← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قرئ على أبى عبد الله محمد بن إسماعيل الأيوبى - بالقاهرة وأنا أسمع -: أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو على بن أبى القاسم ابن الحريف، أخبرنا القاضى أبو بكر بن محمد بن عبد الباقى، أخبرنا أبو الوفاء ابن القواس، أخبرنا أبو سهل العكبرى، حدثنا إبراهيم بن أحمد الخرقى، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور، حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا الفضل بن حرب البجلى، حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لكل شئ حلية، وإنّ حلية القرآن: الصوت الحسن». ذكر أبو الحسن بن البناء فى كتاب «أدب العالم والمتعلم»: أنه حدث فى زمانه مسألة، وهى: هل يجوز أن يقرأ على المحدّث الثقة كتاب، ذكر أنه سماعه، وليس هناك خط يشهد به من شيخ ولا غيره؟ وأن فقهاء عصرهم اتفقوا على جواز ذلك وكتبوا به خطوطهم، وذكر خلقا ممن أفتى بذلك. أولهم: أبو محمد التميمى من أصحابنا. وقال: الخط عادة محدثة، استظهرها المحدثون من غير إيجاب لها. وكتب أبو إسحاق الشيرازى تحت خطه: جوابى مثله. قال ابن البناء: وكتبت أنا: المحدث الثقة: القول قوله فى ذلك، ولو رأوا سماعه فى كتاب، حتى يقول المحدّث: «ما سمعته» لم يجز أن يقرأ عليه والسلف رضى الله عنهم، على هذا كانوا يحدثون بالأحاديث، وأكثرهم يذكرها من حفظه، ويسمعونها منهم، وإن لم يظهروا خط من حدّثهم به. قال: وبلغنى أن الشريف الأجل أبا جعفر بن أبى موسى كذلك أفتى. وذكر أجوبة كثيرة، منها: جواب ابن القواس. ولفظه: الظاهر العدالة، يقنع بمجرد قوله، ولا يطالب بخط من أسند عنه من شيوخه، وكتبه ابن القواس الحنبلى. وذكر مثل ذلك عن قاضى القضاة أبى عبد الله بن الدامغانى، وأبى نصر ابن الصباغ، وأبى بكر الشامى وغيرهم.

стр. 37

وذكر أن مثل هذه المسألة وقع مرتين فيما تقدم، وأن الفقهاء والمحدثين اتفقوا على السماع بذلك، منهم: الحافظ أبو عبد الله الصورى قال: وامتنع من السماع بذلك نفر، لا يعتد بخلافهم. قال: ولا أعلم أحدا يخالف فى هذه المسألة من فقهاء العصر والمتقدمين قبلهم، من أئمة أصحاب الحديث: المتقدمين العلماء، والمتأخرين البلغاء. قلت: وقد وقع فى المائة السابعة مثل هذه المسألة فى صحيح مسلم لما قال القاسم الإربلى: سمعته من المؤيد الطوسى، فقبل ذلك منه. وسمع عليه الكتاب غير مرة، وسمعه منه الحفاظ والفقهاء. وأفتى بالسماع عليه جماعة، منهم: قاضى القضاة شمس الدين بن أبى عمر المقدسى. ٢٠ - عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن جلبة، البغدادى ثم الحرانى الجزار، أبو الفتح قاضى حرّان. اشتغل ببغداد، وتفقه بها على القاضى أبى يعلى، وسمع الحديث من البرقانى، وأبى طالب العشارى، وأبى على بن شاذان، وأبى على بن شهاب العكبرى، والقاضى أبى يعلى، وغيرهم. ثم استوطن حران، وصحب بها الشريف أبا القاسم الزيدى، وأخذ عنه، وتولى بها القضاء. قال ابن السمعانى: بغدادى سكن حران، وولي بها القضاء، وعمل المظالم، وكان فقيها واعظا فصيحا. وذكره أبو الحسين فى الطبقات، ونسبه إلى حران. ورأيت بخط نفسه فى نسبه «الحرانى». قال أبو الحسين: وقدم بغداد من ثغر حران قاصدا لمجلس الوالد، وطالبا لدرس الفقه عليه، فتفقه عليه، وكتب كثيرا من مصنفاته. وكان يلى قضاء حرّان من

стр. 38

من قبل الوالد، كتب له عهدا بولاية القضاء بحران، وكان ناشرا للمذهب، داعيا إليه. وكان مفتى حران، وواعظها وخطيبها ومدرسها. قلت: وله تصانيف كثيرة، قال أبو عبد الله بن حمدان: اختصر المجرد، وله: «رءوس مسائل» و «أصول فقه» و «أصول دين». وله أيضا - مما لم يذكره ابن حمدان -: «كتاب النظام بخصال الأقسام». وسمع منه الحديث جماعة، منهم: هبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، ومكى الرّميلى، وغيرهما. وفى زمانه كانت حران لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكان رافضيا، فعزم القاضى أبو الفتح على تسليم حرّان إلى «جبق» أمير التركمان لكونه سنيا، فأسرع ابن قريش إلى حران وحصرها، ورماها بالمنجنيق، وهدم سورها وأخذها، ثم قتل القاضى أبا الفتح وولديه، وجماعة من أصحابه، وصلبهم على السور سنة ست وسبعين وأربعمائة. وقبورهم ظاهرة بحران تزار رحمة الله عليهم. أنبأتنى زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسى عن عبد الرحمن بن مكى الحاسب، أخبرنا جدى أبو طاهر أحمد بن محمد السلفى قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن محمد بن حامد الأسدى الحرانى - بما كسين، وكان قد ولى قضاءها - قال: كتب إلىّ أبو طالب محمد بن على بن الفتح العشارى من بغداد. وحدثنا عنه أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد بن جلبة القاضى - بحران إملاء - حدثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشى، حدثنا محمد بن بشير، حدثنا عبد الرحمن بن جرير حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد. قال: قال رسول الله ﷺ : «من اتقى الله تعالى كلّ لسانه ولم يشف غيظه» ذكر أبو العباس أحمد بن تيمية فى أول «شرح العمدة»: أن أبا الفتح بن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد، بعد مسحهما بماء الرأس. وهو غريب جدا.

стр. 39

وذكر ابن حمدان عنه أنه قال: الحق أن الحروف كلها قديمة، وتركيبها فى غير القرآن محدث، إن قلنا: اللّغة اصطلاح، وإن قلنا: توقيف، فقديمة. قال يحيى بن منده فى مناقب الإمام: وجدت بخط المؤتمن البغدادى الشيخ الصالح الثقة المتدين ﵀، قال: قال أبو يعلى الحنبلى البغدادى: أخرج إلىّ أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد الحرانى صاحبنا هذه الأبيات، قال: وجدتها فى كتاب المصباح، قال: أنشدنى أبو منصور الفقيه لأحمد بن محمد بن حنبل ﵀: يا طالب العلم، صارم كلّ بطال … وكل غاد إلى الأهواء ميّال واعمل بعلمك سرا أو علانية … ينفعك يوما على حال من الحال ولا تميلنّ - يا هذا - إلى بدع … تضل أصحابها بالقيل والقال خذ ما أتاك به ما جاء من أثر … شبها بشبه وأمثالا بأمثال ألا فكن أثريّا خالصا فهما … تعش حميدا ودع آراء ضلال «جلبة» بفتح الجيم واللاّم والباء الموحدة - قيده ابن نقطة وغيره. وقد روى هذه الحكاية ابن النجار من طريق أبى منصور الخياط، عن القاضى أبى يعلى، قال: أخرج إنّي أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد هذه الأبيات قال: وجدتها فى كتاب المصباح. قال: أنشدنى على بن منصور، ولم يذكر أحمد. وهذا هو الصحيح. ٢١ - عبد الله بن عطاء بن عبد الله بن أبى منصور بن الحسن بن إبراهيم الإبراهيمى، الهروى، المحدث الحافظ، أبو محمد. أحد الحفاظ المشهورين الرحالين، سمع بهراة من عبد الواحد المليحى وشيخ الإسلام الأنصارى، وببوشنج من أبى الحسن الداودى، وبنيسابور من أبى القاسم القشيرى، وأبى عثمان النميرى وجماعة، وببغداد من أبى الحسين ابن النقور

стр. 40

وطبقته، وبأصبهان من عبد الرحمن وعبد الوهاب ابنى منده، وجماعة. وكتب بخطه الكثير، وخرج التخاريج للشيوخ، وحدث. وروى عنه أبو محمد سبط الخياط، وأبو بكر ابن الزعفرانى. وآخر من روى عنه: أبو المعالى ابن النحاس، ووثقه طائفة من حفاظ وقته فى الحديث، منهم: المؤتمن الساجى. وقال شهردار الديلمى عنه: كان صدوقا حافظا، متقنا واعظا، حسن التذكير. وقال يحيى بن منده: كان أحد من يفهم الحديث ويحفظ، صحيح النقل، كثير الكتابة، حسن الفهم، وكان واعظا حسن التذكير. وقال خميس الجوزى: رأيته ببغداد ملتحقا بأصحابنا، ومتخصصا بالحنابلة، يخرّج لهم الأحاديث المتعلقة بالصفات، ويرويها لهم. وأضداده من الأشعرية يقولون: هو يضعها. وما علمت فيه ذلك. وكان يعرفه. انتهى. وقد تكلم فيه هبة الله السقطى، والسقطى مجروح، لا يقبل قوله فيه مقابلة هؤلاء الحفاظ. وقد رد كلامه فيه ابن السمعانى وابن الجوزى وغيرهما. وخرّج الإبراهيمى شيوخ الإمام أحمد وتراجمهم. وتوفى فى طريق مكة بعد عوده منها، على يومين من البصرة، سنة ست وسبعين وأربعمائة. رحمه الله تعالى. ٢٢ - أحمد بن على بن عبد الله المقرئ، الصوفى المؤدب، أبو الخطاب البغدادى. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. قرأ على أبى الحسن الحمامى وغيره. تلا على الحمامى المذكور بالسبع. وقرأ عليه خلق كثير، منهم: أبو الفضل بن المهتدى، وهبة الله بن المجلى، وغيرهما. وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقى وغيره. وله مصنف فى السبعة، وقصيدة فى السنة، رواها عنه عبد الوهاب الأنماطى وغيره، وقصيدة فى عدد

стр. 41

الآى. وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين بتجويد القراءة وتحسينها. توفى يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان سنة ست وسبعين وأربعمائة. ودفن بباب حرب. أنبئت عن القاضى أبى الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى، أنبأنا عمر ابن محمد بن طبرزد، أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن على المقرئ قال: أنبأنا أبو الخطاب الصوفى قال: كنت على مذهب الإمام الشافعى، وكان عادتى: أن لا أرجّع فى الأذان، ولا أقنت فى صلاة الفجر، غير أننى أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وكان عادتى أيضا ليلة الغيم: أنوى من رمضان كما جرت عادة أصحاب أحمد، فلما كان فى بعض الليالى: رأيت كأننى فى دار حسنة جميلة، وفيها من الغلمان والخدم والجند خلق كثير، وهم صغار وكبار، والدخل والخرج، والأمر والنهى. فإذا رجل بهى شيخ على سرير، والنور على وجهه ظاهر، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصع بالجوهر، وثياب خضر تلمع. وكان إلى جنبى رجل ممنطق يشبه الجند، فقلت له: بالله هذا المنزل لمن؟ قال لمن ضرب بالسوط حتى يقول: القرآن مخلوق. قلت أنا فى الحال: أحمد بن حنبل؟ قال: هو ذا. فقلت: والله إن فى نفسى أشياء كثيرة، أشتهى أن أسأله عنها، وكان على سرير، وحول السرير خلق قيام. فأومأ إلىّ أن اجلس، وسل عما تريد. فمنعنى الحياء من الجلوس. فقلت: يا سيدى، عادتى لا أرجّع فى الأذان، ولا أقنت فى صلاة الفجر، غير أننى أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخشع. فقال بصوت رفيع عال: أصحاب رسول الله ﷺ أتقى منك وأخشع، وأكثرهم لم يجهروا بقراءتها. فقلت: عادتى ليلة الغيم أصوم، كما قال الإمام أحمد بن حنبل. فقال اعتقد ما شئت من أى مذهب تدين الله به، ولا تكن معمعيّا. وأنا أرعد. فلما أصبحت أعلمت من يصلّى ورائى بما رأيت، ولم أجهر بعد، ودعانى ذلك إلى أن قلت هذه القصيدة وهى: حقيقة إيمانى: أقول لتسمعوا … لعلّى به يوما إلى الله أرجع

стр. 42

بأن لا إله غير ذى الطول وحده … تعالى، بلا مثل، له الخلق خضع وليس بمولود، وليس بوالد … يرى ما عليه الخلق طرا، ويسمع وذكر أبياتا إلى أن قال: وإن كتاب الله ليس بمحدث … على ألسن تتلو، وفى الصدر يجمع وما كتب الحفاظ فى كلّ مصحف … كذلك إن أبصرت، أو كنت تسمع وللجبل الرحمن لما بدا له … تدكدك خوفا كالشظى يتقطع وكلّم موسى ربه فوق عرشه … على الطور تكليما، فما زال يخضع وذكر بقية الاعتقاد إلى أن قال: وعن مذهبى - إن تسألوا - فابن حنبل … به أقتدى ما دمت حيا أمتّع وذاك لأنى فى المنام رأيته … يروح ويغدو فى الجنان ويرتع وفى منزل بنيانه غير مشبه … لبنيان ذى الدنيا وفى العين أوسع وفيه من الأصحاب مالا أعدهم … وحور وولدان بهم يتمتّع وفيه بيوت ما استدارت منيرة … زرابيّها مبثوثة فيه تلمع وكان إلى جنبى نقيب ممنطق … عليه ثياب مسكها يتضوّع فقلت له: بالله ذا المنزل الذى … أراه لمن؟ قل لى، فإنى مروّع فقال: ولا تدرى؟ فقلت: وكيف لى … بعلم إليه، أنت أهدى وأسرع فقال: لمن بالسوط يضرب تارة … ليرجع فى الأخرى، وما فيه مطمع يقول: كلام الله ليس بمحدث … وليس بمخلوق، فما شئتم اصنعوا فقلت له فى الحال: ذاك ابن حنبل … إمام، تقى، زاهد، متورع وإنّي لمشتاق إليه، فدلّنى … ففى النفس حاجات إليه تسرّع فأوما إليه، فالتفت إذا به … على سدة من وجهه النور يسطع ومن سندس أثوابه فى اخضرارها … على رأسه تاج بدرّ مرصّع ومن حوله ولد صباح وغلمة … تواصل بالكاسات قوما وتقطع

стр. 43

أشار بأطراف البنان تعطفا: … أن اقرب، فقل ما شئته منك نسمع وأوما: أن اجلس، فامتنعت مهابة … وداخلنى رعب وعيناى تدمع فقلت له: يا أزهد الناس كلهم، … عليك اعتمادى، دلّنى كيف أصنع؟ طبعت على أشياء هنّ ثلاثة … وكلّ على ما قدّر الله يطبع فمنها: إذا غمّ الهلال لليلة … صبيحتها عشر وعشرون تتبع أصوم، كما قال الإمام ابن حنبل … فللصوم خير من سواه وأنفع وعند صلاة الصبح لست بقانت … وعند ندائى عادتى لا أرجّع ولكن إذا ما قمت لله طائعا … أبسمل جهرا فى الصلاة وأخضع فقال بصوت جهورى، سمعته: … صحاب رسول الله أتقى وأخشع وأكثرهم لم يجهروا بقراتها … وهم قدوة فى الدين أيضا ومفزع وأن تعتقد ما شئت من أىّ مذهب … به الله يرضى والنبيّ المشفّع ولا تك فيه معمعيا كلاعب … يدين بما يهوى، وللغرم يدفع فقلت له: فى النفس شئ أقوله … أنا فى صفات الحق أيضا متعتع فقال تعالى الله ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ …﴾ - كما قال - شئ) ثم للذكر فاتبعوا فما كان فيه من صفات مليكنا … على الرأس والعينين، ما عنه مدفع وما جاء فى الأخبار عن سيد الورى … روته ثقات عنه لا يتمنع فليس لترك الحق عندى رخصة … إذا كان جهال له قد تتبعوا فكن حنبليا تنج من كل بدعة … «فأحمد» عند الله فى الزهد أبرع وذكر باقى القصيدة. ٢٣ - أحمد بن مرزوق بن عبد الله بن عبد الرزاق الزعفرانى، المحدث أبو المعالى. سمع الكثير، وطلب بنفسه. وكتب بخطه.

стр. 44

قال أبو على البردانى: كان همه جمع الحديث وطلبه. حدّث باليسير عن أحمد بن محمد بن عمر بن الأخضر، وأبى الحسين أحمد بن محمد بن الحسن العكبرى، وأبى الفضل هبة الله بن محمد الأزدى. روى عنه أبو على البردانى، وقال: إنه مات ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ودفن من الغد بباب حرب. وكان شابا. انتهى. وهو أخو أبى الحسن محمد الشافعى الذى هو من أصحاب الخطيب أبى بكر. ٢٤ - شافع بن صالح بن حاتم بن أبى عبد الله الجيلى، أبو محمد. قدم بغداد بعد الثلاثين وأربعمائة. وسمع من أبى على بن المذهب، والعشارى، وابن غيلان، والقاضى أبى يعلى، وعليه تفقه. وكتب معظم تصانيفه فى الأصول والفروع. ودرس الفقه بمسجد الشريف أبى جعفر بدرب المطبخ شرقى بغداد، وكان يؤم به أيضا. وخلفه أولاده من بعده فى ذلك، حتى عرف المسجد بهم. قال أبو الحسين، وابن الجوزى: كان متعففا متقشّفا ذا صلاح. قال ابن السمعانى: كان ذا دين وصلاح، وتعفف وتقشف، حسن الطريقة، صحيح الأصول. كتب التصانيف فى مذهب الإمام أحمد كلها. ودرس الفقه، وروى لنا عنه عبد الوهاب الأنماطى. وتوفى يوم الثلاثاء سادس عشرين صفر سنة ثمانين وأربعمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى. ٢٥ - عبد الله بن نصر الحجازى، أبو محمد الزاهد. قال ابن الجوزى: سمع الحديث، وصحب الزهاد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وكان خشن العيش متعبدا. وحج على قدميه بضع عشر حجة. وتوفى فى ربيع الأول سنة ثمانين وأربعمائة. ودفن بباب حرب.

стр. 45

٢٦ - محمد بن على بن الحسين بن القيم الخزاز الخريمى أبو بكر الحنبلى. طلب الحديث. وسمع من أبى الغنائم بن المأمون، والجوهرى، والعشارى، وغيرهم. وكتب بخطه الحديث والفقه. وأظنه جالس القاضى أبا يعلى. وحدّث باليسير. سمع منه أبو طاهر بن الرحبى القطان، وأبو المكارم الظاهرى. توفى يوم الأحد سلخ ذى الحجة آخر يوم من سنة ثمانين وأربعمائة. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى. ٢٧ - عبد الله بن محمد بن على بن محمد بن أحمد بن على بن جعفر بن منصور بن متّ الأنصارى، الهروى، الفقيه المفسر الحافظ، الصوفى الواعظ، شيخ الإسلام أبو إسماعيل. وهو من ولد أبى أيوب زيد بن خالد الأنصارى، صاحب رسول الله ﷺ . ولد فى شعبان سنة ست وتسعين وثلاثمائة. ذكره عبد القادر الرهاوى فى كتاب «المادح والممدوح» وهو مجلد ضخم يتضمن مناقب شيخ الإسلام الأنصارى وما يتعلق بها، قال: رأيته فى تاريخ أبى عبد الله الحسين بن محمد الهروى الكتبى، الذى ذيل به على تاريخ إسحاق القرّاب الحافظ، وذكر: أنه سأل أبا إسماعيل عن سنه؟ فأخبره بذلك. وكذا ذكر ابن نقطة. وهذا أصح مما ذكره ابن الجوزى: أنه ولد فى ذى الحجة سنة خمس وتسعين. وذكر عبد الغافر بن إسماعيل الفارسى فى ذيل تاريخ نيسابور: أنه ولد سنة ست وتسعين. وسمع الحديث بهراة من يحيى بن عمار السجزى، وأخذ منه علم التفسير،

стр. 46

وأبى منصور الأزدى، وأبى الفضل الجارودى الحافظ، وأخذ منه علم الحديث، وشعيب البوشنجى وغيرهم. وبنيسابور من أبى سعيد الصيرفى، وأبى نصر المفسر المقرئ، وأبى الحسن الطرازى، وجماعة من أصحاب الأصم. ورأى القاضى أبا بكر الحيرى، وحضر مجلسه، ولم يسمع منه. وكان يقول: تركته لله. وكان قد سمع منه فى مجلسه ما ينكره عليه من مخالفة السنة. ذكره الرهاوى عن السلفى، عن المؤتمن الساجى، عنه. وسمع بطوس وبسطام، من خلق يطول ذكرهم. وصحب الشيوخ، وتأدّب بهم. وخرج الأمالى والفوائد الكثيرة لنفسه ولغيره من شيوخ الرواة. وأملى الحديث سنين. وصنف التصانيف الكثيرة، منها: كتاب «ذم الكلام» وكتاب «الفاروق» وكتاب «مناقب الإمام أحمد» وكتاب «منازل السائرين» وكتاب «علل المقامات» وله كتاب فى «تفسير القرآن» بالفارسية جامع، و «مجالس التذكير» بالفارسية حسنة، وغير ذلك. وكان سيدا عظيما، وإماما عالما عارفا، وعابدا زاهدا، ذا أحوال ومقامات وكرامات ومجاهدات، كثير السهر بالليل، شديد القيام فى نصر السنة والذب عنها والقمع لمن خالفها. وجرى له بسبب ذلك محن عظيمة. وكان شديد الانتصار والتعظيم لمذهب الإمام أحمد. قال ابن السمعانى: سمعت أبا طاهر أحمد بن أبى غانم الثقفى، سمعت صاعد ابن سيار الحافظ، سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصارى الإمام يقول: «مذهب أحمد. أحمد مذهب». وقال محمد بن طاهر الحافظ فى كتابه «المنثور من الحكايات والسؤالات»: سمعت عبد الله بن محمد الأنصارى يقول: لما قصدت الشيخ أبا الحسن الجركانى

стр. 47

الصوفى، وعزمت على الرجوع وقع فى نفسى أن أقصد أبا حاتم بن خاموش الحافظ بالرى، وألتقى به. وكان مقدم أهل السنة بالرى. وذلك أن السلطان محمود بن سبكتكين لما دخل الرّىّ قتل بها الباطنية ومنع سائر الفرق الكلام على المنابر غير أبى حاتم. وكان من دخل الرى من سائر الفرق يعرض اعتقاده عليه، فإن رضيه أذن له فى الكلام على الناس وإلا منعه، فلما قربت من الرى كان معى فى الطريق رجل من أهلها، فسألنى عن مذهبى؟ فقلت: أنا حنبلى، فقال: مذهب ما سمعت به، وهذه بدعة. وأخذ بثوبى، وقال: لا أفارقك حتى أذهب بك إلى الشيخ أبى حاتم. فقلت: خيرة؛ فإنى كنت أتعب إلى أن ألتقى به، فذهب بى إلى داره. وكان له ذلك اليوم مجلس عظيم، فقال: أيها الشيخ، هذا الرجل الغريب سألته عن مذهبه، فذكر مذهبا لم أسمع به قط. قال: ما قال؟ قال: أنا حنبلى. فقال: دعه، فكلّ من لم يكن حنبليا فليس بمسلم، فقلت: الرجل كما وصف لى. ولزمته أياما، وانصرفت. وإنما عنى أبو حاتم فى الأصول. وذكر عبد القادر الرهاوى: أخبرنا أبو سعد الصائغ: سمعت عبد الجبار ابن أبى الفضل الصيرفى، سمعت جماعة من أصحاب شيخ الإسلام الأنصارى يقولون: سمعنا شيخنا شيخ الإسلام أبا إسماعيل يقول: فذكر أبياتا بالفارسية تفسيرها بالعربية: إلهنا مرئىّ على العرش مستو … كلامه أزلىّ رسوله عربىّ كل من قال غير هذا أشعرىّ … مذهبنا مذهب حنبلىّ قال عبد القادر: سمعت أبا عروبة عبد الهادى بن محمد الزاهد بسجستان

стр. 48

يقول: سمعت شيخ الإسلام أبا نصر هبة الله بن عبد الجبار بن فاخر يقول: قال لى شيخ الإسلام - يعنى الأنصارى - كيف تفعلون فى القنوت؟ قلت: أوصانى أبى أن أقنت فى الوتر. قال: وما قال لك: لا تقنت فى الصبح؟ قلت: لا. قال: فما أنصفك. وذكر ابن طاهر الحافظ فى كتابه المذكور قال: سمعت الإمام عبد الله بن محمد الأنصارى ينشد على المنبر فى يوم مجلسه بهراة: أنا حنبلىّ ما حييت وإن أمت … فوصيّتى للناس أن يتحنبلوا ولشيخ الإسلام قصيدة نونية طويلة مشهورة ذكر فيها أصول السنة ومدح أحمد وأصحابه. وقد أنبأتنى بها زينب بنت أحمد، عن عجيبة بنت أبى بكر، عن أبى جعفر محمد بن الحسين بن الحسن الصيدلانى. قال: أنشدنا شيخ الإسلام فذكر القصيدة إلى أن قال: وإمامي القوّام لله الّذى … دفنوا حميد الشأن فى بغدان جمع التقى والزهد فى دنياهم … والعلم بعد طهارة الأردان خطم النبى، وصيرفىّ حديثه … ومفلّق أعرافها بمعان حبر العراق، ومحنة لذوى الهوى … يدرى ببغضته ذوو الأضغان عرف الهدى فاختار ثوبى نصرة … وشجى بمهجته عرى عرفان عرضت له الدنيا فأعرض سالما … عنها كفعل الراهب الخمصان هانت عليه نفسه فى دينه … ففدى الامام الدين بالجثمان لله ما لقى ابن حنبل صابرا … عزما وينصره بلا أعوان أنا حنبلى ما حييت وإن أمت … فوصيّتى ذا كم إلى إخوانى إذ دينه دينى ودينى دينه … ما كنت إمّعة له دينان وقال ابن طاهر: سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصارى بهراة يقول: عرضت

стр. 49

على السيف خمس مرات، لا يقال لى: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لى: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت. قال: وحكى لنا أصحابنا أن السلطان «ألب أرسلان» حضر هراة، وحضر معه وزيره أبو على الحسن بن على بن إسحاق، فاجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعى، وأصحاب أبى حنيفة، للشكاية من الأنصارى، ومطالبته بالمناظرة. فاستدعاه الوزير. فلما حضر قال: إن هؤلاء القوم اجتمعوا لمناظرتك: فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم: إما أن ترجع، وإما أن تسكت عنهم. فقام الأنصارى وقال: أنا أناظر على ما فى كمّيّ. فقال له: وما فى كميك؟ فقال: كتاب الله، وأشار إلى كمه اليمين، وسنة رسول الله ﷺ ، وأشار إلى كمه اليسار، وكان فيه الصحيحان. فنظر إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذه الطريق. قال: وسمعت أحمد بن اميرجه القلانسى خادم الأنصارى يقول: حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير أبى على الطوسى، وكان أصحابه كلفوه بالخروج إليه، وذلك بعد المحنة، ورجوعه من بلخ، فلما دخل عليه أكرمه وبجّله، وكان فى العسكر أئمة من الفريقين فى ذلك اليوم، وقد علموا أنه يحضر، فاتفقوا جميعا على أن يسألوه عن مسألة بين يدى الوزير: فإن أجاب بما يجيب به بهراة سقط من عين الوزير، وإن لم يجب سقط من عيون أصحابه وأهل مذهبه. فلما دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من أصحاب الشافعى، يعرف بالعلوى الدبوسى، فقال: يأذن الشيخ الإمام فى أن أسأل مسألة؟ فقال: سل، فقال: لم تلعن أبا الحسن الأشعرى؟ فسكت، وأطرق الوزير لما علم من جوابه. فلما كان بعد ساعة، قال له الوزير: أجبه، فقال: لا أعرف الأشعرى. وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله فى السماء، وأن القرآن فى المصحف، وأن النبى اليوم نبى. ثم قام وانصرف، فلم يمكن أحد أن يتكلم بكلمة من هيبته وصلابته وصولته.

стр. 50

فقال الوزير للسائل ومن معه: هذا أردتم؟ كنا نسمع أنه يذكر هذا بهراة فاجتهدتم حتى سمعناه بآذاننا: وما عسى أن أفعل به؟ ثم بعث خلفه خلعا وصلة فلم يقبلها. وخرج من فوره إلى هراة ولم يلبث. قال ابن طاهر: وسمعت أصحابنا بهراة يقولون: لما قدم السلطان «ألب أرسلان» هراة فى بعض قدماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على الشيخ أبى إسماعيل الأنصارى، وسلموا عليه، وقالوا: قد ورد السلطان، ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام على الشيخ الإمام، ثم نخرج إلى هناك. وكانوا قد تواطئوا على أن حملوا معهم صنما من الصّفر صغيرا، وجعلوه فى المحراب تحت سجادة الشيخ. وخرجوا وخرج الشيخ من ذلك الموضع إلى خلوته. ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصارى، وقالوا له: إنه مجسم. فإنه يترك فى محرابه صنما، ويقول: إن الله على صورته. وإن يبعث السلطان الآن يجد الصنم فى قبلة مسجده. فعظم ذلك على السلطان، وبعث غلاما ومعه جماعة. ودخلوا الدار، وقصدوا المحراب، وأخذوا الصنم من تحت السجادة، ورجع الغلام بالصنم، فوضعه بين يدى السلطان. فبعث السلطان بغلمان، وأحضر الأنصارى: فلما دخل رأى مشايخ البلد جلوسا، ورأى ذلك الصنم بين يدى السلطان مطروحا، والسلطان قد اشتد غضبه. فقال له: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبه اللّعبة. فقال: لست عن هذا أسألك، فقال: فعن ماذا يسأل السلطان؟ قال: إنّ هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا الصنم، وأنك تقول: إن الله على صورته، فقال الأنصارى: سبحانك! هذا بهتان عظيم. بصوت جهورى وصولة. فوقع فى قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مكرما. وقال لهم: اصدقونى القصة، أو أفعل بكم وأفعل، وذكر تهديدا عظيما، فقالوا: نحن

стр. 51

فى يد هذا الرجل فى بلية من استيلائه علينا بالعامة، وأردنا أن نقطع شرّه عنا. فأمر بهم، ووكل بكل واحد منهم، ولم يرجع إلى منزله حتى كتب خطه بمبلغ عظيم من المال يؤديه إلى خزانة السلطان جناية، وسلموا بأرواحهم بعد الهوان العظيم. وقد جرى لشيخ الإسلام محن فى عمره، وشرد عن وطنه مدّة فمن ذلك: أن قوما من المتصوفة بهراة عاثوا وأفسدوا بأيديهم على وجه الإنكار، فنسب ذلك إلى الشيخ، ولم يكن بأمره ولا رضاه. فاتفق أكابر أهل البلد على إخراج الشيخ وأولاده وخدمه، فأخرجوه يوم الجمعة عشرين رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة قبل الصلاة، ولم يمهل للصلاة. فأقام بقرب البلد، فلم يرضوا منه بذلك فخرج إلى بوشنج، وكتب أهل هراة محضرا بما جرى، وأرسلوه إلى السلطان، فجاء جواب السلطان ووزيره «نظام الملك» بإبعاد الشيخ وأهله، وخدمه إلى ما وراء النهر. وقرئ الكتاب الوارد بذلك فى الجامع على منبر يحيى بن عمار، وفيه حطّ على الشيخ، فأخرج الشيخ ومن كان يعقد المجلس من أقاربه خاصّة إلى مرو، ثم ورد الأمر بردّه إلى بلخ، ثم إلى مرو الرّوذ. ثم أذن له فى الرجوع إلى هراة، فدخلها يوم الأربعاء رابع عشر المحرم سينة ثمانين وأربعمائة. وكان يوما مشهودا. قال الرهاوى: سمعت شيخنا أبا طاهر السلفى بالاسكندرية يقول: لما خرج شيح الإسلام قال أصحابه وأهل البلد: لا يحمل على الدواب إلا على رقاب الناس. فجعل فى محفة. وكان يتناوب حملها أربعة رجال، حتى وصل بلخ. فخرج أهلها وهمّوا برجمه. فردّهم ابن نظام الملك، وقال: تريدون أن تكونوا مسبة الدهر؛ ترجمون رجلا من أهل العلم؟! ثم سألوه أن يعظ، فقرأ: (٢٣:٣٩ ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾، الآية) ثم قال: كلّ المسلمين يقولون هذا، إلاّ أهل غورجه وغرجستان وفلانة وطالقان. لعنهم الله لعنة عاد وثمود، والنصارى واليهود. قولوا: آمين، فقالوا: آمين.

стр. 52

قال الرهاوى: وإنما همّ أهل بلخ بما همّوا به؛ لأنهم معتزلة شديدة الاعتزال. وكان شيخ الإسلام مشهورا فى الآفاق بالحنبلة والشدة فى السنّة. قال: وسمعت السلفى يقول: لما أمر نظام الملك بإخراج الشيخ من هراة سمع بذلك الشيخ معمر اللّنبانى (١)، فمضى إلى نظام الملك فى أمره، فقال له نظام الملك: قد صار لذلك الشيخ عليّ منة عظيمة؛ حيث بسببه دخلت علىّ. ثم كتب فى الحال بردّه إلى بلده. وذكر الرّهاوىّ: أن الحسين بن محمد الكتبى ذكر فى تاريخه: أن مسعود ابن محمود بن سبكتكين قدم هراة سنة ثلاثين وأربعمائة، فاستحضر شيخ الإسلام، وقال له: أتقول: إن الله يضع قدمه فى النار؟ فقال - أطال الله بقاء السلطان المعظم - إن الله لا يتضرر بالنار، والنار لا تضره، والرسول لا يكذب عليه، وعلماء هذه الأمة لا يتزيدون فيما يروون عنه ويسندون إليه. فاستحسن جوابه، وردّه مكرّما. قال: وعقد أهل هراة للشيخ مجلسا آخر، سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وعملوا فيه محضرا، وأخرجوه من البلد إلى بعض نواحى بوشنج، فحبس بها وقيّد ثم أعيد إلى هراة سنة تسع وثلاثين، وجلس فى مجلسه للتذكير. ثم سعوا فى منعه من مجلس التذكير عند السلطان «ألب أرسلان» سنة خمسين. قال: وفى شهور سنة اثنتين وستين، خلع على الشيخ من جهة الإمام القائم بأمر الله خلعة شريفة، وفى شهور سنة أربع وسبعين خلعة أخرى فاخرة من جهة الإمام المقتدى مع الخطاب واللقب بشيخ الإسلام، شيخ الشيوخ زين العلماء أبى إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصارى، وخلعة أخرى لابنه عبد الهادى. قال: وكان السبب فى هذه الخلع الوزير «نظام الملك» شففة منه على أصحاب الحديث، وصيانة عن لحوق شين بهم.

стр. 53

وكان الشيخ ﵀ آية فى التفسير، وحفظ الحديث. ومعرفته، ومعرفة اللغة والأدب. وكان يفسّر القرآن فى مجلس التذكير. فذكر الكتبى فى تاريخه: أن الشيخ لما رجع من محنته الأولى ابتدأ فى تفسير القرآن، ففسره فى مجالس التذكير، سنة ست وثلاثين. وفى سنة سبع وثلاثين افتتح القرآن يفسره ثانيا فى مجالس التذكير. قال: وكان الغالب على مجلسه القول فى الشرع، إلى أن بلغ إلى قوله (١٦٥:٢ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ)﴾ فافتتح تجريد المجالس فى الحقيقة، وأنفق على هذه الآية من عمره مدة مديدة، وبنى عليها مجالس كثيرة. وكذلك قوله تعالى: (١٠١:٢١ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)﴾ بنى عليها ثلاثمائة وستين مجلسا. فلما بلغ قوله تعالى (٤٣:٢٤ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ)﴾ كفّ بصره سنة ثلاث وسبعين، ولما بلغ إلى قوله : (١٧:٣٢ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)﴾ قال: فى كل اسم من أسماء الله تعالى سر خفى. وأخذ يفسّر خفايا الأسماء حتى بلغ المميت، فأخرج من البلد فى الفتنة الأخيرة. فلما عاد سنة ثمانين، عقد المجلس على أمر جديد، ولم يكمل الكلام على الأسماء الحسنى. وأخذ يستعجل فى التفسير، ويفسر فى مجلس واحد مقدار عشر آيات أو نحوها، يريد أن يختم فى حياته، فلم يقدر له على ذلك وتوفى، وقد انتهى إلى قوله : (٦٧:٣٨، ٦٨ ﴿قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ)﴾ وقال ابن طاهر الحافظ. سمعت شيخنا الأنصارىّ يقول: إذا ذكرت التفسير فإنما أذكره من مائة وسبعة تفاسير. قال: وجرى يوما - وأنا بين يديه - كلام، فقال: أنا أحفظ اثنى عشر ألف حديث أسردها سردا، قال: وقطّ ما ذكر فى مجلسه حديثا إلا بإسناده. وكان يشير إلى صحته وسقمه. وقال الرهاوى: سمعت أبا بشر محمد بن محمد بن هبة الله الهمذانى بهمذان يقول: سمعت بعض الأدباء يقول: سئل شيخ الإسلام الأنصارى عن تفسير آية؟

стр. 54

فأنشد أربعمائة بيت من شعر الجاهلية، فى كل بيت منها لغة تلك الآية. قال ابن الجوزى: أخبرنا ابن ناصر عن المؤتمن بن أحمد الحافظ، قال: كان عبد الله الأنصارى لا يشذ على المذهب شيئا، ويتركه كما يكون، ويذهب إلى قول رسول الله ﷺ : «لا توك فيوكأ عليك» وكان لا يصوم شهر رجب، وينهى عن ذلك، ويقول: ما صح فى فضل رجب وفى صيامه شئ عن رسول الله ﷺ . وكان يملى فى شعبان وفى رمضان، ولا يملى فى رجب. وقال ابن طاهر الحافظ: سمعت أبا إسماعيل الأنصارى يقول: كتاب أبى عيسى الترمذى عندى أفيد من كتاب البخارى ومسلم، فقلت: لم؟ قال: لأن كتاب البخارى ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة. وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. قال: وسمعته يقول: المحدّث يجب أن يكون سريع المشى، سريع الكتابة، سريع القراءة. قال الرّهاوى: سمعت السلفى يقول: سمعت أبا الخير عبد الله بن مرزوق الهروىّ يقول: سمعت أبا إسماعيل الأنصارى الحافظ بهراة يقول: ينبغى لمن يكون من أهل الفقه أن يكون له أبدا ثلاثة أشياء جديدة: سراويله، ومداسه، وخرقة يصلى عليها. قال الرّهاوى: وسمعت بعض الناس بهراة يحكى: أن شيخ الإسلام دخل يوما على القاضى أبى العلاء صاعد بن سيار، وعلى يمينه رجل من البوسعديّة، فجلس شيخ الإسلام على يسار القاضى، فغضب البوسعدى، وقال: أجلس عن يمينك ويجلس عن يسارك؟ فوثب شيخ الإسلام، وجلس ناحية، وقال: الحدّة ينبغى أن تكون فى أكل البصل، والشدّة فى تشقيق الحطب. وأما الجلوس فى المجالس فإنما يكون بالعلم. وغضب القاضى من كلام الرجل، وقال: إيش تنكر من حاله؟ حيث لم يكن له مركوب ولا ثياب، وأمر له بثياب ومركوب، وجعل له فى الجامع موضعا يعظ فيه.

стр. 55

قال الرّهاوى: وقد رأيت كرسى شيخ الإسلام قليل المراقى فى زاوية من جامع هراة، والناس يتبركون به. وقال ابن طاهر: سألت الأنصارى عن الحاكم أبى عبد الله؟ فقال: ثقة فى الحديث، رافضى خبيث. وذكر ابن السمعانى عن يحيى بن منده عن عبد الله بن عطاء الإبراهيمى قال: سمعت شيخ الإسلام الأنصارىّ قال: سألت أبا يعقوب الحافظ عن قول البخارى فى الصحيح: قال لى فلان؟ قال: هو راوية بالإجازة، ثم قال شيخ الإسلام: عندى أن ذاك الرجل ذاكر البخارى فى المذاكرة: أنه سمع من فلان حديث كذا، وكتاب كذا، أو مسند كذا، أو حديث فلان، فيرويه بين المسموعات وهو طريق حسن، طريق مليح. ولا أحد أفضل من البخارى. وقال المؤتمن الساجى: كان يدخل عليه الجبابرة والأمراء، فما كان يبالى بهم. ويرى بعض أصحاب الحديث من الغرباء فيكرمه إكراما يعجب منه الخاص والعامّ ﵀. قال صاعد بن سيار الهروى فى أماليه: سمعت شيخ الإسلام الأنصارى يقول: إلهى عصمة أو مغفرة، فقد ضاقت بنا طريق المعذرة. وقد أثنى على الشيخ الإمام أبى إسماعيل شيوخه وأقرانه. ومن دونه من الفقهاء، والمحدثين، والصوفية، والأدباء وغيرهم. وقد سبق فى ترجمة عبد الرحمن ابن منده قول سعد الزنجانى فيه: إنّ الله حفظ به الإسلام، وبابن منده. وقال الرّهاوى: سمعت بهراة: أن شيخ الإسلام لما أخرج من هراة، ووصل إلى مرو، وأذن له فى الرجوع إلى هراة، رجع ووصل إلى مرو الروذ، قصده الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى الفرّاء صاحب التصانيف. فلما حضر عنده قال لشيخ الإسلام: إن الله قد جمع لك الفضائل، وكانت قد بقيت فضيلة

стр. 56

واحدة، فأراد أن يكملها لك، وهى الإخراج من الوطن، أسوة برسول الله ﷺ . قال الرّهاوى: وسمعت أبا عبد الله سفيان بن أبى الفضل الخرقى السفيانى وكان من أهل الحديث والفضل والدّين، وكان سفيانى المذهب يقول: سمعت الحافظ أبا مسعود كوتاه يقول: سمعت أبا الوقت عبد الأول بن عيسى يقول: دخلت على الجوينى - يعنى أبا محمد عبد الله بن يوسف الفقيه - فسألنى عن شيخ الإسلام؟ فقلت: أنا خادمه. فقال: رضى الله عنه. قال الرّهاوى: وذكر الحسين بن محمد الكتبى الهروىّ فى تاريخه: أنّ شيخ الإسلام الأنصارى سافر إلى نيسابور سنة سبع عشر وأربعمائة، طالبا للحديث والفقه، ورؤية المشايخ، والاستفادة منهم، والتبرك بصحبتهم. ورجع فى تلك السنة. ثم سافر ثانيا للحج مع الفقيه الإمام أبى الفضل بن أبى سعد الزاهد الواعظ، ومعهما خلق كثير سنة ثلاث وعشرين. فلما وردوا نيسابور أخرج الإمام أبو عثمان الصابونى لخاله الإمام أبى الفضل بن أبى سعد الزاهد مجلسا فى الحديث ليمليه بنيسابور، فنظر فيه الأنصارى ونبّه على خلل فى رجال الحديث وقع فيه. فقبل الصابونى قوله، وعاد إلى ما قال، وأحسن الثناء عليه، وأظهر السرور به، وهنأ أهل العصر بمكانه، وقال: لنا جمال، ولأهل السنة مكانة، وانتفاع المسلمين بعلمه ووعظه. وكان ذلك بمشهد من مشايخ فيهم كثرة، وشهرة وبصيرة. قال صاحب التاريخ: وكنت حاضرا يومئذ. قال: وسمعت الإمام عبد الله الأنصارى بنيسابور يقول: دخلت على الإمام ناصر المروزى بنيسابور، وكان مجلسه غاصّا بتلامذته، واحتفّ به الفقهاء، وكان يدرّس ويقول: روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه: أنه كان يقرأ فى الركعة الثالثة من صلاة المغرب: (١١٤:٢٠ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)﴾ فقلت - أيد الله الشيخ الإمام -: أحديث عهد أنت

стр. 57

بهذا الحديث وهو على ذكرك؟ فقال: لا، فقلت: كان يقرأ فى الركعة الثالثة من صلاة المغرب: (٨:٣ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)﴾ فقال: صدقت ورجع إلى قولى، وحثّ القوم على إثباته وتعليقه. ثم بكرت إليه من غد هذا اليوم، فرحب بى، وأعلى محلّى، وأجلسنى فوق جماعة زهاء سبعين، كنت بالأمس جالسا دونهم، ومدحته بقصيدة، وواظبت على الاختلاف إليه وأخذ الفقه عنه مدة. قال صاحب التاريخ: ورجع الشيخ من حرقات، والريّ عن زيارة الشيخ أبى الحسن الحرقانى، وكان الحرقانى أحسن الثناء عليه، ولاطفه فى المخاطبة سنة أربع وعشرين. قال: ولقى الشيخ بنيسابور الشيخ أبا عبد الله بن باكويه الشيرازى، وتكلم بين يديه. فرضى ابن باكويه قوله، واستحسن فى الحقيقة كلامه، وبشر بأيامه، فلما عزم على الخروج من عنده قال: إلى أين؟ قال: نويت سفرا. قال: لست من بابة السفر، بل بابتك أن تعقد حلقة تكلمهم على الحق. قال صاحب التاريخ: وكان إسحاق القرّاب الحافظ يتأمل ما كان يخرجه الأنصارى، وكذلك إسماعيل الصابونى. قال: وكلهم تعجبوا من تخريجه، وأعجبوا به، وأثنوا على الشيخ عبد الله الأنصارى، واغتبطوا بمكانه، ودعوا له بالخير. وكان من عادة إسحاق القراب الحافظ الحث على الاختلاف إلى الأنصارى، والبعث على القراءة عليه، واستماع الأحاديث بقراءته، والاستفادة منه، والمواظبة على مجلسه، والاختيار له على غيره. وكان يقول: لا يمكن أن يكذب على النبى ﷺ كاذب من الناس، وهذا الرجل فى الإحياء. قال: وكلّ من لقيت من أهل هراة وفى سائر البلدان، حين خرجت مسافرا، ومن سمعت يخبر منهم فى الآفاق من القضاة والأئمة والأفاضل، والمذكورين، كانوا يحسنون الثناء عليه، ولا ينكرون فضله.

стр. 58

وقال الرّهاوى: سمعت أبا بشر محمد بن محمد الهمذانى يقول: سمعت شيخى عبد الهادى الذى أخذت عنه العلم يقول: عبد الله الأنصارى يعدّ فى العبادلة. قال الرّهاوى: عبد الهادى هذا من أئمة همذان. وقد ذكر أبو النصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامى (١) فى تاريخ هراة شيخ الإسلام الأنصارى، فقال: كان بكر الزمان، وزناد الفلك، وواسطة عقد المعانى والمعالى، وصورة الإقبال فى فنون الفضائل، وأنواع المحاسن. منها: نصرة الدين والسنة، والصلابة فى قهر أعداء الملّة، والمتحلين بالبدعة. حيى على ذلك عمره، من غير مداهنة ومراقبة لسلطان ولا وزير، ولا ملاينة مع كبير ولا صغير. وقد قاسى بذلك السبب قصد الحساد فى كل وقت وزمان، ومنى بكيد الأعداء فى كل حين وأوان، وسعوا فى روحه مرارا، وعمدوا إلى هلاكه أطوارا، مقدرين بذلك الخلاص من يده ولسانه، وإظهار ما أضمروا فى زمانه. فوقاه الله شرهم، وأحاط بهم مكرهم، وجعل قصدهم لارتفاع أمره، وعلو شأنه، أقوى سبب. وليس ذلك من فضل الله تعالى ببدع ولا عجب (٧:٤٧ ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)﴾. وأما قبوله عند الخاص والعام، واستحسان كلامه، وانتشاره فى جميع بلاد الإسلام، فأظهر من أن يقام عليه حجة وبرهان، أو يختلف فى سبقه وتقدمه فيها من الأئمة اثنان. ولقد هذّب أحوال هذه الناحية عن البدع بأسرها، ونقح أمورهم عما اعتادوه منها فى أمرها، وحملهم على الاعتقاد الذى لا مطعن لمسلم بشئ عليه، ولا سبيل لمبتدع إلى القدح إليه. ومنها: تصانيفه التى حاز فيها قصب السبق بين الأضراب، وذكرها فى باب المصنفين من الكتاب. وذكره أيضا الإمام أبو الحسين عبد الغافر بن إسماعيل الفارسى، خطيب نيسابور فى تاريخ نيسابور، فذكر اسمه ونسبه، وقال: أبو إسماعيل الإمام شيخ

стр. 59

الإسلام بهراة، صاحب القبول فى عصره، والمشهور بالفضل وحسن الوعظ والتذكير فى دهره. لم ير أحد من الأئمة فى فنه حلما ما رآه عيانا من الحشمة الوافرة القاهرة، والرونق الدائم، والاستيلاء على الخاص والعام، فى تلك الناحية واتساق أمور المريدين والأتباع، والغالين فى حقه، والتئام المدارس والأصحاب والخانقاه، ونواب المجالس، إلى غير ذلك مما هو أشهر من أن يحتاج إلى الشرح. وكان على حظ تام من العربية ومعرفة الأحاديث والأنساب والتواريخ، إماما كاملا فى التفسير والتذكير، حسن السيرة والطريقة فى التصوف ومباشرة التصوف ومعاشرة الأصحاب الصوفية. مظهر السنة، داعيا إليها، محرضا عليها. غير مشتغل بكسب الأسباب والضياع والعقار، والتوغل فى الدنيا. مكتفيا بما يباسط به المريدين والأتباع من أهل مجلسه فى السنة مرة أو مرتين. حاكما عليها حكما نافذا بما كان يحتاج إليه هو وأصحابه من السنة إلى السنة على رأس الملأ. فيحصل على ألوف من الدنانير بها، وأعداد جمة من الثياب والحلى وغير ذلك. فيجمعها ويفرقها على الخبّاز، والبقّال، والقصّاب، وينفق منها موسعا فيها من السنة إلى السنة، ولا يأخذ من السلاطين والظلمة والأعوان وأركان الدولة شيئا. وقلّما يراعيهم. ولا يدخل عليهم ولا يبالى بهم. فبقى عزيزا مقبولا، قبولا أتم من الملك على الحقيقة، مطاع الأمر قريبا من ستين سنة، من غير مزاحمة ولا فتور فى الحال. ومن خصائصه: أنه كان إذا حضر المجلس لبس الثياب الفاخرة، وركب الدواب الثمينة، والمراكب المعروفة، وتكلّف غاية التكلف، ويقول: إنما أفعل هذا إعزازا للدّين، ورغما لأعدائه، حتى ينظروا إلى عزّى وتجملى، فيرغبوا فى الإسلام إذا رأوا عزّه. ثم إذا انصرف إلى بيته عاد إلى المرقّعة والقعود مع الصوفية فى الخانقاه، يأكل معهم ما يأكلون، ويلبس ما يلبسون، ولا يتميز فى المطعوم والملبوس عن آحادهم. على هذا كان يزجى أيامه. وكلّ ما نقل عنه من سيرته محمود.

стр. 60

ومن جملة ما أخذه أهل هراة عنه من محاسن سيرته: التبكير بصلاة الصبح، وأداء الفرائض فى أوائل أوقاتها، واستعمال السّنن والأدب فيها. ومن ذلك: تسمية الأولاد فى الأغلب بالعبد، المضاف إلى اسم من أسماء الله تعالى: كعبد الخالق، وعبد الخلاق، وعبد الهادى، وعبد الرشيد، وعبد المجيد، وعبد المعز، وعبد السلام. وإلى غير ذلك مما كان يحثّهم، ويدعوهم إلى ذلك، فتعوّدوا الجرى على تلك السنة، وغير ذلك من آثاره. ثم ذكر بعض شيوخه، ثم قال: أنشدنى أبو القاسم أسعد بن علي البارع الزوزنى لنفسه فى الإمام، وقد حضر مجلسه: وقالوا: رأيت كعبد الإله … إماما إذا عقد المجلسا؟ فقلت: أما إننى ما رأي … ت ولم يلق قبلى ممن عسى فقالوا: يجئ نظير له … فقلت: كمستقبل من عسى قال عبد الغافر: وقرأت فى «دمية القصر لأبى الحسن الباخرزى» فصلا فى الإمام عبد الله الأنصارى، وذلك أنه قال: هو فى التذكير فى الدرجة العليا، وفى علم التفسير أوحد الدنيا. يعظ فيصطاد القلوب بحسن لفظه، ويمحص الذنوب بيمن وعظه. ولو سمع قسّ بن ساعدة تلك الألفاظ، لما خطب بسوق عكاظ. ثم ذكر بيتين للإمام عبد الله فى نظام الملك، وهما: بجاهك أدرك المظلوم ثاره … ومنّك شاد بانى العدل داره وقبلك هنّئ الوزراء حتّى … نهضت بها فهنّئت الوزاره ثم قال: وحضرت يوما مجلسه بهراة، مع أبى عاصم الحسين بن محمد ابن الفضيلى الهروىّ شيخ الأفاضل بهراة. فلما طاب فؤاده، وعرق جواده وطنّت نقرات العازفين فى جو السماء، ودنت الملائكة فتدلّت للإصغاء.

стр. 61

قال أبو العاصم: عيون النّاس لم تل … ق ولا تلقى كعبد الله ولا ينكر هذا غي … ر من مال عن الله قال الباخرزى: فقلت أنا: مجلس الأستاذ عبد الله … روض العارفينا ألحق الفخر بنا … بعد حكم العارفينا قال عبد الغافر: وفى المنقولات من أخباره وآثاره، وما قيل فيه من الأشعار، وما نقل عنه من العبارات كثير. وفى هذا القدر دليل على أمثالها. وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية فى كتاب «الأجوبة المصرية»: شيخ الإسلام مشهور، معظم عند الناس. هو إمام فى الحديث، والتصوف، والتفسير. وهو فى الفقه على مذهب أهل الحديث، يعظّم الشافعى، وأحمد. ويقرن بينهما فى أجوبته فى الفقه ما يوافق قول الشافعى تارة وقول أحمد أخرى. والغالب عليه اتباع الحديث على طريقة ابن المبارك ونحوه. قال: وقال الشيخ أبو الحسن الكرخى، شيخ الشافعية فى بلاده، فى كتابه «الفصول فى الأصول»: أنشدنى غير واحد من الفضلاء للإمام عبد الله ابن محمد الأنصارى، أنه أنشد فى معرض النصحية لأهل السنة: كن إذا ما حاد عن حدّ الهدى … أشعرىّ الرأى شيطان البشر شافعىّ الشّرع، سنّى الحلى … حنبلى العقد، صوفىّ السّير ومن شعر شيخ الإسلام مما أنشده الرهاوى بإسناده عنه: سبحان من أجمل الحسنى لطالبها … حتى إذا ظهرت فى عبده مدحا ليس الكريم الذى يعطى لتمدحه … إنّ الكريم الّذى يثنى بما منحا وأنشد له: نهواك نحن ونحن منك نهاب … أهوى وخوفا إنّ ذاك عجاب! شخص العقول إليك ثم استحسرت … وتحيّرت فى كنهك الألباب

стр. 62

قلت: ولشيخ الإسلام شعر كثير حسن جدّا. ولأجل هذا ذكره الباخرزى الأديب فى كتابه «دمية القصر فى شعراء العصر» وله كلام فى التصوف والسلوك دقيق. وقد اعتنى بشرح كتابه «منازل السائرين» جماعة. وهو كثير الإشارة إلى مقام الفناء فى توحيد الربوبية، واضمحلال ما سوى الله تعالى فى الشهود لا فى الوجود. فيتوهم فيه أنه يشير إلى الاتحاد حتى انتحله قوم من الاتحادية، وعظموه لذلك. وذمّه قوم من أهل السنة، وقدحوا فيه بذلك. وقد برأه الله من الاتحاد. وقد انتصر له شيخنا أبو عبد الله بن القيم فى كتابه الذى شرح فيه «المنازل» وبيّن أن حمل كلامه على قواعد الاتحاد زور وباطل. توفى رحمه الله تعالى يوم الجمعة بعد العصر ثانى عشرين ذى الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. ودفن يوم السبت بكازياركاه - مقبرة بقرب هراة - وكان يوما كثير المطر، شديد الوحل. وقد كان الشيخ يقول فى حياته: إن استأثر الله بى فى الصيف فلا بد من نطع مخافة المطر، فصدق الله ظنه فى ذلك حدّث عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم، كالمؤتمن الساجى، ومحمد بن طاهر، وأبى نصر الغازى، وأبى الوقت السجزى، وأبى الفتح الكروخى. قرأت على أبى حفص عمر بن علي القزوينى ببغداد: أخبركم أبو عبد الله محمد ابن أبى القاسم المقرئ ح وأخبرنا الربيع عليّ بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى بها قراءة عليه، وأنا فى الخامسة، أخبرنا والدى أبو أحمد عبد الصمد قالا: أخبرنا أبو الحسن على بن أبى بكر بن روزبه، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول ابن عيسى السجزى، أخبرنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروى، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العالى البوشنجى، أخبرنا أبو أحمد الغطريفى، ومنصور بن العباس الفقيه قالا: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو صالح الحكم بن موسى، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمى، عن أبى عثمان

стр. 63

- وليس بالنهدى - عن معقل بن يسار: أن النبى ﷺ قال: «اقرأوها على موتاكم» يعنى: يس. وبالإسناد الأول إلى شيخ الإسلام، أنشدنا يحيى بن عمار أنشدنى أبو المنذر محمد بن أحمد بن جعفر الأديب، أنشدنى الصولى لأبى العباس ثعلب: ربّ ريح لا ناس عصفت … ثمّ ما إن لبثت أن ركدت وكذاك الدّهر فى أفعاله … قدم زلّت وأخرى ثبتت بالغ ما كان يرجو دونه … ويد عما استقلت قصرت وكذا الأيام من عاداتها … أنّها مفسدة ما أصلحت ثمّ تأتيك مقادير لها … فترى مصلحة ما أفسدت ٢٨ - عبد الواحد بن محمد بن على بن أحمد الشيرازى ثم المقدسى، ثم الدمشقى، الفقيه الزاهد، أبو الفرج الأنصارى، السعدى العبادى الخزرجى. شيخ الشام فى وقته. قرأت بخط بعض طلبة الحديث فى زماننا قال: أخرج إلىّ شيخنا يوسف ابن يحيى بن عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الشيخ أبى الفرج نسب جده: وهو أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن يعيش ابن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة. كذا رأيته. ويوسف هذا أدركته. وسمعت منه جزءا عن أبيه عن الخشوعى. ولكن قرأت بخط جده ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم قال: كتبت إلى الشريف النسّابة ابن الجوانى كتابا إلى مصر أسأله: هل نحن من ولد قيس بن سعد أو من أخيه؟ فجاءنى خطه فى جزء يقول: قيس بن سعد انقرض عقبه. وحكاه عن جماعة من النسابين، مثل ابن شجرة وابن طباطبا وغيرهما. وقال: إنما أنتم من ولد أخيه عبد العزيز بن سعد بن عبادة. ورفع نسب سعد بن عبادة إلى آدم ﵇.

стр. 64

وهذا يدل على أن «الناصح» لم يكن يعرف نسبهم إلى سعد، ولا ذكر أن النسابة كتب له ذلك، وإنما كتب له نسب سعد إلى آدم، وأيضا فقد قال له: أنتم من ولد عبد العزيز بن سعد بن عبادة. وفى هذا النسب المذكور: عبد العزيز ابن سعيد بن سعد بن عبادة. وهذا مخالف لما قال ابن الجوانى. لكن ذكر «الناصح» أن أباه وجماعة من العلماء اجتمعوا ليلة عند السلطان صلاح الدين فى خيمة، مع الشريف الجوانى هذا، فقال السلطان: هذا الفقيه - يشير إلى والد «الناصح» - ليس فى آبائه وأجداده صاحب صنعة إلا أمير أو عالم إلى سعد بن عبادة. وهذا يدل على أنه كان يعرف نسبهم إلى سعد بن عبادة. والله أعلم. ثم رأيت الشريف عزّ الدين أحمد بن محمد الحسينى الحافظ صاحب «صلة التكملة فى وفيات النقلة» ذكر نسب الشيخ أبى الفرج إلى سعد مثل ما أخرجه شيخنا يوسف سواء، إلا أنه قال عبد العزيز بن سعد بن عبادة، بلا واسطة بينهما ولقّب أباه محمدا بالصافى. تفقه الشيخ أبو الفرج ببغداد على القاضى أبى يعلى مدة، وقدم الشام فسكن ببيت المقدس، فنشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله. ثم أقام بدمشق فنشر المذهب وتخرج به الأصحاب، وسمع بها من أبى الحسن السمسار، وأبى عثمان الصابونى ووعظ، واشتهر أمره، وحصل له القبول التام. وكان إماما عارفا بالفقه والأصول، شديدا فى السنة، زاهدا عارفا، عابدا متألها، ذا أحوال وكرامات. وكان «تتش» صاحب دمشق يعظّمه. قال أبو الحسين فى الطبقات: صحب الوالد من سنة نيف وأربعين وأربعمائة وتردد إلى مجلسه سنين عدة، وعلق عنه أشياء فى الأصول والفروع، ونسخ واستنسخ من مصنفاته. وسافر إلى الرحبة والشام وحصل له الأصحاب والأتباع والتلامذة والغلمان. وكانت له كرامات ظاهرة، ووقعات مع الأشاعرة، وظهر

стр. 65

عليهم بالحجة فى مجالس السلاطين ببلاد الشام. ويقال: إنه اجتمع مع الخضر ﵇ دفعتين. وكان يتكلم فى عدة أوقات على الخاطر كما كان يتكلم ابن القزوينى الزاهد. فبلغنى: أن «تتشا» لما عزم على المجئ إلى بغداد فى الدفعة الأولى لما وصلها السلطان سأله الدعاء؟ فدعا له بالسلامة، فعاد سالما. فلما كان فى الدفعة الثانية استدعى السلطان وهو ببغداد لأخيه «تتش» فرعب وسأل أبا الفرج الدعاء له. فقال له: لا تراه ولا تجتمع به. فقال له «تتش»: وهو مقيم ببغداد، وقد برزت إلى عنده، ولا بد من المصير إليه. فقال له: لا تراه، فعجب من ذلك، وبلغ «هيت» فجاءه الخبر بوفاة السلطان ببغداد، فعاد إلى دمشق وزادت حشمة أبى الفرج عنده ومنزلته لديه. وبلغنى أن بعض السلاطين من المخالفين كان أبو الفرج يدعو عليه، ويقول: كم أرميه ولا تقع الرمية به؟ فلما كان فى الليلة التى هلك ذلك المخالف فيها، قال أبو الفرج لبعض أصحابه: قد أصبت فلانا وقد هلك، فورّخت الليلة، فلما كان بعد بضعة عشر يوما ورد الخبر بوفاة ذلك الرجل فى تلك الليلة التى أخبر أبو الفرج بهلاكه فيها. قال: وكان أبو الفرج ناصرا لاعتقادنا، متجردا فى نشره، مبطلا لتأويل أخبار الصفات. وله تصنيف فى الفقه والوعظ والأصول. وقرأت بخط الناصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الشيخ أبى الفرج قال: حدثنا الشريف الجوانى النسّابة عن أبيه قال: تكلم الشيخ أبو الفرج - أى الشيرازى الخزرجى - فى مجلس وعظه، فصاح رجل متواجدا، فمات فى المجلس. وكان يوما مشهودا. فقال المخالفون فى المذهب: كيف نعمل إن لم يمت فى مجلسنا أحد، وإلا كان وهنا. فعمدوا إلى رجل غريب، دفعوا له عشرة دنانير، فقالوا: احضر مجلسنا، فإذا طاب المجلس فصح صيحة عظيمة،

стр. 66

ثم لا تتكلم حتى نحملك ونقول: مات. ونجعلك فى بيت، فاذهب فى الليل، وسافر عن البلد. ففعل، وصاح صيحة عظيمة، فقالوا: مات، وحمل. فجاء رجل من الحنابلة، وزاحم حتى حصل تحته، وعصر على خصاه، فصاح الرجل فقالوا: عاش، عاش. وأخذ الناس فى الضحك، وقالوا المحال ينكشف. قال الناصح: وكان الشيخ موفق الدين المقدسى يقول: كلّنا فى بركات الشيخ أبى الفرج. قال: وحدثنى ونحن ببغداد قال: لما قدم الشيخ أبو الفرج إلى بلادهم من أرض بيت المقدس تسامع الناس به، فزاروه من أقطار تلك البلاد قال: فقال جدّى قدامة لأخيه: تعال نمشى إلى زيارة هذا الشيخ لعله يدعو لنا. قال: فزاروه، فتقدم إليه قدامة فقال له: يا سيدى، ادع لى أن يرزقنى الله حفظ القرآن. قال: فدعا له بذلك، وأخوه لم يسأله شيئا، فبقى على حاله. وحفظ قدامة القرآن. وانتشر الخير منهم ببركات دعوة الشيخ أبى الفرج. وللشيخ أبى الفرج تصانيف عدة فى الفقه والأصول. منها: «المبهج» و «الإيضاح» و «التبصرة فى أصول الدين» و «مختصر فى الحدود، وفى أصول الفقه، ومسائل الامتحان». وقرأت بخط الناصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن الشيخ قال: سمعت والدى يقول: للشيخ أبى الفرج «كتاب الجواهر» وهو ثلاثون مجلدة يعنى: فى التفسير. قال: وكانت بنت الشيخ تحفظه، وهى أم زين الدين على بن نجا الواعظ، الآتى ذكره إن شاء الله تعالى. قال أبو يعلى بن القلانسى فى تاريخه فى حق الشيخ أبى الفرج: كان وافر العلم، متين الدين، حسن الوعظ، محمود السمت. توفى يوم الأحد ثامن عشرين ذى الحجة، سنة ست وثمانين وأربعمائة بدمشق. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وقبره مشهور يزار. وللشيخ ﵀ ذرية. فيهم كثير من العلماء، نذكرهم إن شاء الله تعالى فى مواضعهم من هذا الكتاب، يعرفون ببيت ابن الحنبلى.

стр. 67

وقد ذكر الشيخ موفق الدين فى المغنى، والشيخ مجد الدين بن تيمية فى شرح الهداية، عن أبى الفرج المقدسى: أن الوضوء فى أوانى النحاس مكروه وهو هذا. وذكرا عنه أيضا: أن التسمية على الوضوء يصح الإتيان بها بعد غسل بعض الأعضاء، ولا يشترط تقدمها على غسلها. وقد نسب أبو المعالى بن المنجى هذا فى كتابه «النهاية» إلى أبى الفرج بن الجوزى. وهو وهم. وله غرائب كثيرة. فمنها: أنه نقل فى الإيضاح رواية عن أحمد: أن مس الأمرد لشهوة ينقض ومنها: أن المسافر إذا مسح فى السفر أكثر من يوم وليلة، ثم أقام، أو قدم: أتم مسح مسافر. ومنها: أن الجنب يكره له أن يأخذ من شعره وأظفاره. ذكره فى الإيضاح وهو غريب. مخالف لمنصوص أحمد فى رواية جماعة. ومنها: حكى فى وجوب الزكاة فى الغزلان روايتين. ومنها: أنه خرّج وجها: أنه يعتبر لوجوب الزكاة فى جميع الأموال: إمكان الأداء، من رواية اعتبار إمكان الأداء لوجوب الحج. ومنها: ما قاله فى الإيضاح: إذا وقف أرضا على الفقراء والمساكين: لم يجب فى الخارج منها العشر، وإن كان على غيرهم: وجب فيها العشر. وللامام أحمد نصوص تدل على مثل ذلك. وهو خلاف المعروف عند الأصحاب. ومنها: ما قاله فى الإيضاح أيضا، قال: والصداق يجب بالعقد ويستقر جميعه بالدخول، ولو أسقطت حقها من الصداق قبل الدخول: لم يسقط؛ لأنه إسقاط حق قبل استقراره، فلم يسقط كالشفيع إذا أسقط حقه قبل الشراء. هذا لفظه. وهو غريب جدا. ومنها: أنه ذكر فى المبهج فى آخر الوصايا: إذا قال لعبده: إن أدّيت

стр. 68

إلىّ ألفا فأنت حر، ثم أبرأه السّيّد من الألف. عتق فجعل التعليق كالمعاوضة ولأحمد فى رواية أبى الصقر ما يدلّ عليه. وذكر فى كتاب الزكاة من المبهج أيضا: أنه يجوز دفع الزكاة إلى من علّق عتقه بأداء مال، وهو يرجع إلى هذا الأصل، وأنّ التعليق معاوضة تثبت فى الذمة. وذكر أيضا فى المبهج: إذا باع أرضا فيها زرع قائم قد بدا صلاحه: لم يتبع قولا واحدا، وإن لم يبد صلاحه: فهل يتبع أم لا؟ على وجهين، فإن قلنا: لا يتبع: أخذ البائع بقطعه، إلا أن يستأجر الأرض من المشترى إلى حين إدراكه وأما إذا بدا صلاحه: فإنه يبقى فى الأرض من غير أجرة إلى حين حصاده. وذكر فيه أيضا: أنه إذا اشترى شيئا فبان معيبا ونما عنده نماء متصلا، ثم ردّه: أخذ قيمة الزيادة من البائع، وقد وافقه على ذلك ابن عقيل فى كتاب الصداق من فصوله. وقد نقل ابن منصور عن أحمد، فيمن اشترى سلعة فنمت عنده، وبان بها داء: فإن شاء المشترى حبسها ورجع بقدر الداء، وإن شاء ردّها ورجع عليه بقدر النماء. وهذا ظاهر فى الرجوع بقيمة النماء المتصل، لأن النماء المنفصل مع بقائه إما أن يستحقه المشترى أو البائع. وأما قيمته فلا يستحقها أحد منهما مع بقائه ولا تلفه. ٢٩ - يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور، العكبرى البرزبيني، القاضى أبو على، قاضى باب الأزج. قدم بغداد بعد الثلاثين والأربعمائة. وسمع الحديث من أبى إسحاق البرمكى وتفقه على القاضى أبي يعلى، حتى برع فى الفقه، ودرس فى حياته، وشهد عند ابن الدامغانى، هو والشريف أبو جعفر فى يوم واحد، سنة ثلاث وخمسين. وزكّاهما شيخهما القاضى. وتولى يعقوب القضاء بباب الأزج مدة، ورأيت فى تاريخ القضاة لابن

стр. 69

المنذرى (١): أن القاضى يعقوب عزل نفسه عن قضاء باب الأزج والشهادة، سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. وقال أبو الحسين: ولى القضاء بباب الأرج من جهة الوالد، ثم عزل نفسه عن القضاء والشهادة سنة اثنتين وسبعين، ثم عاد إليهما سنة ثمان وسبعين، واستمر إلى موته. قال: وكان ذا معرفة تامة بأحكام القضاء، وإنفاذ السجلات متعففا فى القضاء، متشددا فى السنة. وقال ابن عقيل: كان أعرف قضاة الوقت بأحكام القضاء والشروط. سمعت ذلك من غير واحد. ولم يكن أحد من الوكلاء يهاب قاضيا مثل هيبته له. وله المقامات المشهورة «بالديوان» حتى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة، فى قوة الرأى. وذكره ابن السمعانى، فقال: كانت له يد قوية فى القرآن والحديث، والفقه والمحاضرة. وقرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، جرت أموره فى أحكامه على سداد واستقامة. وحدّث بشئ يسير عن أحمد عمر بن ميخائيل العكبرى، وغيره. قال: وذكر لى شيخنا الجنيد بن يعقوب الجيلى الفقيه بباب الأزج: أنه سمع الحديث من القاضى أبى على يعقوب، ولم يكن له أصل حاضر بما سمع منه. وقال: علّقت عنه الفقه، وكان لجماعة من شيوخنا الأصبهانيين منه إجازة، مثل أبى عبد الله الخلال، وغانم بن خالد، وأبى نصر الغازى، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ، وغيرهم. وقال ابن الجوزى: حدّث وروى عنه أشياخنا. قلت: قال أبو الحسين: صنف كتبا فى الأصول والفروع. وكان له غلمان كثيرون - يعنى تلامذة - قال: وكان مبارك التعليم، لم يدرس عليه أحد إلا أفلح وصار فقيها. وكانت حلقته بجامع القصر.

стр. 70

وعليه تفقه القاضى أبو حازم، وأبو الحسين بن الزاغونى، وأبو سعد المخرّمى، وطلحة العاقولى، وغيرهم. وله تصانيف فى المذهب. منها: «التعليقة فى الفقه» فى عدّة مجلدات، وهى ملخصة من تعليقة شيخه القاضى. وممن روى عنه القاضى أبو طاهر بن الكرخى، وأخوه أبو الحسن. وتوفى يوم الثلاثاء ثاني عشرين شوال سنة ست وثمانين وأربعمائة. كذا نقله ابن السمعانى من خط شجاع الذهلى. وذكره أيضا ابن المندائى - وذكر الشهر والسنة - وأبو الحسين، وابن الجوزى فى تاريخه. وقال ابن الجوزى فى الطبقات: توفى فى شوال سنة ثمان - وقيل: سنة ست وثمانين - وكان عمره سبعا وسبعين سنة. ودفن من الغد بباب الأزج، بمقبرة الفيل إلى جانب أبى بكر عبد العزيز غلام الخلال. رحمهم الله تعالى. قال أبو الحسين: وصلّى عليه أكابر أولاده بجامع القصر، وحضر جنازته خلق كثير من أرباب الدين والدنيا، وأصحاب المناصب: نقيب العباسيين. ونقيب العلويّين، وحجاب السلطان، وجماعة الشهود. وغيرهم. و «برزبين» بفتح الباء وسكون الراء وفتح الزاى وكسر الباء الثانية، ثم بياء ساكنة ونون - قرية كبيرة على خمسة فراسخ من بغداد. بينها وبين أوانا. وذكر القاضى يعقوب فى تعليقته، قال: إذا نذر عتق عبده ولا مال له غيره: يحتمل أن يعود فيه، كما لو نذر الصدقة بماله كله فعتق ثلثه. وإن سلّمنا فالعتاق آكد. ولهذا يفترقان فى نذر اللجاج والغضب. وهذا الاحتمال الأول مخالف لما ذكره القاضى وابن عقيل وغيرهما من أهل المذهب. لكن منهم من يعلل بأن العتق لا يتبعّض فى ملك واحد، كالقاضى فى خلافه. وهذا موافقة على أن الواجب بالنذر عتق ثلثه لا غير. وإنما الباقى يعتق بالسراية.

стр. 71

ومنهم من يعلل بقوة العتق وتأكيده، كما ذكره القاضى يعقوب هنا. وعلى هذا فالواجب عتق العبد كله بالنذر. وذكر القاضى يعقوب أيضا: فيما إذا حلف ليقضينّه دراهمه التى عنده فأحاله بها، وقال: يحتمل أن يبرأ؛ لأن ذمته قد برئت بالحوالة. وهذا مخالف لقول القاضى والأصحاب؛ فإن الحوالة نقلت الحق من ذمة إلى ذمة، ولم يحصل بها الاستيفاء. ورأيت بخط أبى زكريا بن الصيرفى الفقيه: أن القاضى أبا على يعقوب اختار جواز أخذ الزكاة لبنى هاشم، إذا منعوا حقهم من الخمس. وقرأت بخط الجنيد بن يعقوب الجيلى الفقيه «فرع: تملك الأم الرجوع فى الهبة» وهو اختيار القاضى يعقوب بن إبراهيم. وفيه رواية أخرى: لا تملك. اختارها بقية الأصحاب. وذكر القاضى يعقوب الخلاف بين أصحابنا فى أن الحروف: هل هى حرف واحد قديم، أو حرفان: قديم ومحدث؟ وقال: كلام أحمد يحتمل القولين. ولكنه اختار أنها حرف واحد. وحكاه عن شيخه القاضى وذكر أنه سمع ابن جلبة الحرانى يحكيه عن الشريف الزبدى، وجماعة من أهل حران. والتزم القاضى يعقوب: أن كل ما كان موافقا لكتاب الله من الكلام فى لفظه ونظمه وحروفه، فهو من كتاب الله، وإن قصد به خطاب آدمى، حتى إنه لا يبطل الصلاة. قال أبو العباس بن تيمية: وهذا مخالف للاجماع. وهو كما قال. فإنه إذا جرّد قصده للخطاب، فهو يتكلم بكلام الآدميين. وأما إن قصد التنبيه بالقرآن، فمن الأصحاب من قال: لا يحنث، ومنهم من بناه على الخلاف فى بطلان الصلاة بذلك.

стр. 72

٣٠ - عبد الوهاب بن طالب بن أحمد بن يوسف بن عبد الله بن عنبسة ابن عبد الله بن كعب بن زيد بن بهم، أبو القاسم التميمى الأزجى البغدادى، المقرئ الفقيه. نزيل دمشق. أقام بها مدة يؤم بمسجد درب الريحان. حدّث بها بالإجازة من الطناجيرى. سمع منه ابن صابر الدمشقى المحدث وأخوه. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وأربعمائة. ودفن من الغد بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى. ٣١ - رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن الهيثم بن عبد الله التميمى، البغدادى المقرئ، المحدث الفقيه الواعظ، شيخ أهل العراق فى زمانه، أبو محمد بن أبى الفرج بن أبى الحسن. ولد سنة أربعمائة - وقيل: سنة إحدى وأربعمائة - وفى الطبقات لابن الجوزى: سنة أربع. وقال السلفى: سمعت أبا الحسن على بن محمد بن سلامة الروحانى بمصر يقول: سمعت رزق الله التميمى ببغداد يقول: مولدى سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وقرأ القرآن بالروايات على أبى الحسن الحمامى. وسمع الحديث من أبى الحسين بن التميم، وأبى عمر بن مهدى، وابنى بشران، وأبى علي بن شاذان، وغيرهم. وأجاز له أبو عبد الرحمن السلمى الصوفى، وتفقه على أبيه أبى الفرج، وعمه أبى الفضل عبد الواحد، وأبى علىّ بن أبى موسى صاحب الإرشاد. قال أبو الحسين: وقرأ على الوالد السعيد قطعة من المذهب. وأدرك من أصحاب ابن مجاهد رجلا يقال له: أبو القاسم عبد الله بن محمد

стр. 73

الخفاف، وقرأ عليه سورة البقرة. وقرأها على ابن مجاهد، وأدرك من أصحاب أبى بكر الشبلى رجلا، وهو عمر بن تعويذ. وحكى عنه حكاية عن الشبلى قال ابن الجوزى: وشهد عند أبى الحسين بن ما كولا قاضى القضاة. فلما توفى وولى ابن الدامغانى ترك الشهادة؛ ترفعا عن أن يشهد عنده. فجاء قاضى القضاة إليه مستدعيا لمودّته وشهادته عنده، فلم يخرج له عن موضعه، ولم يصحبه مقصوده. قال: وكان قد اجتمع للتميمى القرآن، والفقه والحديث، والأدب والوعظ. وكان جميل الصورة، فوقع له القبول من الخواص والعوام. وأخرجه الخليفة رسولا إلى السلطان فى مهام الدولة. وكان له الحلقة فى الفقه، والفتوى والوعظ بجامع المنصور. فلما انتقل إلى باب المراتب كانت له حلقة بجامع القصر يروى فيها الحديث، ويفتى. وكان يمضى فى السنة أربع دفعات: فى رجب، وشعبان، ويوم عرفة، وعاشوراء، إلى مقبرة أحمد، ويعقد هناك مجلسا للوعظ. وقال فى الطبقات: كانت له المعرفة الحسنة بالقرآن والحديث، والفقه والأصول، والتفسير، واللغة والعربية، والفرائض. وكان حسن الأخلاق. وحكى عن ابن عقيل قال: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد بيتا ورئاسة وحشمة أبا محمد التميمى. وكان أحلى الناس عبارة فى النظر، وأجراهم قلما فى الفتيا، وأحسنهم وعظا. وقال ابن عقيل فى فنونه - والكلام أظنه فى تاريخ بغداد -: ومن كبار مشايخى: أبو محمد التميمى شيخ زمانه. كان حسنة العالم، وماشطة بغداد. وذكر عن التميمى أنه كان يقول: كلّ الطوائف تدّعينى. وقال شجاع الذهلى - فيما حكاه عن السلفى - كان له لسان وعارضة، وحلاوة منطق. وهو أحد الوعاظ المذكورين، والشيوخ المتقدمين. وقد سمعت منه.

стр. 74

وقال السلفى: سألت المؤتمن الساجى عن أبى محمد التميمى؟ فقال: هو الإمام علما ونفسا وأبوة، وما يذكر عنه فتحامل من أعدائه. وقال شيرويه الديلمى الحافظ: هو شيخ الحنابلة، ومقدمهم. سمعت منه. وكان ثقة صدوقا، فاضلا ذا حشمة. وقال أبو عامر العبدرى: رزق الله التميمى كان شيخا بهيا، ظريفا لطيفا، كثير الحكايات والملح، ما أعلم منه إلاّ خيرا. وقال أبو على بن سكرة فى مشيخته: ما لقيت فى بغداد مثله - يعنى التميمى - قرأت عليه كثيرا. وإنما لم أطل ذكره لعجزى عن وصفه لكماله وفضله وقال ابن ناصر ما رأيت شيخا ابن سبع وثمانين سنة أحسن سمتا وهديا، واستقامة منه، ولا أحسن كلاما، وأظرف وعظا، وأسرع جوابا منه؛ فلقد كان جمالا للاسلام كما لقب، وفخرا لأهل العراق خاصة، ولجميع بلاد الإسلام عامة، وما رأينا مثله. وكان مقدما على الشيوخ والفقهاء وشهود الحضرة، وهو شاب ابن عشرين سنة، فكيف به وقد ناهز التسعين سنة؟ وكان مكرما وذا قدر رفيع عند الخلفاء، منذ زمن القادر ومن بعده من الخلفاء إلى خلافة المستظهر. وله تصانيف. منها «شرح الإرشاد» لشيخه ابن أبى موسى فى الفقه والخصال والأقسام. قرأ عليه بالروايات جماعة، منهم: أبو الكرم الشهرزورى، وغيره. وأملى الحديث. وسمع منه خلق كثير ببغداد وأصبهان، لما قدمها رسولا من جهة المقتدى. وممن سمع منه الحفاظ: إسماعيل التميمىّ، وأبو سعد بن البغدادى، وأبو عبد الله الحميدى، وابن الخاضبة، وأبو مسعود سليمان بن إبراهيم، وأبو نعيم ابن الحداد، وأبو علي البردانى، وأبو نصر الغازى، وإسماعيل بن السمرقندى، وابن ناصر، ومحمد بن طاهر، وعبد الوهاب الأنماطى.

стр. 75

وسمع منه أيضا: نصر الله المصيصى، وهبة الله بن طاوس، وعلىّ بن طراد، والقاضى أبو بكر، والقاضى أبو الحسين، وأخوه أبو حازم، وابن البطّى، وخلق كثير. وقد روى ابن السمعانى: حديث «من عادى لى وليّا» عن أربعة وسبعين، سماعا له، سمعوه من التميمى. وروى عنه من أهل أصبهان أزيد من مائة راو. وآخر من روى عنه: السلفى بالإجازة. وذكر ابن النجار فى أول تاريخه بإسناده عن خميس الجوزى الحافظ: سمعت طلحة بن على الرازى، قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام ببغداد، كأنه فى مسجد عتاب، جالس فى القبلة، وعليه برد كحل (١)، وهو متقلد بسيف، والمسجد غاص بأهله. وفى الجماعة أبو محمد التميمى وهو يقول له: يا رسول الله، ادع الله لنا فرفع يديه، فقال - وأنا أقول معه -: اللهم إنّا نسألك حسن الاختيار فى جميع الأقدار، ونعوذ بك من سوء الاختيار فى جميع الأقدار. قال أحمد بن طارق الكركى: سمعت أبا الكرم الشهرزورى يقول: سمعت التميمى يقول: لما دخلت سمرقند برسالة المقتدى إلى «ملكشاه» رأيتهم يروون الناسخ والمنسوخ لهبة الله عن خمسة رجال إليه، فقلت لهم: الكتاب معى، والمصنّف جدى لأمى، ومنه سمعته، ولكن ما أسمع كل واحد منكم إلا بمائة دينار. فما كان الظهر حتى جاءنى كيس فيه خمسمائة دينار والجماعة فسمعوا علىّ، وسلموا إلىّ الذهب. قال: ولما عدنا من سمرقند ودخلنا أصبهان، وأمليت الحديث يوم جمعة، فقام الجماعة ومدحونى، وقالوا: ما سمعنا أحسن من هذا. ولأبى محمد التميمى شعر حسن. قال ابن السمعانى: أنشدنا هبة الله ابن طاوس بدمشق، أنشدنا التميمى لنفسه: وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكنه حاد إلى البين مسرع
следующие страницы →