شدة الحر، فقال: لو كنا نقوم من هذا الحر إلى المسجد، فهممنا بالقيام ولعل بعضنا قام، فإذا سحابة قد غطت الشمس، فقال: اقعدوا، فرأيت بعض أصحابنا ينظر إلى بعض، ويسردن الكلام بينهم: إن هذه كرامة، ويقولون:
ما كان يرى فى السماء سحابة. وذكر الضياء أشياء كثيرة من هذا الجنس.
قال: وسمعت الحافظ يقول: رأيت النبى ﷺ فى النوم يمشى وأنا أمشى خلفه، إلا أن بينى وبينه رجلا.
قال: وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله المحولى عن رجل فقيه - وكان ضريرا، ويبغض الحافظ - فرأى النبى ﷺ فى النوم، ومعه الحافظ ويده فى يده فى جامع عمرو بن العاص، وهما يمشيان، وهو يقول: يا رسول الله، حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صحيح، ويقول: حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول:
صحيح، حتى عددت مائة حديث. قال: فأصبح فتاب من بغضه.
وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ عبد الغنى قال: حدثنى رجل من أصحابنا قال: رأيت الحافظ فى النوم يمشى مستعجلا، فقلت: إلى أين؟ فقال:
أزور النبى ﷺ ، فقلت: وأين هو؟ قال: فى المسجد الأقصى، فإذا النبى ﷺ ، وعنده أصحابه، فلما رأى الحافظ قام له النبى ﷺ ، وأجلسه إلى جانبه. قال: فبقى الحافظ يشكو إليه ما لقى، ويبكى ويقول: يا رسول الله، كذبت فى الحديث الفلانى، والحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صدقت يا عبد الغنى، صدقت يا عبد الغنى.
стр. 457
ذكر تصانيفه
كتاب «المصباح، فى عيون الأحاديث الصحاح» ثمانية وأربعين جزءا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب «نهاية المراد، من كلام خير العباد» لم يبيضه كله، فى السنن، نحو مائتى جزء، كتاب «اليواقيت» مجلد، كتاب «تحفة الطالبين، فى الجهاد والمجاهدين»، كتاب «الآثار المرضية، فى فضائل خير البرية» أربعة أجزاء، كتاب «الروضة» أربعة أجزاء، كتاب «الذكر» جزآن، كتاب «الأسرار» جزآن، كتاب «التهجد» جزآن، كتاب «الفرج» جزآن، كتاب «الصلات من الأحياء إلى الأموات» جزآن، كتاب «الصفات» جزآن «محنة الإمام أحمد» ثلاثة أجزاء، كتاب «ذم الرياء» جزء كبير، كتاب «ذم الغيبة» جزء ضخم، كتاب «الترغيب فى الدعاء» جزء كبير، كتاب «فضائل مكة» أربعة أجزاء، كتاب «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» جزء، كتاب «فضائل رمضان» جزء، وجزء فى «فضائل عشر ذى الحجة» وجزء فى «فضائل الصدقة» وجزء فى «فضائل الحج» وجزء فى «فضائل رجب» وجزء فى «وفاة النبى ﷺ » وجزء فى «الأقسام التى أقسم بها النبى ﷺ » وكتاب «الأربعين» وكتاب «الأربعين» آخر، وكتاب «الأربعين من كلام رب العالمين» وكتاب «الأربعين» بسند واحد، وكتاب «اعتقاد الإمام الشافعى» جزء كبير، وكتاب «الحكايات» سبعة أجزاء، وكتاب «غنية الحفاظ فى تحقيق مشكل الألفاظ» فى مجلدين، وكتاب «الجامع الصغير لأحكام البشير النذير» لم يتمه، وخمسة أجزاء من كتاب لم يتمه، على صفة كتاب «من صبر ظفر» وجزء «فى ذكر القبور» وأجزاء أخرجها من الأحاديث والحكايات. كان يقرؤها فى المجالس، تزيد على مائة جزء، وجزء فى «مناقب عمر بن عبد العزيز» هذه كلها بالأسانيد.
стр. 458
ومن الكتب بلا إسناد: كتاب «الأحكام على أبواب الفقه» ستة أجزاء كتاب «العمدة فى الأحكام» مما اتفق عليه البخارى ومسلم، جزآن، وكتاب «درر الأثر على حروف المعجم» تسعة أجزاء، كتاب «سيرة النبى ﷺ » جزء كبير، كتاب «النصيحة فى الأدعية الصحيحة» جزء، كتاب «الاقتصاد فى الاعتقاد» جزء كبير، كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى ألفه أبو نعيم الأصبهانى فى جزء كبير، وكتاب «الكمال فى معرفة الرجال» يشتمل على رجال الصحيحين وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة فى عشر مجلدات، وفيه إسناد ذكر محنته.
قال الحافظ الضياء: سمعت الإمام أبا محمد عمر بن سالم بن محمد الأنصارى المعبر يقول: رأيت فى النوم - يعنى: قبل الفتنة التى جرت للحافظ - كأن قائلا يقول لى: يمنع الحافظ من القراءة، ويجرى على أصحابه شدة، ويمشى إلى مصر وبها يموت، وهو من الأربعة، والشيخ أبو عمر - وسمى رجلين من العراق - ولم أحفظ أسماءهما. فلما انتبهت جاءنى رجل، فقال لي: الحال مثل ما رأيت فى النوم، ولم أرجع أره بعد ذلك.
وسمعت الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال:
سمعت الحافظ يقول: سألت الله تعالى أن يرزقنى مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقنى صلاته، قال: ثم ابتلي بعد ذلك، وأوذى.
وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد الله بن أبى الحسن الجبائى بإصبهان يقول: كان أبو نعيم الحافظ قد أخذ على الحافظ أبى عبد الله بن منده أشياء فى كتاب «معرفة الصحابة» وكان الحافظ أبو موسى المدينى يشتهى أن يأخذ على أبى نعيم - يعنى: فى كتاب «معرفة الصحابة» - فما كان يحسن. فلما جاء الحافظ عبد الغنى إلى أصبهان أشار إليه بذلك. قال: تأخذ على أبى نعيم فى كتابه «معرفة الصحابة» نحوا من مائتين وتسعين موضعا. قال: فلما سمع
стр. 459
بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخجندى طلب الحافظ عبد الغنى، وأراد إهلاكه فاختفى الحافظ.
وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى قال: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا فى أزار. وذلك أن بيت الخجندى أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبى نعيم.
وكانوا رؤساء البلد.
قلت: هذا فى غاية الجهل والهوى. وإلا فما الذى يتعلق بهذا من المذاهب واختلاف المقالات؟.
قال الضياء: وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل للعقيلى، فأخذنى أهل الموصل، وحبسونى، وأرادوا قتلى من أجل ذكر أبى حنيفة فيه. قال: فجاءنى رجل طويل ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلنى وأستريح.
قال: فلم يصنع شيئا، ثم إنهم أطلقونى.
قال: وكان يسمع هو والإمام ابن البرنى الواعظ، فأخذ ابن البرنى الكراس التى فيها ذكر أبى حنيفة فاشتالها، فأرسلوا وفتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئا.
فهذا سبب خلاصه. والله أعلم.
قال: وكان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، ويبكى الناس، وينتفعون بمجالسه كثيرا، فوقع الحسد عند المخالفين بدمشق، وشرعوا يعملون وقتا يجتمعون فى الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس من غير اختيارهم. فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم تشتف قلوبهم بذلك، فشرعوا فى المكيدة بأن أمروا الإمام الناصح أبا الفرج عبد الرحمن بن نجم ابن الحنبلى الواعظ بأن يجلس يعظ فى الجامع تحت قبّة النسر بعد الجمعة وقت جلوس الحافظ. فلما بلغنى ذلك قلت لبعض أصحابنا: هذه مكيدة والله، ما ذلك لحبهم الناصح، وإنما يريدون أن يعملوا شيئا. فأوّل ذلك: أن الحافظ والناصح أرادا أن يختلفا للوقت. ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة، ثم
стр. 460
يجلس الحافظ بعد العصر. فلما كان بعض الأيام، والناصح قد فرغ من مجلسه.
وكان قد ذكر الإمام أحمد ﵀ فى مجلسه - فدسوا إليه رجلا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح كلاما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب ذلك الرجل وهرب، فأتبع، فخبئ فى الكلاّسة، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة، فمشوا إلى الوالى: وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا، ثم إنهم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة إلى الوالى، وقالوا: نشتهى أن يحضر الحافظ عبد الغنى. وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك، فانحدروا إلى دمشق - خالى الإمام موفق الدين، وأخى الإمام أبى العباس أحمد البخارى، وجماعة الفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم، وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ؛ فإنك حاد ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأحذوه، ولم يعلم أصحابنا بذلك، فناظروه. وكان أجهلهم يغرى به فاحتدّ وكانوا قد كتبوا شيئا من اعتقاداتهم وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك، فلم يفعل، فقالوا للوالى: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شئ وهو يخالفهم.
وكان الوالى لا يفهم شيئا فاستأذنوه فى رفع منبره، فأرسلوا الأسرى فرفعوا ما فى جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين، وقالوا: نريد أن لا يجعل فى الجامع إلا صلاة أصحاب الشافعى، وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة فى مقامهم فى الجامع، ففاتهم صلاة الظهر. ثم إن الناصح ابن الحنبلى جمع السوقة وغيرهم، وقال: إن لم يخلونا نصلى باختيارهم صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضى - وهو كان صاحب الفتنة - فأذن لهم بالصلاة، وخاف أن يصلى بغير إذنه. وكان الحنفية قد حموا مقصورتهم بالجند.
ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة يقرأ الحديث.
وكان الملك العادل فى بلاد الشرق، فقال أهل بعلبك للحافظ: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذى من آذاك، فقال: لا، ثم إنه توجه إلى مصر، ولم يعلم أصحابنا بسفره، فبقى مدة بنابلس يقرأ الحديث.
стр. 461
قال الضياء: وهذا سمعته من أصحابنا. وكنت أنا فى ذلك الوقت بمصر أسمع الحديث.
قلت: وقد ذكر بعض المخالفين هذه القضية على غير هذا الوجه، فقال:
اجتمع الشافعية والحنفية والمالكية عند المعظم عيسى، والصارم برغش والى القلعة.
وكانا يجلسان بدار العدل للنظر فى المظالم. قال: وكان ما اشتهر من إحضار اعتقاد الحنابلة، وموافقة أولاد الفقيه نجم الدين الحنبلى الجماعة، وإصرار الفقيه عبد الغنى المقدسى على لزوم ما ظهر به من اعتقاده، وهو الجهة والاستواء والحرف. وأجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع، لا يجوز أن يترك بين المسلمين، ولا يحل لولى الأمر أن يمكنه من المقام معهم. وسأل أن يمهل ثلاثة أيام؛ لينفصل عن البلد، فأجيب.
وذكر غيره: أنهم أخذوا عليه مواضع، منها قوله: ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول. ومنها قوله: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها: مسألة الحرف والصوت، فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان، فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيها تنفى حقيقة النزول، فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت، فإنه لم يصح عن إمامك الذى تنتمى إليه فيه شئ، وإنما المنقول عنه: أنه كلام الله غير مخلوق. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلال، وأنت على الحق؟ قال: نعم.
ثم ذكر منعهم من الصلاة بالجامع، قال: فخرج عبد الغنى إلى بعلبك، ثم سافر إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وكتب أهل مصر إلى الصفي بن شكر وزير العادل: أنه قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رءوس الأشهاد، فكتب إلى والى مصر بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب.
стр. 462
فأما قولهم: «أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع» فيا لله العجب، كيف يقع الإجماع، وأحفظ أهل وقته للسنة، وأعلمهم بها هو المخالف؟ وما أحسن ما قال أبو بكر قاضى القضاة الشامى الشافعى، لما عقد له مجلس ببغداد، وناظره الغزالى، واحتج عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما عملت به، فقال الشامى: إذا كنت أنا الشيخ فى هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون، فبمن ينعقد الإجماع؟ بك، وبأصحابك؟ هذا مع مخالفة فقيه الإسلام فى وقته الذى يقال:
إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعى أفقه منه، ومعه خلق من أئمة الفقهاء، والمناظرين والمحدثين، هذا فى الشام خاصة، دع المخالفين لهؤلاء، المجتمعين فى سائر بلاد المسلمين - بغداد ومصر وغيرهما من أمصار المسلمين - مع إجماع السلف المنعقد على موافقة هؤلاء المخالفين لهم، ولم يكن فى المخالفين للحافظ من له خبرة بالسنة والحديث والآثار.
ولقد عقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبى العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السنة، وأما أنت: فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات - وأظنه قال: وكلاما من سيرة عنتر - فلا تميز بينهما - أو كما قال - فسكت الرجل.
وأما قولهم: «إن بنى الحنبلى، وافقوا الجماعة» فهذا إما أن يكون صحيحا، أو غير صحيح، فإن كان صحيحا، فهو تقية ونفاق منهم، وإلا فكلام بنى نجم الدّين الحنبلى، وكلام أبيهم فى إثبات الصوت كثير موجود، وسنذكر إن شاء الله مما نقله الناصح الحنبلى خاصة فى إثبات الصوت ما نذكره فى مواضعه.
وأما قوله: «ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول» فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك.
стр. 463
وأما المكان: ففيه نزاع وتفصيل. وفى الصحيحتين: إثبات لفظ المكان.
وأما الانتقال: ففيه جوابان.
أحدهما: لا نسلم لزومه؛ فإن نزوله ليس كنزول المخلوقين، ولهذا نقل عن جماعة من الأئمة: أنه ينزل، ولا يخلو منه العرش (١).
والثانى: أن هذا مبنى على إثبات الأفعال الاختياريّة، وقيامها بالذات.
وفيها قولان لأهل الحديث المتأخرين من أصحابنا وغيرهم.
وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذى ينتمى إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه فى إثبات الصوت كثير جدا.
قال عبد الله بن الامام أحمد فى كتاب السنة [«سألت أبى عن قوم يقولون:
لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبى: بلى، تكلم بصوت، هذه الأحاديث ترويها كما جاءت»] (٢). والمقصود ههنا: الإشارة إلى ما وقع فى حق الحافظ، من التحامل عليه، والتعصب.
وقرأت بخط الإمام الحافظ الذهبى - ردا على من نقل الإجماع على تكفيره - أما قوله «أجمعوا» فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين: من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعنى أنها تجرى على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ.
قال الحافظ الضياء: وجاء شاب من أهل دمشق بفتاوى من أهلها، إلى
стр. 464
صاحب الحافظ بمصر - وهو العزيز عثمان - ومعه كتب: أن الحنابلة يقولون كذا وكذا، مما يشنعون به ويفترونه عليهم. وكان ذلك الوقت قد خرج نحو الإسكندرية يتفرج، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة أخرجناك من بلادنا، من يقول بهذه المقالة؟ فلم يرجع إلا ميتا؛ فإنه عدا به الفرس خلف صيد، فشب به الفرس وسقط عليه، فخسف صدره. كذا حدثنى شيخنا يوسف بن الطفيل، وهو الذى تولى غسله، وأقام ولده موضعه، وأرسلوا إلى الأفضل بن صلاح الدين - وكان بصرخد - فجاء وأخذ مصر، وذهب إلى دمشق، فلقى الحافظ عبد الغنى فى الطريق، فأكرمه إكراما كثيرا وبعث يوصى به بمصر.
فلما وصل الحافظ إلى مصر، تلقّي بالبشر والإكرام، وأقام بها يسمع الحديث بمواضع منها، وبالقاهرة. وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم من أذى الحافظ لو أرادوه، ثم جاء الملك العادل، وأخذ مصر، وأكثر المخالفون عنده على الحافظ. وسمعت أن بعضهم بذل فى قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال: وقرأت بخط الحافظ كتبه إلى دمشق: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل عليّ وأكرمنى، وقام لى والتزمنى، ودعوت له. ثم قلت: عندنا قصور، فهو الذى يوجب التقصير، فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شئ يعاب فى أمر الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين. وقد تقدم ذكر هيبة العادل له، واحترامه، وتعجب الناس من ذلك.
قال: ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقى الحافظ بمصر، والمخالفون لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الملك الكامل على إخراجه من مصر، واعتقل فى دار سبع ليال، فقال: ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالى.
وقال: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغنى، يقول: حدثنى الشجاع بن أبى ذكرى الأمير، قال: قال لى الملك الكامل يوما: ههنا رجل
стр. 465
فقيه، قالوا: إنه كافر، قلت: لا أعرفه، قال: بلى، هو محدث، فقلت: لعله الحافظ عبد الغنى؟ فقال: نعم، هذا هو، فقلت: أيها الملك، العلماء: أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا، وأنت ههنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، وأرسل إليك شفاعة، أو رقعة، يطلب منك شيئا؟ فقال: لا، فقلت: أيها الملك: والله هؤلاء القوم يحسدونه، فهل فى هذه البلاد أرفع منك؟ قال: لا، فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء، كما أنت أرفع الناس ههنا، فقال:
جزاك الله خيرا كما عرفتنى هذا.
ثم إنّي أرسلت رقعة إلى للملك الكامل أوصيه به، فأرسل إليّ: تجئ، فمضيت إليه، وإذا عنده جماعة، منهم: شيخ الشيوخ - يعنى: ابن حمويه - وعزّ الدين الزنجانى، فقال لى الملك: نحن فى أمر الحافظ، فقلت: أيها الملك، القوم يحسدونه، ثم بيننا هذا الشيخ - أعنى شيخ الشيوخ - وقلت: بحق كذا وكذا، هل سمعت من الحافظ كلاما يخرج عن الإسلام؟ فقال: لا والله، ما سمعت منه إلا كل جميل، وما رأيته قط، ثم تكلم ابن الرنجانى، فمدح الحافظ مدحا كثيرا، ومدح تلامذته، وقال: أنا أعرفهم، فما رأيت مثلهم. فقلت:
وأنا أقول شيئا آخر، فقال: ما هو؟ فقلت: لا يصل إليه شئ يكرهه، حتى يقتل من الأكراد ثلاثة آلاف، قال فقال: لا يؤذى الحافظ، فقلت:
اكتب خطك بذاك، فكتب.
وسمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب:
أقول كذا؛ لقول لله كذا، وأقول كذا؛ لقول رسول الله ﷺ كذا، حتى فرغ من المسائل التى يخالفون فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل، قال: إيش فى هذا؟ يقول بقول الله ، وقول رسوله ﷺ .
قال: فخلى عنه.
ثم ذكر الضياء طرفا من فراسته، وهى نوع من فراسته، وهى ملتحقة بنوع من كراماته.
стр. 466
فمنها ما قال: سمعت نصر بن رضوان بن ثروان العدوى يقول: لما كان الحافظ يجلس فى الجامع بعد العصر، كان المنبر الذى يجلس عليه فيه قصر. وكان الناس يشرفون إليه، فخطر فى نفسى لو كان يرفع قليلا. وكان الحافظ على المنبر يقرأ فى جزء، فترك القراءة، فقال بعض الإخوان: نشتهى أن يعلى هذا المنبر قليلا، فلما كان الغد زاد بعض الجماعة فى رجل المنبر قليلا.
قال: وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ قال: كنت عند والدى، وهو يذكر فضائل سفيان الثورى، فقلت فى نفسى: إن والدى مثله، فالتفت إلىّ وقال:
أين نحن من أولئك؟.
وسمعت أبا موسى أيضا يحدث عن رجل بدمياط قال: كنت يوما عند الحافظ، فقلت فى نفسى: كنت أشتهى لو أن الحافظ يعطينى الثوب الذى يلى جسده حتى أكفن فيه. فلما أردت القيام قال: لا تبرح، فلما انصرف الجماعة خلع ثوبه الذى يلى جسده وأعطانيه. قال: فبقى الثوب عندنا، وكل من مرض أو وجع رأسه تركوه عليه حتى يبرأ بإذن الله تعالى.
وسمعت أبا الرضى محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسى قال: وقع لى أن أسأل الحافظ عن شئ من ذكر أصحاب النبى ﷺ ، فمضيت إليه فوجدت عنده جماعة، فاستحييت أن أسأله وقعدت، فذكر ما كنت أريد أن أسأله عنه وبيّنه.
وسمعت أبا على فارس بن عثمان بن عبد الله الدمشقى يذكر عن رجل عن آخر قال: خرجنا جماعة إلى الجبل، فقعدنا على النهر. فقال بعضنا: اشتهينا لو أن الحافظ جاء ومعه جزء يقرأ لنا فيه أخبارا، فقال آخر: ويجئ معه بحلاوة، فلم نلبث إلا والحافظ قد جاء، فقال له بعضنا: لو كنت جئت معك بشئ تقرأ لنا فيه؟ فأخرج جزءا من كمه، وقال: قد جئت بالجزء والحلاوة.
وسمعت الحافظ أبا موسى يقول: قالت لى والدتى: قدمنا يوما لوالدك طبيخا
стр. 467
من طبيخ فلان - لرجل سماه لى - وكان الحافظ لا يشتهى أن يأكل من طعامه، فأخذ لقمة ورفعها إلى فيه، ثم نظر إليه وقال: هذا من طبيخ فلان، ارفعوه، ولم يأكل منه شيئا.
قال الضياء: فسألت خالتى رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة - امرأة الحافظ - بعد ذلك عن هذه الحكاية؟ فحدثتنى بها.
قال: وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال:
كنت يوما عند الحافظ بالقاهرة، فدخل رجل فسلم عليه، ثم أخرج دينارين فدفعهما إليه، فدفعهما الحافظ إلىّ، وقال: ما كان قلبي يطيب بهما، فسألت الرجل؟ إيش شغلك؟ فقال: أنا أكتب على النطرون، والنطرون بمصر ماء يجمد مثل الملح وعليه ضمان.
وسمعته يحدث عن رجل - وأثنى عليه خيرا - قال: كنت مرة قد تحرقت ثيابى، فجئت يوما بدمشق للحافظ، فقلت: يا سيدى لك حاجة أحملها إلى الجبل؟ قال: نعم. خذ معك هذا الثوب، فحملته إلى الجبل. فلما صعدت، جئت بالثوب إليه، فقال: اقعد فصّل لك ثوبين وسراويل، ففصلت ثوبين وسراويل، وفضلت فضلة فأخذها.
سمعت الحافظ أبا موسى قال: مرض والدى ﵀ فى ربيع الأول سنة ستمائة مرضا شديدا منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستة عشر يوما، وكنت كثيرا ما أسأله: ما تشتهى؟ فيقول: أشتهى الجنة، أشتهى رحمة الله تعالى، لا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الاثنين جئت إليه. وكان عادتى أبعث من يأتى كل يوم بكرة بماء حار من الحمام يغسل أطرافه. فلما جئنا بالماء على العادة مدّ يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الفجر، ثم قال:
يا عبد الله، قد فصل بنا وخفف، فقمت فصليت بالجماعة، وصلّى معنا جالسا. فلما انصرف الناس جئت، فجلست عند رأسه وقد استقبل القبلة، فقال لى: اقرأ
стр. 468
عند رأسى سورة يس، فقرأتها، فجعل يدعو الله وأنا أؤمن، فقلت: ههنا دواء قد عملناه تشربه؟ فقال: يا بنىّ ما بقى إلا الموت، فقلت: ما تشتهى شيئا؟ قال: أشتهى النظر إلى وجه الله تعالى. فقلت: ما أنت عنى راض؟ قال: بلى والله، أنا عنك راض وعن إخوتك، وقد أجزت لك ولاخوتك ولابن أختك إبراهيم.
قال: وسمعت أبا موسى يقول: أوصانى أبى عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذى تعبنا عليه - يعنى الحديث - فقلت: ما توصى بشئ؟ قال: مالى على أحد شئ، ولا لأحد علىّ شئ. قلت: توصينى بوصية؟ قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه فسلموا عليه فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله تعالى، قولوا:
لا إله إلا الله، فقالوها، ثم قاموا. فجعل يذكر الله، ويحرك شفتيه بذكره، وبشير بعينيه، فدخل رجل فسلم عليه، وقال له: ما تعرفنى يا سيدى؟ فقال: بلى، فقمت لأناوله كتابا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه. وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ستمائة. وبقى ليلة الثلاثاء فى المسجد، واجتمع الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله . ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة، مقابل قبر الشيخ أبى عمرو ابن مرزوق فى مكان ذكر لى خادمه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكى فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبى يرتاح إلى هذا المكان ﵀ ورضى عنه، وألحقه بنبينا محمد ﷺ .
قلت: ووقع لابن الحنبلى فى وفاته وهم، فقال: سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
ورثاه غير واحد، منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن سعد المقدسى الأديب بقصيدة طويلة، أولها:
هذا الذى كنت يوم البين أحتسب … فليقضن دمعى عنك بعض ما يجب
стр. 469
يا سائرين إلى مصر بربّكم … رفقا علىّ؛ فإن الأجر مكتسب
قولوا لساكنها: حييت من سكن … يا منية النفس، ماذا الصد والغضب؟
بالشام قوم وفى بغداد قد أسفوا … لا البعد أخلق بلواهم ولا الحقب
قد كنت بالكتب أحيانا تعللهم … فاليوم لا رسل تأتى ولا كتب
أنسيت عهدهم أم أنت فى جدث … تسفى وتبكى عليك الريح والسحب
بل أنت فى جنة تجنى فواكهها … لا لغو فيها، ولا غول ولا نصب
يا خير من قال بعد الصحب «حدثنا» … ومن إليه التقى والدين ينتسب
لولاك ماد عمود الدين، وانهدمت … قواعد الحق، واغتال الهدى عطب
فاليوم بعدك جمر الغيّ مضطرم … بادى الشرار، وركن الرشد مضطرب
فليبكينّك رسول الله ما هتفت … ورق الحمام، وتبكى العجم والعرب
لم يفترق بكما حال، فموتكما … فى الشهر واليوم، هذا الفخر والحسب
أحييت سنته من بعد ما دفنت … وشدتها وقد انهدت لها رتب
وصنتها عن أباطيل الرواة لها … حتى استنارت، فلا شك ولا ريب
ما زلت تمنحها أهلا، وتمنعها … من كان يلهيه عنها الثغر والشنب
قوم بأسماعهم عن سمعها صمم … وفى قلوبهم من حفظها قضب
تنوب عن جمعها منهم عمائمهم … أيضا، ويغنيهم عن درسها اللقب
يا شامتين وفينا ما يسوؤهم … مستبشرين وهذا الدهر محتسب
ليس الفناء بمقصور على سبب … ولا البقاء بممدود له سبب
ما مات من عز دين الله يعقبه … وإنما الميت منكم من له عقب
ولا تفوض بيت كان يعمده … مثل العماد، ولا أودى له طنب
علا العلى بجمال الدين بعد، كما … تحيى العلوم بمحيى الدين والقرب
وتسبق الخيل تاليها، وإن بعدت … وغاية السبق لا تعيى له النجب
مثل الدرارى السوارى شيخنا أبدا … نجم يغور ويبقى بعده شهب
من معشر هجروا الأوطان وانتهكوا … حمر الخطوب وأبكار العلى خطبوا
стр. 470
شمّ العرانين ملح، لو سألتهم … بذل النفوس لما هابرا بأن يهبوا
بيض مفارقهم، سود عواتقهم … يمشى مسابقهم من حظه التعب
نور إذا سألوا، نار إذا حملوا … سحب إذا نزلوا، أسد إذا ركبوا
الموقدون ونار الحرب خامدة … والمقدمون ونار الحرب تلتهب
هذا الفخار، فإن تجزع فلا جزع … على المحب، وإن تصبر فلا عجب
قال الضياء: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمود البعلى قال: جاء قوم من التجار إلى الشيخ العماد - وأنا عنده - فحدثوه أن النور يرى على قبر الحافظ عبد الغنى كل ليلة أو كل ليلة جمعة.
قال: وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ قال: حدثنى صنيعة الملك هبة الله ابن على بن حيدرة، قال: لما خرجت للصلاة على الحافظ لقينى هذا المغربى - وأشار إلى رجل معه - وقال: إلى أين تروح؟ فقلت: إلى الصلاة على الحافظ، فجاء معى، وقال: أنا رجل غريب، ورأيت البارحة فى النوم كأنى فى أرض واسعة، وفيها قوم عليهم ثياب بيض، وهم كثيرون، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لى: هؤلاء ملائكة السماء نزلوا الموت الحافظ عبد الغنى. فقلت: وأين هو الحافظ؟ فقيل لى: اقعد عند الجامع حتى يخرج صنيعة الملك، فامض معه. قال: فلقيته واقفا عند الجامع.
قال: وسمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغنى - سنة اثنتى عشرة وستمائة - قال: رأيت البارحة الكمال - يعنى أخى عبد الرحيم، وكان توفى فى تلك السنة - فى النوم، وعليه ثوب أبيض، فقلت له: يا فلان، أين أنت؟ قال:
فى جنة عدن، فقلت: أيما أفضل: الحافظ عبد الغنى، أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدرى. وأما الحافظ. فكل ليلة جمعة ينصب له كرسى تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، وينثر عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبى منه. وكان فى كمه شئ، وقد أمسك بيده على رأسها.
стр. 471
قال: وسمعت الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الله الكردى - بحران - يقول: رأيت الحافظ فى المنام، فقلت: له يا سيدى، أليس قدمت؟ فقال:
إن الله بقى علىّ وردى من الصلاة.
سمعت عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن سرور يحدث عن الشيخ الزاهد عبد الرحمن عشم المقرى عن رجل حدثه بمصر - وكان يبغض الحافظ - أنه رأى قائلا يقول له فى المنام: إن أراد الله بك خيرا فأنت تكون على ما هو عليه. وقال:
الحافظ عبد الغنى يدخل الجنة بعد النبى ﷺ ، أو قال: على أثر النبى ﷺ .
قال: وسمعت الإمام عبد الساتر بن يوسف بن على العجمى قال: رأيت فى المنام كأن أصحابنا فى الجنة وأنا معهم. قلت: مثل من؟ قال: مثل الشيخ أبي عمر، والموفق، والحافظ. وكأن النار قد أقبلت ولها قتام وظلام، وهى تقرب إلينا حتى كادت أن تصل إلينا، فقال قائل: يا حافظ، اخرج إليها، فخرج الحافظ - رجل طويل فيه سمرة، ووصفه بجميع صفته، قال: ولم أبصر الحافظ قط - ومعه نهر مثل نهر يزيد ثلاث مرات، فبقى يجئ منها حجارة، فتقع فى ذلك النهر فتطفى، وتبقى مثل الطواحين السود.
وقد ذكر الضياء غير ذلك من المنامات المرئية له فى حياته وبعد مماته.
رضى الله عنه.
وقد سمع الحديث من الحافظ عبد الغنى الخلق الكثير. وحدث بأكثر البلاد التى دخلها، كبغداد ودمشق ومصر ودمياط وأصبهان. وحدث بالإسكندرية سنة سبعين وخمسمائة.
وروى عنه خلق كثير، منهم: ولداه أبو الفتح، وأبو موسى، وعبد القادر الرهاوى، والشيخ موفق الدين، والحافظ الضياء، وابن خليل، والفقيه اليونينى، ويعيش بن ريحان الفقيه، وأحمد بن عبد الدائم، وعثمان بن مكى الشارعى،
стр. 472
وأحمد بن حامد الأرتاحى، وإسماعيل بن عزون، وعبد الله بن علاف.
وآخر من سمع منه: محمد بن مهلهل الحسينى. وآخر من روى عنه بالإجازة أحمد بن أبى الخير سلامة الحداد.
ذكر شئ من فتاوى الحافظ عبد الغنى ومسائله نقلته من حط السيف بن المجد
سئل عن حديث «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» هل هو منسوخ؟
فأجاب: بل هو محكم ثابت، لكن زيد فيه وضم إليه شروط أخر، وفرائض فرضها الله على عباده. وذكر قول الزهرى فى ذلك.
وسئل عمن كان فى زيادة من أحواله، فحصل له نقص؟
فأجاب: أما هذا، فيريد المجيب عنه أن يكون من أرباب الأحوال وأصحاب المعاملة. وأنا أشكو إلى الله تقصيرى وفتورى عن هذا وأمثاله من أبواب الخير. وأقول، وبالله التوفيق: إن من رزقه الله خيرا من عمل أو نور قلب، أو حالة مرضية فى جوارحه وبدنه، فليحمد الله عليها، وليجتهد فى تقييدها بكمالها، وشكر الله عليها، والحذر عن زوالها بزلة أو عثرة. ومن فقدها فليكثر من الاسترجاع، ويفزع إلى الاستغفار والاستقالة، والحزن على ما فاته، والتضرع إلى ربه، والرغبة إليه فى عودها إليه، فإن عادت، وإلا عاد إليه ثوابها وفضلها إن شاء الله تعالى.
وسئل مرة أخرى فى معنى ذلك؟
فأجاب: أما فقدان ما نجده من الحلاوة واللذة، فلا يكون دليلا على عدم القبول؛ فإن المبتدئ يجد ما لا يجد المنتهى، فإنه ربما ملّت النفس وسئمت لتطاول الزمان، وكثرة العبادة. وقد روى عن رسول الله ﷺ :
أنه كان ينهى عن كثرة العبادة والإفراط فيها، ويأمر بالاقتصاد؛ خوفا من
стр. 473
الملل. وقد روى «أن أهل اليمن لما قدموا المدينة جعلوا يبكون، فقال أبو بكر رضى الله عنه: هكذا كنا حتى قست القلوب».
وسئل عن يزيد بن معاوية؟
فأجاب: خلافته صحيحة. قال: وقال بعض العلماء: بايعه ستون من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم ابن عمر. وأما محبته: فمن أحبه فلا ينكر عليه، ومن لم يحبه فلا يلزمه ذلك؛ لأنه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، فيلتزم محبتهم إكراما لصحبتهم. وليس ثمّ أمر يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين، كعبد الملك وبنيه. وإنما يمنع من التعرض للوقوع فيه؛ خوفا من التسلق إلى أبيه، وسدّا لباب الفتنة.
وقال: روى عن إمامنا أحمد: أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق، فهو كافر ومن قال: قديم، فهو مبتدع. قال: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهى تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله . ومن قال بخلق ذلك كفر. وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون، ومن قال بقدم ذلك ابتدع.
وسئل عن دخول النساء الحمام؟
فأجاب: إذا كان للمرأة عذر فلها أن تدخل الحمام لأجل الضرورة.
والأحاديث فى هذا أسانيدها متقاربة. قد جاء النهى والتشديد فى دخولهن.
وجاءت الرخصة للنفساء والسقيمة. والذى يصح عندى: أنها إذا دخلت من عذر فلا بأس إن شاء الله، وإن استغنت عن الدخول، وكان لها عنه غناء، فلا تدخل. وهذا رأينا فى أهلنا، ومن يأخذ بقولنا. نسأل الله التوفيق والعفو والعافية.
٢١٥ - محمد بن سعد الله
بن نصر بن سعيد بن الدجاجى الواعظ، أبو نصر ابن أبى الحسن. وقد سبق ذكر والده.
ولد فى رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
стр. 474
وسمع بإفادة أبيه، وبنفسه من أبيه، وأبى جعفر السمنانى، والقاضى أبى بكر، وأبى منصور القزاز، وأبى القاسم السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى وغيرهم. ورحل إلى الكوفة، فسمع بها من أبى الحسن بن غبرة الحارثى
قال ابن نقطة: كان صحيح السماع.
وقال الدبيثى: شيخ حسن، فيه فضل وتمييز.
وقال القادسى: كان صالحا خيرا، فاضلا واعظا، يقرض الشعر.
وقال ابن النجار: كان من أعيان المشايخ، ووجوه وعاظ مدنية السلام، مليح الوعظ، حسن الإيراد، حلو الألفاظ، كيّسا متوددا، حسن الأخلاق، متواضعا، فاضلا صدوقا. وله النثر والنظم الجيد. وكان يتكلم فى عزاء الخلفاء والأفاضل والأماثل. وله تقدم ومكانة. ومما ذكر له من الشعر قوله - أنشده عنه ابن النجار -:
نفس الفتى إن صلحت أحوالها … كانت إلى نيل التقى أحوى لها
وإن تراها سددت أقوالها … كانت إلى حمل العلا أقوى لها
فلو تبدّت حال من لها لها … فى قبره عند البلاد لها لها
وله:
يقول عيسى أدميتها بالمسير … رفقا بنا يا هاشمى
إن شئت أن تلقى الغنى والمنى … عج بإمام من بنى هاشم
فقلت إذ لاح سنا قصره … يا نوق هذا نوره هاشمى
قال ابن القطيعى: أنشدته هذه الأبيات:
من لم يعدك إذا مرضت … فلا تعده ولا كرامة
فإن الإله أماته … فقد استرحت من الملامة
وإن الإله أقامه … فالعذر تهنيك السلامة
فقال مرتجلا:
وأنا على هذا أكون … مدى الحياة إلى القيامة
стр. 475
حدث بالكثير ببغداد وواسط والموصل. وسمع منه خلق. وروى عنه:
الدبيثى، وابن النجار، والنجيب الحرانى، وأخوه عبد العزيز.
وتوفى يوم الأربعاء خامس عشر من ربيع الأول سنة إحدى وستمائة.
ونودى له بجميع محال بغداد، فاجتمع له الناس من الغد، فصلى عليه بجامع السلطان. ودفن بباب حرب.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى أخبرنا أبو الفرج الحرانى أخبرنا أبو نصر ابن الدجاجى أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن محمد بن غيرة أخبرنا أبو الفرج محمد بن أحمد بن علان أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله النهروانى حدثنا محمد ابن جعفر بن رباح الأشجعى حدثنا على بن المنذر الطريفى حدثنا محمد بن فضيل ابن غزوان حدثنا أبى عن أبى حازم عن أبى هريرة قال «ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام، حتى قبض رسول الله ﷺ »
٢١٦ - عبد المنعم بن علي
بن نصر بن منصور بن هبة الله النميرى الحرانى الفقيه الواعظ، أبو محمد. ويلقب نجم الدين. من أهل حران
رحل إلى بغداد فى صباه سنة ثمان وسبعين لطلب العلم. فسمع من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى السعادات القزاز، وغيرهما.
وتفقه على أبى الفتح بن المنّى، حتى حصل طرفا صالحا من المذهب والخلاف. ثم عاد إلى حران. ثم قدّم بغداد مرة أخرى سنة ست وتسعين ومعه ولداه: النجيب عبد اللطيف، والعز عبد العزيز، فسمع، وأسمعهما الكثير. وقرأ على الشيوخ. وكتب وحصل وناظر فى مجالس الفقهاء، وحلق المناظرين، ودرس وأفاد الطلبة، واستوطن بغداد، وعقد بها مجلس الوعظ بعدّة أماكن.
ذكر ذلك ابن النجار. وقال: كان مليح الكلام فى الوعظ، رشيق الألفاظ، حلو العبارة. كتبنا عنه شيئا يسيرا. وكان ثقة صدوقا، متحريا حسن الطريقة، متدينا متورعا نزها عفيفا، عزيز النفس مع فقر شديد. وله مصنفات
стр. 476
حسنة وشعر جيد. وكلام فى الوعظ بديع. وكان حسن الأخلاق، لطيف الطبع متواضعا، جميل الصحبة.
وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: كان صالحا دنيا، نزها عفيفا، كيّسا لطيفا متواضعا، كثير الحياء. وكان يزور جدى ويسمع معنا الحديث. وذكر أنه استوطن بغداد لوحشة جرت بينه وبين خطيب حران ابن تيمية، فإنه خشى منه أن يتقدم عليه. فلما استشعر ذلك منه عاد إلى بغداد وسكنها.
قال: وحضرت مجالسه بباب المشرعة. وكان يقصد التجانس فى كلامه.
وسمعته ينشد:
وأشتاقكم يا أهل ودّى وبيننا … كما زعم البين المشتّ فراسخ
فأما الكرى عن ناظرى فمشرد … وأما هواكم فى فؤادى فراسخ
وذكره الناصح ابن الحنبلى، فقال: اشتغل بالفقه. وسمع درس شيخنا ابن المنى. وتكلم فى مسائل الخلاف، واشتغل بالوعظ، وفتح عليه بالنظم والنثر ورجع إلى حران، ووعظ بها مدة، ثم سافر إلى دمشق، وحضر مجلسى، وسألناه أن يجلس فامتنع، وقال: ما أجلس فى بلد تجلس أنت فيه، كأنه يكرمنى بذلك. ثم عاد إلى بغداد.
وقال ابن القادسى: كان ديّنا، صالحا ذا معرفة، عذب العبارة، مليح الكلام، كيسا، متواضعا، عقد مجالس الوعظ ببغداد.
قلت: وقد سبق فى ترجمة شيخه ابن المنىّ مرثية له فيه. وكان يفتى ببغداد مع أكابر فقهائها.
قال ابن النجار: توفى يوم الخميس سادس عشر ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة. ونودى بالصلاة عليه فى البلد. فاجتمع له الناس من الغد بجامع القصر، فصلينا عليه. وكان الجمع متوافرا، ثم صلّى عليه نوبة ثانية بالمدرسة النظامية.
ودفن بباب حرب، وأظنه قارب الخمسين، أو بلغها. ﵀.
стр. 477
قلت: وله أخ يقال له محمود، يكنى أبا الثناء، كان فقيها بارعا، رأيت له تصنيفا، سماه «الإنباء، عن تحريم الربا» تكلم فيه على بيع الفضة المغشوشة بالخالصة، ورأيت له سماعا على أحمد بن أبى الوفاء الفقيه جزء ابن عرفة، وعلى حماد الحرانى، وربما قيل فى نسب كل منه ومن أخيه: ابن الصيقل، وابن الصقال.
٢١٧ - محمد بن صمد
بن حامد بن مفرح بن غياث الأنصارى، الأرتاحى المصرى، أبو عبد الله بن أبى الثناء.
ولد سنة سبع وخمسمائة تخمينا.
وسمع بمصر من أبى الحسن على بن نصر بن محمد بن عفير الأرتاحى العابد وغيره، وبمكة: من المبارك بن الطباخ. وأجاز له أبو الحسن على بن الحسين ابن عمر الموصلى الفراء، وتفرد بإجازته، وحدث بها بشئ كثير.
قال المنذرى: كتب عنه جماعة من الحفاظ، وغيرهم، من أهل البلد، والواردين عليها، وحدثوا عنه. وهو أول شيخ سمعت منه الحديث. ونعته بالشيخ الأجل الصالح أبى عبد الله محمد ابن الشيخ الأجل الصالح أبى الثناء حمد.
قال: وهو من بيت القرآن والحديث والصلاح. حدث من بيته غير واحد وأقرأ. وروى عنه ابن خليل فى معجمه، ونعته بالإمام.
توفى فى العشرين من شعبان سنة إحدى وستمائة بمصر. ودفن من الغد بتربتهم، بسفح جبل المقطم. ﵀.
وفى يوم السبت سلخ سنة إحدى وستمائة توفى يوسف بن سعيد البناء الأزجى الحنبلي، المحدث. ودفن يوم الأحد مستهل المحرم. سمع كثيرا، وكتب بخطه.
٢١٨ - جبريل بن صارم
بن أحمد بن على بن سلامة الصعبى المصرى، أبو الأمانة، الأديب.
стр. 478
قدم بغداد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وهو فقير. فتفقه فى المذهب، وقرأ الخلاف. وصار يتكلم فى المسائل مع الفقهاء، وجالس النحاة، وحصل طرفا صالحا من الأدب، وقال الشعر الجيد.
وسمع الحديث من أبى الفرج بن الجوزى وغيره، ومدح الخليفة الناصر بعدة قصائد، وأثرى، ونبل مقداره، واشتهر ذكره، فنفذ من الديوان فى رسالة إلى الخوارزم شاه.
وسمع الحديث من مشايخ خراسان. وحصل نسخا بما سمع. ثم عاد إلى بغداد، وقد صار له الغلمان الترك والمراكب، ولم يزل يرسل من الديوان إلى خوارزم شاه، إلى أن قبض عليه لسبب ظهر منه، فسجن بدار الخلافة، وانقطع خبره عن الناس.
روى عنه من شعره ابن القطيعى، وعلى بن الجوزى. ولم أقف على وفاته.
ومما أنشده عنه ابن القطيعى، وكناه أبا الآثار:
لا غرو إن أضحت الأيام توسعنى … فقرا، وغيرى بالإثراء موسوم
فالحرف فى كل حال غير منتقص … ويدخل الاسم تصغير وترخيم
٢١٩ - على بن عمرو
بن فارس الحداد الباجسرائى، ثم البغدادى، الأزجى الفرضى، أبو الفرج.
تفقه على أبى حكيم النهروانى، وقرأ الفرائض والحساب. وكان فيه فضل ومعرفة. وتقلب فى الخدم الديوانية. ذكره المنذرى. وقال: توفى ليلة رابع شعبان، سنة ثلاث وستمائة. ودفن من الغد بمشهد عبيد الله، بالجانب الشرقى من بغداد. رحمه الله تعالى.
٢٢٠ - عبد الحليم بن محمد
بن أبى القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية، أبو محمد ابن الشيخ فخر الدين، وسيأتى ذكر والده.
стр. 479
ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
وسمع الحديث ببغداد من ابن كليب، وابن المعطوش، وابن الجوزى، وأبى أحمد بن سكينة وغيرهم.
وأقام ببغداد مدة طويلة. وقرأ الفقه، والأصول، والخلاف، والحساب، والهندسة، والفلسفة، والعلوم القديمة، حتى برع فى ذلك كله. ذكر ذلك ابن النجار. أن الحافظ ضياء الدين سمع منه جزء ابن عرفة عن ابن كليب.
وتوفى سادس شوال، سنة ثلاث وستمائة بحران. ﵀.
وذكر والده فى كتابه «الترغيب» أن لولده عبد الحليم - هذا - كتابا سماه «الذخيرة» وذكر عنه فروعا فى دقائق الوصايا، وعويص المسائل الدورية، ونحوها.
٢٢١ - عبد الرزاق بن عبد القادر
بن أبى صالح الجيلى البغدادى، الحلبى، المحدث الحافظ، أبو بكر ابن الزاهد أبى محمد.
وقد سبق ذكر والده وأخيه، عبد الوهاب.
ولد عبد الرزاق عشية يوم الاثنين ثامن عشر ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ببغداد.
وسمع الكثير بإفادة والده، وبنفسه من أبى الحسين محمد بن أحمد بن صرما، وأبى الفضل الأرموى، وابن ناصر الحافظ، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الكرم الشهرزورى، وأحمد بن طاهر الميهنى، وسعيد بن البناء، وأبى الوقت وطبقتهم.
وعنى بهذا الشأن، وحصل الأصول، وتفقه على والده. وكانت له معرفة بالمذهب، ولكن معرفته بالحديث غطت على معرفته بالفقه.
قال ابن نقطة: كان حافظا ثقة مأمونا.
وقال الحافظ الضياء: لم أر ببغداد أحدا فى تيقظه وتحريه مثله، وأثنى عليه الدبيثى. وغيره.
стр. 480
وقال ابن النجار: كان حافظا متقنا، ثقة صدوقا، حسن المعرفة بالحديث، فقيها على مذهب أبى عبد الله أحمد بن حنبل، ورعا متدينا، كثير العبادة، منقطعا فى منزله عن الناس، لا يخرج إلا فى الجمعات، محبا للرواية، مكرما لأهل العلم، سخيا بالفائدة، ذا مروءة، مع قلة ذات يده، وأخلاق حسنة، وتواضع وكيس، وكان خشن العيش، صابرا على فقره، عزيز النفس عفيفا، على منهاج السلف.
قال أبو شامة فى تاريخه: كان زاهدا عابدا ورعا، لم يكن فى أولاد الشيخ مثله، وكان مقتنعا من الدنيا باليسير، ولم يدخل فيما دخل فيه غيره من إخوته.
قال الذهبى: حدث عنه أبو عبد الله الدبيثى، وابن النجار، والضياء المقدسى، والنجيب عبد اللطيف، والتقى البلدانى، وابنه قاضى القضاة أبو صالح، وآخرون.
وتوفى ليلة السبت سادس شوال سنة ثلاث وستمائة، وحمل من الغد على الرءوس، وصلّى عليه بالمصلى، ثم بجامع الرصافة، وبمواضع متعددة، وشيعه الخلق الكثير. وكان يوما مشهودا. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه.
أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أنبأنا الحافظ أبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن صرما، أخبرنا أبو منصور عبد الباقى بن محمد العطار، أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال:
قرئ على أبى كريب - وأنا أسمع - حدثكم عبد الله بن إدريس عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر «أن النبى ﷺ ، ضرب وغرّب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب» رواه الترمذى، والنسائى، عن أبى كريب.
٢٢٢ - عبد الرحمن بن عيسى
بن أبى الحسن، علي بن الحسين البزورى البغدادى، البابصرى، الواعظ، أبو محمد، وأبو الفرج ..
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
стр. 481
وسمع من أبى الوقت، وهبة الله بن السبكى، وأبى المظفر بن البرمكى، وأبى محمد المادح، وأبى المعالى بن النحاس وغيرهم.
وقرأ الوعظ، والفقه، والحديث، على الشيخ أبى الفرج بن الجوزى. وكان خصيصا به، ثم تهاجرا، وتباينا، إلى أن فرق الموت بينهما.
قال سبط ابن الجوزى: ثم حدثته نفسه بمضاهاة جدى، وكنى نفسه بكنيته، واجتمع إليه سفساف أهل باب البصرة، وانقطع عن جدى. ولما جاء من واسط، ما جاء إليه، ولا زاره. وتزوج صبية وهو فى عشر السبعين، فاغتسل فى يوم بارد، فانتفخ ذكره، فمات.
وقال القادسى: كان تلميذ شيخنا ابن الجوزى، وصحبه مدة وانتفع به، ووعظ بجامع المنصور.
قال: وسمعته يقول بعض الأيام على الكرسى: إن الثعبان لم يلدغ أبا بكر الصديق، ولم يصح ذلك، فذكرنا ذلك لشيخنا ابن الجوزى، فقال: إن هذا الحديث قد ذكره اللالكائى، وكان من سادة أهل الحديث، وأن ابن عيسى قال كلمات كتبها من عندى.
قال: وسمعته يقول: إن مشهد المستقة لم يصح أن عليا اشتراه بمستقته.
وذكر قصته، وأن الرافضة وضعوا ذلك، قال: وقد صرح شيخنا ابن الجوزى بكذبه لما بان له منه.
قلت: لا ريب فى وقوع العداوة بينهما.
قال: وهو منسوب إلى قرية بزور، قرية بدجيل.
وقال ابن القطيعى: رفيقنا، كان فيه دين. وأنشدنى من شعره شيئا
وقال ابن النجار: وتفقه على مذهب الإمام أحمد ووعظ. وكان صالحا، حسن الطريقة، خشن العيش، غزير الدمعة عند الذكر، كتبت عنه، وهو الذى جمع سيرة ابن المنى، وطبقات أصحابه، وذكر فيها: أنه لزمه، وقرأ عليه،
стр. 482
وكلامه فيها يدل على فصاحته ومعرفته بالفقه والأصول والجدل.
وقد ذكره الحافظ الضياء، فقال: شيخنا الإمام الواعظ، أبو محمد. ولكن ابن الجوزى وأصحابه يذمونه.
توفى ليلة الاثنين السادس من شعبان (١) سنة أربع وستمائة، وصلي عليه من الغد بجامع المنصور، وحمله الناس على رءوسهم إلى باب حرب، ودفن هناك.
رحمه الله تعالى.
٢٢٣ - محمد بن النفيس
بن مسعود بن أبى سعد بن على السلامى الطحان الفقيه الأديب، أبو سعد ابن الفقيه أبى محمد، ويلقب شمس الدين. وقد سبق ذكر والده.
ولد أبو سعد فى ربيع الآخر (٢) سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
وقرأ القرآن، وسمع من أبى على أحمد بن محمد بن أحمد الرحبي، وأبى محمد بن الخشاب النحوى، وشهده. وقرأ الفقه على ابن المنى.
وذكره القطيعى، فقال: شاب حسن الخلق والخلق، من أهل القرآن والفقه. كان يسمع معنا الحديث.
وقال ابن الفادسى: كان فقيها حسنا، خيرا متميزا.
وقال المنذرى: حدث بشئ من تأليفه. توفى ليلة ثانى عشرين من شوال، سنة أربع وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة الزرادين.
وكذا ذكره ابن القادسى، وزاد: ليلة الجمعة، وصلّى عليه يوم الجمعة بجامع القصر. وقال ابن القطيعى: فى ذى القعدة.
قرئ على أبى الفتح الميدومى - بمصر - وأنا أسمع - أخبركم أبو الفرج
стр. 483
الحرانى - سماعا - قال: أنشدنا أبو عبد الله، وأبو سعد محمد بن النفيس، من شعره لنفسه:
رقّ يا من قلبه حجر … لجفون حشوها سهر
ولجسم ما لناظره … منه إلا الرسم والأثر
فغرامى لو تحمله … صخر رضوى كاد ينفطر
إن لومى فى هواك … لمن شر ما يأتى به القدر
يا بديعا جلّ عن شبه … ما يدانى حسنك القمر
صل ووجه الدهر مقتبل … فزمان الوصل مختصر
وقد كتبها القطيعى عنه، وزاد بيتا آخر، وهو:
كم رأينا وجنة فتنت … فمحى آثارها الشعر
٢٢٤ - عبد الله بن أبى الحسن
بن أبى الفرج الجبائى، الطرابلسى الشامى، الفقيه الزاهد أبو محمد، نزيل أصبهان. وسمى المنذرى جدّه أبا الفضل.
والأول أصح.
قال القطيعى: سألته عن مولده؟ فقال: سنة إحدى وعشرين وخمسمائة تقريبا
وقال المنذرى: مولده سنة تسع عشرة - أو سنة عشرين - وخمسمائة.
وقال القطيعى: سألته عن نسبه؟ فقال لى: نحن من قرية يقال لها: الجبة، من ناحية بشرى، من أعمال طرابلس، فى جبل لبنان. وكنا قوما نصارى، فتوفى أبى ونحن صغار. وكان أبى من علماء النصارى، وهم يعتقدون فيه أنه يعلم الغيب، فلما مات نفذت إلى المعلم، فقالت والدتى: ولدى الكبير للكسب وعمارة أرضنا، وولدى الصغير يضعف عن الكسب - وأشارت إلىّ - ولنا أخ أوسط، فقال المعلم: أما هذا الصغير - يعنينى - فلا يتعلم العلم، ولكن هذا - وأشار إلى أخى - فأخذه وعلمه؛ ليكون مقام أبى. فقدر الله أن وقعت حروب. فخرجنا من قريتنا. فهاجرت من بينهم. وكان فى قريتنا جماعة من المسلمين يقرءون
стр. 484
القرآن. فإذا سمعتهم أبكى. فلما دخلت أرض الإسلام أسلمت، وعمرى أحد عشر سنة. ثم بلغنى إسلام أخى الكبير. وتوفى مرابطا. ثم أسلم أخى الصغير الذى كان يعلمه المعلم. ودخلت بغداد فى سنة أربعين وخمسمائة.
قلت: وقد أصابه سبى واسترق.
فذكر أبو الفرج بن الحنبلى - ونقلته من خطه - قال: كان مملوكا، فقرأ القرآن فى حلقة الحنابلة - يعنى بجامع دمشق - فحفظه، وحفظ شيئا من عبادات المذهب الحنبلى، فقام قوم إلى الشيخ زين الدين على بن إبراهيم بن نجا الواعظ، وهو على منبر الوعظ، فقالوا: هذا الصبى قد حفظ القرآن وهو على خير، نريد أن نشتريه ويعتق، فاشترى من سيده وأعتق، وسافر عن دمشق. وطلب همدان، ولقى الحافظ أبا العلاء الهمدانى، فأقام عنده. وقرأ عليه القرآن. وسمع الحديث، وصار عند الحافظ مصدرا يقرئ الناس، ويأخذ عليهم. واشتهر بالخير والعلم، ودخل العجم. وسمع الكثير، ورجع إلى بغداد، وسمع حديثها، ولقى مشايخها.
قال: ولقيته ببغداد، واستزارنى إلى بيته. وقال لجماعته: أنا مملوك بيت الحنبلى. ثم سافر إلى أصبهان.
وقال الشيخ موفق الدين المقدسى: كان - يعنى الجبائى - رجلا صالحا. وهو من «جبة» طرابلس. وسبى من طرابلس صغيرا، ثم اشتراه ابن نجية وأعتقه، فسافر إلى بغداد، ثم إلى أصبهان. وكان يستمع معنا الحديث. انتهى.
سمع الشيخ أبو محمد ببغداد من ابن ناصر الحافظ الأرموى، وابن الطلاية وسعيد بن البناء، ودعوان بن على الحسنى وأبى على حمد بن شاتيل القاضى، وأبى المعمر الأنصارى وغيرهم.
وسمع بإصبهان من أبى الخير الباغباني (١)، ومسعود الثقفى، وغيرهما.
وتفقه ببغداد على أبى حكيم النهروانى. وأخذ عنه القطعة التى كتبها من
стр. 485
شرح الهداية. وصحب الشيخ عبد القادر الجيلى مدة، مائلا إلى التزهد والصلاح والخير والانقطاع، وانتفع به. وكان يحكى عنه كثيرا من أحواله وكراماته.
قال ابن النجار: كتب إلىّ عبد الله بن أبى الحسن الجبائى ونقلته من خطه قال: كنت أسمع كتاب «حلية الأولياء» على شيخنا أبى الفضل بن ناصر، فرق قلبى، وقلت فى نفسى: أشتهى أن أنقطع عن الخلق وأشتغل بالعبادة، ومضيت وصليت خلف الشيخ عبد القادر. فلما صلّى جلسنا بين يديه، فنظر إلىّ وقال:
إذا أردت الانقطاع فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدب بهم، فحينئذ يصلح لك الانقطاع، وإلا فتمضى وتنقطع قبل أن تتفقه، وأنت فريخ ما ربّشت فإن أشكل عليك شئ من أمر دينك تخرج من زاويتك، وتسأل الناس عن أمر دينك؟ ما يحسن بصاحب الزاوية أن يخرج من زاويته، ويسأل الناس عن أمر دينه. ينبغى لصاحب الزاوية أن يكون كالشمعة يستضاء بنوره.
قال: وكان الشيخ يوما يتكلم فى الإخلاص والرياء والعجب، وأنا حاضر فى المجلس، فخطر فى نفسى: كيف الخلاص من العجب؟ فالتفت إلىّ الشيخ، وقال:
إذا رأيت الأشياء من الله، وأنه وفقك لعمل الخير، وأخرجت نفسك من الشين سلمت من العجب.
قال أبو الفرج بن الحنبلى - وكتبته من خطه -: كانت حرمة الشيخ عبد الله الجبائى كبيرة ببغداد. فلما دخلت أصبهان سنة ثمانين وجدته بها وهو عظيم الحرمة، فكان كل يوم يأتى إلى زيارتى. وبجاهه سمعت على الحافظ أبى موسى الجزء من السباعيات، فإنه كان مريضا. وقد حجب الناس عنه، فلم يقدروا على حجب الشيخ عبد الله، فدخلنا معه، فأخذ الإذن من الحافظ أبى موسى لى فى القراءة عليه. وكان إذا مشى فى السوق قام له أهل السوق. وحكى لى الشيخ طلحة - يعني العلثى - أن للشيخ عبد الله - يعنى الجبائى - رياضات ومجاهدات يطول ذكرها.
стр. 486
وحدثنى الشيخ طلحة عنه: أنه رأى النبى ﷺ فى المنام، فقال: يا رسول الله، أيثاب الرجل على قراءة القرآن؟ فقال: نعم. فقال:
يا رسول الله، بفهم وبغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم. قال: فقلت: يا رسول الله كلام الله بحرف وبصوت؟ فقال: وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟ وهل يكون كلام بغير حرف وصوت؟
قال: وهذا المنام عندى بخط الشيخ طلحة ﵀.
حدث الجبائى ﵀ ببغداد وأصبهان. وروى عنه ابن الجوزى عدة منامات فى كتبه. وقال: كان من الصالحين.
وسمع منه القطيعى وغيره ببغداد. وروى عنه ابن خليل فى معجمه، سمع منه بإصبهان.
وتوفى فى ثالث جمادى الآخرة سنة خمس وستمائة بإصبهان. ذكره ابن نقطة والمنذرى. وقال القطيعى: فى مستهل الشهر المذكور.
أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصارى أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد ابن عبد الواحد أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أبى الحسن الجبائى - إذنا - أنبأنا أبو العباس أحمد بن أبى غالب بن الطلاية أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الأنماطى أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الذهبى حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة «أن رجلا زار أخا له فى قرية، فأرصد الله له على مدرجته ملكا. فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أردت أخا لى فى قرية كذا وكذا. قال: هل له عليك من نعمة ترّبها؟ قال: لا، إلا أنى أحببته فى الله تعالى. قال: إنّي رسول الله إليك: أن الله قد أحبك كما أحببته فيه».
٢٢٥ - على بن رشيد
بن أحمد بن محمد بن حسيتا الحربوى، من أهل حربا الدجيل من سواد بغداد.
стр. 487
قدم بغداد فى صباه. وصحب عمه لأمه أبا المعالى سعد بن على الحاطرى. وقرأ عليه الأدب. وحفظ القرآن. وتفقه فى المذهب.
وسمع الحديث من أبى الوقت، ونصر العكبرى، وسعيد بن البناء، وأبى بكر ابن الزاغونى، وغيرهم.
وشهد عند الحكام، وتوكل للخليفة الناصر، ورفع قدره ومنزلته، ثم عزل عن الوكالة. وكان ذا طريقة حميدة، وحسن سمت واستقامة، وعفة ونزاهة فاضلا خيرا. يكتب خطا حسنا على طريقة ابن مقلة، حدث بشئ يسير.
سمع منه إسحاق العلثى. وكان يكره الرواية. ويقل مخالطة الناس.
ذكره ابن النجار. وقال: توفى يوم السبت ثامن عشر شوال سنة خمس وستمائة، وصلّى عليه من الغد بالمدرسة النظامية. ودفن بباب حرب. قال: وأظنه قارب السبعين. ﵀.
٢٢٦ - إسماعيل بن عمر
بن نعمة بن يوسف بن شبيب الرومى المصرى العطار الأديب البارع، أبو الطاهر بن أبى حفص.
ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة تقديرا. وكان بارعا فى الأدب. له مصنفات أدبية، منها: مائة جارية، ومائة غلام، وغير ذلك. وكان بارعا فى معرفة العقاقير. ذكره المنذرى وقال: رأيته، ولم يتفق لى السماع منه. وكتبت شيئا من شعره عن الفقيه أبى الحرم مكى بن عمرو.
توفى فى عشرين محرم سنة ست وستمائة بمصر. ودفن إلى جنب أبيه بسفح المقطم على جانب الخندق. وكان أبوه رحلا صالحا مقرئا، وأخوه مكى هو الذى ذكر الضياء أنه جمع سيرة الحافظ عبد الغنى المقدسى. وقد ذكرنا ذلك فى ترجمته.
وسيأتى ذكر مكى إن شاء الله تعالى.
стр. 488
٢٢٧ - أسعد،
ويسمى محمد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى المقرى، ثم الدمشقى، القاضى وجيه الدين أبو المعالى. ويقال فى أبيه: أبو المنجى.
فى جده أبو البركات.
ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة.
وسمع بدمشق من أبى القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل السوسى. وببغداد من أبى الفضل الأرموى، وأبى العباس المايدائى، وأبى مسكين الرضوانى، والنقيب أبى جعفر أحمد بن محمد العباسى.
قال المنذرى: وتفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد مدة. وحصل طرفا من معرفة المذهب.
وقال الدبيسى: ارتحل إلى بغداد وتفقه بها. وبرع فى المذهب. وأخذ الفقه عن الشيخ عبد القادر الجيلى وغيره. وتفقه بدمشق على شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبى الفرج. أخذ عنه الشيخ الموفق. وروى عنه جماعة.
وقرأت بخط ناصح الدين أبى الفرج بن الحنبلى فى حقه: كان رحل إلى بغداد، فقرأ على الفقيه أحمد الحربى الحنبلى كتاب «الهداية». وكتب خطه له بذلك، وعاد إلى دمشق. وكان رأى شرف الإسلام جدى، وانتهى إليه، وطلب الفقيه حامد بن أبى الحجر شيخ حران قاضيا بحران من نور الدين - ونور الدين يومئذ صاحب دمشق - فأشار به، فسيّر إلى حران قاضيا، فأقام مدة. ثم رجع إلى دمشق، فأقام مدة. ثم رجع إلى حران قاضيا.
وقال ناصح الدين أيضا. كان أبو المعالى بن المنجى يدرس فى المسمارية يوما وأنا يوما. ثم استقليت بها فى حياته. وكان له اتصال بالدولة وخدمة السلاطين وأسنّ وكبر، وكفّ بصره فى آخر عمره.
وله تصانيف، منها: كتاب «الخلاصة فى الفقه» مجلد، وكتاب «العمدة» فى الفقه أصغر منه، وكتاب «النهاية فى شرح الهداية» فى بضعة عشر مجلدا.
стр. 489
وفيها فروع ومسائل كثيرة غير معروفة فى المذهب. والظاهر: أنه كان ينقلها من كتب غير الأصحاب، ويخرجها على ما يقتضيه عنده المذهب.
وحدث وسمع منه جماعة، منهم الحافظ المنذرى، وروى عنه ابن خليل فى معجمه. وابن البخارى.
وتوفى فى ثانى عشرين ربيع الأول سنة ست وستمائة. ودفن بسفح قاسيون ﵀.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد المقدسى أخبرنا أبو المعالى أسعد بن المنجى التنوخى أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى أخبرنا أبو على الحسن بن على بن عبد الرحمن المكى أخبرنا أبو الحسين أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن فراس المكى حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى حدثنا جدى حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس قال «صبّح رسول الله ﷺ خيبر، فخرجوا إلينا ومعهم المساحى. فلما رأوه قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى الحصن يسعون. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال: الله أكبر، خربت خيبر - ثلاثا - إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قال:
فأصبنا فيها حمرا، فطبخناها، فإذا منادى النبى ﷺ ، فقال: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس».
قرأت بخط السيف بن المجد الحافظ قال: حدثنى الإمام ﵀ يعنى الشيخ موفق الدين - حدثنى القاضى أبو المعالى أسعد بن المنجى قال: كنت يوما عند الشيخ أبى البيان - وقد جاءه ابن تميم - فقال له: ويحك، الحنابلة إذا قيل لهم:
من أين لكم أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله تعالى الم، حم، كهيعص وقال النبى ﷺ «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات» وقال ﵊ «يجمع الله الخلائق - وذكر الحديث»
стр. 490
وأنتم إذا قيل لكم: من أين قلتم إن القرآن معنى فى النفس؟ قلتم: قال الأخطل:
إن الكلام من الفؤاد، وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فالحنابلة أتوا بالكتاب والسنة، وقالوا: قال الله تعالى، وقال رسوله، وأنتم قلتم: قال الأخطل، شاعر نصرانى خبيث. أما استحييتم من هذا القبيح؟ جعلتم دينكم مبنيا على قول نصرانى، وخالفتم قول الله تعالى، وقول الرسول ﷺ ، أو كما قال.
وقد قال أبو محمد بن الخشاب النحوى: فتشت دواوين الأخطل العتيقة، فلم أجد فيها هذا البيت، فقال أبو نصر السجزى: إنما قال الأخطل «إن البيان من الفؤاد» فحرفوه، وقالوا: إن الكلام.
٢٢٨ - المبارك بن أبى شتيكين
بن عبد الله النجمى السيدى البغدادى المعدل الأديب أبو القاسم.
ولد بعد الأربعين وخمسمائة بقليل.
وسمع من أبى المظفر البرمكى الخطيب، وهبة الله بن الشبلى، وأبى محمد ابن الخشاب، وأبى محمد بن المادح، وابن البطى، وغيرهم.
وقرأ الأدب على أبى الحسن القصار. وجالس أبا محمد بن الخشاب، وغيره من أهل العلم والأدب.
وقال القادسى فى تاريخه: كان فاضلا. وشهد عند قاضى القضاة أبى القاسم الشهرزورى. وكان وكيل الخليفة الناصر بباب طراد، وبقى على ذلك إلى موته.
قال ابن نقطة: سمعت منه. وكان ثقة عالما فاضلا، متميزا أديبا، حنبلى المذهب خيرا صالحا دينا. وروى عنه ابن خليل فى معجمه.
توفى فى حادى عشر صفر سنة سبع وستمائة. ذكره ابن نقطة، والمنذرى، وزاد: ودفن من يومه بباب حرب.
стр. 491
وذكر القادسى: أنه توفى يوم السبت رابع عشر صفر. قال: وصلّى عليه بجامع القصر جماعة من الأعيان. ﵀.
قال المنذرى: وهو منسوب إلى ولاء خادم يقال له: نجم، مملوك السيدة أخت المستنجد بالله.
٢٢٩ - محمد بن أحمد
بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله الجماعيلى المقدسى، ثم الدمشقى الصالحى، الزاهد العابد الشيخ أبو عمر.
قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين: مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل. شاهدته بخط والده. وهاجر به والده وبأخيه الشيخ الموفق وأهلهم إلى دمشق سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة، فنزلوا بمسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى، فأقاموا به مدة نحو سنتين، ثم انتقلوا إلى الجبل
قال أبو عمر: فقال الناس: الصالحية، الصالحية، ينسبونا إلى مسجد أبى صالح، لا أنا صالحون.
قال أبو الفرج بن الحنبلى - ونقلته من خطه -: أنزلهم والدى فى مسجد أبى صالح، فاستوخم المسجد عليهم، فمات منهم فى شهر واحد قريب أربعين نفسا فأشار عليهم والدى بالانتقال إلى الجبل حيث هم الآن، فانتقلوا إليه. وكان رأيا مباركا. حفظ الشيخ أبو عمر القرآن. وقرأه بحرف أبى عمرو.
وسمع الحديث من والده، وأبى المكارم بن هلال، وأبى تميم سلمان ابن الرحبى، وأبى نصر عبد الرّحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وأبى الفتح عمر ابن على بن حمويه، وأبى المعالى بن صابر، وأبى محمد عبد الله بن عبد الواحد الكنانى، وأبى عبد الله محمد بن على الحرانى، وأبى الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدى، ويحيى بن محمود الثقفى، ومحمد بن حمزة بن أبى الصقر.
وقدم مصر، فسمع بها من الشريف أبى المفاخر سعيد بن الحسن المأمونى
стр. 492
وأبى محمد بن برى النحوى، وخرج له الحافظ عبد الغنى المقدسى أربعين حديثا من رواياته، وحدث بها.
وسمع منه جماعة، منهم: الضياء، والمنذرى، وروى عنه ابن خليل، وولده أبو الفرج عبد الرحمن، قاضى القضاة، وحفظ منه مختصر الخرقى فى الفقه.
وتفقه فى المذهب. وقرأ النحو على ابن برى بمصر، وأظنه حفظ «اللمع» بن جنى.
وكتب بخطه كثيرا، من ذلك: «الحلية» لأبى نعيم، و «تفسير البغوى»، و «المغنى» فى الفقه لأخيه الشيخ موفق الدين، و «الإبانة» لابن بطة، وكتب مصاحف كثيرة لأهله، وكتب «الخرقى» للناس، والكل بغير أجرة. وكان سريع الكتابة، وربما كتب فى اليوم كراسين بالقطع الكبير.
قال الحافظ الضياء: وكان الله قد جمع له معرفة الفقه، والفرائض، والنحو، مع الزهد والعمل، وقضاء حوائج الناس.
قال: وكان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثا إلا عمل به. وكان يصلى بالناس فى نصف شعبان مائة ركعة، وهو شيخ كبير، وكأنه أنشط الجماعة، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته، وسافر هو وجماعة، فقام فى الليل يصلى ويحرس الجماعة، وقلل الأكل فى مرضه قبل موته، حتى عاد كالعود. ومات وهو عاقد على أصابعه يسبح
قال: وحدثت عن زوجته، قالت: كان يقوم الليل، فإذا جاءه النوم، عنده قضيب يضرب به على رجليه، فيذهب عنه النوم.
قال: وكان كثير الصيام سفرا وحضرا.
قال ولده عبد الله: إنه فى آخر عمره سرد الصوم، فلامه أهله، فقال:
إنما أصوم أغتنم أيامى؛ لأنى إن ضعفت عجزت عن الصوم، وإن مت انقطع عملى. وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده،
стр. 493
ولا جهاد إلا خرج فيه. وكان يقرأ فى الصلاة كل ليلة سبعا مرتّلا، ويقرأ فى النهار سبعا بين الظهر والعصر، فإذا صلّى الفجر قرأ آيات الحرس بعد أن يفرغ من التسبيح. وكان قد كتب فى ذلك كراسة، وهى معلقة فى المحراب، وربما قرأ فيها خوفا من النعاس، ثم يقرأ ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يصلى الضحى صلاة طويلة. وكان يسجد سجدتين طويلتين، إحداهما فى الليل، والأخرى فى النهار، يطيل فيهما السجود، ويصلى بعد أذان الظهر قبل سنتها فى كل يوم ركعتين، يقرأ فى الأولى أول المؤمنون، وفى الثانية آخر الفرقان. وكان يصلى بين المغرب والعشاء أربع ركعات، يقرأ فيهن السّجدة، ويس، وتبارك، والدخان. ويصلى كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسبيح ويطيلها، ويصلى يوم الجمعة ركعتين بمائة ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾ وكان يصلى فى كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة، وله أوراد كثيرة. وكان يزور القبور كل جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ويحافظ على سن وأذكار عند نومه: من التسبيح، والتكبير، والتحميد، وقراءة تبارك، وغيرها من القرآن، ويقول بين سنة الفجر والفرض أربعين مرة يا حى يا قيوم، لا إله إلا أنت.
وكان لا يترك غسل الجمعة، ولا يخرج إلى الجمعة إلا ومعه شئ يتصدق به، وكان يحمل همّ أصحابه، ومن سافر منهم تفقد أهله. وكان يتفقد الأشياء النافعة، مثل النهر، والسقاية، وغير ذلك مما فيه نفع للمسلمين. وكان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، ويتصدق كثيرا ببعض ثيابه، حتى يبقى فى الشتاء بجبة بغير قميص، وكثيرا من وقته بغير سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير قطع منها له. وكان يلبس الخشن وينام على الحصير. وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكمّه إلى رسغه، وربما تصدق بالشئ وأهله محتاجون إليه.
ومكث مدة لا يأكل أهل الدير إلا من بيته. يجمع الرجال ناحية والنساء ناحية، وكان إذا جاء شئ إلى بيته فرقه على الخاص والعام.
стр. 494
وكان يقول: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر.
ويقول: إذا لم تتصدقوا لا يتصدق أحد عنكم، وإذا لم تعطوا السائل أنتم أعطاه غيركم.
وكان يحب اللبن المصفى بخرقة، فعمل له منه مرة فلم يأكل منه، فقيل له.
فقال تركته لحبى إياه، ثم لم يأكله بعد ذلك. وكان إذا خطب ترقّ القلوب، ويبكى بعض الناس بكاء كثيرا. وكان له هيبة عظيمة فى القلوب، حتى كان أحد الطلبة يريد أن يسأله عن شئ، فما يجسر أن يسأله، وإذا دخل المسجد سكتوا، وخفضوا أصواتهم، وإذا عبر فى طريق والصبيان يلعبون هربوا، وإذا أمر بشئ لا يجسر أحد أن يخالفه.
وكان كثيرا ما يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده. فقال له المتولى يوما: إنك تكتب إلينا فى قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهى أن لا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدنى، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتى وإلا فلا، فقال له: لا نردها أبدا.
واحتاج الناس فى سنة إلى المطر، فطلع معهم إلى مغارة الدم، ومعه نساء من محارمه، واستسقى ودعا، فجاء المطر حينئذ، وجرت الأودية شيئا لم يره الناس من مدة. وله كرامات كثيرة.
وذكر بعضهم، قال: جئنا مرة إلى عنده، ونحن ثلاثة أنفس جياع، فقدّم إلينا سكرجة فيها لبن، وكسيرات، فأكلنا وشبعنا، وأنا انظر إليها، كأنها لم تنقص
قال الضياء: وسمعت الإمام محمد بن أبى بكر بن عمر يقول: دعانى الشيخ مرة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأنى وقال: إذا قرأ الإنسان قبل الأكل ﴿(شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)﴾ و ﴿(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)﴾ ثم أكل، فإنه لا يضره.
وسمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن النحاس، يقول: كان والدى يحب الشيخ أبا عمر، فقال لى يوم جمعة: أنا أصلى الجمعة خلف الشيخ،
стр. 495
ومذهبى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) من الفاتحة، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون فى صلاتى شئ، فمضينا إلى المسجد، فوجدنا الشيخ، فسلم على والدى وعانقه، ثم قال: يا أخى، صل وأنت طيب القلب؛ فإننى ما تركت (بسم الله الرحمن الرحيم) فى نافلة، ولا فريضة، منذ أممت بالناس، فالتفت إلىّ والدى، وقال: احفظ.
وكان بعض الناس يرسل إلى الشيخ فى كل سنة شيئا فيقبله، فأرسل إليه مرة دينارين فردهما فتألم، ثم فكر فيهما، فوجدهما من جهة غير طيبة. قال: فبعث إليه غيرهما، فقبلهما.
قال الضياء: وسمعت أحمد بن عبد الملك بن عثمان، قال: جاء رجلان إلى الشيخ أبى عمر، فقالا له: إن قراحا قد أخذ فلانا وحبسه، فادع عليه، فباتا عند الشيخ، فلما كان من الغد قال: قضيت الحاجة، وإذا جنازة قراح عابرة، وأطال الضياء ترجمة الشيخ أبى عمر. وكذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى المرآة. وقال: كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام.
قال: وكان إذا نزل من الجبل لزيارة القبور - أو غير ذلك - جمع الشيخ من الجبل وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل فى الليل إليهم الدراهم والدقيق، ولا يعرفونه. قال: وما نهر أحدا. ولا أوجع قلب أحد.
وكان يقول: أنا زاهد. ولكن فى الحرام.
ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة فى خيمة، فجاء العادل إلى زيارته وهو فى الصلاة، فما قطعها ولا التفت إليه ولا ترك ورده.
وكان يصعد المنبر فى الجبل، وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفى يده عصا والمنبر يومئذ ثلاث مراق. وكان يجاهد فى سبيل الله.، ويحضر الغزوات مع صلاح الدين.