Полный текст (893 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وحدث بالكثير. حدثنا عنه الفقيه أبو عبد الله حمد بن صديق بحران.
وقال ابن القطيعى: كان أحد المحدثين مع صلابته فى الدين، واشتهاره بالسنة، وقراءة القرآن. وجرت بينه وبين صاحب المنتظم - يعنى: أبا الفرج بن الجوزى - نفرة كان سببها الطعن على يزيد بن معاوية. وكان عبد المغيث يمنع من سبه. وصنف فى ذلك كتابا، وأسمعه. وصنف الآخر كتابا سماه «الرد على المتعصب العنيد، المانع من ذم يزيد» وقرأته عليه. ومات عبد المغيث وهما متهاجران.
قلت: هذه المسألة وقع بين عبد المغيث وابن الجوزى بسببها فتنة، ويقال: إن عبد المغيث تتبع أبا الحسن بن البناء، فقيل: إنه صنف فى منع ذم يزيد ولعنه، وابن الجوزى صنف فى جواز ذلك. وحكى فيه: أن القاضى أبا الحسن صنف كتابا فيمن يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد، وذكر كلام أحمد فى ذلك.
وكلام أحمد إنما فيه لعن الظالمين جملة، ليس فيه تصريح بجواز لعن يزيد معينا.
وقد ذكر القاضى فى المعتمد: نصوص الإمام أحمد فى هذه المسألة، وأشار إلى أن فيها خلافا عنه.
وقرأت بخط يحيى بن الصيرفى الفقيه الحرانى، قال: حكى لى: أنه كان يوما فى زيارة قبر الإمام أحمد - يعنى الشيخ عبد المغيث - وأن الخليفة الناصر، وافاه فى ذلك اليوم عند قبر الإمام أحمد، فقال له: أنت عبد المغيث الذى صنف مناقب يزيد؟ فقال: معاذ الله أن أقول: إن له مناقب، ولكن من مذهبى: أن الذى هو خليفة المسلمين إذا طرأ عليه فسق لا يوجب خلعه. فقال: أحسنت يا حنبلى، واستحسن منه هذا الكلام، وأعجبه غاية الإعجاب.
قال ابن الصيرفى: ولقد حكى لى شيخنا محب الدين أبو البقاء: أن الشيخ جمال الدين بن الجوزى كان يقول: إنّي لأرجو من الله سبحانه أن أجتمع أنا وعبد المغيث فى الجنة. قال: وهذا يدل على أنه كان يعلم أن الشيخ عبد المغيث من عباد الله الصالحين، فرحمة الله عليهما.
стр. 352
قلت: ووقع أيضا تنازع بين عبد المغيث، وابن الجوزى فى صلاة النبى ﷺ خلف أبى بكر الصديق رضى الله عنه. فصنف عبد المغيث تصنيفين فى إثبات ذلك، تبعا لأبى على البردانى.
ورد عليه ابن الجوزى فى كتاب سماه «آفة أصحاب الحديث، والرد على عبد المغيث». وكان عبد المغيث قد حفر لنفسه قبرا خلف هدف الإمام أحمد الذى هو مدفون فيه.
فقال ابن الجوزى: لا يجوز ذلك؛ لأنها بقعة مسبلة، فلا يجوز تحجيرها، ولأن تلك البقعة لا تخلو من دفين، وقد قال النبى ﷺ : «كسر عظم الميت ككسره حيا».
فقال عبد المغيث: حفرت فلم أجد عظما.
فقال ابن الجوزى: تلك بليت، وبقى رضاضها المحترم، ولا يجوز نبشها.
قال: ولأنك إذا وضعت فى هذا القبر تكون رجلاك عند رأس أحمد؛ إذ ليس بينهما إلا الهدف، وهذا سوء أدب. أما علمت أن المروذى قال: ادفنونى بين يديه، كما كنت أجلس بين يديه؟.
قال: فلم يلتفت إلى ما قلت، ومر مع هواه.
قلت: إذا بلى الميت، فلم يبق له عظم ولا أثر، فظاهر المذهب: جواز نبش قبره والدفن فيه، خلاف ما قاله ابن الجوزى.
وصنف عبد المغيث: «الانتصار لمسند الإمام أحمد» أظنه ذكر فيه: أن أحاديث المسند كلها صحيحة. وقد صنف فى ذلك قبله أبو موسى. وبذلك أفتى أبو العلاء الهمدانى، وخالفهم الشيخ أبو الفرج بن الجوزى.
وللشيخ عبد المغيث مصنف فى حياة الخضر فى خمسة أجزاء. وله كتاب «الدليل الواضح فى النهى عن ارتكاب الهوى الفاضح» يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو. وذكر فيه: تحريم الدّفّ بكل حال، فى العرس وغيره.
стр. 353
وأجاب عن حديث «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» بأن معناه:
أعلنوه إعلانا يبلغ ما يبلغ صوت الدف لو ضرب به؛ لتمحو سنة الجاهلية من نكاح البغايا المستتر به.
وأجاب عن حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان فى بيت عائشة، بأنهما لم يكونا مكلفتين لصغرهما.
قال: وقد أقر النبى ﷺ أبا بكر على تسميته «مزمار الشيطان» وربما أشار إلى أنه منسوخ. وهذا مذهب ضعيف.
وللشيخ عبد المغيث قصيدة فى السنة رواها عنه ابن الدبيثى، يقول فيها:
أفق أخا اللب من سكر الحياة فقد … آن الرحيل وداعى الموت قد حضرا
هل أنت إلا كآحاد الذين مضوا … بحسرة الفوت لما استيقن الخبرا
وأنت تحرص فيما أنت تاركه … إن كنت تعقل يوما حقق النظرا
أيام عمرك كنز لا شبيه له … وأنت تشرى الحصباء والمدرا
توفى ﵀ ليلة الأحد ثالث عشر محرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وصلّى عليه الخلق الكثير من الغد بالحربية. ودفن بدكة قبر الإمام أحمد مع الشيوخ الكبار. رحمهم الله تعالى.
وذكر ابن النجار فى ترجمة داود بن أحمد الضرير الظاهرى: أنه سمعه يقول:
سمعت يعقوب بن يوسف الحربى يقول: رأيت عبد المغيث بن زهير الحربى فى المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال:
العلم يحيى أناسا فى قبورهم … والجهل يلحق أحياء بأموات
١٧٥ - نصر بن فتيان
بن مطر النهروانى، ثم البغدادى، أبو الفتح الفقيه الزاهد، المعروف بابن المنّى، ناصح الإسلام، وأحد الأعلام، وفقيه العراق على الإطلاق.
стр. 354
قال ابن القطيعى: ورأيت فى أكثر مسموعاته: يكتب له أبو الفتح عبد الله بن هبة الله، المعروف بفتيان بن مطر.
قال: وسألته عن مولده؟ فقال: سنة إحدى وخمسمائة. وهذا أصح مما قاله المنذرى: أنه ولد - ظنا - قبل سنة خمسمائة.
وسمع الحديث من أبى بكر بن الدنف سنة إحدى عشرة، ومن القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وعبد الوهاب الأنماطى، وأبى الحسن بن الزاغوانى، وأبى منصور القزاز، وأبى القاسم بن الحصين، وأبى نصر اليونارتى، وأبى غالب ابن البناء، وأبى عبد الله البارع، والحسين بن عبد الملك الخلال، والأرموى، وابن ناصر، وأبى الوقت، وغيرهم.
وتفقه على أبى بكر الدينورى، ولازمه حتى برع فى الفقه، وتقدم على أصحابه، وأعاد له الدرس. وصرف همته طول عمره إلى الفقه، أصولا وفروعا، مذهبا وخلافا، واشتغالا وإشغالا، ومناظرة. وتصدر للتدريس والاشتغال والإفادة، وطال عمره، وبعد صيته، وقصده الطلبة من البلاد، وشدت إليه الرحال فى طلب الفقه، وتخرج به أئمة كثيرون.
قرأت بخط الإمام ناصح الدين بن الحنبلى وقد ذكر شيخه بن المنى، فقال:
رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورا، فأنخت راحلتى بربعه، وحططت زاملة بغيتى على شرعه، فوجدت الفضل الغزير، والدين القويم المنير، والفخر المستطيل المستطير، والعالم الخبير، فتلقانى بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح. فتح الله عليه. حفظ القرآن العظيم وهو فى حداثة من سنه. ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح منه على كل فن بفضل الله ومنّه.
قال لى المهذب بن قيداس: كنا نسمى شيخك شيخ صبى - يعنى فى صباه -
стр. 355
لعقله ووقاره، وتركه اللعب. ثم قال: لم ينقل عنه: أنه لعب ولا لها، ولا طرق باب طرب، ولا مشى إلى لذة ومشتهى.
حدثنى شيخنا الإمام ناصح الإسلام بن المنّى قال: حصل لى من ميراث والدى عشرون دينارا، فاشتريت بها شيئا وبعته فأربحت، فخفت أن تحلو لى التجارة فأشتغل بها، فنويت الحج فحججت، وتجردت للعلم، فسمعت درس الشيخ أبى بكر الدينورى صاحب الشيخ أبى الخطاب الكلوذانى، قال: فتفقه به، ومال الفقهاء من أصحاب شيخه إلى الاشتغال عليه. ودرس بعد موت شيخه
قال لى: تقدمت فى زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدم مداسهم. وقال لى ﵀: ما أذكر أحدا قرأ علىّ القرآن إلا حفظه، ولا سمع درسى الفقه إلا انتفع. ثم قال: هذا حظى من الدنيا.
قال ابن الحنبلى: أفتى ودرس نحوا من سبعين سنة، ما تزوّج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسا، ولا ملك مملوكا، ولا لبس الثياب الفاخر إلا لباس التقوى. وكان أكثر طعامه يشرب له فى قدح ماء الباقلاّ. وكان إذا فتح عليه بشئ فرقه بين أصحابه. وكان لا يتكلم فى الأصول. ويكره من يتكلم فيه، سليم الاعتقاد، صحيح الانتقاد فى الأدلة الفروعية. وكنا نزور معه فى بعض السنين قبر الإمام أحمد.
وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين بن الجوزى وقد رآه يقول له: أنت شيخنا.
وأضرّ بعد الأربعين سنة، وثقل سمعه. وكان تعليقه الخلاف على ذهنه، وفقهاء الحنابلة اليوم فى سائر البلاد يرجعون إليه، وإلى أصحابه.
قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك. فإن أهل زماننا إنما يرجعون فى الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسى، ومجد الدين ابن تيمية الحرانى.
فأما الشيخ موفق الدين: فهو تلميذ ابن المنى. وعنه أخذ الفقه.
стр. 356
وأما ابن تيمية: فهو تلميذ تلميذه أبى بكر محمد بن الحلاوى. وقد جمع بعض فضلاء أصحابه له سيرة طويلة. وهو أبو محمد عبد الرحمن بن عيسى البزورى الواعظ. وقفت على بعضها مما ذكره فيها.
قال: وكان ﵀ كثير الذكر والتلاوة للقرآن لا سيما فى الليل، مكرما للصالحين، محبّا لهم، ليس فيه تيه الفقهاء، ولا عجب العلماء. إن مرض أحد من تلامذته ومعارفه عاده، أو كانت لهم جنازة شيعها ماشيا غير راكب، على كبر السن، وضعف البنية. زاهدا فى الدنيا، يقنع منها بالبلغة، وإذا جاءه فتوح أو جائزة من بيت المال وزعها بين أصحابه، وإن ناله منها شئ أعاده عليهم فى غضون الأيام.
قال: ولقد حدثنى من أثق به من أصحابنا: أنه جاءته صلة من بعض الصدور نحو أربعين دينارا، ففرقها فى يومه بين أهله وأصحابه، وما أخذ منها شيئا. فلما كان آخر النهار قال لى: يا فلان، لو كنا عزلنا من ذاك الذهب قيراطين للحمام؟ وكان قوته كل يوم قرصين، وربما لم يغنهما.
وقال لى بعض أصحابه: إنه يستفضل منهما بعض الأيام ما يدفعه إلى السقا.
وكان معظم إدامه: أن يشترى له برنيف ماء الباقلاّ. وما رأيته جعل عليه دهنا قط، راضيا بذلك مع قدرته.
وكان يخدم نفسه بنفسه، لا يثقل على أحد من أصحابه، ولا يكلفهم شيئا.
اللهم إلا أن يعتمد على يد أحدهم فى الطريق. ولقد كنا عنده يوما جماعة من أصحابه، فأوذن بالصلاة، فنهض بنفسه فاستقى الماء للتطهير، وما ترك أحدا منا ينوبه فى ذلك، ولقد قدمت له نعله يوما، فشق عليه، وجعل يقول: إيش هذا؟ إيش هذا؟ مثلك لا نسامحه فى هذا.
وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسى؟ فقال: شيخنا أبو الفتح كان رجلا صالحا، حسن النية والتعليم. وكانت له بركة فى التعليم. قلّ من قرأ عليه
стр. 357
إلا انتفع، وخرج من أصحابه فقهاء كثيرون، منهم من ساد. وكان يقنع بالقليل، وربما يكتفى ببعض قرصة، ولم يتزوج. وقرأت عليه القرآن. وكان يحبنا ويجبر قلوبنا، ويظهر منه البشر إذا سمع كلامنا فى المسائل. ولما انقطع الحافظ عبد الغنى عن الدرس لاشتغاله بالحديث، جاء إلينا، وظن أن الحافظ انقطع لضيق صدره.
وذكر ابن الجوزى فى المنتظم: أن المستضئ فى أول خلافته جعل للشيخ أبى الفتح حلقة بالجامع، ثم بعد مدة أمر ببناء دكة له فى جامع القصر، وجلس فيها للمناظرة سنة أربع وسبعين. وله تعليقة فى الخلاف كبيرة معروفة.
وقرأ عليه الفقه خلق كثير. قد ذكر أعيانهم ابن البزورى فى سيرته على حروف المعجم.
فمن أكابرهم وأعلامهم من الشاميين: الشيخ موفق الدين المقدسى، ورحل إليه إلى بغداد، والحافظ عبد الغنى، وأخوه الشيخ العماد، والبهاء عبد الرحمن، والشهاب بن راجح، وناصح الدين بن الحنبلى.
ومن أكابر البغداديين: أبو بكر بن الحلاوى، والفخر إسماعيل، وقاضى القضاة أبو صالح نصر بن عبد الرزاق، وأبو محمد عبد المنعم بن أبى نصر الباجسرائى، وابن أخيه أبو عبد الله محمد بن مقبل بن المنىّ.
ومن الحرانيين: الشيخ فخر الدين ابن تيمية، والموفق بن صديق، ونجم الدين ابن الصيقل.
وممن قرأ عليه: السيف الآمدى الأصولى، ثم تحول شافعيا. وحدث، وسمع منه جماعة.
وروى عنه الشيخ موفق الدين، وبهاء الدين عبد الرحمن المقدسيان، وابن القطيعى فى تاريخه.
قال جامع سيرته: دخلت عليه يوم الأحد خامس ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين، فقال لى: رأيت فى المنام منذ أيام كأن حلقة كبيرة فى وسط الرحبة، وفيها أولاد المحتشمين. وكان فى وسطها رجل يقول:
стр. 358
واعلموا أن النوى قد كدرت … صفو الليالى، فاحذروا أن تندموا
قال: فالتفت إلى بعض أصحاب الشيخ، وقلت له: هذا المنام كأنه ينعى إلى الشيخ نفسه، فعاش الشيخ بعد ذلك تمام ثلاثة - أو أربعة - أشهر كما هو ظاهر.
قال: وابتدأ به المرض بعد نصف شعبان. وكان مرضه الإسهال. وذلك من تمام السعادة؛ لأن مرض البطن شهادة. ولما ازداد مرضه أقبل الناس إلى عيادته من الأكابر والعلماء، والتلامذة والأصحاب.
فحدثنى صاحبه أبو محمد إسماعيل بن على الفقيه، وهو الذى تولى تمريضه قال: قال لى الشيخ يوم الخميس ثانى رمضان: أى فخر، آخر تعبك معى يوم الأحد؟ قال: وهكذا كان. فإنه توفى يوم السبت رابع شهر رمضان، ودفناه يوم الأحد - يعنى خامس رمضان - سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
قال: ونودى فى الناس بموته، فانثال من الخلائق والأمم عدد يفوت الإحصاء. فازدحم الناس، وخيف من الفتن، فنفذ الولاة الأجناد والأتراك بالسلاح، وفتح له جامع القصر، وازدحم الناس ازدحاما هائلا، وحمله أصحابه وغلمانه.
وحكى لى بعضهم: أنهم فى حال حمل سريره لم يبق فى رجل أحد منهم مداس إلا وشد؛ لفرط الزحام. فلما فرغوا من دفنه أعيدت إليهم لم يفقدوا منها شيئا. وقدم الشيخ الصالح سعد بن عثمان بن مرزوق المصرى إماما فى الصلاة عليه، بعد ما اجتهد المماليك والأتراك والأجناد فى إيصاله إلى عند نعشه. وكان الناس قد ازدحموا على الشيخ سعد أيضا يتبركون به، حتى خيف عليه الهلاك. وكانت جنازته قد قدمت إلى عند المنبر والشباك.
وحدثنى أبو عبد الله محمد بن طنطاش البزار قال: لما وصل الشيخ سعد إلى جنازة الشيخ أمسك عن التكبير، وأطال الوقوف حتى سكن الناس وسكتوا، وهدأت الأصوات، بحيث لم يسمع سوى التكبير، ثم كبر فأعجب الناس ما فعل
стр. 359
فلما صلّى عليه عاد الزحام والخصام والاحتشاد فى أبواب الجامع، على وجه ما شوهد مثله إلا ما شاء الله.
وذكروا: أنه كان أوصى أن يدفن فى دار بعض أهله جنب مسجده، فحمل إلى الموضع، ودفن فيه، وفتح موضع فى المسجد إلى قبره لزيارة الناس.
وقال ابن القطيعى: حضر جنازته قاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانى، ودفن بداره الملاصقة لمسجده، ثم قطع موضع قبره من الدار، وأدخل إلى مسجده بالمأمونية رأس درب السيدة. رحمه الله تعالى.
وذكر جامع سيرته، قال: حدثنى الحافظ أبو بكر محمد بن عثمان الحازمى، وكتبه لى بخطه، قال: رأيت الشيخ الإمام الفقيه أبا الفتح بن المنى فى المنام بعد موته، وكأنه فى موضع كبير واسع، وهو فرحان مسرور، وعليه ثياب بيض شديدة البياض، وعلى رأسه طرحة، فجعلت أسلم عليه وأكلمه. وكان بيننا ثمّ ستر كبير.
وكلام هذا معناه لم أحفظه.
قال صاحب سيرته: ورأيته أنا فى المنام، فسلمت عليه، فالتفت إلىّ كالمعتب وكأنه يقول لى: استبشر بقدومى. وما زالوا من صلاة المغرب يضربون بالصّوالى.
ولو رأيت الجمع الذى كان. وكلاما آخر لم أفهمه. رضى الله عنه.
قال: ورثاه رفيقنا النجم عبد المنعم بن على بن الصقال الحرانى، أحد أصحابه، وأملاه علىّ من لفظه:
إلام يشجيك ذكر الربع والطلل … ويستخف بهاك الفنج فى المقل
فإن دعاك دَدِدٌ لبيت دعوته … مدلها غير منقاد إلى العذل
ذر الهوى فعطاياه معاطبه … وجوده بالمنى شر من البخل
ولا تصخ لقريض بعدها أبدا … وإن توحد فى مدح وفى غزل
ما لم ترث قوافيه التى جمعت … صفاته الغربين: العلم والعمل
ومن غدا ناصر الإسلام يحرسه … بهمة لم يقصر عن سما زحل
стр. 360
وطال ما خدم الرحمن معتكفا … على العبادة لا ينصاغ للكسل
إن روق الليل جافى الحبر مضجعه … يتلو بدمع غزير واكف هطل
أو أتحف الجو أنوار الضيا ابن … ذكا غدا لتدريس علم واسع جلل
وإن بدا مشكل فى الشرع متعلق … أتى به ظاهرا حقا على عجل
واها لما حاز من علم وكم قدمت … إلى خصائصه مهما من رجل
فيشهد الفضل مبذولا لطالبه … ويدرك الفضل فى أحلى من العسل
فما انثنى عمره المحروس عن زلل … واعتناقه الخير عن قول وعن عمل
حتى أفاد صحابا كلهم بطل … يوم الجدال عريق الأصل فى الجدل
إن تأته تلق ليثا فى عرينته … ذا همة غير نزاع إلى الفشل
يريك قس أياد من فصاحته … ويحسن القول فى الأحكام والعلل
يفرقون جموع الخصم فى دعة … تفريق شمل جموع الكفر سيف علي
أخبرنا أحمد بن عبد الكريم البعلى، حدثنا عبد الخالق بن علوان، حدثنا أبو محمد بن قدامة قال: قرأت على شيخنا أبى الفتح نصر بن فتيان، أخبركم الإمام أبو الحسن بن الزاغونى، أخبرنا أبو القاسم بن البسرى، أنبأنا الإمام أبو عبد الله ابن بطة، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا موسى بن عبد الرحمن ابن العلاء، حدثنا عطاء بن مسلم عن سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن أبى مريم، قال: «رأيت على علىّ بن أبى طالب بردا خلقا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لى إليك حاجة. قال: وما هى؟ قلت: تطرح هذا البرد وتلبس غيره، فقعد وطرح البرد على وجهه، وجعل يبكى، فقلت: لو علمت أن قولى يبلغ هذا منك ما قلته. فقال: إن هذا البرد كسانيه خليلى. قلت: ومن خليلك؟ قال: عمر بن الخطاب رضى الله عنه. إن عمر ناصح الله تعالى فنصحه»
اجتمع فى هذا الإسناد خمسة من أئمة الحنابلة: أبو بكر بن أبى داود، وابن بطة، وابن الزاغونى، وابن المنى، والشيخ موفق الدين. رضى الله عنهم أجمعين.
стр. 361
١٧٦ - على بن محمد
بن على بن الزيتونى، الفقيه أبو الحسن البغدادى.
المعروف بالبراندسى. و «براندس» قرية من قرى بغداد.
قال ابن القطيعى: سألته عن مولده؟ فقال: ما أعلم، ولكننى ختمت القرآن سنة ثمان وخمسمائة.
قال: وسمع من ابن الحصين. وذكر عبد المغيث: أنه سمع جميع مسند الإمام أحمد منه، وسمع من القاضى أبى الحسين بن الفراء وغيرهما. وتفقه وناظر، وأفتى ودرس.
قلت: ولما بنى الوزير ابن هبيرة مدرسته بباب البصرة ولاّه تدريسها، فكان يدرس بها. وحدث، وسمع منه غير واحد.
قال ابن القطيعى: كتبت عنه. وكان قليل الرواية، ثقة صالحا.
قال: وسمعته يقول: استيقظت من منامى وأنا أنشد هذين البيتين، ولا أعلم قد قيلا قبلى، أو أنشدتهما لنفسى، إلا أنى لم أسمعهما من أحد، وهما هذان:
ليت السباع لنا كانت مجاورة … وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا
إن السباع لتهدى فى مواطنها … والناس ليس بهاد شرهم أبدا
قال ابن القطيعى: وهذان البيتان فى العزلة للخطابى، بإسناده عن الربيع عن الشافعى أنه أنشدهما. ولفظه «ليت الكلاب».
وأنشدهما أبو بكر بن المرزبان عن أبى بكر العنبرى «إن السباع، وإننا لا نرى» وزادهما ثالثا:
فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها … تلقى السعود إذا ما كنت منفردا
قلت: وهذه فى العزلة لابن أبى الدنيا.
قال ابن القطيعى. وفى سنة اثنين وسبعين، عملت دعوة للصوفية والعلماء على اختلاف مذاهبهم، فمنهم من أكل وانصرف، ومنهم من حضر السماع،
стр. 362
وكان البراندسي ممن عجز عن الخروج مع من أكل وانصرف، فأقام وأغلق الباب دونه، وحضر السماع، فحيث علم أهل باب البصرة تخلفه دون جميع أصحابه كابن الجوزى، وابن عبد القادر، قالوا فيه الشعر. وهجره جماعة من عوامهم.
فأنشدنى الشيخ أبو عبد الله الخيارى لنفسه فيه.
أيها الشيخ، من ينافق خلوة … يظهر الله ذلك الفعل جلوة
كنت تفتى أن السماع حرام … كيف حل السماع يوم الدعوة؟
عشت ما عشت بين زهد ونسك … وتسميت فى الشريعة قدوة
ثم خلعت العذار فى اللهو والرقص … وبين البلى وبينك خطوة
كنت حقا لو رقص الطفل حوقلت … وأنكرت بارتعاد وسطوة
كيف جاز الجلوس بين حداة … لم يفت فى سماعهم غير قهوة؟
لا تبهرج فليس عندك عذر … يلزم القوم ما أتوا بك عنوة
إنما أنت حين خبرت أن الرقص … من بعده صحاح وكسوة
ودجاج وبط حثك البخل … فلا تعتذر بقولك شقوة
ودع الآن شغلك بالفقه … وخذ فى لباس دلق وركوة
قال: وسمعت ابن الجوزى يقول: دخل البراندسي الدعوة وأكل. وأراد الانصراف معنا، فأغلق الباب دونه، وما علم حقيقة ما يجرى، وحصل هناك، لا أنه اختار هذا.
وتوفى يوم الثلاثاء لست عشرة خلت من ربيع الأول، سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. رحمه الله تعالى.
وقد ذكره المنذرى الحافظ فى وفياته، فيمن توفى سنة ست وثمانين، فقال:
وفى السادس عشر من شهر ربيع الأول توفى الفقيه الإمام أبو الحسن على ابن محمد بن على المقرئ الضرير، ودفن عند قبلة جامع المنصور. ومولده سنة ثمانين وأربعمائة، تفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع من ابن الحصين،
стр. 363
وإسماعيل بن السمرقندى، وأبى غالب بن البناء، وغيرهم وحدث، وأقرأ، فخالف ما ذكره ابن القطيعى فى مدفنه، فالله تعالى أعلم بالصحيح من ذلك.
وأما قوله: إن مولده سنة ثمانين وأربعمائة فغلط محض؛ فإنه على قوله يكون قد جاوز المائة بست سنين، فأين آثار ذلك من تفرده عن أقرانه بالسماع من الشيوخ. ثم قد سبق أن القطيعى سأله عن مولده؟ فذكر ما يدل على أنه قبل الخمسمائة بنحو سنتين. وهذا هو الصحيح. ووصفه بأنه ضرير، ولم يصفه القطيعى بذلك.
١٧٧ - نجم بن عبد الوهاب
بن عبد الواحد بن محمد بن على الشيرازى الأصل، الدمشقى الأنصارى، الشيخ نجم الدين أبو العلاء بن شرف الإسلام ابن الشيخ أبى الفرج، شيخ الحنابلة بالشام فى وقته.
قرأت بخط ولده ناصح الدين عبد الرحمن: أنه ولد سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. وأفتى ودرس وهو ابن نيف وعشرين سنة، إلى أن مات، وعاش هنيا مرفها، لم يل ولاية من جهة سلطان، وما زال محترما معظما، ممتعا قويا.
قال لى قبل أن يموت بسنة: رأيت الحق فى منامى، فقال لى: يا نجم أما علمتك وكنت جاهلا؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أغنيتك وكنت فقيرا؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أمت سواك وأحييتك؟ وجعل يعدد النعم، ثم قال:
قد أعطيتك ما أعطيت موسى بن عمران.
ولما مرض مرض الموت، رآنى وقد بكيت، فقال: إيش بك؟ فقلت:
خير، فقال: لا تحزن علىّ؛ أنا ما توليت قضاء، ولا شحنكية، ولا حبست، ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحدا، فإن كان لى ذنوب، فبينى وبين الله . ولى ستون سنة أفتى الناس، والله ما حابيت فى دين الله تعالى.
стр. 364
وكان يقول قبل موته بسنين: سنتى سنة ست وثمانين، إلى أن دخلت سنة ست وثلاثين، فقال: هذه سنتى، فقلنا: كيف تقول هذا؟ قال: هى سنة أبى وجدى لأن أباه مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وجده مات سنة ست وثمانين وأربعمائة، وكان الأمر كما قال.
قال: وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر، إذا أشكل عليهما شئ سألا والدى. قال: وخرج له أبو الحسين سلامة بن إبراهيم الحداد شيخه، وسمعناها عليه بقراءته.
وذكر الحافظ المنذرى فى وفياته: أن له إجازة من أبى الحسن بن الزاغونى وغيره.
قال: وتوفى ثانى عشرى ربيع الآخر، سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن بسفح قاسيون.
وقال غيره: شيعه خلائق. وقد سبق ذكر أخيه بهاء الدين عبد الملك. وكان له أيضا عدة إخوة.
منهم: الشيخ سديد الدين عبد الكافى بن شرف الإسلام.
قال ناصح الدين: كان فقيها متطهرا، ووعظ فى شبابه، وكان يذكر الدرس فى الحلقة، مستندا إلى خزانة أبيه، وكان صيتا، وربما خطب فى الإملاكات المعتبرة.
وكان شجاعا شديدا، مات بعد الثمانين والخمسمائة، وقبره تحت مغارة الدم.
ومنهم: الشيخ شمس الدين عبد الحق بن شرف الإسلام.
قال الناصح: كان فقيها عاقلا، عفيفا، حسن العشرة، كثير الصدقة، رحيم القلب. سافر فى طلب العلم، وقرأ كتاب «الهداية» على الشيخ أحمد الحرانى الحنبلى، ودخل بلاد العجم، ورأى أئمة خراسان، وعاد إلى دمشق، وصحب أخاه، والذى يسمع درسه، ويعيد له، وهو بين يديه كالحاجب.
ومات ودفن بسفح قاسيون.
стр. 365
ومنهم: الشيخ شرف الدين محمد بن شرف الإسلام.
كان فقيها، فرضيا، يعرف الغزوات، ويعبر المنامات، ويتجر، ولا يداخل الملك وتوفى ودفن بالباب الصغير.
ومنهم: الشيخ عزّ الدين عبد الهادى بن شرف الإسلام.
كان فقيها واعظا، شجاعا، حسن الصوت بالقرآن، شديدا فى السنة، شديد القوى، يحكى له حكايات عجيبة، فى شدة قوته.
منها: أنه بارز فارسا من الإفرنج، فضربه بدبوس فقطع ظهره وظهر الفرس فوقعا جميعا، وكان فى صحبة أسد الدين شيركوه إلى مصر، وشاهده جماعة رفع الحجر الذى على بئر جامع دمشق، فمشى به خطوات ثم رده إلى مكانه، وله أخبار فى هذا الباب غريبة، وبنى مدرسة بمصر، ومات قبل تمامها، وتوفى بمصر.
ومما وقفت عليه من فتاوى نجم الدين بن عبد الوهاب بن الحنبلى: أن من أراد أن يحلف بالطلاق، فقال لامرأته: على الطلاق ثلاث بتات، وأراد أن يقول:
إن لم أتحول من الدار، ثم تفكر فى ضرر التحويل، فسكت على قوله بتات، إعراضا عن اليمين بالكلية، لا أراده لوقوع الطلاق: أنه إذا لم يقصد بذلك الإيقاع، بل قصد التعليق، ثم سكت عقيب ذكر الطلاق، لا قاصدا له، بل أراد إبطال اليمين، فإنه يدين فى ذلك فيما بينه وبين الله، ولا يلزمه الطلاق فى الباطن.
وبمثل هذا صرح صاحب المحرر فيه، وهو قول مالك والليث بن سعد. وحكى عن الشافعى أيضا، ولا أعلم فى ذلك نصا لأحمد، ولا لأحد من متقدمى أصحابنا.
وقياس نصوص أحمد وأصوله: أنه لا يدين فى ذلك، بحيث أنه يمتنع وقوع الطلاق به. ولو وجد شرطه الذى أراد تعليقه عليه، فإن المنصوص عن أحمد، فى مواضع متعددة من كلامه: أن الحلف بالطلاق ليس بيمين، وليس حكمه حكم سائر
стр. 366
الأيمان، وإنما هو طلاق معلق بشرط، ولو قصد بتعليقه الحض والمنع، وحينئذ فينبغى أن يكون حكم هذا حكم من طلق، وقال: نوبت تعليق الطلاق بشرط.
والمذهب فى ذلك عند القاضى ومن اتبعه من أصحابنا: أنه يدين فى ذلك، ولا يقع به الطلاق فى الباطن إلا بوجود الشرط. وهل يقبل منه فى الحكم؟ خرجوه على روايتين.
ونص أحمد فى رواية مهنا: على أنه لا يدين، كقول أبى حنيفة وأصحابه، وتأوله القاضى على أنه أراد أنه لا يقبل منه فى الحكم. وهو تأويل بعيد.
فعلى ظاهر رواية مهنا: يقع الطلاق فى الحال، وإن أراد الحلف به، ثم تركه.
وعلى المذهب عند القاضى وأصحابه: ينبغى أن لا يقع الطلاق حتى يوجد الشرط الذى أراد أن يحلف عليه، كما لو أراد تعليق الطلاق بشرط يأتى لا محالة، ثم بدا له أن يترك تعليقه، فإن هذا التعليق يمين على أشهر الوجهين للأصحاب، بل أومأ إليه أحمد. وقد حكى عنه صريحا. فيكون تعليق الطلاق عنده كله يسمى يمينا، وحكمه حكم الطلاق، لا حكم الأيمان، فيلزم من قال بالشرط: أنه إذا أراد اليمين بالطلاق، فتلفظ بالطلاق، ثم قطع بقية كلامه: أنه لا تطلق امرأته بذلك، ولو وجد الشرط أن يقول ههنا فى التعليق بما يأتى: لا محالة كذلك. وهو فى غاية البعد.
وقد استوفينا الكلام على هذا فى كتابنا المسمى «بالكشف والبيان عن مقاصد النذور والأيمان» وبالله التوفيق.
١٧٨ - عبد الله بن عمر
بن أبى بكر المقدسى، الفقيه الإمام أبو القاسم سيف الدين.
ولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة بقاسيون.
ورحل إلى بغداد، وسمع بها من جماعة. وتفقه وبرع فى معرفة المذهب
стр. 367
والخلاف والمناظرة. وقرأ النحو على أبى البقاء، وحفظ الإيضاح لأبى على، وقرأ العروض. وله فيه تصنيف.
قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه والخلاف والفرائض والنحو، وصار إماما عالما، ذكيا فطنا، فصيحا مليح الإيراد، حتى إنّي سمعت بعض الناس يقول عن بعض الفقهاء أنه قال: ما اعترض السيف على مستدل إلا ثلم دليله. وكان يتكلم فى المسألة غير مستعجل بكلام فصيح، من غير توقف ولا تتعتع.
وكان ﵀ حسن الخلق والخلق، أنكر منكرا ببغداد، فضربه الذى أنكر عليه، وكسر ثنيته. ثم إنه مكّن من ذلك الرجل، فلم يقتص منه.
قال: وسافرت معه إلى بيت المقدس، فرأيت منه من ورعه وحسن خلقه ما تعجبت منه.
قال: وشهدنا غزاة مع صلاح الدين، فجاء ثلاثة فقهاء، فدخلوا خيمة أصحابنا فشرعوا فى المناظرة، وكان الشيخ موفق الدين والبهاء حاضرين، فارتفع كلام أولئك الفقهاء، ولم يكن السيف حاضرا، ثم حضر فشرع فى المناظرة، فما كان بأسرع من أن انقطعوا من كلامه.
وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول: كان أبو القاسم عبد الله بن عمر فيه من الذكاء والفطنة ما يدهش أهل بغداد. وكان يحفظ درس الشيخ إذا ألقى عليه مرة أو مرتين. وكنت أنا أتعب حتى أحفظه. وكان مبرزا فى علم الخلاف.
وكان ورعا، يتعلم من العماد، ويسلك طريقه.
وسئل عنه الشيخ موفق الدين؟ فقال: سافر إلى بغداد صغيرا، وسمع بها كثيرا، وتفقه بها وصار فقيها حسنا. حسن الكلام فى المناظرة، فصيح اللسان، حسن الخط. وقرأ فى العربية. وشرع هو والمحب أبو البقاء فى تصنيف كتاب فيها ثم قدم الشام، وخرج إلى الغزاة معنا، ثم سافر إلى حران، وتوفى بها شابا رحمه الله تعالى فى حياة أبيه.
توفى بحران فى شوال سنة ست وثمانين وخمسمائة.
стр. 368
ورثاه سليمان بن النجيب بقوله:
على مثل عبد الله يفترض الحزن … وتسفح آماق ولم يغتمض جفن
عليه بكى الدين الحنيفى واكتفا … كما قد بكاه الفقه والذهن والحسن
وهى طويلة.
ورثاه جبريل المصيصى المصرى بقوله:
صبرى لفقدك عبد الله مفقود … ووجد قلبى عليك الدهر موجود
عدمت صبرى لما قيل إنك فى … قبر بحران سيف الدين مفقود
نبكى عليك بشجو بالدماء كما … تبكى التعاليق حقا والمسانيد
وللمشايخ تعديل عليك كما … للطير فى الدوح تغريد وتعديد
وذكر باقيها. وهى ستة وعشرون بيتا.
١٧٩ - يحيى بن مقبل
بن أحمد بن بركة بن عبيد الملك بن عبد السلام بن الحسين بن محمد بن على بن عبد الواحد بن ثابت بن عمرو بن عامر بن داود بن إبراهيم بن محمد السجاد بن طلحة بن عبد الله التيمى القرشى البغدادى الحريمى، أبو طاهر بن أبى القاسم بن أبى نصر، المعروف بابن الصدر. وهو لقب عبد الواحد المذكور فى نسبه. ويعرف أيضا بابن الأبيض.
ولد فى شعبان سنة سبع عشرة وخمسمائة.
وسمع من ابن الحصين، وأبى بكر الأنصارى، وأبى منصور القزاز، وغيرهم.
وتفقه فى المذهب، وناظر فى حلق الفقهاء، وحدث.
قال ابن القطيعى: كتبت عنه. وكان ثقة.
قال: وتوفى يوم الاثنين فى شهر شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب.
وقال المنذرى: توفى فى العشر الأخير من ذى القعدة.
стр. 369
قال ابن الجوزى فى كتاب «الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد» حدثنى أبو طاهر بن الصدر الفقيه: أن هذا الشيخ - يعنى عبد المغيث الحربى - زوج رجلا، فقال له: زوجتك بحق وكالتى بنت أخى فلان.
قال الفقيه: فلقيت المتزوج؟ فقلت له: ما انعقد لك عقد، ولا يحل لك قربان المرأة؛ لأن أبا هذه المرأة له أربع بنات. وهذا العاقد ما سمى المزوجة.
فعجب الناس من عدم فهمه للفقه.
١٨٠ - نصر بن منصور
بن الحسن بن جوشن بن منصور بن حميد بن ثال ابن وزر بن عطاف بن بشر بن جندل بن عبيد الراعى بن الحصين بن معاوية ابن جندل بن قطن بن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار النميرى، الأديب الشاعر، أبو المرهف، وأبو الفتح أيضا
كذا نقلت نسبه من خط القطيعى. وقال: أملاه علىّ وقال لى: ولدت يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة بالرافقة بقرب رقة الشام.
كان النميرى من أولاد أمراء العرب. نشأ بالشام، وخالط أهل الأدب، وقال الشعر الفائق وهو مراهق. وأصابه جدرى وله أربع عشرة سنة، فضعف بصره، حتى كان لا يرى إلا ما قرب منه. ثم قدم بغداد لمعالجة بصره، فآيسه الأطباء منه، فعمى. وأقام ببغداد، وسكن بباب الأزج، فحفظ القرآن العظيم.
وسمع الحديث من ابن الحصين، والقاضى أبى بكر، وعبد الوهاب الأنماطى وأبى الحسن بن الزاغونى، وأبى منصور القزاز، ويحيى بن حبيس الفارقى، وابن ناصر وغيرهم. وبالكوفة: من أبى الحسن بن غيره، وتفقه فى مذهب الإمام أحمد.
وقرأ العربية والأدب على أبى منصور بن الجواليقى، وصحب العلماء والصالحين.
كالشيخ عبد القادر، وغيره، ومدح الخلفاء والوزراء.
وله ديوان شعر حدث به. وكان فصيح القول حسن المعان، ذا دين وصلاح وتصلب فى السنة.
стр. 370
قال ابن القطيعى: منع الوزير ابن هبيرة الشعراء من إنشاد الشعر بمجلسه، فكتب إليه النميرى قصيدة سمعتها من لفظ النميرى. فكتب الوزير على رأسها بخطه:
لو كان الشعراء كلهم مثله فى دينه وقوله لم يمنعوا، وإنما يقولون ما لا يحل الإقرار عليه، وهو فالصديق وما يذكر يوقف عليه، ورسومه تزاد ولا تنقص، والسلام.
وقد حدث النميرى بحديثه وشعره، وسمع منه القطيعى، وغيره
وروى عنه عثمان بن مقبل الياسرى، وبهاء الدين عبد الرحمن المقدسى، وابن الدبيثى، ويوسف بن خليل وغيرهم.
وتوفى يوم الثلاثاء عشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد عند الشهداء ﵀.
ومن شعره، وقد سئل عن مذهبه واعتقاده؟ فأنشد:
أحب عليا والبتول وولدها … ولا أجحد الشيخين حق التقدم
وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى … كما أبرأ من ولاء ابن ملجم
ويعجبنى أهل الحديث لصدقهم … فلست إلى قوم سواهم بمنتمى
وقد روى البيت الثالث على وجه آخر.
ومن شعره وقرأته بخط السيف بن المجد الحافظ:
سبرت شرائع العلماء طرا … فلم أر كاعتقاد الحنبلي
فكن من أهله سرا وجهرا … تكن أبدا على النهج السوى
هم أهل الحديث وما عرفنا … سوى القرآن والنص الجلى
ومما أنشده عنه ابن القطيعى، وقال: أنشدنى لنفسه:
وكفى مؤذنا باقتراب الأجل … شباب تولى وشيب نزل
وموت اللذات، وهل بعده … بقاء يؤمله من عقل؟
إذا ارتحلت قرناء الفتى … على حكم ريب المنون ارتحل
هو الموت لا تحتمى للنفوس … من خطبه بالرقى والحيل
إذا صال كان سواء عليه … من عز من كل حى وذل
стр. 371
فيا ويح نفسى أما ترعوى … وقد ذهب العمر إلا الأقل
ومن شعره أيضا:
أذاعت بأسرارى الأدمع … غداة استقلوا وما ودعوا
جزعت لما أعتز من بينهم … وما كنت من مؤلم أجزع
تولوا فما قرّ لى بعدهم … فؤاد، ولا جف لى مدمع
وأقسم لاحلت عن عهدهم … وفوا لى بالعهد أو ضيعوا
أأحبابنا هل لعصر مضى … لنا ولكم باللوى مرجع؟
كان على كبدى بعدكم … من الشوق نار غضا تسفع
ولى مقلة منذ فارقتكم … إذا هجع الناس لا تهجع
يؤرقنى كل برق أراه … من نحو أوطانكم يلمع
وكم لى من عاذل فيكم … يطيل الملام فلا أسمع
وقال: ومن شعره فى الغزل:
ولما رأى وردا بخديه يجتنى … ويقطف أحيانا بغير اختياره
أقام عليه حارسا من جفونه … وسلّ عليه مرهفا من عذاره
ومن شعره أيضا:
يزهدنى فى جميع الأنام … قلة إنصاف من يصحب
وهل عرف الناس ذو نهبة … فأمسى له فيهم مرغب
هم الناس ما لم تجربهم … وطلس الذباب إذا جربوا
وليتك تسلم عند البعاد … منهم، فكيف إذا يقربوا؟
١٨١ - أحمد بن الحسين
بن أحمد بن محمد البغدادى، المقرئ أبو العباس، المعروف بالعراقى، نزيل دمشق.
قرأ القرآن على أبى محمد سبط الخياط، وسمع الحديث من محمد بن عبد الله بن سهلون، وأبى الفتح الكروخى، وسعد الخير الأندلسى، ومهر فى علم القراءات.
ولقى المهذب بن منير الشاعر بحلب، وروى عنه.
стр. 372
وقدم دمشق سنة أربعين، فسكنها إلى أن مات وتصدر للإقراء تحت النسر بالجامع، فختم عليه جماعة، وأمّ بمسجد الخشابين، وأقام به سنين.
قال الشيخ موفق الدين: كان إماما فى السنة، داعيا إليها، إماما فى القراءة.
وكان دينا، يقول شعرا حسنا، وشرح عبادات الخرقى بالشعر.
وقال ابن النجار: كان شيخنا فاضلا متقنا، طيب المحاضرة.
قلت: وكان متشددا فى السنة.
ويقال: إنه منع الحافظ عبد الغنى من الاجتماع بابن عساكر الحافظ والسماع منه، وندم الحافظ على ذلك. وكان يقول: كان عندنا فى الحربية قوم من المتشددين يسمون: السبعة، لا يسلمون على من سلم إلى شيعة على مبتدع. ورأيت له جزءا فى الرد على من يعير الحنابلة بالفقر وقلة المناصب.
وروى عنه الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، وابن خليل.
وتوفى فى شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بدمشق، وقد جاوز السبعين.
وقال الضياء: مات فى جمادى الأولى سنة ست وسبعين. وهو وهم؛ فإن ناصح الدين بن الحنبلى: ذكر أنه زار معه القدس سنة سبع وثمانين - أو سنة ثمان - الشك منه. وذكر: أنه قرأ عليه، وسمع منه.
قال: وقال لى: قدمت من بغداد لأجل زيارة القدس، ولم يتفق لى زيارته إلى هذه المدة.
١٨٢ - عبد الله بن أحمد
بن عبد الله بن سلامة السبتى البغدادى الوراق المحدث المقرئ، الزاهد أبو جعفر بن أبى المعالى بن السمين. نزيل الموصل.
ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة.
وسمع الكثير من هبة الله الحريرى، وأبى بكر بن عبد الباقى، وأبى منصور القزاز، وعلى بن هبة الله بن عبد السلام، وأبى الفضل الأرموى، وأبى الفتح الكرخى، وأبى الحسين بن الزاغونى، وأخيه أبى بكر، وابن الطلاية، وغيرهم.
стр. 373
وكتب بخطه الكثير لنفسه وللناس. وخرج التخاريج. وحدث بالكثير ببغداد والموصل. وكان صالحا ثقة، دينا صدوقا من أهل التقشف والصلاح والنسك يأكل من كسب يده
توفى فى العشر الأخير من شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بالموصل.
ودفن بتل توبة رحمه الله تعالى.
١٨٣ - على بن مكي
بن جراح بن على بن ورخز البغدادى، الفقيه الزاهد أبو الحسن.
تفقه على أبى الفتح بن المنىّ، وأبى يعلى بن أبى خازم، وبرع فى الفقه، وأفتى وناظر. وكان زاهدا عابدا.
توفى يوم حادى عشرين صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب حرب.
١٨٤ - على بن أبى العز
بن أبى عبد الله الباجسرائى، الفقيه الزاهد أبو الحسن.
كان يسكن بمدرسة الشيخ عبد القادر، وسمع الكثير من أبى الوقت، وابن البطى، وغيرهما. وحدث باليسير.
سمع منه جماعة من الفقهاء. وكان صالحا ورعا، متدينا ذا عبادة وزهد.
جمع كتابا فى تفسير القرآن الكريم فى أربع مجلدات.
توفى ليلة الخميس حادى عشر ذى القعدة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وصلّى عليه بالمصلى بباب الحلبة. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.
١٨٥ - طغدى بن ختلغ
بن عبد الله الأميرى المسترشدى - نسبة إلى ولاء بعض الأمراء من ولد المسترشد - البغدادى المقرئ الفرضى، أبو محمد المحدث ويسمى عبد المحسن أيضا. نزيل دمشق.
стр. 374
ولد سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
وقرأ القرآن بالروايات العشرة على أبى الحسن البطائحى. وكان ربيبه، فأحسن تربيته، وأسمعه من الأرموى، وابن ناصر الحافظ، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى العباس أحمد بن محمد بن المكى، وسعيد بن البناء، وأبى الوقت، وأبى القاسم هبة الله بن الحاسب، وغيرهم.
وصحب أبا الفضل بن ناصر الحافظ، وأخذ عنه علم الحديث، وأصول السنة.
وقرأ الفرائض على أبى النجم بن القابلة، وبرع فيها حتى صار فيها إماما متوحدا، ثم انتقل إلى دمشق وسكنها إلى حين وفاته.
وحدث ببغداد وحران ودمشق. وقرأ عليه الشيخ أبو عمر صحيح البخارى.
روى عنه ابن خليل الحافظ.
قرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى فى حقه: المحدث الحافظ الفرضى الزاهد.
كان قيما بمعرفة البخارى، برجاله وألفاظ غريبه، وشرح معانيه. قرأته عليه، وسمع بقراءتى جماعة كثيرة. وكان قيما بأصول السنة، ومقالة أصحاب الإمام أحمد وكان متعبدا معتزلا للناس. حضر معى فتح البيت المقدس. وقرأ عليه جماعة من أولاد الدمشقيين الحساب والفرائض. وكان لا يفارقنى إلى أن حججت سنة تسع وثمانين، ورجعت من الحج فوجدته قد مات ﵀. ودفن فى تربة عمى عبد الحق بالجبل.
قلت: وذكر المنذرى: أنه توفى فى المحرم سنة تسع وثمانين. وكذا ذكره الدبيثى أنه بلغهم وفاته.
وذكر القطيعى: أنه بلغهم ببغداد حين موته فى ربيع الأول سنة تسع وثمانين فيكون قول ابن الحنبلى: حججت سنة تسع فيه تسامح. ومراده: أنه رجع من الحج إلى دمشق سنة تسع، فوجده قد مات. لكنه ذكر فى أول كتابه: أن أول سنة حجّ سنة تسع وثمانين.
стр. 375
١٨٦ - بدل بن أبى طاهر
بن شيرد شهر بن حاكاه بن عبد الله بن محمد الجيلى، الفقيه المقرئ أبو محمد. نزيل بغداد.
قرأ القرآن بالروايات على أبى العلاء الهمدانى.
وسمع من أبى الفتح محمد بن الحسن الصيدلانى، وغيره. وسمع من محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخطيب الكشميهنى المروزى.
وتفقه ببغداد على ابن بكروس، وأقرأ الناس، وحدث.
قرأ عليه بالروايات الكثيرة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن الدورى، وغيره. وسمع منه القاضى أبو العباس بن الفراء، وغيره.
وتوفى يوم الخميس رابع عشر ذى الحجة سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
رحمه الله تعالى.
١٨٧ - محمد بن أحمد بن علي
بن محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأصبهانى الجورتانى بن الحمامى، العابد الأديب، مصلح الدين أبو عبد الله. من أهل أصبهان و «جورتان» من قراها.
ولد سنة خمسمائة فى رجب. وقيل: سنة إحدى وخمسمائة.
وسمع من أبى على الحداد، وأبى نهشل عبد الصمد العنبرى، وسعيد ابن أبى الرجاء.
قال ابن النجار: وكان فقيها فاضلا، كامل المعرفة بالأدب وأكثر أدباء أصبهان من تلامذته. وكان متدينا، حسن الطريقة صدوقا.
سمعت أبا عبد الله الخليلى بأصبهان يقول: كان جدى لأمى محمد بن أحمد الحنبلى المعروف بالمصلح قبل عقد الثمانين من عمره يختم القرآن فى يومين. فلما جاوز الثمانين كان يختم كل يوم القرآن. وكانت قراءته بالليل قراءة تذكر وتفكر.
قال أبو عبد الله: وسمعت محمد بن محمد الخبازى المدينى جارنا - وكان من
стр. 376
أهل الخير والصلاح، تلاّء للقرآن، ملازما للمسجد فى أكثر أوقاته، لم تكن تفوته صلاة الجماعة إلا نادرا يقول -: لما بلغ مصلح الدين عقد الثمانين قال: أسأل الله أن يمهلنى إلى التسعين، وأن يوفقنى كل يوم لختمة، فاستجيبت دعوته، فكان يختم كل يوم ختمة.
قال أبو عبد الله: وسمعت الحسين بن محمد بن أحمد الحمامى الحنبلى يقول:
قام عمى - يعنى: محمد بن أحمد المصلح - ليلة لورده قبل الوقت الذى كان يقوم فيه لورده فى سائر لياليه. قال: فسمعت صوتا من السماء - وأنا بين النائم واليقظان - أيها المصلح، ما أسرع ما قمت الليلة.
حدث المصلح بأصبهان وبغداد حين قدمها حاجا. وسمع منه أبو المحاسن القرشى، ومات قبله لخمس عشرة سنة، والشريف الزيدى على بن أحمد.
وروى عنه من أهل بغداد أحمد البندنيجى، ويوسف بن سعيد المقرئ وغيرهما
قال ابن النجار: سمعت أبا البركات بن الرويدشتى بأصبهان يقول: توفى محمد بن أحمد بن الحنبلى - يعرف بالحمامى - أستاذ الأئمة فى يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة تسعين وخمسمائة.
قال: وذكر لنا سبطه: أنه دفن بداره، ثم نقل إنّي باب درية رحمه الله تعالى.
وقال المنذرى: ليلة الحادى عشر. وكذا ذكره ابن نقطة، وقال: ليلة الثلاثاء حادى عشر.
قال المنذرى: وتوفى قبله بيسير ولده أبو بكر أحمد. وكان سمع سعيد ابن أبى رجاء وغيره.
قلت: وكان يلقب أمين الدين.
١٨٨ - محمد بن عبد الله
بن الحسين بن على بن أبى طلحة نصر بن أحمد ابن محمد بن جعفر البرمكى الهروى الإشكيذبانى، المحدث أبو عبد الله، ويقال: أبو الفتح. نزيل مكة، وإمام حطيم الحنابلة بها.
стр. 377
ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
وسمع بهمدان من أبى الوقت، وأبى الفضل أحمد بن سعد بن حمّان، وأبى المحاسن هبة الله بن أحمد بن محمد بن السماك. وببغداد من أبى المعالى بن النحاس، وأبى المعمر بن الهاطر، وابن البطى، وخلق كثير وبمصر من أبى الطاهر إسماعيل بن قاسم الزيات. وبالإسكندرية من الحافظ السلفى. وحدث بمكة، ومصر والإسكندرية، وأقام بمكة فى آخر عمره، وأمّ بها فى موضع الحنابلة سنين.
وحدث عنه أبو البناء حامد بن أحمد الأرتاحي.
قال ناصح الدين بن الحنبلى: كان رجلا صالحا، سمعت منه بقراءته جزءا بمكة. وكان فى عزمى أننى أدخل اليمن، وقد هيأت هدية لصاحبها من طرف دمشق، فاستشرته، فقال: أنت أعلم. ثم قال: قرأنا ههنا جزءا من أيام، فجاء فيه عن بعض السلف علامة قبول الحج: أن الإنسان ينصرف عن مكة غير طالب للدنيا، فزهدت فى اليمن، ورجعت عن ذلك العزم. قال: وذلك سنة تسع وثمانين.
قال المنذرى: سمع منه والدى سنة تسعين. فإما أنه توفى فى هذه السنة، أو بعدها بيسير.
قال و «الإشكيذبانى» بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الكاف وسكون الياء آخر الحروف وفتح الذال المعجمة وبعدها باء موحدة مفتوحة وبعد الألف نون.
وذكره الفارسى فى تاريخه، وقال: كان رجلا صالحا: توفى سنة إحدى وتسعين بمكة.
وذكر المنذرى ممن توفى سنة تسعين: الشيخ الأجل إمام الحرم مكى بن نابت - بالنون - بن زهرة الحنبلى الفزارى بمصر ليلة السابع من شهر ربيع الآخر، ولم يزد على ذلك.
стр. 378
١٨٩ - إسماعيل بن أبى سعد
بن على بن إبراهيم بن محمد بن شاه شاه البناء الأصبهانى، المحدث أبو الحسن، يعرف بطاهريته.
سمع الكثير، وحصل الأصول. حدث ببغداد، قدمها حاجا عن فاطمة الجوزدانية، وفاطمة بنت محمد بن أحمد البغدادى
سمع منه أبو الفتوح بن الحصرى، وأحمد بن طارق، وعبد الرحمن بن الغزال وكان شيخا صالحا صدوقا
توفى فى صفر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى
١٩٠ - عبد المؤمن بن عبد الغالب
بن محمد بن طاهر بن خليفة بن محمد بن حمدان الشيبانى البغدادى الوراق، الفقيه أبو محمد
ولد فى ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمسمائة، ذكره القطيعى عنه.
وسمع ببغداد من القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وأبى القاسم بن السمرقندى وابن الطلاية، وأبى الحسن، وأبى بكر بن الزاغونى، والأرموى.
وسمع بهمدان من أبى الخير الباغبان، وغيره، وحدث.
وسمع منه ابن القطيعى، وقال: كان له صلاح ودين وافر.
وروى عنه ابن الدبيثى، وابن خليل الحافظ، فقال: أنبأنا الإمام أبو محمد عبد المؤمن الفقيه الحنبلى، وأجاز لمحمد بن يعقوب بن أبى الدبية.
قال ابن القطيعى: توفى فى ذى الحجة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
قال: وكتب إلىّ ابن شريك: أنه توفى ليلة العيد، سنة إحدى وتسعين.
قلت: وكذا ذكر المنذرى: أنه توفى يوم عرفة، سنة إحدى وتسعين.
وذكر ابن النجار عن ابن الدبيثى: أنه توفى يوم الاثنين ثامن ذى الحجة، سنة إحدى وتسعين، وعن غيره: أنه دفن بباب حرب.
стр. 379
١٩١ - على بن هلال
بن خميس الواسطى الفاخرانى الضرير، الفقيه أبو الحسن، ويلقب بمعين الدين.
ذكره المنذرى، فقال: تفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع من أبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق، وأبى الفتح صدقة بن الحسين الناسخ، وخديجة بنت أحمد النهروانى، وغيرهم، وحدث.
وهو منسوب إلى «الفاخرانية»: قرية من سواد واسط.
توفى فى حادى عشر ذى الحجة، سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.
١٩٢ - حامد بن محمد
بن حامد الصفّار الأصبهانى، الفقيه المحدث، الإمام محب الدين أبو عبد الله.
سمع أباه أبا جعفر محمد، وأبا طاهر محمد بن أبى نصر الهروى بهاجر، وأبا الخير الباغبان، ومسعود الثقفى والرستمى، وعبد الجليل كوتاه، وجماعة بأصبهان وبهمدان أبا زرعة المقدسى، وأبا العلاء العطار.
وقدم بغداد حاجا سنة ثمان وثمانين، وسمع بها من جماعة. وقرأ على ابن الجوزى مناقب الإمام أحمد له، وحدث باليسير.
كتب عنه أبو عبد الله محمد بن النفيس الرزاز.
ذكره ابن النجار، وقال: كان فقيها، حنبليا فاضلا، وله معرفة بالحديث والأدب.
وذكر أبو الفرج بن الحنبلى: أنه لقيه بأصبهان، وقال: كان فقيها على مذهب الإمام أحمد، عارفا بالمذهب والخلاف، محدثا، ووصفه بالمروءة التامة.
١٩٣ - سعد بن عثمان
بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشى، المصرى
стр. 380
المولد البغدادى الدار، الفقيه الزاهد أبو الحسين ابن الشيخ أبى عمرو المتقدم ذكره.
خرج من مصر قديما، واستوطن بغداد. وقد سبق فى ترجمة أبيه سبب قدومه إلى بغداد، وتفقه بها فى المذهب على أبى الفتح بن المنى، ولازم درسه.
وسمع من أبى محمد بن الخشاب وغيره، وحصل له القبول التام من الخاص والعام، وكان ورعا زاهدا عابدا.
قرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى فى حقه: كان مشتغلا بحفظ كتاب الوجهين والروايتين، تصنيف القاضى أبى يعلى. وكان من الزهد، والصلاح، والتطهير، والتورع فى المأكول على صفة تعجز كثيرا من المجتهدين فى العبادة.
وكان يمشى مطرق الرأس، يلتقط الأوراق المكتوبة، حتى اجتمع عنده من ذلك شئ كثير، فيحمله بحمال إلى الشاطئ فيتولى غسله، ويرسله مع الماء.
وكان لا يستقضى أحدا حاجة إلا أعطاه أجره، ولو أشعل له سراجا.
وذاكرته فى خلوة فى القول بخلق أفعال العباد، فأقربه، ولم يكن على ما ذكره من مذهب والده فى ذلك، فسررت بذلك.
ورأى رجل فى بغداد النبىّ ﷺ ، وهو يقول: لولا الشيخ سعد نزل بكم بلاء، أو كما قال.
ثم سعى الشيخ سعد إلى الجمعة وما عنده خبر بهذا المنام، فانعكف الناس به يتبركون به وازدحموا، فرموه مرات، وكأن مناديا ينادى فى قلوب الناس، وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة، إيش بى؟ إيش بالناس؟ حتى ضرب الناس عنه وخلص منهم.
وقال القادسى: هو أحد الزهاد الأبدال الأوتاد، ومن تشد إليه الرحال، ومن كان لله عليه إقبال الصائم فى النهار، القائم فى الظلام.
قدم بغداد. وسكن برباط الشيخ عبد القادر، وما كان يقبل من أحد شيئا، ولا يغشى باب أحد من السلاطين. كان ينفذ له فى كل عام شئ من ملك له بمصر يكفيه طول سنته.
стр. 381
حكى لى والدى، قال: كنت أتردد إليه كثيرا، فأتيته يوما، فهجس فى نفسى أن لى مدة أتردد إليه، وما حلف علىّ قط، ولا قدم لى شيئا، فما استتممت كلامى حتى قال لى: أى أحمد، والله ما أرضى لك طعامى، لأنه طعام شقى، قال: وأخذنى من الوجد شئ عظيم، ثم دخل ليخرج لى من الزاد. فقلت:
لو أخرج إلى رغيف فضله، لأنتغض به لأقوام، فقال عجلا من داخل البيت: أى:
شيخ أحمد، بل رغيفان. قال: فزاد تحيرى ودهشتى. وكان الشيخ سعد كثير البكاء والخشوع.
قال ابن النجار: كان عبدا صالحا، مشهورا بالعبادة والمجاهدة والورع، والتقشف، والقناعة، والتعفف، وكان خشن العيش، مخشوشنا، كثير الانقطاع عن الناس. وكان على غاية من الوسوسة، والمبالغة فى الطهارة.
قال ابن النجار: حدثنى سعيد بن يوسف بن سعيد المقرئ، قال: سمعت سعد المصرى الزاهد يقول: تجشأت مرة، فصعد إلى حلقى شئ من الجشأ، فغسلت حلقى ثلاث مرات، وابتلعته، ثم غسلت فمى ثلاث مرات أخر وأبصقه.
قلت: سامحه الله تعالى، هذه زلة فاحشة.
قال المنذرى: كان يحمل إليه ما يقتات به من مصر من جهة كانت له بها.
وقيل: إن شيخه ابن المنّى لما احتضر أوصى أن يصلى عليه الشيخ سعد، وقد تقدم أنه صلّى عليه يومئذ، وأن الناس ازدحموا عليه للتبرك به، حتى كاد يهلك.
قال المنذرى: توفى فى سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ساجدا فى صلاته، ودفن من الغد.
وذكر القطيعى: أنه توفى يوم الثلاثاء، وأنه دفن بمقبرة باب الدير بالقرب من معروف الكرخى، رحمة الله عليه.
وذكر القادسى: أنه توفى يوم الثلاثاء سابع ربيع الآخر، سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ساجدا، وصلّى عليه بمدرسة عبد القادر، ثم مرارا عدة بظاهر
стр. 382
الحلبة، ثم حمل إلى باب حرب ليدفن به. وكان قد حفر له به قبر، فأقبل خدام أم الخليفة، واستخلصوه من العامة، وردوه إلى مقابر معروف، إلى التل المقابل لباب تربة أم الخليفة. وكان يوم موته مشهودا، وتابوته بالحبال مشدودا، ﵀.
وذكر ابن النجار: أنه كان قد قرأ فى الصلاة التى توفى فيها (٨٨:٥٦، ٨٩ ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)﴾.
١٩٤ - إلياس بن حامد
بن محمود بن حامد بن محمد بن أبى الحجر الحرانى، الفقيه المحدث تقى الدين أبو الفضل ابن الإمام أبى الفضل. وقد سبق ذكر أبيه.
سمع إلياس ببغداد من أبى هاشم عيسى بن أحمد الروشابى، وشهدة، وغيرهما.
قال ناصح الدين بن الحنبلى: وكان رفيقى فى درس شيخنا ابن المنّى.
وسكن الموصل إلى أن توفى. وولى مشيخة دار الحديث بها. وكان حسن الطريقة، وحدث. سمع منه بدل التبريزى.
توفى فى سلخ شوال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالموصل. كذا ذكره غير واحد.
قال المنذرى: وقيل: بل سنة ثلاث وتسعين.
١٩٥ - مكى بن أبى القاسم
عبد الله بن معالى بن عبد الباقى بن العراد البغدادى المأمونى، الفقيه المحدث أبو إسحاق. ويقال: أبو الحرم أيضا.
ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وسمع من ابن ناصر، والأرموى، والكروخى، وابن البطى، وهبة الله الشبلى، وسعد بن البناء، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت، وخلق كثير.
واعتنى بهذا الشأن. قرأ على الشيوخ، وكتب بخطه. ولم يزل يقرأ ويسمع إلى آخر عمره. وهو ثقة.
стр. 383
وكان له مسجد كبير بالمأمونية يؤم فيه، ويقرأ الحديث على المشايخ. وكان يقرأ أيضا بجامع القصر. وهو ثقة صحيح السماع. وقد نسبه القطيعى إلى التساهل والتسامح.
وذكر عن عبد الرزاق: أنه وجد بخطه طبقة أنكرها. ووثقه ابن نقطة، وقال: إنما تكلم فيه شيخنا ابن الحضرى، لأنه قال: كان يكتب سماع أقوام كانوا يتحدثون إلى جانب حلقته. فأما سماعه فصحيح.
وقال الفارسى: كان صالحا خيرا ديّنا. وقد تكلم فيه أصحاب الحديث.
وقد روى عنه ابن خليل، وقال: أنبأنا أبو الحرم مكى بن أبى القاسم الفقيه الحنبلى
وقرأت بخط أبى الحسن على بن أحمد الزيدى الحافظ الزاهد. وقد سمع منه جزءا الشيخ الإمام العالم الحافظ أبو إسحاق مكى.
وروى عنه البلدانى. وأجاز لابن أبى الدينة.
وتوفى ليلة الجمعة سادس محرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ودفن من الغد بباب حرب مجاورا قبر بشر. رحمه الله تعالى.
١٩٦ - عبد الوهاب بن عبد القادر
بن أبى صالح الجيلى، ثم البغدادى الأزجى، الفقيه الواعظ، سيف الدين أبو عبد الله ابن القدوة الزاهد أبى محمد.
وقد سبق ذكر والده.
وأما هو: فولد فى ثانى شعبان سنة اثنين وعشرين وخمسمائة.
وذكر أبو شامة: أنه سمع من ابن الحصين، وابن السمرقندى وسنّه يحتمل السماع من ابن السمرقندى، والحضور من ابن الحصين. لكن لم أر أحدا من أهل بلده ذكروا ذلك، وهم أعلم بحاله. ولو كان ذلك صحيحا لقدموا هذين على بقية شيوخه. ولكن ذكر ابن القادسى: أنه سمع من ابن الحصين، وابن الزاغونى، وأبى غالب بن البناء، وغيرهم.
وأسمعه والده فى صباه من أبى غالب بن البناء، وأبى منصور القزاز،
стр. 384
وأبى الفضل الأرموى، وأبى الحسن بن صرما، وسعيد بن البناء، وأبى الوقت وغيرهم
وقرأ الفقه على والده حتى برع فيه، ودرس نيابة عن والده بمدرسته وهو حى، وقد نيف على العشرين من عمره. ثم استقل بالتدريس بها بعده، ثم نزعت منه لابن الجوزى؛ لأجل عبد السلام بن عبد الوهاب، ثم ردت إليه بعد قبض ابن يونس.
قال ابن القادسى: كان فقيها مجودا، زاهدا واعظا، وله قبول حسن. وتولى المظالم للناصر سنة ثلاث وثمانين. وكان كيسا ظريفا من ظرفاء أهل بغداد متماجنا.
ولم يكن فى أولاد أبيه أفقه منه. كان فقيها فاضلا، حسن الكلام فى مسائل الخلاف. له لسان فصيح فى الوعظ، وإيراد مليح مع عذوبة ألفاظ، وحدة خاطر، وكان ظريفا لطيفا، مليح النادرة، ذا مزح ودعابة وكياسة. وكانت له مروءة وسخاوة. وجعله الخليفة الناصر على المظالم. وكان يوصل إليه حوائج الناس.
ذكر ذلك ابن النجار.
وذكر غيره: أنه يرسل به من الديوان إلى الشام، وأن الخليفة الناصر بنى رباط الخلاطية له. وكان له القبول التام عند العامة أيضا.
قال ناصح الدين بن الحنبلى: قال الشيخ طلحة - يعنى العلثى -: قلمه سديد فى الفتوى.
قال أبو شامة: قيل له يوما فى مجلس وعظه: ما تقول فى أهل البيت؟ قال: قد أعمونى. وكان أعمش. أجاب عن بيت نفسه. وقيل له يوما: بأي شئ تعرف المحقّ من المبطل؟ قال: بليمونة. أراد: من تخضب يزول خضابه بليمونة.
وقال ابن البزورى: وعظ يوما، فقال له شخص: ما سمعنا بمثل هذا. فقال:
لا شك يكون هذيان. وكان له نوادر كثيرة.
وحدث، وسمع منه جماعة، منهم: ابن القطيعى.
وروى عنه ابن الدبيثى، وعبد الرحمن بن الغزال الواعظ، وابن خليل،
стр. 385
وأجاز لمحمد بن يعقوب بن أبى الدينة. وتوفى ليلة الأربعاء خامس عشرين شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وصلّى عليه من الغد بمدرسة والده. وحضر خلق كثير. ودفن بمقبرة الجلبة عند عبد الدائم الواعظ الذى تنسب المقبرة إليه.
رحمه الله تعالى.
١٩٧ - طلحة بن مظفر
بن غانم بن محمد العلثى، الفقيه الخطيب المحدث الفرضى النضار، المفسر الزاهد، الورع العارف، تقى الدين أبو محمد.
نقلت هذه الترجمة له من خط الشيخ ناصح الدين بن الحنبلى. قال: نشأ فى العلث، وهى قرية من قرى بغداد. وحفظ الكتاب العزيز. وقرأ على على البطائحى، والبرهان بن الحصرى، وغيرهما.
وقرأ الفقه على ناصح الإسلام أبي الفتح بن المنّى، فصار معيدا علىّ وعلى غيرى. يعنى: أنه كان يعيد لهم دروس الشيخ.
قال: وانتفعنا به كثيرا. وسمع الحديث الكثير. وقرأ صحيح مسلم فى ثلاث مجالس. وكان يقرأ كتاب «الجمهرة» على ابن القصار، فمن سرعة قراءته وفصاحتها قال ابن القصار: هذا طلحة يحفظ هذا الكتاب. قالوا: لا. وكان يقرأ الحديث فيبكى. ويتلو القرآن فى الصلاة ويبكى. وكان متواضعا لطيفا، أديبا فى مناظرته، لا يسفه على أحد، فقيرا مجردا، ويرحم الفقراء، ولا يخالط الأغنياء.
حدثنى الشيخ: أن ناصح الإسلام بن المنّى، زار رجلا من أرباب الدنيا.
قال: وكنت معه يعتمد على يدى، فرأيت فى زاوية الدار صحن حلواء، فاشتهته نفسى، وخرجنا ولم يقدمه لنا. فنمت تلك الليلة، فرأيت فى منامى حلواء حضرت إلىّ، فأكلت منها حتى شبعت، فأصبحت ونفسى لا تطلب الحلواء.
قال: وكان يقرأ عليه القرآن والفقه والحديث فى جامع العلث.
وقال الحافظ المنذرى: تفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى، وأبي الفرج بن
стр. 386
الجوزى. وسمع بها من أبى الفتح محمد بن عبد الباقى، ويحيى بن ثابت بن بندار، وأحمد بن المبارك المرقعاتي، وعبد الحق بن عبد الخالق، وشهدة، وتجنى الوهبانية وجماعة كثيرة.
وقرأ بلفظه على الشيوخ. وكان حسن القراءة. وانقطع فى آخر عمره إلى العبادة، وتعليم العلم.
قلت: وسمع على أحمد بن المقرب الكرخى أيضا. وعنى بالحديث، ولازم أبا الفرج بن الجوزى. وقرأ عليه كثيرا من تصانيفه، فكان أديبا شاعرا فصيحا، واشتهر اسمه، ورزق القبول من الخلق، وكثر أتباعه، وانتفع به الناس.
وروى عنه يوسف بن يوسف بن خليل، وغيره.
وروى عنه ابن الجوزى فى تاريخه حكاية، وقال: حدثنى طلحة بن مظفر الفقيه: أنه ولد عندهم بالعلث مولود لستة أشهر، فخرج له أربعة أضراس.
قال المنذرى: توفى فى ثالث عشر ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بزاويته بالعلث. ودفن هناك ﵀.
«والعلث»: ناحية قريبة من الحضيرة من نواحى دجيل. وهى بفتح العين المهملة وسكون اللام وبعدها ثاء مثلثة.
وخلف الشيخ ثلاثة أولاد، وهم أبو الفرج عبد الرحمن. وكان قدوة صالحا عالما. ومكارم، ومظفر. وكلهم سمعوا الحديث وحدثوا.
١٩٨ - محمود بن أحمد
بن ناصر البغدادى الحرمى، الحذاء أبو البركات.
ويقال: أبو الثناء.
سمع من ابن الطلاية، وعبد الخالق بن يوسف، وغيرهما. وتفقه فى المذهب.
وأقرأ الفقه، وحدث.
توفى فى ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ببغداد. ﵀.
стр. 387
١٩٩ - عبد الله بن يونس
بن أحمد بن عبيد الله بن هبة الله البغدادى الأزجى، الفقيه الفرضى الأصولى المتكلم الوزير، وزير الخليفة الناصر جلال الدين أبو المظفر بن أبى منصور بن أبى المعالى.
كان والده وكيلا لأم الخليفة الناصر. وكان ذا صدقات وإفضال على العلماء
سمع من ابن الحصين، وأبى منصور القزاز، وحدث. وحج فى آخر عمره، فتمتع عملا بالمذهب. وعاد ولزم بيته. ونابه ولده هذا.
وتوفى فى محرم سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وشيعه الأعيان. ودفن بالمدائن إلى جانب قبر حذيفة بن اليمان رضى الله عنه.
وأما ولده هذا أبو المظفر: فإنه اشتغل بالعلم، ورحل فى طلبه إلى همدان، وقرأ بها ببعض الروايات على الحافظ أبى العلاء.
وسمع الحديث من المتأخرين، مثل أبى الوقت، وأبى بكر بن الزاغونى ونصر العكبرى، وابن البطى، وغيرهم.
وتفقه فى المذهب على أبى حكيم النهروانى، ثم على صدقة بن الحسين.
وقرأ عليهما القرآن، وعلى صدقة الأصول والكلام. واختلف إلى جماعة من العلماء فى طلب فنون جمة من العلوم، وبرع فى علم الفرائض والحساب والأصلين والهندسة. وصنف كتابا فى أوهام أبى الخطاب الكلوذانى فى الفرائض والوصايا، وكتابا فى أصول الدين والمقالات. وحدث به فى ولايته الأخيرة. وسمعه منه الفضلاء. ولم يتم سماعه.
وسمع منه الحديث عبد العزيز بن دلف، وأبو الحسن بن القطيعى، وبالغ فى مدحه والثناء عليه.
وقال جمع: فيه خصال، الخصلة منهن تكون فى الرجل، فيكون من الكاملين؛ إذ كان الله رزقه حفظ القرآن، والعلم بالحلال والحرام، والفرائض والكتاب والحساب، والعلم بالنحو، والسنّة والأخبار، وأعطاه من شرف
стр. 388
الأخلاق، وكرم الأعراق، والمجد المؤثل، والرأى المحصل، والفضل والنجابة، والفهم والإصابة، والقريحة الصافية، والمعرفة بكل فضل وفضيلة، والسمو إلى كل درجة رفيعة نبيلة من محمود الخصال، والفضل والكمال ما يطول شرحه.
ثم ذكر تنقله فى الولايات حتى ولاه الخليفة الوزارة فى شوال سنة ثلاث وثمانين وجلس الخليفة له وخواص الدولة لخلعته. ثم ركب إلى الديوان وبين يديه جميع أرباب الدولة: قاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانى، والنقيبان، وجميع الأمراء
وذكر غيره: أنه كان يوما وعثا ذا وجل، وهم مشاة بين يديه. وكان قاضى القضاة قد توقف فى قبول شهادة ابن يونس، فلم يقبلها إلا بكره. حتى صار من شهوده. فكان يمشى فى ذلك اليوم ويعثر، ويقول: لعن الله طول العمر.
ومات القاضى ﵀ فى آخر تلك السنة.
وفى سنة أربع وثمانين أرسل الخليفة الناصر الوزير ابن يونس مع عسكر عظيم لمحاربة السلطان طغرل بن أرسلان، فلقيهم طغرل بقرب همدان، فتفرق عسكر الوزير، وثبت وبيده سيف مشهور ومصحف، فلم يقدموا عليه، حتى أخذ بعض خواص السلطان بعنان دابته وقادها إلى خيمته، ثم أنزله وأجلسه، فجاء إليه السلطان فى خواصه ووزيره، فلزم معهم قانون الوزارة، ولم يقم لهم فعجبوا من فعله. وكلمهم بكلام خشن، وقال لهم: أمير المؤمنين لما بلغه عبثكم فى البلاد، وخروجكم عن الأوامر الشرعية أمر بمجاهدتكم، فاحترموه وأكرموه، وبقى عندهم مدة. وكان فى تلك المدة يسرد الصيام، ويديم التهجد والتلاوة، ويحافظ على الجماعات فى الفرائض. ثم نقلوه معهم إلى بعض بلاد أذربيجان فتلطف فى التخلص منهم، حتى خلص. وسار إلى الموصل. وكان الخليفة قد استوزر فى هذه المدة غيره. وكان هذا الوزير الجديد قد بعث إلى أقطار البلاد فى إهلاك ابن يونس. فلما وصل إلى الموصل، خرج أميرها وسأله المقام ليقبض عليه، فانفلت منه، ونزل فى سفينة وبعض حواشيه، وانحدروا ليلا إلى تكريت،
стр. 389
ففعل به من فى قلعتها كما فعل صاحب الموصل، فتفلت منهم أيضا، ووصل إلى بغداد، فانتقل إلى بعض سفنها، وتنكر، ووصل إلى بيته بباب الأزج. ثم شاع خبره، فطلبه الخليفة إلى داره. ولم يزل فى هذه المدة يدرس القرآن، ويدارس الفقه ويتحفظ ما كان نسيه من أنواع العلوم. ثم ولاه الخليفة سنة خمس وثمانين أمر المخزن والديوان، ثم جعله أستاذ الدار سنة سبع وثمانين.
وفى ولايته هذه عقد المجلس لقاضى القضاة العباسى، وأحضر القضاة والعلماء، أفتوا وأثبتوا فسقه لقضية كان قد حكم فيها، وعزله، وبقى على ولايته إلى رجب سنة تسعين، فعزل وقبض عليه. وذلك فى ولاية ابن القصاب الوزارة.
وكان ابن القصاب رافضيا خبيثا. وكان الناصر يميل إلى الشيعة، فسعى فى القبض على ابن يونس، ونفى الشيخ أبا الفرج إلى واسط، وبقى ابن يونس معتقلا إلى سنة ثلاث وتسعين، فأخرج فى سابع عشر صفر ميتا. ودفن بالسرداب ﵀ وسامحه.
وقد ذكر ابن النجار: أنه لم يكن فى ولايته محمودا. وقد علمت أن الناس لا يجتمعون على حمد شخص ولا ذمه.
وأما أبو شامة فبالغ فى ذمه والحط عليه بأمور لم يقم عليها حجة. وإنما قال:
ويقال: إنه فعل كذا. ومثل هذا القدح لا يكفى فى مستنده. ويقال كذا.
وكذلك ابن القادسى فى تاريخه يذمه كثيرا. وقد ذكر: أنه إذا آباه فصار ذا غرض معه.
وأما ابن الدبيثى فقال: كان فيه فضل، وحسن سمت ووقار. وذكر: أنه لما عزل فى المرة الأخيرة أقام بمنزله.
وذكر ابن القادسى: أنه لما قبض عليه استفتى عليه أنه كان تسبب إلى كسر عسكر الخليفة، وقتلهم ونهبهم، وأظهر موت الخليفة وهو حى. فكتب ابن فضلان كلاما مضمونه: إباحة دم من فعل هذا. وكتب ابن الجوزى: أنه يلزمه غرامة
стр. 390
ما خان فيه، وتقام عليه السياسة الرادعة. وذكر: أنه بعد القبض عليه فى داره نقل إلى محبس ضنك وعر بالتاج. وقيل: إنه ضيق عليه وقيد.
قال: وكان فقيها أصوليا جدليا، عالما بالحساب والفرائض، والهندسة والجبر والمقابلة. وصنف كتابا فى الأصول. وكان يقرأ عليه كل أسبوع، ويحضره جماعة من العلماء، إلا أنه شان أفعاله بسوء أعماله بأغراضه الفاسدة، والحسد الذى كان معه، والطرائق التى كانت غير مرضية، فأبغضه الناس وسبّوه. وكان فيه سودنة وجنون.
قال: وتوفى فى يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين. ودفن بالسرداب بدار الخلافة.
٢٠٠ - الحسن بن مسلم
بن الحسن. ويقال أبى الحسن بن أبى الجود الفارسى، ثم الحورى، الزاهد أبو علي، زاهد وقته.
أصله من «حوراء»: قرية من قرى دجيل من سواد بغداد، ثم انتقل منها إلى قرية يقال لها: الفارسية من نهر عيسى. وكان يكتب فى الإجازة: الفارسى، ثم الحورى.
ولد سنة أربع وخمسمائة.
وقرأ القرآن وتفقه فى المذهب. وسمع الحديث من أبى البدر الكرخى وغيره. وصحب الشيخ عبد القادر، ثم اشتغل بالعبادة والانقطاع إلى الله
وكان كثير البكاء، دائم العبادة على منهاج السلف، ذا كرامات. ويقال:
إنه كان يختم كل يوم وليلة ختمة.
ذكره ابن الدبيثى، فقال: كان رجلا صالحا كثير العبادة، منقطعا إلى الاشتغال بالخير. قد قرأ القرآن، وتفقه. وسمع الحديث، ولم يزل على طريقة حميدة. روى عن الكرخى، ونعم الرجل كان.
وقرأت بخط أبى الفرج بن الحنبلى الدمشقى قال: سمعت الشيخ طلحة - يعنى العلثى - يقول للشيخ: حسن هذا عشرون سنة مارئى نائما أو مضطجعا.
следующие страницы →