← Адаб

Адаб · id 10538

البرصان والعرجان والعميان والحولان

الجاحظ

Полный текст (633 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فكره أن يكون توءما؛ لأنّ التّوءم يكون ضئيلا. وقد رأيت أنا غير الذي يقولون. ولعلّ بعض من رأيت وأكثر كانوا أغلظ عظما وأوثج وثاجة [١] ممن ولد لتمام. رأيت الحكم ومروان ابنى بشر بن أبي عمرو بن العلاء، وكان كلّ واحد منهما كالبغل المزنوق [٢] . ورأيت الأخوين اللذين كانا يلقّبان بمنكر ونكير [٣] ، كان كلّ واحد منهما كالجمل المحجوم [٤] . ورأيت الأخوين المازنّيين، وكان أحدهما إذا حمّ حمّ الآخر، وإذا رمد رمد الآخر، فلما مات أحدهما أوصى الآخر ومات بعده بقليل. وكان كلّ واحد منهما كأنّه الرّمح الرّدينيّ. ولم أر فيهم نحيفا إلّا عبدان تلميذ يحنّا بن ماسويه [٥] . حدّثني الحسن بن إبراهيم العلوي [٦] ، أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب ولد لسبعة أشهر. فمن كان أبرع عقلا وأتم قواما منه!

стр. 72

وليس بمستنكر أن ترى الواحد منهم بعد الواحد نحيفا. قالوا: وإنّما صارت ألوان سكّان إقليم بابل السّمرة، وهى أعدل الألوان، لأنّهم لم يولدوا في جبال ولا على سواحل بحار [١] ، فخرجت عقولهم الباطنة من الاعتدال والاستواء على حسب ألوانهم وشمائلهم الظاهرة. قالوا: ويولد المغرب والأقشر [٢] ولا يعدّونهما في البرصان، وإن كان بياضهما خارجا من المقدار، ولو أنّ بعض جلد المغرب صار لبعض السّودان والأدمان لعدّوهما لا محالة في البرصان. قالوا: والزّنجىّ كلّ شيء منه أسود إلّا أسنانه وبياض مقلتيه. وعلى أنّ لون راحته وظفره لون من البياض والسواد [٣] . وسأل بعض المعترضين: كيف اعترى أهل البادية البرص مع كثرة التّعب وقلّة الغذاء والجفاف؟ قالوا: وجدنا ذلك في عدد كثير من أهل الشّرف والنباهة فقد علمنا أنّه في أهل الخمول على أضعاف ذلك، إذ كان الخامل ليس فيه معنى يذكر من أجله بسلامة ولا آفة. قالوا: فإن قالوا: لمكان اللبن وكل ما يجىء من اللّبن.

стр. 73

قيل له: فإنّ الزّطّ [١] في الآجام يداومون بين السّمك واللّبن، وهم مغتمسون في جميع أصناف الرّطوبات. وأهل البدو في بلاد الجفاء والجفاف، ويداومون بين اللّبن والتمر. وليس في الزّط من البرص ما ينكر، إلّا أن تكون الحرارة هي التي تقذف بالبلغم من أجواف أهل البدو إلى ظاهر جلودهم. وليس هو عندي كذا كما قالوا، ولكنّ العرب تتهاجى بالأشعار التي تشهر [٢] كلّ خير وشرّ، وتتعايب بالألفاظ المتعسّفة المستخشنة، التي تستدعي الرّواية والحكاية. والرّواة لا تعنى بلسان الزّط وسكّان الآجام؛ لهوانهم عليهم، ولأنّهم لم يتعايبوا بينهم بالكلام الذي يحفظ الرّواة مثله. ولو جمعتهم أيضا كلّهم لم يكونوا كقبيلة من قبائل بني سعد. وهذا المقدار من عدد البرصان إنّما وجدتموه في جميع جزيرة العرب منذ كانت العرب إلى يومنا هذا. فهذا المقدار قليل، ولو قصدتم إلى أمّة من الأمم يكون عدد جماعتهم على الشّطر من عدد جماجم العرب [٣] لوجدتم عدد برصانهم على الضّعف من عدد برصان العرب. ولولا طعن الحاسد لهم والباغي عليهم لكنت عسى ألّا أتحمّل لك نسخ هذا الكتاب مع ثقله علىّ، وبالله التوفيق. قالوا: والإنسان يعتريه البرش من شرب اللّبن وأكل التّمر. وقد هجا

стр. 74

بذلك الفرزدق بني سعد لقربهم من التّمر فقال: ولست بسعديّ على فيه حبرة ... ولست بعبديّ حقيبته التّمر [١] ولكّنني من دار وهب بن مالك ... وليس بحمد الله والدي الفزر والفزر هو سعد نفسه [٢] . وأمّا البرش الذي يعتري الأظفار فإنّ ذلك شيء يعتري الأظفار في حداثة السن. والسّواد يعتري الناس كثيرا في مواضع في جلودهم، يعتري الخصى والمذاكير، وربّما اعترى جلود الآباط وجلد العجمان. وإذا كبر الشيخ جدا وصلع وطال عمره [٣] ، عاد لرأسه شعر أسود كالقنازع [٤] ، وقال الشاعر [٥] ، وهذا الشعر مبهم: لنصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وعشرون حولا ثم قوّم فانصاتا [٦]

стр. 75

وعاد له شرخ الشّباب الذي مضى ... وراجع حلما بعد ما كان قد فاتا [١] وعاد سواد الرأس بعد ابيضاضه ... ولكنّه من بعد ذا كلّه ماتا [٢] ولم أورد [٣] هذا الشّعر لرداءة طبع صاحبه، ولكن لجهله شأن الشيوخ الهرمين. والشاعر الجاهليّ [٤] الذي أضيف هذا الشعر إليه لا يجهل أمر الشّيوخ في ذلك، وإنّما فسد لقوله: وعاد له شرخ الشباب الذي مضى ... وراجع حلما بعد ما كان قد فاتا وهذا باطل البتّة. ومن البهق الأسود والأبيض. وإنّما ذلك على قدر النقص، فإن كان من المرّة السّوداء كان أسود، وإن كان من البلغم كان أبيض، وإذا ابيضّ جدّا لم يؤمن. وتزعم الأعراب وناس من جهّال أصحاب الأخبار أنّ ناسا من العرب

стр. 76

ومن قريش خاصّة، أصابهم الماء الأصفر والبرص جميعا، وأنّ بعضهم اكتوى فبرأ منه جميعا. وبعضهم وجأ بطنه بحديدة فبرأ منهما جميعا، وبعضهم اكتوى فمات. فمن الذين ماتوا: مسافر بن أبي عمرو بن أمية [١] . وأمّا الذي وجأ بطنه فبرأ منهما جميعا: أبو عزّة الجمحي [٢] الشاعر. قال ابن الكلبيّ: سمعت أبي وأبا مسكين قالا: كان عمرو بن عبد الله بن وهيب بن حذافة بن جمح، وهو أبو عزّة الشّاعر، أصابه برص فسقي بطنه [٣] ، فأخرجته قريش من مكة مخافة العدوى، وهم يخافون عدوى الجذام والبرص والجرب والصّفر والعدسة والجدريّ [٤] . قالا [٥] : وكان إذا جنّ عليه اللّيل أوى إلى شعاب في تلك الجبال، فإذا حميت عليه الشمس استذرى بظلال الأشجار، فلمّا طال عليه البلاء

стр. 77

أخذ مدية فوجأ بها جنبه ليموت فيستريح، فسال ذلك الماء، وذهب ما كان به من برص، فأقام أيّاما ثم دخل إلى قريش كما كان يدخل، فقال: لا همّ ربّ وائل ونهد ... واليعملات والخيول الجرد [١] وربّ من يسعى بأرض نجد ... أصبحت عبدا لك وابن عبد أبرأت منّي وضحا بجلدي ... من بعد ما طعنت في معدّي [٢] وقالوا: ممّن كشح بالنار: [٣] مسافر بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس، كان وفد على النعمان فسقى بطنه هناك، وأصابه وضح، فقيل للنّعمان: ليس له دواء إلّا الكيّ، وخبّروه بشأن أبي عزّة، فكواه فمات. وهو الذي قال عند الكيّ [٤] : قد يضرط العير والمكواة في النّار فأرسلها مثلا، فرثاه أبو طالب في كلمة له طويلة: ليت شعري مسافر بن أبي عم ... رو، وليت يقولها المحزون [٥]

стр. 78

رجع الوفد سالمين جميعا ... وخليلي في مرمس مدفون [١] بورك الميّت الكريم كما بو ... رك نضح الرّمّان والزّيتون [٢] وفيه يقول بعض العبليّين [٣] : ومكشوح لدى النّعمان أمسى ... هّبالة بيته بيت الخيار [٤] يفوق بنفسه، ويرى بياضا ... بكشحيه كتلماع النّهار [٥] لأنّه مات بموضع يقال له «هبالة» . وممّن اكتوى فبرص: الكوّاء، واسمه عمرو، وهو أبو عبد الله بن الكوّاء [٦] ، وإخوته النّسّابون الذين يقال لهم بنو الكوّاء. وفي الكّواء

стр. 79

وأخيه يقول الشاعر: غرابان هذا أبقع اللّون منهما ... وهذا غداف فاحم اللّون مصمت وممن اكتوى فبرص: المكشوح المراديّ، واسمه هبيرة بن عبد يغوث، وهو أبو قيس بن المكشوح الفارس الرئيس. والمكشوح الذي يقول: فما وضحي من داء سوء علمته ... ولكنّ كيّ النّار في الجلد يوضح وفي بني الكوّاء يقول الشاعر: إلى معشر بيض الكشوح مصاقع ... عليهم جلود النّمر خنس المعاطس وإنّما قال مصاقع لأنّهم خطباء. وابن الكوّاء يذكر في الخطباء والنسّابين، وفي العوران، ولذلك لمّا قال له معاوية: فما تقول في نفسك؟ قال: أعور سمين! كانوا يميلون إلى قول الخوارج. وأمّا قول الشاعر: عليهم جلود النّمر فإنّما يعني التّبقيع والتفليس [١] الذي في جلودهم من البياض، وكانوا فطسا.

стр. 80

ومن البرصان عبد العزّى بن كعب بن سعد [١] قال أبو نخيلة: واحد حمّان كقوم حمّ [٢] . وإنّما سمّى حمّان لأنّه كان ألطع، فكان يحمّم شفتيه. والتحميم: التسويد في هذا الموضع. ولذلك قال الشاعر في أبان بن عثمان بن عفّان [٣] في أوّل ما ظهر به البياض، قال: له شفة قد حمّم الدّهر بطنها ... وعين يعمّ النّاظرين احولالها [٤] وكان أحول أبرص أعرج. وبفالج أبان يضرب أهل المدينة المثل [٥] . وكان في بني عثمان، عوران، وعرجان، وحولان، وبرصان. كان

стр. 81

سعيد بن عثمان أعور، وكان أبان أحول [١] . وقال مالك بن الرّيب: وما كان في عثمان عيب علمته ... سوى أبن في نجله ثمّ أدبرا [٢] فلولا بنو حرب لطلّت دماؤكم ... بطون العظايا من كسير وأعورا لأنّ بطن العظاية أبرص. وكان أيمن بن خريم [٣] لمكان الوضح الذي [في] يده وأصابعه وشفتيه ووجهه، يدلك هذه المواضع بالحصّ، والحصّ هو الورس، ليكون أخفى للبياض. فقال الأقيشر [٤] يهجوه بذلك:

стр. 82

يعالج بالحصّ البياض فلم يصب ... دواء وما داواك عيسى بن مريما. ومن البرصان السّادة والفرسان القادة الرّبيع بن زياد وهو أحد الكملة [١] ، وهو كان قائد عبس وعبد الله بن غطفان في حرب داحس، وبنو زهير بن جذيمة تحت لوائه. وكان رحّالا وكثير الوفادات، شاعرا. وكان بالمنذر خاصّا، وله نديما، وكان الملك لا يشعر بالذي به من الوضح، حتّى قال لبيد بن ربيعة [٢] : مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه ... إنّ استه من برص ملمّعه [٣] وإنّه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتّى توارى أشجعه [٤]

стр. 83

كأنّما يطلب شيئا أطمعه [١] قال: فلمّا ترك الملك مؤاكلته ومنادمته تجرّد ثمّ غدا بين يديه ذاهبا وجائيا. فقال الملك: قد قيل ذلك إن حقّ وإن كذب ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا [٢] وأنا لا أظنّ هذا البيت كان قيل إلا قبل ذلك اليوم. قال:. ومن البرصان الأشراف المذكورين ومن آباء القبائل والعمائر يربوع حنظلة وإيّاه عنى أوس بن حجر حين قصد إلى تقريع عامر بن مالك ملاعب الأسنّة [٣] ببعض الوقائع فقال:

стр. 84

كان بنو الأبرص أقرانكم ... فأدركوا الأحدث والأقدما [١] إذ قال عمرو لبني مالك ... لا تعجلوا المرّة أن تحكما [٢] والله لولا قرزل إذ نجا ... لكان مثوى خدّك الأخر ما [٣] نجّاك همّاس هزيم كما ... أحميت وسط الوبر الميسما [٤]

стр. 85

باتوا يصيب القوم ضيفا لهم ... حتّى إذا ما ليلهم أظلما [١] قروهم شهباء ملمومة ... مثل حريق النار أو أضرما [٢] ففات من أفلت من عامر ... ركضا وقد أعجل أن يلجما [٣] . ومن البرصان الرّؤساء والأشراف الشّعراء ومن الرّحالين إلى الملوك والحكّام من العرب ضمرة بن ضمرة النّهشليّ [٤] وهو الذي لما

стр. 86

رآه الملك [١] نحيفا قال: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» . وزعم أبو عبيدة أنّه أحد من حكم بالرّشوة. وهو الذي يقول: بكرت تلومك بعد وهن في النّدى ... مهلا عليك ملامتي وعتابي [٢] أأصرّها وبنيّ عمّي ساغب ... فكفاك من إبة عليّ وعاب [٣] وهو الذي يقول: الآن ساغ لي الشّراب ولم أكن ... آتي التّجار ولا أشدّ تكلّمي [٤] وأبأت يوما بالنّسار بمثله ... وأخذت يوما من حديث الموسم [٥]

стр. 87

ومشت نساء في الرّفاق عباهلا ... من بين عارفة السّباء وأيّم [١] لحق الرّماح ببعلها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوّم والخيل من خلل الغبار خوارج ... كالتمر ينثر من جراب الجرّم [٢] وقال فيه الشاعر [٣] :

стр. 88

أضمرة ترجو الأبلق الاست والقفا ... وما مثلنا في مثلها لك غافر [١] أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من جمع عليك قراقر [٢] قال أبو عبد الرحمن [٣] : من البرص الأشراف ومن الرؤساء المتوّجين: مالك ذو الرّقيبة [٤] وهو الذي أخذ فداء حاجب بن زرارة، وغصب الزّهدميين ذاك [٥] ، وكان حاجب أسير [٦] الزهدمين من بني

стр. 89

عبس. وفي مديح مالك يقول المسيّب بن علس [١] : ولقد رأيت الفاعلين معا ... فلذي الرّقيبة مالك فضل [٢] كفّاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرّق جزل [٣] واحتجوا بشعر عوف بن الخرع [٤] ، في الوضح الذي كان على ظهر كفّه حيث يقول: ولقد أراك وما تؤبّن هالكا ... عدل الأصرّة في السّنارم الأكوم [٥]

стр. 90

حتّى تروّحت المخاض عشية ... فتركت مخلوطا مخاطك بالدّم عبد رضعت بثدي ذات رضاعة ... مثل الزّبابة، بظرها لم يكلم [١] تبكي إليك إذا عرفت سوادها ... كبكا الفقير إلى الغنيّ المنعم [٢] . ومن البرصان الأشراف المذكورين والفرسان المشهورين شيطان بن عوف بن مزيد لم يكن يوم مبايض [٣] فارس مثله، وكان أبرص، على فرس كثير الأوضاح، فلما رجعت بنو تميم عن تلك الوقعة لامهم وقال:

стр. 91

خرجتم برؤساء ثلاثة إلى حيّ حريد [١] ، ثم جئتم منهمزمين وقد قتل منكم رئيسان! قالوا: والله ما لقينا إلا شياطين [٢] برصا، على خيل بلق!. ومن البرصان والخطباء ومن الأشراف الرؤساء قيس بن خارجة ابن سنان بن أبي حارثة خطيب غطفان، وهو الذي لمّا ضرب بسيفه مؤخّرة رحل أبيه خارجة بن سنان، والحارث بن عوف الحاملين [٣] وقال لهما: مالي في هذه الحمالة أيّها العشمتان [٤] ؟ قالا: فما عندك؟ قال: عندي رضا كلّ ساخط، وقرى كلّ نازل، وخطبة من لدن تطلع الشّمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتّواصل، وأنهى فيها عن التّقاطع. فلمّا خطب بتلك الخطبة التي سمّيت «العذراء [٥] » وضربوا بها المثل، فقال عجلان بن سحبان [٦] : ولا كأخي ذهل إذا قام قائلا ... ولا الأسلع الحمّال حين يجيب [٧]

стр. 92

فجعل قيسا أيضا حاملا، وضرب به المثل. وقولهم: الأسلع والأبرص سواء، ولذلك قال جرير في قتل أنس الفوارس عمرو بن عدس [١] ، وكان من المشّهرين بالبرص: هل يذكرون على ثنيّة أقرن ... أنس الفوارس حين يهوي الأسلع [٢] وكانوا ثلاثة إخوة [٣] : الربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، بني زياد، وهم الكملة من بني عبس. وقيل لأمّهم: أيّ بنيك أكمل؟ قالت: أنس، لا بل عمارة، لا بل الربيع، ثكلتهم إن كنت أدري أيّهم أكمل. وهي التي قالت في بعض الكملة [٤] : «ما حملته وضعا [٥] ، وما

стр. 93

وضعته يتنا [١] ، ولا سقيته غيلا [٢] ، ولا أبتّه على مأقة [٣] » . ولمّا سمعوا بأنّ الأسلع هو الأبرص قالوا في قول مساور بن هند [٤] : منّا بنو بدر ومنّا هاشم ... والحارثان ومالك والأسلع [٥] فزعموا أنّ الأسلع القيسي كان أبرص. وهذا لا يجب، قد يجب

стр. 94

أن يكون اسمه الأسلع، ويجب أن يكون ذا سلعة، ويجب أن يكون أبرص، ولا بدّ من أن يكون على ذلك دليل: إمّا شعر وإمّا حديث، وإمّا أن يقول ذلك العلماء. فإن جاءوا مع ذلك بشاهد فهو أصحّ للخبر، وإن لم يأتوا بشاهد فليس قولهم حجّة. وأمّا قول عجلان [١] : «ولا كأخي ذهل [٢] » فإنما عنى دغفل بن حنظلة [٣] الخطيب العلامة. غرق دغفل يوم دولاب، حين عبر الناس في دجيل مع حارثه بن بدر الغداني أيام الأزارقة. قال ابن الكلبي: من البرصان الأشراف [٤] سعد الأثرم بن حارثة ابن لأم أخو أوس بن حارثة بن لأم، ولكنّ إفراط نباهة أخيه هذا

стр. 95

غمره [١] . قال: ومن البرصان الأشراف: المرقّع بن صيفيّ بن رباح [٢] وأنشدوا قول الشاعر: الله يعلم والأقوام قد علموا ... أنّ المرقّع مرقوع بأوضاح الوضح: وضح الصّبح، يقال: «أبين من وضح الصّبح [٣] » . والوضح من الدرهم [٤] . والوضح اللّبن. قالوا: حبّذا الوضح [٥]

стр. 96

والوضح: كناية عن البياض. والبياض كناية عن البرص. وأوضاح الخيل: ما فيها من البياض. وحلى الفضّة تسمّى الأوضاح [١] . قال كميت: ولاح من الكعاب مخبّات ... من الأوضاح والقدم الخضيب [٢] . ومن البرصان الأشراف: عامر بن حوط الأبرش [٣] قيل له ذلك كما قيل لجذيمة «الأبرش» بعد أن كان يقال له الأبرص، إكبارا له،

стр. 97

وكناية عما يكره. وهو أخو بني عبد مناة بن بكر بن ضبّة [١] . وهو القائل: ولقد علمت لتأتينّ عشية ... ما بعدها خوف عليّ ولا عدم وولجت بيت الحقّ ليس بباطل ... ما إن أبالي من تقوّض وانهدم [٢] وليس من هذين البيتين دليل على أنه كان أبرص، إلّا أنّ رواة أشعار بني ضبّة زعموا ذلك. وأنشدني جعفر الضبّي بيتا كان يجعله دليلا على برصه، وهو بيت لا يقطع الشهادة، ولكنّه يقرّب إلى ما قالوا، وهو قوله: لو كان ينجو من الآفات ذو كرم ... كان ابن حوط مكان الشمس والقمر [٣] . ومن البرصان السادة والأشراف الخطباء والفرسان المذكورين والخوارج المقدّمين ابن الفجاءة [٤] وكذلك كان ابنه، وكذلك كان أخوال أبيه، لا يعرف في البرص أعرق من ابن قطريّ المذكور في هذا

стр. 98

الكتاب، فإنه المقابل المدابر [١] ، والمعمّ المخول [٢] ، لأنّ أخواله بنو الحبناء، وأعمامه آل الفجاءة. قال أبو عبيدة وأبو الحسن: خرج جرموز المازنيّ [٣] إلى قطريّ بن الفجاءة، وهو بين الصّفّين، فقال له: بلغني أنّك تشترى السّيف بعشر بن ألف درهم وأكثر [٤] . قال أفلا أبعث إليك ببنيّ تجبرهم [٥] وتغنيهم؟ قال قطريّ: إن بعثت إليّ بهم ضربت أعناقهم وبعثت إليك برءوسهم! قال جرموز: يا عجبا، بنوك وعيالك في منزلي بالبصرة أمونهم، وأبعث إليك ببنيّ تضرب أعناقهم! قال قطريّ: إنّ الذي صنعت بعيالي [شيء [٦]] تراه في دينك، والذي أصنع بعيالك شيء أراه في ديني. قال له جرموز: هل أصبت بعدي ولدا؟ قال: نعم. قال: فدعا بغلام شابّ على برذون فقال جرموز: لعلّك أفسدته بشيء من هذه الأعاجم ومن هذه السّبايا! قال: معاذ الله، أمّه الوجناء بنت الحبناء. ثم قال: يا جرموز، إنّ به العلامة التي بنا أهل البيت. يعني الوضح، يقول: إن رأيته فاعرفه. وهو جرموز بن الفجاءة أخو قطريّ بن الفجاءة.

стр. 99

قالوا: وكان الأقيشر الأسدي أبرص، ولذلك سمّوه الأقيشر [١] . وكان مع ذلك يهجو البرصان بالبرص. وقد فعل ذلك بأيمن بن خريم وغيره. وكان الأقيشر يلعب بالحمام [٢] ، ويشرف في جوف منزل أبي الصّلت الثّقفى [٣] . وكان إذا طيّر الحمام يصفر بفيه ويصفّق بيديه. وإن سقط فرخ على حائط جاره رماه. فقال أبو الصّلت: بطن العظاية كم تمكو على شرف ... وكم تراجم جار البيت من كثب [٤] فالمكو: صفير أو شبيه بالصفير. وكان من عمل أهل الجاهليّة، قال الله : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [٥] . وقد ذكر غيره المكو حيث يقول:

стр. 100

تمكو فريصته كشدق الأعلم [١] والمكو [٢] : شيء بين النّفخ والصّفير، لأنّه لما طعنه نفخ بالدّم فخرج منه الدّم مكانه. قال: وكان بالحكم بن أبي العاص [٣] بياض، ولذلك حين اطّلع في منزل النبي ﷺ قال: «من يعذرني من الوزغة [٤] » . وقال حسّان، أو عبد الرحمن بن حسان، أو سعيد بن عبد الرحمن ابن حسان، للحكم وأولاده، وبني عثمان: بطون العظايا سرع ما قد نسيتم ... بموسم أهل الجمع لطمة أسعد

стр. 101

وللنّصف الثاني من هذا البيت تفسير يدخل في المثالب. سمعت الأصمعيّ وسأله رجل عن بعض المثالب فقال: إني والله ما أقول، إنّي لأحسنها ولكن أدعها تحرّجا، ولكن والله إن علّمنيها الله قطّ. قال أبو الحسن وأبو عبيدة: قال الزبير لعثمان بن عفّان في شأن ابنه عبد الله [١] : إني والله ما ألد العوران والعرجان والبرصان، ولا الحولان. قال:. ومن البرصان أبو هوذة بن شمّاس الباهلي أحد بني قتيبة. قال أبو الحسن [٢] : قال معاوية يوما: والله لهممت أن أملأ سفينة من باهلة فأبعث بها إلى اليمّ، فإذا توسّطوا غرّقتهم [٣] ! قال: فقال له أبو هوذة بن شمّاس: إذا ما رضينا بعددهم من بني أميّة [٤] ! قال: اسكت أيّها الغراب الأبقع. فقال هوذة: إنّ الغراب ربّما مشى إلى الرّخمة حتّى ينقر عينها [٥] ! فلمّا كان بعد ذاك قال له ابنه يزيد: هلّا قتلته؟ ثم إن معاوية أرسله في بعض البعوث فقتل، فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى وأعفى [٦] ! قال أصمّ باهلة [٧] في شمّاس بن هوذة بن شمّاس:

стр. 102

أشمّاس لو كانت صحاحا جلودكم ... عذرت ولكنّ الشآميّ أرقط فبهذا البيت حمل بعض النّاس كلّ من قيل في الشّعر [١] إنّه أرقط أنّه أبرص. وليس ذلك بالواجب. يقولون: حميد الأرقط، وهو حميد بن مالك [٢] ، الراجز ولم يزعم أحد أنّه كان أبرص. وخلّاد بن يزيد الأرقط [٣] ، ولم يكن بأبرص. وأمّ جميل الرّقطاء [٤] صاحبة المغيرة بن شعبة، ولم يزعم أحد أنّها كانت برصاء، وعبيد الله بن زياد كان أرقط،

стр. 103

وقد جاء ذكره في الشّعر [١] . والرّقط في البراذين والدّجاج والحمام والسّمك. ويوصف به قميص الخمّار [٢] . قال الشّاعر: كأنّ دجاجهم في الدار رقطا ... وفود الرّوم ترفل في الحرير [٣] وقال حسّان بن ثابت، إن كان قاله [٤] : الثقفي» . وفي الإصابة ١٦١٦: «الحجاج بن عبد الله، ويقال ابن عبد، ويقال بن عتيك» . وفيها عن عمر بن شبة: أنّ المرأة التي رمي بها المغيرة هي أمّ جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية.

стр. 104

بني أسد ما بال آل خويلد ... يحنّون شوقا كلّ يوم إلى القبط [١] إذا ذكرت قهقاء حنّوا لذكرها ... وللرّمث المقرون والسمك الرّقط [٢] وهذا الشعر كفر، لأنّ خديجة الواسطة من آل خويلد [٣] . والزّبير ابن العوام، كما قال رسول الله ﷺ : «الزّبير ابن عمّتي، وحواريّي من أمّتي [٤] » . وحسان لم يكن كافرا.

стр. 105

وفي الحيّات الرّقط وغير الرّقط. فأمّا الوزغ والعظاء فإنّ الرّقط فيها عامّ [١] . وأمّا سربال الخمّار [٢] فكما قال معاوية بن أوس [٣] : وزقّ سبأت لدى تاجر ... تمّلأ كالرّجل الأسحم [٤] ضربت بفيه على نحره ... وقائمه كيد الأجذم ترى القار في جلده واضحا ... وسرباله رقط الأرقم [٥] فليس يجب لقولهم فلان الأرقط أن يكون أبرص، إلا أن يكون عليه شاهد من شعر أو مثل أو حديث، أو يقول ذلك بعض الثّقات من العلماء فيكون مقبولا. وربّما سمّوا الأبقع ثم يصغّرون ذلك فيقولون بقيع. من ذلك حديث

стр. 106

يزيد بن عياض بن جعدبة اللّيثي [١] قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك، وعلى المدينة أبان بن عثمان، فأرسل إليه بديحا ليستأذنه [٢] ، فقال أبان: فليبعث إليّ بجاريته فلانة. فرجع إليه فأخبره فقال: أمّا الجارية فلا ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع فقل له أما الجارية فلا. فقال أبان: فليبعث إلىّ بغلامه الزّامر. قال عبد الله: نعم، وهو يشبهه. فأذن له فوفد إلى عبد الملك.. ومن البرصان الأشراف من الملوك جذيمة بن مالك صاحب الزّبّاء وقصير [٢] ، وكان يقال له جذيمة الأبرص، فلمّا ملك قالوا على وجه الكناية: «جذيمة الأبرش» ، فلما عظم شأنه قالوا: «جذيمة الوضّاح» . ولم يقولوا: جذيمة الأوضح، لأنّهم يضعون هذا الاسم في موضع الكناية عن الأبرص، وذلك كثير. وليس في الأرض أبرص يقال له الوضّاح غير جذيمة، ومن يقال له الأوضح كثير. والكناية إذا طال استعمالهم لها صارت

стр. 107

كالإفصاح [١] . فمن ذلك أنّهم كنوا عن الفرج فقالوا: كشف علينا متاعه. فصار المتاع والفرج سواء. والفرج والقبل والدّبر كلّه أيضا كنايات: وكذلك الخلا والحشّ والغائط كلّها كنايات. وكذلك البراز [٢] والزّبل والنّجو كنايات، والاسم الخرو، وجمعه خروان [٣] . وقالوا في الكناية: فلان يدعو إلى نفسه، فلما طال ذلك وكثر قام في القبح مقام الأوّل. وقالوا في الكناية عن قولهم: زنت فلانة: قحبت. والقحاب: السّعال. وقال الشاعر في شاة له: وإذا ما قحبت واحدة ... جاوب المبعد منها فخضف [٤] فكأنّهم كانوا في التقدير يضعون سعلت مكان زنت، فلما طال ذلك صار قولهم: قحبت، أقبح من قولهم: زنت.

стр. 108

وربّما قيل للأبرص: أبرش، وأقشر، وأنمش، وأرقط، وأبقع، ومبقّع وبقيع، ومولّع، ومرقّع. وبكلّ ذلك جاء الشعر. قال السّيّد الحميريّ، وكان إذا قضى وطره من الكلام لم يكن يحفل بما وراء ذلك. والسيّد حميريّ، وهو السيّد بن محمد [١] ، ويكني أبا هاشم، ومولده بعمان، ومنشؤه بالبصرة. ومات في خلافة الرشيد. قال في هجائه لأبي بكر، وعمر [٢] ، وعبد الله بن عمر، ولغيرهم من الصحابة: فبعدا وسحقا لتلك الوجوه ... للجبت والعدل والأبرش [٣] [عتيق] وصاحبه الظّالمين ... وعجلهما ذلك الأرقش [٤] فيا نفس حتّى متى تبلطين ... على الخائن الأوّل المرتشى [٥] ثم قال: فهذا ولا قول نعمانهم ... ولا قول سفيان والأعمش أمّا العلماء فلم يقل أحد منهم إن أبا بكر كان أبرش، وكذلك عمر،

стр. 109

ولا قال أحد منهم إنّ عبد الله بن عمر كان أرقش، وهو الذي سمّاه العجل، وكان شديد الأدمة، أتاه ذلك من قبل أخواله آل مظعون [١] . ومن العجب خبر ضبر الأعمش [٢] مع أبي حنيفة وسفيان، وهذان من المرجئة والأعمش من الغالية. وقال ابن عنقاء الفزاريّ [٣] في المرقّع بن ذي الرّأسين [٤] ، وهو أبو شوّال بن المرقّع: فقلت لشوّال توقّ ذبابه ... ولا تحم أنفا أن يخيم مرقّع [٥] وقال أبو عاصم في أيمن بن خريم [٦] فيما أظنّ: فأرغم الله أنفا أنت حامله ... وزاد جلدك في تبقيعه بقعا جلد تسربل ثوب الذّلّ ظاهره ... واستبطن اللّؤم حتّى ضاق فانصدعا

стр. 110

قالوا: ومن البرصان ثم من بني ضبّة عامر الأبرش [١] وأجمعوا على أنّه كان أبرص وأنّ الأبرش كان كناية.. ومن سمّي الأبرش ولم يكن أبرص الأبرش الكلبي وهو سعيد بن الوليد [٢] ، وكنيته أبو مجاشع، وكان أخصّ الناس بهشام وأغلبهم عليه. وقد كان به برش، وكانت فيه عفّة. ولم يقل أحد من أجل أنّه كان يدعى الأبرش أنّه كان أبرص. ومنهم: البرشاء، أم قيس بن ثعلبة [٣] وأخته تسمّى الجذماء [٤] ، فزعم بعض الناس أنّها كانت برصاء، ولم يأت على ذلك دليل.
следующие страницы →