأصول، ولا تنظر في الطّرف والغرائب، وتؤثر رواية الملح والنّوادر، وكلّ ما خفّ على قلوب الفرّاغ، وراق أسماع الأغمار، إلا بعد إقامة العمود، والبصر بما يثلم من ذلك العمود؛ فإنّ بعض من يكلف [١] برواية الأشعار بدأ برواية أشعار هذيل قبل رواية شعر عبّاس بن الأحنف، ورواية شعر ابن أحمر قبل رواية شعر أبي نواس. وناس من أصحاب الفتيا نظروا في العين والدّين [٢] قبل أن يرووا الاختلاف في طلاق السّنّة [٣] . وناسّ من أهل الكلام نظروا في الجزء [٤] والطّفرة [٥] والمداخلة [٦]

стр. 20

والمجاورة [١] قبل أن ينظروا في التوحيد والعدل [٢] والآجال [٣] والأرزاق. وسئل بعض العلماء عن بعض أهل البلدان [٤] فقال: «أبحث الناس عن صغير، وأتركهم لكبير» . وسئل عن بعض الفقهاء [٥] فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما كان. وقد خفت أن تكون مسألتك إيّاى كتابا في تسمية العرجان والبرصان، والعميان والصّمّان [٦] ، والحولان، من الباب الذي نهيتك عنه، وزهّدتك فيه.

стр. 21

وذكرت لي كتاب الهيثم بن عديّ [١] في ذلك، وقد خبّرتك أن لم أرض بمذهبه، ولم أحبّه له حظّا في حياته، ولا لولده بعد مماته. وأنا أحذّرك اللّجاج والتتايع [٢] ، وأرغب إلى الله لك في السّلامة من التلون والتزيّد، ومن الاستطراف والتكلّف؛ فإن اللّجاج لا يكون إلّا من خلل القوّة، وإلّا من نقصان قد دخل على التمكين. واللّجوج في معنى المغلوب، والمتطرّف في معنى الغالب والمكتفي. ولا يكون إلّا والعقدة منحلّة، والنفس منقوضة، ثم لا بدّ من أن يتّصل ضعف المنّة بقلّة المعرفة. ومتى نقصت المعرفة لم تكن المنّة فاضلة [٣] ، وكان الفاعل إما لجوجا مشايعا [٤] ، وإمّا ذا بدوات متلوّنا [٥] . فاعرف فصل ما بين التصرّف والتلوّن. وليس الاعتراض من صفة اللّجاج، وقد يكون الاعتراض محمودا ومذموما ولا يكون اللّجاج إلّا مذموما. والتلوّن: أن يكون سرعة رجوعه عن الصّواب كسرعة رجوعه عن

стр. 22

الخطاء [١] وللّجاج، وأن يكون ثبات عزمه على إمضاء الخطأ كثبوت عزمه على إمضاء الصّواب النافع. والذهول عن العواقب مقرون باللجاج، وضعف العقدة مقرون بالبدوات. قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. وقال عمر بن الخطاب: لن ينتفع بعقله حتّى ينتفع بظنّه. وقال محمد بن حرب [٢] : صواب الظنّ الباب الأكبر من الفراسة. وقال بلعاء بن قيس [٣] : وأبغى صواب الظنّ أعلم أنّه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره [٤] ألا تراهم يمدحون ضربا من الظّنّ، ويذمّون ضربا آخر.

стр. 23

وأمّا الصّواب ففي الحال التى بين الحالتين. وقال الله عز ذكره: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [١] . وهذا البعض هو ذلك الكثير الذي ذكره؛ لأنّ قليل الكثير ربّما كان كثيرا. وقيل لثقيف: بما بلغتم المبالغ [٢] ؟ قالوا بسوء الظّنّ. وإلى ذلك ذهب الشاعر [٣] حيث يقول: أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس وذلك على قدر ما تصادف عليه الزّمان، وتشاهد من حالات النّاس. وليس سوء الظّنّ في الجملة بالمذموم، ولا حسن الظّنّ بالمحمود، وإنّما المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القويّة والضعيفة، والذي يتجلّى للعيون من الأمور المقرّبة، وعلى ما جرت عليه العادة والتّجربة. ولقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [٤] . اعلم أنّه لم يرد تصويب ظنّ إبليس. وليس مذهب الكلام وصف

стр. 24

إبليس بشىء من الصّواب، وإنّما أراد ذمّ الذين كثرت ذنوبهم حتّى طرّقوا على أنفسهم سوء الظنّ، فصار كلّ من ظنّ بهم سوءا يصير ظنّه موافقا للذي يحاولون، والذي هم فاعلون [١] . فاطلب العلم على تنزيل المراتب، وعلى ترتيب المقدّمات، وليكن لتدبيرك نطاق، فإنّه أمان من الخطأ، وللذي تعتقد رباط؛ فإنّه لا بدّ للبنيان من قواعد. وليكن أحب العلم إليك أطوعه لله، فإن لم تفعل فأكسبه للحال الجميلة. والذي لا بدّ للشّريف من معرفته علم الأخبار، ومعرفة علل النحو. ولولا أنّ الذي أكتبه لك مجانب لطرق الهيثم، وخارج ممّا يشتهيه الرّيض المتكلّف الملول [٢] ، وأنّه كتاب جدّ غير هزل، لما كتبته لك. وبالله التوفيق. قال الهيثم بن عديّ: العرج الأشراف: أبو طالب بن عبد المطّلب، معاذ بن جبل. عبد الله بن جدعان. الحارث بن أبى شمر. الحوفزان بن شريك. عمرو بن الجموح الأنصاري. الرّبيع بن مسعود الكلبي. عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وذكر القعقاع بن سويد المنقريّ [٣] ، وسليمان بن كيسان الكلبيّ. لم يك ذكر غير هؤلاء.

стр. 25

وذكر العميان، وكان الذي ترك منهم أكثر مما ذكر. والعرج الأشراف- أبقاك الله- كثير. والعمى الأشراف أكثر. ولكن ما معناه في أن أبا فلان كان أعمى، إن [١] لم يكن إنّما اجتلب ذكر العرج والعمي ليحصّل ذاك سببا إلى قصص في أولئك العرجان، وإلى فوائد أخبار في أولئك العميان. وإلى أنّ جماعة فيهم كانوا يبلغون مع العرج مالا يبلغه عامّة الأصحّاء، ومع العمى يدركون ما لا يدرك أكثر البصراء؛ ولما جاء أيضا في ذلك من الأشعار المصحّحة، ومن الأمثال المضروبة، وكيف تهاجوا بذلك وتمادحوا به، وكيف جزع من جزع وصبر من صبر، وما رووا في ذلك من الأخبار النافعة، والأحاديث السائرة، واللفظ المونق والمعنى المتخيّر، وكيف تبيّن ذلك النقص، وظهر ذلك الخلل على بعض ولم يتبيّن على بعض. ولو ذكرنا- حفظك الله- أنّه ممّن [٢] سقي بطنه [٣] عثمان بن أبي العاص، وعمران بن الحصين، وخبّاب بن الأرت، وقبيصة بن المهلّب، وفلان وفلان، ثم لم نذكر حسن عزائهم، ونوادر كلامهم عند نزول تلك الحوادث، وعند توقّع الفرج من تلك المضايق، وأىّ شيء كرهوا من أصناف العلاج وحرّموه، وأيّ شيء استجازوه واستحلّوه، والذي رووا من الأحاديث في ذلك الداء، والروايات في ذلك الدواء،

стр. 26

وكيف كانت تعزية العائد وجواب المعود، وكيف كان دعاؤهم، وبأىّ ضرب من الكلام كان ابتهالهم، فإنّ ذلك عظة لمن سمعه، وأدب لمن وعاه، وصلاح لمن استعمله. فمن لم يذكر هذه العلل لذكر هذه الفوائد لم يكن ذكره لزمانة قوم أشراف بالمحمود، ولا تنويهه قوما بادوا مستورين بالمرضيّ. وأوّل الشروط التي وضعت في أعناق الأطباء ستر ما يطّلعون عليه في أبدان المرضى، وكذلك حكم من غسّل الموتى. وسألتني أن أبدأ بذكر البرصان، وأثنّي بذكر العرجان، ثم أذكر ما قالوا في الأيمن [١] والأعسر، وفي الأضبط [٢] ، وفي كل أعسر يسر [٣] ، واختلاف طبائع الحيوان في ذلك مع اختلاف حالات البشر في الصّغر والكبر. وكيف القول في الأشلّ والأقطع [٤] ، وفي الأضجم والأفقم [٥] ، وفي صاحب اللّقوة والأشدق [٦] ، وفي سعة الأفواة وضيقها، وفي عظم الأنوف وصغرها. وكيف مدحوا الرءوس بالعظم، وذمّوها بالصّغر، وما قالوا في الدّمامة والنّبالة، وفي القصر والطّول، ثم الّذي قالوا في الأجلح

стр. 27

والأنزع [١] ، وفي الأصلع والأقرع، وفي الأزعر والأمعر [٢] . وما قالوا في الثّطّ والسّنوط [٣] وفي الأحدب والأعلم [٤] ، وفي الآدر والأفقح [٥] . وما ذكروا به الأعضاء ووصفوا به الجوارح. وما جاء في ذلك من الأشعار والأخبار، والأمثال والآثار. وقد فخروا بالعمى، وذلك كثير. واحتجّوا بالعرج، وذلك غير قليل. وإذا كان الأعرابيّ يعتريه البرص فيجعله زيادة في الجمال، ودليلا على المجد، فما ظنّك بقوله في العرج والعمى وهما لا يستقذران ولا يتقزّر منهما ولا يعديان ولا يظنّ ذلك بهما، ولا ينقصان من تدبير، ولا يمنعان من سودد. وهذا المعنى نفسه قد ذكره شاعر قريش حين عدّد أسماء من عمّر من أشرافهم فقال في كلمة له:

стр. 28

ومطعم وعديّ في سيادته ... فذاك داء قريش آخر الزّمن [١] وخير دائك داء لا تسبّ له ... ولا تبيت تمنّى لذّة الوسن داء كريم عدوى فتحذره ... فالحمد لله ذي الآلاء والمنن وقد يفرّ الأعرابيّ في الحرب فلا يفرّ بالجبن عن الأعداء، وبالنّكول عن الأكفاء، بل يخرج لذلك الفرار معنى، ويجعل له مذهبا، ثم لا يرضى حتّى يجعل ذلك المفخر شعرا، ويشهره في الآفاق. قال مالك بن أبي كعب [٢] في الفرار: معاذ الإله أن تقول حليلتي ... ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب [٣] أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا عمّ الجبان من الكرب [٤] يقول: أنا وإن ولّيت هاربا حين لا أجد مقاتلا فقد ولّيت ومعي عقلي.

стр. 29

وأتمّ الفرسان في الحرب آلة من عرف المفرّ كما يعرف المكّر. يقول: فلست كمن يستفرغه وهل الجبان، ولا كالذي يعجل فيلجم ذنب فرسه ويركبه مشكولا [١] ، ويركله برجله وهو مقيّد، وينزل عن ظهره، ويظنّ أنّ سعيه على رجليه أبلغ من ركض فرسه في النّجا [٢] . قال زيد الخيل: أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس ولست بذي كهرورة غير أنّني ... إذا طلعت أولى المغيرة أعبس [٣] وقال الحارث بن هشام: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتّى رموا فرسي بأشقر مزبد [٤] فصددت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد [٥] وعلمت أنّي إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي يقول: ليس من الصواب أن أقف موقفا أقاتل فيه باطلا. وقال عمرو بن معد يكرب:

стр. 30

ولقد أملا رجليّ بها ... حذر الموت وإنّي لفرور [١] ولقد أعطفها كارهة ... حين للنّفس من الموت هرير [٢] كلّ ما ذلك منّي خلق ... وبكلّ أنا في الرّوع جدير فزعم أنّ الفرار من أخلاقه، كما أن الإقدام من أخلاقه. وهذا خلاف قول ابن مطيع [٣] : أنا الذي فررت يوم الحرّه ... والشّيخ لا يفرّ إلا مرّه لا بأس بالكرّة بعد الفرّه [٤] وقول ابن مطيع شبيه بقول عتيبة [٥] بن الحارث بن شهاب، حيث يقول:

стр. 31

نجّيت نفسي وتركت حزره ... نعم الفتى غادرته بأمره [١] لا يترك المرء الكريم بكره [٢] وقد أقرّ كلّ واحد من هذين على حدته بالعيب. وأمّا الآخر فإنّه حين فرّ ألزم نفسه وجميع الجيش، وهو قوله [٣] : فإن يك عارا يوم ذاك أتيته ... فراري، فذاك الجيش قد فرّ أجمع [٤] وأمّا عامر بن الطّفيل فقال [٥] : أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن أتونا في العديد المجمهر [٦] وقال لبيد [٧] :

стр. 32

أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن أتونا كلّ جنّ وخابل [١] أتونا بشهران ومذحج كلّها ... وما نحن إلّا مثل إحدى القبائل [٢] وأقرّ قيس بن الخطيم بغير هذا الجنس من الفرار فقال: إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب [٣] وقد علم قيس أنّ هذا الفرار لا يسمّى فرارا ولا يعيّر به أحد. قال: ولمّا انهزم الناس يوم أبي فديك [٤] كان عبّاد بن الحصين [٥] في المنهزمين، وهو يصيح بأعلى صوته: أنا عبّاد بن الحصين! فقال له بعض المنهزمين: فلم تنوّه باسمك على هذه الحال؟ قال عبّاد: لكيلا تركبني غمرة [٦] .

стр. 33

ألا ترى أنّ عبّادا صحيح التّبير في حال انهزامه، وقد ترك القتال عن غير جبن، وترك القتال كي لا يقتل ضياعا، وعبّاد فارس النّاس غير مدافع. وإيّاه يعني الشاعر حيث يقول: من مبلغ عني نهيك بن محرز ... فدونك عبّادا أخا الحبطات فدونكه يستهزم الجيش باسمه ... إذا خاضت الفرسان في الغمرات والشاهد من الشعر على تقديم عبّاد على الفرسان كثير موجود. ويكون الأعرابيّ شختا مهزولا [١] ، ومقرقما ضئيلا [٢] ، فيجعل ذلك دليلا على كرم أعراقه، وشرف ولادته. قال الأصمعيّ: قلت لغلام أعرابيّ: مالي أراك ضعيفا نحيفا، وصغير الجسم قليلا مهزولا؟ قال: قرقمني العزّ [٣] . وأنشدوا قول الآخر: قد علمت أنّا أتاويّان ... من كرم الأعراق ضاويّان [٤] وأنشدوا: قرقمه العزّ وأضواه الكرم

стр. 34

وليس العجب في قوله إنّ الأعراق تضوي، وإنّما العجب في قوله: إنّ العزّ يقرقم؛ لأنّ الأوّل قد قال: فتى لم تلده بنت عمّ قريبة ... فبضوى، وقد يضوى رديد القرائب [١] وقال الأسديّ: ولست بضاويّ تموج عظامه ... ولادته في خالد بعد خالد [٢] تقارب من آبائه أمّهاته ... إلى نسب أدنى من الشّبر واحد وفي أخوات أنكحوهنّ إخوة ... مشاغرة فالحىّ للحيّ والد [٣] وهذا كثير. والضّوى في البهائم أوجد منه في الناس [٤] . فليس العجب من ذكرهم الضّوى إذا تردّدت الأولاد في القرابات، وإنّما العجب في قولهم: العزّ يقرقم؛ لأنّ الأعرابيّ حين ابتلي بالدّمامة والقلّة [٥] ، ثقل عليه أن يقرّ بالذّلّة والضّعف، فاحتجّ لذلك وأحال النّاس على معنى لا يدركونه بالمشاهدة. وهذا من ذكائه ودهائه.

стр. 35

فبهذه النفوس- حفظك الله- حفظوا أنسابهم، وتذاكروا مآثرهم، وقيّدوا لأنفسهم بالأشعار مناقبهم، وحاربوا أعداءهم، وطالبوا بطوائلهم، ورأوا للشّرف حقّا لم يره سواهم، وعملوا على أنّ الناس كلّهم دونهم. وسأنشدك إن شاء الله بعض ما افتخر به الأعمى، واحتجّ به الأعرج، قبل أن تصير إلى قراءة الجميع، لأعجّل عليك معرفة الجملة من مذاهبهم. وبالله التوفيق. فمن العرجان: أبو الدّهماء، وهو الذي عيّرته امرأته بالعرج فقال: ما ضرّ فارسهم في كلّ ملحمة ... تزحّف العرج بين السّجف والنّضد [١] إن كان ليس بمرقال إذا نزلوا ... ففي الفروسة وثّاب على الأسد [٢] وخطب الطائيّ الأعرج [٣] امرأة فشكت عرجه إلى جاراتها، فأنشأ يقول: تشكي إلى جاراتها وتعيبني ... فقالت: معاذ الله أنكح ذا الرّجل فكم من صحيح لو يوازن بيننا ... لكنّا سواء أو لمال به حملى [٤]

стр. 36

وقال أبو العملّس في أمرأته: ما ضرّني أنّي أدبّ على العصا ... وفي السّرج ليث صادق ضيغم الشدّ [١] وقال أبو طالب بن عبد المطلب، واسمه عبد مناف، وأوّل هاشميّ في الأرض ولده هاشميّان بنوه الأربعة [٢] ، وعيّره بعض نسائه بالعرج فقال [٣] : قالت عرجت فقد عرجت فما الذي ... أنكرت من جلدي وحسن فعالي وأنا ابن بجدتها وفي صيّابها ... وسليل كلّ مسوّد مفضال [٤] أدع الرّقاحة لا أريد نماءها ... كيما أفيد رغائب الأموال [٥] وأكفّ سهمي عن وجوه جمّة ... حتّى يصيب مقاتل البخّال الرّقاحة: التجارة والتّثمير [٦] . وقال أبو طالب قولا هو أجمل وأجمع وأرجح من قول الجميع، وذلك أنه قال وفسّر:

стр. 37

أنا يوم السّلم مكف ... يّ ويوم الحرب فارس [١] أنا للخمسة أنف ... حين ما للخمس عاطس [٢] فزعم كما ترى أنّه إذا كان في السّلم فهو لا يحتاج مع الكفاية والأعوان إلى ابتذال نفسه في حوائجه، وإذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرادته. وما ضرّ- أكرمك الله- هرثمة بن أعين، ونصر بن شبث وغيرهما من الرّؤساء المحاربين المقربين [٣] الذى كان يمنعهم من المشي؛ إذ كانوا على ظهور الخيل أمثال العقبان. وذكر سيّار بن رافع الليثيّ عرج أوفى بن موءلة بعد أن اكتهل، وكان له صديقا، فقال: رأيت أوفى بعيدا، لست من كثب ... في الدّار يمشي على رجل من الخشب [٤] جعلت للعرج مجدا لم يكن لهم ... وللقصار مقالا آخر الحقب

стр. 38

وكان أوفى مع شرفه وسودده قصيرا نحيفا، وهو الذي يقول: إن أك قصدا في الرّجال فإنّني ... إذا حلّ أمر ساحتي لجسيم [١] وهذا شبيه بقول آخر: إذا كنت في القوم الطّوال فضلتهم ... بعارفة حتّى يقال طويل [٢] فهؤلاء بعض من فخر بالعرج، وسنذكر ذلك في باب القول في العرجان إن شاء الله. فأمّا من فخر بالعمى فمنهم بشّار بن برد، وكنيته أبو معاذ، ولقبه المرعّث، مولى لبنى عقيل، وهو الذي يقول: إذا ولد المولود أعمى وجدته ... وجدّك، أهدى من بصير وأحولا [٣] عميت جنينا والذّكاء من العمى ... فجئت عجيب الظّنّ للعلم معقلا وغاض ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيّع النّاس حصّلا [٤]

стр. 39

وشعر كنور الرّوض لاءمت بينه ... بقول إذا أحزن الشعر أسهلا [١] [باب ذكر البرص] وممّن فخر بالبرص ثم من بني رزام المحجّل وكان بساقيه وضح، واسمه معاوية بن حزن بن موءلة بن معاوية بن الحارث. وقد رأس وسمّي المحجّل على الكناية من البياض، والكناية أيضا من البرص، وهو الذي يقول [٢] : ياميّ لا تستنكرى نحولي [٣] ... ووضحا أوفى على خصيلي [٤] فإنّ نعت الفرس الرّجيل [٥] ... يكمل بالغرّة والتحجيل وهو الذي يقول:

стр. 40

وما أنا بالبهيم فتنكروني ... ولا غفل الإهاب من الوشوم [١] وأصل تسميتهم المحجّل مأخوذ من الحجل، والحجل هو الخلخال. فإذا كان في الفرس في موضع المخلخل بياض قيل محجّل. وقال النّعمان ابن بشير: ويبدو من الخود الغريرة حجلها ... وتبيضّ من وقع السّيوف المقادم [٢] وقال الفرزدق: مائلة الحجلين لو أنّ ميّتا ... ولو كان في الأكفان تحت الصفائح [٣] وإذا ابيضّ من خلف الناقة موضع الصّرار [٤] فهم يسمّون ذلك الخلف أيضا محجّلا. وأنشد:
следующие страницы →