وقال أبو العملّس في أمرأته:
ما ضرّني أنّي أدبّ على العصا ... وفي السّرج ليث صادق ضيغم الشدّ [١]
وقال أبو طالب بن عبد المطلب، واسمه عبد مناف، وأوّل هاشميّ في الأرض ولده هاشميّان بنوه الأربعة [٢] ، وعيّره بعض نسائه بالعرج فقال [٣] :
قالت عرجت فقد عرجت فما الذي ... أنكرت من جلدي وحسن فعالي
وأنا ابن بجدتها وفي صيّابها ... وسليل كلّ مسوّد مفضال [٤]
أدع الرّقاحة لا أريد نماءها ... كيما أفيد رغائب الأموال [٥]
وأكفّ سهمي عن وجوه جمّة ... حتّى يصيب مقاتل البخّال
الرّقاحة: التجارة والتّثمير [٦] .
وقال أبو طالب قولا هو أجمل وأجمع وأرجح من قول الجميع، وذلك أنه قال وفسّر:
стр. 37
أنا يوم السّلم مكف ... يّ ويوم الحرب فارس [١]
أنا للخمسة أنف ... حين ما للخمس عاطس [٢]
فزعم كما ترى أنّه إذا كان في السّلم فهو لا يحتاج مع الكفاية والأعوان إلى ابتذال نفسه في حوائجه، وإذا كان في الحرب فهو فارس يبلغ جميع إرادته.
وما ضرّ- أكرمك الله- هرثمة بن أعين، ونصر بن شبث وغيرهما من الرّؤساء المحاربين المقربين [٣] الذى كان يمنعهم من المشي؛ إذ كانوا على ظهور الخيل أمثال العقبان.
وذكر سيّار بن رافع الليثيّ عرج أوفى بن موءلة بعد أن اكتهل، وكان له صديقا، فقال:
رأيت أوفى بعيدا، لست من كثب ... في الدّار يمشي على رجل من الخشب [٤]
جعلت للعرج مجدا لم يكن لهم ... وللقصار مقالا آخر الحقب
стр. 38
وكان أوفى مع شرفه وسودده قصيرا نحيفا، وهو الذي يقول:
إن أك قصدا في الرّجال فإنّني ... إذا حلّ أمر ساحتي لجسيم [١]
وهذا شبيه بقول آخر:
إذا كنت في القوم الطّوال فضلتهم ... بعارفة حتّى يقال طويل [٢]
فهؤلاء بعض من فخر بالعرج، وسنذكر ذلك في باب القول في العرجان إن شاء الله.
فأمّا من فخر بالعمى فمنهم بشّار بن برد، وكنيته أبو معاذ، ولقبه المرعّث، مولى لبنى عقيل، وهو الذي يقول:
إذا ولد المولود أعمى وجدته ... وجدّك، أهدى من بصير وأحولا [٣]
عميت جنينا والذّكاء من العمى ... فجئت عجيب الظّنّ للعلم معقلا
وغاض ضياء العين للعلم رافدا ... لقلب إذا ما ضيّع النّاس حصّلا [٤]
стр. 39
وشعر كنور الرّوض لاءمت بينه ... بقول إذا أحزن الشعر أسهلا [١]
[باب ذكر البرص]
وممّن فخر بالبرص ثم من بني رزام
المحجّل
وكان بساقيه وضح، واسمه معاوية بن حزن بن موءلة بن معاوية بن الحارث. وقد رأس وسمّي المحجّل على الكناية من البياض، والكناية أيضا من البرص، وهو الذي يقول [٢] :
ياميّ لا تستنكرى نحولي [٣] ... ووضحا أوفى على خصيلي [٤]
فإنّ نعت الفرس الرّجيل [٥] ... يكمل بالغرّة والتحجيل
وهو الذي يقول:
стр. 40
وما أنا بالبهيم فتنكروني ... ولا غفل الإهاب من الوشوم [١]
وأصل تسميتهم المحجّل مأخوذ من الحجل، والحجل هو الخلخال. فإذا كان في الفرس في موضع المخلخل بياض قيل محجّل.
وقال النّعمان ابن بشير:
ويبدو من الخود الغريرة حجلها ... وتبيضّ من وقع السّيوف المقادم [٢]
وقال الفرزدق:
مائلة الحجلين لو أنّ ميّتا ... ولو كان في الأكفان تحت الصفائح [٣]
وإذا ابيضّ من خلف الناقة موضع الصّرار [٤] فهم يسمّون ذلك الخلف أيضا محجّلا. وأنشد:
стр. 41
نيط بحقويها رغيب أقمر [١] ... محجّل مقدّم مؤخّر
وقال في ذلك أبو النّجم:
تزبن لحيي لاهج مخلّل [٢] ... عن ذي قراميص لها محجّل [٣]
وقد يقال أيضا للغراب محجّل على غير هذا المعنى، وذلك أنهم يسمّونه حلقة القيد محجلا [٤] ، على التشبيه، بالحجل [٥] . والغراب إذا مشى فكأنّه مقيّد. والمحجّل هو المقيّد، فذلك الحجل. وقال الشاعر:
وإنّى امرؤ لا تقشعرّ ذؤابتي ... من الذّئب يعوي والغراب المحجّل [٦]
وقال الطرمّاح:
شنج النّسا قذف الجناح كأنّه ... في الدّار بعد الظاعنين مقيّد [٧]
стр. 42
وقال الآخر:
وصاح بصرمها من بطن قوّ ... غداة البين شحّاج حجول [١]
من اللائي لعنّ بكلّ أرض ... فليس لهنّ في بلد قبول
ولذكر المحجّل مكان غير هذا.
وإذا كان الشيء مشهّرا معلما شبّهوه بالفرس الأغرّ المحجّل فإنّه إذا كان في الخيل كانت العيون إليه أسرع. ولذلك قال زفر بن الحارث [٢] :
كلّا وربّ البيت لا تقتلونه ... ولمّا يكن يوم أغرّ محجّل.
ومن البرصان الذين فخروا بالبرص
الحارث بن حلزّة اليشكريّ
الشاعر، قال أبو عبيد: لما قال عمرو بن كلثوم قصيدته التى فخر فيها لتغلب على بكر وهي التي أوّلها:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا [٣]
وأنشدها الملك، قال الحارث بن حلّزة قصيدته التي فخر فيها لبكر على تغلب، وهي التي أوّلها:
آذنتنا ببينها أسماء [٤]
стр. 43
ثم أتى عمرو بن هند فأنشده إيّاها. قال: وكان الحارث أبرص، وكان الملك لا يملأ عينه من رجل به بلاء، فأنشده من وراء السّتر، فلما سمعها استخفّه الطّرب وحمله السّرور على أن أمر برفع الحجاب، ثم أقعده على طعامه، وصيّره في سمّاره.
وقالوا: هو المفتخر بالبرص حيث يقول:
يا أمّ عمرو لا تعرّي بالرّوق [١] ... ليس يضير الطّرف توليع اليلق [٢]
إذا حوى الحلبة في يوم السّبق [٣]
فهذا قول الشاعر.
فأمّا محمد بن سلّام فزعم أنّه لم يسبق الحلبة أبلق قطّ ولا بلقاء [٤] .
قال الأصمعي: لم يسبق الحلبة أهضم قطّ.
وقد يجوز أن يكون الشاعر أراد الشاعر نفس الحلبة يوم الرّهان وأراد غير ذلك من أبواب المسابقة.
стр. 44
على أنّ صديقا لي قد أخبرني أنّ فرسا [١] للمأمون جاءت سابقة..
[ابن حناء]
ومما يدلّ على افتخارهم بالبرص قول ابن حبناء [٢] واسمه المغيرة:
إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبني ... لا ملعتيك ولا أخوالي ولا أخوالي العوق [٣]
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها البلق [٤]
فقول ابن حبناء وقول الحارث بن حلّزة يردّان على محمد بن سلّام ما قال.
стр. 45
وكان زياد الأعجم [١] قد ألحّ على بنى الحبناء يهجوهم بالبرص.
فمن ذلك قوله:
عجبت لأبلق الخصيين عبد ... كأنّ عجانه الشّعرى العبور [٢]
فلما قيل له: قد رفعتهم يا أبا أمامة. قال: والله لأرفعنّهم أيضا.
فقال:
لا يبرح الدّهر منهم خارىء أبدا ... إلّا حسبت على باب استه القمرا [٣]
والبياض والأوضاح تستعير ذكره العرب وتنقله في الأماكن. قال الرّعل ابن جبلة:
والناس كالخيل إن ذمّوا وإن مدحوا ... فذو الشّيات كذا في النّاس أوضاح [٤]
стр. 46
يقولون: فرس كريم، وفرس جواد وفرس عتيق، وفرس رائع.
وليست هذه الأشياء الكريمة إلّا للإنسان والفرس.
وأصل البلق إنّما هو في الفرس [١] . والعرب تستعير ذلك وتضعه في مواضع كثيرة. وقال الشاعر، وهو يريد بياض الصبح المخالط بسواد في بقيّة اللّيل:
جبسناهم حتى أضاء لنا [الدّجى] ... من الصّبح مشهور الشّواكل أبلق [٢]
وسمّوا أيضا قصر السّموءل بن عاديا: «الأبلق» . قالوا ذلك حين كان بني بالحجارة البيض والسّود، قال الأعشى:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار [٣]
وقال السموءل بن عاديا:
وبالأبلق الفرد بيتي به ... وبيت المصير سوى الأبلق [٤]
стр. 47
وقال خالد بن يزيد بن معاوية:
إنّى أرقت لعارض متألق ... ليل التّمام وليته لم يألق [١]
ما إن ينام ولا ينيم كأنّه ... بلقاء تضرب عن فلوّ أبلق [٢]
وأنشدوا قول الراجز في صفة السّحاب:
كأنّ في ريّقه إذا ابتسم ... بلقاء تنفي الخيل عن طفل متم [٣]
وقال محرز بن مكعبر الضبّيّ [٤] :
стр. 48
أقرّ العين أن طارت عليهم ... شميط اللّون ليس لها حجول [١]
ولذلك سمّوا الأبرص الأسيدىّ [٢] الراقي المتكهّن: «أبلق» . وإيّاه عنى ذو الرّمّة فقال:
أعبد أسيديّ عليه علامة ... من السّوء لا تخفى على من توسّما [٣]
وإيّاه يعني العلبان [٤] الشاعر، أحد بني عبد الله بن درام، حيث يقول:
هل الأبلق الراقي الأسيديّ مبريء ... فؤادي من حبّي جواري بني بدر
ليس يعني رهط حذيفة بن بدر.
стр. 49
وكان جرير بن الخطفى زوّج أبلق بنته أمّ غيلان، على أنّه رقاها فأفاقت [١] ، فعند ذلك قال العلبان:
أخزيت نفسك يا جرير وشنتها ... وجعلت بيتك بسلة للأبلق [٢]
وهجا جرير أيضا الأبلق بأنّه أبلق، وبغير ذلك، فقال:
يا أبلق الكشح إنّ النّاس قد علموا ... أن المهاجر تخزي كلّ كذّاب [٣]
لو كنت شاورت ذا عقل فأرشدني ... يوم الفريقين ما دنّست أثوابي
قد كنت عندك قبل الفعل ذا أرب ... مستحكما بعراقي الدّلو أكرابي
لو كنت صاهرت، إنّ الصّهر ذو نسب ... في مازن أو عديّ رهط منجاب
ما كنت، ذا الجلدة البلقاء، تعجبني ... سوف السّوابق ريح الكودن الرابي [٤]
стр. 50
واعترض على جرير البلتع العنبريّ [١] ، لأنّ عمرو بن تميم ولدهم جميعا فقال:
أتعيب أبلق يا جرير وصهره ... وأبوه خير من أبيك وأمنع
أتعيب من رضيت قريش صهره ... وأبوك عبد بالخورنق أوكع [٢] .
ومن الفرسان البرصان ممّن سمّي بالأبلق
لمكان البرص:
الفارس السّلمي
وكان أيام مروان يقاتل وهو أبلق، على فرس أبلق، وهو الذي يقول:
هلّا سواي كنت أوعدته ... يوم أكبّ النّاس في الخندق
وأحمل الأبلق في صفّهم ... ثمّ أناديك فلا تنطق [٣]
وفيه [٤] قالوا في تلك الحرب:
يا أبلق الكشح على أبلق ... وصاحب الراية والخندق
ولذمّ الأبلق مكان غير هذا، وهو أنّ الفارس يشهر بركوبه في
стр. 51
الحرب [١] ، ليس يجترىء على ركوب الأبلق في الحرب إلّا غمر، أو مدلّ بنفسه معلم يقصد إلى ذلك.
ولمّا رأى إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن [٢] ، عمر بن سلمة الهجيمي [٣] على فرس أبلق أنشد قول الشاعر:
أمّا القتال فلا أراك مقاتلا ... ولئن فررت ليعرفنّ الأبلق
وقال ذلك وهو يمازحه.
وكان عمر بن سلمة شجاعا، ولذلك قال طفيل الغنوي:
بهجر تهلك البلقاءّ فيه ... فلا تبقى، ويودي بالرّكاب [٤]
وقال في ذلك النابغة:
بوجه الأرض لا يعفو لها أثر ... يمسي ويصبح فيها البلق ضلّالا [٥]
وصف طول هذا الجيش وعرضه، وكثافته وكثرة عددهم، فلذلك
стр. 52
خفي مكان الأبلق مع كثرة الأوضاح التى تشهره.
وروى عن يحيى بن عبّاد [١] ، عن عاصم [٢] ، عن زرّ [٣] ، عن عبد الله [٤] قال: قلت يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمّتك؟ قال:
«هم غرّ محجّلون من آثار الوضوء» [٥] .
معن [٦] ، عن مالك [٧] ، عن العلاء [٨] عن أبيه، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﵇: «أنتم الغرّ المحجّلون من آثار الوضوء،
стр. 53
فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتحجيله فليفعل [١] » .
من البرصان ممّن فخر بالبرص
سويد بن أبي كاهل
وهو الذي يقول:
نفرت سودة منّى أن رأت ... صلع الرأس وفي الجلد وضح [٢]
قلت: يا سودة هذا والذي ... يفرج الكربة عنّا والكلح
هو زين الوجه للمرء كما ... زيّن الطّرف تحاسين القرح [٣] .
وممن فخر بالبرص من الرّؤساء والشعراء
بلعاء بن قيس بن يعمر [٤]
وهو الشّدّاخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر.
قالوا: اعتراه البرص بعد أن أسنّ، وكان سيّد بني ليث، فاشتدّ ذلك عليهم فقيل له في ذلك، فقال: «سيف الله صقله» .
стр. 54
هذه رواية أبي عبيدة والمفضّل. فأمّا الذي لم أزل أسمعه فإنّ أهل الحجاز يزعمون أنه قال: «سيف الله حلّاه» من الحلية. ويقول أهل العراق: بل قال: «سيف الله جلاه» من الجلا [١] وكلّ عجب.
وهو أبو مساحق: وله لقبان أحدهما مدح والآخر ذمّ. فأما المدح ف «المحجّب» و «المحجوب» ويقول بنو ليث بن بكر: كان بلعاء يحجب بالنّبل من مكان بعيد. واللقب الآخر «بائع الجيران» لأنه كان نكدا لجوجا شكسا، وداهية لا يرام ما وراء ظهره، وهو الذي يقول:
وأبغي صواب الظنّ أعلم أنّه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره [٢]
وهو الذي يقول:
ومقيّر حجل جررت برجله ... بعد الهدوّ له قوائم أربع [٣]
وهو الذي يقول:
معي كلّ مسترخي الإزار كأنّه ... إذا ما مشى من أخمص الرّجل ظالع [٤]
стр. 55
وقال كلثوم بن رزين [١] بن يعمر بن نفاثة [٢] بن عديّ بن الديل في تسميته بلعاء ببائع الجيران:
تمنّى بائع الجيران سبقي ... وأنت إذا تلاقيني فرور [٣]
منت لك أن تلاقيني المنايا ... أمام القوم أو وحد أسير [٤]
وقال في بائع الجيران ربيعة بن أمية بن زعر [٥] بن يعمر بن ثفاثة [٦] ابن عديّ بن الديل:
وأفلت بائع منّا وخلّى ... حلائله وقد بدت المعماري [٧] .
ومن البرصان السّادة القادة
الذين مدحتهم الشعراء بالبرص
أبو أسيد عمرو بن هدّاب المازني [٨]
مدحه بذلك أبو الشّعثاء العنزي، قال
стр. 56
أصاحبنا: ما رأينا أحدا قطّ أبلّ ريقا، ولا أتمّ نفسا، ولا أربط جأشا، من أبي أسيد عمرو هدّاب، كانوا عنده والناس يعزّونه على ذهاب بصره إذ مثل أبو عتّاب الجرّار [١] بين يدية، وهو مثل المحجوم [٢] وأبو عتّاب هو إبراهيم بن جامع بن مصاد [٣] مولى بلعدويّة- فقال: يا أبا أسيد، لا تحزن على ذهابهما، فإنّك لو قد رأيت ثوابهما في ميزانك لقد تمنّيت أن يكون الله قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ظلفك [٤] ! قال: فلم يبق من القوم أحد إلّا استغرب ضحكا، أو صاح بأبي عتّاب وأراد إسكاته إلّا أبا أسيد نفسه، فإنّه لم يتغيّر لذلك، ولم يظهر منه قبول ولا إنكار، وأقبل على القوم فقال: يرعى له حسن نيّته، ويلغى سوء لفظه.
قالوا: ثم ما لبثنا إلا يسيرا حتّى دخل أبو الشعثاء العنزي [٥] وعليه
стр. 57
بتّ وكور ضخم، وخفّ جافى [١] ، فقال: أنشدك أبا أسيد بعض ما حبّرته فيك من أراجيزي. قال: هات. فأنشده أرجوزة أعرابيّة فصيحة [٢] ، فبينا نحن نستحسن معانيها ونستجيد حوكها إذ قال:
أبرص فيّاض اليدين أكلف [٣] ... والبرص أندى باللهى وأعرف [٤]
مجلوّذ في الزّحفات يزحف [٥]
قال: فصحنا حتّى قطعنا عليه إنشاده فقال عمرو: ارفقوا بشاعرنا وزائرنا؛ فإنّ أكثر الشعراء الذين توضّحت جلودهم قد افتخروا بذلك. وقد قال الشاعر [٦] :
أيشتمني زيد بأن كنت أبرصا ... فكلّ كريم لا أبالك أبرص
أراد: كل أبرص كريم فقال: كاكريم أبرص. وهذا من المقلوب.
وزعم كثير من الناس أنّ ذاك البياض إنّما أصابه بسبب يمين حلف بها عند أستار الكعبة.
стр. 58
وسمعت غير واحد من جيرانه وأصحابه يزعمون أنّهم ما زالوا يعلمون به وضحا، إلّا أن الوضح يزيد ولا يقف.
وقد ذكرنا شأن عمرو بن هدّاب والذي حضرنا من مناقبه في كتاب العميان [١] ، فلذلك لم نذكره في هذا الباب.
حدّثني عليّ بن رياح بن شبيب الجوهريّ، عن أبيه رياح، وكان خاصّا بالبرامكة، يدخل عليهم متى أحبّ، وكان يصل إلى مواضع لا يكاد يصل إليها الخاصّ عندهم- قال: دعاني يوما جعفر بن يحيى وهو كئيب حزين، خاشع الطّرف، شديد الانكسار، فرفع لي عن بطنه، فإذا على بطنه، مقدار الدّرهم برص فقال: يا أبا علي، هذا ثمر العقوق! قال: وكان الذي بينه وبين أبيه قد ساء.
قالوا: وهذا شيء أخذه جعفر بن يحيى عن أطبّاء الهند. وأطبّاء الهند تزعم أن العقوق يورث البرص. وهذه القضيّة مجانبة لسبيل الطبّ.
وآفات الدنيا كثيرة، وأمراضها الشّداد معروفة المقادير عند الأطبّاء.
وقد بيّنوا المستغلق العضال الموئس، من غير ذلك، فقالوا في مثل الجذام والبرص العتيق [٢] والسرطان. قال جالينوس السرطان لا يبرأ، فإن برأ فإنّه لم يكن سرطانا. والماء الأصفر، والقروح التي تكون في الكلية والمثانة،
стр. 59
من الباب أيضا، الذي يعسر المخلص منه.
والعرب تخاف إعداء الجرب والصّفر [١] والعدسة [٢] والجدريّ.
وهو وإن استعظموا هذه الأشياء ولم يقدّموا البرص عليها في الشّدة فإنّ القرآن أصدق منهم، ولولا أنّ البرص العتيق أشدّ امتناعا وأبعد برءا لما ذكر الله البرص دون هذه الأدواء.
والفرس أشدّ نفارا من البرص. والدليل على ذلك: ما خبّرتك به من شدّته وامتناع التخلّص منه، قوله: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ
[٣] وإلى إبراء الأكمه [٤]- وهو الأعمى المطموس- ولم يذكر غير ذلك من جميع الأدواء والمعاضل والعلل الموئسة.
وقال في وجه آخر من معارضة البرص بخلافه وضدّه، قال: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ [٥]
. وقال الله لموسى: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ [٦] سُوءٍ
هذا
стр. 60
إلى ما حدّث عبد الله بن عمرو [١] ، عن يعقوب [٢] القمّيّ، عن جعفر بن أبي المغيرة [٣] ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: جاءت قريش إلى اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للنّاظرين، ثم أتوا النّصارى فقالوا: ما جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبيّ ﷺ فقالوا: ادع لنا ربّك يجعل لنا الصّفا ذهبا [٤] .
فهذا أيضا ممّا يعظم شأن البرص، إذ كان مذكورا في الحالات كلّها، وإذ اجتمع على تشديد أمره القرآن والآثار.
وأما قولهم للنبي ﷺ : «اجعل لنا الصّفا ذهبا» فإنّ الله لا يعطي الناس الأعلام [٥] على قدر شهواتهم وامتحانهم وتمنّيهم، ولا على سبيل
стр. 61
التفكّه. فإذا لم يعطهم ذلك على سبيل التفكّه فإعطاؤه إياهم على سبيل التعنّت أبعد [١] . ولا يجب ذلك إلّا لمن يسمع بآية ولم ير علامة.
فأما المغموس فيها ومن قد غمرته البرهانات فليس من الحكمة تمكين السّفهاء من مسألة ذلك. وإنّما ينزّل الله الأعلام على قدر المصلحة لا على أقدار الشّوة، وعلى إلزام الحجة لا على الطلب والمسألة.
ومتى كان الطالب [٢] لذلك معاندا وجاسيا [٣] لم يكن إلّا بين أمرين: إن حلي بها [٤] لعنته وأجابه [٥] إلى مسألته قال: هذا سحر. وإن منعها قال: لو كان صادقا لاتى بها. وآيات الله وبرهانه أجلّ خطرا من أن توضع في هذا المكان، إلا أن يريد الله ببعض ذلك تعذيبهم واستئصال شأفتهم، وأن ينكّل بهم سواهم [٦] .
قالوا: والبرص أصله من البلغم، وإذا رأيت الرجل القضيف اليابس أبرص الجلد فاعلم أن المرّة هى التي اعتصرت بدنه حتّى قذفت بالبلغم ومجّته [٧] في ظاهر جسده، فلمّا لم يقو ذلك المكان على إنفاذه وهضمه تحيّر هناك فأفسد ما هناك.
وربّما كان من حرق النار، وربّما كان من الكيّ: إما من كيّ البلاء
стр. 62
وإما من التّعالج.
وليس يعتري السّودان من كيّ البلاء كالذي يعتري الشّقران والحمران. وكذلك الوسم. فإذا خاف النّخّاس أن يكون ذلك البياض برصا قرص ذلك المكان، فإن احمرّ فهناك دم، وإن لم يحمرّ عزم [١] على أنّ به عيبا وفحشة.
ويعتري غراميل الخيل وخصاها وجحافلها [٢] ، ويكون بالعظاء والحيّات والوزغ برص، بكلّ ذلك جاء الشعر، وكلّ ذلك قالت العرب.
وفي الحديث المرفوع أنّ الوزغة لما نفخت على نار إبراهيم صمّت وبرصت، فمن ذلك قيل سامّ أبرص. فهذا الحديث شهد لأولئك الشّعراء بالصّدق.
ولولا الأخبار والأشعار والآثار لكان [٣] كلّ بياض يكون في أصل التركيب في نفس الخلقة لا يسمّى برصا [٤] ، ولا يسمّى البرص إلّا العارض الحادث.
وقال صاحب المنطق: لا يقال الباطن جلد الكف أقرع، ولا للطّفل آدر، لأنّ ذلك لم يكن يذهب.
стр. 63
والذي نرجع إليه اتّباع الآثار وما جاء في الأشعار.
وحشفة المختون ربّما برصت من حرّ الموسى [١] ، وليس ذلك مما يزداد ويتفشّى.
ويعتري مواضع المحاجم، ويصيب [٢] أشياء من النّبات، كنحو البطّيخ وغير ذلك. وقد رأيت من نزفه الدم من جراح فبرص. وربّما جرى من ذلك على عرق، وهو عندهم مما يعتري الأولاد، ويعدى إلى الصّحيح.
واللّطع ضرب من البرص، وهو يصيب بواطن شفاه الخصيان من الحبشان وربّما كان الحبشىّ منهم ضخما أهدل أدلم ألطع [٣] ، فيكون هولا من الأهوال.
وشعر الرأس واللحية يبيضّ عن الهول الشديد، ويبيضّ شعر الحدث [٤] إذا كانت المرّة تقذف بالبلغم إلى ما هناك، ويبيضّ على الأعراق المتقدمة [٥] . ويبيض الشعر من جبهة المرأة إذا طال نتفه. والغالية تشيب الشعر [٦] ، وغسل الرأس بالسّدر يرقّه [٧] .
стр. 64
وقد ينتف أصحاب الخيل جبهة الفرس البهيم مرارا بمقدار القرحة، فيبيضّ شعر ذلك المكان ويصير ذا قرحة، وذلك إذا كرهوا أن يكون بهيما. واسم هذه القرحة المعمولة فيها الغريب [١] .
وتصيب الدابة الدّبرة فيبيض شعر ذلك المكان، وذلك هو التوقيع، والجلد نفسه هو الموقّع. وقال محرز ابن المكعبر الضبى [٢] :
فما منكم أفناء بكر بن وائل ... لعادتنا إلّا ذلول موقّع [٣]
وذلك البياض يكون في معنى البرص، لأنّ الجلد لا ينبت الشعر الأبيض حتّى يبيضّ.
وجلد الحافر كلّه وجلد الظّلف كلّه إذا كان أسود كان أسود الشعر، وإذا كان أبيض كان أبيض الشعر. والخيول تتحوّل في ألوانها فيصير الأشهب الأبيض أرقط مدنّرا [٤] ويسقى الفرس الحليب المحض فإذا طال ذلك عليه صار لونه أسفع [٥] وقال الشاعر [٦] :
стр. 65
ودوايتها حتّى شتت حبشيّة ... كأنّ عليها سندسا وسدوسا [١]
والناقة إذا كانت حمراء ثم صارت عشراء صارت خلساء بعد أن كانت حمراء. ولذلك قال الشاعر:
حمراء لا حبشيّة الإتمام [٢]
وقد تحمرّ أوبار الإبل جدّا على بعض المراعي. وقال الفزاريّ في صفة إبله:
كأنّما علّت بحنّاء ودم ... من حرص القعيان والهرم الخضم [٣]
وتبيض أوبار الإبل ورءوسها ووجوهها من أكل الحمض. قال عمر ابن لجأ:
شابت ولمّا تدن من ذكائها [٤]
وقال الآخر:
стр. 66
أكلن حمضا فالوجوه شيب ... شربن حتّى نزح القليب [١]
والمرأة الجميلة الرقيقة اللون إذا كان العشيّ ضرب لونها إلى الصّفرة. وبالغداة يضرب لونها إلى البياض.
قال الأعشى [٢] :
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشيّة كالعراره [٣]
وقال الآخر:
قد علمت بيضاء صفراء الأصل [٤]
وأحسن ما تكون المرأة وأرقّ ما تكون لونا، وأعتق وجها، وأدقّ محاسن [٥] في نفاسها، وغبّ ليلة عرسها.
وأطيب ما تكون خلوة إذا رقصت في مناحة، أو تعبت من طول سير. وأنشد ابن الأعرابيّ لرجل قال لامرأته:
стр. 67
أعجبتني غبّ البناء ونافسا ... وغبّ الكلال، كلّ ذلك معجب [١]
وقال بشّار:
كأنّ الذي يأتيك من راحتيهما ... هديّ غداة العرس أو نفساء [٢]
والهديّ: العروس. وقال المتلمّس أو غيره:
وطريفة بن العبد كان هديّهم ... ضربوا صميم قذاله بمهنّد [٣]
وأنا أعلم أنّ عامّة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي، لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا تفسير هذا الغريب، ولكنّى إن تكلّفت ذلك ضعّف مقدار كلّ كتاب منه [٤] . وإذا طال جدّا ثقل، فقد صرت كأنّي إنّما أكتبها للعلماء.
والله المعين.
стр. 68
وجلد الشّيخ يسودّ ويبيضّ. ويقول المتطبّبون وناس من المتفلسفين:
الصّقلبي [١] من لم تنضجه الأرحام فهو فطير [٢] . وأرحام الزّنجيات جاوزت الإنضاج وأحرقت الأولاد.
واحتجّ بعضهم بقول عبيد الله بن زياد بن ظبيان، لعبد الملك بن مروان: أنا والله أشبه بأبي من التّمرة بالتّمرة، والجمرة بالجمرة، والذّباب بالذباب، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بالذي لا يشبه أباه.
قال: ومن ذلك؟ قال: الذي لم تنضجه الأرحام ولم يولد لتمام [٣] ، ولم يشبه الأخوال ولا الأعمام [٤] .
وعبيد الله بن زياد لم يرد معنى هذا المتطّبب إنّما ذهب إلى أن عبد الملك كان ولد لسبعة أشهر [٥] .
وكذلك عامر الشّعبيّ [٦] ، وكذلك جرير بن الخطفى، وكذلك
стр. 69
قال الفرزدق.
وأنت ابن صغرى لم تتمّ شهورها [١]
ولم يرد اللّون، إنّما أراد تمام البدن في الطّول والعرض، لأنّ لون من ولد لسبعة أشهر ليس بالفاسد وقد زعموا أنّ البقير [٢] من الناس والخيل يخرج متغيّر الجلد، وأنّ ذلك يكون ملازما.
وحكوا ذلك عن لون خارجة بن سنان [٣] ، وعن جلد الفرس الذي قال فيه ابن أقيصر [٤] ما قال. وعن بعض أولاد نساء بني تغلب، ليلة نفر الجحّاف بن حكيم.
ولست أعرف تأويل قول عبيد الله بن زياد، لأنّ عبد الملك كان موصوفا بحسن اللّون.
ولما قال عبد الله بن قيس الرّقّيات [٥] في عبد الملك:
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذهب [٦]
стр. 70
قالوا: نشهد أنه قد كان رآه. وإن كان إنّما أراد أنّه لم يكن بتامّ اللحم والعظم، فما سمعنا أحدا عاب عبد الملك بقصر ولا نحافة، وإنّما كان أراد: ولد لسبعة أشهر؛ فإنّ الذين يولدون [١] لسبعة أشهر ليس القصر والنّحافة فيهم بأفشى وأشدّ استفاضة منه في غيرهم.
وقال عبد الملك للشّعبي: مالي أراك ضئيلا؟ قال: «يا أمير المؤمنين، زوحمت في الرحم» [٢] . يقول: إنّي ولدت توءم أخي. ولم يقل: لأنّي ولدت لسبعة أشهر.
وقال معاوية بن أوس الكليبي [٣] وكان أخا سنان بن أبي حارثة لأمّه:
سنانا دعوت وأشياعه ... وعوفا دعوت أبا قهطم [٤]
فقام فتى وشوشيّ الذّرا ... ع لم يتلبّث ولم يهمم [٥]
تمطّت به أمّه في النّفا ... س ليس بيتن ولا توءم [٦]
стр. 71
فكره أن يكون توءما؛ لأنّ التّوءم يكون ضئيلا.
وقد رأيت أنا غير الذي يقولون. ولعلّ بعض من رأيت وأكثر كانوا أغلظ عظما وأوثج وثاجة [١] ممن ولد لتمام. رأيت الحكم ومروان ابنى بشر بن أبي عمرو بن العلاء، وكان كلّ واحد منهما كالبغل المزنوق [٢] .
ورأيت الأخوين اللذين كانا يلقّبان بمنكر ونكير [٣] ، كان كلّ واحد منهما كالجمل المحجوم [٤] .
ورأيت الأخوين المازنّيين، وكان أحدهما إذا حمّ حمّ الآخر، وإذا رمد رمد الآخر، فلما مات أحدهما أوصى الآخر ومات بعده بقليل. وكان كلّ واحد منهما كأنّه الرّمح الرّدينيّ.
ولم أر فيهم نحيفا إلّا عبدان تلميذ يحنّا بن ماسويه [٥] .
حدّثني الحسن بن إبراهيم العلوي [٦] ، أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب ولد لسبعة أشهر. فمن كان أبرع عقلا وأتم قواما منه!
стр. 72
وليس بمستنكر أن ترى الواحد منهم بعد الواحد نحيفا.
قالوا: وإنّما صارت ألوان سكّان إقليم بابل السّمرة، وهى أعدل الألوان، لأنّهم لم يولدوا في جبال ولا على سواحل بحار [١] ، فخرجت عقولهم الباطنة من الاعتدال والاستواء على حسب ألوانهم وشمائلهم الظاهرة.
قالوا: ويولد المغرب والأقشر [٢] ولا يعدّونهما في البرصان، وإن كان بياضهما خارجا من المقدار، ولو أنّ بعض جلد المغرب صار لبعض السّودان والأدمان لعدّوهما لا محالة في البرصان.
قالوا: والزّنجىّ كلّ شيء منه أسود إلّا أسنانه وبياض مقلتيه. وعلى أنّ لون راحته وظفره لون من البياض والسواد [٣] .
وسأل بعض المعترضين: كيف اعترى أهل البادية البرص مع كثرة التّعب وقلّة الغذاء والجفاف؟
قالوا: وجدنا ذلك في عدد كثير من أهل الشّرف والنباهة فقد علمنا أنّه في أهل الخمول على أضعاف ذلك، إذ كان الخامل ليس فيه معنى يذكر من أجله بسلامة ولا آفة.
قالوا: فإن قالوا: لمكان اللبن وكل ما يجىء من اللّبن.
стр. 73
قيل له: فإنّ الزّطّ [١] في الآجام يداومون بين السّمك واللّبن، وهم مغتمسون في جميع أصناف الرّطوبات. وأهل البدو في بلاد الجفاء والجفاف، ويداومون بين اللّبن والتمر. وليس في الزّط من البرص ما ينكر، إلّا أن تكون الحرارة هي التي تقذف بالبلغم من أجواف أهل البدو إلى ظاهر جلودهم. وليس هو عندي كذا كما قالوا، ولكنّ العرب تتهاجى بالأشعار التي تشهر [٢] كلّ خير وشرّ، وتتعايب بالألفاظ المتعسّفة المستخشنة، التي تستدعي الرّواية والحكاية. والرّواة لا تعنى بلسان الزّط وسكّان الآجام؛ لهوانهم عليهم، ولأنّهم لم يتعايبوا بينهم بالكلام الذي يحفظ الرّواة مثله. ولو جمعتهم أيضا كلّهم لم يكونوا كقبيلة من قبائل بني سعد.
وهذا المقدار من عدد البرصان إنّما وجدتموه في جميع جزيرة العرب منذ كانت العرب إلى يومنا هذا. فهذا المقدار قليل، ولو قصدتم إلى أمّة من الأمم يكون عدد جماعتهم على الشّطر من عدد جماجم العرب [٣] لوجدتم عدد برصانهم على الضّعف من عدد برصان العرب. ولولا طعن الحاسد لهم والباغي عليهم لكنت عسى ألّا أتحمّل لك نسخ هذا الكتاب مع ثقله علىّ، وبالله التوفيق.
قالوا: والإنسان يعتريه البرش من شرب اللّبن وأكل التّمر. وقد هجا
стр. 74
بذلك الفرزدق بني سعد لقربهم من التّمر فقال:
ولست بسعديّ على فيه حبرة ... ولست بعبديّ حقيبته التّمر [١]
ولكّنني من دار وهب بن مالك ... وليس بحمد الله والدي الفزر
والفزر هو سعد نفسه [٢] .
وأمّا البرش الذي يعتري الأظفار فإنّ ذلك شيء يعتري الأظفار في حداثة السن. والسّواد يعتري الناس كثيرا في مواضع في جلودهم، يعتري الخصى والمذاكير، وربّما اعترى جلود الآباط وجلد العجمان.
وإذا كبر الشيخ جدا وصلع وطال عمره [٣] ، عاد لرأسه شعر أسود كالقنازع [٤] ، وقال الشاعر [٥] ، وهذا الشعر مبهم:
لنصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وعشرون حولا ثم قوّم فانصاتا [٦]
стр. 75
وعاد له شرخ الشّباب الذي مضى ... وراجع حلما بعد ما كان قد فاتا [١]
وعاد سواد الرأس بعد ابيضاضه ... ولكنّه من بعد ذا كلّه ماتا [٢]
ولم أورد [٣] هذا الشّعر لرداءة طبع صاحبه، ولكن لجهله شأن الشيوخ الهرمين. والشاعر الجاهليّ [٤] الذي أضيف هذا الشعر إليه لا يجهل أمر الشّيوخ في ذلك، وإنّما فسد لقوله:
وعاد له شرخ الشباب الذي مضى ... وراجع حلما بعد ما كان قد فاتا
وهذا باطل البتّة.
ومن البهق الأسود والأبيض. وإنّما ذلك على قدر النقص، فإن كان من المرّة السّوداء كان أسود، وإن كان من البلغم كان أبيض، وإذا ابيضّ جدّا لم يؤمن.
وتزعم الأعراب وناس من جهّال أصحاب الأخبار أنّ ناسا من العرب