← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومنها: أنه كان يوما فى داره فى وقت القيلولة والحر الشديد وقد نام، إذ طرق عليه الباب طرقا مزعجا، فانتبه فخرج مبادرا، وإذا رجلان من العامة، قال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل واحد منا قصيدة وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه. وقد رضينا بحكمك، فقال: ليبدأ أحدكما. قال: فأنشد أحدهما قصيدته وهو مصغ إليه، حتى فرغ منها، وهم الآخر بالإنشاد، فقال له ابن الخشاب: على رسلك، فشعرك أجود. فقال: كيف خبرت شعرى ولم تسمعه؟ فقال: لأنه لا يكون شئ أبخس من شعر هذا. ومنها: أن بعض المعلمين كان يقرأ عليه شيئا من الأدب، فجاء فيه قول العجاج: أطربا وأنت قنّسرى … وإنما يأتى الصبىّ الصبىّ فقرأ المعلم: وإنما يأتى الصبىّ الصبىّ، فقال ابن الخشاب: هذا عندك فى الكتاب وفقك الله. فأما عندنا فلا، فاستحى المعلم. ومنها: ما حكاه ابن الأخضر قال: كنت يوما عنده - وعنده جماعة من الحنابلة - فسأله مكى القراد: عندك كتاب الخيال؟ فقال: يا أبله، ما تراهم حولى؟ ومنها: أنه كان ببغداد رجل يقال له: العتابى نحوى، وكان يدعى من علم النحو فوق ما عنده، فاجتمع ابن الخشاب مرة بابن القصار اللغوى عند قدومه من مصر، فقال ابن الخشاب: ما رأيت من عجائب مصر؟ قال: رأيت أشياء ذكرها. ثم قال: ورأيت فيها حمارا عتابيا، فقال ابن الخشاب: ماذا عجب؛ فإن عندنا ببغداد عتابى حمار. ولابن الخشاب شعر كثير حسن، فمنه ما ألغزه فى الكتاب: وذى أوجه لكنه غير بائح … بسر، وذو الوجهين للسر مظهر تناجيك بالأسرار أسرار وجهه … فتسمعها، ما دمت بالعين تنظر وله لغز فى الشمعة: صفراء لا من سقم مسها … كيف وكانت أمها الشافية؟

стр. 317

عارية باطنها مكتس … فاعجب لها عارية كاسية ومنه - وأنشده ابن القطيعى - فى المديح: تلقاه إما عالما أو متعلما … يومى حجاج أو عجاج الهبا فمجادل يهدى غويا مشغبا … ومجدل يردى كميا محربا وينسب إليه قصيدة طويلة فى الألغاز والعويص فى جميع أنواع العلوم. قيل: إنه كتبها إلى بعض فضلاء عصره ممتحنا له ومعجزا، وأظنه ابن الدهان. ومما ينسب إليه قصيدة نونية، منها: واذكر إذا قمت يوم العرض منتفضا … من التراب بلا قطن ولا كفن وجئ بالنار قد مد الصراط على … حافاتها تتلظى فعل مغتبن وتنشر الصحف فيها كل محتقب … من المخازى وما قدمت من حسن قد كنت تنسى وتلك الصحف محصية … ما كنت تأتى، ولم تظلم ولم تخن هناك إن كنت قدمت مدخرا … تسقى من الحوض ماء غير ذى أسن عند الجزاء تعض الكف من ندم … على تخطيك فى سر وفى علن لا تركنن إلى الدنيا؛ ففى جدث … يكون دفنك بين الطين واللبن واستن بالسلف الماضى وكن رجلا … مبرأ من دواعى الغى والفتن ودع مذاهب قوم أحدثت إثما … فيها خلاف على الآثار والسنن قال ابن الجوزى: مرض ابن الخشاب نحوا من عشرين يوما، فدخلت عليه قبل موته بيومين، وقد يئس من نفسه، فقال لى: عند الله أحتسب نفسى. وتوفى يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة. وصلي عليه على باب جامع السلطان يوم السبت. ودفن بمقبرة الإمام أحمد قريبا من بشر الحافى رضى الله عنهما. وحدثنى عبد الله الجبائى العبد الصالح قال: رأيته فى النوم بعد موته بأيام، ووجهه يضئ، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى قلت: وأدخلك الجنة؟

стр. 318

قال: وأدخلنى الجنة، إلا أنه أعرض عنى، فقلت له أعرض عنك؟ فقال: نعم وعن جماعة من العلماء تركوا العمل. سامحه الله وغفر له. ١٤٦ - مكى بن محمد بن هبيرة البغدادى، الأديب أبو جعفر. كان فاضلا عارفا بالأدب. نظم «مختصر الخرقى» وقرئ عليه مرات. توفى بنواحى الموصل سنة سبع وستين وخمسمائة. ذكره الحافظ الذهبى. قلت: وأظنه أخا الوزير أبى المظفر. وكان يلقب فخر الدولة. وكان خرج من بغداد بعد موت الوزير وكان للوزير ولدان. أحدهما: عزّ الدين محمد. وكان فاضلا كبير الشأن، ناب عن والده فى الوزارة. قبض عليه، وقتل بعد موت والده سنة إحدى وستين. والآخر: شرف الدين ظفر، ناب عن والده فى الوزارة أيضا. وكان أديبا بارعا له نظم حسن جدا. قبض عليه، وقتل فى صفر سنة اثنتين وستين. ومن نظمه: أخلف الغيث مواعيد الخزامى … فقف الأنضاء تستقى الغماما وأبحنى ساعة من عمرى … نملأ الدار شكاة وسلاما وخذ اليمنة من أعلى الحمى … تلق بالفور حميما وحماما أصف الأشواق فى تلك الربى … وأعاطى الترب سقيا والتثاما ١٤٧ - أحمد بن محمد بن شنيف بن محمد البغدادى الدارقزى، المقرئ أبو الفضل. قرأ القرآن بالروايات على أبى طاهر بن سوار، وثابت بن بندار، وأبى منصور الخياط، وغيرهم. وسمع الحديث منهم، ومن أبى غالب القزاز، وعلي بن نبهان، ويحيى بن منده الحافظ. وتفقه فى المذهب وحصل منه طرفا صالحا. وأقرأ بالروايات جماعة.

стр. 319

وحدث وطال عمره، وأضر فى آخر وقته، وتفرد بعلو الإسناد فى القراءات. قال القطيعى: كان من أهل الدين والصلاح. وقال ابن النجار: كان شيخا فاضلا متدينا، صدوقا أمينا. توفى يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وستين وخمسمائة، وله ست وتسعون سنة. ودفن بمقبرة باب حرب ﵀. ١٤٨ - الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة ابن عثكل بن حنبل بن إسحاق الهمدانى، المقرئ المحدث، الحافظ الأديب اللغوى الزاهد أبو العلاء، المعروف بالعطار شيخ همدان. ولد بكرة يوم السبت رابع عشر ذى الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وقرأ القرآن بالروايات على أبى علي الحداد وغيره بأصبهان، وعلى أبى العز القلانسى بواسط، وببغداد على البارع الدباس، وأبى بكر المزرفى وغيرهم. وسمع الحديث من عبد الرحمن الدونى سنة خمس وتسعين، وهو أول سماعه ثم سمع بأصبهان من أبى علىّ الحداد، وأكثر عنه ولازمه مدة. وسمع بخراسان من أبى عبد الله الفراوى وغيره. وارتحل إلى بغداد، فسمع من أبى القاسم بن بيان، وأبى علىّ بن نبهان، وأبى علىّ بن المهدى، وأبى طالب اليوسفى، وابن الحصين، وخلق كثير. ودخل بغداد مرة أخرى فأسمع ابنه، ثم مرة أخرى بعد الثلاثين وخمسمائة، فأكثر بها، ثم دخلها بعد الأربعين، وحدث بها، وأقرأ بها القرآن. قرأ عليه ابن سكينة وغيره، ثم عاد إلى همدان، وعمل دارا للكتب وخزانة وقف جميع كتبه فيها. وكان قد حصّل الأصول الكثيرة، والكتب الكبار الحسان بالخطوط المعتبرة، وانقطع إلى إقراء القرآن، ورواية الحديث إلى آخر عمره وحدث بأكثر مسموعاته.

стр. 320

وسمع منه الكبار والأئمة الحفاظ ورووا عنه، منهم: ابن عساكر، ومحمد بن محمود الحمامى الواعظ، وأبو المواهب بن صصرى، وعبد القادر الرهاوى، ويوسف بن أحمد الشيرازى. وسمع منه خلق كثير. وآخر من روى عنه ابن المقيرورى عنه إجازة. قال ابن السمعانى فى حقه: حافظ متقن، ومقرئ فاضل، حسن السيرة، مرضى الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملك، مكرم للغرباء، يعرف القراءات والحديث والأدب معرفة حسنة، سمعت منه. وذكره ابن الجوزى فى طبقات الأصحاب التى فى آخر المناقب، وفى التاريخ، وقال فيه: كان حافظا متقنا، مرضى الطريقة سخيا. وانتهت إليه القراءات والتحديث. وذكر فى آخر كتابه «التلقيح»: أن أبا العلاء كان هو محدث عصره ومقرئه. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوى: شيخنا الحافظ أبو العلاء أشهر من أن يعرف بل تعذر وجود مثله فى أعصار كثيرة، على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ. أربى على أهل زمانه فى كثرة السماع، مع تحصيل أصول ما سمع وجودة النسخ، وإتقان ما كتب بخطه. فإنه ما كان يكتب شيئا إلا متقنا معربا. وبرع على حفاظ عصره فى حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى، والقصص والسير، ولقد كنا يوما فى مجلسه، وقد جاءته فتوى فى أمر من أمر عثمان رضى الله عنه، فأخذ الفتوى وكتب فيها من حفظه - ونحن جلوس - درجا طويلا يذكر فيه عثمان رضى الله عنه ونسبه ومولده ووفاته وأولاده، وما قيل فيه من شعر، وغير ذلك مما يتعلق به. وله التصانيف الكثيرة فى أنواع من علوم الحديث والزهديات والرقائق وغير ذلك.

стр. 321

ومن جملة ما صنف «زاد المسافر» نحو من خمسين مجلدة. وكان إماما فى القرآن وعلومه، وحصل من القراءات المسندة ما أنه صنف العشرة والمفردات. وصنف الوقف والابتداء والتجويد والمئات والعدد، ومعرفة القراء. وهو نحو من عشرين مجلدا، واستحسنت تصانيفه. وكتب ونقلت إلى خوارزم وإلى الشام. وبرع عنده جماعة كثيرة فى القراءات. وكان إذا جرى ذكر القراء يقول: فلان مات عام كذا، وفلان مات فى سنة كذا، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا. وكان إماما فى النحو واللغة. سمعت أن من جملة ما حفظ فى اللغة كتاب «الجمهرة» وخرج له تلامذة فى العربية أئمة يقرءون بهمدان. وبعض أصحابه رأيته. وكان من محفوظاته كتاب «الغريبين للهروى» إلى أن قال: وكان عفيفا من حب المال، مهينا له، باع جميع ما ورثه. وكان من أبناء التجار فأنفقه فى طلب العلم حتى سافر إلى بغداد وأصبهان مرات ماشيا يحمل كتبه على ظهره. سمعته يقول: كنت أبيت ببغداد فى المساجد، وآكل خبز الدخن. وسمعت أبا الفضل بن نبهان الأديب يقول: رأيت الحافظ أبا العلاء فى مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه؛ لأن السراج كانت عالية، ثم نشر الله تعالى ذكره فى الآفاق، وعظم شأنه فى قلوب الملوك وأرباب المناصب الدنيوية والعلمية والعوام، حتى إنه كان يمر بهمدان، فلا يبقى أحد رآه إلا قام، ودعا له حتى الصبيان واليهود. وربما كان يمضى إلى بلده مشكان فيصلى بها الجمعة، فيتلقاه أهلها خارج البلد: المسلمون على حدة، واليهود على حدة ويدعون له إلى أن يدخل البلد. وكان يفتح عليه من الدنيا جمل فلم يدخرها، بل ينفقها على تلامذته. وكان عليه رسوم لأقوام. وما كان يبرح عليه ألف دينار همدانية أو أكثر من الدين مع كثرة ما كان يفتح عليه. وكان يطلب لأصحابه من الناس، ويعز أصحابه ومن يلوذ به ولا يحضر دعوة حتى يحضر جماعة أصحابه، وكان لا يأكل من أموال الظلمة،

стр. 322

ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطا، وإنما كان يقرئ فى داره ونحن فى مسجده سكان، وكان يقرئ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم. وكان لا يخشى السلاطين، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، ولا يمكن أحد أن يعمل فى مجلسه منكرا ولا سماعا. وكان ينزل كل إنسان منزلته، حتى تآلفت القلوب على محبته، وحسن الذكر له فى الآفاق البعيدة، حتى أهل خوارزم، الذين هم معتزلة مع شدته فى الحنبلة. وكان حسن الصلاة، لم أر أحدا من مشايخنا أحسن صلاة منه. وكان مشددا فى أمر الطهارة، لا يدع أحدا يمس مداسه. قلت: هذه زلة من عالم. قال: وكانت ثيابه قصارا، وأكمامه قصارا، وعمامته نحو من سبعة أذرع، وكانت السنة شعاره ودثاره، اعتقادا وفعلا، بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه رجل، فقدم رجله اليسرى، كلفه أن يرجع فيقدم اليمنى، ولا يمس الأجزاء إلا على وضوء، ولا يدع شيئا قط إلا مستقبل القبلة تعظيما لها، إلى أن قال: سمعت من أثق به يحكى. قال: رأى السلفى طبقة بخط الحافظ، فقال: هذا خط أهل الإتقان، وسمعته يحكى عنه أنه ذكر له، فقال: قدمه دينه. قال: وسمعت من أثق به يحكى عن أبى الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسى، أنه قال للحافظ أبى العلاء، لما دخل نيسابور: ما دخل نيسابور مثلك. وسمعت الحافظ أبا القاسم على بن الحسن بن هبة الله يقول - وذكر رجلا من أصحابه سافر فى طلب الحديث -: إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت سفرته. وقد روى عنه الحافظ أبو القاسم. وقال القاسم بن عساكر الحافظ: سمعت التاج المسعودى يقول: سمعت أبا العلاء الهمدانى يقول لرجل استأذنه فى الرحلة:

стр. 323

إن عرفت أحدا أعرف منى، فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه، إلا أن تسافر إلى ابن عساكر، فإنه حافظ كما يجب. وقرأت بخط الشيخ ناصح الدين بن الحنبلى: أما حرمة الحافظ أبى العلاء، ومكانته فى العامة والخاصة فمشهورة، وكراماته كذلك. ومن نوادر الحافظ ﵀: أنه كان يمشى فى اليوم الواحد ثلاثين فرسخا. حدثنى الإمام طلحة بن مظفر العلثى قال: بيعت كتب ابن الجواليقى فى بغداد، فحضرها الحافظ أبو العلاء الهمدانى، فنادوا على قطعة منها: ستين دينارا، فاشتراها الحافظ أبو العلاء بستين دينارا، والإنظار من يوم الخميس إلى يوم الخميس. فخرج الحافظ، واستقبل طريق همدان، فوصل فنادى على دار له، فبلغت ستين دينارا. فقال: بيعوا. قالوا: تبلغ أكثر من ذلك. قال: بيعوا. فباعوا الدار بستين دينارا فقبضها، ثم رجع إلى بغداد. فدخلها يوم الخميس، فوفى ثمن الكتب. ولم يشعر أحد بحاله إلا بعد مدة. توفى ﵀ ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة. ذكره الحافظ بن النجار عن الحافظ أبى جعفر بن الحمامى الواعظ. وذكر مكى وابن الجوزى: أنه توفى ليلة الخميس لتسع عشرة بقيت من جمادى الأولى. قال ابن الجوزى: وبلغنى: أنه رئى فى المنام فى مدينة جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تحد، وهو مشتغل بمطالعتها. فقيل له: ما هذه الكتب؟ قال: سألت الله تعالى أن يشغلنى بما كنت أشتغل به فى الدنيا، فأعطانى. ورأى له شخص آخر: أن يدين خرجا من محراب مسجده، فقال: ما هذه اليدان؟ فقال: هذه يدا آدم بسطهما ليعانق أبا العلاء الحافظ. قال: وإذا بأبى العلاء قد أقبل. قال: فسلمت عليه، فردّ على السلام. وقال: يا فلان: أرأيت

стр. 324

ابنى أحمد حين قام على قبرى يلقننى. أما سمعتهم يقولون حتى صحت على الملكين فما قدرا أن يقولا لى شيئا، ورجعا رضى الله عنه. ١٤٩ - دهبل بن على بن منصور بن إبراهيم بن عبد الله، المعروف بابن كاره البغدادى، الحريمى، الخباز أبو الحسن. ولد سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وسمع من الحسين بن على بن البسرى، وأبى غالب القزاز، وأبى على ابن المهدى، وابن بيان، وابن نبهان وغيرهم. وذكره ابن السمعانى فى كتابه. وقال الشيخ موفق الدين المقدسى: كان فقيها من فقهاء أصحابنا، وكان يحضر فى حلقة الفقهاء فى جامع المنصور يوم الجمعة. وكان شيخا صالحا، أتى بكتاب «الجراح» ليحيى بن آدم. وقال أبو المحاسن القرشى: كان فقيها حسنا، فاضلا زاهدا، صادقا ثقة، وذكر غيره: أنه أضر بآخره. وقال ابن نقطة: هو ثقة صالح. قال ابن القطيعى: كان فقيها حنبليا ثقة. حدث، وسمع منه جماعة. وقال المنذرى: تفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع من غير واحد، وحدث. قلت: روى عنه ابن الأخضر، وجماعة. توفى فى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من محرم سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب حرب. و «دهبل» بفتح الدال المهملة والباء الموحدة بينهما هاء ساكنة. ١٥٠ - عبد الصمد بن بديل بن الخليل الجيلى المقرئ، أبو محمد. ذكره ابن القطيعى، فقال: قدم بغداد، ونزل باب الأزج، وقرئ عليه القرآن بالروايات الكثيرة، ورواها عن أبى العلاء الحسن بن أحمد الهمدانى.

стр. 325

قلت: وقد سمع من أبى العلاء الحديث. قال: وكان عالما ثقة ثبتا، فقيها مفتيا. وكان اشتغاله بالفقه على والدى ﵀. وناظر ودرس وأفتى، وكتب إلى - وأنا مسافر - كتابا ذكر فيه ما أحببت ذكره لبركته: الله الله، كن مقبلا، مديما على شئونك، مشتغلا بما أنت بصدده، ولا تكن مضيعا، أنفاسا معدودة، وأعمارا محسوبة، واجعل ما لا يعنيك دبر أذنك، واغمض عينيك عما ليس من حظها، واطلب من ريحانة ما حل لك، ودع ما حرم عليك. وبذلك تغلب شيطانك. وتحوز مطالبك والسلام. توفى ﵀ سنة تسع وستين وخمسمائة ودفن بمقبرة الإمام أحمد بالقرب من قبر بشر الحافى. قال «وبديل» بفتح الباء. وذكره ابن النجار، فقال: صحب القاضى أبا يعلى بن أبى خازم، وتفقه عليه. وكان خصيصا به قرأ عليه جماعة القرآن. وكان مقرئا مجودا، وفقيها فاضلا، صالحا متدينا. وأنه توفى يوم السبت سلخ ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. كذا نقله عن تميم بن البندنيجى. ١٥١ - عبد الرحمن بن النفيس بن الأسعد الغياثى، الفقيه المقرئ أبو بكر، ويعرف بالأعز البغدادى. كان فى ابتداء أمره يغنى، وله صوت حسن، ثم تاب وحسنت توبته. وقرأ القرآن فى زمن يسير، وتعلم الخط فى أيام قلائل، وحفظ كتاب الخرقى وأتقنه. وقرأ مسائل الخلاف على جماعة من الفقهاء. وكان ذكيا جدا، يحفظ فى يوم واحد ما لا يحفظه غيره فى شهر. وسمع من عبد الوهاب الأنماطى، وسعد الخير الأنصارى، وعسكر بن أسامة النصيبى. وتكلم فى مسائل الخلاف، وسافر إلى الشام، وسكن دمشق مدة،

стр. 326

وأمّ بالحنابلة فى جامعها، ثم توجه إلى ديار مصر، فاستوطنها إلى حين وفاته، وحدث. وكان فقيها فاضلا، قارئا مجودا، مليح التلاوة، طيب النغمة. قال أبو بكر محمد بن على بن زيد بن اللتى عنه: كان قويا فى دين الله متمسكا بالآثار، لا يرى منكرا، ولا يسمع به إلا غيّره، لا يحابى فى قول الحق أحدا. قال: وصحبته وسمعت عليه، معتقدا فى السنة، وقرأت عليه أبوابا من الخرقى. قال: وخرج من بغداد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وقيل: إنه توفى بمصر بعد سنة ستين وخمسمائة. رحمه الله تعالى. روى عنه أبو الجود حاتم بن سنان بن إبراهيم الحبلى أناشيد. ١٥٢ - يحيى بن نجاح بن مسعود بن عبد الله اليوسفى، المؤدب الأديب الشاعر أبو البركات. سمع من أبى العز بن كادش وغيره. قال ابن الجوزى: سمع الحديث الكثير، ثم قرأ النحو واللغة. وكان غزير الفضل، يقول الشعر الحسن. وقال ابن القطيعى: كان من أهل الأدب والعلم، وفيه فضل، وله خط حسن، وشعر رقيق. سمع منه جماعة من الطلبة. وكان حنبلى المذهب، حسن الاعتقاد. قال: وأنشدنا أبو البقاء الفقيه قال: أنشدنا أبو البركات يحيى بن نجاح اليوسفى لنفسه: أقلا منك ذا الجفا أم دلال … كل يوم يروعنى منك حال أعذول يغريك أم غره المعشوق … أم هكذا يتيه الجمال؟ نظرة كنت يوم ذاك، فإنى … صرت فى القلب عثرة لا تقال أنا عرضت مهجتى يوم سلع … للهوى، فالغرام داء عضال

стр. 327

عبثا تقتل النفوس ولا … تحسب، إلا أن الدماء حلال من عجيب أن لا يطيش لها سهم … ولم تدر قط كيف النضال؟ لى قلب قد استراح من العذل … وسمع تكده العذال وهى قصيدة طويلة. توفى ﵀ يوم السبت لإحدى عشرة خلت من شوال، سنة تسع وستين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد. كذا ذكره القطيعى. وقال ابن الجوزى: توفى فى أواخر شوال. و «اليوسفى» نسبة إلى ولاء بيت ابن يوسف. وكان جده مسعود مولى الشيخ الأجل، أبى منصور محمد بن عبد الملك بن يوسف، رحمه الله تعالى. ١٥٣ - حامد بن محمود بن حامد بن محمد بن أبى عمرو الحرانى، الخطيب الفقيه الزاهد، أبو الفضل، المعروف بابن أبى الحجر، ويلقب تقى الدين، شيخ حران وخطيبها، ومفتيها ومدرسها. ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بحران، فيما قرأته بخط الإمام أبى العباس ابن تيمية، وذكر أنه نقله من خط أحمد بن سلامة بن النجار الحرانى الزاهد. ورحل إلى بغداد، وسمع بها من عبد الوهاب الأنماطى الحافظ، ويحيى ابن حبيش الفارقى، وعمر بن عبد الله بن على الحربى وغيرهم، وتفقه بها، وبرع وناظر، ولقى بها الشيخ عبد القادر، ولازمه، فرآه الشيخ يوما يمشى على سجادته، على بساط للشيخ، فقال له الشيخ عبد القادر: كأنى بك، وقد دست على بساط السلطان. كذا ذكره أبو عبد الله بن حمدان الفقيه. وقال ناصح الدين بن الحنبلى رضى الله عنه: حدثنى ولده إلياس - يعنى: ولد أبى الفضل حامد - قال: خرج والدى مع الشيخ عبد القادر فى زيارة، وكان معه جماعة، وانفرد والدى عنه، ورفع ثوبه على قصبة، فقال الشيخ عبد القادر:

стр. 328

من هذا؟ فقالوا: الفقيه حامد الحرانى، فقال: هذا يكون له تعلق بالملوك، وكان كما قال. وذكره ابن الجوزى فى تاريخه، فقال: صديقنا. قدم بغداد. وتفقه وناظر، وعاد إلى حران، وأفتى، ودرس. وكان ورعا، به وسوسة فى الطهارة. وذكر ابن القطيعى فى تاريخه نحوا من ذلك، وقال: كان تاليا للقرآن، كتبت عنه. وكان ثقة. وقال الشيخ فخر الدين ابن تيمية فى أول تفسيره، وبعد رجوعى إلى حران: كنت كثير المباحثة لشيخنا الإمام البارع أبى الفضل حامد بن محمود بن أبى الحجر ﵀ فى مشكل الآيات، وحل ما فيها من الإشكالات. وكان ﵀ إذا شرع فى التفسير والتذكير شبيها بالجواد المفرط، والجواد القطقط، يوسع المسامع هدير شقاشقه، ويزعزع المسامع زجر رواشقه، هذا مع ما كان قد منحه الله من الرشاقة، وعسولة المنطق واللباقة. وقال الشيخ ناصح الدين بن الحنبلى: كان شيخ حران فى وقته. بنى نور الدين محمود المدرسة فى حران لأجله، ودفعها إليه، ودرس بها، وتولى عمارة جامع حران، فما قصر فيه، قيل: إنه راح إلى الروم، وتولى نشر الخشب بنفسه. وكان نور الدين محمود، يقبل عليه، وله فيه حسن ظن. وكان عنده وسواس فى الطهارة. ورحل إلى بغداد، ونزل بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع درسه، وكان من أصحابه. وجاء إلى دمشق فى حوائج إلى نور الدين، ونزل عندنا فى المدرسة، وأضافه والدى. وقال ابن حمدان: كان شيخ حران، وخطيبها ومدرسها، ولأجله بنيت المدرسة النورية بحران. وله ديوان خطب. وقيل: إن أكثرها كان يرتجلها إذا صعد إلى المنبر، فلما ولاه السلطان نور الدين الشهيد، قال: بشرط أن تترك المظالم والضمانات، وتورث ذوى الأرحام، فأجابه إلى ذلك.

стр. 329

وكان ولده الفقيه إلياس إذا غاب عن المدرسة يوما، لا يعطيه خبزه، ويقول: هو كالمستأجر. قال: ولم يأخذ على نظره فى الجامع، وأوقافه شيئا، حتى إن غلامه اشترى تجارة كما اشتراه العوام من تجارة خشب الجامع، فلم يأكل ما خبز فى بيته. وسيرته فى الورع والزهد مشهورة بحران بين أهلها. قلت: أخذ عنه العلم جماعة من أهل حران، منهم: الخطيب فخر الدين ابن تيمية، وأبو الفتح نصر الله بن عبدوس، وغيرهما. وسمع منه الحديث بحران جماعة من الطلبة والرحالين، منهم: أبو المحاسن عمر بن علي القرشى الدمشقى، سنة ثلاث وخمسين، وأبو الحسن بن القطيعى، سنة ست وستين. وروى عنه فى تاريخه، وقال: توفى لسبع خلون من شوال سنة سبعين وخمسمائة بحران. وكذا ذكر ابن الجوزى: أنه توفى بحران سنة سبعين. وقرأت بخط الشيخ تقى الدين رحمه الله تعالى، قال: نقلت من خط الزاهد أحمد بن سلامة بن النجار: توفى الفقيه حامد بن محمود بن أبى الحجر - وكان من أهل العلم والبراعة والفصاحة - سنة تسع وستين وخمسمائة، ثم قال الشيخ تقى الدين: عندى فى هذا نظر؛ لأن الشيخ الفخر ذكر أنه كان يذاكره بعد رجوعه إلى حران، وذكر الشيخ فخر الدين ابن تيمية فى كتابه «ترغيب المقاصد» أن شيخه حامد بن أبى الحجر اختار: أن الفاسق تثبت له ولاية النكاح. ١٥٤ - المبارك بن الحسن بن طراد الباماوردى الفرضى، أبو النجم بن أبى السعادات، المعروف بابن المقابلة. ولد سنة خمس وخمسمائة تقريبا. وسمع من طلحة العاقولى سنة عشر، وهو أقدم سماع وجد له، ومن القاضى أبى الحسين بن الفراء، وأبى منصور القزاز، والقاضى أبى بكر، وابن الحصين،

стр. 330

وأبى الفضل عبد الملك بن يوسف، وأبى غالب الماوردى وغيرهم. قال ابن الجوزى: كان عارفا بعلم الفرائض، والمواقيت. وذكره ابن القطيعى، وقال: كتبت عنه. وكان ثقة. قال: وكان أعلم أهل زمانه بالفرائض، والحساب، والدور، حسن العلم بالجبر والمقابلة، وغامض الوصايا والمناسخات، حنبلى المذهب، أمّارا بالمعروف، شديدا على أهل البدع، عارفا بمواقيت الشمس والقمر. وتوفى ليلة السبت لعشر بقين من جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ودفن بمقبرة الطبرى، بقرية الزاويان، ظاهر بغداد. رحمه الله تعالى. ١٥٥ - محمد بن عبد الباقى بن هبة الله بن حسين بن شريف المجمعى، الموصلى أبو المحاسن. ذكره ابن القطيعى، فقال: أحد فقهاء الحنابلة المواصلة. ورد بغداد، وتفقه على القاضى أبى يعلى محمد بن محمد بن محمد بن الفراء، وسمع بها الحديث والأدب، وكان تاليا لكتاب الله، وجمع كتابا اشتمل على طبقات الفقهاء من أصحاب أحمد قلت: وله مصنف فى شرح غريب ألفاظ الخرقى. قال: وكان بالموصل عمر الملا، مقدما فى بلده، فاتهمه بشئ من ماله. وكان خصيصا به، وضربه إلى أن أشفى، ثم أخرجه إلى بيته وبقى أياما يسيرة. وتوفى فى رجب - أو شعبان - سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بالموصل ﵀. وعمر هذا، كان يظهر الزهد والديانة، وأظنه كان يميل إلى المبتدعة. وقد تبين بهذه الحكاية أيضا: ظلمه وتعديه. ١٥٦ - على بن عساكر بن المرحب بن العوام، البطائحى، المقرئ النحوى أبو الحسن الضرير.

стр. 331

ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة - أو سنة تسعين - على الشك منه. وقرأ بالروايات على أبو العز القلانسى، وأبى عبد الله الدباس البارع، وسبط الخياط، وأبى بكر المزرفى، وأبى سعد الطيورى، وأبى طالب بن يوسف، وأبى الحسين بن الفراء. وقرأ الأدب على أبى البركات عمر بن إبراهيم الزيدى بالكوفة. وسمع الحديث من ابن الحصين، وأبى الحسين بن الزاغوانى، وأبى بكر بن عبد الباقى، وأبى منصور القزاز، والمزرفى، وأبى القاسم السمرقندى، وغيرهم. وكان من أئمة القراء وصنف فى القراءات عدة مفردات، وكان بارعا فى العربية، ثقة جليلا صالحا. قال ابن النجار: كان إماما كبيرا فى معرفة القراءات، ووجوهها وعللها وطرقها وضبطها وتجويدها، وحسن الأداء والإتقان والصدق والثقة. وكانت له معرفة تامة بالنحو. وكان متدينا، جميل السيرة، مرضى الطريقة. انتهى وقال الشيخ موفق الدين المقدسى عنه: كان مقرئ بغداد فى وقته، وكان عالما بالعربية، إماما فى السنة. قرأ عليه القرآن جماعة من الكبار، منهم: عبد العزيز بن دلف، وأبو الحسن ابن الجمرى. وحدث عنه جماعة، منهم: الحافظ ابن الأخضر، وعبد الغنى المقدسى، وعبد القادر الرهاوى، وأحمد بن البندنيجى، والشيخ موفق الدين، والشهاب بن راجح، وغيرهم. وروى عنه بالإجازة: الخليفة الناصر العباسى، وقرأ عليه القرآن أيضا: الوزير ابن هبيرة، وأكرمه ونوه باسمه. وكان الوزير قد قرأ بالروايات على رجل يقال له: مسعود بن الحسين الحنبلى، وادعى أنه قرأ على ابن سوار، وأسند الوزير القراءات عنه عن ابن سوار فى كتاب «الإفصاح» فحضر البطائحى دار الوزير

стр. 332

وابن شافع يقرأ عليه. فلما انتهى إلى قوله: وأما رواية عاصم فإنك قرأت بها على مسعود بن الحسين. قال: قرأت بها على ابن سوار. وكان البطائحى قاعدا فى غمار الناس؛ لأنه لم يكن حينئذ معروفا، ولا له ما يتجمل به. فقام وقال: هذا كذب. ورفع صوته، ثم خرج. وبلغ الوزير الخبر، فطلبه وطلب مسعودا وحاققوه. فتبين كذبه، وأنه لم يدخل بغداد إلا بعد موت ابن سوار بكثير، وأحضر البطائحى نسخة من المستنير بخط ابن سوار، فقوبل بخطها الخط الذى مع مسعود، ويدعى أنه خط ابن سوار، فبان الفرق بينهما. وقال البطائحى: هو خط مزور بخط أبى رويح الكاتب. وكان خطه شبيها بخط ابن سوار. فأهان الوزير مسعودا، ومنعه من الصلاة بالناس، وقال له: لولا أنك شيخ لنكلت بك. ثم قرأ الوزير على البطائحى، وأسند عنه القراءات، وعلاّ قدره. وذكر مضمون هذه الحكاية ابن النجار عن أحمد بن البندنيجى، وكان شاهدا للقصة. وصار للبطائحى بعد ذلك اتصالا بالدولة، ويدخل بواطن دار الخلافة. وكان ضريرا يحفى شاربه. ووقف كتبه بمدرسة الحنابلة بباب الأزج. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد إسماعيل بن الجواليقى بجامع القصر، ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى ١٥٧ - مسلم بن ثابت بن القاسم، بن أحمد بن النحاس البزاز، البغدادى المأمونى، الفقيه أبو عبد الله بن أبى البركات. ويعرف بابن جوالق بضم الجيم ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبى على بن نبهان، وتفقه على أبى الخطاب الكلوذانى وناظر وتطلس ذكره ابن القطيعى، وقال: سمع منه جماعة من الطلبة، وكتبت عنه. وكان صحيح السماع. قلت: روى عنه ابن الأخضر. توفى يوم الأحد عشرين ذى الحجة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب حرب.

стр. 333

١٥٨ - أحمد بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس بن سيف الدينورى ثم البغدادى، أبو العباس بن أبى بكر بن أبى العز. ويعرف أيضا بابن الحمامى. الفقيه الزاهد العابد. قرأ بالروايات على جماعة. سمع من ابن كادش وأبى بكر المزرفى. وتفقه على أبى بكر الدينورى. وكان رفيق ناصح الإسلام أبى الفتح بن المنّى فى سماع الدرس على الدينورى. وله مدرسة بدرب القيار ببغداد بناها. وكان يدرس بها. تفقه عليه جماعة منهم: الشيخ فخر الدين ابن تيمية، وحدث. روى عنه الشيخ موفق الدين. وقرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى: كان فقيها زاهدا، عابدا مفتيا. وسمعته يتكلم فى حلقة شيخنا ابن المنى، وعليه من نور العبادة وهدى الصالحين ما يشهد له. وسئل عنه الشيخ موفق الدين؟ فقال: كان فقيها، صاحب مسجد ومدرسة يتكلم فيها فى مسائل الخلاف ويدرس. وكان يتزهد. وكان متزوجا بابنة ابن الجوزى، وما علمنا منه إلا الخير. توفى يوم الثلاثاء خامس صفر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وكان يومه مشهودا. ورأى رجل النبى ﷺ فى المنام بعد موت أحمد بن بكروس وهو يقول: مات عابد الناس. وشاع هذا المنام فى الناس. قرأته بخط ابن الحنبلى وكان أبوه أبو بكر محمد رجلا صالحا كثير الحج. سمع الحديث فى كبره على جماعة. ولأبى العباس ولد اسمه محمد، يكنى أبا بكر. سمع من أبيه وعمه على زمن ابن البطى، ويحيى بن بندار، وطبقتهم. وكان فقيها صالحا. وتوفى شابا سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.

стр. 334

١٥٩ - صدقة بن الحسين بن الحسن بن بختيار بن الحداد البغدادى، الفقيه الأديب، الشاعر المتكلم، الكاتب المؤرخ أبو الفرج. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وقرأ بالروايات. وسمع الحديث من أبى السعادات المتوكلى، وأبى الوفاء بن عقيل الإمام، وأبى الحسن الزاغونى، وأبى على المبارك، وغيرهم. وتفقه على ابن عقيل، ثم من بعده على ابن الزاغونى، وبرع فى الفقه، فروعه وأصوله. وقرأ علم الجدل والكلام، والمنطق والفلسفة، والحساب، ومتعلقاته من الفرائض وغيرها. وكتب خطا حسنا صحيحا، وقال الشعر المليح، وأفتى وناظر، وانقطع بمسجده بالبدرية شرقى بغداد؛ يؤم الناس فيه، وينسخ ويفتى، ويتردد إليه الطلبة يقرءون عليه فنون العلم، وبقى على ذلك نحوا من سبعين سنة، حتى توفى. وممن قرأ عليه من أصحابنا: الوزير أبو المظفر بن يونس. وحدث وسمع منه جماعة، وروى عنه أبو المعالى بن شافع، والفقيه يعيش ابن مالك بن ريحان. وله مسائل مفردة من أصول الدين، وجزء سماه «ضوء السارى، إلى معرفة البارى». قال ابن النجار: وله مصنفات حسنة فى أصول الدين. وقد جمع تاريخا على السنين، بدأ فيه من وقت وفاة شيخه ابن الزاغونى، سنة سبع وعشرين وخمسمائة، مذيلا به على تاريخ شيخه، ولم يزل يكتب فيه إلى قريب من وقت وفاته، يذكر فيه الحوادث، والوفيات. وقد نسخ بخطه كثيرا للناس من سائر الفنون. وكان قوته من أجرة نسخه، ولم يطلب من أحد شيئا، ولا سكن مدرسة، ولم يزل قليل الحظ، منكسر الأغراض، متنغص العيش، مقترا عليه أكثر عمره.

стр. 335

وكان الوزير ابن رئيس الرؤساء، سأل عن مسألة فى الحكمة؟ فقيل له: إن صدقة الناسخ، له يد قوية فى ذلك، فأنفذها إليه. فكتب فيها جوابا حسنا شافيا، استحسنه الوزير، وسأل عن حاله؟ فأخبر بفقره، فأجرى له ما يقوته، وعلمت الجهة «بنفشا» بحاله - يعنى جهة الخليفة - فصارت تفتقده فى بعض الأوقات، بما يكون بين يديها من الأطعمة الفاخرة والحلوى، فيعجز عن أكله، فيعطيه لمن يبيعه له، فكان ربما شكى حاله لمن يأنس به، فيشنع عليه من له فيه غرض، ويقول: هو يعترض على الأقدار، وينسبه إلى أشياء، الله أعلم بحقيقتها. قال: وحكى لى بعض أصحابنا، قال: دخل بعض الناس على صدقة، وإلى جانبه مركن، وعليه خرقة مبلولة، قد اجتمع عليها الذباب، فقال له: ما هذا المركن؟ قال: فيه حلوى السكر يابسة، قد نقعتها فى الماء لتلين، وأقدر على أكلها لذهاب أسنانى، وأعجبك أنه لما كانت لى أسنان صحاح قوية لم يقدرنى القدر على التمر، فلما كبرت، وذهبت أسنانى، رزقت هذه الحلوى اليابسة، لأزداد بنظرى إليها، وعجزى عن أكلها حسرة، فكان الناس ينسبونه بهذا الكلام، وبما كان يعلم من العلوم القديمة إلى أشياء، لعله برئ منها. قلت: يشير بذلك ابن النجار إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزى، فإنه حط عليه فى تاريخه حطا بليغا، وذكر له أشعارا رديئة، تتضمن الحيرة والشك، وكلمات تتضمن الاعتراض على الأقدار، وقال: هذا من جنس اعتراضات ابن الرواندى، ونسبه أيضا إلى تعاطى فواحش، وإلى المسألة من غير حاجة، وأنه خلف ثلاثمائة دينار. وقال: لما كثر عثورى على هذا منه، وعجز تأويلى له، هجرته سنين، ولم أصل عليه حين مات، والشيخ أبو الفرج ﵀ ثقة فيما ينقل، وإذا ثبت أو اشتهر عن أحد مثل هذه الأمور، فهاجره وذامه معيب فيما يفعل. وقال ابن القطيعى: كان بينه وبين ابن الجوزى مباينة شديدة، وكل واحد يقول فى صاحبه مقالة، الله أعلم بها.

стр. 336

قال: وسمعت الوزير بن يونس - ومجلسه حفل بالعلماء - يثنى على صدقة، وينكر على ابن الجوزى قدحه فيه، بقوله: صليت إلى جانب صدقة، فما سمعته يقرأ. وقال: الواجب أن يسمع نفسه، لا من إلى جانبه، وأين حضور قلب ابن الجوزى من سماع قراءة غيره؟ ثم من جعل همته إلى تتبع شخص، إلى هذا الحد فى الصلاة، دل بفعله على عداوته، والله يغفر لهما. قلت: هذا من أسهل ما أنكره ابن الجوزى عليه، ثم إنه قال: كنت أتأمله إذا قام إلى الصلاة، فأكون فى أوقات إلى جانبه، فلا أرى شفتيه تتحرك أصلا، لم يقل: لم أسمعه يقرأ. وأما الفتيا التى عرفه الوزير بسببها، فقد ذكرها ياقوت الحموى فى كتابه قال: جرى بين الوزير أبى الفرج ابن رئيس الرؤساء وزير المستضئ مسألة فى العلم: هل هو واحد، أم أكثر. وكان عنده جماعة من أهل العلم، كابن الجوزى وغيره، فسألهم عن ذلك؟ فكل كتب بخطه: إن العلم واحد، فلما فرغوا، قال: ترى ههنا من هو قيم بهذا العلم غير هؤلاء؟ فقال له بعض الحاضرين: ههنا رجل يعرف بصدقة الناسخ، يعرف هذا الفن معرفة لا مزيد عليها، فنفذ بالفتوى، وفيها خطوط الفقهاء، وقال: انظر فى هذه، وقل ما عندك، فلما وقف عليها فكر طويلا، متعجبا من اتفاقهم على ما لا أصل له، ثم أخذ القلم، وكتب: العلم علمان: علم غريزى، وعلم مكتسب. فأما الغريزى: فهو الذى يدرك على الفور، من غير فكرة، كقولنا: واحد وواحد، فهذا يعلم ضرورة أنه اثنان. وعلم مكتسب: وهو ما يدرك بالطلب، والفكرة والبحث، أو كلاما هذا معناه، وأنفذ الخط إلى الوزير. فلما وقف عليه، أعجب به، وقال: أين يكون هذا الرجل؟ فعرف حاله وفقره، فاستدعاه إليه، وتلقاه بالبشر، وخلع عليه خلعة حسنة، وأعطاه أربعين دينارا، ففرح فرحا عظيما، وقال: يا مولاى، قد

стр. 337

حضر لى بيتان. قال: أنشدهما، فقال: ومن العجائب والعجائب جمة … شكر بطئ عن ندى متسرع ولقد دعوت ندى سواك فلم يجب … فلأشكرن ندى أجاب وما دعى فاستحسن ذلك، وما زال يبره إلى أن مات، سامحه الله. توفى صدقة يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد برحبة الجامع، ودفن بباب حرب. وقيل: إنه توفى يوم الأحد، رابع عشر. وذكر ابن الجوزى عمن حدثه: أنه رئى له منامات غير صالحة، وأنه عريان، وأنه أخبر عن نفسه أنه مسجون مضيق عليه، وأنه لم يغفر له، فالله تعالى يسامحه ويتجاوز عنه. وذكر ابن النجار عن على الفاخرانى الضرير، قال: رأيت صدقة الناسخ فى المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى بعد شدة، فسألته عن علم الأصول؟ فقال: لا تشتغل به، فما كان شئ أضر علىّ منه، وما نفعنى إلا خمس قصيبات - أو قال: تميرات - تصدقت بها على أرملة. قلت: هذا المنام حق، وما كانت مصيبة إلا من علم الكلام. ولقد صدق القائل: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وبسبب شبه المتكلمين والمتفلسفة، كان يقع له أحيانا حيرة وشك، يذكرها فى أشعاره، ويقع له من الكلام والاعتراض ما يقع. وقد رأيت له مسألة فى القرآن، قرر فيها: أن ما فى المصحف ليس بكلام الله، حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، ودلالة عليه، وإنما يسمى كلام الله مجازا. قال: ولا خلاف بيننا، وبين المخالفين فى ذلك، إلا أن عندنا: أن مدلوله هو كلام الله الذى هو الحروف والأصوات، وعندهم مدلول الكلام، الذى هو المعنى القديم بالذات.

стр. 338

١٦٠ - أحمد بن أبى غالب بن أبى عيسى بن شيخون الأبرودى الحبابينى أبو العباس، الفقيه الضرير، كذا نسبه ابن النجار. وقال ابن الجوزى: أحمد بن عيسى بن أبى غالب، من قرية بدجيل، يقال لها: الحبابين. دخل بغداد فى صباه، وحفظ القرآن، وقرأه بالروايات على أبى محمد سبط الخياط، وسمع منه الحديث، ومن سعد الخير الأنصارى، ومن جماعة دونهما. وقرأ الفقه على أبى العباس، أحمد بن بكروس، وحصل منه طرفا صالحا، ولما مات ابن بكروس، خلفه فى مسجده ومدرسته. وكان صالحا. متدينا. ومات شابا، لم يرو شيئا. ذكر ذلك ابن النجار. وقال ابن الجوزى: قرأ القرآن وسمع الحديث، وتفقه وناظر، وكان فيه دين. قال ابن النجار: قرأت فى كتاب أبى بكر عبيد الله بن على المارستانى بخطه قال: دخلت على أحمد الحبابينى عائدا، فأنشدنى متمثلا: سيبكى علىّ باكى العين بعد موته … ويبكى علىّ باكى البكاء إلى الحشر فنفسى أعدّى فضل زاد من التقى … فإنك فى الدنيا ورجلاك فى القبر توفى يوم الجمعة عاشر رجب سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وصلّى عليه يومئذ بجامع القصر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد عن نيف وأربعين سنة رحمه الله تعالى. ١٦١ - المظفر بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء أبو منصور ابن القاضى أبى يعلى ابن القاضى أبى خازم ابن القاضى الكبير أبى يعلى. ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وسمع الحديث، واشتغل بالفقه أصولا وفروعا. وبرع وناظر وتأدب، وقال الشعر الجيد. ومن شعره: لست أنسى من سليمى قولها … يوم جد البين منى وبكت

стр. 339

قطع الله يد الدهر لقد … قرطست إذ بالنوى شملى رمت فجرى دمعى لما سمعت … ووعت أذناى منها ما وعت يا لها من قولة عن ناظرى … نومة طول حياتى قد نفت ومن شعره أيضا: يا ربة الطرف الكحيل الذى … يرمى منى الأكباد بالنبل وربة الخد الأسيل الذى … يفعل فعل الصارم المجلى هويتكم والقلب ذو صحة … واليوم قد أصبح ذا خبل كان خليّا فارغا فانثنى … بكم عن العالم فى شغل عوفيتم من سقم حل بى … ولا رأتكم مقلتى مثلى لا تقتلوا عبدا أسيرا غدا … وهو لكم أطوع من نعل والله لو جئت ومن دونكم … نار ثوت تعمل فى الجزل وقلتم: طأها، ووطئى لها … يرضيكم أقحمتها رجلى توفى ﵀ فى عنفوان شبابه، يوم الجمعة لخمس عشرة خلت من شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. ١٦٢ - محمد بن أبى غالب بن أحمد بن مرزوق بن أحمد الباقدارى، البغدادى الضرير المحدث، الحافظ أبو بكر. ولد بباقدار، قرية من قرى بغداد. وقدم بغداد فى صباه، فتلا على جماعة. وسمع الحديث من أبى محمد سبط الخياط، وأبى بكر بن الزاغونى، وابن الطلاية وأبى الوقت، وابن ناصر الحافظ، وطبقتهم. وأكثر السماع عليهم، وعلى من بعدهم وحدث، وسمع منه أبو الحسن على بن عمر الزيدى الحافظ، وغيره. وذكره ابن الدبيثى الحافظ، فقال: انتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه. وعليه كان المعتمد فيه.

стр. 340

وقال أبو الفتوح نصر بن الحصرى الحافظ: كان آخر من بقى من حفاظ الحديث الأئمة. قال الدبيثى: سمعت غير واحد من شيوخنا يذكرون أبا بكر الباقدارى، ويصفونه بالحفظ ومعرفة الرجال والمتون، مع كونه ضريرا مقصورا، إلا أنه كان حفظة، حسن الفهم. بلغنى: أن ابن ناصر كان يراجعه فى أشياء، ويصير إلى قوله وقال الحافظ عبد العظيم المنذرى: كان أحد حفاظ بغداد، المشهورين بمعرفة الرجال، والمتقدم مع ضرره، حدث وخرج. قال الحافظ أبو بكر الباقدارى: روى أبو بكر بن أبى داود عدة أحاديث، يقول فيها: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سعد حدثنا الأعمش، بأسانيد متصلة إلى النبى ﷺ ، فكنت لا أدرى من إسحاق بن إبراهيم، ولا سعد؟ فأمعنت النظر، وأجدت التفتيش، فلم أجده إلا فيما قرئ على المبارك ابن أبى نصر البزاز - وأنا أسمع - قيل له: حدثكم عبد الله بن أحمد حدثنا أحمد ابن على الحافظ، قال: حدثنا ذكر إسحاق بن إبراهيم الشيرازى: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحسين المحاملى - إملاء - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف. حدثنا أحمد بن إبراهيم البردعى، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الشيرازى، حدثنا جدى سعد بن الصلت، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر. فقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كى لا يحرج أمته». وجمع أبو بكر فى هذا جزءا. قلت: إسحاق هذا يعرف بشاذان، وهو إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله النهشلى الفارسى، وهو ابن بنت سعد بن الصلت قاضى فارس. روى عن جده أبى أمه سعد بن الصلت، وأبى داود الطيالسى، والأسود بن عامر. قال ابن أبي حاتم: كتب إلى أبى، وإلىّ، وهو صدوق.

стр. 341

توفى أبو بكر الباقدارى لخمس بقين من ذى الحجة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وهو فى سن الكهولة. ودفن بالشونيزية، بتربة مقبرة أبى القاسم الجنيد، وهو والد عجيبة مسندة العراق. ١٦٣ - المبارك بن على بن الحسين بن عبد الله بن محمد الطباخ البغدادي، نزيل مكة المكرمة، وإمام الحنابلة بالحرم، المحدث الحافظ أبو محمد. سمع الكثير ببغداد من أبى سعد بن الطيورى، وأبى العز بن كادش، وابن الحصين، وأبى بكر المزرفى، وابن غالب بن البناء، والقاضى أبى الحسين بن الفراء، وأبى منصور القزاز، وأبى القاسم بن السمرقندى، وأبى الحسين بن الزاغونى، وبهرام بن بهرام بن فارس البيّع، وأبى بكر اللفتوانى الأصبهانى، وغيرهم وعنى بالطلب. وسمع الكثير. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه. وكان صالحا دينا ثقة، وهو كان حافظ الحديث بمكة فى زمانه، والمشار إليه بالعلم بها. وحدث، وسمع منه خلق من القدماء، منهم: ابن السمعانى، وسمع منه جماعة من أصحابنا، منهم: أبو القاسم عبيد الله بن الفراء، وأبو العباس أحمد بن محمد ابن الفراء، وأبو الفتح بن عبدوس الحرانى، والوزير بن يونس، وأبو عبد الله الأرتاحى، وغيرهم. وتوفى فى ثامن شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة بمكة. وكان يوم جنازته مشهودا ﵀. ١٦٤ - إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن محمد بن الجواليقى. الأديب ابن الأديب، أبو محمد بن أبى منصور. ولد فى شعبان سنة اثنى عشرة وخمسمائة. وسمع من أبى القاسم بن الحصين، وأبى بكر الأنصارى، وأبى الحسين بن الفراء، وأبى العز بن كادش، وأبى غالب بن البناء، وأبى القاسم بن السمرقندى وغيرهم.

стр. 342

وقرأ القرآن والأدب على أبيه، وكان عالما باللغة والعربية والأدب. وله سمت حسن. وقام مقام أبيه فى دار الخلافة. قال ابن القطيعى: سمعت ابن الجوزى يقول: ما رأينا ولدا أشبه أباه مثله حتى فى مشيه وأفعاله. وتوفى يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وصلّى عليه من الغد بجامع القصر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. وقال المنذرى: هو أحد الفضلاء النساك، سمع من غير واحد، وحدث. وقال الدبيثى: شيخ فاضل، له معرفة بالأدب، وقور، حسن الطريقة واختص بخدمة الخلفاء فى أيام المستضئ. سمع منه عمر القرشى، والمبارك بن أبى شتكين، وخلق كثير. وقال ابن النجار: كان من أعيان العلماء بالأدب، صحيح النقل، كثير المحفوظ، حجة ثقة نبيلا، مليح الخط. قرأ الأدب على أبيه حتى برع فيه. وكانت له حلقة بجامع القصر الشريف، يقرئ فيها الأدب كل جمعة. وكان يكتب أولاد الخلفاء، ويقرئهم الأدب، وكان على منهاج أبيه فى حسن السمت، والديانة والنزاهة والعفة، وقلة الكلام، والرواية. روى لنا عنه ابن الأخضر، وأثنى عليه ثناء كثيرا. ١٦٥ - أحمد بن أبى الوفاء، عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الصمد ابن محمد بن الصائغ البغدادى، الفقيه الإمام أبو الفتح، نزيل حران. ولد ببغداد سنة تسعين وأربعمائة. قاله ابن القطيعى عنه. وقال أبو المحاسن القرشى عنه: سنة سبعين. ولزم أبا الخطاب الكلوذانى، وخدمه وتفقه عليه. وسمع منه، ومن أبى القاسم ابن بيان، وسافر إلى حلب وسكنها. ثم استوطن حران إلى حين وفاته. وكان هو المفتى والمدرس بها.

стр. 343

وقرأ عليه الفقه جماعة، منهم: الشيخ فخر الدين ابن تيمية. وحدث بحلب وبحران. سمع منه جماعة من أصحابنا ومن غيرهم، منهم: أبو الفتح بن عبدوس، والشيخ العماد المقدسى، والبهاء عبد الرحمن المقدسى، ومحمود بن الصقال، وأبو الحسن بن الصقال، وأبو الحسن بن القطيعى. وروى عنه فى تاريخه. قال: وأنشدنى أبو الخطاب الكلوذانى لنفسه: أنا شيخ وللمشايخ بالآداب … علم يخفى على الشبان فإذا ما ذكرتنى فتأدب … فهو قرض يرد بالميزان وروى عنه ابن صصرى فى معجمه، وابن الأستاذ، وغيرهما. توفى ﵀ بحران سنة ست وسبعين وخمسمائة، فيما ذكره ابن القطيعى. وذكر الذهبى فى تاريخه: أنه مات سنة خمس وسبعين. ١٦٦ - على بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس، البغدادى، الفقيه، أبو الحسن، أخو أبى العباس أحمد السابق ذكره. ولد يوم الاثنين ثالث رجب سنة أربع وخمسمائة. وسمع الحديث من ابن الحصين، والمزرفى، وأبى القاسم بن السمرقندى، وأبى غالب الماوردى، وأبى الحسن على بن محمد الهروى، وزاهر بن طاهر الشحامى، وغيرهم. وتفقه فى المذهب، وبرع، وأفتى وناظر، ودرس بمدرسة أخيه آخرا، وصنف فى المذهب، وله كتاب «رءوس المسائل»، وكتاب «الأعلام». وحدث، وسمع منه جماعة، منهم: أبو الحسن بن القطيعى. وروى عنه فى تاريخه. ولزم بيته فى آخر عمره لمرض حصل له، إلى أن توفى يوم الاثنين ثالث ذى الحجة، سنة ست وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، رضى الله عنه

стр. 344

١٦٧ - على بن أبى المعالى المبارك - وقيل: أحمد بن أبى الفضل بن أبى القاسم بن الأحدب الوراق الدارقزى، ثم المحولى، الفقيه أبو الحسن، المعروف بابن غريبة. وقال ابن النجار: رأيت نسبه بخط ابن مشق على بن محمد بن أحمد بن أبى القاسم، أبو الحسن بن أبى المعالى بن أبى الفضل. ولد فى منتصف رمضان سنة ست وخمسمائة. وسمع الكثير من أبى القاسم بن الحصين، سمع منه المسند بكماله، ومن القاضى أبى بكر الأنصارى، والقاضى أبى الحسين بن الفراء، وأبى غالب بن الفراء، وأبى القاسم بن السمرقندى. وسمع بمرو من الخطيب أبى الفتح الكشميهنى، وغيرهم. وتفقه فى المذهب على أبى القاسم بن قثامى، وأبى الفضل بن سيف، وقرأ الفرائض على القاضى أبى بكر. وكان ثقة، صحيح السماع، ذا عقل وتجربة، ولاه الوزير ابن هبيرة المظالم، يرفعها إليه. وانقطع فى آخر عمره بالمحوّل، إلى أن مات، وأفلج قبل موته بشهر، وحدث، وسمع منه جماعة. قال ابن النجار: كان فقيها، فاضلا، حسن الكلام فى مسائل الخلاف. وكان يكتب خطا رديئا. وسمع منه من أصحابنا: أبو الفرح عبد الرحمن بن الحنبلى، وابن القطيعى، وابن الغزال، وروى عنه ابن الجوزى حكايات عدة. وتوفى يوم الأحد حادى عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بالمحول، وحمل على أعناق الرجال، فدفن بمقبرة الإمام أحمد، رضى الله عنه بباب حرب.

стр. 345

١٦٨ - دلف بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن البتان الأزجى، الفقيه أبو الخير. سمع من ابن ناصر، وسعد الخير الأنصارى، وعبد الصبور الهروى، وأبى حفص الحربى وغيرهم. وصحب الشيخ عبد القادر، وتفقه عليه، ثم خرج من بغداد، ودخل خراسان، وأقام بنيسابور، فقرأ على محمد بن يحيى الفقيه، وسمع بها من أبى البركات عبد الله بن محمد الفزارى. ودخل خوارزم، ومضى إلى سمرقند، وسمع بها من أبى المعالى محمد بن نصر المدينى، وأبى القاسم محمود بن على النسفى، وحدث هناك. وروى عنه أبو سعد بن السمعاني فى ذيله حكايات، وروى عنه أبو المظفر ابن السمعانى فى مشيخته، وأبو بكر الفرغانى خطيب سمرقند، وذكر أنه سمع منه فى صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة. ١٦٩ - كرم بن بختيار بن على البغدادى، الرصافى الزاهد أبو الخير. وقيل: أبو على. ولد فى حدود سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبى القاسم بن الحصين. وحدث، وسمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعى. وقال الناصح بن الحنبلى: سمعت منه جزءا بقراءة الشيخ طلحة العلثى، قال: وزرته يوما، وهو مضطجع على جنبه، والفقيه ابن فضلان - يعنى: شيخ الشافعية - عنده يزوره، فأخذ بيد الشيخ كرم يقبلها تبركا. وكان زاهدا، منقطعا بالرصافة. وقال القطيعى: كان زاهدا، ورعا، سريع الدمعة، كثير العبادة. وفى بعض الأوقات تصدر منه كلمات على خاطر الحاضر عنده.

стр. 346

وقال الدبيثى: كان أحد الشيوخ الموصوفين بالصلاح. وتوفى يوم الأربعاء سادس ذى الحجة سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، فى دكة بشر الحافى. وكان حنبليا. ١٧٠ - إسماعيل بن نباته الفقيه، الملقب وجيه الدين. قال ناصح الدين بن الحنبلى: سمع درس عمى الإمام بهاء الدين عبد الملك ابن شرف الإسلام لما قدم من خراسان، وعلق عنه من تعليق أبى الفضل الكرمانى، ثم سمع درس والدى، وحفظ «الهداية» لأبى الخطاب، حفظا متقنا، وحفظ أصول الفقه للبستى، وحفظ كثيرا من مسائل التعليق. وكان يدرس القرآن كثيرا، ويقوم به من نصف الليل. وكان يصلى الفجر على نهر بردى بحضرة القلعة، ويصلى العصر على عين بعلبك، وبالعكس، وربما قرأ فى طريقه القرآن - أو كتاب «الهداية» - الشك منى. قال: ولما قدمت من بغداد سنة ست وسبعين، وتكلمت فى المسألة فرح بى. ومات قبل الثمانين وخمسمائة، ودفن بالجبل، جوار دير الحورانى. ﵀. ١٧١ - عبد الله بن على بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، القاضى أبو القاسم ابن القاضى أبى الفرج ابن القاضى أبى خازم، ابن القاضى أبى يعلى. ولد ليلة الاثنين رابع عشر ذى الحجة سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وأسمعه أبوه الكثير فى صباه من أبى منصور القزاز، وأبى منصور بن خيرون، وعبد الخالق بن البدن، وأبى سعد الزوزنى، وأبى البدر الكرخى، وأبى الحسن بن عبد السلام، وأبى الفضل الأرموى، وأبى محمد سبط الخياط. وسمع هو بنفسه من ابن ناصر الحافظ، وأبى بكر بن الزاغونى، وسعيد ابن البناء، وخلق من أصحاب القاضى، وابن البطر، وطراد، وطبقتهم.

стр. 347

وبالغ فى السماع والإكثار، حتى سمع من جماعة من المتأخرين. وكتب بخطه، وحصل الكتب، والأصول الحسان الكبيرة، وتفقه، وكتب فى الفتاوى مع أئمة عصره، وشهد عند أبى الحسن بن الدامغانى من سنة خمس وخمسين. وكانت داره مجمعا لأهل العلم، يحضرها المشايخ، ويقرأ عليهم وتحضر الناس منزله للسماع، وينفق عليهم بسخاء نفس، وسعة صدر. وحدث باليسير. سمع منه ابن عمه أبو العباس أحمد، وأبو الحسن الزيدى، وابن الأخضر. وروى عنه. وكان يصفه كثيرا بالسخاء وسعة النفس، والبذل والعطاء. وحسن الخلق، ولطف المعاشرة. وروى عنه ابن القطيعى فى تاريخه. وأجاز للخليفة الناصر، وخرجوا له عنه فى كتاب «روح العارفين». وقرأت بخط الشيخ ناصح الدين بن الحنبلى، قال: سمعت عليه كتاب «صحيح الترمذى» بسماعه من الكروخى، بقراءة الشيخ طلحة العلثى، وأجزاء أخر. وكان جميلا جليلا، محترما وفاضلا، ومن أعيان العدول ببغداد. ومن تصانيفه «الروض النضر فى حياة أبى العباس الخضر» وكانت عنده كتب جليلة أصيلة على مذهب الإمام أحمد. وخط الإمام أحمد كان أيضا عنده. حكاه الشيخ طلحة فى غالب ظنى. وكان فى سنة ثلاث وسبعين قد علاه الشيب الكثير. وكنت لا أشبع من النظر إلى جمال وجهه، وحسن أطرافه، وسكينة عليه. ولزمه دين كثير. وحمل منه الهم الغزير. وقال ابن القطيعى: جمع بين حسن الرأى والسمت، وعارف بأحكام الشريعة، من الشهادة والقضاء، مهيب المجلس، لم يزل منزله محلا لقراءة الحديث وتدريس الفقه بحضرة الشيوخ، وجماعة أصحاب الحديث، معروف بالكرم والإفضال. وله الأصول الحسنة والفوائد الجمة.

стр. 348

وسمع الحديث عاليا ونازلا، وجمع وصنف أنواعا من العلوم. وحمله بذل يده، وكرم طبعه على أنه استدان مالا يمكنه الوفاء، فغلبه الأمر حتى باع معظم كتبه، وخرج عن يده أكثر أملاكه، واختفى فى بيته لما فدعه من الديون. وبلغ به الحال إلى أن اغتيل فى شهادة على امرأة بتعريف بعض الحاضرين، وأنكرت المرأة المشهود عليها ذلك الإشهاد. وكان ذلك سببا لعزله عن الشهادة، فهو عدل فى روايته، ضعيف فى شهادته. وتوفى ﵀ يوم الجمعة يوم عيد الأضحى سنة ثمانين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد عند آبائه. وأبوه القاضى أبو الفرج على ابن القاضى أبى خازم. حدث بإجازته من العاصمى، وأبى الفضل بن خيرون، وابن الطيورى، وغيرهم وسمع منه ابنه هذا، وأبو العباس القطيعى الفقيه، والحسين بن مهجل وغيرهم، وتوفى فى ليلة الأحد ثانى عشر رمضان سنة ست وأربعين وخمسمائة. ووهم ابن السمعانى فى نسبته، فقال: هو على بن عبيد الله بن محمد بن الحسين وذكره فى موضع آخر على الصواب، وقال: سمع الحسين بن طلحة، فمن دونه. كتبت عنه أحاديث. وعمه القاضى أبو محمد عبد الرحيم ابن القاضى أبى خازم. سمع من القاضى أبيه، وعمه أبى الحسين، وأبى الحصين، وأبى العز بن كادش، وأسعد بن صاعد النيسابورى، وغيرهم، وحدث. كتب عنه ابن القطيعى، وقال: سألته عن مولده؟ فقال: سنة تسع وخمسمائة وتوفى ليلة الجمعة عشرين ذى الحجة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. ودفن عند آبائه، وله عدة أولاد سمعوا الحديث أيضا. ١٧٢ - عبد الرحمن بن جامع بن غنيمة بن البناء البغدادى، الأزجى الميدانى، الفقيه الزاهد أبو الغنائم. ويسمى أيضا غنيمة. ولد سنه خمسمائة تقريبا. وسمع الحديث من ابن أبى طالب اليوسفى، وابن الحصين، سمع عليه المسند كله، والقاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وأبى السعادات المتوكلى، والحسين بن

стр. 349

عبد الملك الخلال وغيرهم. وتفقه على أبى بكر الدينورى. وقرأ الخلاف على أسعد الميهنى وغيره. وبرع وأفتى وناظر ودرس بمسجده. وكان عارفا بالمذهب صالحا تقيا قال ابن الدبيثى: كان شيخا صالحا، فقيها مناظرا على مذهب الإمام أحمد وقال ابن النجار: كان فقيها فاضلا، ورعا زاهدا، مليح المناظرة، حسن المعرفة بالمذهب والخلاف. وقال الشيخ موفق الدين عنه: كان فقيها من أصحابنا، وتولى مدرسة ابن بكروس بعد موته. ومضينا إليه مع الشيخ أبى الفتح - يعنى ابن المنى - على عادة فقهاء بغداد، وتكلمت يومئذ فى مسألة قتل المسلم بالذمى. وكان يسكن بالميدان من باب الأزج: ولذلك قيل فى نسبه، الميدانى: سمع منه عمر بن على القرشى، وابن الدبيثى، وابن القطيعى. وحدث عنه الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن المقدسيان، والموفق بن صديق، وعمر بن شخانه الحرانيان، وابن الأخضر، وأحمد بن البندنيجى، وابن الغزال الواعظ. وأجاز للخليفة الناصر. وتوفى ليلة الاثنين ثامن شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. ١٧٣ - على بن عكبر بن عبد الله، أبو الحسين الضرير المقرئ الأزجى الفقيه قرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير من ابن ناصر، وابن البطى، وغيرهما. وتفقه على أبى حكيم النهروانى. وقرأ عليه القرآن جماعة، وكان يحفظ طرفا من المذهب. وكان من أهل الدين والصلاح. ذكره ابن النجار عن أبى العباس بن الفراء، وأنه قال: توفى ليلة الأربعاء عاشر شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. ودفن بباب حرب إلى جانب شيخه أبى حكيم. رحمهما الله تعالى. ١٧٤ - عبد المغيث بن زهير بن علوى الحربى، المحدث الزاهد، أبو العز ابن أبى حرب. ولد سنة خمسمائة تقريبا.

стр. 350

وسمع من أبى القاسم بن الحصين، وأبى العز بن كادش، وأبى غالب وأبى عبد الله بن أبى على بن البناء، وأبى الحسين بن الفراء، والمزرفى، والقاضى أبى بكر الأنصارى، وهبة الله الجريرى، وأبى القاسم السمرقندى، وأبى منصور القزاز، وعبد الوهاب الأنماطى، وزاهر الشحامى، وخلق كثير، وعنى بهذا الشأن وقرأ بنفسه على المشايخ، وكتب بخطه، وحصل الأصول، ولم يزل يسمع حتى سمع من أقرانه. وتفقه على القاضى أبى الحسين بن الفراء وكان صالحا متدينا، صدوقا أمينا، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق مجتهدا فى اتباع السنة والآثار، منظورا إليه بعين الديانة والأمانة. وجمع وصنف وحدث، ولم يزل يفيد الناس إلى حين وفاته، وبورك له حتى حدث بجميع مروياته وسمع منه الكبار. قال الدبيثي: عنى بطلب الحديث وسماعه، وجمعه من مظانه. فسمع الكثير وقرأ عليه الشيوخ. وكتب وحصل الأصول، وخرج وصنف. وكان ثقة صالحا. صاحب طريقة حميدة. وحدث بالكثير وأفاد الطلبة. سمعنا منه، وكتبنا عنه. ونعم الشيخ كان. وروى عنه ابن السمعانى فى كتابه شعرا، وقال عنه: رفيقنا. وروى عنه الشيخ موفق الدين، والحافظ عبد الغنى، والبهاء عبد الرحمن المقدسيون. وقدم دمشق، وحدث بها سنة ثمان وثلاثين. قرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى: سمعت من عبد المغيث طبقات أصحاب الإمام أحمد لأبى الحسين ابن القاضى بسماعه منه، بقراءة طلحة العلثى ببغداد. وكان - يعنى عبد المغيث - حافظا زاهدا ورعا. كنت إذا رأيته خيّل إلىّ أنه أحمد ابن حنبل، غير أنه كان قصيرا. وقال الحافظ المنذرى عنه: اجتهد فى طلب الحديث، وجمعه، وصنف وأفاد،

стр. 351

وحدث بالكثير. حدثنا عنه الفقيه أبو عبد الله حمد بن صديق بحران. وقال ابن القطيعى: كان أحد المحدثين مع صلابته فى الدين، واشتهاره بالسنة، وقراءة القرآن. وجرت بينه وبين صاحب المنتظم - يعنى: أبا الفرج بن الجوزى - نفرة كان سببها الطعن على يزيد بن معاوية. وكان عبد المغيث يمنع من سبه. وصنف فى ذلك كتابا، وأسمعه. وصنف الآخر كتابا سماه «الرد على المتعصب العنيد، المانع من ذم يزيد» وقرأته عليه. ومات عبد المغيث وهما متهاجران. قلت: هذه المسألة وقع بين عبد المغيث وابن الجوزى بسببها فتنة، ويقال: إن عبد المغيث تتبع أبا الحسن بن البناء، فقيل: إنه صنف فى منع ذم يزيد ولعنه، وابن الجوزى صنف فى جواز ذلك. وحكى فيه: أن القاضى أبا الحسن صنف كتابا فيمن يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد، وذكر كلام أحمد فى ذلك. وكلام أحمد إنما فيه لعن الظالمين جملة، ليس فيه تصريح بجواز لعن يزيد معينا. وقد ذكر القاضى فى المعتمد: نصوص الإمام أحمد فى هذه المسألة، وأشار إلى أن فيها خلافا عنه. وقرأت بخط يحيى بن الصيرفى الفقيه الحرانى، قال: حكى لى: أنه كان يوما فى زيارة قبر الإمام أحمد - يعنى الشيخ عبد المغيث - وأن الخليفة الناصر، وافاه فى ذلك اليوم عند قبر الإمام أحمد، فقال له: أنت عبد المغيث الذى صنف مناقب يزيد؟ فقال: معاذ الله أن أقول: إن له مناقب، ولكن من مذهبى: أن الذى هو خليفة المسلمين إذا طرأ عليه فسق لا يوجب خلعه. فقال: أحسنت يا حنبلى، واستحسن منه هذا الكلام، وأعجبه غاية الإعجاب. قال ابن الصيرفى: ولقد حكى لى شيخنا محب الدين أبو البقاء: أن الشيخ جمال الدين بن الجوزى كان يقول: إنّي لأرجو من الله سبحانه أن أجتمع أنا وعبد المغيث فى الجنة. قال: وهذا يدل على أنه كان يعلم أن الشيخ عبد المغيث من عباد الله الصالحين، فرحمة الله عليهما.

стр. 352

قلت: ووقع أيضا تنازع بين عبد المغيث، وابن الجوزى فى صلاة النبى ﷺ خلف أبى بكر الصديق رضى الله عنه. فصنف عبد المغيث تصنيفين فى إثبات ذلك، تبعا لأبى على البردانى. ورد عليه ابن الجوزى فى كتاب سماه «آفة أصحاب الحديث، والرد على عبد المغيث». وكان عبد المغيث قد حفر لنفسه قبرا خلف هدف الإمام أحمد الذى هو مدفون فيه. فقال ابن الجوزى: لا يجوز ذلك؛ لأنها بقعة مسبلة، فلا يجوز تحجيرها، ولأن تلك البقعة لا تخلو من دفين، وقد قال النبى ﷺ : «كسر عظم الميت ككسره حيا». فقال عبد المغيث: حفرت فلم أجد عظما. فقال ابن الجوزى: تلك بليت، وبقى رضاضها المحترم، ولا يجوز نبشها. قال: ولأنك إذا وضعت فى هذا القبر تكون رجلاك عند رأس أحمد؛ إذ ليس بينهما إلا الهدف، وهذا سوء أدب. أما علمت أن المروذى قال: ادفنونى بين يديه، كما كنت أجلس بين يديه؟. قال: فلم يلتفت إلى ما قلت، ومر مع هواه. قلت: إذا بلى الميت، فلم يبق له عظم ولا أثر، فظاهر المذهب: جواز نبش قبره والدفن فيه، خلاف ما قاله ابن الجوزى. وصنف عبد المغيث: «الانتصار لمسند الإمام أحمد» أظنه ذكر فيه: أن أحاديث المسند كلها صحيحة. وقد صنف فى ذلك قبله أبو موسى. وبذلك أفتى أبو العلاء الهمدانى، وخالفهم الشيخ أبو الفرج بن الجوزى. وللشيخ عبد المغيث مصنف فى حياة الخضر فى خمسة أجزاء. وله كتاب «الدليل الواضح فى النهى عن ارتكاب الهوى الفاضح» يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو. وذكر فيه: تحريم الدّفّ بكل حال، فى العرس وغيره.

стр. 353

وأجاب عن حديث «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» بأن معناه: أعلنوه إعلانا يبلغ ما يبلغ صوت الدف لو ضرب به؛ لتمحو سنة الجاهلية من نكاح البغايا المستتر به. وأجاب عن حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان فى بيت عائشة، بأنهما لم يكونا مكلفتين لصغرهما. قال: وقد أقر النبى ﷺ أبا بكر على تسميته «مزمار الشيطان» وربما أشار إلى أنه منسوخ. وهذا مذهب ضعيف. وللشيخ عبد المغيث قصيدة فى السنة رواها عنه ابن الدبيثى، يقول فيها: أفق أخا اللب من سكر الحياة فقد … آن الرحيل وداعى الموت قد حضرا هل أنت إلا كآحاد الذين مضوا … بحسرة الفوت لما استيقن الخبرا وأنت تحرص فيما أنت تاركه … إن كنت تعقل يوما حقق النظرا أيام عمرك كنز لا شبيه له … وأنت تشرى الحصباء والمدرا توفى ﵀ ليلة الأحد ثالث عشر محرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وصلّى عليه الخلق الكثير من الغد بالحربية. ودفن بدكة قبر الإمام أحمد مع الشيوخ الكبار. رحمهم الله تعالى. وذكر ابن النجار فى ترجمة داود بن أحمد الضرير الظاهرى: أنه سمعه يقول: سمعت يعقوب بن يوسف الحربى يقول: رأيت عبد المغيث بن زهير الحربى فى المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: العلم يحيى أناسا فى قبورهم … والجهل يلحق أحياء بأموات ١٧٥ - نصر بن فتيان بن مطر النهروانى، ثم البغدادى، أبو الفتح الفقيه الزاهد، المعروف بابن المنّى، ناصح الإسلام، وأحد الأعلام، وفقيه العراق على الإطلاق.

стр. 354

قال ابن القطيعى: ورأيت فى أكثر مسموعاته: يكتب له أبو الفتح عبد الله بن هبة الله، المعروف بفتيان بن مطر. قال: وسألته عن مولده؟ فقال: سنة إحدى وخمسمائة. وهذا أصح مما قاله المنذرى: أنه ولد - ظنا - قبل سنة خمسمائة. وسمع الحديث من أبى بكر بن الدنف سنة إحدى عشرة، ومن القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وعبد الوهاب الأنماطى، وأبى الحسن بن الزاغوانى، وأبى منصور القزاز، وأبى القاسم بن الحصين، وأبى نصر اليونارتى، وأبى غالب ابن البناء، وأبى عبد الله البارع، والحسين بن عبد الملك الخلال، والأرموى، وابن ناصر، وأبى الوقت، وغيرهم. وتفقه على أبى بكر الدينورى، ولازمه حتى برع فى الفقه، وتقدم على أصحابه، وأعاد له الدرس. وصرف همته طول عمره إلى الفقه، أصولا وفروعا، مذهبا وخلافا، واشتغالا وإشغالا، ومناظرة. وتصدر للتدريس والاشتغال والإفادة، وطال عمره، وبعد صيته، وقصده الطلبة من البلاد، وشدت إليه الرحال فى طلب الفقه، وتخرج به أئمة كثيرون. قرأت بخط الإمام ناصح الدين بن الحنبلى وقد ذكر شيخه بن المنى، فقال: رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورا، فأنخت راحلتى بربعه، وحططت زاملة بغيتى على شرعه، فوجدت الفضل الغزير، والدين القويم المنير، والفخر المستطيل المستطير، والعالم الخبير، فتلقانى بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح. فتح الله عليه. حفظ القرآن العظيم وهو فى حداثة من سنه. ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح منه على كل فن بفضل الله ومنّه. قال لى المهذب بن قيداس: كنا نسمى شيخك شيخ صبى - يعنى فى صباه -

стр. 355

لعقله ووقاره، وتركه اللعب. ثم قال: لم ينقل عنه: أنه لعب ولا لها، ولا طرق باب طرب، ولا مشى إلى لذة ومشتهى. حدثنى شيخنا الإمام ناصح الإسلام بن المنّى قال: حصل لى من ميراث والدى عشرون دينارا، فاشتريت بها شيئا وبعته فأربحت، فخفت أن تحلو لى التجارة فأشتغل بها، فنويت الحج فحججت، وتجردت للعلم، فسمعت درس الشيخ أبى بكر الدينورى صاحب الشيخ أبى الخطاب الكلوذانى، قال: فتفقه به، ومال الفقهاء من أصحاب شيخه إلى الاشتغال عليه. ودرس بعد موت شيخه قال لى: تقدمت فى زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدم مداسهم. وقال لى ﵀: ما أذكر أحدا قرأ علىّ القرآن إلا حفظه، ولا سمع درسى الفقه إلا انتفع. ثم قال: هذا حظى من الدنيا. قال ابن الحنبلى: أفتى ودرس نحوا من سبعين سنة، ما تزوّج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسا، ولا ملك مملوكا، ولا لبس الثياب الفاخر إلا لباس التقوى. وكان أكثر طعامه يشرب له فى قدح ماء الباقلاّ. وكان إذا فتح عليه بشئ فرقه بين أصحابه. وكان لا يتكلم فى الأصول. ويكره من يتكلم فيه، سليم الاعتقاد، صحيح الانتقاد فى الأدلة الفروعية. وكنا نزور معه فى بعض السنين قبر الإمام أحمد. وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين بن الجوزى وقد رآه يقول له: أنت شيخنا. وأضرّ بعد الأربعين سنة، وثقل سمعه. وكان تعليقه الخلاف على ذهنه، وفقهاء الحنابلة اليوم فى سائر البلاد يرجعون إليه، وإلى أصحابه. قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك. فإن أهل زماننا إنما يرجعون فى الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسى، ومجد الدين ابن تيمية الحرانى. فأما الشيخ موفق الدين: فهو تلميذ ابن المنى. وعنه أخذ الفقه.
следующие страницы →