قال: وصحبته زمانا، فسمعت منه الحديث، وعلقت عنه من الفقه والوعظ وكانت له حلقة بجامع المنصور يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة، ثم يعظ بعد الصلاة. ويجلس يوم السبت أيضا.
وذكر ابن ناصر: أنه كان فقيه الوقت فى الطبقة الثالثة عشرة. وكان مشهورا بالصلاح والديانة والورع والصيانة.
قال ابن السمعانى: سمعت أبا عبد الله حامد بن أبى الفتح المدينى يقول:
سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن الزاغونى - يعنى: أخا أبى الحسن هذا - يقول:
ذكر بعض الناس ممن يوثق بهم: أنه رأى فى المنام ثلاثة، يقول واحد منهم:
أخسف، وواحد يقول: أغرق، وواحد يقول: أطبق - يعنى: البلد - فأجاب أحدهم: لا؛ لأن بالقرب منا ثلاثة: أبو الحسن بن الزاغونى، والثانى أحمد بن الطلاية، والثالث محمد بن فلان من الحربية.
ولابن الزاغونى تصانيف كثيرة، منها: فى الفقه: «الإقناع» فى مجلد، و «الواضح» و «الخلاف الكبير» و «المفردات» فى مجلدين، وهى مائة مسألة. وله مصنف فى الفرائض يسمى «التلخيص» وجزء فى «عويص المسائل الحسابية» ومصنف فى «الدور والوصايا». وله «الإيضاح فى أصول الدين» مجلد، و «غرر البيان فى أصول الفقه» مجلدات عدة. وله ديوان خطب أنشأها، ومجالس فى الوعظ وله تاريخ على السنين من أول ولاية المسترشد إلى حين وفاته هو، ومناسك الحج، وفتاوى، ومسائل فى القرآن والفتاوى الرجعية، وجزء فى تصحيح حديث الأطيط، سدره فى المستحيل وسماع الموتى فى قبورهم.
وكان ثقة صدوقا، صحيح السماع. حدّث بالكثير.
وروى عنه ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصارى، وابن عساكر، وابن الجوزى، وعمر بن طبرزد، وغيرهم.
وتفقه عليه جماعة، منهم: صدقة بن الحسين، وابن الجوزى.
стр. 177
توفى يوم الأحد سادس عشر محرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وصلّى عليه يوم الاثنين بجامع القصر وجامع المنصور. ودفن بمقبرة الإمام أحمد، بباب حرب. وكان له جمع عظيم يفوت الإحصاء رحمه الله تعالى.
هذا الذى ذكرناه فى تاريخ وفاته هو الذى ذكره صدقة بن الحسين. نقله عنه ابن النجار.
وذكره ابن السمعانى عن ابن عساكر، وغيره.
والذى ذكره ابن شافع وابن الجوزى فى عدة مواضع وابن نقطة: أنه توفى يوم الأحد بعد الظهر سابع عشر محرم. والأول أصح؛ فإن ابن شافع وابن الجوزى وافقا على أن وفاة المزرفى - المذكور قبله - كانت يوم السبت مستهل محرم. ومتى كان السبت مستهل محرم، فالأحد سادس عشرة، لا سابع عشرة، وقد علق ابن الجوزى فى جزء وفاة ابن الزاغونى، فقال: فى الأحد سادس عشر محرم، على الصواب.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بفسطاط مصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا الحافظ أبو الفرج بن الجوزى، أخبرنا أبو الحسين بن الزاغونى، أخبرنا أبو الحسين بن النقور. أخبرنا عيسى بن على بن الجراح، حدثنا أبو القاسم البغوى، حدثنا نعيم بن الهيضم، حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن أبى سفيان عن جابر بن عبد الله «أن النبى ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا:
ما عندنا إلا خل. فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: نعم الأدم الخلّ - مرتين» تفرّد به مسلم، فرواه عن يحيى بن يحيى عن أبى عوانة.
ذكر ابن الزاغونى فى مناسكه: أن رمى الجمار أيام منى، ورمى جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده، والأفضل بعده. ولهذا لم يوافقه عليه أحد فيما أعلم. وهو ضعيف مخالف للسنة فى رمى جمرة العقبة يوم النحر.
وحكى فى الإقناع رواية عن أحمد: أنه إذا اتخذ عصيرا للخمر، فانقلبت خلاّ لم تطهره؛ لأن اتخاذه كان محرما.
стр. 178
وحكى فيه رواية عن أحمد: أنه لا ينتقض عهد أهل الذمة بشئ غير منع الجزية.
وقال فيه: المشهور من المذهب أن السم نجس، وفى المذهب ما يحتمل أنه ليس بنجس؛ لأن النبى ﷺ أكل من الذراع المسمومة.
وذكر فيه: أن المتوفى عنها زوجها لا يلزمها المقام فى منزل الوفاة، إلا إذا تبرع لها الورثة بالسكنى، ولا يلزمها فيما عدا ذلك، حتى لو كان المنزل ملكا لها لم يلزمها المقام فيه.
وحكى فيه رواية: أن البائن تجب لها السكنى والنفقة، وإن كانت حاملا (١)
وذكر فيه: أن الحامل المتوفى عنها زوجها تجب لها النفقة والسكنى إن قلنا:
إن النفقة للحمل، كما لو كان الأب حيا. ولم أعلم أحدا من الأصحاب بنى رواية وجوب النفقة والسكنى لها على هذا الأصل، ولا جعلها من فوائد الخلاف فى أن النفقة: هل هى للحمل أو للحامل؟ فإن نفقة الأقارب تسقط بالموت، فكيف تجب نفقة الحمل من التركة؟.
وحكى فى باب نفقة الزوجات فى ثمن ماء الغسل والسدر والمشط والدهن الطيب وما أشبه ذلك وجهين.
أحدهما: أنه عليها؛ لأنّ به يحصل التمكين من الاستمتاع.
والثانى: هو عليه، وشبهه بالقوت وتوابعه، ولا أعلم أحدا من الأصحاب ألزم الزوج ثمن الطيب مطلقا، ولا حكى فى لزوم ثمن البواقى خلافا، سوى ماء الغسل الواجب.
وقال أيضا، فى نفقة الأقارب: إذا كان بعض ورثة الفقير موسرا، وبعضهم معسرا: فإن كان الفقير أبا أو أما لزم الموسر كمال النفقة عليه، وإن كان جدا أو جدة فوجهان. وأما سائر الورثة: فلا تلزم الموسر منهم النفقة إلا بقدر حصته من الميراث. وهذا تفصيل غريب.
стр. 179
وحكى فيه رواية عن أحمد: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث إذا كان صوما، ويجوز بالمال.
وذكر فيه: أن نذر اللجاج والغضب نذر صحيح يلزم الوفاء به، وهذا لا يعرف فى المذهب، لكن قد قيل: إنه وقع فى كلام ابن أبى موسى ما يوهمه.
وذكر فيه أيضا: أن المستأمن إذا دخل دار الإسلام بتجارة أخذ منه الخمس، وأن الذمى إذا اتجر فى دار الإسلام فى غير بلده أخذ منه العشر. وهو غريب مخالف لنصوص أحمد وقول الأصحاب، والمأثور عن عمر رضى الله عنه
٨٢ - محمد بن محمد بن الحسين
بن محمد بن أحمد بن خلف بن الفراء، الفقيه، الزاهد، أبو خازم بن القاضى الإمام أبى يعلى. وأخو القاضى أبى الحسين المتقدم ذكره.
ولد فى صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة
وسمع الحديث من أبى جعفر بن المسلمة، وابن المأمون، وجابر بن ياسين.
وذكر ابن نقطة: أنه حدث عن أبيه القاضى أبى يعلى، وما أظنه إلا بالإجازة؛ فإنه ولد قبل موت والده بسنة.
وقد ذكر أخوه القاضى أبو الحسين: أن والده أجاز له ولأخيه أبى خازم، وقرأ الفقه على القاضى يعقوب ولازمه، وعلق عنه وبرع فى معرفة المذهب والخلاف والأصول.
وصنف تصانيف مفيدة، وله كتاب «التبصرة» فى الخلاف وكتاب «رءوس المسائل»، وشرح مختصر الخرقى، وغير ذلك.
وكان من الفقهاء الزاهدين، والأخيار الصالحين. وحدث وسمع منه جماعة وروى عنه ابنته نعمة، وأبو المعمر الأنصارى، ويحيى بن بوش.
وتوفى يوم الاثنين تاسع عشرين صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وصلّى عليه يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول بجامع القصر. وكان يومه يوما مشهودا.
стр. 180
ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل فى سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة الإمام أحمد، فدفن عند أبيه. رحمهما الله تعالى.
و «أبو خازم» بالخاء والزاى المعجمتين.
نقلت من خط ابن الصيرفى الحرانى، مسألة: إذا حلق شار به بحيث إنه لا ينبت. فقال ابن أبى موسى: تجب فيه حكومة، وقال القاضى أبو خازم ابن القاضى أبى يعلى: يتوجّه أن لا يجب فيه لأنه مأمور بحفّه. قال: ويتوجه أن يجب إذا كان شابا دون الشيخ؛ لما روى عن قتادة أنه قال: من الشيخ سنّة، ومن الشابّ مثلة - يعنى: حلق الشارب.
٨٣ - عبد الله بن المبارك
ويعرف بعسكر بن الحسن العكبرى، المقرئ، الفقيه أبو محمد، ويعرف بابن نيال.
سمع من أبى نصر الزينبى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، وأبى الحسين العاصمى وغيرهم. وتفقه على أبى الوفاء بن عقيل، وأبى سعد البردانى. وكان يصحب شافعا الحنبلىّ، فأشار عليه بشراء كتب ابن عقيل، فباع ملكا له واشترى بثمنه كتاب الفنون، وكتاب الفصول، ووقفها على المسلمين. وكان خيرا من أهل السنة، وحدّث.
وتوفى ليلة الثلاثاء ثانى عشرين جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وصلّى عليه أبو محمد المقرئ الزاهد من الغد بجامع القصر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد عن نيف وسبعين سنة. رحمه الله تعالى.
٨٤ - عبد الواحد بن شنيف
بن محمد بن عبد الواحد الديلمى، البغدادى الفقيه أبو الفرج.
أحد أكابر الفقهاء. تفقه على أبى على البردانى وبرع. وكان مناظرا مجودا، وأمينا من قبل القضاة، وباشر بعض الولايات، وله دنيا واسعة. وكان ذا فطنة وشجاعة وقوة قلب وعفة ونزاهة وأمانة.
стр. 181
قال ابن النجار: كان مشهورا بالديانة وحسن الطريقة، ولم يكن له رواية فى الحديث.
قال ابن الجوزى: حدثنى أبو الحسن بن عربية (١) قال: كان تحت يده - يعنى:
ابن شنيف - مال لصبى، وكان قد قبض بعض المال، وللصبى فهم وفطنة، فكتب الصبى جملة التركة عنده، وأثبت ما يأخذ من الشيخ. فلما مرض الشيخ أحضر الصبى وقال له: أى شئ لك عندى؟ فقال: والله ما لى عندك شئ؛ لأن تركتى وصلت إلىّ بحساب محسوب. فأخرج الشيخ سبعين دينارا وقال: خذ هذه، فهى لك؛ فإنى كنت أشترى لك بشئ من مالك وأعود فأبيعه، فحصل لك هذا.
قال: وحدثنى أبو الحسن قال: توفى رجل حشرى بدار القز. وكان أبو العباس ابن الرطبى يتولى التركات. فكتب إلى الشيخ عبد الواحد يتولى تركة فلان، فحضر وأعطى زوجته حقها، وأعطى الباقى ذوى أرحامه، وكتب بذلك إليه.
فكتب ابن الرطبى مع مكتوبه إليه رقعة إلى المسترشد يخبره بما صنع، وأنه ورّث ذوى الأرحام. فكتب: نعم، ما فعل إذا عمل بمذهبه، وإنما الذنب لمن استعمل فى هذا حنبليا. وقد علم مذهبه فى ذلك.
توفى رحمه الله تعالى فى ليلة السبت حادى عشرين شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وصلّى عليه الشيخ عبد القادر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه.
٨٥ - ثابت بن منصور
بن المبارك الكيلى، المقرئ المحدّث، أبو العز.
سمع من أبى محمد التميمى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، وغانم بن الحسين وطبرزد، ونصر بن البطر، والحسين بن طلحة وخلق كثير. وعنى بالحديث.
وسمع الكثير، وكتب الكثير. وخرّج تخاريج لنفسه عن شيوخه فى فنون، وحدّث وسمع منه جماعة.
стр. 182
وروى عنه السلفى، والمبارك بن أحمد الأنصارى، وأبو الفرج الجوزى وغيرهم.
وقال أبو الفرج: كان دينا، ثقة، صحيح الإسناد. ووقف كتبه قبل موته.
وقال السلفى عنه: فقيه على مذهب أحمد. كتب كثيرا، وسمع معنا وقبلنا على شيوخ. وكان ثقة وعر الأخلاق.
وقال ابن السمعانى: سألت ابن ناصر عنه؟ فقال: صحيح السماع، ما كان يعرف شيئا.
وتوفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقيل: سنة ثمان.
قال ابن النجار: قرأت بخط يحيى بن الطراح: أن ثابتا توفى يوم الاثنين سابع عشر ذى الحجّة سنة ثمان وعشرين. ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ورأيت جماعة من المحدثين وغيرهم قد نعتوه فى طابق السماع بالإمام الحافظ ﵀.
وهو منسوب إلى «كيل»: قرية على شاطئ دجلة على مسيرة يوم من بغداد مما يلى طريق واسط، ويقال لها: «جيل» أيضا.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا أبو الفرج بن الجوزى، أخبرنا أبو العز ثابت بن منصور الكيلى بقراءة شيخنا ابن ناصر عليه، أخبرنا أبو القاسم الفضل بن أبى حرب، أخبرنا أحمد بن محمد الجرجانى أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيرى، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادى، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن أبى خالد بن عبد الله بن أسيد فى هذا المسجد - يعنى: مسجد البصرة - قال: وجاء الحسن، فجلس إليه قال: فحدث قال: حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «الشّمس والقمر
стр. 183
ثوران مكوّران فى النّار يوم القيامة». قال: فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ . قال: فسكت الحسن.
٨٦ - على بن أبى القاسم
بن أبى زرعة الطبرى، المقرئ، المحدّث الزاهد أبو الحسن.
من أهل آمل طبرستان. ذكره ابن السمعانى، فقال: شيخ صالح خيّردين كثير العبادة والذكر، مستعمل للسنن، مبالغ فيها جهده. وكان مشهورا بالزهد والديانة. رحل بنفسه فى طلب الحديث إلى أصبهان، وسمع بها جماعة من أصحاب أبى نعيم الحافظ، كأبى سعد المطرز، وأبى على الحداد، وغيرهما.
وسمع ببلده آمل من أبى المحاسن الرويانى الفقيه، وأبى بكر بن الخطاب الاخبارى قال: وكتب لى الإجازة ولم أره، ثم روى حديثا عن رجل عنه.
ثم قال: توفى بالعسيلة بعد فراغه من الحج والعمرة والزيارة فى المحرّم سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ودفن بها. وصلّى عليه أبو زيد البصرى الخطيب رحمه الله تعالى.
٨٧ - أحمد بن على
بن عبد الله بن الأبرادى البغدادى، الفقيه، الزاهد أبو البركات.
سمع من أبى الغنائم بن أبى عثمان، وأبى الحسن بن الأخضر الانبارى، وأبى الحسن بن النحاس، وأبى القاسم بن فهد العلاف وغيرهم. وقرأ الفقه على ابن عقيل، وصحب الفاعوس وغيره من الصالحين. وتعبد ووقف دارا له بالبدرية شرق بغداد على أصحابنا مدرسة. وحدث وسمع منه جماعة.
وروى عنه أبو المعمر الأنصارى، وأبو القاسم بن عساكر.
وتوفى ليلة الخميس ثانى عشر رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب أبرز.
стр. 184
قال ابن النجار: قرأته فى تاريخ ابن شافع بخطه. والذى رأيت فى تاريخ مختصر ابن شافع لا بن نقطة: فى هذه السنة وفاة أبى الحسن محمد بن أبى البركات أحمد بن الأبرادى. وقد تابعه على ذلك ابن الجوزى فى تاريخه، وترجماه بترجمة أبى البركات. وهو وهم. وسنذكر ابنه أبا الحسن فى موضعه إن شاء الله تعالى.
٨٨ - يحيى بن الحسن
بن أحمد بن عبد الله بن البناء، أبو عبد الله ابن الإمام أبى على المتقدم ذكره، وأخو أبى نصر المتقدم ذكره أيضا.
ولد يوم الجمعة رابع عشرين ذى القعدة سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
وبكر به أبوه فى السماع، فسمع من أبى الحسين بن المهتدى، وابن الأبنوسى وابن النقور، وأبى الغنائم، وجابر بن ياسين، ووالده أبى على بن البناء، وغيرهم
وحدث وروى عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم، منهم: ابن عساكر، وابن الجوزى، وابن بوش.
وروى عنه ابن السمعانى إجازة، وقال: كان شيخا صالحا حسن السيرة واسع الرواية حسن الأخلاق متوددا متواضعا، برا لطيفا بالطلبة، مشفقا عليهم.
قال: وسمعت أبا محمد عبد الله بن عيسى بن أبى حبيب الأندلسى الحافظ قاضى اشبيلية يثنى عليه كثيرا، ويمدحه ويطريه، ويصفه بالعلم والتمييز والفضل وحسن الأخلاق، وعمارة المسجد. وقال: ما رأيت ببغداد فى الحنابلة مثله.
قال: وكان شيخنا أبو شجاع البسطامى كثير الثناء عليه، يصفه بالخير والصلاح والعلم. وكذلك كل من رأيته ممن سمع منه وأخذ عنه كان يثنى عليه ويمدحه.
وتوفى ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
ودفن صبيحة يوم الجمعة بمقبرة الإمام أحمد.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى بالفسطاط، أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على الحافظ، أخبرنا يحيى بن أبى على
стр. 185
البناء بقراءة شيخنا أبى الفضل بن ناصر، أخبرنا أبو الحسين بن محمد بن على بن المهتدى، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر السوسنجردى، حدثنا محمد بن عمرو بن البحترى، حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردى، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد اهتزّ عرش الرّحمن لموت سعد بن معاذ».
٨٩ - أحمد بن محمد
بن أحمد الدّينورى البغدادى الفقيه، الإمام أبو بكر ابن أبى الفتح.
أحد الفقهاء الأعيان، وأئمة أهل المذهب.
سمع الحديث من أبى محمد التميمى، وجعفر السراج وغيرهما. وتفقه على أبى الخطاب وبرع فى الفقه. وتقدم فى المناظرة على أبناء جنسه، حتى كان أسعد الميهنى شيخ الشافعية يقول: ما اعترض أبو بكر الدينورى على دليل أحد إلا ثلم فيه ثلمة.
وله تصانيف فى المذهب، منها: كتاب «التحقيق فى مسائل التعليق» وتخرج به أئمة، منهم: أبو الفتح بن المنى، والوزير ابن هبيرة.
قال ابن الجوزى: حضرت درسه بعد موت شيخنا ابن الزاغونى نحوا من أربع سنين.
قال وأنشدنى:
تمنيت أن تمسى فقيها مناظرا … بغير عناء، والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة … تلقيتها، فالعلم كيف يكون؟
قال: وحدثنى قال: كنت أتفقه على شيخنا أبى الخطاب. وكنت فى بدايتى أجلس فى آخر الحلقة، والناس فيها على مراتبهم، فجرى بينى وبين رجل كان يجلس قريبا من الشيخ بينى وبينه رجلان أو ثلاثة كلام. فلما كان فى الثانى جلست فى مجلسى على عادتى فى آخر الحلقة، فجاء ذلك الرجل، فجلس إلى
стр. 186
جانبى، فقال له الشيخ: لم تركت مكانك؟ فقال: أترك مثل هذا، فأجلس معه يزرى علىّ. فو الله ما مضى إلا قليل حتى تقدمت فى الفقه، وقويت معرفتى به، فصرت أجلس إلى جانب الشيخ، وبينى وبين ذلك الرجل رجال.
قال ابن الجوزى: وكان يرق عند ذكر الصالحين، ويبكى ويقول:
للعلماء عند الله قدر، فلعلّ الله أن يجعلنى منهم.
توفى يوم السبت غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. ودفن عند رجل أبى منصور الخياط، قريبا من قبر الإمام أحمد رضى الله عنه.
وقيل: إنه لم يشيّعه إلاّ عدد يسير. رحمه الله تعالى.
قال أبو البقاء بن طبرزد: كنت يوم موته عند القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، فخبر بذلك، فقال: لا إله إلا الله، موت الأقران هدّ الأركان.
وقال: إذا رأيت أخاك يحلق فبلّ أنت.
ومن غرائب أبى بكر الدينورى: أنه خرّج رواية عن أحمد: أنه من اشتبهت عليه القبلة لزمه أن يصلى أربع صلوات إلى أربع جهات، وقد قيل:
إنه قول مخالف للإجماع.
وحكى ابن تميم عنه: أنه ذكر وجها أن باطن اللحية الكثة فى الغسل كالوضوء.
قال ابن الجوزى فى كتاب «تلبيس إبليس»: كنت أصلى وراء شيخنا أبى بكر الدينورى فى زمن الصّبا فكنت - يعنى: إذا دخلت معه فى الصلاة وقد بقى فى الركعة يسير - أستفتح وأستعيذ، فيركع قبل أن أقرأ، فقال لى:
يا بنيّ، إن الفقهاء قد اختلفوا فى وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا فى أن الاستفتاح سنة. فاشتغل بالواجب ودع السّنّة.
٩٠ - محمد بن محفوط
بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذانى الفقيه أبو جعفر بن الإمام أبوا الخطاب، المتقدم ذكره.
стр. 187
ولد سنة خمسمائة، فيما ذكره أبو الحسن بن القطيعى فى تاريخه عن ابن أخيه محفوظ بن أحمد بن محفوظ.
قال ابن القطيعى. وتفقه على أبيه وبرع فى الفقه.
قلت: هذا محال؛ فإنّ عمره يوم مات أبوه - على ما ذكر فى مولده - يكون عشر سنين، فكيف تفقه عليه وبرع؟.
قال: وصنف كتابا سماه «الفريد» وهو عندى بخطه، ثم ساق منه حديثا وحكايات وأشعارا.
قال: وتوفى - فيما ذكره لى ابن أخيه - فى سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. ودفن بمقبرة باب حرب.
قلت: وفى تاريخ ابن شافع: أنه توفى ليلة الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين. ودفن فى منزله بباب الأزج. ورأيت فى تاريخ القضاة لابن المندائى: أن المتوفى فى هذه السنة هو أبو الفرج أحمد بن الإمام أبى الخطاب.
وكان من المعدلين ببغداد، وأن وفاته يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين. ودفن بمقبرة باب حرب عند أبيه.
٩١ - محمد بن عبد الباقى
بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك - أحد الثلاثة الذين خلفوا، ثم تاب الله عليهم - الأنصارى الكعبى البغدادى البصرى البزاز (١) الفرضى، القاضى أبو بكر بن أبى طاهر، ويعرف بقاضى المارستان
كان والده أبو طاهر عبد الباقى - ويعرف بصهر هبة المقرئ، وكان من أكابر أهل بغداد والملازمين للقاضى أبى يعلى - شيخا صالحا محدثا، معدلا. سمع الحديث وحدّث.
وتوفى فى صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة.
стр. 188
وأما ولده أبو بكر هذا: فولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين. وحضر على أبى إسحاق البرمكى سنة خمس وأربعين.
وسمع من أخيه أبى الحسن على، والقاضى أبى الطيب الطبرى وأبى طالب العشارى، وأبى الحسن الباقلانى (١)، وأبى محمد الجوهرى، وأبى القاسم عمر بن الحسين الخفاف، وأبى الحسين بن حسنون، وأبى على بن غالب، وأبى الحسين ابن الأبنوسى، وأبى الحسن بن أبى طالب المكى، وأبى الفضل ابن المأمون، وتفرد بالرواية عن هؤلاء كلهم. وسمع من خلق آخرين.
وسمع بمكة من أبى معشر وغيره، وبمصر من أبى إسحاق الحبال. وقد خرجت له مشيخة عن شيوخه فى خمسة أجزاء سمعتها بالقاهرة. وكانت له إجازة من أبى القاسم التنوخي، وابن شيطا، والقضاعى مصنف الشهاب.
وتفقه فى صباه على القاضى أبى يعلى، وقرأ الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة، وبرع فى ذلك، وله فيه تصانيف. وشهد عند قاضى القضاة أبى الحسن ابن الدامغانى وتفنن فى علوم كثيرة.
قال ابن السمعانى: عارف بالعلوم متفنن، حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة. ما رأيت أجمع للفنون منه نظر فى كل علم. وسمعته يقول: تبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه.
قال: وكان سريع النسخ حسن القراءة للحديث، سمعته يقول: ما ضيعت ساعة من عمرى فى لهو أو لعب.
قال: وسمعته يقول: أسرتنى الروم، وبقيت فى الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغلّ فى عنقى، والسلاسل على يدى ورجلى. وكانوا يقولون لى: قل:
المسيح ابن الله، حتى نفعل ونصنع فى حقك، فامتنعت وما قلت. قال: ووقت أن
стр. 189
حبست كان ثمّ معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية، فتعلمت فى الحبس الخط الرومى.
وسمعته يقول: حفظت القرآن ولى سبع سنين، وما من علم فى عالم الله إلا وقد نظرت فيه، وحصلت منه كله أو بعضه، وتفرد فى الدنيا بعلو الإسناد ورحل إليه المحدثون من البلاد.
قال ابن الجوزى: كان حسن الصورة، حلو المنطق، مليح المعاشرة، كان يصلى فى جامع المنصور، فيجئ فى بعض الأيام، فيقف وراء مجلسى وأنا على منبر الوعظ فيسلّم عليّ. وأملى الحديث فى جامع القصر باستملاء شيخنا ابن ناصر، وقرأت عليه الكثير. وكان ثقة فهما، ثبتا حجة؟؟؟، متفننا فى علوم كثيرة، منفردا فى علم الفرائض.
وكان يقول: ما أعلم أنى ضيّعت من عمرى شيئا فى لهو أو لعب، وما من علم إلا وقد حصلت بعضه أو كله. وكان قد سافر فوقع فى أيدى الروم، فبقى فى أسرهم سنة ونصفا، وقيّدوه وجعلوا الغل فى عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلم منهم الخط الرومى.
قال: وسمعته يقول: يجب على المعلم أن لا يعنّف، وعلى المتعلم أن لا يأنف.
وسمعته يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر.
قال: وأنشدنى:
لى مدّة لا بدّ أبلغها … فإذا انقضت وتصرّمت متّ
لو عاندتنى الأسد ضارية … ما ضرّنى ما لم يجئ الوقت
قال: ذكر لنا أنّ منجمين حضرا حين ولد، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة. قال: وها أنا قد جاوزت التسعين.
قال: ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس، لم يتغير منها شئ، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بعد. ودخلنا عليه قبل موته بمديدة، فقال: قد نزلت فى أذنى مادة، فقرأ علينا من حديثه، وبقى على هذا نحوا من شهرين،
стр. 190
ثم زال ذلك، وعاد إلى الصحة، ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على ما جرت به العادة، وقال: لأنه إذا حفر ما جرت به العادة لم يصلوا إلي، وأن يكتب على قبره (٦٨:٣٨، ٦٩ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ)﴾ وبقى ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القرآن، إلى أن توفى يوم الأربعاء قبل الظهر ثانى رجب سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. وصلّى عليه بجامع المنصور. وحضر قاضى القضاة الزينبى، ووجوه الناس وشيعناه إلى مقبرة باب حرب، فدفن إلى جانب أبيه، قريبا من بشر الحافى رضى الله عنه.
قلت: وحدّث القاضى أبو بكر بالكثير من حديثه، وسمع منه الأئمة الحفاظ وغيرهم، وأثنوا عليه.
قال ابن الخشاب عنه: كان مع تفرده بعلم الحساب والفرائض، وافتنانه فى علوم عديدة، صدوقا، ثبتا فى الرواية، متحريا فيها.
وقال ابن ناصر عنه: كان إماما فى الفرائض والحساب، وهو آخر من حدث عن البرمكى، وذكر جماعة.
وكان سماعه صحيحا، ومتعه الله بعقله وسمعه وبصره وجوارحه إلى حين وفاته. ولم يخلف بعده من يقوم مقامه فى علمه. وكان قد خرجت له مجالس سنة ثمان عشرة، فأملاها بالجامع من دار الخليفة.
وقال ابن شافع: سمعت ابن الخشاب يقول: سمعت قاضى المارستان يقول:
قد نظرت فى كل علم حصلت منه بعضه أو كله، إلا هذا النحو فإنى قليل البضاعة فيه.
قال ابن شافع: وما رأيت أبا محمد - يعنى: ابن الخشاب - يعظم أحدا من مشايخه تعظيمه له. وكان أبو القاسم بن السمرقندى يقول: ما بقى مثله ويطريه فى الثناء.
стр. 191
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم، أخبرنا الحافظان: أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى، وأبو محمد ابن عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، وأبو أحمد بن عبد الوهاب بن على بن سكينة وغيرهم ح وأخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقى بها - غير مرة - أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم التنوخى، وأبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحارثى وأبو الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى، وأبو الغنائم المسلم بن محمد بن علان وغيرهم، قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندى. زاد الأولان: وأبو البركات عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفى، وزاد الأول وحده: وأحمد بن تزمش البغدادى. قالوا كلهم: أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الباقى البزاز، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكى - حضورا - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم البزار، حدثنا أبو مسلم، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنا حميد عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار»:
أنبئت عن يوسف بن خليل الحافظ قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الله بن أبى الفوارس محمد بن على بن حسن الخزاز الصوفى البغدادى ببغداد قال: سمعت القاضى أبا بكر محمد بن عبد الباقى بن محمد البزاز الأنصارى يقول:
كنت مجاورا بمكة - حرسها الله تعالى - فأصابنى يوما من الأيام جوع شديد لم أجد شيئا أدفع به عنى الجوع، فوجدت كيسا من إبريسم مشدودا بشرابة من إبريسم أيضا فأخذته وجئت به إلى بيتى، فحللته فوجدت فيه عقدا من لؤلؤ لم أر مثله، فخرجت فإذا الشيخ ينادى عليه، ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار وهو يقول: هذا لمن يرد علينا الكيس الذى فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقلت له: تعالى إلىّ، فأخذته وجئت به إلى بيتى، فأعطانى علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ
стр. 192
وعدده؟؟؟، والخيط الذى هو مشدود به، فأخرجته ودفعته إليه. فسلم إلىّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب علىّ أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لى:
لا بد أن تأخذ. وألح على كثيرا، فلم أقبل ذلك منه، فتركنى ومضى.
وأما ما كان منى: فإنى خرجت من مكة وركبت البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكت أموالهم، وسلمت أنا على قطعة من المركب، فبقيت مدّة فى البحر لا أدرى أين أذهب، فوصلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعدت فى بعض المساجد، فسمعونى أقرأ، فلم يبق فى تلك الجزيرة أحد إلا جاء إلىّ وقال:
علمنى القرآن. فحصل لى من أولئك القوم شئ كثير من المال.
قال: ثم إنّي رأيت فى ذلك المسجد أوراقا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها فقالوا لى: تحسن تكتب؟ فقلت: نعم، فقالوا: علّمنا الخط، فجاءوا بأولاهم من الصبيان والشباب، فكنت أعلمهم، فحصل لى أيضا من ذلك شئ كثير فقالوا لى بعد ذلك: عندنا صبيّة يتيمة، ولها شئ من الدنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعت، فقالوا: لا بد، وألزمونى، فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفوها إلىّ مددت عينى انظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقا فى عنقها، فما كان لى حينئذ شغل إلا النظر إليه. فقالوا: يا شيخ، كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلت:
ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشيخ الذى أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول:
ما وجدت فى الدنيا مسلما إلا هذا الذى رد على هذا العقد، وكان يدعو ويقول:
اللهم اجمع بينى وبينه حتى أزوجه بابنتى، والآن قد حصلت، فبقيت معها مدة ورزقت منها بولدين.
ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولداى، ثم مات الولدان فحصل العقد لى فبعته بمائة ألف دينار. وهذا المال الذى ترون معى من بقايا ذلك المال. هكذا ساق هذه الحكاية يوسف بن خليل الحافظ فى معجمه.
стр. 193
وساقها ابن النجار فى تاريخه، وقال: هى حكاية عجيبة. وأظن القاضى حكاها عن غيره. وقد ذكرها أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى تاريخه فى ترجمة أبى الوفاء بن عقيل.
وذكر عن ابن عقيل: أنه حكى عن نفسه: أنه جج، فالتقط العقد ورده بالموسم، ولم يأخذ ما بذل له من الدنانير، ثم قدم الشام، وزار بيت المقدس، ثم رجع إلى دمشق، واجتاز بحلب فى رجوعه إلى بغداد، وأنّ تزوجه بالبنت كان بحلب. ولكن أبا المظفر ليس بحجة فيما ينقله، ولم يذكر للحكاية إسنادا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب معروف، ولا يعلم قدوم ابن عقيل إلى الشام، فنسبتها إلى القاضى أبى بكر الأنصارى أنسب. والله أعلم.
وقد تضمنت هذه القصة: أنه لا يجوز قبول الهدية على رد الأمانات؛ لأنه يجب عليه ردها بغير عوض، وهذا إذا كان لم يلتقطها بنيّة أخذ الجعل المشروط وقد نص أحمد رضى الله عنه على مثل ذلك فى الوديعة، وأنه لا يجوز لمن ردها إلى صاحبها قبول هديته إلا بنية المكافأة.
٩٢ - عبد الوهاب بن عبد الواحد
بن محمد بن علي الشيرازى، ثم الدمشقى، المعروف بابن الحنبلى، الفقيه الواعظ المفسّر، شرف الإسلام أبو القاسم.
كذا كناه ابن القلانسى فى تاريخه. وكناه المنذرى وغيره: أبا البركات ابن شيخ الإسلام أبى الفرج الزاهد - المتقدم ذكره - شيخ الحنابلة بالشام فى وقته
توفى والده وهو صغير فاشتغل بنفسه، وتفقه وبرع، وناظر وأفتى، ودرس الفقه والتفسير ووعظ، واشتغل عليه خلق كثير. وكان فقيها بارعا، وواعظا فصيحا، وصدرا معظما، ذا حرمة وحشمة وسؤدد ورئاسة، ووجاهة وجلالة وهيبة.
ولما ورد الفرنج إلى دمشق سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، أرسله صاحب دمشق إلى الخليفة المسترشد ببغداد ليستنجدهم على الفرنج، فخلع عليه ووعده بالإنجاد.
стр. 194
وكان له بجامع دمشق مجلس يعقده للوعظ، وقيل: إنه منع منه بسبب الفتن.
قال ابن السمعانى: سمعت أبا الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد التنوخى الدمشقى - مذاكرة - يقول: سمعت الشيخ الإمام عبد الوهاب بن أبى الفرج الحنبلى الدمشقى - بدمشق - ينشد على الكرسى فى جامعها، وقد طاب وقته:
سيّدى علّل الفؤاد العليلا … واحينى قبل أن ترانى قتيلا
إن تكن عازما على القبض روحى … فترفّق بها قليلا قليلا
قرأت بخط حفيده ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم قال: حكى لنا الفصيح الحنفى قال: احتجت، فأشار علىّ بعض الناس أن أقوم فى مجلس شرف الإسلام فأمتدحه بقصيد شعر. قال: ففعلت، فرمى علىّ الشيخ منديلا كان فى يده، فخلع على جماعة أصحابه ثيابا كثيرة، ونثروا علىّ، فخرجت من المجلس ومعى جمال تحمل الخلع. فبلغ ذلك البرهان البلخى شيخ الحنفية، فشكانى إلى والدى، فقلت: كنت محتاجا، ورحت إلى رجل أغنانى، فاسكتوا عنى وإلا رحت إليه بكرة.
قال ناصح الدين: وكان وجيه الدين مسعود بن شجاع شيخ الحنفية - بدمشق - يذكر شرف الإسلام جدّى، ويقول: كان يذكر مجلدة من التفسير فى المجلس الواحد ويثنى عليه.
قال: وكان زين الدين بن الحكيم الواعظ الحنفى يذكر جدى شرف الإسلام على المنبر، ويثنى عليه، وربما ذكره فبكى.
قلت: ولشرف الإسلام تصانيف فى الفقه والأصول، منها «المنتخب فى الفقه» فى مجلدين، و «المفردات»، و «البرهان فى أصول الدين» ورسالة فى الرد على الأشعرية.
وحدث عن أبيه ببغداد ودمشق، وسمع منه ببغداد أبو بكر بن كامل، وناظر مع الفقهاء ببغداد فى المسائل الخلافيات.
стр. 195
قال ابن النجار: حدث عن والده بحديث منكر. وبنى بدمشق مدرسة داخل باب الفراديس، وهى المعروفة بالحنبلية. ولما شرع فى بنائها طلع بعض المخالفين إلى «زمرّد خاتون» أم شمس الملوك - وكان حكمها نافذا فى البلد - فقالوا لها: هذا ابن الحنبلى يبنى مدرسة للحنابلة، وهذا البلد عامته شافعية، وتصير الفتن وبناؤها مفسدة وضرر كبير. فبعثت إلى الشيخ، وقالت له: بطل هذا البناء، فقال: السمع والطاعة. وقال للصناع: انصرفوا، فانصرفوا. فلما كان الليل أحضر الصّناع والفعلة وأصحابه، وأشعلوا المشاعل والشمع، وشرعوا فى تأسيس حائط القبلة، ونصبوا المحراب ليلا، وقال: اغدوا على عملكم، فغدوا، وقال أولئك لها: قد خالف أمرك. فنزل إليه عشرة من القلعة، وقالوا له: أما قد نهتك خاتون عن بناء هذا المكان؟ فقال: أنا قد بنيت بيتا من بيوت الله ، ونصبت محرابا للمسلمين، فإن كانت هى تهدمه تبعث تهدمه، وصاح على الصناع: اعملوا. فبلغها ما قال. فقالت: صدق. أنا ما لى وللفقهاء.
ذكر ذلك الناصح عن بعض أصحاب أبى شرف الإسلام.
قال: سمعت والدى يقول: جاء رجل من أصحاب أبى شرف الإسلام إليه، فقال: رأيت الليلة فى منامى أبى، فقال لى: هذا الذى يقوله لكم الشيخ ما هو صحيح، ما رأينا لا جنة ولا نارا، ولا قيامة ولا حسابا، وهو يبكى، فقال له الشيخ: ما ذاك والدك. فقال: يا سيدى، والدى، أنا أعرفه، فقال له الشيخ: ذاك الشيطان، الساعة يعود ويقول لك مثل ما قال. فقل أنت له: بالله الذى لا إله إلا هو، أنت والدى؟ فيولى عنك ويضرط لك. فلما كانت الليلة الثانية أصبح وجاء إلى الشيخ، فقال له: ضرط لك؟ قال: إي والله يا سيدى.
توفى ﵀ فى ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
ودفن عند والده بمقابر الشهداء من مقابر الباب الصغير.
وذكره أبو المعالى بن القلانسى فى تاريخه، فقال: كان على الطريقة
стр. 196
المرضية، والخلال الرضية،، ووفور العلم وحسن الوعظ وقوة الدين، والتنزه عما يقدح فى أفعال غيره من المتفقهين، وكان يوم دفنه مشهودا من كثرة المشيعين له والباكين حوله، والمؤبنين لأفعاله والمتأسفين عليه. رحمه الله تعالى.
وللمهذب أحمد بن منير (١) الشاعر الحلبى المشهور رسالة إلى شرف الإسلام يمدحه فيها وأهل بيته بقصيدة، يقول فيها:
ولعمرى لولا بقية عبد ال … واحد الحنبلىّ أعضل داؤه
هم أعادوا المعروف غضا وقد صوّ … ح مخضره وغاض بهاؤه
معشر أرضعوا النباهة من عو … د نضار ماء المروءة بهاؤه؟؟؟
كل معروفهم لمعروفهم طلق … وهم فى مكروهه شركاؤه
ألسن توّج المنابر منها … كل عضب فلّ القضاء مضاؤه
فالكتاب العزيز يشهد أن قد … سلمت خصلة له قراؤه
أهله أنتم، ومن لم يقل قو … لى عمّمت عينه أعضاؤه
فقهاء الإسلام إن عن … لبس أحباره خطباؤه
قال ناصح الدين حفيد شرف الإسلام: قد عرضت هذه القصيدة على أبى البقاء العكبرى، فأثنى عليها كثيرا.
٩٣ - عبد الوهاب بن المبارك
بن أحمد بن الحسن الأنماطى، الحافظ أبو البركات، محدّث بغداد.
ولد فى رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
وسمع الكثير من أبى محمد الصريفينى، وأبى الحسين بن النقور، وأبى القاسم الأنماطى، وابن البسرى، وأبى نصر الزينبى، وطراد، وخلق كثير بعدهم.
وكتب بخطه الكثير، وسمع العالى والنازل، حتى إنه قرأ على أبى الحسين بن الطيورى جميع ما عنده.
стр. 197
قال ابن ناصر عنه: كان بقية الشيوخ، سمع الكثير. وكان يفهم، مضى مستورا وكان ثقة، ولم يتزوج قط.
وقال السلفى: كان عبد الوهاب رفيقا حافظا ثقة، لديه معرفة جيدة. وقال الحافظ أبو موسى المدينى فى معجمه: هو حافظ عصره ببغداد.
وذكره ابن السمعانى، فقال: حافظ ثقة، واسع الرواية، دائم البشر، سريع الدمعة عند الذكر، حسن المعاشرة. جمع الفوائد وخرج التخاريج، لعله ما بقى جزء مروى إلا وقد قرأه وحصل نسخته. ونسخ الكتب الكبار، مثل الطبقات لابن سعد، وتاريخ الخطيب. وكان متفرغا للتحديث: إما أن يقرأ عليه، أو ينسخ شيئا
وذكره ابن الجوزى فى عدّة مواضع من كتبه، كمشيخته، وطبقات الأصحاب المختصرة، والتاريخ، وصفوة الصفوة، وصيد الخاطر. وأثنى عليه كثيرا، وقال:
كان ثقة ثبتا، ذا دين وورع، وكنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكى، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتى بروايته. وكان على طريقة السلف، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره، ودخلت عليه فى مرضه - وقد بلى وذهب لحمه - فقال لى: إنّ الله لا يتهم فى قضائه.
وقال أيضا: ما رأينا فى مشايخ الحديث أكثر سماعا منه، ولا أكثر كتابة للحديث بيده مع المعرفة به، ولا أصبر على الإقراء، ولا أسرع دمعة وأكثر بكاء مع دوام البشر وحسن اللقاء.
وقال أيضا: كنت أقرأ عليه الحديث من أخبار الصالحين، فكلما قرأتها بكى وانتحب. وكنا ننتظره يوم الجمعة بجامع المنصور، فلا يجئ من قنطرة باب البصرة وإنما يجئ من القنطرة العتيقة. فسألته عن هذا؟ فقال: تلك كانت دار ابن معروف القاضى، فلما غضب عليه السلطان أخذها وبنى عليها القنطرة.
قال لنا: وسمعت أبا محمد التميمى يحكى عن ابن معروف: أنه أحل كل من يجوز عليها، إلا أنى أنا لا أفعل.
стр. 198
قال: وكانت فيه خلة أخرى عجيبة: لا يغتاب أحدا، ولا يغتاب عنده.
وكان صبورا على القراءة عليه، يقعد طول النهار لمن يطلب العلم. وكان سهلا فى إعارة الأجزاء لا يتوقف، ولم يكن يأخذ أجرا على العلم، ويعيب من يفعل ذلك، ويقول: علّم مجانا كما علّمت مجانا.
قلت: حدّث عبد الوهاب بالكثير، وسمع منه خلق عظيم.
وروى عنه من الحفاظ والأئمة وغيرهم خلق كثير، منهم: ابن ناصر، والسلفى، وابن عساكر، وأبو موسى المدينى، وأبو سعد السمعانى، وابن الجوزى، وابن الأخضر، وأبو أحمد بن سكينة، وابن طبرزد، وأحمد بن الديبقى، وعبد الوهاب ابن أحمد. هذا خلاف عبد الوهاب بن أحمد بن هذيمة، وهو خاتمة أصحابه.
وكان ابن السمعانى وغيره من الحفاظ يستفيدون منه، ويرجعون إلى قوله فى أحوال الرواة وجرحهم وتعديلهم.
ومن الفوائد المذكورة عنه: أنه كان لا يجيز الرواية بالإجازة عن الإجازة وجمع فى ذلك تأليفا. ذكره ابن السمعانى عنه. وهو مذهب غريب.
توفى رحمه الله تعالى يوم الخميس حادى عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ودفن من الغد بالشونيزية، وهى مقبرة أبى القاسم الجنيد غربى بغداد
أخبرنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن على، أخبرنا الحافظ عبد الوهاب بن المبارك الأنماطى بقراءتى عليه، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الصريفينى، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله (١) الصيرفى، حدثنا أبو القاسم البغوى، حدثنا على بن الجعد، أخبرنا شعبة عن منصور عن ربعى عن أبى مسعود قال: قال رسول الله ﷺ . «إنّ آخر ما أدرك النّاس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
أخرجه البخارى عن آدم عن شعبة.
стр. 199
٩٢ - [¬*] محمد بن على
بن صدقة بن جلب الصائغ، أبو البركات، أمين الحكم بباب الأزج.
سمع من أبى محمد التميمى، وقرأ الفقه على القاضى أبى خازم.
وذكر ابن القطيعى عن أبى الحسين بن أبى البركات الصائغ قال: سمعت أبى قال: جاءت فتوى إلى القاضى أبى خازم، وفيها مكتوب.
ما يقول الإمام أصلحه اللّ … هـ وللسبيل هداه
فى محب أتى إليه حبيب … فى ليالى صيامه فأتاه
أفتنا: هل صباح ليلته أف … طر أم لا؟ وقل لنا ما تراه
قال: فقال لى القاضى أبو خازم: أجب يا أبا البركات، فكتبت الجواب وبالله التوفيق:
أيها السائل عن الوطء فى لي … لة الصيام الذى إليه دعاه
وجده بالذى أحبّ وقد أح … رق نار الغرام منه حشاه
كيف تعصى؟ ولو تفكّر فى قد … رة ربى مفكّر ما عصاه
أأمنت الذى دحا الأرض أن تط … بق دون الورى عليك سماه؟
ليس فيما أتيت ما يبطل الصّو … م جوابى فاعلم هداك الله
توفى ليلة الثلاثاء سابع عشر رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب حرب.
وكان سبب موته: أن زوجته سمّته فى طعام قدّمته له، وأكل معه منه رجلان فمات أحدهما من ليلته، والآخر من غده. وبقى أبو البركات مريضا مديدة، ثم مات رحمه الله تعالى.
٩٣ - موهوب بن أحمد
بن محمد بن الخضر بن الحسن بن محمد الجواليقى، أبو منصور بن أبى طاهر. شيخ أهل اللغة فى عصره.
стр. 200
ولد فى ذى الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة. ذكره ابن شافع وابن الجوزى
وقال ابن السمعانى: سألته عن مولده؟ فقال: سنة ست وستين.
وذكر غيره: أنه سأله عن ذلك؟ فقال: فى أواخر سنة خمس، أو أوائل سنة ست.
وسمع الحديث الكثير من أبي القاسم بن البسرى، وأبى طاهر بن أبى الصقر وأبى الحسن على بن محمد الخطيب الأنبارى، وطراد الزينبى، ونصر بن البطر، وأبى الحسين بن الطيورى، وجعفر السراج، وأبى طاهر بن سوار، وجماعة من بعدهم
وقرأ الأدب على أبى زكريا التبريزى سبع عشرة سنة. وبرع فى علم اللغة والعربية. ودرس العربية فى المدرسة النظامية بعد شيخه أبى زكريا مدّة، ثم قربه المقتفى لأمر الله تعالى، فاختص بإمامته فى الصلوات. وكان المقتفى يقرأ عليه شيئا من الكتب، وانتفع بذلك، وبان أثره فى توقيعاته. وكان من أهل السنة المحامين عنها. ذكر ذلك ابن شافع.
وقال ابن السمعانى فى حقه: إمام فى اللغة والأدب. وهو من مفاخر بغداد وهو متدين ثقة، ورع. غزير الفصل، كامل العقل، مليح الخطّ، كثير الضبط صنف التصانيف، وانتشرت عنه، وشاع ذكره. ونقل بخطه الكثير.
وقال ابن الجوزى: انتهى إليه علم اللغة. وكان غزير العقل، متواضعا فى ملبسه ورئاسته، طويل الصمت، لا يقول الشئ إلاّ بعد التحقيق والفكر الطويل.
وكثيرا ما كان يقول: لا أدرى. وكان من أهل السنة. سمعت منه كثيرا من الحديث وغريب الحديث، وقرأت عليه كتابه «المعرب» وغيره من تصانيفه وقطعة من اللغة.
وقال ابن خلكان فى تاريخه: صنّف التصانيف المفيدة وانتشرت عنه، مثل شرح كتاب «أدب الكاتب» وكتاب «المعرب» وتتمة «درّة الغوّاص» للحريرى. وخطه مرغوب فيه.
стр. 201
وكان يصلى بالمقتفى بالله، فدخل عليه - وهو أول ما دخل - فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين. فقال: ابن التلميذ النّصرانى - وكان قائما، وله إدلال الخدمة، والطب -: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقى وقال: يا أمير المؤمنين، سلامى هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو حلف حالف أنّ نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضى لما لزمته كفارة، لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر، مع فضله وغزارة أدبه.
وقال المنذرى: الإمام أبو منصور، أحد الفضلاء فى اللغة والنحو، وهو من مفاخر بغداد، وله التصانيف المشهورة. حدث أبو منصور بالعوالى من حديثه لعزة أوقاته.
وسمع منه جماعة، منهم: ابن ناصر، وابن السمعانى، وابن الجوزى، وأبو اليمن الكندى.
وتوفى سحر يوم الأحد خامس عشر محرم سنة أربعين وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد فى جامع القصر، وحضر الصلاة عليه أرباب الدولة والعلماء، وتقدمهم فى الصلاة قاضى القضاة أبو القاسم الزينبى. ودفن بباب حرب عند والده. رحمهما الله تعالى.
ووهم ابن السمعانى فى وفاته، فقال: فى سنة تسع وثلاثين.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا عبد الرحمن بن على الحافظ، أخبرنا موهوب بن أحمد بن الجواليقى بقراءتى عليه، أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد بن البسرى، خبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمى، حدثنا أبو مصعب الزهرى عن مالك عن سمى - مولى أبى بكر - عن أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله
стр. 202
صلّى الله عليه وسلم: «السّفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه. فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه فليعجّل الرّجوع إلى أهله».
أخرجاه عن القعنبى عن مالك.
٩٤ - نصر بن الحسين
بن حامد الحرانى، أبو القاسم.
أحد شيوخ حران، وفقهائها الأكابر. وهو من أصحاب أبى الفتح بن جلبة القاضى، وأبى الحسين بن عمرو الزاهد، وعنهما أخذ العلم. ولا أعلم سنة وفاته.
ذكره أبو الفتح بن عبدوس، وقد عدّ شيوخ حرّان، وعلماءها، وفقهاءها، وذكر منهم: أبا المحاسن هبة الله بن نصر بن الحسين بن حامد ولد المذكور.
قلت: أبو المحاسن هذا تفقه ببغداد، وقرأ على ابن الزاغونى، وأبى الخطاب وغيرهما، وسمع من طلحة العاقولى.
وله تصنيف أظنه فى أصول الدين سماه «كفاية المنتهى ونهاية المبتدى» نقل منه الشيخ فخر الدين بن تيمية فى تفسيره.
وذكر ابن عبدوس: أبا القاسم صدقه بن على بن محشى، وصاحبه أبا المعالى رافع بن محمد بن الحكيم، وولده أبا الحسن محمد بن رافع. وقد كان روى السلفى عن أبى الفتح أحمد بن حامد الأسدى الحرانى بما كسين.
قال: وكان قد ولى قضاءها حديثا بإجازته من أبى طالب العشارى، وبسماعه من القاضى أبى الفتح بن جلبة، بسماعه من العشارى.
وذكر ابن نقطة عن السلفى قال: سمعت المؤتمن بن أحمد الساجى يقول:
على بن محمد بن على بن جلبة قاضى حران كان محبا للحديث، مجدّا فى السنة.
٩٥ - نجيب بن عبد الله
السمرقندى، أبو بكر.
ذكره يحيى بن الصيرفى الحرانى الفقيه فى بعض تصانيفه، وقال: أظنه من تلامذة ابن عقيل.
стр. 203
قال: وله تخاريج حسنة فى المذهب.
وذكر من ذلك: أنه خرج رواية: أنه لا يجب القود فى صورة الإكراه على القتل إلا على المكره، ولا على المكره، من الرواية التى يقول فيها:
لا تقتل الجماعة بالواحد؛ لامتزاج الأفعال، فكذلك هنا وأولى؛ لأن السبب غير صالح.
٩٦ - الحسين بن الهمذانى
أبو عبد الله شمس الحفاظ.
له كتاب «المقتدى» فى الفقه فى المذهب.
ذكره ابن الصقال الحرانى فى رسالته المسماة «بالإنباء عن تحريم الربا».
وذكر: أنه ذكر فى هذا الكتاب: أن العروض المحلى بأحد النقدين لا يجوز بيعه بأحدهما، قولا واحدا. وهذا موافقة لطريقة ابن أبى موسى وغيره.
ولا أعلم من حاله غير هذا.
٩٧ - المبارك بن عبد الملك
بن الحسين البغدادى، الحريمى، الفقيه، الإمام أبو على، المعروف بابن القاضى.
تفقه فى المذهب وبرع فيه. وسمع فى حال كبره من غير واحد. وكان من أكابر الفقهاء.
تفقه عليه جماعة. ولا أعلم سنة وفاته.
وله ابن يقال له: أبو منصور عبد الملك كان موصوفا بالصلاح والخير.
ولى القضاء بمدينة المنصور بالحريم الطاهرى.
وسمع من أبى منصور القزاز، وأبى البدر الكرخى وطبقتهما، وحدث.
وكان مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
وتوفى فى عشرين ذى الحجة سنة تسع وستمائة. ودفن بباب حرب.
سمع منه النجيب الحرانى. وسيأتى عنه حديث فى ترجمة ابن الطلاية.
стр. 204
بقية وفيات المائة السادسة من سنة ٥٤١ هـ - إلى سنة ٦٠٠ هـ
٩٨ - عبد الله بن على
بن أحمد بن عبد الله البغدادى، المقرئ النحوى الأديب الزاهد أبو محمد، سبط أبى منصور الخياط.
ولد ليلة الثلاثاء سابع عشرين شعبان سنة أربع وستين وأربعمائة.
وتلقن القرآن من شيخه أبى الحسن بن الفاعوس، وقرأ بالروايات على جده أبى منصور الزاهد، والشريف عبد القاهر العباسى، وابن سوار، وجماعة.
وسمع الحديث الكثير من أبى الحسين بن النقور، وأبى منصور بن عبد العزيز، وطراد، وغيرهم.
وقرأ الأدب على أبى الكرم بن فاخر، وبرع عليه فى العربية واللغة، وقرأ عليه كتاب سيبويه، وتصانيف ابن جنى. وصنف فى القراءات كتبا وقصائد، وأم بمسجد ابن جردة وأقرابه، من سنة سبع وثمانين وأربعمائة إلى وفاته، وختم ما لا يحصى.
وقرأ عليه بالروايات خلق كثير. آخرهم موتا تاج الدين زيد بن الحسن الكندى.
وسمع منه الحديث خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم: ابن ناصر، وابن السمعانى، وابن الجوزى. وكان أكابر العلماء وأهل بلده يقصدونه.
قال ابن الجوزى: قرأت عليه القرآن والحديث الكثير، ولم أسمع قارئا قط أطيب صوتا منه، ولا أحسن أداء على كبر سنه، وجمع الكتب الحسان. وكان كثير التلاوة، لطيف الأخلاق، ظاهر الكياسة والظرافة، وحسن المعاشرة للعوام والخواص.
وقال أيضا: كان قويا فى السّنة. وكان طول عمره منفردا فى مسجده.
وقال ابن السمعانى: كان له معرفة بالنحو واللغة، متوددا متواضعا، حسن
стр. 205
القراءة والتلاوة فى المحراب، خصوصا فى ليالى رمضان، يحضر الناس عنده لاستماع قراءته. وصنف تصانيف فى القراءات وعلوم القرآن، وخولف فى بعضها، وشنعوا عليه. وسمعت أنه رجع عن ذلك. والله تعالى يغفر لنا وله. وكتبت عنه وعلقت عنه من شعره.
وقال ابن شافع: سار ذكر سبط الخياط فى البلاد والأغوار والأنجاد ورأس أصحاب الإمام أحمد، وصار أوحد وقته ونسيج وحده، لم أسمع فى جميع عمرى من يقرأ الفاتحة أحسن ولا أوضح منه. وكان جمال العراق بأسره. وكان ظريفا كريما لم يخلف مثله فى أكثر فنونه.
ولصدقه بن الحسين فى مدحه:
يا قدوة القراء والأدبا … ومحجة الفقهاء والعلما
والعالم الحبر الإمام ومن سمى … بالعلم مرتبة على الجوازا
وقال ابن نقطة: كان شيخ العراق يرجع إلى دين وثقة وأمانة. وكان ثقة صالحا من أئمة المسلمين.
وقال الذهبى فى طبقات القراء: صنف التصانيف المليحة فى القراءات، مثل «المبهج» و «الكفاية» و «القصيدة المتحدة» و «الروضة» و «الإيجاز فى السبعة» و «المؤيدة للسبعة» و «الموضحة فى العشرة» و «الاختيار» و «التبصرة» وغير ذلك.
وله شعر حسن كثير، فمنه ما أنشده ابن السمعانى عنه.
يا من تمسك بالدنيا ولذتها … وجد فى جمعها بالكد والتعب
هل لا عمرت لدار سوف تسكنها … دار القرار وفيها معدن الطلب؟
فعن قليل تراها وهى دائرة … وقد تمزق ما جمعت من نشب
ومنه قوله:
ومن لم تؤدبه الليالى وصرفها … فما ذاك إلا غائب العقل والحس
стр. 206
يظن بأن الأمر جار بحكمه … وليس له علم: أيصبح أم يمسى؟
وقوله:
إذا كان أمر الله فى الخلق نافذا … ومقدوره فيهم يقيم ويقعد
فلا ينفع الحرص المركب فى الفتى … ولا أحد فيه يحل ويعقد
وقوله:
أيها الزائرون بعد وفاتى … جدثا ضمنى ولحدا عميقا
سترون الذى رأيت من الموت … عيانا وتسلكون الطريقا
وقال الحافظ الضياء المقدسى: أخبرنا أبو الفضل عبد الواحد بن سلطان ببغداد، أخبرنا محمد المقرئ، أجاز لهم، وأنشدنا لنفسه:
ترك التكلف فى التصوف واجب … ومن المحال تكلف الفقراء
قوم إذا امتد الظلام رأيتهم … يتركعون تركع القراء
والوجد منهم فى الوجوه محله … ثم السماع يحل فى الأعضاء
لا يرفعون بذاك صوتا مجهرا … يتجنبون مواقع الأهواء
ويواصلون الدهر صوما دائما … فى البأس إن يأتى وفى السراء
وتراهم بين الأنام إذا أتوا … مثل النجوم الغر فى الظلماء
صدقت عزائمهم وعز مرامهم … وعلت منازلهم على الجوزاء
صدقوا الإله حقيقة وعزيمة … ورعوا حقوق الله فى الآناء
والرقص نقص عندهم فى عقدهم … ثم القضيب بغير ما إخفاء
هذا شعار الصالحين ومن مضى … من سادة الزهاد والعلماء
فإذا رأيت مخالفا لفعالهم … فاحكم عليه بمعظم الإغواء
وله أيضا:
الفقه علم به الأديان ترتفع … والنحو عز به الإنسان ينتفع
ثم الحديث إذا ما رمته فرج … من كل معنى به الإنسان يبتدع
ثم الكلام فذره، فهو زندقة … وخرقه فهو خرق ليس يرتقع
стр. 207
وله أيضا:
ظهرت فى الأنام بدعة قوم … جحدوا الله والقرآن المبينا
عطلوا وصفه، وحادوا عن الحق … جميعا، وخالفوه يقينا
قال ابن الجوزى: توفى بكرة يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتوفى فى غرفته التى فى مسجده، فحط تابوته بالحبال من سطح المسجد، وأخرج إلى جامع القصر، فصلى عليه عبد القادر. وكان الناس فى الجامع أكثر من يوم الجمعة، ثم صلّى عليه فى جامع المنصور.
وقال: وقد رأيت أنا جماعة من الأكابر، فما رأيت أكثر جمعا من جمعه على تقدير الناس، من نهر معلى إلى قبر أحمد، وغلقت الأسواق، ودفن فى دكة الإمام أحمد عند جده أبى المنصور.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بفسطاط مصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم، أخبرنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن على، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن على المقرئ - بقراءتى عليه - أخبرنا الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة، أخبرنا أبو عمر بن مهدى، حدثنا المحاملى، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا إسماعيل ابن علية، حدثنى على بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن بشر ابن سعيد عن زيد بن خالد الجهنى قال: قال رسول الله ﷺ : «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه فى أهله فقد غزا». أخرجه البخارى عن أبى معمر عن عبد الوارث، ومسلم عن أبى الربيع الزهرانى عن يزيد بن زريع، كلاهما عن حسين المعلم عن يحيى بن أبى كثير.
٩٩ - دعوان بن على
بن حماد بن صدقة الجبائى - ويقال له: الجبي أيضا - نسبة إلى قرية بسواد بغداد عند العقر على طريق خراسان، المقرئ الفقيه الضرير أبو محمد.
ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة بالجبة المذكورة.
стр. 208
وقدم بغداد فسمع بها من أبى محمد التميمى، وأبى عبد الله البسرى، والحسين ابن طلحة، وثابت بن بندار، والصريفينى، وابن البطر، وابن السراج.
وقرأ بالروايات على الشريف عبد القاهر المكى، وابن سوار، وتفقه على أبى سعد المخرمى، وأحكم الفقه، وأعاد شيخه المذكور فى درس الخلاف، وأقرأ القرآن، وحدث، وانتفع به الناس. قرأ عليه جماعة، وحدث عنه آخرون، منهم ابن السمعانى.
قال ابن الجوزى: كان خيرا دينا، ذا ستر وصيانة وعفاف، وطرائق محمودة، على سبيل السلف الصالح.
توفى يوم الأحد سادس عشر ذى القعدة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
ودفن من الغد بمقبرة أبى بكر - غلام الخلال - إلى جانبه.
قال ابن الجوزى: كتب إليّ عبد الله الجبائى الشيخ الصالح، قال: رأيت دعوان بن على بعد موته بنحو من شهر فى المنام، وكأن عليه ثيابا بيضاء شديدة البياض، وعمامة بيضاء، وهو يمضى إلى الجامع لصلاة الجمعة، وقد أخذت يده اليسرى بيدى، ومضينا. فلما بلغنا إلى حائط الجامع، قلت له: يا سيدى، إيش لقيت؟ قال لى: عرضت على الله تعالى خمسين مرة، وقال لى: إيش عملت؟ فقلت له:
قرأت القرآن وأقرأته. قال لى: أنا أتولاك، أنا أتولاك. قال عبد الله: فأصابنى من الوجد، وصحت وضربت بكفى اليمنى حائط الجامع ثلاث مرات، أتأوه وأضرب الحائط بكفى، ثم استيقظت.
١٠٠ - صالح بن شافع
بن صالح بن حاتم بن أبى عبد الله الجيلى الفقيه المعدل، أبو المعالى.
ولد ليلة الجمعة لست خلون من المحرم سنة أربع وسبعين وأربعمائة
وسمع من أبى منصور الخياط، وابن الطيورى، وغيرهما. وصحب ابن عقيل وغيره من الأصحاب. وتفقه ودرس بالمسجد المعروف به بدرب المطبخ شرقى بغداد
стр. 209
قال ابن المنذرى فى تاريخ القضاة: كان فقيها زاهدا من سروات الناس.
وقال ابن الجوزى: كان من المعدلين، فجرت حالة أوجبت أن عزل من الشهادة.
وقال ابن المنذرى: كان أحد الفضلاء الشهود. وحدث عنه الحافظان:
أبو القاسم الدمشقى وأبو سعد السمعانى.
توفى يوم الأربعاء سادس عشر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وصلّى عليه من الغد. وتقدم عليه فى الصلاة ولده أبو الفضل أحمد صاحب التاريخ. ودفن فى دكة الإمام أحمد رضى الله عنه. وذكر بن الجوزى: أنه دفن على ابن عقيل
١٠١ - المبارك بن كامل
بن أبى غالب محمد بن أبى طاهر الحسين بن محمد البغدادى، الظفرى المحدث، مفيد العراق، أبو بكر، ويعرف أبوه بالخفاف
ولد يوم الخميس ثانى عشر ذى الحجة سنة خمس وتسعين وأربعمائة
وقرأ القرآن بالروايات. وسمع الحديث الكثير. وأول سماعه سنة ست وخمسمائة، وعنى بهذا الشأن.
سمع من أبى القاسم بن بيان، وأبى على بن شهاب، وأبى طالب بن يوسف وأبى سعد بن الطيورى، وابن شجاع الذهلى، وأبى الغنائم النرسى، وأبى الوفاء ابن عقيل، وخلق كثير غيرهم.
قال ابن الجوزى وما زال يسمع العالى والنازل، ويتتبع الأشياخ فى الزوايا وينقل السماعات، فلو قيل: إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ لما رد القائل. وجالس الحفاظ، وكتب بخطه الكثير، وانتهت إليه معرفة المشايخ، ومقدار ما سمعوا، والإجازات.
وكان قد صحب هذا رست، ومحمود الأصبهانى، وغيرهما ممن يعنى بهذا الشأن، وانتهى الأمر فى ذلك إليه، إلا أنه كان قليل التحقيق فيما ينقل من
стр. 210
السماعات مجازفة؛ لكونه يأخذ عن ذلك ثمنا، وكان فقيرا إلى ما يأخذ. وكان كثير التزويج والأولاد.
وقال ابن النجار: أفاد الطلبة والغرباء، وخرج التخاريج، وجمع مجموعات، منها كتاب «سلوة الأحزان» نحو ثلاثمائة جزء وأكثر، وحدث بأكثر ما جمعه، وبقليل من مروياته. وسمع منه الكبار والقدماء.
وكان صدوقا مع قلة فهمه ومعرفته، وخرج لنفسه معجما لشيوخه.
وقال: الذهبى سمع الكثير، وكتب عن الجم الغفير، وأفاد الطلبة، وانتفع به خلق كثير.
توفى فى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن بالشونيزية. رحمه الله تعالى.
١٠٢ - عبد الله بن الحسين
بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن قثامى الحريمى الفقيه المعدل، أبو القاسم ابن أبى على.
ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وسمع من أبى نصر الزينبى، وأبي الحسين العاصمى، وأبى الغنائم ابن أبي عنان، وثابت بن بندار، وغيرهم.
قال ابن الجوزى: كان صدوقا فقيها مفتيا مناظرا، وروى عنه حكاية فى غير موضع من كتبه.
وسمع منه ابن السمعاني، وقال: فقيه فاضل على مذهب أحمد، حسن الكلام فى المسائل، جميل الصورة، مرضى الطريقة، متواضع، كثير البشر راغب فى الخير.
وقال ابن شافع: كان فقيها مفتيا مناظرا. صدوقا أمينا. ذكره شيخنا - يعنى: ابن ناصر - وأثنى عليه.
روى عنه أحمد بن عبد الملك بن يوسف بن بانانة.
стр. 211
وتوفى يوم الجمعة سادس ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
١٠٣ - عبد الله بن عبد الباقى
بن التبان الواسطى، ثم البغدادى، أبو بكر الفقيه، ويسمى محمد وأحمد أيضا.
قال ابن الجوزى: كان من أهل القرآن، وسمع من أبى الحسين بن الطيورى وتفقه على ابن عقيل، وناظر وأفتى ودرس. وكان أميا لا يكتب.
توفى فى شوال سنة أربع وأربعين وخمسمائة عن تسعين سنة. ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
وقال ابن شافع: كان مذهبيا جيدا، وخلافيا مناظرا، ومن أهل القرآن.
بقى على حفظه لعلومه إلى أن مات.
وذكر: أنه توفى يوم الخميس ثامن شوال المذكور، وله تسعون سنة أو أزيد
وقال ابن النجار: درس المذهب على ابن عقيل حتى برع فيه. وكان يتكلم فى مسائل الخلاف، ويفتى ويدرس
سمع الحديث من أبى منصور الخياط، وابن الطيورى وأبى الحسن بن الدهان المرتب. وحدث باليسير.
وسمع منه المبارك بن كامل، وأبو الفضل بن شافع.
١٠٤ - الجنيد بن يعقوب
بن الحسن بن الحجاج بن يوسف الجيلى، الفقيه الزاهد، أبو القاسم بن أبى يوسف بن أبى على.
ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة بتولم: من أرض جيلان. كذا ذكره ابن السمعانى عنه.
وذكر ابن شافع عنه: أنه ولد سنة خمسين. ثم قدم بغداد، وأقام بباب الأزج. وقرأ الفقه على يعقوب البرزبيني، والأدب على أبى منصور بن الجواليقى.
стр. 212
وسمع الحديث من أبى محمد التميمى، وأبى الحسن الهكارى، وأبى الحسن بن العلاف، ومن طلحة العاقولى، والقاضى أبى الحسين، وغيرهم. وحدث باليسير.
وكتب بخطه الكثير من الفقه والأصول والخلاف والحديث والأدب.
وكان فاضلا دينا، حسن الطريقة. جمع كتابا كبيرا فى استقبال القبلة ومعرفة أوقات الصلاة. ذكر ذلك ابن النجار.
وروى عنه ابن عساكر، والسمعانى، وقال: شيخ صالح حسن السيرة.
وقال أبو العباس بن لبيدة عنه: كان صادقا زاهدا ثبتا، لم يعرف عليه إلا خيرا
قال: وتوفى يوم الأربعاء سادس عشرى جمادى الآخرة سنة ستة وأربعين وخمسمائة. وصلّى عليه الشيخ عبد القادر بمدرسته. ودفن من يومه بمقبرة الجلبة.
رحمه الله تعالى.
قرأت بخط أبى القاسم الجنيد بن يعقوب الجيلى فى بعض تعاليقه فى حادثة جاءت من بلد الهكار: قطعة جبل لرجل عليها شجر نابت، وتحتها أرض لرجل آخر مزروعة، انقطعت القطعة فسقطت على الأرض التى تحتها، فسترتها وصارت حاضنة لها، مانعة لصاحبها من زراعتها، والشجر بحاله ثابت فى تلك القطعة لا يستضر صاحبها، لكن صاحب الأرض التى تحتها يستضر: ما الحكم فى ذلك؟
الجواب - وبالله التوفيق -: أنه يحتمل القيمة؛ لأنها صارت كالمستهلكة فهى كاللآلئ إذا ابتلعها عبده. انتهى. ولم يعز الجنيد هذا الجواب إلى أحد بعينه والظاهر: أنه جوابه بنفسه.
وفيما قاله نظر؛ فإن جناية العبد تفارق بقية جنايات الأموال؛ لأن العبد مكلف مختار، فلا تسقط جنايته وتتعلق برقبته، وإن لزم من ذلك فوات حق المالك. وهذا بخلاف جنايات البهائم؛ فإنه لا يضمن مالكها إلا أن ينسب إلى نوع من تفريط فى حفظها، على ما فيه من اختلاف وتفصيل.
وأما الجنايات الحادثة من أمواله التى لا حياة فيها: فلا ضمان عليه فيها إلا
стр. 213
أن ينسب إلى نوع تفريط، مثل من مال حائطه إلى جاره أو إلى الطريق، فإنه إذا لم يعلم به فلا نعلم خلافا فى أنه لا ضمان عليه، وإن علم وامتنع من النقض حتى سقط فأتلف، ففى وجوب الضمان عليه خلاف مشهور. فهذه الأرض الساقطة بسيل أو غيره على أرض الغير تشبه ما تلف بسقوط الجدار ونحوه.
وقد يقال: المتلف نوعان.
أحدهما: ما فات ولم يمكن إعادته من مال ونفس، فهذا الذى تكلم الفقهاء فى ضمانه على ما سبق ذكره.
والثانى: ما هو باقى، ولكن المالك بينه وبين مالكه. فهذا يلزم المالك الذى حال ملكه بينه وبين مالكه: أن يخلى بين المالك ليأخذه. فإذا عجز فهل يقال: يلزمه ضمانه لحيلولة ملكه. فقد ذكره صاحب المحرر فى مسودته على الهداية فيما إذا ابتلعت بهيمته جوهرة فى حال لا يلزم المالك ضمان جنايتها: هل يلزمه هنا شئ أم لا؟ وبيض لذلك.
ولكن كلام ابن عقيل وغيره فى مسألة من وقع فى محبرته دينار لغيره بغير تفريط منه: أنه يلزمه بذلها للكسر مضمونة، ولا يلزمه أكثر من ذلك يدل على أنه لا يلزمه ضمان ما حال ملكه بينه وبين مالكه، وأنه لا يلزمه أكثر من بذل التسليم للمالك، ليخلص ملكه. وهذا يبقى الضمان عند العجز. وهو الأظهر.
ولو قيل: إنه يلزمه الأجرة مدة الانتفاع ببقاء أرضه على أرض غيره، إلحاقا بمن حمل السيل غراسه إلى أرض آخر.
قلنا: يلزمه الأجرة، وفيه نظر. والله أعلم.
والذى ذكره القاضى وابن عقيل فيمن ابتلعت بهيمته ما لا لغيره يبقى، كذهب وجوهر: فإن كان يلزمه الضمان وكانت مأكولة: فهل تذبح لاستخراجه؟ على وجهين؛ للنهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، وإن كانت غير مأكولة تعين الضمان، وإن لم تكن مضمونة عليه فلا ضمان.
стр. 214
ولكن قياس ما ذكر ابن عقيل فى سقوط الدينار فى المحبرة: أنه يخير مالك المال المبتلع بين أن يذبح المأكول ويضمن نقصه، وبين أن يتركه. والله أعلم.
١٠٥ - عبد الملك بن عبد الوهاب
بن عبد الواحد بن محمد علي الأنصارى الشيرازى، ثم الدمشقى، القاضى بهاء الدين بن شرف الإسلام بن الشيخ أبى الفرج. وقد تقدم ذكر أبيه وجده.
تفقه وأفتى ودرس وناظر. وذكره أبو المعالى حمزة بن القلانسى فى ذيل تاريخ دمشق، فقال: كان إماما فاضلا، مناظرا مستقلا، مفتيا على مذهب الإمام أحمد وأبى حنيفة، يحكم عليه، ما كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم والتقدم. وكان يعرف اللسان الفارسى مع العربى. وهو حسن الحديث فى الجد والهزل.
توفى يوم الاثنين سابع عشر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وكان له يوم مشهود. ودفن فى جوار أبيه فى مقابر الشهداء - يعنى: بالباب الصغير، وكثر الباكون حول سريره من العالم، والمثنون له والمتأسفون عليه. رحمه الله تعالى
١٠٦ - عبد الله بن هبة الله
بن أحمد بن محمد السامرى الفقيه، أبو الفتح.
ولد يوم الاثنين ثانى عشر ذى الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
وسمع الكثير من أبى بكر الطريثيثى، وثابت بن بندار، والمبارك بن عبد الجبار، وأبى سعد بن خشيش، وجعفر السراج، وغيرهم.
وتفقه على أبى الخطاب الكلوذانى. وحدث باليسير، روى عنه جماعة.
توفى ليلة الاثنين ثالث عشر محرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب.
١٠٧ - أيوب بن أحمد بن تيموه
الباجرائى الفقيه الحنبلى. ويكتب بخطه: القاضى أيوب.
стр. 215
قال ابن النجار: سمع ابن ناصر الدسكرى. والقاضى أبا الحسين بن الفراء.
وحدث عنه بأصبهان بيسير.
سمع منه أبو الكرم سعد بن الحسين بن ولاد المدينى.
توفى فى ذى القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
قلت: ووجدت خطه كثيرا على كتب كثيرة من كتب الأصحاب، قرئت عليه، وحدث بالغيلانيات. سماعه من ابن الحصين.
١٠٨ - الحسن بن محمد
بن الحسين الراذانى الأوانى، ثم البغدادى، الفقيه الواعظ أبو على الزاهد، ابن الزاهد أبى عبد الله. وقد تقدم ذكر أبيه.
ولد أبو على بأوانا، وسمع ببغداد من أبى الحسين بن الطيورى، ومن بيان وابن شهاب، وابن خشيش، ومن الحافظ بن ناصر، ولازمه إلى أن مات.
وتفقه على أبى سعد المخرمى، ووعظ وتقدم. ولما توفى ابن الزاغونى أخذ حلقته بجامع المنصور فى النظر والوعظ، وطلبها ابن الجوزى فلم يعطها لصغر سنه.
سمع منه ابن السمعانى،. وقال: واعظ حسن السيرة متودد. وسمع منه أبو الحسن بن عبدوس الحرانى الفقيه جزءا فيه أجوبة عن مسائل وردت من الموصل، تتضمن عدة مسائل من أصول الدين، أجاب عنها فى كراس، بجواب حسن موافق لمذهب أهل الحديث.
وذكر عبد المغيث الحربى، فى بعض مؤلفاته: فتيا من فتاويه، فى تحريم السماع.
قال ابن الجوزى: توفى يوم الأربعاء رابع صفر سنة ست وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد إلى جانب ابن سمعون بمقبرة الإمام أحمد. وكان موته فجأة؛ فإنه دخل إلى بيته ليتوضأ لصلاة الظهر، فقاء فمات. وكان قد تزوج وعزم تلك الليلة على الدخول بزوجته.
وفى تاريخ ابن السمعانى وابن شافع: أنه توفى سادس صفر.