بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم. وصلّى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى أزواجه الطيبات الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال الشيخ الإمام، العالم المقرئ، العامل الزاهد، الحافظ المحدث، زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الزاهد، الإمام العالم المقرئ، شهاب الدين، أبى العباس أحمد بن حسن بن رجب - رحمهم الله تعالى برحمته -:
هذا كتاب جمعته، وجعلته ذيلا على كتاب «طبقات فقهاء أصحاب الإمام أحمد» للقاضى أبى الحسين محمد بن القاضى أبى يعلى. رحمهم الله تعالى.
وابتدأت فيه بأصحاب القاضى أبى يعلى. وجعلت ترتيبه على الوفيات.
والله المسئول أن ينفع به فى الدنيا والآخرة بمنه وكرمه.
стр. 2
وفيات المائة الخامسة من سنة ٤٦٠ هـ - إلى سنة ٥٠٠ هـ
١ - على بن أبي طالب
بن زبيبا البغدادى، أبو الغنائم.
من قدماء أصحاب القاضى أبى يعلى، تفقه عليه.
قال القاضى أبو الحسين: كان يدرس فى الحريم بالمسجد المقابل لباب بدر، وله أيضا حلقة بجامع المهدى. وقرأ عليه أبو تراب بن البقال، وأبو الحسين ابن الفاعوس وغيرهما. ونسخ بخطه كثيرا من تصانيف القاضى، كالخلاف الكبير، نسخه مرتين، والعدة، وأحكام القرآن، والجامع الصغير. وغير ذلك.
وهو أول من توفى من أصحاب القاضى أبى يعلى بعده بنحو سنة. ودفن قريبا منه. ﵀.
ذكره ابن النجاد قال: كان من أعيان أصحاب القاضى أبى يعلى، وله حلقة بجامع المهدى للمناظرة. روى عن أبى الحسين بن بشران، ونصر بن محمد بن على الآمدى. روى عنه القاضى عزيزى بن عبد الملك الجيلى. ثم أرّخ وفاته يوم الخميس ثانى عشرين شهر ربيع الآخر سنة ستين وأربعمائة. وصلّى عليه من الغد بجامع القصر. وكان له جمع كثير.
و «زببيا» قيّده ابن نقطة: بكسر الزاى، وكسر الباء المعجمة بواحدة بعدها باء أخرى مثلها ساكنة، وياء مفتوحة معجمة من تحتها باثنتين.
وقال ابن عقيل: كان من أصحاب القاضى أبى يعلى أرباب الحلق: ابن البازكردى، وابن زبيبا، فقيهان مفتيان، ولهما حلقتان بجامع الرصافة، يقصّان الفقه شرحا للمذهب على وجه ينتفع به العوام.
٢ - علىّ بن الحسن القرميسينى أبو منصور.
ذكره أبو الحسين، وقال:
أحد من علق عن الوالد من الخلاف والمذهب. وسمع منه الحديث، وزوّج ابنته لأبى على بن البناء، وأولدها أبا نصر.
стр. 3
وتوفى فى رجب سنة ستين وأربعمائة عن ست وثمانين سنة، ودفن بباب حرب.
٣ - عبد الله بن عبد الله
بن عبيد الله بن توبة العكبرى، الخياط الأديب الكاتب، أبو محمد.
روى عن الأحنف العكبرى من شعره. روى عنه الخطيب.
وتوفى يوم الثلاثاء سابع عشر محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة.
ذكره ابن البناء فى تاريخه، وقال: هو صاحب الخط والأدب.
٤ - عبد الله البردانى،
أبو محمد الزّاهد.
كان منقطعا فى بيت بجامع المنصور، يتعبد خمسين سنة.
قال ابن البناء: كان من خيار المسلمين، لا يقبل من أحد شيئا، مع الزهادة والعبادة. روى عنه أبو بكر المزرفىّ الفرضى أنه قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقال لى: يا عبد الله، من تمسّك بمذهب أحمد فى الأصول سامحته فيما اجترح - أو فيما فرّط - فى الفروع.
وذكر ابن البناء، عمن يثق به: أنه رأى فى منامه، فى حياة البردانى - هذا - ملكين قد نزلا من السماء، فقال أحدهما لصاحبه: فيم جئت؟ قال:
جئت أخسف بأهل بغداد، فإنّه قد عمّ فيها الفساد! فقال له الملك الآخر: كيف تفعل هذا، وفيها عبد الله البردانى؟
قال ابن البناء: توفى عبد الله البردانى الزاهد الحنبلى يوم السبت سادس ربيع الأول، سنة إحدى وستين وأربعمائة. وصلّى عليه بجامع المنصور. وكان خلقا عظيما. ودفن فى مقبرة الإمام أحمد، وتولّى غسله والصلاة عليه الشريف أبو جعفر. رحمه الله تعالى.
٥ - علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادى،
أبو الحسن المعروف بالآمدى
стр. 4
ويعرف قديما بالبغدادى. نزل ثغر آمد. وهو أحد أكابر أصحاب القاضى أبى يعلى.
قال ابن عقيل فيه: بلغ من النظر الغاية، وكانت له مروءة. يحضر عنده الشيخ أبو إسحاق الشيرازى، وأبو الحسن الدّامغانى - وكانا فقيهين - فيضيفهما بالأطعمة الحسنة، وكان يتكلم معهما إلى أن يمضى من الليل أكثره.
وذكر أنه كان هو المتقدم على جميع أصحاب القاضى أبى يعلى.
قال ابن عقيل: وسمعت المتولى لما قدم: يذكر أنه لم يشهد فى سفره أحسن نظرا من الشيخ أبى الحسن البغدادى بآمد.
قال القاضى أبو الحسين، وتبعه ابن السّمعانى: أحد الفقهاء الفضلاء، والمناظرين الأذكياء. وسمع الحديث من أبى القاسم بن بشران، وأبى إسحاق البرمكى، وأبى الحسن بن الحرانى، وابن المذهب وغيرهم. وسمع من القاضى أبى يعلى، ودرس عليه الفقه، وأجلس فى حلقة النظر والفتوى بجامع المنصور فى موضع ابن حامد. ولم يزل يدرّس ويفتى ويناظر إلى أن خرج من بغداد، ولم يحدّث ببغداد بشئ، لأنه خرج منها فى فتنة البساسيرى، فى سنة خمسين وأربعمائة إلى آمد، وسكنها واستوطن بها، ودرس بها الفقه إلى أن مات فى سنة سبع - أو ثمان - وستين وأربعمائة. وقبره هناك مقصود بالزيارة. وكان يدرس فى مقصورة بجامع آمد.
وله هناك أصحاب يتفقهون عليه. وبرع منهم طائفة.
وله كتاب: «عمدة الحاضر وكفاية المسافر» فى الفقه، فى نحو أربع مجلدات، وهو كتاب جليل يشتمل على فوائد كثيرة نفيسة. ويقول فيه: ذكر شيخنا ابن أبى موسى فى الإرشاد، فالظاهر: أنه تفقه عليه أيضا. وسمع منه بآمد: أبو الحسن ابن الغازى السّنّة للخلاّل عن أبى إسحاق البرمكى، وعبد العزيز الأزجى.
٦ - محمد بن عمر بن الوليد الباجسرائى،
الفقيه، أبو عبد الله
стр. 5
قال أبو الحسين: كانت له حلقة بجامع المنصور، تردد إلى مجلس الوالد السعيد الزمان الطويل، وسمع منه الحديث والدرس.
ومات سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان قد بلغ من السنّ خمسا وتسعين سنة. رحمه الله تعالى.
٧ - محمد بن علي بن محمد
بن موسى بن جعفر، أبو بكر الخيّاط، المقرئ البغدادى.
ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وقرأ على أبى أحمد الفرضى، وأبى الحسين السّوسنجردى، وبكر بن شاذان، وأبى الحسن الحمامي، وغيرهم. وسمع الحديث من ابن الصّلت المجبّر، وأبى عمر بن مهدى، وخلق من طبقتهما. ورأى أبا عبد الله بن حامد. وكان يتردّد إلى القاضى أبى يعلى، ويسمع درسه، ويحضر أماليه، واشتغل بإقراء القرآن، ورواية الحديث فى بيته ومسجده وجامع المنصور.
وكان يحضره خلق كثير.
وقرأ عليه خلق، منهم: القاضى أبو الحسين بن القاضى أبى يعلى، وأبو عبد الله البارع، وأبو بكر المزرفى، وهبة الله بن الطبرى.
وحدّث عنه جماعة كثيرون، منهم: أبو بكر الخطيب فى تاريخه، وأبو منصور القزاز، ويحيى بن الطراح، وغيرهم. وانتهى إليه إسناد القراءة فى وقته.
قال ابن الجوزى: ما يوجد فى عصره فى القراءات مثله. وكان ثقة صالحا.
وقال المؤتمن الساجى: كان شيخا ثقة فى الحديث والقراءة، صالحا، صبورا على الفقر.
وقال أبو ياسر البردانى: كان من البكائين عند الذكر، أثرت الدموع فى خدّيه.
وقال ابن النجار: كان شيخ القراء فى وقته، تفرد بروايات، وكان عالما، ورعا متدينا.
стр. 6
وذكره الذهبى فى طبقات القراء، فقال: كان كبير القدر، عديم النظير، بصيرا بالقراءات، صالحا عابدا، ورعا ناسكا، بكاء قانتا، خشن العيش، فقيرا متعففا، ثقة فقيها على مذهب أحمد. وآخر من روى عنه بالإجازة: أبو الكرم الشهرزورى.
قال ابن الجوزى: توفى ليلة الخميس ثالث جمادى الأولى سنة ثمان وستين وأربعمائة، ودفن فى مقبرة جامع المدينة - يعنى مدينة المنصور - وقال غيره:
صلّى عليه أبو محمد التميمى فى الجامع.
٨ - على بن الحسين
بن أحمد بن إبراهيم بن جدا، أبو الحسن العكبرى.
ذكره ابن شافع فى تاريخه، فقال: هو الشيخ الصالح، الزاهد، الفقيه، الأمّار بالمعروف، والنّهاء عن المنكر.
سمع: أبا على بن شاذان، والبرقانى، وأبا القاسم الخرقى، وأبا القاسم بن بشران. وكان فاضلا، خيرا ثقة، مستورا صينا، شديدا فى السنة على مذهب أحمد. رضى الله عنه.
وقال القاضى أبو الحسين، وابن السمعانى: كان شيخا صالحا، دينا كثير الصلاة، حسن التلاوة للقرآن، ذا لسن وفصاحة، فى المجالس والمحافل، وله فى ذلك كلام منثور، وتصنيف مذكور مشهور.
وذكره أبو الحسين وابن الجوزى وقالا: سمع من أبى على بن شهاب، وأبى على بن شاذان، وكان فقيها صالحا فصيحا.
قال أبو الحسين: قرأ الفقه على الوالد السعيد، وله مصنف فى الأصول.
وتوفى فجأة فى الصلاة فى رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة، ودفن فى مقبرة أحمد.
وذكر ابن شافع وغيره: أنه توفى يوم الأحد سابع عشر رمضان المذكور.
وقال ابن شافع: جدا - بفتح الجيم - كذا سمعته من أشياخنا، ورأيته مضبوطا بخط أسلافنا.
стр. 7
وروى عنه القاضى أبو بكر، وأبو منصور القزاز، وسمع منه مكى الرّميلى الحافظ وجماعة.
وقال ابن خيرون: حدث بشئ يسير، كان مستورا صينا ثقة.
وروى عنه الخطيب فقال: حدثنى على بن الحسين بن جدا العكبرى قال:
رأيت هبة الله الطبرى فى المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى. قلت:
بماذا؟ قال: كلمة خفيفة: بالسنة.
قال الحافظ عبد القادر الرهاوى: أنبأنا أبو موسى المدينى الحافظ قال:
رأيت بخط ابن البناء - وقرأته على ابن ناصر بإجازته من ابن البناء - قال: حكى أبو الحسن على بن الحسين بن جدا العكبرى قال: سمعت أبا مسعود أحمد بن محمد البجلى الحافظ قال: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فتناظرا.
قال ابن فورك لمحمود: لا يجوز أن تصف الله بالفوقية، لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية. لأنه من جاز أن يكون له فوق جاز أن يكون له تحت.
فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية، فتلزمنى أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك. قال: فبهت.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الصوفى - بالقاهرة - أخبرنا عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى أخبرنا أبو على بن الحريف أخبرنا القاضى أبو بكر بن عبد الباقى أخبرنا أبو الحسن بن جدا أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبرى الحافظ قال: ذكر أن فتى من أصحاب الحديث أنشد فى مجلس أبى زرعة الرازى هذه الأبيات، فاستحسنت منه:
دين النبى «محمد» أختار … نعم المطية للفتى الآثار
لا تغفلنّ عن الحديث وأهله … فالرأى ليل، والحديث نهار
ولربّما غلط الفتى إثر الهدى … والشمس بازغة لها أنوار
٩ - عبيد الله بن محمد
بن الحسين الفراء، أبو القاسم بن القاضى أبى يعلى.
стр. 8
ذكره أخوه فى الطبقات، وأنه ولد يوم السبت سابع شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وقرأ بالروايات على أبى بكر الخياط، وابن البناء، وأبى الخطاب الصوفى، وأحمد بن الحسن اللحيانى، وغيرهم. وسمع الحديث من والده، وجده لأمه جابر بن ياسين، وأبى محمد الجوهرى، وغيرهم، وابن المهتدى وابن النّقور، وابن الآبنوسى، وابن المسلمة، وابن المأمون، والصّريفينى، وغيرهم.
ورحل فى طلب الحديث والعلم إلى: واسط، والبصرة، والكوفة، وعكبرا، والموصل، والجزيرة، وآمد، وغير ذلك.
وقرأ بآمد من الفقه على أبى الحسن البغدادى قطعة صالحة من الخلاف والمذهب. وكان قد علق قبل سفره على الشريف أبى جعفر، وكان قد حضر قبل ذلك درس والده وعلق عنه.
وكان يحضر مجالس النظر فى الجمع وغيرها، ويتكلم فى المسائل مع شيوخ عصره. وكان والده يأتم به فى صلاة التراويح إلى أن توفى. وكان أكبر ولد القاضى أبى يعلى، وهو الذى تولى الصلاة عليه بجامع المنصور. وكان ذا عفة، وديانة وصيانة، حسن التلاوة للقرآن، كثير الدرس له، مع معرفته بعلومه. وله معرفة بالجرح والتعديل، وأسماء الرجال والكنى، وغير ذلك من علوم الحديث، حسن القراءة، وله خط حسن.
ولما وقعت فتنة ابن القشيرى: خرج إلى مكة، فتوفى فى مضيه إليها بموضع يعرف بمعدن النقرة، أواخر ذى القعدة سنة تسع وستين وأربعمائة، وله ست وعشرون سنة وثلاثة أشهر ونيف وعشرون يوما تقريبا. ﵀ وعوضه الجنة.
١٠ - محمد بن أحمد بن محمد
بن الحسن بن على بن الحسين بن هارون، أبو الحسن البردانى الفرضى الأمين. والد الحافظ أبى على، الآتى ذكره إن شاء الله تعالى.
ولد بالبردان سنة ثمان وثمانين - وقيل: سنة ثمان وسبعين - وثلاثمائة. ونشأ بها
стр. 9
ثم انتقل إلى بغداد سنة ست وأربعين وأربعمائة واستوطنها. وسمع الكثير من أبى الحسن بن رزقويه، وأبى الحسين بن بشران، وأخيه أبى القاسم، وأبى الفضل التميمى، وأخيه أبى الفرج، وأبى الحسن بن مخلد، وأبى على بن شاذان، البرقانى، وخلق.
وروى عنه ولداه: أبو على، وأبو ياسر، والقاضى أبو بكر بن عبد الباقى وغيرهم.
قال القاضى أبو الحسين بن أبى يعلى: صحب الوالد، وتردد إلى مجالسه فى الفقه وسماع الحديث، وكان رجلا صالحا.
قال ابن النجار: وكان رجلا صالحا صدوقا، حافظا لكتاب الله تعالى، عالما بالفرائض وقسمة التركات. كتب بخطه الكثير، وخرّج تخاريج، وجمع فنونا من الأحاديث وغيرها. وخطه ردئ كثير السقم. وكان أمين القاضى أبى الحسين بن المهتدى. ثم ذكر عن ابنه أبى ياسر عبد الله: أن أباه أبا الحسن سرد الصوم ثلاثين سنة.
وذكر عن السلفى: أنه جرى ذكر ابنه أبى علي، فقال الحافظ أبو محمد السمرقندى: لو رأيت أباه وصلاحه لرأيت العجب. روى لنا عن ابن رزقويه وطبقته. وكان فقيها، وضيئا محدثا، مرضيا.
وذكر عن ابن خيرون: أن البردانى كان رجلا صالحا ثقة.
وقال ابن الجوزى: كان له علم بالقراءات والفرائض. وكان ثقة، عالما صالحا أمينا.
توفى يوم الخميس ثامن عشرين ذى القعدة سنة تسع وستين وأربعمائة.
ودفن يوم الجمعة بباب حرب. كذا ذكره ابن النجار.
وذكر ابن شافع: أنه توفى ليلة الجمعة تاسع عشرين ذى القعدة؛ ثم قال:
قرأت بخط ابنه أبى علي: أن أباه توفى يوم الخميس مستهل ذى الحجة من السنة.
قال: وصليت عليه يوم الجمعة فى المقصورة. وتبعه خلق عظيم. رحمه الله تعالى
стр. 10
قلت: له كتاب «فضيلة الذكر والدعاء» رواه عنه ابنه أبو على.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأيوبى الصوفى - بالقاهرة - أخبرنا عبد العزيز ابن عبد المنعم الحرانى أخبرنا أبو على الحريف أخبرنا القاضى أبو بكر محمد بن عبد الباقى أخبرنا أبو الحسن البردانى أخبرنا أبو الحسن بن مخلد أخبرنا إسماعيل الصفار حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا المعتمر بن سليمان: سمعت عاصما الأحول يقول: حدثنى شرحبيل أنه سمع أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر يحدّثون أن نبى الله ﷺ قال: «الذّهب بالذّهب وزنا بوزن، مثلا بمثل.
من زاد أو ازداد فقد أربى».
وأنبأناه عاليا أبو الفتح الميدومى أخبرنا عبد اللطيف بن عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى أخبرنا أبو الفرج بن كليب أخبرنا أبو القاسم بن بيان أخبرنا ابن مخلد - فذكره.
١١ - عبد الخالق بن عيسى
بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الهاشمى العباسى.
و «أبو موسى» هو كنية جده الأعلى: عيسى بن أحمد بن موسى.
هذا هو الصحيح فى نسبه. وهو الذى ذكره صاحباه القاضيان: أبو بكر الأنصارى، وأبو الحسين بن القاضى، وابن الجوزى، وابن السمعانى، وغيرهم.
فإن الشريف أبا جعفر هو ابن أخ الشريف أبى على محمد بن أحمد بن محمد ابن عيسى بن أحمد بن موسى صاحب «الإرشاد».
ووقع فى تاريخ ابن شافع وغيره: عبد الخالق بن أحمد بن عيسى بن أبى موسى عيسى بن أحمد، وهو وهم.
ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
стр. 11
قال ابن الجوزى: كان عالما فقيها، ورعا عابدا، زاهدا، قوالا بالحق، لا يحابى، ولا تأخذه فى الله لومة لائم.
سمع أبا القاسم بن بشران، وأبا محمد الخلال، وأبا إسحاق البرمكى، وأبا طالب العشارى، وغيرهم.
وتفقه على القاضى أبى يعلى، وشهد عند أبى عبد الله الدامغانى، ثم ترك الشهادة قبل وفاته. ولم يزل يدرس بمسجده بسكة الخرقى من باب البصرة وبجامع المنصور. ثم انتقل إلى الجانب الشرقى، فدرس فى مسجد مقابل لدار الخلافة، ثم انتقل - لأجل ما لحق نهر المعلّى من الغرق - إلى باب الطاق، وسكن درب الديوان من الرّصافة، ودرس بمسجد على باب الدرب، وبجامع المهدى.
وذكر القاضى أبو الحسين نحو ذلك، وقال: بدأ بدرس الفقه على الوالد من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسين، يقصد إلى مجلسه ويعلق، ويعيد الدّرس فى الفروع وأصول الفقه. وبرع فى المذهب، ودرّس، وأفتى فى حياة الوالد.
وكان مختصر الكلام، مليح التّدريس، جيد الكلام فى المناظرة، عالما بالفرائض، وأحكام القرآن والأصول. وكان له مجلس للنظر فى كل يوم اثنين ويقصده جماعة من فقهاء المخالفين. وكان شديد القول واللسان على أهل البدع ولم تزل كلمته عالية عليهم، ولا يردّ يده عنهم أحد. وانتهى إليه فى وقته الرحلة لطلب مذهب الإمام أحمد.
وذكره ابن السمعانى فقال: إمام الحنابلة فى عصره بلا مدافعة. مليح التدريس، حسن الكلام فى المناظرة، ورع زاهد، متقن عالم بأحكام القرآن والفرائض، مرضى الطريقة. ثم ذكر بعض شيوخه، وقال: روى لنا عنه أبو بكر محمد بن عبد الباقى البزار، ولم يحدثنا عنه غيره.
وقال ابن خيرون: مقدم أهل زمانه شرفا، وعلما وزهدا.
стр. 12
وقال ابن عقيل: كان يفوق الجماعة من أهل مذهبه وغيرهم فى علم الفرائض.
وكان عند الإمام - يعنى الخليفة - معظما حتى إنه وصّى عند موته بأن يغسله، تبركا به. وكان حول الخليفة ما لو كان غيره لأخذه. وكان ذلك كفاية عمره فو الله ما التفت إلى شئ منه، بل خرج ونسى مئزره حتى حمل إليه. قال:
ولم يشهد منه أنه شرب ماء فى حلقة على شدة الحر، ولا غمس يده فى طعام أحد من أبناء الدنيا.
قلت: وللشريف أبى جعفر تصانيف عدّة، منها «رءوس المسائل» وهى مشهورة، ومنها «شرح المذهب» وصل فيه إلى أثناء الصّلاة، وسلك فيه مسلك القاضى فى الجامع الكبير. وله جزء فى أدب الفقه، وبعض فضائل أحمد، وترجيح مذهبه. وقد تفقه عليه طائفة من أكابر المذهب، كالحلوانى، وابن المخرّمى، والقاضى أبى الحسين.
وكان معظما عند الخاصة والعامة، زاهدا فى الدنيا إلى الغاية، قائما فى إنكار المنكرات بيده ولسانه، مجتهدا فى ذلك.
قال أبو الحسين، وابن الجوزى: لما احتضر القاضى أبو يعلى أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر، فلما احتضر القائم بأمر الله قال: يغسلنى عبد الخالق، ففعل، ولم يأخذ مما هناك شيئا. فقيل له: قد وصى لك أمير المؤمنين بأشياء كثيرة، فأبى أن يأخذ. فقيل له: فقميص أمير المؤمنين تتبرك به! فأخذ فوطة نفسه، فنشفه بها، وقال: قد لحق هذه الفوطة بركة أمير المؤمنين. ثم استدعاه فى مكانه المقتدى، فبايعه منفردا. قال: وكان أول من بايع، وقال الشريف: لما بايعته أنشدته:
«إذا سيّد منّا مضى قام سيّد
ثم أرتج عليّ تمامه، فقال هو:
قئول لما قال الكرام فعول
стр. 13
قال: وأنبأنا ابن عبد الله عن أبى محمد التميمى قال: ما حسدت أحدا إلاّ الشريف أبا جعفر، فى ذلك اليوم، وقد نلت مرتبة التدريس والتذكير والسفارة بين الملوك، ورواية الأحاديث، والمنزلة اللطيفة عند الخاص والعام.
فلمّا كان ذلك اليوم خرج الشريف علينا، وقد غسل القائم عن وصيته بذلك.
ثم لم يقبل شيئا من الدنيا، ثم انسل طالبا لمسجده، ونحن كلّ منا جالس على الأرض متحف، متغير لونه، مخرق لثوبه، يهوله ما يحدث به بعد موت هذا الرجل على قدر ما له تعلق بهم، فعرفت أن الرجل هو ذلك.
قال القاضى أبو الحسين - أى ابن أبى يعلى -: قلت له - أى قلت لعبد الخالق - بعد اجتماعه معه: أين سهمنا مما كان هناك؟ فقال: أحييت جمال شيخنا والدك الإمام أبى يعلى. يقال: هذا غلامه، تنزه عن هذا القدر الكثير، فكيف لو كان هو؟
وفى سنة أربع وستين وأربعمائة: اجتمع الشريف أبو جعفر ومعه الحنابلة فى جامع القصر، وأدخلوا معهم أبا إسحاق الشيرازى وأصحابه. وطلبوا من الدولة قلع المواخير، وتتبع المفسدين والمفسدات، ومن يبيع النبيذ، وضرب دراهم تقع بها المعاملة عوض القراضة. فتقدم الخليفة بذلك. فهرب المفسدات، وكبست الدور، وأريقت الأنبذة. ووعدوا بقلع المواخير، ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب الدراهم التى يتعامل بها. فلم يقنع الشريف ولا أبو إسحاق بهذا الوعد. وبقى الشريف مدة طويلة متعتبا مهاجرا لهم.
وحكى أبو المعالى صالح بن شافع عمن حدّثه: أن الشريف رأى محمدا وكيل الخليفة حين غرقت بغداد سنة ست وستين، وجرى على دار الخلافة العجائب، وهم فى غاية التخبط. فقال الشريف أبو جعفر: يا محمد، يا محمد، فقال له: لبيك يا سيدنا، فقال له: قل له: كتبنا وكتبتم، وجاء جوابنا قبل جوابكم، يشير إلى قول الخليفة: سنكاتب فى رفع المواخير، ويريد بجوابه: الغرق وما جرى فيه
стр. 14
وفى سنة ستين وأربعمائة كان أبو على بن الوليد - شيخ المعتزلة - قد عزم على إظهار مذهبه لأجل موت الشيخ الأجل أبى منصور بن يوسف، فقام الشريف أبو جعفر، وعبر إلى جامع المنصور، هو وأهل مذهبه، وسائر الفقهاء وأعيان أهل الحديث، وبلغوا ذلك. ففرح أهل السنة بذلك، وقرءوا كتاب التوحيد لابن خزيمة. ثم حضروا الديوان، وسألوا إخراج الاعتقاد الذى جمعه الخليفة القادر. فأجيبوا إلى ذلك. وقرئ هناك بمحضر من الجميع، واتفقوا على لعن من خالفه، وتكفيره. وبالغ ابن فورك فى ذلك.
ثم سأل الشريف أبو جعفر، والزاهد الصحراوى: أن يسلم إليهم الاعتقاد، فقال لهم الوزير: ليس ههنا نسخة غير هذه. ونحن نكتب لكم به نسخة لتقرأ فى المجالس. فقالوا: هكذا فعلنا فى أيام القادر، قرئ فى المساجد والجوامع.
فقال: هكذا تفعلون، فليس اعتقاد غير هذا، وانصرفوا. ثم قرئ بعد ذلك الاعتقاد بباب البصرة، وحضره الخاص والعام.
وكذلك أنكر الشريف أبو جعفر على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وغيره، فاختفى مدة ثم تاب وأظهر توبته. وسنذكر مضمون ذلك فى ترجمة ابن عقيل، إن شاء الله تعالى.
وآخر ذلك كله: فتنة ابن القشيرى، قام فيها الشريف قياما كليا، ومات فى عقبها.
ومضمون ذلك: أن أبا نصر بن القشيرى ورد بغداد، سنة تسع وستين وأربعمائة، وجلس فى النظامية. وأخذ يذم الحنابلة، وينسبهم إلى التجسيم.
وكان المتعصب له أبو سعد الصوفى، ومال إلى نصره أبو إسحاق الشيرازى، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلة، ويسأله المعونة. فاتفق جماعة من أتباعه على الهجوم على الشريف أبى جعفر فى مسجده، والإيقاع به، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومه إن وقعت. فلما وصل أولئك إلى باب المسجد
стр. 15
رماهم هؤلاء بالآجر. فوقعت الفتنة، وقتل من أولئك رجل من العامة، وجرح آخرون، وأخذت ثياب.
وأغلق أتباع ابن القشيرى أبواب سوق مدرسة النظام، وصاحوا: المستنصر بالله، يا منصور - يعنون العبيدى صاحب مصر - وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسى، وأنه ممالئ للحنابلة، لا سيما والشريف أبو جعفر ابن عمه.
وغضب أبو إسحاق، وأظهر التأهب للسفر. وكاتب فقهاء الشافعية نظام الملك بما جرى، فورد كتابه بالامتعاض من ذلك، والغضب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى. وكان الخليفة يخاف من السلطان ووزيره نظام الملك ويداريهما.
وحكى أبو المعالى صالح بن شافع، عن شيخه أبى الفتح الحلوانى وغيره، ممن شاهد الحال: أن الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أن يجيل الفكر فيما تنحسم به الفتنة. فاستدعى الشريف أبا جعفر بجماعة من الرؤساء منهم ابن جردة، فتلطفوا به حتى حضر فى الليل، وحضر أبو إسحاق، وأبو سعد الصوفى، وأبو نصر بن القشيرى. فلما حضر الشريف عظّمه الوزير ورفعه، وقال: إن أمير المؤمنين ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين فى عقائدهم، وهؤلاء يصالحونك على ما تريد، وأمرهم بالدنوّ من الشريف. فقام إليه أبو إسحاق، وكان يتردد فى أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ، فقال:
أنا ذاك الذى تعرف، وهذه كتبى فى أصول الفقه، أقول فيها: خلافا للأشعرية، ثم قبل رأسه.
فقال له الشريف: قد كان ما تقول، إلاّ أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما فى نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان وخواجا بزرك (١) - يعنى النظام - أبديت ما كان مخفيا.
стр. 16
ثم قام أبو سعد الصوفى، فقبّل يد الشريف، وتلطف به، فالتفت مغضبا وقال: أيها الشيخ، إنّ الفقهاء إذا تكلموا فى مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، وأما أنت: فصاحب لهو وسماع وتعبير فمن، زاحمك على ذلك حتى داخلت المتكلمين والفقهاء، فأقمت سوق التعصب؟
ثم قام ابن القشيرى - وكان أقلّهم احتراما للشريف - فقال الشريف:
من هذا؟ فقيل: أبو نصر بن القشيرى، فقال لو جاز: أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب؛ لأنه باد هنا بما فى نفسه، ولم ينافقنا كما فعل هذان.
ثم التفت إلى الوزير فقال: أى صلح يكون بيننا؟ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية، أو دنيا، أو تنازع فى ملك. فأما هؤلاء القوم: فإنهم يزعمون أنّا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كان كافرا، فأىّ صلح بيننا؟ وهذا الإمام يصدع المسلمين، وقد كان جدّاه - القائم والقادر - أخرجا اعتقادهما للناس، وقرئ عليهم فى دواوينهم، وحمله عنهم الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض، ونحن على اعتقادهما.
وأنهى الوزير إلى الخليفة ما جرى، فخرج فى الجواب: عرف ما أنهيته من حضور ابن العم - كثّر الله فى الأولياء مثله - وحضور من حضر من أهل العلم. والحمد لله الذى جمع الكلمة، وضم الألفة، فليؤذن للجماعة فى الانصراف، وليقل لابن أبى موسى: إنه قد أفرد له موضع قريب من الخدمة ليراجع فى كثير من الأمور المهمة، وليتبرك بمكانه.
فلما سمع الشريف هذا قال: فعلتموها.
فحمل إلى موضع أفرد له بدار الخلافة. وكان الناس يدخلون عليه مدة مديدة. ثم قيل له: قد كثر استطراق الناس دار الخلافة، فاقتصر على من تعيّن دخوله، فقال: مالى غرض فى دخول أحد علىّ. فامتنع الناس.
ثم إن الشريف مرض مرضا أثّر فى رجليه فانتفختا. فيقال: إن بعض المتفقّهة من الأعداء ترك له فى مداسه سما. والله تعالى أعلم.
стр. 17
ثم إن أبا نصر بن القشيرى أخرج من بغداد، وأمر بملازمة بلده لقطع الفتنة.
وذلك نفى فى الحقيقة.
قال ابن النجار: كوتب نظام الملك الوزير بأن يأمره بالرجوع إلى وطنه، وقطع هذه الثائرة، فبعث واستحضره، وأمره بلزوم وطنه، فأقام به إلى حين وفاته
قال القاضى أبو الحسين: أخذ الشريف أبو جعفر فى فتنة أبى نصر بن القشيرى، وحبس أياما، فسرد الصوم وما أكل لأحد شيئا.
قال: ودخلت عليه فى تلك الأيام ورأيته يقرأ فى المصحف، فقال لى:
قال الله تعالى: (٤٥:٢ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)﴾ تدرى ما الصبر؟ قلت:
لا، قال: هو الصوم. ولم يفطر إلى أن بلغ منه المرض، وضج الناس من حبسه.
وأخرج إلى الحريم الطاهرى بالجانب الغربى (١) فمات هناك.
وذكر ابن الجوزى: أنه لما اشتد مرضه، تحامل بين اثنين، ومضى إلى باب الحجرة، فقال: جاء الموت، ودنا الوقت، وما أحبّ أن أموت إلا فى بيتى بين أهلى. فأذن له. فمضى إلى بيت أخته بالحريم.
قال: وقرأت بخط أبى على بن البناء قال: جاءت رقعة بخط الشريف أبى جعفر، ووصيته إلى أبى عبد الله بن جردة فكتبها. وهذه نسختها:
«مالى - يشهد الله - سوى الحبل والدلو، وشئ يخفى علىّ لا قدر له.
والشيخ أبو عبد الله، إن راعاكم بعدى، وإلاّ فالله لكم. قال الله :
(٩:٤ ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ)﴾ ومذهبى: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وما عليه أحمد، ومالك والشافعى، وغيرهم ممن يكثر ذكرهم، والصلاة: بجامع المنصور إن سهل الله تعالى ذلك عليهم.
стр. 18
ولا يعقد لى عزاء، ولا يشق علىّ جيب، ولا يلطم خد. فمن فعل ذلك فالله حسيبه».
وتوفى رحمه الله تعالى ليلة الخميس سحرا، خامس عشر صفر سنة سبعين وأربعمائة، وغسله أبو سعيد البردانى، وابن الفتى بوصية منه، وكانا قد خدماه طول مرضه.
وصلّى عليه يوم الجمعة ضحى بجامع المنصور، وأمّ الناس أخوه الشريف أبو الفضل محمد. ولم يسع الجامع الخلق وانضغطوا، ولم يتهيأ لكثير منهم الصلاة، ولم يبق رئيس ولا مرءوس من أرباب الدولة وغيرهم إلا حضره، إلا من شاء الله، وازدحم الناس على حمله. وكان يوما مشهودا بكثرة الخلق. وعظم البكاء والحزن. وكانت العامة تقول: ترحّموا على الشريف الشهيد، القتيل المسموم؛ لما ذكر من أن بعض المبتدعة: ألقى فى مداسه سما. ودفن إلى جانب الإمام أحمد.
قال ابن السمعانى: سمعت أبا يعلى بن أبى حازم بن أبى يعلى بن الفراء الفقيه الحنبلى - يوم خرجنا إلى الصلاة على شيخنا أبى بكر بن عبد الباقى، ورأى ازدحام العوام، وتزاحمهم لحمل الجنازة - فقال أبو يعلى: العوام فيهم جهل عظيم.
سمعت أنه فى اليوم الذى مات فيه الشريف أبو جعفر حملوه ودفنوه فى قبر الإمام أحمد، وما قدر أحد أن يقول لهم: لا تنبشوا قبر الإمام أحمد، وادفنوه بجنبه.
فقال أبو محمد التميمى - من بين الجماعة - كيف تدفنونه فى قبر الإمام أحمد بن حنبل وبنت أحمد مدفونة معه فى القبر؟ فإن جاز دفنه مع الإمام لا يجوز دفنه مع ابنته.
فقال بعض العوام: اسكت، فقد زوجنا بنت أحمد من الشريف، فسكت التميمى، وقال: ليس هذا يوم كلام.
ولزم الناس قبره، فكانوا يبيتون عنده كل ليلة أربعاء، ويختمون الختمات، ويخرج المتعيشون، فيبيعون الفواكه والمأكولات، فصار ذلك فرجة للناس. ولم
стр. 19
يزالوا على ذلك مدة شهور، حتى دخل الشتاء ومنعهم البرد. فيقال إنه: قرئ على قبره فى تلك المدة عشرة آلاف ختمة.
ورآه بعضهم فى المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لما وضعت فى قبرى رأيت قبة من درة بيضاء لها ثلاثة أبواب، وقائل يقول: هذه لك، أدخل من أى أبوابها شئت.
ورآه آخر فى المنام، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: التقيت بأحمد بن حنبل فقال لى: يا أبا جعفر، لقد جاهدت فى الله حق جهاده، وقد أعطاك الله الرضى رضى الله عنه.
وقع لى جملة من حديث الشريف أبى جعفر بالسماع، فمنها: ما أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الصوفى - بالقاهرة - أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى أخبرنا أبو على بن أبى القاسم ابن الحريف أخبرنا القاضى أبو بكر محمد بن عبد الباقى البزار أخبرنا أستاذى أبو جعفر عبد الخالق ابن عيسى الهاشمى - بقراءتى عليه - قلت له: حدثكم أبو القاسم عبد الملك بن محمد ابن بشران أخبرنا أبو على محمد بن أحمد بن الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبى، حدثنا يزيد بن هارون وأبو عبد الرحمن قالا: أخبرنا المسعود عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبى طلحة عن عيسى بن طلحة عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «لا يلج النار أحد بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن فى الضرع، ولا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم فى منخرى امرئ أبدا».
وقرأت بخط ابن عقيل فى الفنون قال: مما استحسنته من فقه الشريف الإمام الزاهد أبى جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أبى موسى الهاشمى رضى الله عنه وتدقيقه - وإن كان أكثر من أن يحصى -: ما قاله فى أوائل قدوم الغزالى بغداد، وجعلوا يأخذون من أموال الناس فى الطرقات، وتقصر أيدى العوام عنهم، فقال: الذى نسبه من مذهب أبى حنيفة: أن تجرى عليهم أحكام
стр. 20
قطّاع الطريق، وإن كان ذلك فى الحضر. لأنهم عللوا بأن فى الحضر يلحق الغوث، فلا يكون لهم حكم قطاع الطريق فى الصحارى والبرارى. وهذا التعليل موجود فى الحضر؛ لأنه لا مغيث يغيث منهم، لقوتهم واستطالتهم على العوام.
قلت: هذا قريب من قول القاضى أبى يعلى: إن أصحابنا اختلفوا فى المحاربين فى الحضر: هل تجرى عليهم أحكام المحاربين؟ فظاهر كلام الخرقى:
أنها لا تجرى عليهم. وقال أبو بكر: بل أحكام المحاربين جارية عليهم. وفصّل القاضى بين أن يفعلوا ذلك فى حضر يلحق فيه الغوث عادة أولا. فإن كان يلحق فيه الغوث عادة: فليسوا بمحاربين، وإلاّ فهم محاربون. ومعلوم أن السلطان إذا امتنع من دفعهم - إمّا لضعفه وعجزه، وإما لكونه ظالما يسلط أعوانه على الظلم - تعذّر لحوق الغوث مع ذلك عادة. فيثبت لهم - على قوله - أحكام المحاربين والله أعلم.
ونقلت من بعض تعاليق الإمام أبى العباس أحمد بن تيمية ﵀. مما نقله من الفنون لابن عقيل: حادثة رجل حلف على زوجته بالطلاق الثلاث:
لا فعلت كذا، فمضى على ذلك مدة، ثم قالت: قد كنت فعلته. هل تصدق مع تكذيب الزوج لها؟ أجاب الشريف الإمام أبو جعفر بن أبى موسى: تصدّق ولا ينفعه تكذيبه. وأجاب الشيخ الإمام أبو محمد: لا تصدق عليه، والنكاح بحاله.
قلت: أبو محمد: أظنه التميمى.
ومن الفنون أيضا: مسألة، إذا وجد على ثوبه ماء واشتبه عليه: أمذى أم منى؟ إن قلتم: يجب حمله على أقل الأحوال، من كونه مذيا، لأن الأصل سقوط غسل البدن: أوجبتم غسل الثوب. لأن المذى نجس، والأصل سقوط غسل الثوب متقابلا. فقال الشريف أبو جعفر بن أبى موسى رضى الله عنه:
لا يجب غسل الثوب ولا البدن جميعا، لتردد الأمر فيهما. وأوجب غسل أربعة الأعضاء. لأن الخارج - أىّ خارج كان - يوجب غسل الأعضاء.
стр. 21
وقد ذكر هذه المسألة ابن تميم فى كتابه، من الفنون، وعزاها إلى ابن أبى موسى، فربما توهم السامع أنه ابن أبى موسى صاحب الإرشاد، وليس كذلك.
وهذه المسألة تشبه مسألة الرجلين إذا وجدا على فراشهما منيّا ولم يعلما من خرج منه، أو سمعا صوتا ولم يعلما صاحبه. وفى وجوب الغسل والوضوء عليهما روايتان؛ لكن أرجحهما لا يجب. وعلى القول بانتفاء الوجوب، فقالوا: لا يأتمّ أحدهما بصاحبه، ولا يصافّه وحده، لأنه يظهر حكم الحدث المتيقن باجتماعهما، ويعلم أن صلاة أحدهما باطلة. فتبطل الجماعة والمصافّة.
ونظير هذا: ما قلنا فى المختلفين فى جهة القبلة: إنه لا يأتمّ أحدهما بصاحبه فإنه يتيقن باجتماعهما فى الصلاة خطأ أحدهما فى القبلة، فتبطل جماعتهما.
وكذلك ما ذكره أكثر الأصحاب: فى رجلين علّق كل منهما عتق عبده على شرط، ووجد أحد الشرطين يقينا، ولا يعلم عينه أنه لا يحكم بعتق عبد واحد منهما، ويستصحب أصل ملكه. فإن اشترى أحدهما عبد الآخر: أخرج المعتق منهما بالقرعة على الصحيح أيضا.
فكذلك يقال ههنا: يستصحب أصل طهارة الثوب والبدن من النجاسة والجنابة، ولكن ليس له أن يصلى بحاله فى الثوب؛ كأنّا نتيقن بذلك حصول المفسد لصلاحيته، وهو إما الجنابة وإما النجاسة.
ومن غرائب الشريف: ما نقله عنه ابن تميم فى كتابه: أن المتوضى إذا نوى غسل النجاسة مع الحدث: لم يجزه، وأن طهارة المستحاضة لا ترفع الحدث.
وذكر الشريف فى رءوس مسائله: أنّ القدر المجزئ مسحه من الخفين:
ثلاثة أصابع، وأن أحمد رجع إلى ذلك فى مسح الخف ومسح الرأس. قال:
وكان شيخنا ينصر أولا مسح الأكثر، ثم رأيته مائلا إلى هذا. وهذا غريب جدا.
١٢ - عبد الرحمن بن محمد
بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم ابن الوليد بن منده بن بطّة بن أستندار - واسمه الفيرزان - بن جهار بخت،
стр. 22
العبدى الأصبهانى الإمام الحافظ، أبو القاسم ابن الحافظ الكبير أبى عبد الله بن منده. ومنده لقب إبراهيم جده الأعلى.
ذكره أبو الحسين، وابن الجوزى فى طبقات الأصحاب فى آخر المناقب.
وترجمه ابن الجوزى فى تاريخه، فقال: ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
وسمع أباه وأبا بكر بن مردويه، وخلقا كثيرا. وكان كثير السماع، كبير الشأن، سافر فى البلاد، وصنف التصانيف، وخرّج التخاريج. وكان ذا وقار وسمت، وأتباع فيهم كثرة. وكان متمسكا بالسنة، معرضا عن أهل البدع، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا يخاف فى الله لومة لائم.
وكان سعد بن محمد الزّنجانى يقول: حفظ الله الإسلام برجلين، أحدهما بأصبهان، والآخر بهراة: عبد الرحمن بن منده، وعبد الله الأنصارى.
وقال ابن السمعانى: كان كبير الشأن، جليل القدر، كثير السماع، واسع الرواية. سافر إلى الحجاز وبغداد وهمذان، وخراسان، وصنف التصانيف.
وقال القاضى أبو الحسين: لم يكن فى عصره وبلده مثله فى ورعه وزهده وصيانته، وحاله أظهر من ذلك. وكانت بينه وبين الوالد السعيد مكاتبات.
وقال غيره: سمع أبو القاسم من أبيه، وإبراهيم بن خرشيد قوله، وإبراهيم ابن محمد الجلاب، وأبى جعفر بن المرزبان، وأبى ذر بن الطبرانى، وخلق بأصبهان، ومن أبى عمر بن مهدى، وهلال الحفار، وغيرهما ببغداد. ومن ابن خزيمة الواسطى بها، ومن ابن جهضم بمكة، ومن أبى بكر الحيرى، وأبى سعيد الصيرفى بنيسابور، لكنه لم يرو عن الحيرى كما فعل الأنصارى، وأجاز له زاهر السّرخسى، وتفرد بذلك، ومحمد بن عبد الله الجوزقى، وعبد الرحمن ابن أبى شريح.
وقال أبو عبد الله الدقاق الحافظ: فضائل ابن منده ومناقبه أكثر من أن تعد - إلى أن قال: ومن أنا لنشر فضله؟ كان صاحب خلق وفتوة، وسخاء
стр. 23
وبهاء، والإجازة كانت عنده قوية، وله تصانيف كثيرة، وردود جمّة على المبتدعين والمنحرفين فى الصفات وغيرها.
قال: وكان جذعا فى أعين المخالفين، لا يخاف فى الله لومة لائم - إلى أن قال: ووصفه أكثر من أن يحصى.
وقال يحيى بن منده: كان عمى سيفا على أهل البدع، وهو أكبر من أن يثنى عليه مثلى، كان والله آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وفى الغدوّ والآصال ذاكرا، ولنفسه فى المصالح قاهرا، أعقب الله من ذكره بالشرّ الندامة. وكان عظيم الحلم كثير العلم، قرأت عليه قول شعبة «من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد» فقال «من كتب عنى حديثا فأنا له عبد»
قلت: قد ذكر عن شيخ الإسلام الأنصارى أنه قال: كانت مضرته فى الإسلام أكثر من منفعته. وعن إسماعيل التيمى أنه قال: خالف أباه فى مسائل، وأعرض عنه مشايخ الوقت، وما تركنى أبى أسمع منه. وكان أخوه خيرا منه.
وهذا ليس بقادح - إن صح - فإن الأنصارى والتيمى وأمثالهما يقدحون بأدنى شئ ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمىّ عبد الجليل الحافظ كوباه على قوله «ينزل بالذات» وهو فى الحقيقة يوافقه على اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم الأثر به.
قال ابن السمعانى: سمعت الحسين بن عبد الملك يقول: سمعت عبد الرحمن ابن منده يقول: قد تعجبت من حالى مع الأقربين والأبعدين، فإنى وجدت بالآفاق التى قصدتها أكثر من لقيته بها - موافقا كان أو مخالفا - دعانى إلى مساعدته على ما يقوله، وتصديق قوله، والشهادة له فى فعله على قبول ورضى.
فإن كنت صدّقته: سمانى موافقا، وإن وقفت فى حرف من قوله، أو فى شئ من فعله: سمانى مخالفا. وإن ذكرت فى واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك: سمانى خارجيا. وإن رويت حديثا فى التوحيد: سمانى مشبها. وإن كان
стр. 24
فى الرؤية: سمانى سالميا. وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من التشبيه، والمثل والضد والند، والجسم والأعضاء والآلات، ومن كل ما ينسب إلىّ ويدّعى علىّ، من أن أقول فى الله تعالى شيئا من ذلك أو قلته، أو أراه، أو أتوهمه، أو أتخذه، أو أنتحله.
قال ابن السمعانى: وسمعت الحسن بن محمد بن الرضى العلوى يقول: سمعت خالى أبا طالب بن طباطبا يقول: كنت أشتم أبدا عبد الرحمن بن منده، فرأيت عمر رضى الله عنه فى المنام، ويده فى يد رجل عليه جبة صوف زرقاء، وفى عينيه نكتة، فسلمت عليه، فلم يردّ على، وقال لى: لم تشتم هذا إذا سمعت اسمه؟ فقيل لى: هذا أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه، وهذا عبد الرحمن بن منده.
فانتبهت، فأتيت أصبهان، وقصدت الشيخ عبد الرحمن، فلما دخلت عليه صادفته على النعت الذى رأيت فى المنام، وعليه جبة زرقاء. فلما سلمت عليه قال:
وعليك السلام يا أبا طالب، وقبلها ما رآنى ولا رأيته، فقال قبل أن أنطق:
شئ حرمه الله ورسوله يجوز لنا أن نحلّه؟ فقلت: اجعلنى فى حلّ، وناشدته الله وقبّلت بين عينيه. فقال: جعلتك فى حل مما يرجع إلى.
حدّث عن الحافظ أبى القاسم خلق كثير من الحفاظ، والأئمة، وغيرهم، مثل: ابن أخيه يحيى بن عبد الوهاب، وأبى نصر الغازى، وأبى سعد البغدادى، والحسين الخلال، وأبى عبد الله الدقاق، وأبى بكر الباغبان، وروى عنه بالإجازة مسعود الثقفى.
وله تصانيف كثيرة، منها: كتاب «حرمة الدين» وكتاب «الرد على الجهمية» بين فيه بطلان ما روى عن الإمام أحمد فى تفسير حديث «خلق الله آدم على صورته» بكلام حسن. وله كتاب «صيام يوم الشك».
وبأصبهان طائفة من أهل البدع ينتسبون إلى ابن منده هذا، وينسبون إليه أقوالا فى الأصول والفروع، هو منها برئ.
стр. 25
منها: أن التيمم بالتراب يجوز مع القدرة على الماء.
ومنها: أن صلاة التراويح بدعة، وقد ردّ عليهم علماء أصبهان من أهل الفقه والحديث، وبيّنوا أن ابن منده برئ مما نسبوه إليه من ذلك.
توفى فى شوال سنة سبعين وأربعمائة بأصبهان، وشيّعه خلق كثير لا يحصيهم إلاّ الله تعالى.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بمصر، أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على الحافظ أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد البغدادى، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى عبد الله بن منده، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان حدثنا محمد بن إبراهيم الحرانى، حدثنا محمد بن سليمان لوين، حدثنا عبد الحميد بن سليمان عن محمد بن عجلان عن سعيد ابن يسار عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما من امرئ يتصدق بصدقة من كسب طيّب - ولا يقبل الله إلاّ طيّبا - حتى ولو بتمرة، إلاّ أخذها الله بيمينه، ثم ربّاها له كما يربّى أحدكم فلوّه أو فصيله، حتى يوافيه يوم القيامة مثل الجبل العظيم».
قرأت بخط الإمام أبى العباس أحمد بن تيمية ﵀: أن أبا القاسم بن منده كان من الأصحاب، وكان يذهب إلى الجهر بالبسملة فى الصلاة.
وذكر أيضا فى مسائله الماردانيات: أن طائفة من الأصحاب لم يذهبوا إلى صيام يوم الغيم، منهم أبو القاسم بن منده.
وذكر أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده قال: قال عمى الإمام - يعنى أبا القاسم ﵀ علامة الرضا: إجابة الله ﵎ من حيث دعا بالكتاب والسنة. وعلامة الورع: الخروج من الشبهات بالأخبار والآيات. وعلامة القناعة السكوت على الكتاب والسنة فى الوقوف عند الشبهة. وعلامة الإخلاص:
стр. 26
زيادة السرّ على الإعلان فى إيثار قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ على الأقاويل كلها بالإيمان والاحتساب. وعلامة الصبر: حبس النفس فى استحكام الدرس بالكتاب والسنة. وعلامة التسليم: الثقة بالله الحكيم فى قوله، والسكون إلى الله العليم بقول رسوله ﷺ فى جميع الأشياء.
وقال أبو القاسم بن منده فى كتاب «الرد على الجهمية»: التأويل عند أصحاب الحديث: نوع من التكذيب.
١٣ - أحمد بن محمد بن أحمد
بن يعقوب الرزّاز، المقرئ الزاهد، أبو بكر المعروف بابن حمّدوه. ذكره ابن الجوزى فى الطبقات والتاريخ.
ولد يوم الأربعاء لثمانى عشرة خلت من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
وحدّث عن خلق كثير. منهم: أبو الحسين بن بشران، وابن القواس، وهو آخر من حدّث عن أبى الحسين بن سمعون. وتفقه على القاضى أبى يعلى، وكان ثقة، زاهدا، متعبدا، حسن الطريقة.
وقال القاضى أبو الحسين: تفقه على الوالد مع الشريف أبى جعفر، وكانا يصطحبان إلى المجلس. وكان كثير القراءة للقرآن والإقراء له، ختّم خلقا كثيرا.
وحدّث عنه الخطيب فى تاريخه. وقال: وكان صدوقا. وأبو الحسن بن مرزوق فى مشيخته، وأبو القاسم بن السمرقندى، والقاضى أبو الحسين فى طبقات الأصحاب، وغيرهم.
توفى ليلة السبت رابع عشرين ذى الحجة سنة سبعين وأربعمائة. ودفن من الغد بباب حرب.
قال السلفى: سألت أبا على البردانى عن ابن حمدويه صاحب ابن سمعون فقال: هو بضم الحاء وتشديد الميم وضمه أيضا، يعنى وبالياء.
ذكره ابن نقطة. قال: وغيره يقول بخلاف قوله. منهم من يقول: حمّدوه بضم الحاء، وتشديد الميم وفتحها، بغير ياء بعد الواو.
стр. 27
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا عبد الوهاب بن على الأمين، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقى، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن حمدويه الرزاز، حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن سمعون، حدثنا أحمد بن سليمان بن ريان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبى العشرين الأوزاعى، حدثنا الزهرى، حدثنى سالم عن ابن عمر أنه حدّثه «أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه تصدّق على رجل بفرس له، ثم وجدها تباع فى السوق، فأراد عمر أن يشتريها، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : لا ترتد فى صدقتك»
قال الزهرى: فكان ابن عمر يصنع فى صدقته إن ردّها عليه الميراث يوما لا يحبسها عنده.
١٤ - الحسن بن أحمد
بن عبد الله بن البناء البغدادى، الإمام، أبو على المقرئ، المحدّث الفقيه الواعظ، صاحب التصانيف.
ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
وقرأ القراءات السبع على أبى الحسن الحمامى وغيره. وسمع الحديث من هلال الحفار، وأبى محمد السكرى، وأبى الحسن بن رزقويه، وأبى الفتح بن أبى الفوارس، وابن رزقويه، وأبى الحسين بن بشران، وأخيه أبى القاسم، وأبى على بن شهاب، وأبى الفضل التميمى، وخلق كثير.
وتفقه أولا على أبى طاهر بن الغبارى، ثم على القاضى أبى يعلى، وهو من قدماء أصحابه. وحضر عند أبى على بن أبى موسى وناظر فى مجلسه. وتفقه أيضا على أبى الفضل التميمى، وأخيه أبى الفرج.
وقرأ عليه القرآن جماعة، مثل أبى عبد الله البارع، وأبى العز القلانسى، وأبى بكر المزرفىّ.
стр. 28
وسمع منه الحديث خلق كثير. وقرأ عليه الحافظ الحميدى كثيرا.
حدّث عنه ولداه أبو غالب أحمد ويحيى، وأبو الحسين بن الفراء، وأبو بكر ابن عبد الباقى، وابن الحصين، وأبو القاسم بن السمرقندى وغيرهم.
ودرس الفقه كثيرا وأفتى زمانا طويلا.
قال القاضى أبو الحسين: تفقه على الوالد، وعلق عنه المذهب والخلاف، ودرس بدار الخلافة فى حياة الوالد وبعد وفاته. وصنف كتبا فى الفقه والحديث والفرائض، وأصول الدين، وفى علوم مختلفات. وكان متفننا فى العلوم. وكان أديبا شديدا على أهل الأهواء.
وقال ابن عقيل: هو شيخ إمام فى علوم شتى: فى الحديث، والقراءات، والعربية، وطبقة فى الأدب والشعر والرسائل، حسن الهيئة، حسن العبادة. كان يؤدب بنى جردة.
وقال ابن شافع: كان له حلقتان، إحداهما: بجامع المنصور، وسط الرواق.
والأخرى: بجامع القصر، حيال المقصورة، للفتوى والوعظ وقراءة الحديث. وكان يفتى الفتوى الواسعة، ويفيد المسلمين بالأحاديث والمجموعات وما يقرئه من السنن.
وكان نقى الذهن، جيد القريحة، تدل مجموعاته على تحصيله لفنون من العلوم، وقد صنف قديما فى زمن شيخه الإمام أبى يعلى فى المعتقدات وغيرها، وكتب له خطه عليها بالإصابة والاستحسان.
ولقد رأيت له فى مجموعاته من المعتقدات ما يوافق بين المذهبين: الشافعى، وأحمد. ويقصد به تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، مما قد استقر له وجود فى استنباطه، مما أرجو له به عند الله الزلفى فى العقبى. فلقد كان من شيوخ الإسلام النصحاء، الفقهاء الألباء. ويبعد غالبا أن يجتمع فى شخص من التفنن فى العلوم ما اجتمع فيه.
وقد جمع من المصنفات فى فنون العلم فقها وحديثا، وفى علم القراءات والسير،
стр. 29
والتواريخ والسنن، والشروح للفقه، والكتب النحوية إلى غير ذلك جموعا حسنة، تزيد على ثلاثمائة مجموع. كذا قرأته محققا بخط بعض العلماء.
وقال ابن الجوزى: ذكر عنه أنه قال: صنفت خمسمائة مصنف.
وقال أبو نصر بن المجلى، مما ذكره ابن شافع عنه: له مجموعات ومؤلفات فى المذهب، وفيما سواه من المذاهب، وفى الحديث وغيره. وتراجم كتبه مسجوعة على طريقة أبى الحسين بن المنادى.
قال: وكتبت الحديث عن نحو من ثلاثمائة شيخ لم أر فيهم من كتب بخطه أكثر من ابن البناء.
قال: وقال لى هو ﵀: ما رأيت بعينى من كتب أكثر منى.
قال: وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبا لأهل العلم مكرما لهم.
توفى ﵀ ليلة السبت خامس رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
وصلّى عليه فى الجامعين: جامع القصر، وجامع المنصور. وكان الجمع فيهما متوفرا جدا. أمّ الناس فى الصلاة عليه: أبو محمد التميمى، وتبعه خلق كثير، وعالم عظيم.
ودفن بباب حرب.
وقد غمزه ابن السمعانى، فقال: سمعت أبا القاسم بن السمرقندى يقول: كان واحد من أصحاب الحديث اسمه الحسن بن أحمد بن عبد الله النيسابورى. وكان قد سمع الكثير. وكان ابن البناء يكشط من التسميع بورى، ويمدّ السّين، وقد صار الحسن بن أحمد بن عبد الله البناء، كذا قيل إنه يفعل هذا.
قال أبو الفرج بن الجوزى: وهذا القول بعيد الصحة؛ لثلاثة أوجه. أحدها:
أنه قال «كذا قيل» ولم يحك عن علمه بذلك. فلا يثبت هذا. والثانى: أن الرجل مكثر، لا يحتاج إلى استزادة لما يسمع. والثالث: أنه قد اشتهرت كثرة رواية أبى على بن البناء. فأين ذكر هذا الرجل، الذى يقال له: الحسن بن أحمد ابن عبد الله النيسابورى؟ ومن ذكره؟ ومن يعرفه؟ ومعلوم أن من اشتهر سماعه لا يخفى، فمن هذا الرجل؟ فنعوذ بالله من القدح بغير حجة. اهـ.
стр. 30
وذكر السلفى عن شجاع الذهلى، والمؤتمن الساجى: أنهما غمزاه أيضا. ولم يفسرا. وفسره السلفى بأنه كان يتصرف فى أصوله بالتغيير والحكّ.
وذكر ابن النجار: أن تصانيفه تدل على قلة علمه، وسوء تصرفه، وقلة معرفته بالنحو واللغة. كذا قال. وابن النجار أجنبى من هذه العلوم فما باله يتكلم فيها؟ وقد وقع لنا الكثير من حديثه عاليا.
فمن ذلك: ما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بفسطاط مصر - قال: أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى، أخبرنا أبو المعالى أحمد بن محمد بن الحسين المدارى، أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن البناء، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو على بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى حدثنى الوليد ابن سفيان، حدثنا ابن أبى عدىّ عن شعبة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
ذكر ما وقفت عليه من أسماء مصنفات ابن البناء:
شرح الخرقى فى الفقه، الكامل فى الفقه، الكافى المحدد فى شرح المجرد.
الخصال والأقسام، نزهة الطالب فى تجريد المذاهب، آداب العالم والمتعلم، شرح كتاب الكرمانى فى التعبير، شرح قصيدة ابن أبى داود فى السنة، المنامات المرئية للإمام أحمد: جزء، أخبار الأولياء، والعبّاد بمكة: جزء، صفة العباد فى التهجد والأوراد: جزء، المعاملات والصبر على المنازلات: أجزاء كثيرة. الرسالة فى السكوت ولزوم البيوت: جزء، سلوة الحزين عند شدة الأنين: جزء، طبقات الفقهاء، أصحاب الأئمة الخمسة، التاريخ، مشيخة شيوخه، فضائل شعبان، كتاب اللباس، مناقب الإمام أحمد، أخبار القاضى أبى يعلى: جزء، شرف أصحاب الحديث، ثناء أحمد على الشافعى، وثناء الشافعى على أحمد، وفضائل الشافعى،
стр. 31
كتاب الزكاة وعقاب من فرط فيها: جزء، المفصول فى كتاب الله: جزء، شرح الإيضاح فى النحو الفارسى، مختصر غريب الحديث لأبى عبيد، مرتب على حروف المعجم.
ومن فوائد ابن البناء الغريبة:
أنه حكى فى شرح الخرقى عن بعض الأصحاب أنه يعفى عن يسير يغيّر رائحة الماء بالنجاسة، كقول الخرقى فى التغير بالطاهرات.
وذكر فى شرح المجرد: أن من أخر الصلاة عمدا فى السفر وقضاها فى الحضر له القصر كالناسى.
قال: ولم يفرق الأصحاب بينهما. وإنما يختلفان فى المأثم وعدمه. وهذا النقل غريب جدا.
وقد ذكر نحوه القاضى أبو يعلى الصغير فى شرح المذهب، ولا يعرف فى هذه المسألة كلام صريح للأصحاب، إلا أن بعض الأئمة المتأخرين ذكر: أنه لا يجوز القصر للعامد، واستشهد على ذلك بكلام جماعة من الأصحاب فى مسائل، وليس له فيما ذكره حجة. والله تعالى أعلم.
وذكر فى هذا الكتاب: أن حكم اقتداء بعض المسبوقين ببعض فيما يقضونه من صلاتهم: لا فرق فيه بين الجمعة وغيرها. وأن الخلاف جار فى الجميع. وهذا خلاف ما ذكره القاضى وأصحابه موافقة للشافعية: أن الجمعة لا يجوز ذلك فيها وجها واحدا؛ لأنها لا تقام فى موضع واحد فى جماعتين.
قال ابن البناء: وفى هذا عندنا نظر؛ لأنه يجوز إقامتها مرتين، يعنى للحاجة.
ومما أنشده السلفى عن ابن أبى الحسين الطيورى: أن ابن البناء أنشده لنفسه على البديهة:
إذا غيّبت أشباحنا كان بيننا … رسائل صدق فى الضمير تراسل
وأرواحنا فى كل شرق ومغرب … تلاقى بإخلاص الوداد تواصل
وثمّ أمور لو تحققت بعضها … لكنت لنا بالعذر فيها تقابل
стр. 32
وكم غائب والقلب منه مسالم … وكم زائر فى القلب منه بلابل
فلا تجز عن يوما إذا غاب صاحب … أمين، فما غاب الصديق المجامل
١٥ - حمزة بن الكيال البغدادى،
أبو يعلى الفقيه الزاهد.
ذكره أبو الحسين فيمن تفقه على أبيه وعلق عنه، وسمع منه.
وقال فى ترجمته: كان رجلا صالحا، تردد إلى الوالد زمانا مواصلا، وسمع منه علما واسعا، وكان عبدا صالحا. وقيل: إنه كان يحفظ الاسم الأعظم.
وقال ابن خيرون: كان صالحا زاهدا، ملازما لبيته ومسجده، معتزل الخصومات والمراء.
وقال ابن شافع فى تاريخه: كان رجلا صالحا، ملازما لبيته ومسجده، حافظا للسانه، معتزلا عن الفتن.
توفى يوم الأربعاء سابع عشر من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ودفن بمقبرة باب الدير.
١٦ - أبو بكر بن عمر الطحان
قال أبو الحسين: حضر درس الوالد، وعلق عنه. ومات فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
١٧ - عبد الباقي بن جعفر
بن شهلى، الفقيه الحنبلى، أبو البركات.
قال ابن السمعانى: أحد المقلّين. حدّث بشئ يسير عن أبى إسحاق البرمكى، وروى عنه هبة الله السقطى فى معجمه. وذكر القاضى أبو الحسين، فى أسماء من تفقه على أبيه وعلق وسمع الحديث: أبا البركات بن شهلى، وهو هذا. رأيت ذلك فى طبقة سماعه.
قال القاضى أبو يعلى: وهو ابن شهلى بالياء.
١٨ - علي بن محمد بن الفرج
بن إبراهيم البزاز، المعروف بابن أخى نصر
стр. 33
العكبرى. ذكره ابن الجوزى فى الطبقات، وقال: سمع من أبى على بن شاذان والحسن بن شهاب العكبرى. وكان له تقدم فى القرآن والحديث، والفقه والفرائض، وجمع إلى ذلك النسك والورع.
وذكر ابن السمعانى نحو ذلك، وقال: كان فقيه الحنابلة بعكبرا، والمفتى بها.
وكان خيّرا، ورعا متزهدا، ناسكا كثير العبادة. وكان له ذكر شائع فى الخير، ومحلّ رفيع عند أهل بلدته.
وتوفى فى سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وذكر ابن شافع وغيره: أنه حدث بشئ يسير، وأن وفاته كانت يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة بعكبرا.
روى عنه إسماعيل بن السمرقندى، وأخوه عبد الله وغيرهما. وسمع منه مكى الرّميلى وجماعة. ومما أنشده لنفسه:
اعجب لمحتكر الدنيا وبانيها … وعن قليل على كره يخلّيها
دار عواقب مفروحاتها حزن … إذا أعارت أساءت فى تقاضيها
يا من يسرّ بأيام تسير به … إلى الفناء وأيام يقضّيها
قف فى منازل أهل العز معتبرا … وانظر إلى أى شئ صار أهلوها
صاروا إلى جدث قفر، محاسنهم … على الثرى ودوىّ الدود يعلوها
١٩ - طاهر بن الحسين بن أحمد
بن عبد الله بن القواس البغدادى، الفقيه الزاهد الورع، أبو الوفاء.
ولد سنة تسعين وثلاثمائة. وقرأ القرآن على أبى الحسن الحمامى، وسمع الحديث من هلال الحفار، وأبى الحسين بن بشران، وأبى نصر بن الزينبى، وأبى الحسين ابن الفضل القطان، وأبى سهل العكبرى وغيرهم.
وتفقه أولا على القاضى أبى الطيب الطبرى الشافعى، ثم تركه وتفقه على
стр. 34
القاضى أبى يعلى، ولازمه حتى برع فى الفقه، وأفتى ودرس. وكانت له حلقة بجامع المنصور للفتوى والمناظرة. وكان يلقى المختصرات من تصانيف شيخه القاضى أبى يعلى درسا، ويلقى مسائل الخلاف درسا. وكان إليه المنتهى فى العبادة والزهد والورع.
ذكر ابن ناصر: أنه كان زاهد وقته فى الطبقة الثانية عشرة.
وذكره ابن السمعانى فى تاريخه، فقال: من أعيان فقهاء الحنابلة وزهادهم.
كان قد أجهد نفسه فى الطاعة والعبادة، واعتكف فى بيت الله خمسين سنة، وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره، وكان قارئا للقرآن، فقيها ورعا، خشن العيش انتهى كلامه.
وكانت له كرامات ظاهرة.
ذكر ابن شافع فى ترجمة صاحبه أبى الفضل بن العالمة الإسكافى المقرئ:
أنه كان يحكى من كرامات الشيخ أبى الوفاء أشياء عجيبة.
منها: أنه قال: كنت أحمل معى رغيفين كل يوم، فأعبر - يعنى فى السفينة - برغيف، وأمشى إلى مسجد الشيخ فأقرأ، ثم أعود ماشيا إلى ذلك الموضع، فأنزل بالرغيف الآخر. فلما كان يوم من الأيام، أعطيت الملاح الرغيف، فرمى به واستقله، فألقيت إليه الرغيف الآخر، وتشوش قلبى لما جرى، وجئت الشيخ، فقرأت عليه عادتى، وقمت على العادة، فقال لى: - قف - ولم تجر عادته قط بذلك - ثم أخرج من تحت وطائه قرصا، فقال: اعبر بهذا. فلحقنى من ذلك أمر بان علىّ، ومضيت فعبرت به. وكان ابن العالمة - هذا - قد قرأ على الشيخ أبى الوفاء القرآن بالروايات.
وقال أبو الحسين، وابن الجوزى فى الطبقات: كانت له حلقة بجامع المنصور يفتى ويعظ، وكان يدرس الفقه، ويقرئ القرآن. وكان زاهدا أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، أقام فى مسجده نحوا من خمسين سنة، وأجهد نفسه فى العبادة وخشونة العيش.
стр. 35
قال ابن السمعانى: سمعت عبد الوهاب بن المبارك الحافظ يقول: سأل واحد أبا الوفاء بن القواس عن مسألة فى حلقته بجامع المنصور، وكان الشيخ ممن قد رأى السائل فى الحمام بلا مئزر، مكشوف العورة، فقال له: لا أجيبك عن مسألتك حتى تقوم ههنا فى وسط الحلقة، وتخلع قميصك وسراويلك، وتقف عريانا، فقال السائل: يا سيدنا، أنا أستحيى، وهذا مما لا يمكن، فقال له:
يا فلان، فهؤلاء الحضور، أو جماعة منهم الذين كانوا فى الحمام، ودخلت مكشفا بلا مئزر، إيش الفرق بين جامع المنصور والحمام؟ فاستحيى الرجل من ذلك.
ثم ذكر فصلا طويلا فى النهى عن كشف العورة، وأجاب عن سؤاله.
وقال ابن عقيل: كان حسن الفتوى، متوسطا فى المناظرة فى مسائل الخلاف إماما فى الإقراء، زاهدا شجاعا مقداما، ملازما لمسجده، يهابه المخالفون، حتى إنه لما توفى ابن الزوزنى، وحضره أصحاب الشافعى - على طبقاتهم وجموعهم - فى فورة أيام القشيرى وقوتهم بنظام الملك حضر، فلما بلغ الأمر إلى تلقين الحفار قال له: تنحّ حتى ألقنه أنا، فهذا كان على مذهبنا، ثم قال: يا عبد الله وابن أمته، إذا نزل عليك ملكان فظّان غليظان، فلا تجزع ولا ترع، فإذا سألاك فقل:
رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، لا أشعرى ولا معتزلى، بل حنبلى سنّى. فلم يتجاسر أحد أن يتكلم بكلمة، ولو تكلم أحد لفضخ رأسه أهل باب البصرة.
فإنهم كانوا حوله قد لقّن أولادهم القرآن والفقه، وكان فى شوكة ومنعة، غير معتمد عليهم، لأنه أمة فى نفسه.
حدّث عن الشيخ أبى الوفاء جماعة، منهم: عبد الوهاب الأنماطى، وأبو القاسم ابن السمرقندى، وعلىّ بن طراد الزينبى، والقاضى أبو بكر الأنصارى، وغيرهم.
وتوفى يوم الجمعة سابع عشر شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة. ودفن إلى جانب الشريف أبى جعفر بدكة الإمام أحمد رضى الله عنه، ليس بينه وبينه غير قبر الشريف رحمه الله تعالى.
стр. 36
قرئ على أبى عبد الله محمد بن إسماعيل الأيوبى - بالقاهرة وأنا أسمع -:
أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو على بن أبى القاسم ابن الحريف، أخبرنا القاضى أبو بكر بن محمد بن عبد الباقى، أخبرنا أبو الوفاء ابن القواس، أخبرنا أبو سهل العكبرى، حدثنا إبراهيم بن أحمد الخرقى، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور، حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا الفضل بن حرب البجلى، حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لكل شئ حلية، وإنّ حلية القرآن: الصوت الحسن».
ذكر أبو الحسن بن البناء فى كتاب «أدب العالم والمتعلم»: أنه حدث فى زمانه مسألة، وهى: هل يجوز أن يقرأ على المحدّث الثقة كتاب، ذكر أنه سماعه، وليس هناك خط يشهد به من شيخ ولا غيره؟ وأن فقهاء عصرهم اتفقوا على جواز ذلك وكتبوا به خطوطهم، وذكر خلقا ممن أفتى بذلك. أولهم: أبو محمد التميمى من أصحابنا. وقال: الخط عادة محدثة، استظهرها المحدثون من غير إيجاب لها.
وكتب أبو إسحاق الشيرازى تحت خطه: جوابى مثله.
قال ابن البناء: وكتبت أنا: المحدث الثقة: القول قوله فى ذلك، ولو رأوا سماعه فى كتاب، حتى يقول المحدّث: «ما سمعته» لم يجز أن يقرأ عليه والسلف رضى الله عنهم، على هذا كانوا يحدثون بالأحاديث، وأكثرهم يذكرها من حفظه، ويسمعونها منهم، وإن لم يظهروا خط من حدّثهم به.
قال: وبلغنى أن الشريف الأجل أبا جعفر بن أبى موسى كذلك أفتى.
وذكر أجوبة كثيرة، منها: جواب ابن القواس. ولفظه: الظاهر العدالة، يقنع بمجرد قوله، ولا يطالب بخط من أسند عنه من شيوخه، وكتبه ابن القواس الحنبلى.
وذكر مثل ذلك عن قاضى القضاة أبى عبد الله بن الدامغانى، وأبى نصر ابن الصباغ، وأبى بكر الشامى وغيرهم.
стр. 37
وذكر أن مثل هذه المسألة وقع مرتين فيما تقدم، وأن الفقهاء والمحدثين اتفقوا على السماع بذلك، منهم: الحافظ أبو عبد الله الصورى قال: وامتنع من السماع بذلك نفر، لا يعتد بخلافهم. قال: ولا أعلم أحدا يخالف فى هذه المسألة من فقهاء العصر والمتقدمين قبلهم، من أئمة أصحاب الحديث: المتقدمين العلماء، والمتأخرين البلغاء.
قلت: وقد وقع فى المائة السابعة مثل هذه المسألة فى صحيح مسلم لما قال القاسم الإربلى: سمعته من المؤيد الطوسى، فقبل ذلك منه. وسمع عليه الكتاب غير مرة، وسمعه منه الحفاظ والفقهاء. وأفتى بالسماع عليه جماعة، منهم: قاضى القضاة شمس الدين بن أبى عمر المقدسى.
٢٠ - عبد الوهاب بن أحمد
بن عبد الوهاب بن جلبة، البغدادى ثم الحرانى الجزار، أبو الفتح قاضى حرّان.
اشتغل ببغداد، وتفقه بها على القاضى أبى يعلى، وسمع الحديث من البرقانى، وأبى طالب العشارى، وأبى على بن شاذان، وأبى على بن شهاب العكبرى، والقاضى أبى يعلى، وغيرهم. ثم استوطن حران، وصحب بها الشريف أبا القاسم الزيدى، وأخذ عنه، وتولى بها القضاء.
قال ابن السمعانى: بغدادى سكن حران، وولي بها القضاء، وعمل المظالم، وكان فقيها واعظا فصيحا.
وذكره أبو الحسين فى الطبقات، ونسبه إلى حران.
ورأيت بخط نفسه فى نسبه «الحرانى».
قال أبو الحسين: وقدم بغداد من ثغر حران قاصدا لمجلس الوالد، وطالبا لدرس الفقه عليه، فتفقه عليه، وكتب كثيرا من مصنفاته. وكان يلى قضاء حرّان من
стр. 38
من قبل الوالد، كتب له عهدا بولاية القضاء بحران، وكان ناشرا للمذهب، داعيا إليه. وكان مفتى حران، وواعظها وخطيبها ومدرسها.
قلت: وله تصانيف كثيرة، قال أبو عبد الله بن حمدان: اختصر المجرد، وله: «رءوس مسائل» و «أصول فقه» و «أصول دين». وله أيضا - مما لم يذكره ابن حمدان -: «كتاب النظام بخصال الأقسام».
وسمع منه الحديث جماعة، منهم: هبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، ومكى الرّميلى، وغيرهما. وفى زمانه كانت حران لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكان رافضيا، فعزم القاضى أبو الفتح على تسليم حرّان إلى «جبق» أمير التركمان لكونه سنيا، فأسرع ابن قريش إلى حران وحصرها، ورماها بالمنجنيق، وهدم سورها وأخذها، ثم قتل القاضى أبا الفتح وولديه، وجماعة من أصحابه، وصلبهم على السور سنة ست وسبعين وأربعمائة. وقبورهم ظاهرة بحران تزار رحمة الله عليهم.
أنبأتنى زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسى عن عبد الرحمن بن مكى الحاسب، أخبرنا جدى أبو طاهر أحمد بن محمد السلفى قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن محمد بن حامد الأسدى الحرانى - بما كسين، وكان قد ولى قضاءها - قال:
كتب إلىّ أبو طالب محمد بن على بن الفتح العشارى من بغداد. وحدثنا عنه أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد بن جلبة القاضى - بحران إملاء - حدثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشى، حدثنا محمد بن بشير، حدثنا عبد الرحمن بن جرير حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد. قال: قال رسول الله ﷺ : «من اتقى الله تعالى كلّ لسانه ولم يشف غيظه»
ذكر أبو العباس أحمد بن تيمية فى أول «شرح العمدة»: أن أبا الفتح بن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد، بعد مسحهما بماء الرأس.
وهو غريب جدا.
стр. 39
وذكر ابن حمدان عنه أنه قال: الحق أن الحروف كلها قديمة، وتركيبها فى غير القرآن محدث، إن قلنا: اللّغة اصطلاح، وإن قلنا: توقيف، فقديمة.
قال يحيى بن منده فى مناقب الإمام: وجدت بخط المؤتمن البغدادى الشيخ الصالح الثقة المتدين ﵀، قال: قال أبو يعلى الحنبلى البغدادى: أخرج إلىّ أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد الحرانى صاحبنا هذه الأبيات، قال: وجدتها فى كتاب المصباح، قال: أنشدنى أبو منصور الفقيه لأحمد بن محمد بن حنبل ﵀:
يا طالب العلم، صارم كلّ بطال … وكل غاد إلى الأهواء ميّال
واعمل بعلمك سرا أو علانية … ينفعك يوما على حال من الحال
ولا تميلنّ - يا هذا - إلى بدع … تضل أصحابها بالقيل والقال
خذ ما أتاك به ما جاء من أثر … شبها بشبه وأمثالا بأمثال
ألا فكن أثريّا خالصا فهما … تعش حميدا ودع آراء ضلال
«جلبة» بفتح الجيم واللاّم والباء الموحدة - قيده ابن نقطة وغيره.
وقد روى هذه الحكاية ابن النجار من طريق أبى منصور الخياط، عن القاضى أبى يعلى، قال: أخرج إنّي أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد هذه الأبيات قال: وجدتها فى كتاب المصباح.
قال: أنشدنى على بن منصور، ولم يذكر أحمد. وهذا هو الصحيح.
٢١ - عبد الله بن عطاء
بن عبد الله بن أبى منصور بن الحسن بن إبراهيم الإبراهيمى، الهروى، المحدث الحافظ، أبو محمد.
أحد الحفاظ المشهورين الرحالين، سمع بهراة من عبد الواحد المليحى وشيخ الإسلام الأنصارى، وببوشنج من أبى الحسن الداودى، وبنيسابور من أبى القاسم القشيرى، وأبى عثمان النميرى وجماعة، وببغداد من أبى الحسين ابن النقور
стр. 40
وطبقته، وبأصبهان من عبد الرحمن وعبد الوهاب ابنى منده، وجماعة.
وكتب بخطه الكثير، وخرج التخاريج للشيوخ، وحدث.
وروى عنه أبو محمد سبط الخياط، وأبو بكر ابن الزعفرانى. وآخر من روى عنه: أبو المعالى ابن النحاس، ووثقه طائفة من حفاظ وقته فى الحديث، منهم:
المؤتمن الساجى.
وقال شهردار الديلمى عنه: كان صدوقا حافظا، متقنا واعظا، حسن التذكير.
وقال يحيى بن منده: كان أحد من يفهم الحديث ويحفظ، صحيح النقل، كثير الكتابة، حسن الفهم، وكان واعظا حسن التذكير.
وقال خميس الجوزى: رأيته ببغداد ملتحقا بأصحابنا، ومتخصصا بالحنابلة، يخرّج لهم الأحاديث المتعلقة بالصفات، ويرويها لهم. وأضداده من الأشعرية يقولون: هو يضعها. وما علمت فيه ذلك. وكان يعرفه. انتهى.
وقد تكلم فيه هبة الله السقطى، والسقطى مجروح، لا يقبل قوله فيه مقابلة هؤلاء الحفاظ. وقد رد كلامه فيه ابن السمعانى وابن الجوزى وغيرهما.
وخرّج الإبراهيمى شيوخ الإمام أحمد وتراجمهم.
وتوفى فى طريق مكة بعد عوده منها، على يومين من البصرة، سنة ست وسبعين وأربعمائة. رحمه الله تعالى.
٢٢ - أحمد بن على
بن عبد الله المقرئ، الصوفى المؤدب، أبو الخطاب البغدادى.
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. قرأ على أبى الحسن الحمامى وغيره. تلا على الحمامى المذكور بالسبع. وقرأ عليه خلق كثير، منهم: أبو الفضل بن المهتدى، وهبة الله بن المجلى، وغيرهما.
وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقى وغيره. وله مصنف فى السبعة، وقصيدة فى السنة، رواها عنه عبد الوهاب الأنماطى وغيره، وقصيدة فى عدد