← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وتوفى يوم الجمعة سادس ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. ١٠٣ - عبد الله بن عبد الباقى بن التبان الواسطى، ثم البغدادى، أبو بكر الفقيه، ويسمى محمد وأحمد أيضا. قال ابن الجوزى: كان من أهل القرآن، وسمع من أبى الحسين بن الطيورى وتفقه على ابن عقيل، وناظر وأفتى ودرس. وكان أميا لا يكتب. توفى فى شوال سنة أربع وأربعين وخمسمائة عن تسعين سنة. ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. وقال ابن شافع: كان مذهبيا جيدا، وخلافيا مناظرا، ومن أهل القرآن. بقى على حفظه لعلومه إلى أن مات. وذكر: أنه توفى يوم الخميس ثامن شوال المذكور، وله تسعون سنة أو أزيد وقال ابن النجار: درس المذهب على ابن عقيل حتى برع فيه. وكان يتكلم فى مسائل الخلاف، ويفتى ويدرس سمع الحديث من أبى منصور الخياط، وابن الطيورى وأبى الحسن بن الدهان المرتب. وحدث باليسير. وسمع منه المبارك بن كامل، وأبو الفضل بن شافع. ١٠٤ - الجنيد بن يعقوب بن الحسن بن الحجاج بن يوسف الجيلى، الفقيه الزاهد، أبو القاسم بن أبى يوسف بن أبى على. ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة بتولم: من أرض جيلان. كذا ذكره ابن السمعانى عنه. وذكر ابن شافع عنه: أنه ولد سنة خمسين. ثم قدم بغداد، وأقام بباب الأزج. وقرأ الفقه على يعقوب البرزبيني، والأدب على أبى منصور بن الجواليقى.

стр. 212

وسمع الحديث من أبى محمد التميمى، وأبى الحسن الهكارى، وأبى الحسن بن العلاف، ومن طلحة العاقولى، والقاضى أبى الحسين، وغيرهم. وحدث باليسير. وكتب بخطه الكثير من الفقه والأصول والخلاف والحديث والأدب. وكان فاضلا دينا، حسن الطريقة. جمع كتابا كبيرا فى استقبال القبلة ومعرفة أوقات الصلاة. ذكر ذلك ابن النجار. وروى عنه ابن عساكر، والسمعانى، وقال: شيخ صالح حسن السيرة. وقال أبو العباس بن لبيدة عنه: كان صادقا زاهدا ثبتا، لم يعرف عليه إلا خيرا قال: وتوفى يوم الأربعاء سادس عشرى جمادى الآخرة سنة ستة وأربعين وخمسمائة. وصلّى عليه الشيخ عبد القادر بمدرسته. ودفن من يومه بمقبرة الجلبة. رحمه الله تعالى. قرأت بخط أبى القاسم الجنيد بن يعقوب الجيلى فى بعض تعاليقه فى حادثة جاءت من بلد الهكار: قطعة جبل لرجل عليها شجر نابت، وتحتها أرض لرجل آخر مزروعة، انقطعت القطعة فسقطت على الأرض التى تحتها، فسترتها وصارت حاضنة لها، مانعة لصاحبها من زراعتها، والشجر بحاله ثابت فى تلك القطعة لا يستضر صاحبها، لكن صاحب الأرض التى تحتها يستضر: ما الحكم فى ذلك؟ الجواب - وبالله التوفيق -: أنه يحتمل القيمة؛ لأنها صارت كالمستهلكة فهى كاللآلئ إذا ابتلعها عبده. انتهى. ولم يعز الجنيد هذا الجواب إلى أحد بعينه والظاهر: أنه جوابه بنفسه. وفيما قاله نظر؛ فإن جناية العبد تفارق بقية جنايات الأموال؛ لأن العبد مكلف مختار، فلا تسقط جنايته وتتعلق برقبته، وإن لزم من ذلك فوات حق المالك. وهذا بخلاف جنايات البهائم؛ فإنه لا يضمن مالكها إلا أن ينسب إلى نوع من تفريط فى حفظها، على ما فيه من اختلاف وتفصيل. وأما الجنايات الحادثة من أمواله التى لا حياة فيها: فلا ضمان عليه فيها إلا

стр. 213

أن ينسب إلى نوع تفريط، مثل من مال حائطه إلى جاره أو إلى الطريق، فإنه إذا لم يعلم به فلا نعلم خلافا فى أنه لا ضمان عليه، وإن علم وامتنع من النقض حتى سقط فأتلف، ففى وجوب الضمان عليه خلاف مشهور. فهذه الأرض الساقطة بسيل أو غيره على أرض الغير تشبه ما تلف بسقوط الجدار ونحوه. وقد يقال: المتلف نوعان. أحدهما: ما فات ولم يمكن إعادته من مال ونفس، فهذا الذى تكلم الفقهاء فى ضمانه على ما سبق ذكره. والثانى: ما هو باقى، ولكن المالك بينه وبين مالكه. فهذا يلزم المالك الذى حال ملكه بينه وبين مالكه: أن يخلى بين المالك ليأخذه. فإذا عجز فهل يقال: يلزمه ضمانه لحيلولة ملكه. فقد ذكره صاحب المحرر فى مسودته على الهداية فيما إذا ابتلعت بهيمته جوهرة فى حال لا يلزم المالك ضمان جنايتها: هل يلزمه هنا شئ أم لا؟ وبيض لذلك. ولكن كلام ابن عقيل وغيره فى مسألة من وقع فى محبرته دينار لغيره بغير تفريط منه: أنه يلزمه بذلها للكسر مضمونة، ولا يلزمه أكثر من ذلك يدل على أنه لا يلزمه ضمان ما حال ملكه بينه وبين مالكه، وأنه لا يلزمه أكثر من بذل التسليم للمالك، ليخلص ملكه. وهذا يبقى الضمان عند العجز. وهو الأظهر. ولو قيل: إنه يلزمه الأجرة مدة الانتفاع ببقاء أرضه على أرض غيره، إلحاقا بمن حمل السيل غراسه إلى أرض آخر. قلنا: يلزمه الأجرة، وفيه نظر. والله أعلم. والذى ذكره القاضى وابن عقيل فيمن ابتلعت بهيمته ما لا لغيره يبقى، كذهب وجوهر: فإن كان يلزمه الضمان وكانت مأكولة: فهل تذبح لاستخراجه؟ على وجهين؛ للنهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، وإن كانت غير مأكولة تعين الضمان، وإن لم تكن مضمونة عليه فلا ضمان.

стр. 214

ولكن قياس ما ذكر ابن عقيل فى سقوط الدينار فى المحبرة: أنه يخير مالك المال المبتلع بين أن يذبح المأكول ويضمن نقصه، وبين أن يتركه. والله أعلم. ١٠٥ - عبد الملك بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد علي الأنصارى الشيرازى، ثم الدمشقى، القاضى بهاء الدين بن شرف الإسلام بن الشيخ أبى الفرج. وقد تقدم ذكر أبيه وجده. تفقه وأفتى ودرس وناظر. وذكره أبو المعالى حمزة بن القلانسى فى ذيل تاريخ دمشق، فقال: كان إماما فاضلا، مناظرا مستقلا، مفتيا على مذهب الإمام أحمد وأبى حنيفة، يحكم عليه، ما كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم والتقدم. وكان يعرف اللسان الفارسى مع العربى. وهو حسن الحديث فى الجد والهزل. توفى يوم الاثنين سابع عشر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وكان له يوم مشهود. ودفن فى جوار أبيه فى مقابر الشهداء - يعنى: بالباب الصغير، وكثر الباكون حول سريره من العالم، والمثنون له والمتأسفون عليه. رحمه الله تعالى ١٠٦ - عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن محمد السامرى الفقيه، أبو الفتح. ولد يوم الاثنين ثانى عشر ذى الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وسمع الكثير من أبى بكر الطريثيثى، وثابت بن بندار، والمبارك بن عبد الجبار، وأبى سعد بن خشيش، وجعفر السراج، وغيرهم. وتفقه على أبى الخطاب الكلوذانى. وحدث باليسير، روى عنه جماعة. توفى ليلة الاثنين ثالث عشر محرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. ١٠٧ - أيوب بن أحمد بن تيموه الباجرائى الفقيه الحنبلى. ويكتب بخطه: القاضى أيوب.

стр. 215

قال ابن النجار: سمع ابن ناصر الدسكرى. والقاضى أبا الحسين بن الفراء. وحدث عنه بأصبهان بيسير. سمع منه أبو الكرم سعد بن الحسين بن ولاد المدينى. توفى فى ذى القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. قلت: ووجدت خطه كثيرا على كتب كثيرة من كتب الأصحاب، قرئت عليه، وحدث بالغيلانيات. سماعه من ابن الحصين. ١٠٨ - الحسن بن محمد بن الحسين الراذانى الأوانى، ثم البغدادى، الفقيه الواعظ أبو على الزاهد، ابن الزاهد أبى عبد الله. وقد تقدم ذكر أبيه. ولد أبو على بأوانا، وسمع ببغداد من أبى الحسين بن الطيورى، ومن بيان وابن شهاب، وابن خشيش، ومن الحافظ بن ناصر، ولازمه إلى أن مات. وتفقه على أبى سعد المخرمى، ووعظ وتقدم. ولما توفى ابن الزاغونى أخذ حلقته بجامع المنصور فى النظر والوعظ، وطلبها ابن الجوزى فلم يعطها لصغر سنه. سمع منه ابن السمعانى،. وقال: واعظ حسن السيرة متودد. وسمع منه أبو الحسن بن عبدوس الحرانى الفقيه جزءا فيه أجوبة عن مسائل وردت من الموصل، تتضمن عدة مسائل من أصول الدين، أجاب عنها فى كراس، بجواب حسن موافق لمذهب أهل الحديث. وذكر عبد المغيث الحربى، فى بعض مؤلفاته: فتيا من فتاويه، فى تحريم السماع. قال ابن الجوزى: توفى يوم الأربعاء رابع صفر سنة ست وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد إلى جانب ابن سمعون بمقبرة الإمام أحمد. وكان موته فجأة؛ فإنه دخل إلى بيته ليتوضأ لصلاة الظهر، فقاء فمات. وكان قد تزوج وعزم تلك الليلة على الدخول بزوجته. وفى تاريخ ابن السمعانى وابن شافع: أنه توفى سادس صفر.

стр. 216

١٠٩ - عبد الرحمن بن محمد بن على بن محمد الحلوانى، الفقيه الإمام أبو محمد بن أبى الفتح، وقد سبق ذكر أبيه. ولد سنة تسعين وأربعمائة. تفقه على أبيه، وأبى الخطاب، وبرع فى الفقه وأصوله، وناظر وصنف تصانيف فى الفقه والأصول، منها: كتاب «التبصرة» فى الفقه، كتاب «الهداية» فى أصول الفقه. رأيت بخطه ما يقتضى؛ أن له تعليقة فى مسائل الخلاف كبيرة، وله تفسير القرآن فى إحدى وأربعين جزءا حدث به. وروى عن أبيه، وعلى بن أيوب البزار، والمبارك ابن عبد الجبار، والحسين الخلال، وأبى نصر بن ودعان، وغيرهم. سمع منه يحيى ابن طاهر بن النجار الواعظ، وغيره. قال ابن شافع: كان فقيها فى المذهب، يفتى وينتفع به جماعة أهل محلته. وقال ابن النجار: كان موصوفا بالخير والصلاح والفضل. وقال ابن الجوزى: كان يتجر فى الخل، وينتفع به، ولا يقبل من أحد شيئا. وتوفى فى يوم الاثنين سلخ ربيع الأول سنة ست وأربعين وخمسمائة. وصلّى عليه من الغد الشيخ عبد القادر بالمصلى القديم بالجلبة. ودفن بداره بالمأمونية. وذكر الحافظ المنذرى فى التكملة فى ترجمة ولده أبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحلوانى المتوفى سنة أربع عشرة وستمائة: أنه سمع بإفادة والده هذا من ابن المعالى بن السمين وغيره. قال: ووالده أبو محمد عبد الرحمن كان من شيوخ الحنابلة وله معرفة بالفقه والتفسير، وحدث. قال: والحلوانى - بفتح الحاء المهملة وسكون اللام - وهذه النسبة إلى بيع الحلواء أو عملها.

стр. 217

قلت: المعروف أنه بضم الحاء، وما أظنه منسوبا إلا إلى حلوان البلد المعروف بالعراق. ١١٠ - محمود بن الحسين بن بندار أبو نجيح بن أبى المرجا بن أبى الطيب الأصبهانى، الطلحى، الواعظ المحدث. سمع الحديث الكثير، وطلب بنفسه وقرأ. سمع بأصبهان كثيرا من يحيى بن منده الحافظ، ومن أبى الفتح أحمد بن محمد ابن أحمد الحداد. ورحل إلى بغداد، وسمع بها من أبى الحصين، والقاضى أبى الحسين والطبقة. وكتب بخطه كثيرا. وخطه حسن متقن. ووعظ وقال الشعر. وسمع منه يحيى بن سعدون القرطبى، حدث عنه أبو عبد الله محمد بن بكر الأصبهانى وغيره. وأجاز للشيخ عبد المغيث زهير وأولاده، ولأبى المعالى بن شافع وغيرهما. وتوفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة - أظنه بأصبهان ﵀ قرأت بخطه فى الإجازة: فليرووا عنى بلفظة التحديث، وإن أرادوا بلفظة الإخبار. قلت: وهذا وإن اشتهر عند المحدثين من المتأخرين إنكاره، كما أنكره الخطيب على أبى نعيم الأصبهانى، لكن هو قول طوائف من علماء الحديث. وقد روى عن الإمام أحمد رضى الله عنه، أخبرنا أبو الفتوح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، حدثنا أبو المعالى أحمد بن يحيى الخازن من لفظه ببغداد، حدثنا أبو الكرم المبارك بن الحسن الشهرزورى إملاء، قال: سمعت الإمام أبا محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمى يقول: حدثنى عمى أبو الفضل عبد الواحد ابن عبد العزيز التميمى قال: سمعت غلام الخلال يقول: سمعت الخلال يقول: قال الإمام أبو عبد الله أحمد رضى الله عنه لولده صالح: إذا أجزت لك شيئا فلا تبالى. قلت: أخبرنا أو حدثنا.

стр. 218

وروى الخطيب بإسناده عن أبى اليمان الحكم بن نافع قال: قال لى أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبى حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضا، وبعضا قرأه على، وبعضا أجاز لى، وبعضا مناولة. فقال أحمد: قل فى كل: أخبرنا شعيب. وقد روى هذا المذهب عن مالك، والحارث بن مسكين. وذكره ابن الصلاح فى كتابه عن الزهرى ومالك وغيرهما من المتقدمين. وحكاه ابن شاهين عن طائفة من العلماء. وذكر السلفى فى مقدمته لإملاء الاستذكار: أن مذهب أبى عمر بن عبد البر وعامة حفاظ الأندلس: الجواز فيما يجاز قول حدثنا وأخبرنا، أو ما شاء المجاز مما يقرب منه. قال: بخلاف ما نحن وأهل المشرق عليه من إظهار السماع والإجازة، وتمييز أحدهما عن الآخر بلفظ لا إشكال فيه. وقد صنف بعض المحدثين المتأخرين فى جواز إطلاق: حدثنا وأخبرنا فى الإجازة جزءا. ١١١ - أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن نجا بن محمد بن على بن محمد الأزجى، القاضى أبو على ابن شاتيل. سمع من أبى محمد التميمى، ونصر بن البطر، وابن طلحة النعالى، وأبى بكر ابن سوسين، وشيخ الإسلام الهكارى - وسمع منه سنة أربع وخمسين وأربعمائة. كذا ذكره القطيعى. وفيه نظر - وغيرهم. وتفقه على أبى الخطاب الكلوذانى، وولى القضاء بربع سوق الثلاثاء مدة، ثم ولى قضاء المدائن. ذكره ابن السمعانى، فقال: أحد فقهاء الحنابلة وقضاتهم. قال: وكتبت عنه يسيرا. وذكر ابن القطيعى فى تاريخه: أنه سمع منه جماعة. ثم روى عن أبى إسحاق الصقال الفقيه عنه.

стр. 219

وذكر: أنه توفى يوم السبت سابع عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى. ١١٢ - أحمد بن أبى غالب بن الطلاية الحربى الزاهد، أبو العباس الوراق ولد بعد الستين وأربعمائة. وقرأ القرآن. وسمع من أبى القاسم عبد العزيز بن على الأنماطى جزءا من حديث المخلص، واشتهر به. وسمعه منه خلق، فنسب الجزء إليه. وقد سمعناه. ثم اشتغل بالعبادة، ولازم المسجد يتعبد فيه ليلا ونهارا حتى انطوى من كثرة التعبد، فكان رأسه إذا قام عند ركبتيه. قال ابن الجوزى: حدثنى أبو الحسن بن غريبة، قال: جاء إليه رجل فقال: سل لى فلانا فى كذا، فقال أحمد: قم معى فصل ركعتين، واسأل الله تعالى؛ فإني لا أترك بابا مفتوحا وأقصد بابا مغلقا. توفى ليلة الاثنين حادى عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ودفن إلى جانب ابن سمعون بمقبرة الإمام أحمد، بباب حرب. أخبرنا أبو الفتح الميدومى، أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا القاضى أبو منصور عبد الملك ابن أبى على المبارك بن عبد الملك بن الحسن البغدادى الحريمى - ويعرف بابن القاضى، وقد سبق ذكر ترجمته فى هذا الكتاب - أخبرنا أبو العباس ابن الطلاية، أخبرنا أبو القاسم الأنماطى، أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا مالك بن سعيد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «من ستر على مسلم عورة ستره الله تعالى فى الدنيا والآخرة - وذكر الحديث».

стр. 220

١١٣ - محمد بن ناصر بن محمد بن على بن عمر السلامى، الفارسى الأصل، ثم البغدادى، الأديب اللغوى، الحافظ أبو الفضل بن أبى منصور. ولد ليلة السبت نصف شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. كذا ذكره ابن الجوزى وابن السمعاني عنه. وفى تاريخ ابن النجار: ليلة الخميس، وكان والده شابا تركيا، محدثا فاضلا من أصحاب أبى بكر الخطيب الحافظ توفى فى شبيبته. ومحمد جده اسمه «آي دغدي» وأبو جده على اسمه «تكين المضافرى» التركى الحر. وتوفى ناصر وأبو الفضل هذا صغير، فكفله جده لأمه أبو حكيم الحيرى الفرضى، فأسمعه فى صغره شيئا من الحديث يسيرا، وشغله بحفظ القرآن، والفقه على مذهب الشافعى. ثم إنه صحب أبا زكريا التبريزى اللغوى، وقرأ عليه الأدب واللغة، حتى مهر فى ذلك. ثم جد فى سماع الحديث، وصاحب فى قراءة الأدب على التبريزى، وسماع الحديث أبا منصور بن الجواليقى. وكان فى أول الأمر أبو الفضل أميل إلى الأدب، وابن الجواليقى أميل إلى الحديث. وكان الناس يقولون: يخرج ابن ناصر لغوى بغداد، وابن الجواليقى محدثها. فانعكس الأمر، فصار ابن ناصر محدث بغداد، وابن الجواليقى لغويها. ولازم ابن ناصر أبا الحسن بن الطيورى. وسمع منه الكثير. وسمع من أبى القاسم بن البسرى، وأبى طاهر بن أبى الصقر - وهو أول شيخ سمع عليه. وذلك سنة ثلاث وسبعين - وأبى الحسن العاصمى، ومالك البانياسى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، وأبى محمد التميمى، وطراد، والنعال، وابن البطر. وأكثر عن المتأخرين بعدهم، وعنى بهذا الفن. وبالغ فى الطلب والسماعات. وكانت له إجازات قديمة من أبى الحسين بن النقور، والصريفينى، وأبى القاسم بن عليك، وأبى صالح المؤذن، وابن ماكولا الحافظ وغيرهم، وخالط

стр. 221

أصحابنا الحنابلة ومال إليهم، وانتقل إلى مذهبهم؛ لمنام رأى فيه النبى ﷺ وهو يقول له: عليك بمذهب الشيخ أبى منصور الخياط. وقد سقناه بكماله فى ترجمة الشيخ أبى منصور. وساقه ابن النجار مختصرا، وفى آخره قال ابن ناصر: ثم أخذت فى سماع كتب أحمد ومسائله، والتفقه على مذهبه، وذلك فى رمضان سنة ثلاث وتسعين قال السلفى: سمع ابن ناصر معنا كثيرا، وهو شافعى أشعرى، ثم انتقل إلى مذهب أحمد فى الأصول والفروع، ومات عليه، وله جودة حفظ وإتقان، وحسن معرفة. وهو ثبت إمام. قال أبو موسى المدينى: هو مقدم أصحاب الحديث فى وقته ببغداد. وقال ابن الجوزى: كان حافظا ضابطا، متقنا، ثقة من أهل السنة، لا مغمز فيه. وكان كثير الذكر، سريع الدمعة. وهو الذى تولى تسمعي الحديث، وعنه أخذت ما أخذت من علم الحديث. وقال أيضا: قرأت عليه ثلاثين سنة، ولم أستفد من أحد كاستفادتى منه. وقال ابن النجار: كان جيد النقل، صحيح الضبط، كثير المحفوظ، له يد باسطة فى معرفة النحو واللغة. وكانت أصوله فى غاية من الصحة والإتقان. وكان ثقة نبيلا، حجة، حسن الطريقة، متدينا فقيرا، متعففا نظيفا نزها، وقف كتبه على أصحاب الحديث. رأيت بخطه وصية له أوصى بها، ذكر فيها صفة ما يخلفه من التركة، وهو ثياب بدنه، وكلها خلق مغسولة، وأثاث منزله - وكان مختصرا جدا - وثلاثة دنانير من العين، لم يذكر سوى ذلك، ومات ولم يعقب. قال: وسمعت ابن سكينة، وابن الأخضر وغيرهما يكثرون الثناء عليه، ويصفونه بالحفظ والإتقان والديانة، والمحافظة على السنن والنوافل. وذكره ابن السمعانى فى كتابه، فقال: حافظ ثقة، دين خير، متقن متثبت

стр. 222

وله حظ كامل من اللغة، ومعرفة تامة فى المتون والأسانيد، كثير الصلاة، دائم التلاوة للقرآن الكريم، مواظب على صلاة الضحى، غير أنه يحب أن يقع فى الناس، ويتكلم فى حقهم. وقد رد هذا عليه الحافظ أبو الفرج بن الجوزى ردّا بليغا. وقال صاحب الحديث: ما يزال يجرح ويعدل. وقد احتج بكلام ابن ناصر فى أكثر التراجم، فكيف عول عليه فى الجرح والتعديل، ثم طعن فيه؟ ولكن هذا من تعصب ابن السمعانى على أصحاب أحمد. وذكر كلاما كثيرا. ونقل ابن السمعانى فى ترجمة أحمد بن على الطريثيثى عن ابن ناصر: أن الطريثيثى، كان كذابا ضعيفا فى الرواية، لا يحتج به، ولا يعتمد على روايته. ثم قال أبو الفضل: لا يحسن الكلام؛ فإنه إذ قال: كذاب، لا يحتاج أن يقول: لا يعتمد على روايته، وإذا رماه بالكذب فلا يقال: إنه ضعيف فى الرواية؛ فإن الضعف دون الكذب. قال الحافظ أبو محمد بن الأخضر ما معناه: قول شيخنا «كذاب» لأنه روى ما ليس من سماعه، ونهى عن ذلك فلم ينته. وقوله «ضعيف فى الرواية» حيث لم يميز صحيح حديثه من سقيمه. و «لا يحتج به» لأنه ليس من شرط الصحيح بهذا الوصف. و «لا يعتمد على روايته» لوجوب هذا التخليط فى معرفته وحديثه، فلو وصفه بمجرد الكذب لما كان من أهله؛ لأنه ليس من قبيل من يضع متنا ولا يهيئ على متن إسناد، فصاحب الترجمة لم ينفرد بوصف من هذه الأوصاف، بل اشتمل عليها جميعها، فكان الجرح على حسبها. قال: وقول ابن السمعانى: إن ابن ناصر لا يحسن الكلام، عىّ من القول وقصور عن إدراك الفهم، أتراه من أدرك فى رحلته من اشتمل بصفة شيخنا فى طبقته من حفظ وإتقان، ودوام صلاة وصيام، وأوراد كثيرة، لا يقطعها فى أوقاتها، وحسن خط لم يماثله عالم فى تحقيقه وضبطه، حتى إنه لا يفتقر من قرأ كتابه

стр. 223

إلى إسناد، ولا من يعرفه طريق الإسناد، ويفيد من حفظه علوما جمة. له فى كل وصف شريف سيرة حسنة، يعلو شخصه المهابة، كأنه أحد الصحابة، فكيف يستجيز من تعقل وتفهم أن يطلق من لفظه، وقد شاء هذه أنه لا يحسن أن يتكلم؟ قلت: حدث ابن ناصر بالكثير، وأملى الحديث، واستملى للأشياخ الكثير وخرج لهم التخاريج الكثيرة، وتكلم فيها على الأسانيد، ومعانى الأحاديث وفقهها، وله مصنف فى مأخذ فى اللغة على الغريبين للهروى، ومصنف فى مناقب الإمام أحمد فى مجلد، وجزء فى الرد على من يقول: إن صوت العبد بالقرآن غير مخلوق. وروى عنه خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، كالسلفى، وابن عساكر، وأبى موسى، وابن السمعانى، وابن الجوزى، وابن الأخضر، وابن سكينة، وعبد الرزاق بن عبد القادر، ويحيى بن الربيع مدرس النظامية، وأبى بكر محمد ابن غنيمة بن الحلاوى الفقيه الحنبلي، وأبى اليمن الكندى، وخلق كثير. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن بن المقير. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة، وصلّى عليه قريبا من جامع السلطان، ظاهر السور بالجانب الشرقى، ثم بجامع المنصور، ثم بالحربية ودفن بمقبرة باب حرب، إلى جانب أبى منصور بن الأنبارى تحت السدرة. وذكر ذلك ابن الجوزى، وقال: حدثنى أبو بكر بن الخضرى الفقيه، قال: رأيته فى المنام، فقلت: يا سيدى، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى، وقال لى: قد غفرت لعشرة من أصحاب الحديث فى زمانك؛ لأنك رئيسهم وسيدهم. رحمه الله تعالى. وذكر غيره: أنه صلّى عليه أولا على باب جامع السلطان أبو الفضل بن شافع بوصية منه، ثم صلّى عليه الشيخ عبد القادر، ثم ابن الفواريرى بجامع المنصور، ثم عمر الحربى بالحربية، ودفن وقت الظهر، وكانت جنازته عظيمة، وحضره عالم كثير. رحمه الله تعالى.

стр. 224

أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا أبو الفرج الحافظ، حدثنا محمد بن ناصر الحافظ من لفظه، أخبرنا أبو طاهر محمد ابن أحمد بن أبى الصقر، أخبرنا أبو الحسن بن ميمون بن محمد الحضرمى، أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة. حدثنا أبو عبد الرحمن النسائى، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: «سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحى؟ قال: فى مثل صلصلة الجرس، فيفصم عنى وقد وعيت عنه، وهو أشد علي، وأحيانا يأتينى فى مثل صورة الفتى، فيفيده إلى». ومن غرائب ما حكى عن ابن ناصر: أنه كان يذهب إلى أن السلام على الموتى، يقدم فيه لفظة «عليكم» فيقال: عليكم السلام؛ لظاهر حديث أبى حرى الهجيمى. وذكر فى بعض تصانيفه: أن الإحداد على الميت بترك الطيب والزينة لا يجوز للرجال بحال، ويجوز للنساء على أقاربهن ثلاثة أيام، دون زيادة عليها ويجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. ١١٤ - عبد الملك بن محمد بن عبد الملك بن دويل اليعقوبي، المؤدب أبو الكرم. ولد بعد السبعين والأربعمائة، وسمع من أبى النرسى، وأبى الغنائم بن المهتدى، وإسماعيل بن ملة، وعبد القادر بن يوسف. وحدث وسمع منه ابن الخشاب، وابن شافع، وابن المندائى، وابن الأخضر. قال أبو الفضل بن شافع: كان رجلا صالحا من خيار أصحابنا، تفقه على ابن عقيل، وسمع الحديث الكثير. وتوفى سنة خمسين وخمسمائة، ودفن بباب أبرز.

стр. 225

قال وأنشدنا: يا أهل ودى ويا أهلا دعوتكم … بالحق لكنها العادات والنوب أشبهتم الدهر فى تلوين صبغته … فكلكم حائل الألوان منقلب ١١٥ - أحمد بن الفرج بن راشد بن محمد المدنى الوراق، البغدادى، القاضى أبو العباس. من أهل المدينة، قرية فوق الأنبار. ولد فى عشر ذى الحجة سنة تسعين وأربعمائة. وقرأ القرآن بالروايات على مكى بن أحمد الحنبلى وغيره. وتفقه على عبد الواحد ابن سيف. وسمع من أبى منصور محمد بن أحمد الخازن، وأبى العباس بن قريش، وأبى غالب القزاز، وأبى بكر بن عبد الباقى وغيرهم. وشهد عند قاضى القضاة الزينبى. وولى القضاء بدجيل مدة. وحدث، وروى عنه ابن السمعانى، وغيره. وتوفى يوم السبت سادس ذى الحجة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. ١١٦ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سعدان الأزجى، الفقيه أبو المظفر سمع الحديث من القاضى أبى الحسين وابن العز بن كادش. وتفقه على القاضى أبى الحسين، وأبى بكر الدينورى، ولازمه. وروى عن أبى محمد بن القحف الواعظ شيئا. روى عنه أحمد بن طارق. وكتب عنه المبارك بن كامل حكاية بغير إسناد فى معجمه. قال صدقة ابن الحسين فى تاريخه. كان فقيها كيسا من أصحاب أبى بكر الدينورى. توفى فى ذى القعدة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. ودفن بباب حرب وسماه مظفرا.

стр. 226

١١٧ - محمد بن خذاداذ بن سلامة بن خذاداذ العراقى المأمونى المباردى الحداد الكاتب الفقيه الأديب، أبو بكر بن أبى محمد، ويعرف بنقاش المبارد. سمع من نصر بن البطر، والحسين بن طلحة، وأبى نصر الزينبى، وأبى الخطاب بن الجراح، وطراد، وأبي طاهر بن قيداس، والمبارك بن عبد الجبار، وابن الحصين. وغيرهم. وتفقه على أبى الخطاب. وكتب خطا حسنا. ذكره ابن السمعاني، فقال: أحد فقهاء الحنابلة. درس الفقه على محفوظ الكلوذانى، يسكن المأمونية، شيخ صالح، كتبت عنه يسيرا. وقال ابن نقطة: حدث، وسماعه صحيح. وذكره ابن القطيعى، فقال: من أهل القرآن والفقه، وطريقته فى النسخ معروفة بالسرعة. وروى قديما عن عبد الله بن جابر بن ياسين. ثم ساق حديثا عن أحمد بن أبى السرايا التاجر عن محمد بن خذاداذ حدثنا عبد الله بن جابر بن ياسين سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. قال ومما أنشده لنفسه: لما رأيت أوار الحب فى كبدى … أجريت دمعى على الخدين مهمولا وقلت: يا قلب صبرا بعد بينهم … ليقضى الله أمرا كان مفعولا وقال ابن النجار: كان فقيها مناظرا أصوليا، تفقه على أبى الخطاب، وعلق عنه مسائل الخلاف، وقرأ الأدب، وقال الشعر. وكان خطه رديئا. روى لنا عنه ابن الأخضر، وثابت بن شرف. وكان صدوقا. وتوفى محمد بن خذاداذ ليلة الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وصلّى عليه من الغد بمسجد بن جردة. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى. وأبوه خذاداذ بن سلامة أبو محمد الحداد، نقاش المبارد.

стр. 227

ذكره ابن السمعانى أيضا، وقال: كان من فقهاء الحنابلة، يسكن المأمونية. سمع أبا نصر الزينبى. وحدث بشئ يسير. سمع منه، أفاد الطلبة، كتب لى الإجازة. وتوفى فى نصف رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وصلّى عليه بجامع المنصور. ودفن بباب حرب. وقال ابن نقطة: حدث عنه أبو القاسم بن عساكر. وقيد ابن نقطة «خذاداذ» بدال مهملة بين ذالين معجمتين. ١١٨ - سالم بن عبد الله بن عبد الملك الشيبانى الفقيه الزاهد، أبو الفتح. صحب أبا بكر الدينورى، وسمع من الشريف أبى العز بن المختار، وأبي الغنائم النرسى، وغيرهما. وحدث باليسير. سمع منه الشريف أبو الحسن الزيدى، وإبراهيم بن الشعار، وأبو الفضل ابن شافع، وقال عنه: كان فقيها زاهدا مخمولا، ذكره عند أبناء الدنيا، رفيعا عند الله، وصالح عباده، وقال صدقة بن الحسين: كان فقيها متزهدا. توفى ليلة الأربعاء سابع شعبان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى. ١١٩ - أحمد بن معالى - ويسمى عبد الله أيضا - بن بركة الحربى. تفقه على أبى الخطاب الكلوذانى، وبرع فى النظر. ذكره ابن الجوزى فى عدة مواضع من كتبه، كالطبقات والتاريخ، وقال: كان له فهم حسن، وفطنة فى المناظرة. قال: وسمعت درسه مدة، وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعى، ثم عاد إلى مذهب أحمد، ووعظ. وقال صدقة بن الحسين: كان شيخا كبيرا قد نيف على الثمانين، فقيها مناظرا

стр. 228

عارفا له مخالطة مع الفقهاء، ومعاشرة مع الصوفية. وكان يتكلم كلاما حسنا، إلا أنه كان متلونا فى المذهب. وتوفى فى يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وخمسمائة وصلّى عليه الشيخ عبد القادر. ودفن بمقبرة باب حرب. وكان سبب موته: أنه ركب دابة فانحنى فى ضيق ليدخل، فاتكى بصدره على قربوس السرج فأثر فيه، وانضم إلى ذلك إسهال، فضعفت القوة. وكان مرضه يومين أو ثلاثة. ﵀. وله تعليقة فى الفقه وقفت على جزء منها. ١٢٠ - الحسين بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله العباسى الهاشمى المقرئ، الأديب أبو على. ولد فى حادى عشر شوال سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وقرأ القرآن. وسمع قديما من أبى غالب الباقلانى، وأبى الحسن بن العلاف وشهفير، وابن أبى الفوارس الشاعر، وابن الحصين، وأبى بكر اللفتوانى وغيرهم. وحدث. وكان يؤم فى مسجد ابن الثعلبى الزاهد، وكان فيه لطف وظرف وأدب، ويقول الشعر الحسن، مع دين وخير. وجمع سيرة المسترشد، وسيرة المقتفى، وجمع لنفسه مشيخة، وجمع كتابا سماه «سرعة الجواب ومداعبة الأحباب» أحسن فيه. قال ابن النجار: وكان أديبا فاضلا، يقول الشعر ويروى الحكايات والنوادر. وكان صالحا متدينا صدوقا. روى لنا عنه ابن الأخضر، وغيره. وذكره ابن السمعانى، وقال: كان صالحا فاضلا، له معرفة بالأدب والشعر. ومن شعره مما كتبه فى بعض الأجائز. أجزت للسادة الأخيار ما سألوا … فليرووا عنى بلا بخس ولا كذب

стр. 229

مهما أحيوه من شعر ومن خبر … ومن جميع سماعاتى من الكتب وليحذروا السهو والتصحيف من غلط … ويسلكوا سنة الحفاظ فى الأدب قال ابن النجار: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هبة الله الضرير النحوى. أنشدنا الشريف أبو على الحسن بن جعفر لنفسه هذه القصيدة فى آخر ترجمة الحسين بن جعفر الآتى ذكره: الدهر يعقب ما يضر وينفع … والصبر أحمد ما إليه المرجع والمرء فيما منه كان مصيره … حينا، وليس عن المنية مدفع فاحذر مفاجأة المنون؛ فإنه … لا يلتجى منها ولا يستشفع أين الذين تجمعوا وتحصنوا … وتوثقوا وتجيشوا وتمنعوا وتعظموا وتحشموا وتجبروا … وتكبروا وتمولوا وترفعوا؟ صاحت بهم نوب الزمان فأسرعوا … وحدى بهم حادى البلى فتقطعوا ألا احتموا عنه بعضب باتر … أو صانعوه بالذى قد جمعوا؟ كانت منازلهم بهم مأنوسة … فتفرقت أوصالهم وتضعضعوا واستوطنوا الأجداث بعد قصورهم … وسفت على الآثار ريح زعزع ماذا أعدوا فى الجواب لمنكر … أن غرهم فيه، وماذا يصنع؟ وجدوا الذى عملوا: فوجه أبيض … بجميل طاعته، ووجه أسفع أبتى كن متمسكا بنصيحتى … فالدهر ذو غر يجور ويخدع واحذر مجاورة الحسود، فإنه … بخلاف ما فى نفسه يتذرع وعليك بالخلق الجميل، فإنه … من كل شئ يقتنى لك أنفع وتجنب الدنيا وكن متقنعا … فالحرّ يرضى بالقليل ويقنع وخذ الكتاب بقوة، واعمل بما … أمر المهيمن؛ فهو حق يتبع واسلك سبيل رسوله فى أمره … تنجو به؛ فهو الطريق المهيع واعلم بأن الله ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) …﴾ إليه مصيرنا والمرجع

стр. 230

حى قديم واحد متنزه … صمد، تذل له الرقاب وتخضع متكلم عدل جواد منعم … بالقسط يعطى من يشاء ويمنع ذو العرش لا يخفى عليه سريرة … منا، ويعلم ما نقول ويسمع فى الحشر يظهر للعباد بلطفه … كل يذل له، وكل يخضع بالعدل يحكم فى القيامة بيننا … ونبينا فينا إليه يشفع خير البرية بعده صديقه … هو فى الخلافة سابق مستتبع وكذلك الفاروق أكرم صاحب … من بعده، خبر جواد سلفع ومجهز الجيش العظيم، ومن ثوى … مستسلما فى الدار وهو يبضع وحبيبه ونسيبه وصفيه … وحسامه ذاك البطين الأنزع لهم المناقب والمواهب والعلى … هم والصواحب والنجوم الطلع وهم الذين بهم يفوز محبهم … يوم المعاد وكل ذخر ينفع قال ابن القطيعى: أنشدنى إبراهيم بن محمد بن أحمد الشاهد الفقيه - هو ابن الصقال - أنشدنا الشريف أبو علي بن المتوكل على الله لنفسه. يا ذا الذى أضحى يصول ببدعة … وتشيع وتمشعر وتمعزل لا تنكرن تحنبلى وتسننى … فعليهما يوم المعاد معولى إن كان ذنبى حب مذهب أحمد … فليشهد الثقلان أنى حنبلى ومن شعره أيضا: بشرقى بغداد لى حاجة … سأقضى وما خلتها تنقضى ديون على ما طل ظالم … ووجد بمستكبر معرض أحن إليه حنين المحب … ويهجرنى هجر المبغض ومن شعره أيضا: ألا بأبى من صدّعنى، وإنه … على صده شخص إلىّ حبيب تجنبنى خوف الوشاة وفى الحشا … رسيس جوى ما ينقضى ووجيب

стр. 231

ولى كبد حرى عليه قريحة … وقلب معنىّ فى هواه يذوب هموا نسبوا حبى إلى غير عفة … وظنوا بنا سوءا وذلك حوب وو الله، ما حدثت نفسى بريبة … وحاشا لمثلى أن يقال مريب قال ابن الجوزى: توفى فى جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ودفن بمقبرة باب حرب. وفى تاريخ ابن القطيعى: أنه توفى ليلة الاثنين لخمس عشرة ليلة مضت من جمادى الأولى من السنة المذكورة. وذكر ابن النجار عن عمر القرشى: أنه توفى يوم الأحد ثانى عشر جمادى الأولى ١٢١ - محمد بن أحمد بن علىّ بن عبد الله الابرادى، البغدادى، الفقيه أبو الحسن بن أبى البركات. وقد سبق ذكر أبيه. تفقه على ابن عقيل. وسمع منه، ومن أبيه أبى البركات، وأبى الحسن بن الفاعوس. وحدث باليسير. سمع منه أبو الفضل بن شافع. وتوفى يوم الجمعة خامس شعبان سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ودفن عند باب المختارة. أرخ وفاته: صدقة بن الحسين، وابن نقطة، وابن النجار. وقد اشتبه على بعض الناس وفاته بوفاة أبيه، كما سبق فى ترجمة أبيه. ١٢٢ - أحمد بن مهلهل بن عبد الله بن أحمد البردانى. قال ابن النجار: هو من قرية «برد» بسكون الراء - من بلد إسكاف المقرئ - الزاهد الضرير، أبو العباس، ويعرف بالأزجى. كان من أهل القرآن والزهد والعبادة. روى عن أبى طالب اليوسفى وغيره، وحدث.

стр. 232

ذكره ابن القطيعى، وقال: سمعت أبا الحسن البراندسي الفقيه يقول: كان هذا الشيخ يصلى فى كل يوم أربعمائة ركعة. وتوفى يوم الخميس غرة جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. وقال ابن النجار: كان منقطعا فى مسجده لا يخالط أحدا، مشتغلا بالله . وكان الإمام المقتفى يزوره، وكذلك وزيره ابن هبيرة. والناس كافة يتبركوا به. وكان قرأ طرفا صالحا من الفقه على أبى الخطاب الكلوذانى، ثم على أبى بكر الدينورى. وسمع الحديث من أبى غالب الباقلانى، وأبى الغنائم النرسى، وأبى طالب اليوسفى، وغيرهم. وحدث باليسير. روى عنه أبو الفضل بن شافع وأبو بكر الباقدارى. ١٢٣ - سعيد بن الحسين بن شنيف بن محمد الديلمى الدارقزى، الأمين أبو عبد الله. ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وسمع من أبى عبد الله الحسين بن محمد السراج، والحسين بن طلحة النعال، وابن الطيورى، وغيرهم. وتفقه فى المذهب. وكان إماما بجامع دار القز، وأمينا للقاضى بمحلته وما يليها. وكان شيخا صالحا، ثقة، حدث. وروى عنه جماعة، منهم: ابنه أبو عبد الله الحسين. وتوفى ليلة السبت رابع عشر ذى الحجة سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.

стр. 233

١٢٤ - أحمد بن أبى غالب بن أحمد بن غالب بن عبد الله الحربى، الفقيه الفرضى المعدل، أبو بكر. سمع الحديث من أحمد بن الحسين بن قريش، وابن الحصين، وأبى بكر الأنصارى، وأبى الحسين بن الفراء، وغيرهم. وتفقه فى المذهب. قال ابن النجار: كان أحد الفقهاء على مذهب الإمام أبى عبد الله أحمد ابن حنبل، حافظا لكتاب الله تعالى، له معرفة بالفرائض، والحساب والنجوم، وأوقات الليل والنهار، وشهد عند قاضى القضاة أبى القاسم الزينبى، وتولى قضاء دجيل مدة، ثم عزل، حدث باليسير. وسمع منه عبد المغيث الحربى، والقاضى أبو القاسم بن الفراء، وغيرهما. وتوفى يوم الأحد يوم عيد الأضحى، سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد. ١٢٥ - محمد بن أحمد بن على بن الحسين البرمكى (١) العباسى، الهاشمى المعدل الشريف الخطيب أبو المظفر. توفى فى نصف ذى القعدة سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ودفن بالقرب من قبر معروف ﵀. وكان مولده سنة سبعين وأربعمائة. روى عن طراد، وأبى نصر الزينبى، والعاصمى، وغيرهم. وحدث، وسمع منه جماعة. وكان جليل القدر. وكان من رجالات الهاشميين، ذا أدب وعلم. وله نظم، وخطب بجامع له. ١٢٦ - علوى الإسكاف (٢) توفى فى يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وكان شيخا صالحا من أصحاب أبى الحسن ابن الزاغونى. وكان يقرأ كتاب

стр. 234

الخرقى. وصلّى عليه بجامع القصر بكرة النهار. ودفن بمقبرة الوردية. ذكره صدقة ابن الحسين فى تاريخه. ١٢٧ - إبراهيم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد بن إبراهيم النهروانى الرزاز، الفقيه الفرضى، الزاهد الحكيم الورع، أبو حكيم. ولد سنة ثمانين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبى الحسن بن العلاف، وأبى عثمان بن ملة، وأبى القاسم ابن بيان، وأبى الخطاب الكلوذانى، وأبى على بن شهاب، وابن الحصين، وغيرهم وتفقه على أبى سعد بن حمزة صاحب أبى الخطاب، وبرع فى المذهب والخلاف والفرائض، وأفتى وناظر. وكانت له مدرسة بناها بباب الأزج، وكان يدرس ويقيم بها. وفى آخر عمره فوضت إليه المدرسة التى بناها ابن الشمحل بالمأمونية، ودرس بها أيضا. وقرأ عليه العلم خلق كثير، وانتفعوا به. قال ابن الجوزى: قرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض، وممن قرأ عليه: السامرى صاحب المستوعب، ونقل عنه فى تصانيفه. قال ابن الجوزى: وكان زاهدا عابدا، كثير الصوم، يضرب به المثل فى الحلم والتواضع. وقال أيضا: كان من العلماء العاملين بالعلم، كثير الصيام والتعبد، شديد التواضع، مؤثرا للخمول. وكان المثل يضرب بحلمه وتواضعه، وما رأينا له نظيرا فى ذلك. قال ابن القطيعى: سمعت ابن الجوزى يقول: كان الشيخ أبو حكيم تاليا للقرآن. يقوم الليل ويصوم النهار، ويعرف المذهب والمناظرة، وله الورع العظيم. وكان يكتب بيده، فإذا خاط ثوبا فأعطى الأجرة مثلا قيراطا، أخذ منه حبة ونصفا ورد الباقى، وقال: خياطتى لا تساوى أكثر من هذا. ولا يقبل من أحد شيئا.

стр. 235

قلت: وقد صنف أبو حكيم تصانيف فى المذهب والفرائض. وصنف شرحا للهداية. كتب منه تسع مجلدات، ومات ولم يكمله. وحدث، وسمع منه جماعة منهم: ابن الجوزى، وعمر بن على القرشى الدمشقى وله نظم. وقال ابن القطيعى: أنشدنى أحمد التاجر، أنشدنى إبراهيم بن دينار الفقيه لنفسه: يا دهر إن جارت صروفك واعتدت … ورميتنى فى ضيقة وهوان إنّي أكون عليك يوما ساخطا … وقد استفدت معارف الإخوان قال القطيعى: وقرأت فى كتاب أبى حكيم النهروانى بخطه: وإنّي لأذكر غور الكلام … لئلا أجاب بما أكره أصم عن الكلم المحفظات … وأحكم والحكم بى أشبه إذا ما آثرت سفاهة السفيه … علىّ، فإنى أنا الأسفه فكم من فتى يعجب الناظرين … له ألسن وله أوجه ينام إذا حضر المكرمات … وعند الدناءة يستنبه قال: وقرأت فى كتابه بخطه: عجبا لى وقد مررت بآثارك … إنّي اهتديت نهج الطريق أترانى أنسيت عهدك … فيها؟ صدقوا، ما لميت من صديق قال ابن الجوزى: رأيت بخطه - يعنى: أبا حكيم - على ظهر جزء له: رأيت ليلة الجمعة عاشر رجب سنة خمس وأربعين - فيما يرى النائم - كأن شخصا فى وسط دارى قائما، قلت: من أنت؟ قال: أنا الخضر. قال: تأهب للذى لا بد منه من الموت الموكل بالعباد، ثم كأنه علم أنى أريد أن أقول له: هل ذلك عن قرب؟ فقال: قد بقى من عمرك اثنا عشر سنة تمام سنى أصحابك. وعمرى يومئذ خمس وستون سنة.

стр. 236

قال ابن الجوزى: فكنت دائما أترقب صحة هذا، ولا أفاوضه فى ذكره لئلا أنعى إليه نفسه، فمرض رحمة الله عليه اثنين وعشرين يوما. وتوفى يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث عشر جمادى الآخرة من سنة ست وخمسين وخمسمائة، فكان مقتضى حساب منامه أن يبقى له سنة، فتأولت ذلك وقلت: لعله دخول سنة لا تمامها، أو لعله رأى فى آخر سنة، ومات فى أول الأخرى أو لعلها من السنين الشمسية. ودفن ﵀ قريبا من بشر الحافى رضى الله عنه وقد امتدحه الصرصرى فى قصيدته اللامية، التى مدح فيها الإمام أحمد وأصحابه، فقال: وبالحلم والتقوى وصفة الرضى … أبو حكيم غدا للفقه أكبر مجمل أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على الحافظ، أخبرنا أبو حكيم النهروانى ح قال الحرانى: وأخبرنا - عاليا - أبو الفرج بن عبد المنعم ابن عبد الوهاب التاجر قالا: أخبرنا أبو على محمد بن نبهان أبو الحسن بن الحسين ابن دوما، أخبرنا أحمد بن نصر الزارع. حدثنا صدقة بن موسى، وأحمد بن محمد الأنبارى، والقاسم بن أحمد، قالوا: حدثنا سويد بن سعيد الجدثانى، حدثنا على ابن مسهر عن أبى يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من عشق وكتم وعف فمات، فهو شهيد» ١٢٨ - على بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن على بن عبدوس الحرانى، الفقيه الزاهد، العارف الواعظ، أبو الحسن. ولد سنة عشر - أو إحدى عشرة - وخمسمائة، على ما نقله القطيعى عن أبى المحاسن الدمشقى عنه. وسمع ببغداد بآخر سنة أربع وأربعين من الحافظ أبى الفضل بن ناصر،

стр. 237

وغيره. وتفقه وبرع فى الفقه والتفسير والوعظ، والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات. وله تفسير كبير. وهو مشحون بهذا الفن. وله كتاب «المذهب فى المذهب» ومجالس وعظية، فيها كلام حسن، على طريقة كلام ابن الجوزى. قرأ عليه قرينه أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز، وخاله الشيخ فخر الدين ابن تيمية فى أول اشتغاله، وقال عنه: كان نسيج وحده فى علم التذكير، والاطلاع على فنون التفسير، وله فيه التصانيف البديعة، والمبسوطات الوسيعة. وسمع منه الحديث أبو المحاسن عمر بن على القرشى الدمشقى بحران، سنة ثلاث وخمسين، وقال: هو إمام الجامع بحران، من أهل الخير والصلاح والدين. قال: وأنشدنى لنفسه: سألت حبيبى وقد زرته … ومثلى فى مثله يرغب فقلت: حديثك مستظرف … ويعجب منه الذى يعجب أراك مليح الجواب … فصيح الخطاب، فما تطلب فهل فيك من خلة تزدرى … بها الصد والهجر به يقرب؟ فقال: أما قد سمعت المقال … مغنية الحى ما تطرب؟ ومما أورد الشيخ أبو الحسن فى مواعظه لنفسه: يا حاملا ثقل الذنوب تجاهلا … حملت من أثقالها العظائما لا بد من يوم عبوس هائل … يكون من أسرف فيه نادما قم خفف الثقل بحسن توبة … حتى تكون فى المعاد سالما وكن بأنوار اليقين مبصرا … إن كنت فى ليل المعاد هائما فإن لله عبادا أبصروا … بأعين الفكر المعاد قائما فشمروا أذيالهم وقصروا … آمالهم وحققوا العزائما وصيروا أفراحهم فى قربه … وأقلبوا أعراسهم مآتما واستفرغوا من العيون ماءها … وأسعدوا على البكا الحمائما

стр. 238

أولئك الناجون فى معادهم … يعطيهم الله نعيما دائما ومما أورده أيضا لنفسه: أقاموا فقاموا له ركعا … وكبروا فخروا لديه سجودا وأجروا دموعهم خشية … فبلوا بتلك الدموع الخدودا ولما أطالوا لديه السجود … رجوا منه وعدا وخافوا وعيدا فأعطاهم منه ما يرتجون … وأمنهم بعد ذاك الصدودا فمعظم أشغالهم ذكره … فطورا قياما وطورا قعودا فورثهم ذكرهم ذكره … وزادهم فى الجنان الخلودا ومن ذلك قوله: قرة عين من صدق بعزمه عن الصدق … ثم اقتنى الدر الذى من ناله نال الشرفا وإنما الدنيا متاع زائل لمن عرفا … من نال منها طرفا فليعطها منه طرفا توفى ﵀ وإيانا فى آخر نهار يوم عرفة - وقيل: ليلة عيد النحر - سنة تسع وخمسين وخمسمائة بحران. ورثاه الإمام فخر الدين ابن تيمية وهو يومئذ شاب له دون العشرين بقصيدة وهى: قد زادنى حزنى واستمكنت عللى … لما رحلت عن الإخوان يا أملى يا عالما أوحش الدنيا بغيبته … لا صنع لى فى قضاء الله والأجل يا أهل حران وا لهفى ووا أسفى … على فراق ابن عبدوس الفقيه على وا حسرتاه على زين الزمان ومن … كانت عقيدته بالقول والعمل يا قوم ما الصنع من بعد الفراق له … لا صنع للعبد فى شئ من الحيل كان الفقيه علي عالما ورعا … وكان مسلكه فى أحسن السبل كان الفقيه علي فوق منبره … مثل العروس ترى فى أحسن الحلل

стр. 239

كان الفقيه علي غير مبتدع … بل كان فى دينه كالفارس البطل يقول: إن كلام الله ذو قدم … حرف وصوت على التحقيق كيف تلى كان الفقيه علي دائما أبدا … يذكر مولاه ذا خوف وذا وجل وروحه قبضت فى ليلة شرفت … يحظى بها كل محبوب وكل ولى أبكى عيون الورى حزنا لفرقته … وأرسل الدمع يا روحى من المقل بكت عليه عيون الناس كلهم … وأوحش الكل من سهل ومن جبل بكت عليه الزوايا الخاليات كما … قد كان يؤنسها من غير ما ملل بكت دفاتره حزنا له وأسى … لأنه كان عنها غير مشتغل عليه طيب سلام غير منفصل … على ممر ليالى الدهر متصل ذكر أبو الحسن بن عبدوس فى كتاب المذهب: أن فائدة الخلاف فى أن الغرض فى استقبال القبلة: هل هو استقبال العين أو الجهة؟ أنا إن قلنا: الغرض استقبال العين، فمتى رفع رأسه ووجهه إلى السماء حتى خرج وجهه عن مسامتة القبلة فسدت صلاته، وإن قلنا: الغرض استقبال الجهة لم تفسد. كذا قال. وفيه نظر؛ فإن فائدة هذا الخلاف إنما يظهر فى صورة يخرج فيها المصلى عن استقبال العين إلى استقبال الجهة. وهذا لم يخرج عن العين إلى الجهة، بل أخرج وجهه خاصة عن استقبالهما جميعا وحكى ابن حمدان عن ابن عبدوس (١). ١٢٩ - محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضى أبى يعلى الصغير. ويلقب عماد الدين ابن القاضى أبى خازم ابن القاضى الكبير أبى يعلى، شيخ المذهب فى وقته. ولد يوم السبت لثمان عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبيه وعمه القاضى أبى الحسين، وأبى البركات طلحة العاقولى

стр. 240

وأبى علىّ التككى، وأبى الحسن بن العلاف، وأبى العز بن كادش، وأبى الغنائم النرسى، وابن نبهان، وابن بيان، وغيرهم. وظهر له إجازة لابن الجواليقى معه من الحريرى صاحب المقامات. وتفقه على أبيه القاضى أبى خازم، وعلى عمه القاضى أبى الحسين. وبرع فى المذهب والخلاف والمناظرة. وأفتى ودرس وناظر فى شبيبته. وكان ذا ذكاء مفرط، وذهن ثاقب، وفصاحة وحسن عبارة. قال ابن القطيعى: قرأت عليه شيئا من المذهب، وحضرت درسه، ولم ير مثله فى حسن عبارته، وعذوبة محاورته، وحسن سمته، ولطافة طبع، ولين معاشرة، ولطف تفهيم. عطر بالرئاسة، خليق بالتصدر، جد واجتهد حتى صار انظر أهل زمانه، وأوحد أقرانه، ذو خاطر عاطر. وفطنة ناشئة، أعرف الناس باختلاف أقوال الفقهاء. ظهر علمه فى الآفاق، ورأى من تلاميذه من ناظر ودرس وأفتى فى حياته. وولى القضاء بباب الأزج سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. ثم ولى قضاء واسط سنة سبع وثلاثين، وبقى مدة بها حاكما، ثم عزله قاضى القضاة أبو الحسن ابن الدامغانى. وذكر عنه: أنه لم يلتفت إلى عزله واستمر على الحكم، ثم خاف عاقبة ذلك فتشفع بصاحب البطيحة إلى الخليفة، ثم قدم بغداد بعد إحدى عشرة سنة، وقد ذهب بصره، فلازم بيته. وكانت له حلقة بجامع القصر للمناظرة، وبنيت له فى بعض الأوقات موضعها دكة، ثم أزيلت، وذلك قبل ولايته للقضاء. ولما بنى أبو المعالى بن النبل مدرسة بالريان جعلها للحنابلة، وفوض أمرها إلى القاضى أبى يعلى هذا. وكان ذا فصاحة، لسن. ومن بعض كتبه إلى بعض العلماء: فلو أن الكرم مقلة كان هو إنسانها، أو المجد لغة لكان هو لسانها، أو السؤدد دهرا لكان هو ربيع أزمانه، أو الشرف

стр. 241

عمرا كان صفوة ريعانه، أو الاجواد شهبا لكان هو الشمس التى إذا ظهرت خفيت الكواكب لظهورها، وإذا تأملها الراءون ردت أبصارهم عن شعاعها ونورها. وللشيخ أبى الفرج بن الجوزى فى القاضى أبى يعلى هذا مدائح كثيرة. فمن ذلك قوله يهنيه بقدوم رجب، أنشده عنه ابن القطيعى فى تاريخه: تهن بشهر قد أتاك على يمن … يبشر بالإقبال والسعد والأمن وعش سالما من كل منية حاسد … ومن شر ذى شر ومن كيدذى ضغن ومر وانه وانعم واعل وانق وطب وجد … وعد وارق وازدد واسم بالفهم والذهن تدبرت بالفكر السليم عواقب … الأمور ولم تقبل على مثمر الغبن وسابقت أهل العلم حتى سبقتهم … فذو السبق منهم حين سعيك فى وهن وكلهم فى الدين أضحوا كهيئة … وأصبحت فى الإسلام كالشرط والركن وكم ليلة ناموا وبت مؤانسا … علوما أبت من لم يبت ساهر الجفن إذا أنت جادلت الخصوم تجدلوا … لديك بلا ضرب يقد ولا طعن وإن فهت بالتدريس نظمت لؤلؤا … وإن تسطر الفتوى فكالدر فى القطن فبيتك معروف وعلمك ظاهر … وفضلك مشهور، فما حصل المثنى عليك سوى تشريفه بمد يحكم … وإلا فعلم الناس فيكم بكم يغنى وذكر ابن الجوزى فى كتابه التلقيح: أن أبا يعلى هذا هو الذى كان فقيه العصر فى الطبقة الرابعة عشر. وصنف القاضى أبو يعلى تصانيف كثيرة، منها: «التعليقة» فى مسائل الخلاف كبيرة، و «المفردات»، وكتاب «شرح المذهب» وهو مما صنفه فى شبيبته، وكتاب «النكت والإشارات فى المسائل المفردات». وقرأ عليه المذهب والخلاف جماعة كثيرة، منهم: أبو إسحاق الصقال وأبو العباس القطيعى، وأبو الحسن بن ورخز، وأبو البقاء العكبرى. وعلق عنه الخلاف بواسط يحيي بن الربيع الشافعى مدرس النظامية.

стр. 242

وحدث، وسمع منه جماعة، منهم: أبو العباس القطيعى، وأبو إسحاق الصقال وأبو المعالى بن شافع، وأبو بكر محمد بن المبارك بن الحضرى، وأحمد بن صرما، وغيرهم. وتوفى ليلة السبت - سحرا - خامس جمادى الأولى سنة ستين وخمسمائة. كذا ذكره ابن الجوزى فى طبقاته، وفى جزء مفرد، وابن القطيعى، وابن نقطة. وذكر ابن الجوزى أيضا فى تاريخه وفى كتاب فضائل مقبرة أحمد: أنه توفى فى خامس جمادى الآخرة. وصلّى عليه من الغد بجامع القصر، وأم الناس عليه ولده أبو منصور. ودفن بمقبرة باب حرب عند أبيه وجده. رحمهم الله تعالى. وذكر ابن الجوزى فى موضع: أنه لم يشيعه عدد كثير، وقال فى تاريخه: كان سأل فى مرضه أن يدفن فى دكة الإمام أحمد، فأرسل إلى الوزير يقول: فى الدكة جدى لأمى، فأنكر الوزير ذلك وقال: كيف تنبش عظام الموتى؟. قرأت على أبى المعالى محمد بن عبد الرّزاق بن أحمد الشيبانى ببغداد: أخبركم أبو الفرج عبد الرحمن ابن عبد اللطيف البزار - سماعا - أخبرنا أبو العباس أحمد بن صرما - قراءة عليه - أخبرنا القاضى الإمام أبو يعلى محمد بن محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلى - قراءة عليه - أخبرنا أبو الغنائم محمد بن على بن ميمون الحافظ بن على بن إبراهيم المقرئ ح وأخبرناه - عاليا - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصارى بدمشق، أخبرنا المسلم بن محمد بن علان أخبرنا، حنبل بن عبد الله، أخبرنا هبة الله ابن محمد بن الحصين أخبرنا أبو على التميمى قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبى، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فضيل بن مرزوق، حدثنا أبو سلمة الجهنى عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض فىّ حكمك، عدل فىّ قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته فى كتابك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم

стр. 243

ربيع قلبى، ونور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى: إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا. قال: فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ قال: فقال: بل ينبغى لمن يسمعها أن يتعلمها». ذكر القاضى أبو يعلى الصغير فى تعليقته - ونقلته من خطه - فيما إذا طرح فى الماء طحلبا أو ورقا أو طينا تعمدا، فتغير به الماء: فهل يسلبه طهوريته؟ على وجهين. قال: وإن تغير بعود أو كافور أو دهن: فقيه وجهان. قال: ويتوجه على المذهب: أن يصح الوضوء والغسل من غير نية؛ لأن الأثرم نقل عن أحمد: أنه سأله عن رجل اغتسل يوم الجمعة من جنابة ينوى به غسل الجمعة؟ قال: أرجو أن يجزيه. قال: وظاهر هذا يقتضى الجواز. قال: وقد بنى القاضى هذه المسألة على أن التجديد هل يرفع الحدث أم لا؟ وقال: فأما إخراج البعير عن خمس من الإبل فلا يجوز عندنا فى أحد الوجهين، والثانى: يجوز. وإذا قلنا: يجزى: فهل البعير كله فرض، أو خمسه؟ فيه وجهان. وفائدة الوجهين: أنه إذا كان الفرض قدر خمس البعير جاز هذا البعير الواحد عن خمسة وعشرين بعيرا، وهل الأصل الشاة أم البعير؟ فيه وجهان. أحدهما: الأصل كلاهما، أيهما أدى كان أصلا. والثانى: الإبل أصل، والشاة بدل. وقال: فيه وجوب الحج على التراخى فى أحد الروايتين. ثم نصر هذا القول ورجحه. وقال أيضا: تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة، على قياس المذهب. والمنصوص: أنها لا تثبت ببذل الابن ماله وبدنه. وأخذه من قاعدة أحمد فى تصرف الأب فى مال ابنه، وبسطه فيه. ونصر فيه أيضا: أن الإحرام بالحج لا ينعقد فى غير أشهر الحج.

стр. 244

قال: ورواه هبة الله الطبرى فى سننه عن إمامنا أحمد، قال: والذى نقله جماعة الأصحاب واختاروه: أنه يصح فى جميع السنة. ونصر فيه: صحة الاستئجار، وجواز أخذ الأجرة على سائر القرب غير المتعينة ومما ذكره فى شرح المهذب - ونقلته من خطه -: يتوجه أن يجب الغسل بغيبوبة بعض الحشفة؛ لأن من أصلنا: أن وجود بعض الجملة يجرى مجرى وجود جميعها، كما فى مسائل الأيمان. وذكر فيه: إذا أولج رجل فى قبل الخنثى المشكل: هل يجب عليه الغسل؟ يحتمل وجهين. وذكر فيه: أنه يستحب للرجل إذا أجنب وأراد النوم أن يتوضأ، فإن كان الجنب امرأة ففى استحباب الوضوء لها روايتان. قال: فإن أراد الجنب الأكل أو الشرب استحب له أن يغسل فرجه ويتوضأ، فى الروايتين. وفى الأخرى: يغسل يده وفمه. قال: ويستحب للإنسان إذا فرغ من وضوئه أن يشرب الماء الذى فضل منه وذكر حديث علىّ فى ذلك. وذكر فى جواز دخول المرأة حمامها فى بيتها لغير عذر شرعى: يحتمل وجهين قال: فإن أجزناه فإنها تدخل وحدها، ولا تدخل معها امرأة قريبة ولا بعيدة. وحكى فى كفارة وطء الحائض: هل يجزئ صرفها إلى واحد من الفقراء؟ على وجهين. أحدهما: يجزئ، وهو اختيار أبى حفص البرمكى. والثانى: لا يجزئ. وعلى هذا: فبكم يتقدر؟ لا نص فيها عن أصحابنا، ويحتمل وجهين. أحدهما: يجب صرفها إلى عشرة من المساكين؛ لأنه أقل عدد يجزئ فى كفارة اليمين.

стр. 245

والثانى: يجزئ ثلاثة؛ لأنه أقل الجمع المطلق. وقال فيه: فأما من به جرح يجرى دمه فلا يرقأ: فعليه أن يغسله عند كل فريضة ويشده. وفى إيجاب الوضوء روايتان. وحكى رواية عن أحمد: أن أقل النفاس ثلاثة أيام؛ لقوله فى رواية أبى داود وقد قيل له: إذا طهرت بعد يوم؟ فقال: «بعد يوم لا يكون ولكن بعد أيام» وذكر فيمن اجتهد وصلّى، ثم بان أنه صلّى قبل دخول الوقت رواية: أنه لا يلزمه القضاء. قال: وقد تأولها أصحابنا. وقال: إذا كان عليه سجود وسهو بعد السلام أخر الدعاء إلى تشهده؛ ليكون خاتمة صلاته. وحكى فيما إذا كان عليه سجود بعد السلام، فسجد قبله: هل تجزيه ويعتد به؟ على وجهين. وقال فيه: فإن صلّى فاسق خلف فاسق: فهل تصح أم لا؟ على احتمالين. ١٣٠ - محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد بن الحرانى الأزجى المعدل، أبو عبد الله. من أعيان عدول بغداد. توفى فى جمادى الأولى سنة ستين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الفيل. روى عن أبى محمد الثقفى التميمى والنعالى. وحدث. سمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعى، وقال: كان ثقة مأمونا، عالما لطيفا صاحب نادرة، حسن المعاشرة. جمع كتابا سماه «روضة الأدباء» وهو آخر من مات من شهود أبى الحسن الدامغانى. وكان ينتحل مذهب الإمام أحمد. انتهى. وله شعر حسن. قال ابن الجوزى: زرته يوما، فأطلت الجلوس عنده، فقلت: قد ثقلت، فقال: لئن سميت إبراما وثقلا … زيارات رفعت بهن قدرى فما أبرمت إلا حبل ودى … ولا أثقلت إلا ظهر شكرى

стр. 246

١٣١ - يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الجهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان. وهو الحرث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكاية الشيبانى الدورى، ثم البغدادى، الوزير العالم العادل، صدر الوزراء، عون الدين، أبو المظفر. ولد فى ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالدور: قرية من أعمال الدجيل، ودخل بغداد شابا. وقرأ القرآن بالروايات على جماعة. وسمع الحديث الكثير من جماعة، منهم: القاضى أبو الحسين بن الفراء، وأبو الحسين بن الزاغونى، وعبد الوهاب الأنماطى وأبو غالب بن البناء وأبو عثمان بن ملة، وابن الحصين، وغيرهم. وقرأ الفقه على أبى بكر الدينورى فيما ذكره ابن القطيعى. وقيل: إنه قرأ على أبى الحسين بن الفراء، وقرأ الأدب على أبى منصور بن الجواليقى. وصحب أبا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدى الواعظ الزاهد من حداثته، وكمل عليه فنونا من العلوم الأدبية وغيرها، وأخذ عنه التأله والعبادة، وانتفع بصحبته، حتى إن الزبيدى كان يركب جملا ويعتم بفوطة، ويلويها تحت حنكه، وعليه جبة صوف، وهو مخضوب بالحناء، فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس، وزمام جمله بيد أبى المظفر بن هبيرة. وهو أيضا معتم بفوطة من قطن، قد لواها تحت حنكه، وعليه قميص قطن خام، قصير الكم والذيل، وكلما وصل الزبيدى موضعا أشار أبو المظفر بمسبحته، ونادى برفيع صوته: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حى لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير. ذكر ذلك أبو بكر التيمى بن المرستانية، فى الكتاب الذى جمعه فى مناقب الوزير وفضائله.

стр. 247

وقال ابن الجوزى: كانت له معرفة حسنة بالنحو، واللغة، والعروض، وصنف فى تلك العلوم، وكان متشددا فى اتباع السنة، وسير السلف. قلت: صنف الوزير أبو المظفر كتاب «الإفصاح عن معانى الصحاح» فى عدة مجلدات، وهو شرح صحيحى البخارى ومسلم، ولما بلغ فيه إلى حديث «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» شرح الحديث، وتكلم على معنى الفقه، وآل به الكلام إلى أن ذكر مسائل الفقه المتفق عليها، والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين. وقد أفرده الناس من الكتاب، وجعلوه مجلدة مفردة، وسموه بكتاب «الإفصاح» وهو قطعة منه، وهذا الكتاب صنفه فى ولايته الوزارة، واعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب، وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث إنه أنفق على ذلك مائة ألف دينار، وثلاثة عشر ألف دينار، وحدث به، واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه. وكتب به نسخة لخزانة المستنجد. وبعث ملوك الأطراف ووزراؤها وعلماؤها، واستنسخوا لهم به نسخا، ونقلوها إليهم، حتى السلطان نور الدين الشهيد. واشتغل به الفقهاء فى ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم، يدرسون منه فى المدارس والمساجد، ويعيده المعيدون، ويحفظ منه الفقهاء. وصنف فى النحو كتابا سماه «المقتصد»، وعرضه على أئمة الأدب فى عصره، وأشار إلى ابن الخشاب بالكلام عليه، فشرحه فى أربع مجلدات، وبالغ فى الثناء عليه. واختصر كتاب «إصلاح المنطق» لابن السكيت، وكان ابن الخشاب يستحسنه ويعظمه. وصنف كتاب «العبادات الخمس» على مذهب الإمام أحمد، وحدث به بحضرة العلماء من أئمة المذاهب. وله أرجوزة فى المقصور والممدود، وأرجوزة فى علم الخط.

стр. 248

وقد صنف ابن الجوزى كتاب «المقتبس من الفوائد العونية» وذكر فيه الفوائد التى سمعها من الوزير عون الدين، وأشار فيه إلى مقاماته فى العلوم. وانتقى من زبد كلامه فى الإفصاح على الحديث كتابا سماه «محض المحض». وكان ابن هبيرة ﵀ فى أول أمره فقيرا، فاحتاج إلى أن دخل فى الخدم السلطانية، فولى أعمالا، ثم جعله المقتفى لأمر الله مشرفا فى المخزن، ثم نقل إلى كتابة ديوان الزمام. ثم ظهر للمقتفى كفاءته وشهامته، وأمانته ونصحه، وقيامه فى مهام الملك. فاستدعاه المقتفى سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره، وقلده الوزارة، وخلع عليه وخرج فى أبهة عظيمة. ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب كلهم بين يديه، وهو راكب إلى الإيوان فى الديوان. وحضر القراء والشعراء، وكان يوما مشهودا. وقرئ عهده، وكان تقليدا عظيما، بولغ فيه بمدحه والثناء عليه إلى الغاية. وخوطب فيه بالوزير العالم العادل، عون الدين، جلال الإسلام، صفى الإمام، شرف الأنام، معز الدولة، مجير الملة، عماد الأمة، مصطفى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، صدر الشرق والغرب، سيد الوزراء، ظهير أمير المؤمنين. وكان الوزير قبل وزارته يلقب جلال الدين، وقال يوما: لا تقولوا فى ألقابى سيد الوزراء؛ فإن الله تعالى سمى هارون وزيرا، وجاء عن النبى ﷺ أن وزيريه من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض: أبو بكر وعمر، وجاء عنه أنه قال: «إن الله اختارنى، واختار لى أصحابا، فجعلهم وزراء وأنصارا» ولا يصلح أن يقال عنى: أنى سيد هؤلاء السادة. قال صاحب سيرته: ركب الوزير إلى داره مجاورة الديوان، وبين يديه جميع من حضر من أرباب الدولة، وأصحاب المناصب والأمراء والحجاب، والصدور والأعيان، وقد أخذ قوس الخلافة باريها، واستقرت الوزارة فى كفؤها وكافيها. فقام فيها قيام من عدّله الزمان بثقافه، وزينه الكمال بأوصافه، ودبرها

стр. 249

بجوده ونهاه، وأورد الأمل فيها مناه، ومد الدين رواقه، وأمن بدره به محاقه. فأقام سوق الخلافة على ساقها، وابتدع فى انتظام ممالكها واتساقها، وأوضح رسمها، وأثبت فى حين أوانه وسمها، وتتبع ما أفسدته العين منها بالإصلاح، واستدرك لها ما أخرجته لها يد الاجتياح، وداوى كل حال بدوائه، ورد غائر الماء إلى لجائه، وأقام الصلاة جماعة، وافترض العدل سمعا لله وطاعة، ورعى لأهل الفضل والمعارف، وأواهم من بره إلى ظل وارف، حتى صارت دولته مشرعا للكرم، ومستراحا لآمال الأمم، يرتضع فيه للمكارم أخلاف، وتداريها الأمانى سلاف، ونفقت فيها أقدار الأعلام، وتدفقت فيها نذر الكلام، ولاحت بها من العلماء شموس، وارتاحت فيها للطلبة بالعلوم نفوس، ولم تخل أيامه ومجالسه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة ومحاضرة، إلا أوقات عطلها من ذلك النظام، وأوقعها إما على صلاة وصيام، أو على تصنيف، وجمع وتأليف؛ بحيث صنف عدة كتب، منها: كتاب «الإفصاح عن شرح معانى الصحاح» وهذا الكتاب بمفرده يشتمل على تسعة عشر كتابا. ولما ولى الوزير أبو المظفر ﵀ الوزارة بالغ فى تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين، واجتهد فى إكرامهم وإيصال النفع إليهم، وارتفع أهل السنة به غاية الارتفاع. ولقد قال مرة فى وزارته: والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله. وكان سبب هذا: أنه ذكر مرة فى مجلسه مفردة للإمام أحمد تفرد بها عن الثلاثة، فادعى أبو محمد الأشترى المالكى: أنها رواية عن مالك، ولم يوافقه على ذلك أحد، وأحضر الوزير كتب مفردات أحمد، وهى منها، والمالكى مقيم على دعواه. فقال له الوزير: بهيمة أنت؟ أما تسمع هؤلاء الأئمة يشهدون بانفراد أحمد بها، والكتب المصنفة، وأنت تنازع وتفرق المجلس؟ فلما كان المجلس الثانى، واجتمع الخلق للسماع أخذ ابن شافع فى القراءة، فمنعه وقال: قد كان

стр. 250

الفقيه أبو محمد جرئ فى مسألة أمس على ما لا يليق به عن العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر، حتى قلت تلك الكلمة، وها أنا فليقل لى كما قلت له فلست بخير منكم، ولا أنا إلا كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء، وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء، وأخذ الأشترى يعتذر، ويقول: أنا المذنب والأولى بالاعتذار من مولانا الوزير، ويقول: القصاص، القصاص، فقال يوسف الدمشقى مدرس النظامية: يا مولانا، إذا أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير: له حكمه، فقال الأشترى: نعمك علىّ كثيرة، فأى حكم بقى لى؟ فقال: قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك، فقال: على بقية دين منذ كنت بالشام، فقال الوزير: يعطى مائة دينار لإبراء ذمته وذمتى، فأحضر له مائة، فقال له الوزير: عفا الله عنك وعنى، وغفر لك ولى. وذكر ابن الجوزى أنه قال: يعطى له مائة دينار لإبراء ذمته، ومائة دينار لإبراء ذمتى. وكان هذا الأشترى من علماء المالكية، طلبه الوزير من نور الدين محمود بن زنكى، فأرسل به إليه، فأكرمه غاية الإكرام. قال ابن الجوزى: وكان ابن الوزير إذا استفاد شيئا قال: أفادنيه فلان حتى، إنه عرض له يوما حديث، وهو «من فاته حزب من الليل فصلاة قبل الزوال كان كأنه صلّى بالليل» فقال: ما أدرى معنى هذا؟ فقلت له: هذا ظاهر فى اللغة والفقه. أما اللغة: فإن العرب تقول: كيف كنت الليلة، إلى وقت الزوال. وأما الفقه: فإن أبا حنيفة يصحح الصوم بنية قبل الزوال، فقد جعل ذلك الوقت فى حكم الليل. فأعجبه هذا القول. وكان يقول بين الجمع الكثير: ما كنت أدرى معنى هذا الحديث حتى عرفنيه ابن الجوزى، فكنت أستحى من الجماعة. قال: وجعل لى مجلسا فى داره، كل جمعة يطلقه ويطلق العوام فى الحضور وكان بعض الفقراء يقرأ القرآن فى داره كثيرا، فأعجبه، فقال لزوجته: أريد أن
следующие страницы →