← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قد عقد مجلسا للركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلى، وأحرقت كتبه. وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأى الأوائل شئ كثير، وذلك بمحضر من ابن الجوزى وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جده، وسلمها إلى ابن الجوزى. فلما ولى الوزارة ابن القصاب - وكان رافضيا خبيثا - سعى فى القبض على ابن يونس، وتتبع أصحابه، فقال له الركن: أين أنت عن ابن الجوزى فإنه ناصبى، ومن أولاد أبى بكر، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدى، وأحرقت كتبى بمشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر وكان الناصر له ميل إلى الشيعة ولم يكن له ميل إلى الشيخ أبى الفرج، بل قد قيل: إنه كان يقصد أذاه، وقيل: إن الشيخ ربما كان يعرض فى مجالسه بذم الناصر، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه، وأغلظ عليه وختم على كتبه وداره، وشتت عياله. فلما كان فى أول الليل حمل فى سفينة وليس معه إلا عدوه الركن، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، فأحدر إلى واسط. وكان ناظرها شيعيا. فقال له الركن: مكنى من عدوى لأرميه فى المطمورة، فزبره، فقال يا زنديق، ارميه بقولك، هات خط الخليفة، والله لو كان من أهل مذهبى لبذلت روحى. ومالى فى خدمته، فعاد الركن إلى بغداد. قال ابن القادسى: لما حضروا واسط جمع الناس، وادعى ابن عبد القادر على الشيخ: أنه تصرف فى وقف المدرسة، واقتطع من مالها كذا وكذا، وكذب فيما ادعاه، وأنكر الشيخ، وصدق وبر، وأفرد للشيخ دار بدرب الديوان، وأفرد له من يخدمه، وبقى الشيخ محبوسا بواسط فى دار بدرب الديوان، وعلى بابها بواب. وكان بعض الناس يدخلون عليه، ويستمعون منه، ويملى عليهم. وكان يرسل أشعارا كثيرة إلى بغداد. وأقام بها خمس سنين يخدم نفسه بنفسه، ويغسل ثوبه ويطبخ، ويستقى الماء من البئر، ولا يتمكن من خروج إلى حمام

стр. 422

ولا غيره وقد قارب الثمانين. ويقال: إنه بقى خمسة أيام فى السفينة حتى وصل إلى واسط لم يأكل فيها طعاما. وذكر عنه أنه قال: قرأت بواسط مدة مقامى بها كل يوم ختمة، ما قرأت فيها سورة يوسف من حزنى على ولدى يوسف. والذى ذكره أبو الفرج بن الحنبلى عن طلحة العلثى: أن الشيخ كان يقرأ فى تلك المدة ما بين المغرب والعشاء ثلاثة أجزاء أو أربعة من القرآن. وبقى على ذلك من سنة تسعين إلى سنة خمس وتسعين، فأفرج عنه، وقدم إلى بغداد وخرج خلق كثير يوم دخوله لتلقيه، وفرح به أهل بغداد فرحا زائدا، ونودى له بالجلوس يوم السبت، فصلى الناس الجمعة، وعبروا يأخذون مكانات موضع المجلس عند تربة أم الخليفة. فوقع تلك الليلة مطر كثير ملأ الطرقات، فأحضر فى الليل فراشون وروز جارية، فنظفوا موضع الجلوس وفرشوا فيه دقاق الجص والبوارى، ومضى الناس وقت المطر إلى قبر معروف تحت الساباط، حتى سكن المطر، ثم جلس الشيخ بكرة السبت وعبر الخلق، وحضر أرباب المدارس والصوفية ومشايخ الربط، وامتلأت البرية حتى ما كان يصل صوت الشيخ إلى آخرهم. وكان السبب فى الإفراج عن الشيخ: أن ولده محيى الدين يوسف ترعرع وأنجب، وقرأ الوعظ ووعظ، وتوصل وساعدته أم الخليفة، وكانت تتعصب للشيخ أبى الفرج فشفعت فيه عند ابنها الناصر، حتى أمر بإعادة الشيخ، فعاد إلى بغداد، وخلع عليه، وجلس عند تربة أم الخليفة للوعظ، وأنشد: شقينا بالنوى زمنا فلما … تلاقينا كأنا ما شقينا سخطنا عند ما جنت الليالى … فما زالت بنا حتى رضينا سعدنا بالوصال وكم شقينا … بكاسات الصدود وكم فنينا فمن لم يحيى بعد الموت يوما … فإنا بعد ما متنا حيينا ولم يزل الشيخ على عادته الأولى فى الوعظ، ونشر العلم وكتابته إلى أن مات.

стр. 423

قال سبطه أبو المظفر: جلس جدي يوم السبت سابع شهر رمضان - يعنى سنة سبع وتسعين وخمسمائة - تحت تربة أم الخليفة المجاورة لمعروف الكرخى. وكنت حاضرا، فأنشد أبياتا قطع عليها المجلس، وهي هذه: الله أسأل أن يطول مدتى … وأنال بالإنعام ما فى نيتى لى همة فى العلم ما من مثلها … وهى التى جنت النحول هى التى حلفت من الفلق العظيم إلى المنى … دعيت إلى نيل الكمال فلبّت كم كان لى من مجلس لو شبهت … حالاته لتشبهت بالجنة اشتاقه لما مضت أيامه … عللا وتعذر ناقة إن حنت يا هل لليلات بجمع عودة … أم هل إلى وادى منى من نظرة؟ قد كان أحلى من تصاريف الصبى … ومن الحمام مغنيا فى الأيكة فيه البديهات التى ما نالها … خلق بغير مخمر ومبيت برجاحة وفصاحة وملاحة … تقضى لها عدنان بالعربية وبلاغة وبراعة ويراعة … ظن النباتى أنها لم تنبت وإشارة تبكى الجنيد وصحبه … فى رقة ما نالها ذو الرمة قال أبو شامة: هذه الأبيات أظنها كان نظمها فى أيام محنته، إذ كان محبوسا بواسط؛ فمعانيها دالة على ذلك. والله أعلم. ثم قال أبو المظفر: ثم نزل عن المنبر، فمرض خمسة أيام، وتوفى ليلة الجمعة بين العشائين فى داره يقتطفنا. قال: وحكت لى والدتى أنها سمعته يقول قبل موته: إيش أعمل بطواويس؟ يرددها. قد جئت لى هذه الطواويس. وحضر غسله شيخنا ضياء الدين بن سكينة وضياء الدين بن الجبير وقت السحر. واجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وجاء أهل المحال، وشددنا التابوت بالحبال، وسلمناه إليهم، فذهبوا به إلى تحت التربة مكان جلوسه، فصلى عليه ابنه أبو القاسم علىّ اتفاقا؛ لأن الأعيان لم يقدروا على

стр. 424

الوصول إليه، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور، فصلوا عليه، وضاق بالناس. وكان يوما مشهودا، لم يصل إلى حفرته عند قبر الإمام أحمد بن حنبل إلى وقت صلاة الجمعة. وكان فى تموز، وأفطر خلق كثير ممن صحبه، رموا أنفسهم فى خندق الطاهرية فى الماء، وما وصل إلى حفرته من الكفن إلا القليل، ونزل فى الحفرة والمؤذن يقول: الله أكبر، وحزن الناس عليه حزنا شديدا، وبكوا عليه بكاء كثيرا، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشموع والجماعات. قال: ورآه تلك الليلة المحدث أحمد بن سلمان الحربى على منبر من ياقوت مرصّع بالجوهر، والملائكة جلوس بين يديه، والحق تعالى حاضر يسمع كلامه. قلت: وأنبأنى أبو الربيع على بن عبد الصمد بن أحمد بن أبى الجيش عن أبيه قال: قال عفيف الدين معتوق القليوبى: رأيت فيما يرى النائم قائلا يقول: لعمرك قد أوذى وعطل منبر … وأعيى على المستفهمين جواب قال: فانتبهت من نومى، فقلت: ترى أى شئ قد جرى؟ فجاءنا الخبر وقت العصر بموت الشيخ ابن الجوزى، فقلت: ولم يبق من يرجى لإيضاح مشكل … وأصبح ربع العلم وهو خراب ثم قال أبو المظفر: أصبحنا عملنا عزاه، وتكلمت فيه، وحضر خلق عظيم، وأنشد القادرى العلوى: الدهر عن طمع يغرّ ويخدع … وزخارف الدنيا الدنية تطمع وأعنة الآمال يطلقها الرجى … طمعا وأسياف المنية تقطع والموت آت، والحياة مريرة … والناس بعضهم لبعض يتبع واعلم بأنك عن قليل صائر … خبرا فكن خبرا بخير يسمع لعلا أبى الفرج الذى بعد التقى … والعلم يوم حواه هذا المجمع خبر، عليه الشرع أصبح والها … ذا مقلة حرا عليه تدمع من للفتاوى المشكلات وحلّها … من ذا لخرق الشرع يوما يرفع؟

стр. 425

من للمنابر أن يقوم خطيبها … ولرد مسألة يقول فيسمع؟ من للجدال إذا الشفاه تقلصت … وتأخر القوم الهزبر المصقع؟ من للدياحى قائما ديجورها … يتلو الكتاب بمقلة لا تهجع أجمال دين محمد، مات التقى … والعلم بعدك، واستحم المجمع يا قبره جادتك كل غمامة … هطالة ركانة لا تقلع قيل الصلاة مع الصلاة فته به … وانظر به يا رمل ماذا يصنع يا أحمد، أخذ أحمد الثانى الذى … ما زال عنك مدافعا لا يرجع أقسمت لو كشف الغطا لرأيتم … وفد الملائك حوله تتسرع ومحمد يبكى عليه وآله … خير البرية والبطين الأنزع وذكر تمام القصيدة. قال: ومن العجائب: أنا كنا جلوسا عند قبره بعد انفضاض العزاء، وإذا بخالى محيى الدين يوسف قد صعد من الشط، وخلفه تابوت، فعجبنا وقلنا: ترى من مات فى الدار؟ وإذا بها خاتون أم ولد جدى، والدة محيى الدين، وعهدى بها فى ليلة الجمعة التى مات فيها جدى فى عافية، قائمة ليس بها مرض، فكان بين موتها وموته يوم وليلة، وعدّ الناس ذلك من كراماته؛ لأنه كان مغرى بها فى حال حياته، وأوصى جدى أن يكتب على قبره: يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه … جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم يديه أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه فرحمه الله تعالى وغفر له، ورحم سائر علماء المسلمين. قال أبو المظفر: وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة، أو لهم: أبو بكر عبد العزيز. وهو أكبر أولاده، تفقه على مذهب أحمد. وسمع أبا الوقت، وابن ناصر، والأرموى، وجماعة من مشايخ والده.

стр. 426

وسافر إلى الموصل، ووعظ، وحصل له القبول التام، فيقال: إن بنى الشهرزورى حسدوه، فدسّوا إليه من سقاه السم، فمات بالموصل سنة أربع وخمسين فى حياة والده. والثانى: أبو القاسم علىّ. كتب الكثير. وسمع من ابن البطى وغيره. وكانت طريقته غير مرضية، وهجره أبوه سنين. توفى سنة ثلاثين وستمائة. وله ثمانون سنة. وأبو محمد يوسف. أستاذ دار المستعصم. وسنذكره إن شاء الله فى موضعه من هذا الكتاب. ومما يذكر من مناقب الشيخ أبى الفرج: ما ذكره هو فى تاريخه فى ترجمة مرجان الخادم. وكان قد قرأ القرآن وشيئا من الفقه، وتزهد. وله مكانة عند الخليفة، إلا أنه كان يتعصب على الحنابلة فوق الحد، حتى إن الوزير ابن هبيرة عمل بمكة حطيما يصلى فيه إمام الحنابلة، فمضى مرجان وقلعه من غير إذن الخليفة قال أبو الفرج: وناصبنى دون الكل، وبلغنى: أنه كان يقول: مقصودى قلع المذهب. فلما مات الوزير ابن هبيرة سعى إلى الخليفة، فقال: عنده كتب من كتب الوزير، فقال الخليفة: هذا محال؛ فإن فلانا كان عند أحد عشر دينارا لأبى حكيم، وكان حشريا، فما فعل فيها شيئا، حتى طالعنا. قال: فنصرنى الله عليه ودفع شره. قال: وحدثنى سعد الله البصرى - وكان رجلا صالحا. وكان مرجان حينئذ فى عافية - قال: رأيت مرجان فى المنام ومعه اثنان، كل واحد قد أخذ بيد، فقلت إلى أين؟ قالا: إلى النار، قلت: لماذا؟ قالا: كان يبغض ابن الجوزى. قال: ولما قويت عصبته لجأت إلى الله تعالى ليكفينى شره، فما مضت إلا أيام حتى أخذه السلال، فمات فى ذى القعدة سنة ستين بعد ابن هبيرة بأشهر. أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومى - بفسطاط مصر - أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج بن الجوزى الحافظ، أخبرنا

стр. 427

القاضى أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله الأصبهانى سنة عشرين وخمسمائة، أخبرنا عبد الرزاق عن موسى بن شمة سنة سبع وخمسين وأربعمائة، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ، أخبرنا أبو يعلى الموصلى، وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز قالا: حدثنا على بن الجعد، أخبرنا شعبة وهشيم وحماد بن سلمة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إنّي أعوذ بك من الخبث والخبائث». أخرجه البخارى عن آدم عن شعبة، ومسلم عن يحيى عن هشيم، كلاهما عن عبد العزيز. وبه قال ابن الجوزى. وأنبأنا أبو الحسن على بن عبد الواحد الدينورى، أخبرنا أبو الحسن على بن عمر القزوينى، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا أبو القاسم البغوى حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، حدثنى أبو حمزة، سمعت ابن عباس يقول: «إن وفد عبد القيس، لما قدموا على رسول الله ﷺ ، أمرهم بالإيمان بالله، قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم». أخرجه البخارى عن علي بن الجعد، ومسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن غندر، كلاهما عن شعبة. ذكر شئ من فتاويه وفوائده: ذكر: أنه استفتى فى زمن المستضئ فى إقامة الجمعة بجامع ابن المطلب ببغداد، قال: فلم أر جوازه؛ لأن الجمعة إنما جعلت لتكون علما للإسلام بكثرة الجموع، وإظهار ما يكبت المشركين، فإذا كان فى كل محل جمعة، صارت كصلاة الظهر.

стр. 428

قال: وأجاز ذلك بعض من ينسب إلى الفقه، وعلل بأن كل محلة صارت منقطعة عن غيرها للخراب الذى استولى على الأرض، فأشبهت القرى، قال: ولا أرتضى هذا التعليل. قلت: وهذا يقتضى اتفاقهم على أنه مع اتصال العمارة لا يجوز ذلك، لكن هذا مع عدم الحاجة. وذكر أنه استفتى فى رجل من الفقهاء، قال: إن عائشة قاتلت عليا رضى الله عنهما. فصارت من البغاة. وكان قد خرج توقيع المستضئ بتعزيره. قال: فقلت - بعد ما قال الفقهاء عليه - هذا رجل ليس له علم بالنقل، وقد سمع أنه قد جرى قتال، ولعمرى أنه قد جرى قتال، ولكن ما قصدته عائشة ولا علي، إنما أثار الحرب سفهاء الفريقين، ولولا علمنا بالسير؛ لقلنا مثل ما قال وتقرير مثل هذا أن يقر بالخطأ بين الجماعة، فيصفح عنه. قال: فكتب إلى الخليفة بذلك، فوقّع: إذا كان قد أقر بالخطأ، فيشترط عليه أن لا يعاود، ثم أطلق. وذكر فى كتابه «تلبيس إبليس» إنكار الذكر بالليل على المآذن، ونحوها، فإنه قال: قد رأيت من يقوم بليل كثير على المنارة، فيعظ ويذكر، ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات. ٢٠٦ - هبة الله بن عبد الله بن هبة الله بن محمد السامرى، ثم البغدادى الحريمى، ثم الأزجى، الفقيه الواعظ أبو غالب بن أبى الفتح. سمع من أبى البدر الكرخى، سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. ومن سعد الخير الأنصارى، ويوسف بن عمر الحربى. وتفقه فى المذهب، وأفتى، وتكلم فى المسائل، ووعظ. وكان مقيما بمدرسة أبى حكيم، ولازم أبا الفرج بن الجوزى.

стр. 429

قال القادسى: كان فقيها مجودا، واعظا، خيرا، ديّنا، وحدث. وسمع منه ابن القطيعى، وروى عنه ابن خليل فى معجمه. وتوفى ليلة الخميس ثانى عشر محرم، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد، قريبا من بشر الحافى، رضى الله عنهم أجمعين. ٢٠٧ - حماد بن هبة الله بن حماد بن الفضل الفضيلى الحرانى التاجر السفار المحدث المؤرخ أبو الثناء. ولد فى ربيع الأول سنة إحدى عشرة وخمسمائة بحران. وسمع ببغداد من أبى القاسم بن السمرقندى، وأبى بكر بن الزاغونى، وسعيد ابن البناء، وجماعة. وبهراة من مسعود بن محمد بن غانم، وعبد السلام بن أحمد بكيرة. وبمصر من ابن رفاعة السعدى، وبالإسكندرية من الحافظ السلفى، وغيرهم. وجمع تاريخا لحران، وحدث به فيما ذكره ابن الدبيثى. وقيل: إنه لم يكمله، وجمع جزءا فيمن اسمه حماد، وله شعر جيد، وحدث ببغداد ومصر والإسكندرية وحران. روى عنه الشيخ موفق الدين، وعبد القادر الرهاوى، والعلم السخاوى المقرئ، والحافظ الضياء، وابن عبد الدائم، والنجيب الحرانى، وغيرهم. وتوفى يوم الأربعاء، ثانى عشرين ذى الحجة، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بحران، ودفن بها. ﵀. أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا حماد ابن هبة الله بحران، أخبرنا إسماعيل بن أحمد بن عمر الحافظ، أخبرنا محمد ابن هبة الله الطبرى، أخبرنا هلال الحفار، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، حدثنى محمد بن محمد بن سليمان صاحب البصرى، حدثنى أبو عمران السلمى، قال: أنشدنى أبو نواس:

стр. 430

ألا ربّ وجه فى التراب عتيق … ألا رب رامى فى التراب رفيق أرى كل حى هالكا وابن هالك … وذو حسب فى الهالكين عريق فقل لمقيم الدار: إنك ظاعن … إلى سفر نائى المحل سحيق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو فى ثياب صديق ٢٠٨ - محمد بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن عبد الباقى بن العكبرى البغدادى الطفرى، الفقيه المحدث، الواعظ أبو عبد الله. ذكره ابن النجار، وقال: جارنا بالطفرية. حفظ القرآن فى صباه، وقرأه بالروايات على أبى بكر بن الباقلانى الواسطى، وعلى عبد الله بن بكران الداهرى. وتفقه على مذهب أحمد بن حنبل، وقرأ العربية على أبى البركات الأنبارى، وأبى محمد بن الخشاب، وصحب شيخنا أبا الفرج ابن الجوزى، وقرأ عليه شيئا من مصنفاته فى الوعظ وغيره. وسمع الحديث من أبى العباس أحمد بن محمد المرقعاتى، وعبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، وشهدة الكاتبة، ومن خلق كثير دونهم، وكتب بخطه كثيرا من الكتب والأجزاء، وكان يعقد مجلس الوعظ بجامع ابن بهليقا فى كل جمعة، فبقى على ذلك مدة طويلة، ثم انقطع فى بيته، لا يخرج منه إلا إلى الجمعة والجماعة، وكان يكثر الجلوس فى المقابر، سمعت منه. وكان يسمع بقراءتى على مشايخنا، وكان صدوقا متدينا عفيفا، قليل المخالطة للناس، محبا للخلوة والانزواء، فقيها فاضلا، كثير المحفوظ للأحاديث، وحكايات السلف ويعرف طرفا صالحا من الحديث، وقد جمع معجما لشيوخه الذين سمع منهم فى فى خمسة أجزاء، ثم روى عنه حديثا عن شهدة، ثم قال: ذكر أن مولده فى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وتوفى ليلة الاثنين ثامن عشر جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وصلينا عليه من الغد، ودفن بالجديدة من باب أبرز، رحمه الله تعالى.

стр. 431

قرئ على أبى الفتح الميدومى - بمصر، وأنا أسمع - أخبركم أبو الفرج الحرانى، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عثمان بن عبد الله العكبرى الواعظ، من لفظه وحفظه، قال: أنشدنى شيخى ابن الباقلانى المقرئ الواسطى: كتبى لأهل العلم مبذولة … أيديهم مثل يدى فيها متى أرادوها بلا منة … عارية فليستعيروها حاشاى أن أكتمها عنهمو … بخلا كما غيرى يخفيها أعارنا أشياخنا كتبهم … وسنة الأشياخ نحييها وقد روى هذه الأبيات ابن السمعانى عن ابن الباقلانى، قال: أنشدنى خميس الجوزى لنفسه. ٢٠٩ - على بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصارى الدمشقى، الفقيه الواعظ المفسر زين الدين أبو الحسن بن رضي الدين أبى طاهر، المعروف بابن نجية. نزيل مصر، سبط الشيخ أبى الفرج الشيرازى الحنبلى. ولد بدمشق سنة ثمان وخمسمائة، فيما ذكره ابن نقطة والمنذرى وغيرهما. وقال ناصح الدين بن الحنبلى: إنه ولد سنة عشر. وسمع بدمشق من أبى الحسن على بن أحمد بن قيس. وسمع درس خاله شرف الإسلام عبد الوهاب. وتفقه به، وسمع التفسير منه، وأحب الوعظ وغلب عليه، فاشتغل به. قال ناصح الدين: قال لى: حفظنى خالى مجلس وعظ، وعمرى يومئذ عشر سنين ثم نصب لى كرسيا فى داره، وأحضر لى جماعته، وقال: تكلم، فتكلمت، فبكى. قال: وكان ذلك المجلس يذكر بعضه وهو ابن تسعين، وكان بطيء النسيان. وكان أسماء الفصول الذى يحفظ مجلدة. وكان لا يخطب فى مجلسه، وإنما يدعو عقيب القراء، ثم يقرأ مقرئ آيات من القرآن فيفسرها، ويوسع فى ذكره، ثم يذكر فصولا وعنده من كلام العرب والعجم، فيلقن من الفصول ما يختار.

стр. 432

وبعثه نور الدين محمود بن زنكى رسولا إلى بغداد سنة أربع وستين وخمسمائة وخلع عليه هناك أهبة سوداء، فكانت عنده يلبسها فى الأعياد. وسمع هناك الحديث من سعد الخير بن محمد الأنصارى كثيرا. وصاهره على ابنته فاطمة، ونقلها معه إلى مصر، وانتقلت كتب سعد الخير إليه. ومن عبد الصبور بن عبد السلام الهروى وعبد الخالق بن يوسف وغيرهم. واجتمع هناك بالشيخ عبد القادر وغيره من الأكابر، ووعظ بجامع المنصور. قال ناصح الدين: سمعته يقول: أول مجلس جلسته فى بغداد فى جامع المنصور، فنزلت سحرا إلى الجامع متنكرا، حتى أرى هيئة المجلس وأسمع ما يقال، وإذا رجل أعمى قد جلس على درج المنبر، فذكر من الفصول من كلام التميمى وابن عقيل وغيرهما جميع ما قد حررته للمجلس، وتعبت عليه. قال: فأصابنى همّ، وما بقى لى زمن أحفظ غير ذلك، فاستخرت الله تعالى، ثم جلست وتكلمت، وذكرت حكاية طاب بها المجلس. قال: وسمعته يقول: أول ما دخلت بغداد جاءنى الشيخ أبو الفضل بن شافع وتعصب لى، فدخل علىّ الشيخ أبو الفرج بن الجوزى مهنئا بالسلامة، وتحدثنا، فقال لى: تحفظ شيئا من شعر ابن الكيزانى؟ فأنشدته له: رأتنى خاضبا شيبى … فسمتنى أبا العيب فظهر الغيظ فى وجهه، ثم قام فذهب. فقال ابن شافع: إيش عملت؟ هذا أول من جاءك من الحنابلة لقيته بما يكره، فقلت: كيف؟ قال: هو يخضب، فقلت: والله ما علمت، ولا حضرنى من شعر ابن الكيزانى إلا هذا. ثم عاد ابن نجية وانتقل إلى مصر من قبل دولة صلاح الدين، وأقام بها إلى أن مات. وكان يعظ بها بجامع القرافة مدة طويلة. وله فيها وجاهة عظيمة عند الملوك. وقال ناصح الدين: كان ذا رأى صائب. وكان صلاح الدين - يعنى ابن يوسف بن أيوب - يسميه عمرو بن العاص، ويعمل برأيه.

стр. 433

وقال أبو شامة: كان صلاح الدين يكاتبه، ويحضر مجلسه هو وأولاده: العزيز، وغيره. وكان له جاه عظيم، وحرمة زائدة. وقال ناصح الدين: كان أهل السنة بمصر لا يخرجون عما يراه لهم زين الدين - يعنى ابن نجية - وكثير من أرباب الدولة. وقال له الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين: إذا رأيت مصلحة فى شئ فاكتب إلىّ بها، فأنا ما أعمل إلا برأيك. وقضيته مع عمارة اليمنى ومن وافقه على السعى من إعادة دولة العبيديين معروفة. وهم: عبد الصمد الكاتب، وهبة الله بن كامل القاضى، وابن عبد القوى داعى الدعاة، وعمارة الشاعر، وغيرهم من الجند والأعيان. وكانوا قد عينوا خليفة ووزيرا، وتقاسموا الدور، واتفقوا على استدعاء الفرنج إلى مصر، ليشتغل بهم صلاح الدين، ويخلو لهم الوقت ليتم أمرهم ومكرهم، فأدخلوا فى الشورى معهم زين الدين ابن نجية، فأظهر لهم أنه معهم، ثم جاء إلى صلاح الدين فأخبره، وطلب منه ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذله له، وأمره بمخالطتهم، وتعريف شأنهم، فصار يعلمه بكل متجدد. ويقال: إن القاضى الفاضل استراب من بعض أولئك الجماعة، فأحضر ابن نجا الواعظ، وأخبره الحال. فطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدين، فأوضح له الأمر. فطلب صلاح الدين الجماعة وقررهم، فأقروا، فصلبهم بين القصرين. ولما كان السلطان صلاح الدين فى الشام سنة ثمانين كتب إليه الشيخ زين الدين كتابا يشوقه إلى مصر، ويصف محاسنها. فكتب إليه السلطان كتابا بإنشاء العماد الكاتب، يتضمن تفضيل الشام على مصر. وفى آخره: ونحن لا نجفوا الوطن كما جفوته. وحب الوطن من الإيمان. ولما فتح صلاح الدين القدس كان معه، وتكلم أول جمعة أقيمت فيه على كرسى الوعظ. وكان يوما مشهودا.

стр. 434

وذكر أبو شامة: أن الشهاب الطوسى لما دخل مصر كان يجرى بينه وبين زين الدين العجائب من السباب ونحوه، فإن الطوسى كان أشعريا، وهذا حنبلى. وكلاهما واعظ. قال: وجلس ابن نجية يوما فى القرافة بالجامع، فوقع عليه وعلى جماعة ممن عنده السقف، فعمل الطوسى خطبة، وذكر فيها قوله تعالى (٢٦:١٦ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)﴾. وجاء يوما كلب يشق الصفوف، فقال ابن نجية: هذا من هناك، وأشار إلى مكان الطوسى. وذكر ناصح الدين بن الحنبلى: أن ابن نجا نشأ له ولد حسن الصورة. فلما بلغ أخذ فى سبيل اللهو، فدعا عليه، فمات. فحضر الناس والدولة لأجله، فلما وضعوا سريره فى المصلى نصبوا للشيخ كرسيا إلى جانبه، فصعد عليه، وحمد الله تعالى، وقال: اللهم إن هذا ولدى بلغ من العمر تسع عشرة سنة، لم يجر عليه فيها قلم إلا بعد خمس عشرة سنة، بقى له ثلاث سنين، نصفها نوم، بقى عليه سنة ونصف، قد أساء فيها إلىّ وإليك. فأما جنايته علىّ فقد وهبتها له. بقى الذى لك فهبه لى. فصاح الناس بالبكاء. ونزل فصلى عليه. قال: وكان زين الدين كريما. وله سماط يؤكل عنده، وتوسعة فى النفقة. وقال ابن المظفر سبط ابن الجوزى: كان ابن نجية قد اقتنى أموالا عظيمة، وتنعم تنعما زائدا، بحيث أنه كان فى داره عشرون جارية للفراش، كل جارية تساوى ألف دينار. وأما الأطعمة فكان يعمل فى داره ما لا يعمل فى دور الملوك. وتعطيه الملوك والخلفاء أموالا عظيمة كثيرة. قال: ومع هذا مات فقيرا، كفنه بعض أصحابه. والذى ذكره ناصح الدين بن الحنبلى: أن ابن نجا ضاق صدره فى آخر عمره من دين عليه، وأن الملك العزيز عثمان لما عرف ذلك أعطاه ما يزيد على أربعة آلاف دينار مصرية.

стр. 435

قال: وقال لى: ما احتجت فى عمرى إلا مرتين. قال ناصح الدين: قال لى: والدى زين الدين سعد بدعاء والدته، كانت صالحة حافظة، تعرف التفسير. قال زين الدين: كنا نسمع من خالى التفسير، ثم أجئ إليها، فتقول: إيش فسر أخى اليوم؟ فأقول: سورة كذا وكذا، فتقول: ذكر قول فلان، وذكر الشئ الفلانى؟ فأقول: لا، فتقول: ترك هذا، وسمعت والدى يقول: كانت تحفظ كتاب «الجواهر» وهو ثلاثون مجلدة، تأليف والدها الشيخ أبى الفرج، وأقعدت أربعين سنة فى محرابها. حدث الشيخ أبو الحسن بن نجا ببغداد، ودمشق، ومصر، والإسكندرية وغيرها، وسمع منه خلق كثير، وحكى عنه الحافظ السلفى فى معجم شيوخ بغداد. وروى عنه الحافظ عبد الغنى، وابن خليل، والضياء المقدسى، وأبو سليمان ابن الحافظ عبد الغنى، وعبد الغنى بن سليمان، وخطيب مردا، وجماعة، وأجاز للمنذرى، وأحمد بن أبى الخير سلامة، ومحمد بن أبى الدبية. وتوفى فى شهر رمضان - قال المنذرى: فى سابعه، وقال ابن نقطة: فى ثامنه - سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالشارع، ظاهر القاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم. وقال ناصح الدين بن الحنبلى: مات بعد الستمائة. وهو وهم؛ فإنه كان يكتب هذه التواريخ من حفظه. وقد بعد عهده بها. قال: ودفن بتربة سارية، بجوار عزّ الدين ابن خاله، عن وصية منه. وكان يوم دفنه مشهودا لكثرة الخلق. وذكر: أنه سمع منه كثيرا. ٢١٠ - إبراهيم بن محمد بن أحمد بن الصقال الطيبى، ثم البغدادى الأزجى الفقيه الإمام أبو إسحاق، مفتى العراق، ويلقب موفق الدين. ولد فى خامس عشر شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة، كذا ذكره القطيعى عنه.

стр. 436

وقال المنذرى: فى نصف شوال. وسمع من ابن الطلاية، وابن ناصر، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت وأحمد بن عبد الله بن مرزوق، وأبى على بن شاتيل، وأبى المعمر الأنصارى، وسعيد بن البناء، وعبد الخالق بن يوسف، وأحمد بن محمد العباسى النقيب، وغيرهم وسمع من أبى عبد الله الحسنى بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر الجوزقانى الهمدانى. قدم عليهم بغداد سنة ثلاث وأربعين خمسمائة، وكتابا جمعه وسماه «الترغيب». وقرأ الفقه على القاضى أبى يعلى بن أبى خازم، وأبى حكيم النهروانى، ويقال: إنه قرأ على أبى الفتح بن المنّى أيضا، وبرع فى الفقه مذهبا وخلافا وجدالا، وأتقن علم الفرائض، والحساب، وشدا طرفا من العربية، وكتب خطا حسنا، ودرس، وأفتى وناظر. وكان من أكابر العدول، وشهود الحضرة، وأعيان المفتيين المعتمد على فتاويهم وأقوالهم فى المجالس والمحافل، متين الديانة حسن المعاشرة، طيب المفاكهة. قال القادسى: كان خيرا صالحا، حسن الطريقة، جميل السيرة، بعيد المثال، وإياه عني الصرصرى بقوله فى قصيدته اللامية المعروفة، فى مدح الإمام أحمد وأصحابه: ومن يتبع المنى أوحد وقته … أبا الفتح والصقال فى الفقه ينبل حدث، وسمع منه ابن القطيعى، وروى عنه ابن الدبيثى، والحافظ الضياء، وابن النجار. توفى آخر يوم الاثنين، ثانى ذى الحجة، سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد عند المنظرة بباب الأزج، وحمل على الرءوس، ودفن بباب حرب، وشيعه خلق عظيم. ﵀. وقيل: كانت وفاته فى مستهل ذى الحجة.

стр. 437

و «الطيبى» منسوب إلى بلدة قديمة بين واسط، والأهواز تسمى الطيب. ٢١١ - محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسى، الزاهد أبو بكر، ويلقب جمال الدين، ابن أخو البهاء عبد الرحمن، الآتى ذكره إن شاء الله تعالى. ولد سنة ثلاث وستين وخمسمائة. وسمع الحديث بدمشق: ودخل مع أخيه بغداد، وأقام بها مدة، واشتغل وحصل فنونا من العلم، ثم عاد. وكان فقيها زاهدا، ورعا، كثير الخشية والخوف من الله تعالى، حتى كان يعرف بالزاهد، وكان يبالغ فى الطهارة، وأمّ بدمشق بمسجد دار البطيخ، وهو مسجد السلالين. حدث مدة، وحج فى آخر عمره، ثم توجه إلى القدس، فأدركه أجله بنابلس سنة سبع وتسعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى. ٢١٢ - عبيد الله بن على بن نصر بن حمرة بن على بن عبيد الله البغدادى التيمى المعروف بابن المارستانية، الأديب، الفقيه المحدث، المؤرخ أبو بكر. ويلقب فخر الدين. كان يذكر أنه من ولد أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ويذكر شيئا متصلا إليه. وقد قرأت بخطه فى نسبه: المحمدى، ولا أدرى إلى ما هذه النسبة؟ ذكر أنه ولد فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسمع الحديث من أبى المظفر بن الشبلى، وابن البطى، ويحيى بن ثابت ابن بندار، وعبد الحق بن عبد الخالق، وشهدة، وأبى الفتح بن شاتيل. وقرأ كثير على المشايخ المتأخرين بعدهم، وكتب بخطه، وحصل الأصول

стр. 438

وعنى بهذا الفن، وطلب العلم فى صباه، فتفقه فى المذهب. وقرأ الأدب. وكان أديبا، فاضلا فصيحا، مليح العبارة، بليغا، حسن التصنيف، ذكر ذلك ابن النجار وغيره. وقال أبو المظفر سبط بن الجوزى: أحد الفضلاء المعروفين بجمع الحديث والطب، والنجوم، وعلوم الأوائل، وأيام الناس. وصنف كتابا سماه «ديوان الإسلام، فى تاريخ دار السلام» قسمه ثلاثمائة وستين كتابا، إلا أنه لم يشتهر، وصنف سيرة الوزير ابن هبيرة. وقال ابن النجار: كان قد قرأ كثيرا من علم الطب، والمنطق والفلسفة. وكانت بينه وبين عبيد الله بن يونس صداقة ومصاحبة، فلما أفضت إليه الوزارة اختص به، وقوى جاهه، وبنى دارا بدرب الشاكرية، وسماها: دار العلم، وجعل فيها خزانة كتب، ووقفها على طلاب العلم. وكانت له حلقة بجامع القصر، يقرأ فيها الحديث يوم الجمعة، ويحضر عنده الناس، فيسمعون منه، ورتب ناظرا على أوقاف المارستان العضدى، فلم تحمد سيرته، فقبض عليه وسجن فى المارستان مدة مع المجانين مسلسلا، وبيعت دار العلم بما فيها من الكتب مع سائر أمواله وقبضت، وبقى معتقلا مدة، ثم أطلق، فصار يطب الناس، ويدور على المرضى فى منازلهم، وصادف قبولا فى ذلك، فأثرى، وعاد إلى حالة حسنة، وحصل كتبا كثيرة، ثم إنه انتدب للتوجه فى رسالة من الديوان، فخلع عليه خلعة سوداء: قميص وعمامة، وطرحة، وأعطى سيفا وأركب مركوبا جميلا، وتوجه إلى تفليس فى صفر سنة تسع وتسعين إلى الأمير أبى بكر بن إيلد كزين البهلوان، زعيم تلك البلاد، فأدركه أجله هناك. قلت: القبض عليه إنما كان بعد عزل ابن يونس والقبض عليه، وتتبع أصحابه، وفى تلك الفتنة كانت محنة ابن الجوزى أيضا كما تقدم. وبالغ ابن النجار فى الحط عليه بسبب ادعائه النسب إلى أبى بكر الصديق، وبسبب أنه روى عن

стр. 439

مشايخ لم يدركهم، كأبى الفضل الأرموى. قال: واختلق طباقا على الكتب بخطوط مجهولة، تشهد بكذبه وبزوره، وجمع مجموعات فى فنون من التواريخ وأخبار الناس، من نظر فيها ظهر له من كذبه وقبحه وتهوره ما كان مخفيا عنه، وبان له تركيبه الأسانيد على الحكايات والأشعار والأخبار، إلى أن قال: وقد حدث بكثير مما اختلقه، وعن جماعة لم يلقهم سمع منه الغرباء، ومن لا يعرف طريقة الحديث. ورأيته كثيرا، ولم أكتب عنه شيئا. قال: وقد نقلت فى هذا الكتاب من خطه وقوله وروايته أشياء، العهدة عليه فى صحتها؛ فإنى لا أطمئن إلى صحتها، ولا أشهد بحقيقة بطلانها. ثم قال: قرأت على أبى عبد الله الحنبلى بأصبهان عن معمر بن عبد الواحد بن الفاخر القرشى، ونقلته من خطه. قال: أنشدنى أبو بكر عبيد الله بن على بن علي بن نصر بن حمزة التيمى لنفسه: أفردتنى بالهموم … ذات دل ونعيم أودعت قلبى سقاما … والحشا نار الجحيم ليس لى شغل سواها … من خليل وحميم هى داء للمعافى … ودواء للسقيم شغلت قلبى بأمر … مقعد فيها مقيم قلت: العجب أنه تبرأ وتنزه عن الرواية عنه نفسه، ثم روى عن اثنين عنه. ولقد بالغ فى الحط عليه، وزاد فى ذلك اعترافه بأنه نقل عنه فى هذا الكتاب أشياء، ولعله لا يبين فى بعضها أو كثير منها أنها من جهته. وقد وقفت على كتابه الذى جمعه فى سيرة ابن هبيرة، فلم أجد فيه ما ينكر، بل غالب ما نقل فيه من الحكايات عن الوزير من كلامه قد نقله ابن الجوزى وغيره.

стр. 440

وكذلك بالغ ابن الدبيثى فى تاريخه فى الحط عليه، وقال: إنه ادعى الحفظ وسعة الرواية عمّن لم يلقه ولم يوجد بعد. وتابعه على ذلك المنذرى. وهذا غير صحيح؛ فإن أقدم من ادعى السماع منه الأرموى. وهو كان موجودا فى حياته، وسماعه منه ممكن. نعم ينبغى أن يقال: لم يصح سماعه منه، أو لم يعرف، ونحو ذلك. ومن مبالغته فى الحط قال أبو شامة: هذا غلوّ من قائله. وهو كما قال. ولا ريب أنه مطعون فيه من جهتين: من جهة ادعائه النسب إلى أبى بكر؛ فإن هذا أنكره الناس كلهم عليه، واشتهر إنكاره، حتى قال بعضهم: دع الأنساب لا تعرض لتيم … فأين الهجن من ولد الصميم لقد أصبحت من تيم دعيّا … كدعوى حيص بيص إلى تميم ومن جهة ادعائه سماع ما لم يسمع؛ فإن هذا صحيح عنه. قال ابن نقطة: سألت أبا الفتوح الحصرى عنه بمكة؟ فقال: سامحه الله. كان صديقى. وكان يكرمنى. وكان غير ثقة. حدثنى علي بن أحمد الشريف الزيدى أنه استعار منه مغازى الأرموى فردها إليه وقد طبق عليها السماع على كل جزء، ولم يسمعها. قال ابن نقطة: وكان شيخنا ابن الأخضر الحافظ ينهى أن يقرأ أحد على شيخ بطبقة تكون بخطه، أو بخط أبى بكر بن سوار. وذكر حكايتين عن أبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق أنه كذبه، وقال: إنه سمع لنفسه منه أجزاء لم يقرأها عليه. وأما ما نسبوه إليه من تركيب الأسانيد، وتصرفه بالكذب فى تصانيفه، حتى إن ابن الدبيثى قال: لو تم كتابه «ديوان الإسلام» لظهرت فضائحه. فهذا أمر لم يثبت عنه. وقد ذكر ابن نقطة: أنه رأى بعض تاريخه، ولم يذكر فيه طعنا. والله أعلم.

стр. 441

وقال ابن القادسى عنه: كان خطيبا، بليغا شاعرا، حافظا محدثا، فصيحا. سافر، وسمع الحديث من أمم لا تحصى واستشهدهم. وصنف عدة مصنفات فى التواريخ وغيرها. وله «تاريخ مدينة السلام» على وضع كتاب الخطيب. وهو كتاب نفيس، وقد ذكر فيه أقواما، ذكر أنهم لا يعرفون. وقد عظمهم هو ووصفهم. وقد طعن أصحاب الحديث عليه وجرحوه، منهم شيخنا ابن الجوزى، وعبد العزيز بن الأخضر. وحدث ببغداد. وروى عن أبى الوقت، وقرأ على أبى محمد بن الخشاب. قال أبو المظفر السبط: كان ابن المارستانية هو الذى قرأ كتب عبد السلام ابن عبد الوهاب بن عبد القادر يوم أحرقت. كان يقرأ الكتاب، ويقول: يا عامة، هذا عبد السلام يقول: من بخّر زحل بكذا وكذا. وقال: يا إلهى يا علة العلل، نال ما أراد، فيلعنه الناس ويضجون بذلك. فلما خلع على ابن المارستانية، وأرسل إلى تفليس، خرج من دار الوزير وبين يديه الحجاب، وأرباب الدولة فوقف له عبد السلام وتقدم إليه، وقال له سرّا فيما بينهما: الساعة من بخّر زحل أنا أو أنت؟ فقال: أنا. وتوفى ابن المارستانية فى رجوعه من تفليس بموضع يعرف بخرج بند ليلة الأحد غرة ذى الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ودفن هناك. سامحه الله. وقال القادسى: توفى بحرختيد فى سلخ ذى القعدة. وقيل: توفى فى صفر. وهو وهم. و «حمرة» فى نسبه بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الراء المهملة. كذلك قيده ابن النجار، وابن نقطة، والمنذرى وغيرهم. ورأيت بخطه «حمزة» وفوق الزاى نقطة. ولا يلتفت إلى ذلك. وقيل له: ابن المارستانية، لأن أبويه كانا قيّمى المارستان التنستى ببغداد.

стр. 442

٢١٣ - نصر الله بن عبد العزيز بن صالح بن محمد عبد عثمان بن عبدوس الحرانى، الفقيه الزاهد، شمس الدين أبو الفتح. أحد شيوخ حران وفقهائها. أخذ العلم بها عن جماعة، كأبى الحسن بن عبدوس، وأبى الفضل حامد بن أبى الحجر، وأبى الكرم فتيان بن ميّاح. ورحل إلى بغداد، وسمع درس أبى الفتح بن المنّى. وسمع بها الحديث من أبى الفتح بن البطى، وأبى الفضل بن شافع، وفوارس بن موهوب بن الشباكية، والمبرّد بن الطباخ، وغيرهم. ثم عاد إلى حران قال أبو الفرج بن الحنبلى: لقيته بدمشق وحران. وكان فقيها صالحا، ينقل المذهب جيدا. وكان ينكر المنكر. ضربه مظفر بن زين الدين على الإنكار، ثم ندم واستغفر منه، وأحسن القاضى الفاضل ظنه به. وكان أبيض قصيرا جدا. وشعر لحيته أحمر. وحكى لى. أنه يأخذ اللحمة من المقلى، فيضعها فى فيه، ولا يتضرر بذلك. وقال أبو عبد الله بن حمدان: كان رجلا صالحا، فقيها فاضلا. وهو شيخ شيخنا ناصح الدين عبد القادر بن أبى الفهم. أنكر مرة على مظفر الدين صاحب أربل لما كانت له حران، وأراق له خمرا، فأحضره، وقال: أتعرفنى؟ قال: نعم، بالظلم والفسق، أو معنى ذلك. فهم بضربه، فأشير عليه: أن لا يفعل؛ لأجل العامة وميلهم إليه. وله كتاب «تعليم العوم ما السنة فى السلام؟» وسبب تصنيفه له: أنه لما قدم أبو المعالى بن المنجى قاضيا على حران أمر المؤذنين بالجهر بالتسليمتين فى الصلاة وكانوا إنما يجهرون بالأولى خاصة. فرد عليه أبو الفتح فى هذا الكتاب، وبيّن أن المذهب إنما هو الجهر بالأولى خاصة. وذكر نصوص أحمد وأصحابه فى ذلك، والأحاديث والآثار الدالة عليه، وبالغ فى الإنكار عليه، وحدث به غير مرة بحران، وسمعه منه ابن أبى الفهم وغيره.

стр. 443

وسمع منه الحديث أحمد بن سلامة النجار، وغيره. قال ابن الحنبلى: مات ابن عبدوس قبل الستمائة بآمد. ﵀. آخر الجزء الأول ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثانى، وأوله: ترجمة الشيخ الإمام العالم الحافظ تقى الدين أبو محمد، حافظ الوقت عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسى. ﵀. ووجد بالأصل المخطوط: وكان الفراغ من كتابته ضحى يوم الأحد الثانى عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين بعد الثلاثمائة وألف، على يد أحقر الكتّاب، راجى غفران الذنوب والمساوى: محمد عبده بن المرحوم محمد الحفراوى. كان الله له، ورحم سلفه آمين. تم بحمد الله طبع الجزء الأول من كتاب الذيل على طبقات الحنابلة، للإمام شيخ الإسلام أبى الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادى. تغمده الله برحمته. وذلك بمطبعة السنة المحمدية، فى غرة ربيع الأول سنة ١٣٧٢ هـ الموافق ١٩ من شهر نوفمبر سنة ١٩٥٢ م. وصلّى الله وسلم وبارك على عبد الله المصطفى، ورسوله المجتبى، محمد، وعلى آله أجمعين.

стр. 444

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وفيات المائة السابعة من سنة ٦٠١ - إلى سنة ٧٠٠ هـ ٢١٤ - عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور بن رافع بن حسن ابن جعفر الجماعيلي المقدسى، الحافظ الزاهد أبو محمد. ويلقب تقى الدين، حافظ الوقت ومحدثه ولد بجماعيل - من أرض نابلس من الأرض المقدسة - سنة إحدى وأربعين وخمسمائة قال الحافظ الضياء: أظنه فى ربيع الآخر من السنة؛ لما حدثتنى والدتى قالت: الحافظ أكبر من أخى الموفق بأربعة أشهر، ومولد الموفق فى شعبان من السنة المذكورة. وقال المنذرى: ذكر عنه أصحابه ما يدل على أن مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وكذا ذكر ابن النجار في تاريخه: أنه سأل الحافظ عبد الغنى عن مولده؟ فقال: إما فى سنة ثلاث أو فى سنة أربع وأربعين وخمسمائة. قال الحافظ: والأظهر أنه فى سنة أربع. وقدم دمشق صغيرا بعد الخمسين، فسمع بها من أبى المكارم بن هلال، وأبى المعالى بن صابر، وأبى عبد الله محمد بن حمزة بن أبى جميل القرشى وغيرهم. ثم رحل إلى بغداد سنة إحدى وستين، هو والشيخ الموفق، فأقاما ببغداد أربع سنين. وكان الموفق ميله إلى الفقه، والحافظ عبد الغنى ميله إلى الحديث. فنزلا على الشيخ عبد القادر. وكان يراعيهما ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئا من الحديث والفقه.

стр. 445

وحكى الشيخ الموفق: أنهما أقاما عنده نحوا من أربعين يوما، ثم مات، وأنهما كانا يقرءان عليه كل يوم درسين من الفقه، فيقرأ هو من «الخرقى» من حفظه، والحافظ من كتاب «الهداية». قال الضياء: وبعد ذلك اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المنّى، وصارا يتكلمان فى المسألة ويناظران. وسمعا من أبى الفتح بن البطى، وأحمد بن المقرى الكرخى، وأبى بكر بن النقور، وهبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق، وأبى زرعة، وغيرهم. ثم عادا إلى دمشق. ثم رحل الحافظ سنة ست وستين إلى مصر والإسكندرية، وأقام هناك مدة، ثم عاد، ثم رجع إلى الإسكندرية سنة سبعين. وسمع بها من الحافظ السلفى وأكثر عنه، حتى قيل: لعله كتب عنه ألف جزء، وسمع من غيره أيضا. وسمع بمصر من أبى محمد بن برّى النحوى وجماعة، ثم عاد إلى دمشق، ثم سافر بعد السبعين إلى أصبهان. وكان قد خرج إليها، وليس معه إلا قليل فلوس فسهّل الله له من حمله وأنفق عليه حتى دخل أصبهان، وأقام بها مدة، وسمع بها الكثير، وحصل الكتب الجيدة، ثم رجع. وسمع بهمدان من عبد الرزاق بن إسماعيل القرمانى، والحافظ أبى العلاء، وغيرهما. وبأصبهان من الحافظين: أبى موسى المدينى، وأبى سعد الصائغ وطبقتهما. وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل الطوسى. وكتب بخطه المتقن ما لا يوصف كثرة. وعاد إلى دمشق. ولم يزل ينسخ ويصنف، ويحدث ويفيد المسلمين، ويعبد الله، حتى توفاه الله على ذلك. وقد جمع فضائل الحافظ وسيرته الحافظ ضياء الدين فى جزءين. وذكر فيها: أن الفقيه مكى بن عمر بن نعمه المصرى جمع فضائله أيضا. قال الحافظ الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه. ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو

стр. 446

فلان ابن فلانى الفلانى، ويذكر نسبه. وأنا أقول: كان الحافظ عبد الغنى المقدسى أمير المؤمنين فى الحديث. قال: وسمعت شيخنا الحافظ عبد الغنى يقول: كنت يوما بأصبهان عند الحافظ أبى موسى. فجرى بينى وبين بعض الحاضرين منازعة فى حديث. فقال: هو فى صحيح البخارى، فقلت: ليس هو فيه. قال: فكتب الحديث فى رقعة ورفعها إلى الحافظ أبى موسى يسأله عنه. قال: فناولنى الحافظ أبو موسى الرقعة وقال: ما تقول، هل هذا الحديث فى البخارى، أم لا؟ قلت: لا. قال: فخجل الرجل وسكت. قال: وقد رأيت فيما يرى النائم - وأنا بمدينة مرو - كأن الحافظ عبد الغنى جالس والإمام محمد بن إسماعيل البخارى بين يديه، يقرأ عليه من جزء، أو كتاب وكان الحافظ يرد عليه شيئا، أو ما هذا معناه. قال: وسمعت أبا طاهر بن إسماعيل بن ظفر النابلسى يقول: جاء رجل إلى الحافظ - يعنى: عبد الغنى - فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق. قال الضياء: وشاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر، اقرأ لنا أحاديث من غير أجزاء، فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه. وسمعت أبا سليمان بن الحافظ يقول: سمعت بعض أهلنا يقول: إن الحافظ سئل: لم لا تقرأ الأحاديث من غير كتاب؟ فقال: إننى أخاف العجب. وسمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن الحافظ، قال: سمعت على بن فارس الزجاج العلثى الشيخ الصالح، قال: لما جاء الحافظ من بلاد العجم، قلت: يا حافظ، ما حفظت بعد مائة ألف حديث؟ فقال: بلى، أو ما هذا معناه. قال: وسمعت أبا محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيبانى - بمرو - يقول: سمعت

стр. 447

التاج الكندى - يعنى: أبا اليمن - يقول: لم يكن بعد الدار قطنى مثل الحافظ عبد الغنى. وسمعت أبا الثناء محمود بن همام الأنصارى يقول: سمعت التاج الكندى يقول: لم ير الحافظ - يعنى: عبد الغنى - مثل نفسه. قلت: وذكر ابن النجار عن يوسف بن خليل، قال: قال تاج الدين الكندى: رأيت ابن ناصر والحافظ أبا العلاء الهمدانى وغيرهما من الحفاظ. ما رأيت أحفظ من عبد الغنى المقدسى. ثم قال الضياء: سمعت أبا العز مفضل بن على الخطيب الشافعى، قال: سمعت بعض الأصحاب يقول: إن أبا نزار - وهو الإمام ربيعة بن الحسن اليمنى الشافعى - قال: قد رأيت الحافظ السلفى، والحافظ أبا موسى - وكان الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد أحفظ منهما - قال: وشاهدت فى فضائل الحافظ الإمام الفقيه مكى بن عمر المصرى، سمعت أبا نزار ربيعة بن الحسن الصنعائى يقول: قد حضرت الحافظ أبا موسى، وهذا الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد، فرأيت عبد الغنى أحفظ منه. قال الضياء: وأنشدنا إسماعيل بن ظفر، قال: أنشدنا أبو نزار ربيعة ابن الحسن فى الحافظ عبد الغنى: يا أصدق الناس فى بدو وفى حضر … وأحفظ الناس فيما قالت الرّسل إن يحسدوك فلا تعبا بقائلهم … هم الغثاء وأنت السيد البطل قال: وأنشدنا: إن قيس علمك فى الورى بعلومهم … وجدوك سحبانا وغيرك باقل قال: وشاهدت بخط الحافظ أبى موسى المدينى على كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى إملاء الحافظ عبد الغنى، وقد سمعه عليه أبو موسى، وأبو سعد الصائغ، وأبو العباس بن نبال برك، وخلق كثير، يقول

стр. 448

أبو موسى عفا الله عنه: قلّ من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبى محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسى، زاده الله توفيقا. وقد وفق لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدار قطنى وأمثاله فى الإحياء لصوّبوا فعله، وقلّ من يفهم فى زماننا لما فهم، زاده الله علما وتوفيقا. قال الضياء: وكل من رأينا فى زماننا من المحدثين ممن رأى الحافظ عبد الغنى، وجرى ذكر حفظه ومذكراته، قال: ما رأينا مثله، أو نحو هذا. قال: وسمعت الحافظ - أو من يحكى عنه - قال: لما قدمت على السلفى سألنى عن أشياء، وقال: من هو محمد بن عبد الرحمن الذهبى؟ فقلت: المخلص. وسمعت الحافظ يقول: كنت عند ابن الجوزى يوما، فقال وزيره: أين محمد الغسانى؟ فقلت: إنما هو وزيره، فقال: أنتم أعرف بأهل بلدكم، وحكى حكاية عن بعض من سلف فى هذا المعنى. وذكره ابن النجار فى تاريخه. فقال: حدث بالكثير، وصنف تصانيف حسنة فى الحديث. وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيّما بجميع فنون الحديث، عارفا بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، وشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم. وكان كثير العبادة، ورعا، متمسكا بالسنة على قانون السلف، ولم يزل بدمشق يحدث وينتفع به الناس، إلى أن تكلم فى الصفات والقرآن بشئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا به عليه، وعقد له مجلس بدار السلطان حضره القضاة والفقهاء، فأصر على قوله، وأبا حوا إراقة دمه، فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء والأكراد، وتوسطوا أمره على أن يخرج من دمشق إلى ديار مصر، فأخرج إلى مصر، وأقام بها خاملا إلى حين وفاته. وسمعت يوسف بن خليل بحلب يقول عن عبد الغنى: كان ثقة، ثبتا،

стр. 449

دينا، مأمونا، حسن التصنيف، دائم الصيام، كثير الإيثار. كان يصلى كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دعى إلى أن يقول: لفظى بالقرآن مخلوق، فأبى، فمنع من التحديث بدمشق، فسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات. وقرأت بخط السيف بن المجد: قال أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الأسعردى: سمعت عبد القادر الرهاوى الحافظ يقول للحافظ عبد الغنى: سمعت وسمعنا، وحفظت، ونسينا. وقال أبو الثناء محمود بن همام: سمعت أبا عبد الله محمد بن أميرك الجوينى المحدث، يقول: ما سمعت السلفى يقول لأحد: الحافظ، إلا لعبد الغنى المقدسى. وقال الحافظ الضياء: كان ﵀ مجتهدا على طلب الحديث، وسماعه للناس من قريب وغريب، فكان كل غريب يأتى يسمع عليه، أو يعرف أنه يطلب الحديث يكرمه ويبره، ويحسن إليه إحسانا كثيرا، وإذا صار عنده طالب يفهم شيئا، أمره بالسفر إلى المشايخ بالبلاد، وأحيا الله به حديث رسول الله ﷺ ، فمن سمع حديثا من أصحابنا كان يسبّه، ومن كان من غير أصحابنا كان طلبهم حسدا له؛ لما يرون من حرصه وكثرة طلبه. قال: وسمعت الإمام الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن محمد العراقى، يقول: ما رأيت الحديث فى الشام كله، إلا ببركة الحافظ عبد الغنى؛ فإننى كل من سألته يقول: أول ما سمعت عليه، وهو الذى حرضنى، وذكر جماعة من المحدثين ثم ذكر عنه أنه كان يفضل الرحلة للسماع على الغزو، وعلى سائر النوافل. قال: وكان ﵀، يقرأ الحديث يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع دمشق، وليلة الخميس بالجامع أيضا، ويجتمع خلق كثير. وكان يقرأ ويبكى، ويبكى الناس بكاء كثيرا، حتى إن من حضر مجلسه مرة، لا يكاد يتركه، لكثرة ما يطيب قلبه، وينشرح صدره فيه. وكان يدعو بعد فراغه دعاء كثيرا.

стр. 450

وسمعت شيخنا أبا الحسن على بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه، ويحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم وكنت حاضرا بجامع القرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه، وقرأ جزءا، ففرح الناس بمجلسه فرحا كثيرا، فقال ابن نجا: قد حصل الذى كنت أريده فى أول مجلس. وسمعت بعض من حضر مجلسه بمصر بمسجد المصنع، يقول: إن الناس بكوا حتى غشى على بعضهم، قال: وقال بعض المصريين: ما كنا إلا مثل الأموات حتى جاء الحافظ، فأخرجنا من القبور. وسمعت الإمام أبا الثناء محمود بن همام الأنصارى يقول: سمعت الفقيه نجما - هو الإمام العالم نجم بن الإمام عبد الوهاب بن الإمام أبى الفرج الحنبلى يقول، وقد حضر مجلس الحافظ -: يا تقى الدين، والله لقد جملت الإسلام، وأقسم والله، لو أمكننى ما فارقت مجلسا من مجالسك. قال الضياء: سألت خالى الإمام موفق الدّين عن الحافظ، فكتب بخطه، وقرأته عليه: كان جامعا للعلم والعمل. وكان رفيقى فى الصبا، وفى طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقنى إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتهم إياه، وقيامهم عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه فى روايتها، ونشرها، رحمه الله تعالى. قال الضياء: وسمعت الإمام الزاهد إبراهيم بن محمود بن جوهر البعلى يقول: سمعت العماد - يعنى: أخا الحافظ - يقول: ما رأيت أحدا أشد محافظة على وقته من الحافظ عبد الغنى. قال الضياء: كان شيخنا الحافظ ﵀، لا يكاد يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة؛ فإنه كان يصلى الفجر، ويلقن الناس القرآن، وربما أقرأ شيئا من

стр. 451

الحديث، فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقينا، ثم يقوم يتوضأ، فيصلى ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر، ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر، ويشتغل إما للتسميع بالحديث، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما أفطر بعد المغرب، وإن كان مفطرا صلّى من المغرب إلى عشاء الآخرة، فإذا صلّى العشاء الآخرة، نام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانا يوقظه، فيتوضأ، ويصلى لحظة كذلك، ثم توضأ وصلّى كذلك، ثم توضأ وصلّى إلى قرب الفجر، وربما توضأ فى الليل سبع مرات أو ثمانية، أو أكثر، فقيل له فى ذلك، فقال: ما تطيب لى الصلاة إلا ما دامت أعضائى رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه، وكان لا يكاد يصلى صلاتين مفروضتين بوضوء واحد. قال: وسمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن محمد بن غانم بأصبهان يقول: كان الحافظ عبد الغنى عندنا، وكان يقول لى: تعالى حتى نحافظ على الوضوء لكل صلاة. قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيرا، حتى كأن أسنانه البرد. وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى التاجر بأصبهان غير مرة يقول: كان الحافظ عبد الغنى نازلا عندى بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا القليل، بل يصلى ويقرأ ويبكى، حتى ربما منعنا النوم إلى السحر. وسمعت الحافظ يقول: أضافنى رجل بأصبهان، فلما قمنا إلى الصلاة، كان هناك رجل لم يصل، فقيل: هو شمسى - يعنى: يعبد الشمس - فضاق صدرى، ثم قمت بالليل أصلى والشمسى يستمع، فلما كان بعد أيام جاء إلى الذى أضافني. وقال: إن الشمسى يريد أن يسلم، فمضيت إليه فأسلم، وقال من تلك الليلة: لما سمعتك تقرأ القرآن، وقع الإسلام فى قلبى. قال: وكان الحافظ لا يرى منكرا إلا غيره بيده أو لسانه، وكان لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولقد رأيته مرة يهريق خمرا، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف من ذلك وأخذه من يده، وكان ﵀ قويا فى بدنه، وفى أمر الله،

стр. 452

وكثيرا ما كان بدمشق ينكر المنكر، ويكسر الطنابير والشبابات. وسمعت أبا بكر بن أحمد بن محمد الطحان، قال: كان بعض أولاد صلاح الدّين قد عملت لهم طنابير، وحملت إليهم، وكانوا فى بعض البساتين يشربون، فلقى الحافظ الطنابير تحمل إليهم، فكسرها ودخل المدينة، فلما خرج منها لحقه قوم كثير بعصىّ، ومعه رجل، فلحقوا صاحبه، وأسرع الحافظ فقال لهم الرجل: أنا ما كسرت شيئا، هذا الذى كسر، قال: فإذا رجل يركض فرسا، فترجل عن الفرس، وجاء إلىّ وقبل يدى، وقال: يا شيخ، الصبيان ما عرفوك. وسمعت بعض أصحابنا يحدث عن الأمير درباس المهرانى، أنه كان دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتحدث مع بعض الحاضرين فى أمر ماردين وحصارها، وكان حاصرها قبل ذلك، فسمع الحافظ كلامه، فقال: إيش هذا، وأنت بعد تريد قتال المسلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك إماما؟، قال: وسكت الملك العادل، فما أعاد ولا بدى، ثم قام الحافظ وقمت معه، فلما خرجنا، قلت له: إيش هذا؟ نحن كنا نخاف عليك من هذا الرجل: ثم تعمل هذا العمل؟ فقال: أنا إذا رأيت شيئا لا أقدر أصبر. وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان قال: كان فى دولة الأفضل بن صلاح الدين قد جعلوا الملاهى عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر شيئا كثيرا منها، ثم جاء فصعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول من القاضى يأمره بالمشى إليه، يقول حتى يناظره فى الدفّ والشبابة، فقال الحافظ: ذلك عندى حرام، وقال: أنا لا أمشى إليه، إن كان له حاجة، فيجئ هو، ثم قرأ الحديث، فعاد الرسول فقال: قد قال: لا بد من المشى إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته، ورقبة السلطان. قال: فمضى الرسول، وخفنا أن تجرى فتنة. قال: فما جاء أحد بعد ذلك. قال الضياء: وكان قد وضع الله له الهيبة فى قلوب الخلق.

стр. 453

سمعت أبا محمد فضائل بن محمد بن على بن سرور المقدسى، قال: سمعتهم يتحدثون بمصر: أن الحافظ كان قد دخل على الملك العادل، فلما رآه قام له، فلما كان فى اليوم الثانى من دخوله عليه، إذ الأمراء قد جاءوا إلى الحافظ إلى مصر، فقالوا: آمنا بكرامتك يا حافظ، وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد، ما خفت من هذا، فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه، إيش خفت من هذا؟ قال: لما دخل ما خيل إلىّ إلا أنه سبع يريد أن يأكلني، فقلنا: هذه كرامة الحافظ. قال: وشاهدت بخط الحافظ، يذكر أنه بلغه عن العادل ذلك. قال: وما أعرف أحدا من أهل السنة رأى الحافظ إلا أحبه حبا شديدا، ومدحه مدحا كثيرا. سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى بأصبهان، قال: كان الحافظ بأصبهان، يصطف الناس فى السوق، فينظرون إليه. وسمعته يقول: لو أقام الحافظ بأصبهان مدة، وأراد أن يملكها، لملكها - يعنى من حبهم له - ورغبتهم فيه، ولما وصل إلى مصر أخيرا كنا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع، لا نقدر نمشى معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله. قال: وكان ﵀، ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر، كثّ اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، فكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء، والنسخ والمطالعة. وكان حسن الخلق، رأيته وقد ضاق صدر بعض أصحابه فى مجلسه، وغضب، فجاء إلى بيته وترضاه، وطيب قلبه. وكنا يوما عنده نكتب الحديث ونحن جماعة أحداث، فضحكنا من شئ وطال الضحك، فرأيته يتبسم معنا ولا يحرد علينا. وكان سخيا جوادا كريما لا يدّخر دينارا ولا درهما. ومهما حصل له أخرجه. ولقد سمعت عنه أنه كان

стр. 454

يخرج فى بعض الليالى بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين، فيدق عليهم، فإذا علم أنهم يفتحون الباب ترك ما معه ومضى؛ لئلا يعرفه أحد. وقد كان يفتح له بشئ من الثياب والبرد فيعطى الناس، وربما كان عليه ثوب مرقع. وقد أوفى غير مرة سرا ما يكون على بعض أصحابه من الدّين ولا يعلمهم بالوفاء. قال الشيخ الموفق عنه: كان جوادا يؤثر بما تصل إليه يده سرا وعلانية. وسمعت أبا الثناء محمود بن همام يحكى عن رجل كان بمسجد الوزير، فجرى بينه وبين أصحاب الموفق شئ، فلم يعطوه جامكية. قال: فبقينا ثلاثة أيام ليس لنا شئ، فدخلت يوم الجمعة أصلى، وسلمت بعد العصر على الحافظ، فقال لى: اقعد، فقعدت. فلما قام مشيت معه إلى خارج الجامع، فناولنى نفقة وقال: اشتر لبيتك شيئا، ومضى، فاشتريت نصف خروف مشوى وخبزا كثيرا، وحلواء واكتريت حمالا، ومضيت إلى أهلى، فعددت ما بقى، فإذا هو خمسة وأربعون درهما. وذكر غير واحد: أنه وقع بمصر غلاء وهو بها، فكان يؤثر بعشائه عدة ليالى، ويطوى. قال: وقال لى أبو الفتح ولده: والدى يعطى الناس الكثير، ونحن لا يبعث إلينا شيئا. وسمعته يقول: أبلغ ما سأل العبد ربه ثلاثة أشياء: رضوان الله ، والنظر إلى وجهه الكريم، والفردوس الأعلى. وسمعت خالى أبا عمر قال: قال الحافظ: يقال: من العصمة أن لا تجد، ثم قال: هى أعظم العصمة، فإنها عصمة النبى ﷺ . وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسى قال: سألت الحافظ، فقلت: هؤلاء المشايخ يحكى عنهم من الكرامات ما لا يحكى عن العلماء، إيش

стр. 455

السبب فى هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامات كثيرة - أو قال: يريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم - وقد كان للحافظ كرامات كثيرة. قال الضياء: سمعت أحمد بن عبد الله بن على العراقى، حدثنى أبو محمد ابن أبى عبد الله الدمياطى قال: اكتريت فى مركب فرأيته عائبا، فضاق صدرى فذكرت قصته للحافظ، فكتب لى كتابا، وقال: اتركه فيه: فإذا قضيت سفرك وخرجت منه، فخذ الكتاب ولا نتركه فيه، فمضيت وعلقته فى المركب، فمضينا فى سفرنا. فلما نزلنا منه وأخذنا قماشنا ولم يبق فيه شئ ذكرت الكتاب فأخذته منه، فمن ساعته دخل الماء فيه، وغرق. وقال: حدثنى أبو محمد فضائل بن محمد المقدسى، حدثنى ابن عمى بدران بن أبى بكر بن على بن سرور: أن الحافظ قام ليلة ليتوضأ على البركة، وماؤها مقطوع فقال: ما كنت أشتهى الوضوء إلا من البركة، ثم صبر قليلا، فإذا الماء قد خرج من الأنبوب، فانتظر حتى فاضت البركة، ثم انقطع الماء فتوضأ، فقلت: هذه والله كرامة لك، فقال لى: قل: أستغفر الله، هذا الماء لعله كان محتبسا، لا تقل هذا. وحدثنى رجل جندى بالقدس: أن الحافظ نزل عندهم بالقدس. وكان فى دارهم صهريج قد نقص ماؤه. قال: فقال لى الحافظ ليلة: قد ضيقنا عليكم فى الماء، فقلت: بل يجعل الله فيه البركة، فقال: نعم جعل الله فيه البركة. فلما كان الفجر إذا بالماء قد زاد نحو أربعة أذرع. وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقرى قال: كان لأهل بيتى ثوب من ثياب الحافظ يدخرونه للموت، وملحفة من أثر أمه. قال: فسرق ما فى بيتنا من الثياب، ففتشوا على الثوب والملحفة فلم يجدوهما، فحزنوا عليهما. فلما كان بعد مدة وجدوهما فى الصندوق، وقد كانوا فتشوا قبل ذلك ولم يجدوهما. قال الضياء: وكنت أنا وجماعة نسمع على الحافظ بالمصلى الذى بحبلنا فى

стр. 456

شدة الحر، فقال: لو كنا نقوم من هذا الحر إلى المسجد، فهممنا بالقيام ولعل بعضنا قام، فإذا سحابة قد غطت الشمس، فقال: اقعدوا، فرأيت بعض أصحابنا ينظر إلى بعض، ويسردن الكلام بينهم: إن هذه كرامة، ويقولون: ما كان يرى فى السماء سحابة. وذكر الضياء أشياء كثيرة من هذا الجنس. قال: وسمعت الحافظ يقول: رأيت النبى ﷺ فى النوم يمشى وأنا أمشى خلفه، إلا أن بينى وبينه رجلا. قال: وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله المحولى عن رجل فقيه - وكان ضريرا، ويبغض الحافظ - فرأى النبى ﷺ فى النوم، ومعه الحافظ ويده فى يده فى جامع عمرو بن العاص، وهما يمشيان، وهو يقول: يا رسول الله، حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صحيح، ويقول: حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صحيح، حتى عددت مائة حديث. قال: فأصبح فتاب من بغضه. وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ عبد الغنى قال: حدثنى رجل من أصحابنا قال: رأيت الحافظ فى النوم يمشى مستعجلا، فقلت: إلى أين؟ فقال: أزور النبى ﷺ ، فقلت: وأين هو؟ قال: فى المسجد الأقصى، فإذا النبى ﷺ ، وعنده أصحابه، فلما رأى الحافظ قام له النبى ﷺ ، وأجلسه إلى جانبه. قال: فبقى الحافظ يشكو إليه ما لقى، ويبكى ويقول: يا رسول الله، كذبت فى الحديث الفلانى، والحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صدقت يا عبد الغنى، صدقت يا عبد الغنى.

стр. 457

ذكر تصانيفه كتاب «المصباح، فى عيون الأحاديث الصحاح» ثمانية وأربعين جزءا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب «نهاية المراد، من كلام خير العباد» لم يبيضه كله، فى السنن، نحو مائتى جزء، كتاب «اليواقيت» مجلد، كتاب «تحفة الطالبين، فى الجهاد والمجاهدين»، كتاب «الآثار المرضية، فى فضائل خير البرية» أربعة أجزاء، كتاب «الروضة» أربعة أجزاء، كتاب «الذكر» جزآن، كتاب «الأسرار» جزآن، كتاب «التهجد» جزآن، كتاب «الفرج» جزآن، كتاب «الصلات من الأحياء إلى الأموات» جزآن، كتاب «الصفات» جزآن «محنة الإمام أحمد» ثلاثة أجزاء، كتاب «ذم الرياء» جزء كبير، كتاب «ذم الغيبة» جزء ضخم، كتاب «الترغيب فى الدعاء» جزء كبير، كتاب «فضائل مكة» أربعة أجزاء، كتاب «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» جزء، كتاب «فضائل رمضان» جزء، وجزء فى «فضائل عشر ذى الحجة» وجزء فى «فضائل الصدقة» وجزء فى «فضائل الحج» وجزء فى «فضائل رجب» وجزء فى «وفاة النبى ﷺ » وجزء فى «الأقسام التى أقسم بها النبى ﷺ » وكتاب «الأربعين» وكتاب «الأربعين» آخر، وكتاب «الأربعين من كلام رب العالمين» وكتاب «الأربعين» بسند واحد، وكتاب «اعتقاد الإمام الشافعى» جزء كبير، وكتاب «الحكايات» سبعة أجزاء، وكتاب «غنية الحفاظ فى تحقيق مشكل الألفاظ» فى مجلدين، وكتاب «الجامع الصغير لأحكام البشير النذير» لم يتمه، وخمسة أجزاء من كتاب لم يتمه، على صفة كتاب «من صبر ظفر» وجزء «فى ذكر القبور» وأجزاء أخرجها من الأحاديث والحكايات. كان يقرؤها فى المجالس، تزيد على مائة جزء، وجزء فى «مناقب عمر بن عبد العزيز» هذه كلها بالأسانيد.

стр. 458

ومن الكتب بلا إسناد: كتاب «الأحكام على أبواب الفقه» ستة أجزاء كتاب «العمدة فى الأحكام» مما اتفق عليه البخارى ومسلم، جزآن، وكتاب «درر الأثر على حروف المعجم» تسعة أجزاء، كتاب «سيرة النبى ﷺ » جزء كبير، كتاب «النصيحة فى الأدعية الصحيحة» جزء، كتاب «الاقتصاد فى الاعتقاد» جزء كبير، كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى ألفه أبو نعيم الأصبهانى فى جزء كبير، وكتاب «الكمال فى معرفة الرجال» يشتمل على رجال الصحيحين وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة فى عشر مجلدات، وفيه إسناد ذكر محنته. قال الحافظ الضياء: سمعت الإمام أبا محمد عمر بن سالم بن محمد الأنصارى المعبر يقول: رأيت فى النوم - يعنى: قبل الفتنة التى جرت للحافظ - كأن قائلا يقول لى: يمنع الحافظ من القراءة، ويجرى على أصحابه شدة، ويمشى إلى مصر وبها يموت، وهو من الأربعة، والشيخ أبو عمر - وسمى رجلين من العراق - ولم أحفظ أسماءهما. فلما انتبهت جاءنى رجل، فقال لي: الحال مثل ما رأيت فى النوم، ولم أرجع أره بعد ذلك. وسمعت الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال: سمعت الحافظ يقول: سألت الله تعالى أن يرزقنى مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقنى صلاته، قال: ثم ابتلي بعد ذلك، وأوذى. وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد الله بن أبى الحسن الجبائى بإصبهان يقول: كان أبو نعيم الحافظ قد أخذ على الحافظ أبى عبد الله بن منده أشياء فى كتاب «معرفة الصحابة» وكان الحافظ أبو موسى المدينى يشتهى أن يأخذ على أبى نعيم - يعنى: فى كتاب «معرفة الصحابة» - فما كان يحسن. فلما جاء الحافظ عبد الغنى إلى أصبهان أشار إليه بذلك. قال: تأخذ على أبى نعيم فى كتابه «معرفة الصحابة» نحوا من مائتين وتسعين موضعا. قال: فلما سمع

стр. 459

بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخجندى طلب الحافظ عبد الغنى، وأراد إهلاكه فاختفى الحافظ. وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى قال: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا فى أزار. وذلك أن بيت الخجندى أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبى نعيم. وكانوا رؤساء البلد. قلت: هذا فى غاية الجهل والهوى. وإلا فما الذى يتعلق بهذا من المذاهب واختلاف المقالات؟. قال الضياء: وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل للعقيلى، فأخذنى أهل الموصل، وحبسونى، وأرادوا قتلى من أجل ذكر أبى حنيفة فيه. قال: فجاءنى رجل طويل ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلنى وأستريح. قال: فلم يصنع شيئا، ثم إنهم أطلقونى. قال: وكان يسمع هو والإمام ابن البرنى الواعظ، فأخذ ابن البرنى الكراس التى فيها ذكر أبى حنيفة فاشتالها، فأرسلوا وفتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئا. فهذا سبب خلاصه. والله أعلم. قال: وكان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، ويبكى الناس، وينتفعون بمجالسه كثيرا، فوقع الحسد عند المخالفين بدمشق، وشرعوا يعملون وقتا يجتمعون فى الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس من غير اختيارهم. فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم تشتف قلوبهم بذلك، فشرعوا فى المكيدة بأن أمروا الإمام الناصح أبا الفرج عبد الرحمن بن نجم ابن الحنبلى الواعظ بأن يجلس يعظ فى الجامع تحت قبّة النسر بعد الجمعة وقت جلوس الحافظ. فلما بلغنى ذلك قلت لبعض أصحابنا: هذه مكيدة والله، ما ذلك لحبهم الناصح، وإنما يريدون أن يعملوا شيئا. فأوّل ذلك: أن الحافظ والناصح أرادا أن يختلفا للوقت. ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة، ثم

стр. 460

يجلس الحافظ بعد العصر. فلما كان بعض الأيام، والناصح قد فرغ من مجلسه. وكان قد ذكر الإمام أحمد ﵀ فى مجلسه - فدسوا إليه رجلا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح كلاما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب ذلك الرجل وهرب، فأتبع، فخبئ فى الكلاّسة، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة، فمشوا إلى الوالى: وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا، ثم إنهم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة إلى الوالى، وقالوا: نشتهى أن يحضر الحافظ عبد الغنى. وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك، فانحدروا إلى دمشق - خالى الإمام موفق الدين، وأخى الإمام أبى العباس أحمد البخارى، وجماعة الفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم، وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ؛ فإنك حاد ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأحذوه، ولم يعلم أصحابنا بذلك، فناظروه. وكان أجهلهم يغرى به فاحتدّ وكانوا قد كتبوا شيئا من اعتقاداتهم وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك، فلم يفعل، فقالوا للوالى: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شئ وهو يخالفهم. وكان الوالى لا يفهم شيئا فاستأذنوه فى رفع منبره، فأرسلوا الأسرى فرفعوا ما فى جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين، وقالوا: نريد أن لا يجعل فى الجامع إلا صلاة أصحاب الشافعى، وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة فى مقامهم فى الجامع، ففاتهم صلاة الظهر. ثم إن الناصح ابن الحنبلى جمع السوقة وغيرهم، وقال: إن لم يخلونا نصلى باختيارهم صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضى - وهو كان صاحب الفتنة - فأذن لهم بالصلاة، وخاف أن يصلى بغير إذنه. وكان الحنفية قد حموا مقصورتهم بالجند. ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة يقرأ الحديث. وكان الملك العادل فى بلاد الشرق، فقال أهل بعلبك للحافظ: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذى من آذاك، فقال: لا، ثم إنه توجه إلى مصر، ولم يعلم أصحابنا بسفره، فبقى مدة بنابلس يقرأ الحديث.
следующие страницы →