← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حيث رأيت ذلك الخاتم، فتعجبت من وجهه، ورأيت فى وقت غسله آثارا بوجهه وجسده، تدل على أنه مسموم، وحملت جنازته يوم الأحد إلى جامع القصر، وصلّى عليه، ثم حمل إلى مدرسته التى أنشأها بباب البصرة، فدفن بها. وغلقت يومئذ أسواق بغداد. وخرج جمع لم نره لمخلوق قط فى الأسواق، وعلى السطوح وشاطئ دجلة، وكثر البكاء عليه؛ لما كان يفعله من البر، ويظهره من العدل. وذكر مصنف سيرته: أنه كان ثار به بلغم وهو فى قصره بالخالص، ثم خرج مع المستنجد للصيد، فسقى مسهلا لأجل البلغم، فاستأذن الخليفة فى الدخول إلى بغداد للتداوى، فأذن له، فدخل يوم الجمعة فى موكب عظيم. وصلّى الجمعة وحضر الناس عنده يوم السبت. فلما كان وقت صلاة الصبح يوم الأحد عاوده البلغم، فوقع مغشيا عليه، فصرخ الجوار، فأفاق فسكتهن. وقيل: له إن أستاذ الدار ابن رئيس الرؤساء، قد بعث جماعة ليستعلم ما هذا الصياح؟ فتبسم الوزير على ما هو عليه من تلك الحال، وأنشد متمثلا: وكم شامت بى عند موتى جاهل … بظلم يسل السيف بعد وفاتى ولو علم المسكين ماذا يناله … من الضرّ بعدى مات قبل مماتى قلت: وكذا وقع، فإن البليدى الذى تولى الوزارة بعده لم يبق من الأذى لبيت رئيس الرؤساء ممكنا. قال: ثم تناول مشروبا فاستفرغ به، ثم استدعى بماء فتوضأ للصلاة، وصلّى قاعدا، فسجد فأبطأ عن القعود من السجود، فحركوه فإذا هو ميت. ﵀ ورثاه جماعة من شعرائه - منهم: النميرى - بقصائد. منها قوله: ألمم على جدث حوى تاج الملوك وقل: سلام … واعقر سويد الضمير، فليس يقنعنى السوام وتوق أن يثنى حيا دمع عينيك أو ملام … إن التماسك والوقار بمن أصيب به حرام

стр. 282

فإذا ارتوت تلك الجنادل من دموعك والرغام … فأقم صدور اليعملات فبعد يحيى لا مقام ذهب الذى كانت تقيدنى مواهبه الجسام … وإذا نظرت إليه لم يخطر على قلبى السآم غاض الثدى الفياض عن راحتيه واشتد الأوام … وتفرقت تلك الجموع وقوضت تلك الخيام ولقد عهدت أبا المظفر ذا علا لا يستضام … يثب القعود إذا بدا ويقبل الأرض القيام ما للنفوس من الحمام إذا ألم بها اعتصام … عجبا لمن يغتر بالدنيا وليس لها دوام عقبى مسرتها الأسى، وعقيب صحتها السقام … انظر إلى أبواب عون الدين يعلوها القتام وكان عون الدين لم يك للزمان به ابتسام … لله ما عدمت به الدنيا وما حوت الرجام لا غرو؟؟؟ أن أدمى الجفون لفقدك الدمع الجسام … إن المكارم بعد موتك ما لفرقتها التئام ما مت وحدك يوم مت، وإنما مات الأنام … حياك رقراق النسيم وجاد مثواك الغمام بأبى لك الإحسان إن أنسأك والشيم الكرام … وببعض حقك إن حزنى فيك ليس له انصرام وأنشد بعض الشعراء يوم موته: مات يحيى ولم نجد بعد يحيى … ملكا ماجدا به يستعان وإذا مات من زمان كريم … مثل يحيى به يموت الزمان

стр. 283

قال مصنف سيرته: حدثني أبو حامد أحمد بن عيسى الفقيه الحنبلى ابن الشيخ الصالح أبو عبد الله بن زفر، قال: رأيت فى المنام - وأنا بأرض جزيرة ابن عمر - كأن جماعة من الملائكة يقولون لى: قد مات فى هذه الليلة ببغداد ولى من أولياء الله تعالى فاستيقظت منزعجا، فحدثت بالمنام الجماعة الذين كانوا معى، وأرخنا تلك الليلة فلما قدمت بغداد سألت: من مات فى تلك الليلة؟ فقيل لى: مات بها الوزير عون الدين بن هبيرة. قال: وحدثنى الشيخ الصالح محمود بن النعالى المقرئ الزاهد، قال: كنت دائما إذا ذكرت الوزير عون الدين بن هبيرة أقول: اللهم هبه، واستوهب له. قال: ومضى على ذلك زمان، فرأيت فى النوم كأننى قد دخلت إلى مدرسته لزيارة قبره، وإذا هو نائم على القبر، فقال: يا محمود، إن الله وهنى واستوهب لى. وحدثنى الوزير أبو شجاع محمد بن الوزير أبى منصور محمد ابن الوزير أبى شجاع محمد، قال: كنت كثير الوقوع فى الوزير ابن هبيرة، فرأيته فى المنام فى بستان لم أر له فى الدنيا شبيها، ومعه ملك يجنى له من ثماره، ويترك فى فمه، فهممت بدخول البستان، فصاح الملك علىّ، وقال: هذا البستان قد وهبه الله تعالى لهذا بعد أن غفر له، فلا سبيل لأحد أن يدخله إلا بإذنه. فاستيقظت مرعوبا، وتبت إلى الله من ذكره، إلا بالرحمة عليه، والاستغفار له. قال: وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الواحد المقرئ قال: رأيت الوزير ابن هبيرة فى النوم، فسألته عن حاله؟ فأجابني بهذين البيتين: قد سألنا عن حالنا فأجبنا … بعد ما حال حالنا وحجبنا فوجدنا مضاعفا ما كسبنا … ووجدنا ممحصا ما اكتسبنا وهذه الأبيات رواها ابن النجار عن ابن الدبيثى عن أبى شجاع محمد بن على المؤدب، قال: سمعت أبا القاسم السلاحى، قال رأيت الوزير فى النوم فذكرها. قال صاحب سيرته: ولو استقصيت ما ذكر له من المنامات الصالحة لجاءت بمفردها كتابا ضخما.

стр. 284

أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرازق بن أحمد الشيبانى الزاهد - بقراءتى عليه ببغداد سنة تسع وأربعين وسبعمائة - أخبرنا الحافظ أبو عبد الله أحمد بن محمد الأنجب بن الكسار - سماعا - أخبرنا العلامة أستاذ دار الخلافة أبو محمد يوسف ابن الحافظ أبى الفرج بن الجوزى، أخبرنا أمير المؤمنين المستعصم بالله أبو محمد عبد الله بن المستنصر بالله أبى جعفر منصور بن الظاهر بن الناصر، أخبرنا أبو على الحسن بن المبارك الزبيدى ح وأخبرناه - عاليا - أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم المصرى بها، أخبرنا سفير الخلافة أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على الحافظ قالا: أخبرنا الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد ابن هبيرة قال: قرأت على الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين أبى عبد الله محمد ابن المستظهر بالله بن المقتدى، قلت له: حدثكم أبو البركات أحمد بن عبد الله الشيبى، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الصيرفى، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المخلص، حدثنا إسماعيل بن العباس الوراق، حدثنا حفص بن عمرو الربالى، أخبرنا المبارك بن سحيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس». وفى هذا الإسناد سلسلة عجيبة بالخلفاء والملوك. ١٣٢ - عبد الله بن سعد بن الحسين بن الهاطر الوزان العطار، الأزجى، أبو المعمر. كان اسمه خريفة، فغير وسار يكتب عبد الله. قرأ القرآن بالروايات على أبى الخطاب بن الجراح، وغيره. وسمع الحديث من أبى الفضل بن خيرون، وأبى الحسن بن أيوب، وأبى عبد الله بن طلحة بن البطر، وأبى القاسم الربعى، وغيرهم. وتفقه على أبى الخطاب الكلوذانى، وحدث. روى عنه أبو حفص السهروردى فى مشيخته، وغيره.

стр. 285

قال الشريف أبو الحسن الزبيدى الحافظ: كان محبا للرواية صحيح السماع. قال: وتوفى يوم الاثنين ثامن عشر رجب سنة ستين وخمسمائة، وصلّى عليه الشيخ عبد القادر من الغد بمدرسته. ودفن بباب حرب. وكذا أرخه القطيعى فى تاريخه. ووقع فى مشيخة السهروردى: أنه توفى يوم الأربعاء تاسع عشر رجب. ١٣٣ - إسماعيل بن أبى طاهر بن الزبير الجيلى، الفقيه، أبو المحاسن. حدث بيسير عن أبى الحسن علىّ بن سعد الخباز، وهو حى. سمع منه بعض الطلبة فى جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. ١٣٤ - عبد القادر بن أبى صالح بن عبد الله بن جنكى دوست بن أبى عبد الله ابن عبد الله الجيلى، ثم البغدادى، الزاهد. شيخ العصر، وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ، وسيد أهل الطريقة فى وقته، محى الدين أبو محمد، صاحب المقامات والكرامات، والعلوم والمعارف، والأحوال المشهورة. وبعض الناس يذكر نسبه إلى علي بن أبى طالب رضى الله عنه، فيزيد بعد أبى عبد الله: ابن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب. ولد سنة تسعين وأربعمائة - أو سنة إحدى وتسعين (١) - بكيلان. وفد بغداد شابا، فسمع بها الحديث من أبى غالب بن الباقلانى، وجعفر السراج وأبى بكر بن سوسن، وابن بيان، وأبى طالب بن يوسف، وابن خشيش وأبى الزينى، وتفقه على القاضى أبى سعد المخرامى وأبى الخطاب الكلوذانى. وقيل: إنه قرأ أيضا على ابن عقيل، والقاضى أبى الحسين، وبرع فى المذهب والخلاف والأصول، وغير ذلك

стр. 286

وقرأ الأدب على زكريا التبريزى. وصحب الشيخ حماد الدباس الزاهد، ودرس بمدرسة شيخه المخرمى، وأقام بها إلى أن مات، ودفن بها. قال ابن الجوزى: كانت هذه المدرسة لطيفة، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد. وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس. وكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط، ويتوب عنده فى المجلس خلق كثير، فعمرت المدرسة ووسعت، وتعصبت فى ذلك العوام. وأقام فى مدرسته يدرس ويعظ إلى أن توفى. وذكره ابن السمعانى فقال: إمام الحنابلة وشيخهم فى عصره، فقيه صالح، دين خير، كثير الذكر، دائم الفكر. سريع الدمعة. كتبت عنه. وكان يسكن بباب الأزج فى المدرسة التى بنوا له. وسمعت أبا الحسين بن التبان الفقيه البغدادى يقول: إن مدرسة عبد القادر كانت للقاضى المخرمى، فلما فوضت إلى عبد القادر أراد أن يوسعها ويعمرها. فكان الرجال والنساء يأتونه بشئ فشئ إلى أن عمرها، فاتفق أن امرأة مسكينة جاءت بزوجها، وكان زوجها من الفعلة الروزجارية، وقالت لعبد القادر: هذا زوجى، ولى عليه من المهر قدر عشرين دينارا، ووهبت له النصف بشرط أن يعمل فى مدرستك بالنصف الباقى، وقد تراضينا على هذا. فقبل الزوج ذلك وأحضرت المرأة الخط وسلمته إلى عبد القادر. فكان يستعمل الزوج فى المدرسة، وكان يعطيه يوما الأجرة، ويوما لا يعطيه؛ لعلمه بأن الرجل محتاج فقير، ولا يملك شيئا، إلى أن علم أن الزوج عمل بخمسة دنانير، فأخرج عبد القادر الخط، ودفعه إلى الزوج، وقال: أنت فى حل من الباقى. قلت: ظهر الشيخ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة وحصل له القبول التام من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا به وبكلامه

стр. 287

ووعظه، وانتصر أهل السنة بظهوره، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته وهابه الملوك فمن دونهم. قال الشيخ موفق الدين صاحب المغنى: لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عن الشيخ عبد القادر، ولا رأيت أحدا يعظم من أجل الدين أكثر منه. وذكر الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيخ الشافعية: أنه لم تتواتر كرامات أحد من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر، فإن كراماته نقلت بالتواتر. قرأت بخط الإمام ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلى الدمشقى قال: حكى شيخنا أبو الحسن بن غريبة الفقيه: أن الوزير ابن هبيرة ﵀، قال له الخليفة - يريد: المقتفى لأمر الله - قد شكى من الشيخ عبد القادر، وقال: إنه يستخف بى، ويذكرنى. وله نخلة فى رباطه، يتكلم ويقول: يا نخيلة لا تتعدى أقطع رأسك، وإنما يشير إلي. تمضى إليه وتقول له فى خلوة: ما يحسن بك أن تتعرض بالإمام أصلا وأنت تعرف حرمة الخلافة. قال الشيخ أبو الحسن فذهبت إليه، فوجدت عنده جماعة، فجلست أنتظر منه خلوة، فسمعته يتحدث، ويقول فى أثناء كلامه: نعم. اقطع رأسها، فعلمت أن الإشارة إليّ، فقمت وذهبت، فقال لي الوزير: بلغت، فأعدت عليه ما جرى، فبكى الوزير، وقال: لا شك فى صلاح الشيخ عبد القادر. وقرأت بخط ابن الحنبلى أيضا: أن خاله أبا الحسن بن نجا الواعظ اجتمع بالشيخ عبد القادر، وكان يحكى عنه. قال: سبقت يوم العيد إلى المصلى إلى المكان الذى يصلى فيه الشيخ عبد القادر. قال: فجاء الشيخ عبد القادر، ومعه خلق كثير، والناس يقبلون يده، فصلى ركعتين قبل الصلاة. فقلت، فى نفسى: ما هذه الصلاة؟ فمن السنة أن لا يتنفل قبلها. قال: فلما سلم التفت إلىّ وقال: لها سبب.

стр. 288

ونقلت من خط الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادى. قال: قرأت بخط الإمام أبى أحمد عبد الصمد بن أحمد بن أبى الجيش. قال: حدثنى أحمد بن مطيع الباجسرائى. قال: كنت أجئ من مدرسة الوزير ابن هبيرة من باب البصرة إلى الشيخ عبد القادر، فجئت فى بعض الأيام، وهو كأنه ضجران، فانتهرنى. وقال: قم، فمضيت، فبينا أنا فى بعض الطريق أنفذ خلفى، فجئت. فقال: لما حردت عليك، ومشيت نمت، فرأيت النبى ﷺ ، فقال: أنت معلم الخير لا تضجر. أنت معلم الخير لا تضجر. أنت معلم الخير لا تضجر - ثلاث مرات - قال: ثم أخذ علىّ، وأقرأنى. وكان الشيخ عبد القادر، ﵀ فى عصره معظما، يعظمه أكثر مشايخ الوقت من العلماء والزهاد. وله مناقب وكرامات كثيرة. ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفى المصرى، فى أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، وكتب فيها الطم والرم، وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع. وقد رأيت بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبى أن أعتمد على شئ مما فيه، فأنقل منه إلا ما كان مشهورا معروفا من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه من الشطح، والطامات، والدعاوى، والكلام الباطل، ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر ﵀. ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوى قد ذكر: أن الشطنو فى نفسه كان متهما فيما يحكيه فى هذا الكتاب بعينه. ومن أحسن ما فى هذا الكتاب: ما ذكره المصنف عن قاضى القضاة أبى عبد الله محمد بن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسى، قال: سمعت شيخنا الشيخ موفق الدين بن قدامة يقول: دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة

стр. 289

فإذا الشيخ عبد القادر ممن انتهت إليه الرئاسة بها علما وعملا ومالا واستفتاء. وكان يكفى طالب العلم عن قصد غيره؛ من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم، والصبر على المشتغلين، وسعة الصدر. وكان ملء العين، وجمع الله فيه أوصافا جميلة، وأحوالا عزيزة، وما رأيت بعده مثله. وذكر فيه أيضا بإسناده عن موسى بن الشيخ عبد القادر، وقال سمعت: والدى يقول: خرجت فى بعض سياحاتى إلى البرية ومكثت أياما لا أجد ماء، فاشتد بى العطش فأظلتنى سحابة، ونزل علىّ منها شئ يشبه الندى. فترويت به. ثم رأيت نورا أضاء به الأفق، وبدت لى صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات - أو قال: ما حرمت على غيرك - فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبنى، وقال: يا عبد القادر، نجوت منى بعلمك بحكم ربك وفقهك فى أحوال منازلاتك. ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق. فقلت: لربى الفضل والمنة. قال: فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان. قال: بقوله: وقد أحللت لك المحرمات. وهذه الحكاية مشهورة عن الشيخ عبد القادر، فليس الاعتماد فيها على نقل مصنف هذا الكتاب. وذكر فى هذا الكتاب أيضا من طريق نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر عن أبيه، قال: جاءت فتيا من العجم إلى بغداد، بعد أن عرضت على علماء العراقيين، فلم يتضح لأحد فيها جواب شاف. وصورتها: ما يقول السادة العلماء فى رجل حلف بالطلاق الثلاث: أنه لا بد أن يعبد الله عبادة ينفرد بها دون جميع الناس فى وقت تلبسه بها. فما يفعل من العبادات؟ قال: فأتى بها إلى والدى، فكتب عليها على الفور: يأتى مكة، ويخلى له المطاف، ويطوف أسبوعا وحده، وتنحل يمينه. قال: فما بات المستفتى ببغداد.

стр. 290

فأما الحكاية المعروفة عن الشيخ عبد القادر أنه قال: قدمى هذه على رقبة كل ولى لله، فقد ساقها هذا المصنف عنه من طرق متعددة. وأحسن ما قيل فى هذا الكلام: ما ذكره الشيخ أبو حفص السهروردى فى عوارفه: أنه من شطحات الشيوخ التى لا يقتدى بهم فيها، ولا يقدح فى مقاماتهم ومنازلهم، فكل أحد يؤخذ عليه من كلامه ويترك، إلا المعصوم ﷺ . ومن ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصرى وأصحابه مثلا من العلم العظيم، والعمل العظيم، والورع العظيم، والزهد العظيم، مع كمال الخوف والخشية، وإظهار الذل والحزن، والانكسار، والازدراء على النفس، وكتمان الأحوال والمعارف، والمحبة والشوق ونحو ذلك - فلا ريب أنه يزدرى المتأخرين، ويمقتهم، ويهضم حقوقهم. فالأولى تنزيل الناس منازلهم، وتوفيتهم حقوقهم، ومعرفة مقاديرهم، وإقامة معاذيرهم. وقد جعل الله لكل شئ قدرا. ولما كان الشيخ أبو الفرج بن الجوزى عظيم الخبرة بأحوال السلف، والصدر الأول، قلّ من كان فى زمانه يساويه فى معرفة ذلك. وكان له أيضا حظ من ذوق أحوالهم، وقسط من مشاركتهم فى معارفهم. كان لا يعذر المشايخ المتأخرين فى طرائقهم المخالفة لطرائق المتقدمين، ويشتد إنكاره عليهم. وقد قيل: إنه صنف كتابا، ينقم فيه على الشيخ عبد القادر أشياء كثيرة، ولكن قد قل فى هذا الزمان من له الخبرة التامة بأحوال الصدر الأول، والتمييز بين صحيح ما يذكر عنهم من سقيمه. فأما من له مشاركة لهم فى أذواقهم، فهو نادر النادر. وإنما يلهج أهل هذا الزمان بأحوال المتأخرين، ولا يميزون بين ما يصح عنهم من ذلك من غيره، فصاروا يخبطون خبط عشواء فى ظلماء. والله المستعان.

стр. 291

وللشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى كلام حسن فى التوحيد، والصفات والقدر، وفى علوم المعرفة موافق للسنة. وله كتاب «الغنية لطالبى طريق الحق» وهو معروف، وله كتاب «فتوح الغيب» وجمع أصحابه من مجالسه فى الوعظ كثيرا. وكان متمسكا فى مسائل الصفات، والقدر، ونحوهما بالسنة، بالغا فى الرد على من خالفها. قال فى كتابه «الغنية» المشهور: وهو بجهة العلو، مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء (١٠:٣٥ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ)،﴾ (٥:٣٢ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ)﴾ ولا يجوز وصفه بأنه فى كل مكان، بل يقال: إنه فى السماء على العرش، كما قال (٥:٢٠ ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)﴾ وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغى إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور فى كل كتاب أنزل على كل نبى أرسل، بلا كيف. وذكر كلاما طويلا، وذكر نحو هذا فى سائر الصفات. وذكر الشيخ أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصرى، الشاعر المشهور، عن شيخه العارف على بن إدريس: أنه سأل الشيخ عبد القادر، فقال: يا سيدى، هل كان لله ولى على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: ما كان، ولا يكون. وقد نظم ذلك الشيخ يحيى فى قصيدته. قال الشيخ تقى الدين أبو العباس ابن تيمية ﵀: حدثنى الشيخ عزّ الدين أحمد بن إبراهيم الفاروقى، أنه سمع الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد السهروردى، صاحب العوارف، قال: كنت قد عزمت على أن أقرأ شيئا من علم الكلام، وأنا متردد: هل أقرأ الإرشاد لإمام الحرمين، أو نهاية الإقدام للشهرستانى، أو كتابا آخر ذكره؟ فذهبت مع خالى أبى النجيب، وكان يصلى بجنب الشيخ عبد القادر، قال: فالتفت الشيخ

стр. 292

عبد القادر، وقال لى: يا عمر، ما هو من زاد القبر، ما هو من زاد القبر، فرجعت عن ذلك. قال الشيخ تقي الدين: ورأيت هذه الحكاية معلقة بخط الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسى ﵀. انتهى. وقال ابن النجار فى تاريخه: سمعت عمر بن محمد السهروردى، شيخ الصوفية يقول: كنت أتفقه فى شبابى بالمدرسة النظامية، فخطر لى أن أقرأ شيئا من علم الكلام، وعزمت على ذلك فى نفسى من غير أن أتكلم به، واتفق أنى صليت يوم الجمعة مع عمى أبى النجيب فى الجامع، فحضر عنده الشيخ عبد القادر مسلما، فسأله عمى الدعاء لي، وذكر له أنى مشتغل بالفقه، قال: وقمت وقبلت يده، فأخذ بيدى، وقال: تب مما عزمت على الاشتغال به، فإنك تفلح، ثم سكت وترك يدى، قال: ولم يتغير عزمى عن الاشتغال، حتى تشوشت علىّ جميع أحوالى، وتكدر وقتى علىّ، فعلمت أن ذلك لمخالفة الشيخ، قال: فتبت إلى الله من ذلك اليوم، ورجعت عنه، فصلحت حالى، وطاب قلبى. ونقلت من خط السيف بن المجد الحافظ: سمعت الشيخ الزاهد على بن سلمان البغدادى، المعروف بالخباز برباطه بالجانب الغربى من بغداد، يحكى عن الشيخ عبد القادر الجيلى، وناهيك به، فإنه صاحب المكاشفات، والكرامات التى لم تنتقل لأحد من أهل عصره، أنه قال: لا يكون ولىّ لله تعالى إلا على اعتقاد أحمد رضى الله عنه. قال الحافظ ابن النجار: كتب إلى عبد الله بن أبى الحسن الجبالى، ونقلته من خطه قال: كان شيخنا عبد القادر الجيلى يقول: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك. ما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك. وقال: ما ثمّ إلا خلق وخالق، فإن اخترت الخالق فقل كما قال: (٧٧:٢٦ ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ)﴾ ثم قال: من ذاقه فقد عرفه،

стр. 293

فاعترضه سائل، فقال: يا سيدى، من غلبت عليه مرارة الصفراء كيف يجد حلاوة الذوق؟ قال: يتعمد قيء الشهوات من قلبه، وقال: طالبتنى نفسى يوما بشهوة من السوق، فكنت أدافعها، وأخرج من درب إلى درب، وأطلب الصحارى. فبينا أنا أمشى إذ رأيت ورقة فأخذتها، فإذا فيها مكتوب: ما للأقوياء والشهوات؟ إنما هى للضعفاء من عبادى، ليتقووا بها على طاعتى. فخرجت تلك الشهوة من قلبى قال: وكنت أقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشط، وبلغت الضائقة فى غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أياما لم آكل فيها طعاما، بل كنت أتتبع المنبوذات أطعمها، فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشط لعلى أجد ورق الخس أو البقل، أو غير ذلك فأتقوت به. فما ذهبت إلى موضع إلا وغيرى قد سبقنى إليه وإن وجدت أجد الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حبا، فرجعت أمشى وسط البلد أدرك منبوذا إلا وقد سبقت إليه، حتى وصلت إلى مسجد ياسين بسوق الريحانيين (١) ببغداد وقد أجهدنى الضعف، وعجزت عن التماسك، فدخلت إليه وقعدت فى جانب منه وقد كدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمى ومعه خبز صافى وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح فمى من شدة الجوع، حتى أنكرت ذلك على نفسى: فقلت ما هذا؟ وقلت: ما ههنا إلا الله، أو ما قضاه من الموت، إذ التفت إلى العجمى فرآنى، فقال: بسم الله يا أخى، فأبيت، فأقسم علىّ فبادرت نفسى فخالفتها، فأقسم أيضا، فأجبته، فأكلت متقاصرا، فأخذ يسألنى: ما شغلك؟ ومن أين أنت؟ وبمن تعرف؟ فقلت: أنا متفقه من جيلان. فقال: وأنا من جيلان فهل تعرف شابا جيلانيا يسمى عبد القادر، يعرف بسبط أبى عبد الله الصومعى الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب وتغير وجهه، وقال: والله لقد وصلت إلى بغداد، ومعى بقية نفقة لى، فسألت عنك فلم يرشدنى أحد ونفذت نفقتى، ولى ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتى، إلا مما كان لك معى، وقد حلت لى الميتة،

стр. 294

وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن، بعد أن كنت ضيفى، فقلت له: وما ذاك؟ فقال: أمك وجهت لك معى ثمانية دنانير، فاشتريت منها هذا للاضطرار، فأنا معتذر إليك، فسكته، وطيبت نفسه، ودفعت إليه باقى الطعام، وشيئا من الذهب برسم النفقة، فقبله وانصرف قال: وكنت أعامل بقليا كل يوم برغيف وبقل، فبقى له علىّ، فضقت، وما أقدر على ما أوفيه، فقيل لى: امض إلى المكان الفلانى، فمضيت، فوجدت قطعة ذهب، فوفيت بها البقلى. فكنت أشتغل بالعلم، فيطرقنى الحال، فأخرج إلى الصحارى، ليلا أو نهارا، فأصرخ، وأهج على وجهى، فصرخت ليلة، فسمعنى العبارون، ففزعوا، وجاءوا فعرفونى، فقالوا: عبد القادر المجنون، أفزعتنا، وكان ربما أغشى عليّ، فيغسلونى، ويحسبون أنى مت من الحال التى تطرقنى، وربما أردت الخروج من بغداد، فيقال لى: ارجع: فإن للناس فيك منفعة، وذكر عن ابن الخشاب، قال: كنت أشتغل بالعربية، وأسمع بمجلس عبد القادر، فلا أتفرغ له، فجئت يوما فسمعته، ثم قلت: ضاع اليوم منى، فقال على المنبر: ويلك، تفضل الاشتغال بالنحو على مجالس الذكر، وتختار ذلك؟ اصحبنا، نصيرك سيبويه، فقلت: إنه يعنينى بكلامه، أو كما قال. قال ابن النجار: وسمعت أبا محمد الأخفش يقول: كنت أدخل على الشيخ عبد القادر فى وسط الشتاء وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، والعرق يخرج من جسده، وحوله من يروحه، بالمروحة كما يكون فى شدة الحر. وأخبار الشيخ عبد القادر كثيرة. اقتصرنا منها على هذا. قال ابن الجوزى: توفى الشيخ عبد القادر، ليلة السبت ثامن - وقال غيره: تاسع - ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بعد المغرب. ودفن من وقته بمدرسته. وبلغ تسعين سنة. وسمعت أنه كان يقول عند موته: رفقا رفقا. ثم يقول: وعليكم السلام، وعليكم السلام. أجئ إليكم، أجئ إليكم.

стр. 295

وسمعت من يحكى أنه قال عند موته: أنا شيخ كبير، ما وعدنا بهذا. قال غيره: صلّى عليه ولده عبد الوهاب. وقبره ظاهر يزار بمدرسته ببغداد. رحمه الله تعالى. ورثاه نصر النميرى - غداة دفنه - بقصيدة أولها: مشكل الأمر ذا الصباح الجديد … ماله ذاك السنا المعهود ومرامى الأبصار من كل قطر … مظلمات على النواظر سود مطلع الشمس فيه داج كأن قد … كورت، أو أتى عليها خمود أترى حلت المنون بمحي الدين … حقا، فما لنوره خمود؟ ما أرى الأمر غير ذاك، ولن … يوجد صبر ومثله مفقود ذو المقام العلى فى الزهد … لا ينكر قول المحب فيه الحسود والفقيه الذى تعذر أن … يلقى له فى الورى جميعا نديد تترامى إليه فى العلم بالله … وبالحكم فى الفتاوى الوفود معرض الطرف والضمير عن … الدنيا تصدى لوصله وتحيد مخلص فى جميع أعماله لله … ما إن عليه فيها مزيد لم يزغ عن طريقة السلف … الصالح والمقتفى بهم مسعود ورع كامل، وزهد صحيح … وتقى وافر، وعهد وكيد وكلام يروق كالدر ناطقه … بأعناقها الحسان الغيد أو كنور الربيع أبداه للإبصار … بالأبرقين روض مجود تخشع القلب عنده، ويظل الدمع … يجرى، وتقشعر الجلود واعتقاد مع غيره ليس يرضى … عملا من عبادة المعبود يلتقى النجح ملتقيه، ويعطى … عنده غاية المراد المريد حال من دونه الحمام، فللدين … خمول، وللعلى تبديد ولعمرى لقد مضى، وهو عند الله … والناس كلهم محمود طيب الذكر والأحاديث لم يدنس … بلؤم رداؤه والبرود

стр. 296

شكت المكرمات لما تشكى ومضى … إذ مضى التقى والجود هذه نكبة تساوى قريب الناس فى … شرب كأسها والبعيد بكت الأرض والسموات فيها أسفا … واعترى النسيم ركود وقليل إن أضحت عندها الأرض … بما فوق منكبيها تميد مات من كانت الأقاليم تسقى … الغيث أغوارها به والنجود ولو أن النفوس تفدى لما مات … ومنا على الثرى موجود سيد الأولياء فى الشرق والغرب … وبحر الفضائل المورود وذكر باقى القصيدة. وله فيه مرثية أخرى. قرأت على أبى العباس أحمد بن محمد بن سلمان الحنبلى ببغداد: أخبركم أبو الحسن على بن ثامر بن حصين، أخبرنا أبو طالب عبد اللطيف بن محمد القطيعى ح وقرأت على أبى الفضل محمد بن إسماعيل بن الحموى بدمشق: أخبركم أبو إسحاق إبراهيم بن على الواسطى، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الفقيه وأبو طالب بن القطيعى، قال: أخبرنا أبو محمد عبد القادر بن أبى صالح الجيلى، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلانى، أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن شاذان، أخبرنا أحمد - يعنى ابن سلمان - النجاد، حدثنا الحسن - يعنى ابن مكرم - حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس عن الزهرى عن ابن كعب بن مالك عن أبيه رضى الله عنه، قال: «قلما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا أراد سفرا إلا يوم الخميس». ١٣٥ - أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعى، الفقيه، الواعظ، أبو العباس. ولد سنة اثنتى عشرة وخمسمائة تقريبا. سمع الحديث بنفسه - بعد ما كبر - من عبد الخالق بن يوسف، والفضل بن

стр. 297

سهل الأسفرايني، وأبى منصور القزاز، وابن ناصر الحافظ، وغيرهم، وتفقه على القاضى أبى يعلى ابن القاضى أبى خازم، ولازمه حتى برع فى الفقه، وأفتى وناظر، ووعظ، ودرس بمدرسة ابن البل بالريان، ووعظ بها أيضا، وأشغل الطلبة، وأفاد. قال أبو الفضل بن شافع: كان فقيها مفتيا، ذكريا فطريا، قد تأدب، وقرأ التفسير، ووعظ. وكان اعتقاده جيدا. وقال ابن النجار: برع فى الفقه، وتكلم فى مسائل الخلاف. وكان حسن المناظرة، جريئا فى الجدال، ويعظ الناس على المنبر. توفى يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان سنة ثلاث وستين وخمسمائة، ودفن بالحلية (١) شرقى بغداد، وهو والد أبى الحسن القطيعى، صاحب التاريخ، ولم يسمع من والده هذا إلا حديثا واحدا، وذكر أن له مصنفات كثيرة. قلت: منها: كتاب «النحول، فى أسباب النزول». ١٣٦ - هبة الله بن أبى عبد الله بن كامل بن حبيش البغدادى، الصوفى، الفقيه أبو على. سمع الحديث من القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وغيره. وتفقه على أبى يعلى بن القاضى، وتقدم فى رباط بدرزيحان على جماعة المتصوفة. وكان من أهل الدين وتوفى فى المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة. ودفن بمقبرة أحمد، قريبا من بشر الحافى. وذكره ابن الجوزى، وابن القطيعى. ١٣٧ - سعد الله بن نصر بن سعيد، المعروف بابن الدجاجى، وبابن الحيوانى، الفقيه الواعظ المقرئ الصوفى، الأديب أبو الحسن، ويلقب بمهذب الدين.

стр. 298

ولد فى أول رجب، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. وقرأ بالروايات على أبى الخطاب بن الجراح، وأبى منصور الخياط، وسمع منهما، ومن أبى الخطاب الكلوذانى، وأبى الحسن بن العلاف، وأبى القاسم بن بيان، وابن الطيورى، وأبى الغنائم النرسى، وغيرهم. وتفقه على أبى الخطاب حتى برع. وقد روى عنه كتابه «الهداية» تصنيفه، وقصيدته فى السنة وغيرها. وروى عن ابن عقيل كتاب «الانتصار لأهل السنة والحديث». قال ابن الخشاب: هو فقيه، واعظ حسن الطريقة، سمعت منه. قال ابن الجوزى: تفقه، وناظر، ودرس، ووعظ. وكان لطيف الكلام، حلو الإيراد، ملازما لمطالعة العلم، إلى أن مات. وقال ابن نقطة: شيخ فاضل صحيح السماع، حدثنا عنه جماعة من شيوخنا. وكان ثقة. وقال صدقة بن الحسين فى تاريخه: كان شيخا حسنا، تفقه على أبى الخطاب وكان من أصحاب أبى بكر الدينورى. وكان يعظ، ويقرئ القرآن، ويسمع الحديث. قال ابن النجار: كان من أعيان الفقهاء الفضلاء، وشيوخ الوعاظ النبلاء، مليح الوعظ، حسن الإيراد، حلو العبارة، حسن النثر والنظم. وكان يخالط الصوفية، ويحضر معهم سماع الغناء. وكان من ظراف المشايخ. وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسى؟ فقال: كان شيخا حسنا، من فقهاء أصحابنا ووعاظهم، صحب أبا الخطاب، وابن عقيل، وروى عنهما، سمعنا عليه. قال ابن الجوزى: أنبأنا سعد الله بن نصر، قال: كنت خائفا من الخليفة لحادث نزل، فأغفيت، فرأيت فى المنام كأنى فى غرفة أكتب شيئا، فجاء رجل فوقف بإزائى، وقال: اكتب ما أملى عليك، وأنشد:

стр. 299

ادفع بصبرك حادث الأيام … وترج لطف الواحد العلام لا تيأسن وإن تضايق كربها … ورماك ريب صروفها بسهام وله تعالى بين ذلك فرجة … تخفى عن الأبصار والأوهام كم من نجا من بين أطراف القنا … وفريسة سلمت من الضرغام قال ابن الجوزى: وسئل فى مجلس وعظه - وأنا أسمع - عن أخبار الصفات؟ فنهى عن التعرض لها، وأمرنا بالتسليم، وأنشد: أبى العاتب الغضبان يا نفس أن يرضى … وأنت التى صيرت طاعته فرضا فلا تهجرى من لا تطيقين هجره … وإن هم بالهجران خديك والأرضا قال ابن القطيعى: وأنشدنى أحمد بن أبى السرايا، قال: أنشدنى سعد الله ابن الدجاجى لنفسه: ملكتم مهجتى بيعا ومقدرة … فأنتم اليوم أغلالى وأغلالى علوت فخرا ولكنى ضنيت هوى … فأنتم اليوم أعلالى وأعلالى وزاد غير ابن القطيعى فى روايته بيتا ثالثا: أوصى لى البين أن أشقى بحبكم … فقطع البين أوصالى وأوصالى ومن شعره أيضا ﵀: لى لذة فى ذلتى وخضوعى … وأحب بين يديك سفك دموعى وتضرعى فى رأى عينك راحة … لى من جوى قد كنّ بين ضلوعى ما الذل للمحبوب فى حكم الهوى … عار، ولا جور الهوى ببديع هبنى أسأت، فأين عفوك سيدى … عمن رجاك لقلبه الموجوع؟ جد بالرضى من عطف لطفك واغنه … بجمال وجهك عن سؤال شفيع قال ابن القطيعى: كان ابن الدجاجى، قد ناظر ووعظ، وأفتى وصنف، له فضل ودين، وخاطر بغدادى. بلغنى أنه حضر بالديوان العزيز، وجماعة من الفقهاء، فاستدل شخص بحديث عن النبى ﷺ ، فقال ابن البغدادى

стр. 300

الحنفى: هذا الحديث لا يصح عن النبى ﷺ ، فقال الخصم: قد أخرجه البخارى ومسلم، فقال ابن البغدادى: قد طعن فيهما أبو حنيفة، فقال ابن الدجاجى: هل كان مع أبى حنيفة ملحمة؟. وقد قرأ بالروايات، وحدث، وسمع منه خلق كثير. وروى عنه ابنه أبو نصر محمد، وابن الأخضر، وابن سكينة، والشيخ موفق الدين، وابن عماد الحرانى، والأنجب الحمامى، وغيرهم. توفى آخر نهار يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من شعبان سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن من الغد إلى جانب رباط الزوزنى بمقبرة الرباط. قال ابن الجوزى: دفن هناك إرضاء للصوفية؛ لأنه أقام عندهم مدة فى حياته فبقى على ذلك خمسة أيام، وما زال الحنابلة يلومون ولده على هذا، يقولون: مثل هذا الرجل الحنبلى أى شئ يصنع عند الصوفية؟ فنبشه بعد خمسة أيام بالليل. قال: وكان أوصى أن يدفن عند والديه. ودفن عليهما بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. ١٣٨ - محمد بن المبارك بن الحسين بن إسماعيل البغدادى، الفقيه القاضى أبو بكر بن أبى البركات، المعروف بابن الحضرى. ذكره ابن الجوزى، وقال: صديقنا. ولد سنة عشر وخمسمائة. وقرأ القرآن، وسمع الحديث من أبى عبد الله يحيى بن البناء، وأبى بكر ابن عبد الباقى، وغيرهم. وتفقه على القاضى أبى يعلى، وناظر. وولى القضاء بقرية عبد الله من واسط. وذكر القطيعى: أنه روى عن أبى بكر المزرفى، وأبى الحسن علي بن محمد الهروى، وأبى جعفر السمنانى، وأبى منصور بن خيرون، وغيرهم. وسمع منه بعض الطلبة، وناظر، ودرس وأفتى.

стр. 301

قال: وجرى ذكره يوما عند الوزير أبى المظفر بن يونس - وعنده الفقهاء والعلماء على اختلاف مذاهبهم - فأثنى عليه خيرا. فاستكثر بعض الحاضرين ذلك الثناء، فقال الوزير: والله لقد كان أدين منى؛ فإنه كان يصلى بمسجده، ثم يقرأ عليه القرآن والفقه من بكرة إلى وقت الضحى، ثم يدخل إلى منزله فيتشاغل بالعلم إلى أن يعود إلى مسجده، دائما لا يقطع زمانه إلا بطاعة. توفى رحمه الله تعالى فجأة فى شهر رجب سنة أربع وستين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الزرادين من باب الأزج. وقد روى عنه ابن الجوزى مناما رآه لشيخه ابن ناصر. وقد ذكرناه فى ترجمته ١٣٩ - عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشى، الفقيه، العارف الزاهد، أبو عمرو. نزيل الديار المصرية. صحب شرف الإسلام عبد الوهاب بن الجيلى بدمشق، وتفقه واستوطن مصر وأقام بها إلى أن مات، وأفتى بها ودرس وناظر، وتكلم على المعارف والحقائق. وانتهت إليه تربية المريدين بمصر. وانتمى إليه خلق كثير من الصلحاء، وأثنى عليه المشايخ، وحصل له قبول تام من الخاص والعام، وانتفع بصحبته خلق كثير. وكان يعظم الشيخ عبد القادر، ويقال: إنه اجتمع به هو وأبو مدين بعرفات ولبسا منه الخرقة، وسمعا منه جزءا من مروياته. وسمع الحديث ورواه. حدث عنه أبو الثناء محمود بن عبد الله بن مطروح المقرئ الجيلى، وأبو الثناء أحمد بن ميسرة بن أحمد بن موسى بن غنام الغدرانى الحنبلى المصرى الكامخى. وكانا صالحين. وكان الأول مقرئا، حسن التلفظ بالقرآن. وكان الثانى كثير الذكر والتسبيح. حدث عنه المنذرى. قرأ على الأول القرآن. وكان الشيخ أبو عمرو له كرامات، وأحوال ومقامات، وكلام حسن على لسان أهل الطريقة. فمن ذلك قوله: الطريق إلى معرفة الله وصفاته: الفكر، والاعتبار بحكمه. وآياته، ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه ذاته. ولو تناهت الحكم الإلهية فى

стр. 302

حد العقول، وانحصرت القدر الربانية فى درك العلوم. لكان ذلك تقصيرا فى الحكمة، ونقصا فى القدرة، لكن احتجبت أسرار الأزل عن العقول، كما احتجبت سبحات الجلال عن الأبصار. فقد رجع معنى الوصف فى الوصف، وعمى الفهم عن الدرك، ودار الملك فى الملك، وانتهى المخلوق إلى مثله، واشتد الطلب إلى شكله (١٠٨:٢٠ ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً)﴾. فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته، وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه، المتبصرون على قدر بصائرهم. ومن كلامه أيضا: من لم يجد فى قلبه زاجرا فهو خراب. ومن عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه. ومن لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه بصحبة العبيد. ومن انقطعت آماله إلا من مولاه فهو عبد حقيقة. والدعوى من رعونة النفس، واستلذاذ البلاء تحقق بالرضا، وحلية العارف الخشية والهيبة. وإياكم ومحاكاة أصحاب الأحوال قبل إحكام الطريق، وتمكن الأقدام؛ فإنها تقطع بكم. ودليل تخليطك صحبتك للمخلطين. ودليل وحشتك أنسك بالمستوحشين. وكان يتمثل بهذه الأبيات: يا غارس الحب بين القلب والكبد … هتكت بالصّد ستر الصبر والجلد يا من تقوم مقام الموت فرقته … ومن يحل محل الروح فى الجسد قد جاوز الحب فى أعلى مراتبه … فلو طلبت مزيدا منه لم أجد إذا دعى الناس قلبى عنك مال به … حسن الرجاء، فلم يصدر ولم يرد إن ترضني لم أرد ما دمت لى بدلا … وإن تغيرت لم أسكن إلى أحد وحكى عن الشيخ أبى إسحاق إبراهيم بن مرسيل الضرير، الفقيه الشافعى الزاهد رحمه الله تعالى، قال: كان الشيخ أبو عمرو بن مرزوق، من أوتاد مصر. كان شائع الذكر، ظاهر الكرامات. زاد النيل سنة زيادة عظيمة، كادت مصر

стр. 303

تغرق، وأقام على الأرض، حتى كاد وقت الزرع يفوت، فضج الناس بالشيخ أبى عمرو بن مرزوق بسبب ذلك، فأتى إلى شاطئ النيل، وتوضأ منه، فنقص فى الحال نحو ذراعين، ونزل عن الأرض حتى انكشفت، وزع الناس فى اليوم الثانى. قال: وفى بعض السنين لم يطلع النيل البتة، وفات أكثر وقت زراعته. وغلت الأسعار وظن الهلاك، وضجوا بالشيخ أبى عمرو بن مرزوق، فجاء إلى شاطئ النيل، وتوضأ فيه بإبريق كان مع خادمه، فزاد النيل فى ذلك اليوم. وتعاقبت زيادته إلى أن انتهت إلى حده. وبلغ الله به المنافع، وبارك فى زرع الناس تلك السنة. قرأت بخط الشيخ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلى قال: حكى لى الشيخ زين الدين علىّ بن نجا قال: زرت الشيخ عثمان بن مرزوق - بمصر - فقال: يجئ أسد الدين شيركوه إلى هذه البلاد ويروح، ولا يحصل له شئ، ثم يعود يجئ ويروح، ولا يأخذ البلد، ثم يجئ فيأخذ - ما أدرى قال فى الثالثة أو الرابعة؟ - فيملك مصر، فجرى الأمر كما ذكر. فقلت له: يا سيدى، من أين لك هذا؟ فقال: والله يا ولدى، ما أعلم الغيب، وإنما لى عادة: أن أرى رسول الله ﷺ ، أراه فى بعض الجمع، فيخبرنى، قلت: لعله أراد فى المنام. قال الناصح: وسمعت خادم الشيخ عثمان بن مرزوق، وكان يعرف بسيف السنة، وعليه آثار الصلاح، وقال له زين الدين بن نجا: أتعرف الأبيات التى أنشدت تلك الليلة بحضرة الشيخ عثمان بن مرزوق، فسمع وبكى؟ قال: نعم، قال: قلها، فقال: فديت من واصلنى محتفيا فى وصله … كنا على وعد فما كدره بمطله وعاد عندى كله مشتغلا بكله … ما خلت أن يصلح مثلى فى الهوى لمثله

стр. 304

وإنما جاد علىّ منعما بفضله … ولم أكن أهلا له لكنه من أهله وذكر الناصح فى ترجمة ولد الشيخ أبى عمرو بن مرزوق سعد - وسنذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى -: أن والده - يعنى الشيخ: أبا عمرو - كان يذكر عنه أنه كان يقول فى أفعال العباد: إنها غير مخلوقة. وكذا حكى ابن القطيعى فى تاريخه، قال: حكى لى أبو محمد بن سعيد البزار التاجر، قال: كنت بمصر ووقع بها فتنة بين والد الشيخ سعد - يعنى عثمان ابن مرزوق - وبين الكيزانى، وتلك الفتنة كانت سبب قدوم سعد إلى بغداد، فقلت له: ما كانت؟ فقال: كان عثمان بن مرزوق يقول: أفعال العباد قديمة، وكان له بمصر قبول، وبمصر يومئذ رجل آخر له قبول، يعرف بابن الكيزانى، أبو عبد الله يقول: ليست قديمة، فثارت الفتن، فقالوا: طريق الحق أن تكتب إلى بغداد فى ذلك، فكتبوا إلى علماء بغداد، فأفتوهم على اختلاف مذاهبهم بحدثها، فقال سعد - يعنى: ابن الشيخ عثمان بن مرزق -: الآن قد شككت فى هذا الأمر، والمكتوب لا يقلد، ولا بد من المضي إلى بغداد، وأسمع مقالة العلماء، وأعود أخبر أبى بذلك، فدخل بغداد، وسمع مقالة العلماء، فمات أبوه بمصر وبلغه وفاته، فأقام ببغداد. قلت: وذكر أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى مرآة الزمان: أن أبا عبد الله ابن الكيزانى كان يقول: إن أفعال العباد قديمة، فحينئذ فقد اختلف فى نسبة هذا القول: هل هو إلى ابن الكيزانى، أو إلى ابن مرزوق، ولم يثبت لنا من وجه صحيح عن ابن مرزوق أنه كان يقول ذلك، ولعل ذلك ألزموه به؛ لقوله: إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، وإن هذا القول يقوله طائفة من أصحابنا، وربما نسبوه إلى الإمام أحمد. والصحيح الصريح عن أحمد: أنه كان يبدع قائل ذلك، ولعله لما التزم هذا القول الضعيف طرده فى سائر الأفعال. والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 305

ثم وجدت لأبى عمرو بن مرزوق مصنفات فى أصول الدين، ورأيته يقول: إن الإيمان غير مخلوق، أقواله وأفعاله، وإن حركات العباد مخلوقة، لكن القديم يظهر فيها كظهور الكلام فى ألفاظ العباد. وقال الشيخ تقى الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: وثمّ جماعات منتسبون إلى الشيخ أبى عمرو بن مرزوق، ويقولون أشياء مخالفة لما كان الشيخ أبو عمرو عليه، وهذا الشيخ كان ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد، وكان من أصحاب الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ أبى الفرج، وهؤلاء ينتسبون إلى مذهب الشافعى، ويقولون أقوالا مخالفة لمذهب الشافعى وأحمد، بل ولسائر أئمة المسلمين، ولشيخهم الشيخ أبى عمرو. وهذا الشيخ أبو عمرو: شيخ من شيوخ أهل العلم والدين، وله أسوة أمثاله، وإذا قال قولا قد علم أن قول أحمد والشافعى بخلافه، وجب تقديم قول الشافعى وأحمد على قوله، مع دلالة الكتاب والسنة على قول الأئمة، فكيف إذا كان القول مخالفا لقوله، ولقول الأئمة، وللكتاب والسنة؟ وذلك مثل قولهم: لا نقطع، ولا نقول قطعا، ويقولون: نشهد أن محمدا رسول الله، ولا نقطع ونقول: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، ولا نقطع بذلك، ويروون فى ذلك أثرا عن علىّ، أو حديثا مرفوعا، وهو من الكذب المفترى. قال: وأصل شبههم: أن السلف كانوا يستثنون فى الإيمان، فيقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وعلى ذلك كان أهل الثغر - عسقلان، وما يقرب منها - فإنه كان قد سكنها محمد بن يوسف الفريابى، وكان يأمر بذلك، وكان شديدا على المرجئة، وعامة هؤلاء القوم جيران عسقلان، ثم صار كثير منهم يستثنى فى الأعمال الصالحة، فيقول: صليت إن شاء الله، وهو يخاف أن لا يكون أتى بالصلاة كما أمر، ولا تقبلت منه، فيستثنى خوفا من ذلك. وصنف فى ذلك بعض أهل الثغر مصنفا، وشيخهم أبو عمرو بن مرزوق،

стр. 306

غايته أن يتبع هؤلاء، ولم يكن الرجل ولا أحد قبله من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا: لما يعلم أنه موجود: هذا موجود قطعا، لكن لما مات أحدث بعض أتباعه الاستثناء فى كل شئ، حتى فى الإخبار عن الماضى والحاضر. وقد نقل عن بعض الشيوخ: أنه كان يستثنى فى كل شئ، كأنه - والله أعلم - فى الخبر عن الأمور المستقبلة، لقوله تعالى (٢٧:٤٨ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ)﴾ وقول النبى ﷺ : «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وصاروا يمتنعون عن التلفظ بالقطع، مع أنهم محقون بقلوبهم أن محمدا رسول الله، ولا يشكون فى نبوة محمد ﷺ ، ولكن يكرهون لفظ القطع. وهذا جهل منهم. والواجب عليهم موافقة جماعة المسلمين. فإن قول القائل: أقطع بذلك، مثل قوله: أشهد بذلك وأجزم وأعلم بذلك وأطال الشيخ الكلام فى ذلك. توفى الشيخ أبو عمرو بن مرزوق بمصر سنة أربع وستين وخمسمائة. وقد جاوز السبعين. ودفن بالقرافة، شرقى قبر الشافعى رضى الله عنه، وقبره ظاهر يزار، ﵀. ١٤٠ - أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم بن أبى عبد الله الجيلى، الحافظ أبو الفضل بن أبى المعالى بن أبى محمد، مفيد العراق. وقد تقدم ذكر أبيه وجده. ولد فى ثامن عشر ذى القعدة، سنة عشرين وخمسمائة. وقرأ القرآن بالروايات على أبى محمد سبط الخياط وغيره، وبكر به أبوه فى سماع الحديث، فأسمعه من أبى غالب بن البناء، وأبى الحسين بن الفراء، والقاضى أبى بكر الأنصارى، وأبى القاسم الحريرى، وأبى البدر الكرخى، وأبى الحسن ابن عبد السلام، ووالده صالح بن شافع، وخلق كثير. وطلب هو بنفسه، ولازم أبا الفضل بن ناصر الحافظ، حتى قرأ عليه أكثر

стр. 307

ما كان عنده، واختص بصحبته وكان يقتفى أثره، ويسلك مسلكه، ثم أكثر الأخذ عن أصحاب ابن البطر، وطراد، وطبقتهما. وبالغ فى الطلب حتى سمع من أصحاب ابن بيان، وابن نبهان، ثم من أصحاب ابن الحصين، وابن كادش، وطبقتهما، ولم يزل مشتغلا بالطلب والسماع، إلى أن مات. وكتب بخطه الكثير، وحصل الأصول الحسان، ولم يحدث إلا باليسير؛ لأنه مات قبل أوان الرواية. قال ابن النجار: كان حافظا، متقنا، ضابطا محققا، حسن القراءة، صحيح النقل، ثبتا حجة، نبيلا ورعا، متدينا تقيا، متمسكا بالسنة على طريقة السلف. وصنف تاريخا على السنين، بدأ فيه بالسنة التى توفى فيها أبو بكر الخطيب، وهى سنة ثلاث وستين وأربعمائة، إلى بعد الستين وخمسمائة، يذكر السنة وحوادثها، ومن توفى فيها، ويشرح أحوالهم. ومات ولم يبيضه. وقد نقلت عنه من هذا الكتاب كثيرا، يعنى ابن النجار بهذا الكتاب: تاريخه المذيل على تاريخ بغداد. قلت: وأنا فقد نقلت من تاريخ ابن شافع فى هذا الكتاب فوائد مما وقع لى منه، فإنه وقع لى منه عدة أجزاء من منتخبه لابن نقطة. وقد ذكره ابن نقطة فى كتابه «الاستدراك» ونعته بالحافظ. وقال: كان موصوفا بحسن القراءة للحديث. وكان صالحا ثقة مأمونا. وقال فى موضع آخر منه: هو متقن. وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسى؟ فقال: كان حافظا ثقة يقرأ الحديث قراءة حسنة مبينة صحيحة بصوت رفيع إمام فى السنة. وكان شاهدا معدلا. بلغنى أنه دعى إلى الشهادة للخليفة بما لا يجوز، فامتنع من الشهادة، وطرح الطيلسان، وقال: مالكم عندنا إلا هذا. قال ابن النجار: أنشدنى عبد الوهاب بن على الأمين أنشدنى أبو الفضل ابن شافع:

стр. 308

فى زخرف القول تزيين لباطله … والقول قد يعتريه سوء تعبير يقول: هذا مجاج النحل تمدحه … وإن تعب قلت: هذا قيء زنبور مدحا وذما وما جاوزت وصفهما … حسن البيان يرى الظلماء كالنور توفى يوم الأربعاء بعد الظهر ثالث شعبان سنة خمس وستين وخمسمائة. وكان مرضه البرسام والسرسام ستة أيام، وأسكت منها ثلاثة أيام، وشدّ تابوته بالحبال، وصلّى عليه خلق كثير. ودفن على أبيه فى دكة قبر الإمام أحمد رضى الله عنه. ١٤١ - علي بن بردوان بن زيد بن الحسين (١) بن سعيد بن عصمة بن حمير الكندى البغدادى، النحوى الأديب، شمس الدين أبو الحسن، ابن عم الشيخ تاج الدين أبى اليمن زيد. سمع ببغداد. وقرأ وكتب الطباق بخطه على يحيى بن البناء وغيره ويغلب على ظنى: أنى وقفت على قراءته للهداية على الشيخ عبد القادر. وقرأ النحو واللغة على ابن الجواليقى. ثم قدم دمشق، وأدرك شرف الإسلام ابن الحنبلى وصحبه. وكان فاضلا أديبا، حسن الخط. كتب بخطه كثيرا من الأدب. ومن دواوين العرب، وحظى عند السلطان نور الدين. قرأت بخط أبى الفرج بن الحنبلى: كان عارفا بالنحو واللغة. قيل: كان أعلم بها من ابن عمه أبى اليمن، ويقول الشعر، وهو حنبلى من أهل السنة. وكتب من الدقائق والكلام الوعظى الكثير، وطلب من شرف الإسلام أن يجلس بمدرسته للوعظ، فأذن له فى ذلك، فغلبه الحياء، فلم يتمكن من الإيراد، ثم نزل وترك الوعظ قلت: توفى سنة خمس وستين وخمسمائة بدمشق. ومن شعره. هتك الدمع بصوت هتف … كلما أضمرت من سر خفىّ

стр. 309

يا أخلائى على الخيف، أما … تتقون الله فى حث المطىّ وله أيضا: درت عليك غوادى المزن يا دار … ولا عفت منك آيات وآثار دعا من لعبت أيدى الغرام به … وساعدتها صبابات وتذكار وقصد بعض الأكابر مرة فلم يصادفه، فكتب على باب داره حفرا بسكين: حضر الكندى مغناكم فلم … يركم من بعد كد وتعب لو رآكم لتجلى همه … وانثنى عنكم بحسن المنقلب ١٤٢ - محمد بن حامد بن حمد بن عبد الواحد بن على بن أبى مسلم الأصبهانى، الواعظ الحنبلى، أبو سعيد. ويعرف بسرمس سمع أبا مسعود محمد بن عبد الله السودرجانى، وأبا مطيع المصرى، والدرنى، ويحيى بن منده، وجماعة. وببغداد أبا القاسم بن السمرقندى. وكتب بخطه، وحدث ببغداد وغيرها. وكان من أعيان الوعاظ. وله القبول التام عند العوام. توفى فى سلخ شعبان سنة ست وستين وخمسمائة. ودفن بمقبرة برديان فى جوار قبر الإمام أبى مسعود الرازى. ١٤٣ - النفيس بن مسعود بن أبى سعد بن على، المعروف بأبى صعوه السلامى، الفقيه أبو محمد. قرأ القرآن. وتفقه على أبى الفتح بن المنى، ووعظ. واحتضر فى شبابه، فتوفى يوم الثلاثاء تاسع شوال سنة ست وستين وخمسمائة وصلّى عليه عند جامع السلطان بالجانب الشرقى. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. وذكره ابن الجوزى، وقال المنذرى: تفقه على ابن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف وسمع من غير واحد.

стр. 310

قال: و «صعوة» بفتح الصاد والعين المهملتين وبعدها تاء تأنيث - لقب لجده مسعود. ١٤٤ - فتيان بن مياح بن حمد بن سليمان بن المبارك بن الحسين السلمى الحرانى الضرير، المقرئ الفقيه أبو الكرم. قال ابن القطيعى فى تاريخه: ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة على ما بلغنى. قلت: وهذا بعيد. ولعله سنة ثلاث عشرة. قال: وقدم بغداد، وسمع الحديث من أبى البركات عبد الوهاب الأنماطى، وصالح بن شافع، وأبى زيد الحموى، وغيرهم. وتفقه بمذهب الإمام أحمد، وعاد إلى بلده فأفتى ودرس به إلى أن مات. سمع منه أبو المحاسن القاضى القرشى قلت: كان بارعا فى علم القراءات. وله مصنف فى علم التجويد. وقال: الشيخ فخر الدين ابن تيمية فى أول تفسيره، وقد ذكر شيوخه فى العلم فأول ما قال: كنت برهة مع شيخنا الإمام الورع أبى الكرم فتيان بن مياح وكان طويل الباع فى علم اللغة والإعراب، مبسوطا فى الإغراق فيهما، والإعراب يشق الغبار فى علم القراءات، ومعاناة المعانى فهما، واللغات، وأحكام فهم الأحكام والوقوف على موارد الحلال والحرام. وعده أبو الفتح بن عبدوس من شيوخه وشيوخ حران وفقهائها وعلمائها قال ابن القطيعى: حدث فتيان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. ودخلت حران سنة ست وستين وخمسمائة، فسألت عنه؟ فقالوا: توفى عن قريب ﵀ قلت: وفيه أيضا نظر؛ فإن الشيخ فخر الدين ابن تيمية ذكر أنه لازم أبا الحسن بن عبدوس بعد موت فتيان هذا. وهذا يشعر بتقديم وفاته على وفاة ابن

стр. 311

عبدوس، ويمكن أنه أراد أن ملازمته لابن عبدوس كانت بعد ملازمته لفتيان، لا بعد موته. والله أعلم. ١٤٥ - عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب البغدادى، اللغوى النحوى، المحدث، الإمام أبو محمد بن أبى الكرم ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ظنا. وقرأ القرآن بالروايات. وسمع الحديث من أبى القاسم الربعى، وأبى الغنائم النرسى، ويحيى بن منده. وطلب بنفسه، وقرأ الكثير على ابن الحصين، وأبى العز ابن كادش، وأبى غالب بن البناء، وأبى القاسم الحريرى، وأبى بكر بن عبد الباقى وأبى القاسم بن السمرقندى، والمزرفى، وأبى الحسن بن الزاغونى، وأبى الحسين ابن الفراء، وخلق من الطبقة، ولم يزل يقرأ حتى قرأ على أقرانه. وقد عده ابن نقطة فى أول استدراكه من الحفاظ الذين يعتمد على ضبطهم، وقرنه مع السلفى وأبى العلاء، وابن عساكر. وأخذ اللغة والعربية عن أبى بكر ابن حوامرد القطان وأبى الحسن الفصيحى، وأبى الحسن المحوّلى، وأبى منصور الجواليقى، وأبى السعادات بن الشجرى. وقرأ الحساب والهندسة على أبى بكر محمد بن عبد الباقى، والفرائض على أبى بكر المزرفى. وشارك فى أنواع العلوم، وبرع فى كثير منها. قال ابن الجوزى: انتهى إليه معرفة النحو واللغة. وقال الشيخ فخر الدين ابن تيمية: أكثر التردد إلى مجلس شيخنا العلامة حجة الإسلام أبى محمد بن الخشاب لتحصيل فنى النحو واللغة، وما بلغ أحد من أبناء عصره فيهما ما بلغه. وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسى؟ فقال: كان إماما فى عصره فى علم العربية، والنحو واللغة. وكان علماء أهل عصره يستفتونه فيهما، ويسألونه عن مشكلاتها. وحضرت كثيرا من مجالسه للقراءة عليه، ولكن لم أتمكن من الإكثار

стр. 312

عليه؛ لكثرة الزحام عليه. وكان حسن الكلام فى السنة وشرحها. وقال ابن النجار: كان أعلم أهل زمانه بالنحو، حتى يقال: إنه كان فى درجة أبى على الفارسى. قال: وكانت له معرفة بالحديث واللغة، والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة وما من علم من العلوم إلا كانت له فيه يد حسنة. وقال ياقوت الحموى: رأيت قوما من نحاة بغداد يفضلونه على أبى على الفارسى قال: وسمع الحديث الكثير، وتفقه فيه، وعرف صحيحه من سقيمه، وبحث عن أحكامه، وتبحر فى علومه. وذكره ابن السمعانى فى كتابه، فقال: له معرفة تامة بالحديث، ويقرأ الحديث قراءة سريعة، حسنة صحيحة مفهومة، ويديم القراءة من غير فتور سمع الكثير بنفسه وجمع الأصول الحسان من أى وجه اتفق له، وكان يضنّ بها. قال: وسمعت أبا شجاع البسطامى يقول: قرأ على ابن الخشاب غريب الحديث المقتفى قراءة ما سمعت قبلها بمثلها فى الصحة والسرعة، وحضر جماعة من الفضلاء لسماعها. وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان، فما قدروا على ذلك. قال ابن السمعانى: وكتبت عنه جزءا من حديث أبى الحسن بن مخلد كان يرويه عن الربعى حدثنا بلفظه. وهذا كله وابن السمعانى إنما رآه وله نحو الأربعين سنة. قال ابن القطيعى فى تاريخه: سمعت ابن الأخضر الحافظ يقول: سمعت أبا محمد ابن الخشاب يقول: إنّي متقن فى ثمانية علوم، ما يسألنى أحد عن علم منها، ولا أجد لها أهلا. وذكر غيره وعن ابن الأخضر، قال: دخلت عليه يوما وهو مريض وعلى صدره كتاب ينظر فيه، قلت: ما هذا؟ قال: ذكر ابن جنى مسألة فى النحو، واجتهد أن يستشهد عليها ببيت من الشعر فلم يحضره، وإنّي لأعرف على هذه المسألة سبعين بيتا من الشعر، كل بيت من قصيدة تصلح أن يستشهد به عليها.

стр. 313

ووصفه جماعة: بأنه كان عالما بالتفسير والحديث، والفرائض والحساب والقراءات. قال ابن القطيعى: كان الغالب على علومه علم النحو وضروبه وأنواعه، وما يتعلق به. وانتهى إليه معرفة علوم جمة، أنهاها وشرح الكثير من علومه. وكان ضنينا بها مع لطف مخالطة، وعدم تكبر، وإطراح تكلف، مع تشدد فى السنة، وتظاهر بها فى محافل علومه، ومجالس تلاميذه وأصحابه، ينتحل مذهب الإمام أحمد، وينتصر له على غيره من المذاهب، ويصرح ببراهينه وحججه على ذلك. وذكر ياقوت الحموى قال: كان الحافظ بن ناصر ابن عمه أمّ ابن الخشاب قال ابن الخشاب: قالت لى أمى: يا بنى، ما أراك تصلى صلاة الرغائب على عادة الناس، فقلت: يا أمى، أنا أوثر من الصلوات ما ورد عن النبى ﷺ وأصحابه، وهذه الصلاة لم ترد عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، فقالت: لا أسمع ذلك منك، فاسأل لى ابن عمتى: فاتفق أنى لقيته، فقلت: الوالدة تسلم عليك، وتسألك عن صلاة الرغائب: هل وردت عن النبى ﷺ ، أو عن أصحابه؟ فقال لى: فهل لا أخبرتها بحقيقة ذلك؟ فقلت: قد أبت إلا أن أخبرها عنك، فقال: سلم عليها، وقل لها: أنا أسنّ منها، فإنها أحدثت فى زمنى وعصرى. وقد مضت برهة ولا أرى أحدا يصليها. وإنما وردت من الشام، وتداولها الناس حتى أجروها مجرى ما ورد من الصلوات المأثورة. ولابن الخشاب تصانيف، منها كتاب «المرتجل فى شرح الجمل» للزجاجى وقد ترك فيه أبوابا من وسط الكتاب لم يشرحها، وكتاب «الرد على ابن نادستاد (١) فى شرح الجمل»، وكتاب «الرد على أبى زكريا التبريزى فى تهذيب إصلاح المنطق لابن السكيت»، وكتاب «أغلاط الحريرى فى مقاماته»،

стр. 314

وشرح اللمع لابن جنى إلى باب النداء فى ثلاث مجلدات، وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة فى النحو فى أربع مجلدات. ويقال: إنه وصله عليها بألف دينار. وله جواب المسائل الاسكندرانية فى الاشتقاق. ويقال: إنه كان ضيق العطن فى تصانيفه لا يتمها، وأن كلامه كان أجود من قلمه. وكان ابن الخشاب يكتب خطا حسنا، ويضبط ضبطا متقنا. فكتب كذلك كثيرا من الأدب والحديث وسائر الفنون، وحصل من الكتب والأصول وغيرها ما لا يدخل تحت الحصر، ومن خطوط الفضلاء وأجزاء الحديث شيئا كثيرا. وذكر ابن النجار: أنه لم يمت أحد من أهل العلم وأصحاب الحديث إلا وكان يشترى كتبه كلها، فحصلت أصول المشايخ عنده. وذكر عنه: أنه اشترى يوما كتبا بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شئ، فاستمهلهم ثلاثة أيام، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمسمائة دينار، فنقد صاحبها وباعه بخمسمائة دينار، ووفى ثمن الكتب، وبقيت له الدار. ولما مرض أشهد عليه بوقف كتبه فتفرقت وبيع أكثرها ولم يبق إلا عشرها، فتركت فى رباط المأمونية وقفا. وقرأ عليه الخلق الكثير الحديث والأدب، وانتفعوا به وتخرج به جماعة. وسمع منه كبار الأئمة. وروى عنه خلق من الحفاظ وغيرهم. وكان الحافظ أبو محمد بن الأخضر يقول فى روايته عنه: حدثنا حجة الإسلام أبو محمد بن الخشاب. وكذلك يقول الشيخ موفق الدين المقدسى فى تصانيفه حين يروى عن ابن الخشاب. وكان ثقة فى الحديث والنقل، صدوقا حجة نبيلا. وذكر ابن الجوزى: أنه كان يذكر عنه نوع تفريط فى الدين، وأنه كان قليل الفقه، بحيث إنه سئل عن رفع اليدين فى الصلاة ما هو؟ فقال: هو ركن، فضحك منه. وكان - سامحه الله - قليل المبالاة بحفظ قاموس العلم والمشيخة بحيث إنه كان يلعب بالشطرنج على قارعة الطريق مع العوام، ويمازح السفهاء، ويقف

стр. 315

فى الشوارع على حلق المشعبذين وأصحاب اللهو، واللعابين بالقرود والدّباب من غير مبالاة. وإذا عوتب على ذلك يقول: إنه يندر منهم نوادر لا يكون أحسن ولا ألطف منها، ومع ذلك فكان لا يخلو كمه من كتب العلم. وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودون مجالسته، ويتمنون محاضرته فلا يفعل. قال مسعود بن البادر: كنت يوما بين يدى المستضئ، فقال لى: كل من نعرفه قد ذكرنا بنفسه، ووصل إليه برنا، إلا ابن الخشاب، فأخبره فاعتذرت عنه بعذر اقتضاه الحال، ثم خرجت فعرفت ابن الخشاب ذلك، فكتب إليه هذين البيتين: ورد الورى سلسال جودك فارتووا … فوقفت دون الورد وقفة حائم ظمآن أطلب خفة من زحمة … والورد لا يزاد غير تزاحم قال ابن البادر: فأخذتها منه فعرضتها على المستضئ، فأرسل إليه بمائتى دينار وقال: لو زادنا زدناه. وكان متبذلا فى لباسه ومطعمه ومشربه، ولم يكن له زوجة ولا جارية. ويقال: إنه كان بخيلا مقترا على نفسه. وكان يعتم العمة، فتبقى معتمة أشهرا حتى تتسخ أطرافها من عرقه، فتسود وتتقطع من الوسخ، وترمى عليها العصافير ذرقها. وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق، فتجئ عذبتها تارة من تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فلا يغيرها. فإذا قيل له فى ذلك يقول: ما استوت العمة على رأس عاقل قط. وكان ﵀ ظريفا مزاحا، ذا نوادر. فمن نوادره: أن بعض أصحابه سأله يوما، فقال: القفا يمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر. ومنها: أنه لما صنف الكمال الأنبارى كتاب «الميزان» فى النحو عرض عليه، فقال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب ففيه عين.

стр. 316

ومنها: أنه كان يوما فى داره فى وقت القيلولة والحر الشديد وقد نام، إذ طرق عليه الباب طرقا مزعجا، فانتبه فخرج مبادرا، وإذا رجلان من العامة، قال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل واحد منا قصيدة وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه. وقد رضينا بحكمك، فقال: ليبدأ أحدكما. قال: فأنشد أحدهما قصيدته وهو مصغ إليه، حتى فرغ منها، وهم الآخر بالإنشاد، فقال له ابن الخشاب: على رسلك، فشعرك أجود. فقال: كيف خبرت شعرى ولم تسمعه؟ فقال: لأنه لا يكون شئ أبخس من شعر هذا. ومنها: أن بعض المعلمين كان يقرأ عليه شيئا من الأدب، فجاء فيه قول العجاج: أطربا وأنت قنّسرى … وإنما يأتى الصبىّ الصبىّ فقرأ المعلم: وإنما يأتى الصبىّ الصبىّ، فقال ابن الخشاب: هذا عندك فى الكتاب وفقك الله. فأما عندنا فلا، فاستحى المعلم. ومنها: ما حكاه ابن الأخضر قال: كنت يوما عنده - وعنده جماعة من الحنابلة - فسأله مكى القراد: عندك كتاب الخيال؟ فقال: يا أبله، ما تراهم حولى؟ ومنها: أنه كان ببغداد رجل يقال له: العتابى نحوى، وكان يدعى من علم النحو فوق ما عنده، فاجتمع ابن الخشاب مرة بابن القصار اللغوى عند قدومه من مصر، فقال ابن الخشاب: ما رأيت من عجائب مصر؟ قال: رأيت أشياء ذكرها. ثم قال: ورأيت فيها حمارا عتابيا، فقال ابن الخشاب: ماذا عجب؛ فإن عندنا ببغداد عتابى حمار. ولابن الخشاب شعر كثير حسن، فمنه ما ألغزه فى الكتاب: وذى أوجه لكنه غير بائح … بسر، وذو الوجهين للسر مظهر تناجيك بالأسرار أسرار وجهه … فتسمعها، ما دمت بالعين تنظر وله لغز فى الشمعة: صفراء لا من سقم مسها … كيف وكانت أمها الشافية؟

стр. 317

عارية باطنها مكتس … فاعجب لها عارية كاسية ومنه - وأنشده ابن القطيعى - فى المديح: تلقاه إما عالما أو متعلما … يومى حجاج أو عجاج الهبا فمجادل يهدى غويا مشغبا … ومجدل يردى كميا محربا وينسب إليه قصيدة طويلة فى الألغاز والعويص فى جميع أنواع العلوم. قيل: إنه كتبها إلى بعض فضلاء عصره ممتحنا له ومعجزا، وأظنه ابن الدهان. ومما ينسب إليه قصيدة نونية، منها: واذكر إذا قمت يوم العرض منتفضا … من التراب بلا قطن ولا كفن وجئ بالنار قد مد الصراط على … حافاتها تتلظى فعل مغتبن وتنشر الصحف فيها كل محتقب … من المخازى وما قدمت من حسن قد كنت تنسى وتلك الصحف محصية … ما كنت تأتى، ولم تظلم ولم تخن هناك إن كنت قدمت مدخرا … تسقى من الحوض ماء غير ذى أسن عند الجزاء تعض الكف من ندم … على تخطيك فى سر وفى علن لا تركنن إلى الدنيا؛ ففى جدث … يكون دفنك بين الطين واللبن واستن بالسلف الماضى وكن رجلا … مبرأ من دواعى الغى والفتن ودع مذاهب قوم أحدثت إثما … فيها خلاف على الآثار والسنن قال ابن الجوزى: مرض ابن الخشاب نحوا من عشرين يوما، فدخلت عليه قبل موته بيومين، وقد يئس من نفسه، فقال لى: عند الله أحتسب نفسى. وتوفى يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة. وصلي عليه على باب جامع السلطان يوم السبت. ودفن بمقبرة الإمام أحمد قريبا من بشر الحافى رضى الله عنهما. وحدثنى عبد الله الجبائى العبد الصالح قال: رأيته فى النوم بعد موته بأيام، ووجهه يضئ، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى قلت: وأدخلك الجنة؟

стр. 318

قال: وأدخلنى الجنة، إلا أنه أعرض عنى، فقلت له أعرض عنك؟ فقال: نعم وعن جماعة من العلماء تركوا العمل. سامحه الله وغفر له. ١٤٦ - مكى بن محمد بن هبيرة البغدادى، الأديب أبو جعفر. كان فاضلا عارفا بالأدب. نظم «مختصر الخرقى» وقرئ عليه مرات. توفى بنواحى الموصل سنة سبع وستين وخمسمائة. ذكره الحافظ الذهبى. قلت: وأظنه أخا الوزير أبى المظفر. وكان يلقب فخر الدولة. وكان خرج من بغداد بعد موت الوزير وكان للوزير ولدان. أحدهما: عزّ الدين محمد. وكان فاضلا كبير الشأن، ناب عن والده فى الوزارة. قبض عليه، وقتل بعد موت والده سنة إحدى وستين. والآخر: شرف الدين ظفر، ناب عن والده فى الوزارة أيضا. وكان أديبا بارعا له نظم حسن جدا. قبض عليه، وقتل فى صفر سنة اثنتين وستين. ومن نظمه: أخلف الغيث مواعيد الخزامى … فقف الأنضاء تستقى الغماما وأبحنى ساعة من عمرى … نملأ الدار شكاة وسلاما وخذ اليمنة من أعلى الحمى … تلق بالفور حميما وحماما أصف الأشواق فى تلك الربى … وأعاطى الترب سقيا والتثاما ١٤٧ - أحمد بن محمد بن شنيف بن محمد البغدادى الدارقزى، المقرئ أبو الفضل. قرأ القرآن بالروايات على أبى طاهر بن سوار، وثابت بن بندار، وأبى منصور الخياط، وغيرهم. وسمع الحديث منهم، ومن أبى غالب القزاز، وعلي بن نبهان، ويحيى بن منده الحافظ. وتفقه فى المذهب وحصل منه طرفا صالحا. وأقرأ بالروايات جماعة.

стр. 319

وحدث وطال عمره، وأضر فى آخر وقته، وتفرد بعلو الإسناد فى القراءات. قال القطيعى: كان من أهل الدين والصلاح. وقال ابن النجار: كان شيخا فاضلا متدينا، صدوقا أمينا. توفى يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين وخمسمائة، وله ست وتسعون سنة. ودفن بمقبرة باب حرب ﵀. ١٤٨ - الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة ابن عثكل بن حنبل بن إسحاق الهمدانى، المقرئ المحدث، الحافظ الأديب اللغوى الزاهد أبو العلاء، المعروف بالعطار شيخ همدان. ولد بكرة يوم السبت رابع عشر ذى الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وقرأ القرآن بالروايات على أبى علي الحداد وغيره بأصبهان، وعلى أبى العز القلانسى بواسط، وببغداد على البارع الدباس، وأبى بكر المزرفى وغيرهم. وسمع الحديث من عبد الرحمن الدونى سنة خمس وتسعين، وهو أول سماعه ثم سمع بأصبهان من أبى علىّ الحداد، وأكثر عنه ولازمه مدة. وسمع بخراسان من أبى عبد الله الفراوى وغيره. وارتحل إلى بغداد، فسمع من أبى القاسم بن بيان، وأبى علىّ بن نبهان، وأبى علىّ بن المهدى، وأبى طالب اليوسفى، وابن الحصين، وخلق كثير. ودخل بغداد مرة أخرى فأسمع ابنه، ثم مرة أخرى بعد الثلاثين وخمسمائة، فأكثر بها، ثم دخلها بعد الأربعين، وحدث بها، وأقرأ بها القرآن. قرأ عليه ابن سكينة وغيره، ثم عاد إلى همدان، وعمل دارا للكتب وخزانة وقف جميع كتبه فيها. وكان قد حصّل الأصول الكثيرة، والكتب الكبار الحسان بالخطوط المعتبرة، وانقطع إلى إقراء القرآن، ورواية الحديث إلى آخر عمره وحدث بأكثر مسموعاته.

стр. 320

وسمع منه الكبار والأئمة الحفاظ ورووا عنه، منهم: ابن عساكر، ومحمد بن محمود الحمامى الواعظ، وأبو المواهب بن صصرى، وعبد القادر الرهاوى، ويوسف بن أحمد الشيرازى. وسمع منه خلق كثير. وآخر من روى عنه ابن المقيرورى عنه إجازة. قال ابن السمعانى فى حقه: حافظ متقن، ومقرئ فاضل، حسن السيرة، مرضى الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملك، مكرم للغرباء، يعرف القراءات والحديث والأدب معرفة حسنة، سمعت منه. وذكره ابن الجوزى فى طبقات الأصحاب التى فى آخر المناقب، وفى التاريخ، وقال فيه: كان حافظا متقنا، مرضى الطريقة سخيا. وانتهت إليه القراءات والتحديث. وذكر فى آخر كتابه «التلقيح»: أن أبا العلاء كان هو محدث عصره ومقرئه. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوى: شيخنا الحافظ أبو العلاء أشهر من أن يعرف بل تعذر وجود مثله فى أعصار كثيرة، على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ. أربى على أهل زمانه فى كثرة السماع، مع تحصيل أصول ما سمع وجودة النسخ، وإتقان ما كتب بخطه. فإنه ما كان يكتب شيئا إلا متقنا معربا. وبرع على حفاظ عصره فى حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى، والقصص والسير، ولقد كنا يوما فى مجلسه، وقد جاءته فتوى فى أمر من أمر عثمان رضى الله عنه، فأخذ الفتوى وكتب فيها من حفظه - ونحن جلوس - درجا طويلا يذكر فيه عثمان رضى الله عنه ونسبه ومولده ووفاته وأولاده، وما قيل فيه من شعر، وغير ذلك مما يتعلق به. وله التصانيف الكثيرة فى أنواع من علوم الحديث والزهديات والرقائق وغير ذلك.
следующие страницы →