وقد ذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ، قال: ولد سنة خمس - أو ست - وسبعمائة. واعتنى بالرجال والعلل، وبرع وجمع، وتصدى للافادة والاشتغال فى القراءة والحديث، والفقه والأصلين، والنحو. وله توسع فى العلوم وذهن سيال
وذكره فى معجمه المختص، وقال: عنى بفنون الحديث، ومعرفة رجاله، وذهنه مليح، وله عدة محفوظات وتآليف، وتعاليق مفيدة. كتب عنى، واستفدت منه.
قال: وقد سمعت منه حديثا يوم درسه بالصدرية.
ثم قال: أخبرنا المزى إجازة أخبرنا أبو عبد الله السروجى أخبرنا ابن عبد الهادى -[فذكر حديثا هذا لفظه: درس ابن عبد الهادى بالصدرية] (١) درس الحديث وبغيرها بالسفح. وكتب بخطه الحسن المتقن الكثير. وصنف تصانيف كثيرة بعضها كلمت، وبعضها لم يكمله؛ لهجوم المنية عليه فى سن الأربعين.
فمن تصانيفه «تنقيح التحقيق فى أحاديث التعليق» لابن الجوزى مجلدان «الأحكام الكبرى» المرتبة على أحكام الحافظ الضياء، كمل منها سبع مجلدات «الرد على أبى بكر الخطيب الحافظ فى مسئلة الجهر بالبسملة» مجلد «المحرر فى الأحكام» مجلد «فصل النزاع بين الخصوم فى الكلام على أحاديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» مجلد لطيف «الكلام على أحاديث مس الذكر» جزء كبير «الكلام على أحاديث: البحر هو الطهور ماؤه» جزء كبير «الكلام على أحاديث القلتين» جزء «الكلام على حديث معاذ فى الحكم بالرأى» جزء كبير، الكلام على حديث «أصحابى كالنجوم» جزء، الكلام على حديث أبى سفيان «ثلاث أعطيتهن يا رسول الله» والرد على
стр. 877
ابن حزم فى قوله: إنه موضوع. كتاب «العمدة» فى الحفاظ، كمل منه مجلدان «تعليقة فى الثقات» كمل منه مجلدان، الكلام على أحاديث «مختصر ابن الحاجب» مختصر ومطول، الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من «المستدرك» للحاكم، أحاديث الصلاة على النبى ﷺ ، جزء منتقى من «مختصر المختصر» لابن خزيمة، ومناقشته على أحاديث أخرجها فيه، فيها مقال، مجلد، الكلام على «أحاديث الزيارة» جزء، مصنف «فى الزيارة» مجلد، الكلام على أحاديث «محلل السباق» جزء، جزء فى «مسافة القصر» جزء فى قوله تعالى (١٠٨:٩ ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾ - الآية) جزء فى أحاديث «الجمع بين الصلاتين فى الحضر»، «الإعلام فى ذكر مشايخ الأئمة الأعلام» أصحاب الكتب الستة. عدة أجزاء، الكلام على حديث «الطواف بالبيت صلاة»، «جزء كبير فى مولد النبى ﷺ » تعليقة على «سنن البيهقى الكبرى» كمل منها مجلدان، جزء كبير فى «المعجزات والكرامات» جزء فى «تحريم الربا» جزء فى «تملك الأب من مال ولده ما شاء» جزء فى «العقيقة» جزء فى «الأكل من الثمار التى لا حائط عليها»، «الرد على الكياالهرّاسى» جزء كبير، «ترجمة الشيخ تقى الدين ابن تيمية (١)» مجلد «منتقى من تهذيب الكمال للمزى «كمل منه خمسة أجزاء «إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان» جزء، جزء فى «فضائل الحسن البصرى» رضى الله عنه «جزء فى حجب الأم بالإخوة، وأنها تحجب بدون ثلاثة» جزء «فى الصبر» جزء «فى فضائل الشام» «صلاة التراويح» جزء كبير، الكلام على أحاديث «لبس الخفين للحرم» جزء كبير، جزء فى «صفة الجنة» جزء فى «المراسيل» جزء فى مسألة «الجد والإخوة»، «منتخب من مسند الإمام أحمد» مجلدان «منتخب من سنن البيهقى» مجلد «منتخب من سنن أبى داود» مجلد لطيف
стр. 878
«تعليقه على التسهيل فى النحو، كمل منها مجلدان، جزء فى الكلام على حديث «أفرضكم زيد» أحاديث «حياة الأنبياء فى قبورهم» جزء، تعليقة، على «العلل» لابن أبى حاتم، كمل منها مجلدان. تعليقة على «الأحكام» لأبى البركات ابن تيمية لم تكمل «منتقى من علل الدار قطنى» مجلد، جزء فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر «شرح لألفية (١) ابن مالك» جزء. ما أخذ على تصانيف أبى عبد الله الذهبى الحافظ شيخه عدة أجزاء. حواشى على كتاب «الإلمام» جزء فى الرد على أبى حيان النحوى فيما رده على ابن مالك وأخطأ فيه، جزء فى «اجتماع الضميرين» جزء «فى تحقيق الهمز والإبدال فى القراءات» وله رد على ابن طاهر، وابن دحية، وغيرهما، وتعاليق كثيرة فى الفقه وأصوله، والحديث، ومنتخبات كثيرة فى أنواع العلم.
وحدث بشئ من مسموعاته. وسمع منه غير واحد، وقد سمعت من أبيه، فإنه عاش بعده نحو عشر سنين
توفى الحافظ أبو عبد الله فى عاشر جمادى الأول سنة أربع وأربعين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون، وشيعه خلق كثير، وتأسفوا عليه، ورئيت له منامات حسنة. رحمه الله تعالى.
٥٣٦ - محمود بن على
بن عبد الولى بن خولان البعلى، الفقيه الفرضى، بهاء الدين أبو الثناء.
ولد فى حدود السبعمائة.
وسمع الحديث من جماعة وقرأ على الحافظ الذهبى عدة أجزاء. وتفقه على الشيخ مجد الدين الحرانى، ولازم الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وبرع فى الفرائض والوصايا، والجبر والمقابلة.
وكان قيما بنقل المذهب، واستحضار أكثر المسائل، فقيها مفتيا، خيرا
стр. 879
دينا. وله معرفة بالنحو. وخطه حسن. وكتب كثيرا. وكان متواضعا متوددا، ملازما للاشغال، حريصا على إفادة الطلبة، بارّا بهم، محسنا إليهم. تفقه به جماعة، وانتفعوا به، وبرع منهم طائفة.
توفى فى رجب سنة أربع وأربعين وسبعمائة ببعلبك رحمه الله تعالى.
وحدثنى بعض أصحابه: أنه رآه فى النوم بعد وفاته فقال له: أين أنت؟ قال: لى ثلاثة أيام هبطت إلى الفردوس. قال: فقلت له: فأين كنت قبلها؟ قال: فى الضيافة.
٥٣٧ - أحمد بن محمد
بن أحمد بن عبد الغنى العلانى، الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه شهاب الدين أبو العباس.
ولد سنة اثنتين وسبعمائة.
وسمع من ابن الموازينى، والدشتى، والقاضى سليمان بن حمزة، وجماعة.
وطلب بنفسه، وسمع الكثير، وكتب الأجزاء. وتفقه. وقرأ أصول الفقه، وناظر. وهو الذى بيض «مسودة الأصول» لبنى تيمية، ورتبها، وبيض من «شرح الهداية» أيضا.
ذكره الذهبى فى المعجم المختص، وقال: من أعيان مذهبه، فيه دين وتقوى ومعرفة بالفقه. أخذ عنى ومعى، وقرأ علىّ «سير النبلاء».
توفى فى جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة بدمشق. ودفن بمقبرة الباب الصغير. ﵀.
٥٣٨ - محمد بن أحمد
بن محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، الدمشقى، الفقيه المفتى، المدرس المحتسب، عزّ الدين أبو عبد الله بن وجيه الدين
ولد فى أول سنة ثمان وثمانين وستمائة.
حضر على الفخر ابن البخارى، وزينب بنت مكى وغيرهما. وحدث
стр. 880
كان ذكيا مخالطا للشافعية، جماعا للكتب.
وولى حسبة دمشق. ونظر الجامع. ودرس فى أماكن. وكان صدرا رئيسا كثير الحشمة والمروءة، حسن الشكل، محبا لأهل العلم
وتوفى فى جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبعمائة. وهو والد فاطمة أم الحسن.
٥٣٩ - عبد القادر بن محمد
بن أحمد بن الحسين اليونينى، محيى الدين ابن الحافظ شرف الدين بن الفقيه أبى عبد الله اليونينى.
ولد سنة ثمانين وستمائة.
وتوفى سنة سبع وأربعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
٥٤٠ - سليمان بن عبد الرحمن
بن على بن عبد الرحمن بن يحيى بن أبى نوح الشيبانى، النهرمارى، ثم البغدادى، الفقيه الإمام القاضى، نجم الدين، أبو المحامد الرافقى.
قدم بغداد. وسمع بها. وأجاز له الكمال البزار، والرشيد بن أبى القاسم، وغيرهما.
وتفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، حتى برع وأفتى، وأعاد عنده بالمستنصرية، ثم درس بالمستنصرية للحنابلة بعد موت ابن البرزي المتقدم ذكره
وناب فى القضاء وحدث. وسمع منه جماعة.
وتوفى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وصلّى عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب
٥٤١ - محمد بن إبراهيم
بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد ابن محمد بن قدامة المقدسى، الخطيب الصالح، العالم القدوة، عزّ الدين أبو عبد الله بن الشيخ العز.
стр. 881
ولد فى رجب سنة ثلاث وستين وستمائة.
وسمع من ابن عبد الدائم، والكرمانى حضورا، وسمع الكثير من أبى عمر وطبقته، وتفقه قديما بعم أبيه الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر، ودرس بمدرسة جدهم الشيخ أبى عمر، وبالضيائية. وخطب بالجامع المظفرى دهرا.
وكان من الصالحين الأخيار المتفق عليهم، وعمّر. وحدث بالكثير، وخرّجوا له مشيخة فى أربعة أجزاء. سمع منه خلق، وأجاز لى مروياته.
ذكره الذهبى فى معجم شيوخه، فقال: كان فقيها عالما، صالحا خيرا، متواضعا، على طريقة سلفه.
توفى يوم الاثنين عشرين رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ودفن بتربة جده الشيخ أبى عمر. رحمه الله تعالى.
٥٤٢ - محمد بن أحمد
بن عبد الله بن أبى الفرج بن أبى الحسن بن سرايا ابن الوليد الحرانى. نزيل مصر، الفقيه القاضى، بدر الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن الحبال.
ولد بعد السبعين وستمائة تقريبا.
وسمع من العز الحرانى، وابن خطيب المزة، والشيخ نجم الدين بن حمدان، وغيرهم. وتفقه وبرع، وأفتى، وأعاد بعدة مدارس، وناب فى الحكم بظاهر القاهرة.
وصنف تصانيف عديدة، منها: «شرح الخرقى» وهو مختصر جدا، وكتاب «الفنون».
وحدث، وروى عنه جماعة، منهم: ابن رافع، وكان حسن المناظرة، لين الجانب، لطيف الذات، ذا ذهن ثاقب.
توفى فى تاسع عشر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
стр. 882
٥٤٣ - عمر بن سعد الله
بن عبد الأحد الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الفرضى، القاضى، زين الدين أبو حفص بن سعد الدين بن نجيح، أخو شرف الدين محمد السابق ذكره.
ولد سنة خمس وثمانين وستمائة.
وحضر على أبى الحسن بن البخارى. وسمع من يوسف الغسولى. وغيره، وسمع بالقاهرة وغيرها.
ودخل بغداد، وأقام بها ثلاثة أيام. وتفقه وبرع فى الفقه والفرائض، ولازم الشيخ تقى الدين وغيره. وكتب بخطه الكثير من كتب المذهب.
وولى نيابة الحكم عن ابن المنجى. وكان خيرا دينا، حسن الأخلاق، متواضعا، بشوش الوجه، فقيها فرضيا فاضلا منبتا، سديدا فى الأقضية والأحكام.
وحدثنى الإمام العلامة عزّ الدين حمزة بن شيخ السلامية عنه: أنه قال له: لم أقض قضية إلا وقد أعددت لها الجواب بين يدى الله تعالى. وقد خرجوا له جزءا عن شيوخه. وحدث به وبغيره.
ذكره الذهبى فى المختصر، وقال: عالم ذكى، خير وقور، متواضع، بصير بالفقه والعربية. سمع الكثير، وولى مشيخة الضيائية، فألقى دروسا محررة.
وتخرج بابن تيمية وغيره. وناب فى الحكم.
توفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة مطعونا شهيدا. رحمه الله تعالى.
٥٤٤ - الحسين بن بدران
بن داود البابصرى، البغدادى، الخطيب الفقيه، المحدث النحوى، الأديب، صفى الدين أبو عبد الله.
ولد فى آخر نهار عرفة سنة اثنى عشرة وسبعمائة.
وسمع الحديث - متأخرا - من جماعة من شيوخنا وغيرهم. وعنى بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، وتفقه، وبرع فى العربية والأدب، ونظم الشعر الحسن.
стр. 883
وصنف فى علوم الحديث وغيرها، واختصر «الإكمال» لابن ماكولا، وعلمه فى حياته، وقرأ عليه بعضه، وسمعت بقراءته «صحيح البخارى» على الشيخ جمال الدين مسافر بن إبراهيم الخالدى، بسماعه من الرشيد بن أبى القاسم
وولى إفادة المحدثين بدار الحديث المستنصرية، فكان يقرئ بها علوم الحديث وغيرها، وحضرت مجالسه كثيرا. وكان له مشاركة حسنة فى علوم الحديث والتواريخ، مع براعة فى الأدب والعربية، والصيانة والديانة.
توفى يوم الجمعة سابع عشر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة مطعونا شهيدا. ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
٥٤٥ - عمر بن علي
بن موسى بن الخليل البغدادى، الأزجى، البزار، الفقيه المحدث، سراج الدين أبو حفص.
ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة تقريبا.
وسمع من إسماعيل بن الطبال: وعلى بن أبى القاسم أخو الرشيد وابن الدواليبى، وجماعة. وعنى بالحديث، وقرأ الكثير، ورحل إلى دمشق. وقرأ بها صحيح البخارى على الحجار بالحنبلية وحضر قراءته الشيخ تقى الدين ابن تيمية وخلق كثير، وجالس الشيخ تقى الدين وأخذ عنه، وتلا ببغداد ختمة لأبى عمر، وعلى شيخنا عبد الله بن عبد المؤمن الواسطى، وقرأ عليه بعض تصانيفه فى القراءات. وحج مرارا، وأعاد بالمستنصرية.
وولى إمامة جامع الخليفة ببغداد مدة يسيرة، ثم أقام بدمشق مدة، أو أمّ بها بالضيائية. وكان حسن القراءة للقرآن والحديث، ذا عبادة وتهجد، وصنف كثيرا فى الحديث وعلومه، وفى الفقه والرقائق.
وقدم فى آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرا، ثم توجه إلى الحج سنة تسع وأربعين، وحججتنا تلك السنة أيضا مع والدى، فقرأت على شيخنا أبى حفص عمر ثلاثيات البخارى بالحلة اليزيدية.
стр. 884
ثم توفى ﵀ قبل وصوله إلى مكة، بمنزلة حاجر، صبيحة يوم الثلاثاء حادى عشرين ذى القعدة سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ويقال: إنه كان نوى الإحرام، وذلك قبل الوصول إلى الميقات.
ودفن بتلك المنزلة، ومعه نحو من خمسين نفسا بالطاعون. رحمهم الله تعالى.
وفى هذه المدة. توفى بدمشق المحدث الكبير المورخ الحافظ: -
٥٤٦ - أبو الخير سعيد بن عبد الله
الذهبى، الحريرى، مولى الصدر صلاح الدين عبد الرحمن بن عمر الحريرى.
وكان مولده - تقديرا - سنة اثنى عشرة وسبعمائة.
سمع ببغداد من الدقوقى، وخلق، وبدمشق من زينب بنت الكلمال، وأمم وبالقاهرة والإسكندرية وبلدان شتى.
وعنى بالحديث، وأكثر من السماع والشيوخ، وخرج وجمع تراجم كثيرة لأعيان أهل بغداد، وخرج الكثير، وكتب بخطه الرديء كثيرا.
وقال الذهبى: له رحلة. وعمل جيد، وهمة فى التاريخ، وتكثير المشايخ، والأجزاء وهو ذكى، صحيح الذهن، عارف بالرجال حافظ.
٥٤٧ - أحمد بن على
بن محمد البابصرى، البغدادى، الفقيه الفرضى، الأديب، جمال الدين أبو العباس.
ولد سنة سبع وسبعمائة تقريبا.
وسمع الحديث متأخرا على شيوخنا، كالشيخ صفى الدين بن عبد الحق، وعلى بن عبد الصمد، وغيرهما.
وتفقه على الشيخ صفى الدين، ولازمه وعلى غيره، وبرع فى الفقه والفرائض والحساب. وقرأ الأصول، والعربية، والعروض، والأدب، ونظم الشعر الحسن، وكتب بخطه الحسن كثيرا، وأعاد بالمستنصرية. واشتهر بالاشغال والفتيا،
стр. 885
ومعرفة المذهب، وأثنى عليه فضلاء الطوائف. ودرس بالمدرسة المعتصمية للحنابلة.
وكان صالحا دينا متواضعا، حسن الأخلاق، مطرحا للتكلف، حضرت دروسه وإشغاله غير مرة. وسمعت بقراءته الحديث.
وتوفى فى طاعون سنة خمسين وسبعمائة ببغداد بعد رجوعه من الحج، وصلّى عليه وعلى جماعة من أعيان بغداد بدمشق صلاة الغائب رحمه الله تعالى.
وممن اشتغل عليه - أعنى البابصرى - وانتفع به: القاضى: -
٥٤٨ - جمال الدين الأنبارى،
الشهيد، الإمام فى الترسل والنظم. له نظم فى مسائل فى الفرائض بحثنه عليها (١). ولازمه مدة، والشرف بن سلوم قاضى حربى، وعلى الأوانى الفرضى قاضى أوانا، والشيخ سعد الحصينى، وخلق، وبينه وبين قاضى القضاة شرف الدين مراسلات بأشعار حسنة، وكذلك المرداوى راسله أيضا فى مدة حكمه. رحمه الله تعالى.
وانتفع به أيضا الشيخ: -
٥٤٩ - شمس الدين محمد
بن الشيخ أحمد السقاء مربى الطائفة.
ودرس بالمجاهدية، واشتغل على صفى الدين، وحفّظه «مختصر الهداية» له، وكتب شرحه - وعنى به القاضى جمال الدين الأنبارى - وعلا ببغداد قدره، واشتغل عليه جماعة، منهم: القاضى شمس الدين ببغداد الآن، محمد البرفطي، بعد الأنبارى، ودرس بالبشيرية بعد ابن الحصرى، والقاضى سعد، والحصينى، ونصر الله المحدث، وغيرهما.
وأما القاضى: جمال الدين عمر بن إدريس الأنبارى: فإنه نصر المذهب وأقام السنة، وقمع البدعة ببغداد، وأزال المنكرات، وارتفع حتى لم يكن فى المذهب أجمل منه فى زمانه، ثم وزر لكبير بعض الرافضة فظفروا به، وعاقبوه
стр. 886
مدة، فصبر. ثم إن أعداءه أهلكهم الله تعالى عاجلا بعد استشهاده، وفرح أهل بغداد بهلاكهم، وذلك عقيب موته فى سنة خمس وستين وسبعمائة.
ثم دفن بمقبرة الامام أحمد عند المدرسة التى عمرها بها. وعمل له الختمات، ورثى، وتردد أهل بغداد إلى المقبرة مدة، وانتقم من أعدائه سريعا. رحمه الله تعالى.
وقد جمعت بينه وبين قاضى قضاة مصر الموفق، وابن جماعة، بمنى يوم القرّ عام ثلاث وستين. وستمائة.
وفى شعبان من هذه السنة: توفى قاضى القضاة:
٥٥٠ - علاء الدين أبو الحسن
على بن الشيخ زين الدين المنجى عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، بدمشق، ودفن بسفح قاسيون
وكان مولده فى شعبان ستة ثلاث وسبعين وستمائة.
وسمع الكثير من ابن البخارى، وأحمد بن شيبان، وخلق. وولى القضاء من سنة اثنتين وثلاثين بعد وفاة ابن الحافظ.
وحدث بالكثير، قرأت عليه جزءا فيه الأحاديث التى رواها مسلم فى صحيحه عن الإمام أحمد بسماعه الصحيح من أبى عبد الله محمد بن عبد السلام بن أبى عصرون، بإجازته من المؤيد.
٥٥١ - محمد بن أبى بكر
بن أيوب بن سعد بن جريز الزرعى، ثم الدمشقى الفقيه الأصولى، المفسر النحوى، العارف، شمس الدين أبو عبد الله بن قيم الجوزية، شيخينا.
ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من الشهاب النابلسى العابر، والقاضى تقى الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعم، وأبى بكر بن عبد الدائم، وجماعة.
стр. 887
وتفقه فى المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقى الدين وأخذ عنه.
وتفنن فى علوم الإسلام. وكان عارفا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق فى ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالما بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم. له فى كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.
قال الذهبى فى المختصر: عنى بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل فى الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفى الأصلين. وقد حبس مدة، لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخيل، وتصدى للاشغال، وإقراء العلم ونشره.
قلت: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشقف بالمحبة، والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله فى ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعانى القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر فى معناه مثله. وقد امتحن وأوذى مرات، وحبس مع الشيخ تقى الدين فى المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ
وكان فى مدة حبسه مشتغلا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام فى علوم أهل المعارف، والدخول فى غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرا يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه «قصيدته النونية الطويلة» فى السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
стр. 888
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتلمذون له، كابن عبد الهادى وغيره.
وقال القاضى برهان الدين الزرعى عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علما منه
ودرس بالصدرية. وأمّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة.
وصنف تصانيف كثيرة جدا فى أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.
فمن تصانيفه: كتاب «تهذيب سنن أبى داود» وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة مجلد (١)، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل ﴿(إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ)﴾» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصارى، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الأحباء، بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء فى هدى خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد فى هدى خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدا (٢)، كتاب «جلاء الأفهام فى ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام» وبيان أحاديثها وعللها مجلد، كتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب
стр. 889
«إعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان «الشافية الكافية فى الانتصار للفرقة الناجية» وهى «القصيدة النونية فى السنة» مجلد، كتاب «الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة» فى مجلدات، كتاب «حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح» وهو كتاب «صفة الجنة» مجلد، كتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد، كتاب «الداء والدواء» مجلد، كتاب «تحفة الودود فى أحكام المولود» مجلد لطيف، كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم، كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد، كتاب «مصائد الشيطان» مجلد. كتاب «الطرق الحكمية» مجلد «رفع اليدين فى الصلاة» مجلد. كتاب «نكاح المحرم» مجلد «تفضيل مكة على المدينة» مجلد «فضل العلماء» مجلد «عدة الصابرين» مجلد كتاب «الكبائر» مجلد «حكم تارك الصلاة» مجلد، كتاب «نور المؤمن وحياته» مجلد، كتاب «حكم إغمام هلال رمضان»، «التحرير فيما يحل، ويحرم من لباس الحرير»، «جوابات عابدى الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان»، «بطلان الكيمياء من أربعين وجها» مجلد «الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه» مجلد «الكلم الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف «الفتح القدسى»، «التحفة المكية» كتاب «أمثال القرآن» «شرح الأسماء الحسنى» «أيمان القرآن»، «المسائل الطرابلسية» ثلاث مجلدات «الصراط المستقيم فى أحكام أهل الجحيم» مجلدان، كتاب «الطاعون» مجلد لطيف.
توفى ﵀ وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشرين رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وصلّى عليه من الغد بالجامع عقيب الظهر، ثم بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة رضى الله عنه.
وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقى الدين ﵀ فى النوم، وسأله
стр. 890
عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن فى طبقة ابن خزيمة ﵀.
وقرئ على شيخنا الإمام العلامة أبى عبد الله محمد بن أبى بكر بن أيوب - وأنا أسمع - هذه القصيدة من نظمه فى أول كتابه «صفة الجنة»:
وما ذاك إلا غيرة أن ينالها … سوى كفؤها، والرب بالخلق أعلم
وإن حجبت عنا بكل كريهة … وحفت بما يؤذى النفوس ويؤلم
فلله ما فى حشوها من مسرة … وأصناف لذات بها يتنعم
ولله ذاك العيش بين خيامها … وروضاتها والثغر فى الروض يبسم
ولله واديها الذى هو موعد الم … زيد لوفد الحب لو كنت منهم
بذيالك الوادى يهيم صبابة … محب يرى أن الصبابة مغنم
ولله أفراح المحبين عند ما … يخاطبهم من فوقهم ويسلم
ولله أبصار ترى الله جهرة … فلا الضيم يغشاها، ولا هى تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة … أمن بعدها يسلو المحب المتيم
ولله كم من خيرة إن تبسمت … أضاء لها نور من الفجر أعظم
فيا لذة الأبصار إذ هى أقبلت … ويا لذة الأسماع حين تكلم
ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت … ويا خجلة البحرين حين تبسم
فإن كنت ذا قلب عليل بحبها … فلم يبق إلا وصلها لك مرهم
وذكر أبياتا، ثم قال:
فيا خاطب الحسناء، إن كنت باغيا … فهذا زمان المهر فهو المقدم
وكن مبغضا للخائنات لحبها … فتحظى بها من بينهن وتنعم
وكن أيّما ممن سواها، فإنها … لمثلك فى جنات عدن تأيّم
وصم يومك الأدنى لعلك فى غد … تفوز بعيد الفطر والناس صوم
وأقدم، ولا تقنع بعيش منغص … فما فاز باللذات من ليس يقدم
стр. 891
وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها … ولم يك فيها منزل لك يعلم
فحى على جنات عدن، فإنها … منازلك الأولى، وفيها المخيم
ولكننا سبى العدو، فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم؟
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى … وشطت به أوطانه فهو مغدم (١)
وأى اغتراب فوق غربتنا التى … لها أضحت الأعداء فينا تحكم؟
وحى على السوق الذى فيه يلتقى الم … حبوب، ذاك السوق للقوم معلم
فما شئت خذ منه بلا ثمن له … فقد أسلف التجار فيه وأسلموا
وحى على يوم المزيد الذى به … زيارة رب العرش، فاليوم موسم
وحى على واد هنالك أفيح … وتربته من أذفر المسك أعظم
منابر من نور هناك وفضة … ومن خالص العقيان لا تتفصم
وكثبان مسك قد جعلن مقاعدا … لمن دون أصحاب المنابر يعلم
فبيناهم فى عيشهم وسرورهم … وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم
إذا هم بنور ساطع أشرقت له … بأقطارها الجنات لا يتوهم
تجلى لهم رب السموات جهرة … فيضحك فوق العرش ثم يكلم
سلام عليكم، يسمعون جميعهم … بآذانهم تسليمه إذ يسلّم
يقول: سلونى ما اشتهيتم، فكل ما … تريدون عندى، إننى أنا أرحم
فقالوا جميعا: نحن نسألك الرضا … فأنت الذى تولى الجميل وترحم
فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم … عليه، تعالى الله، فالله أكرم
فيا بائعا هذا ببخس معجل … كأنك لا تدرى، بلى، فسوف تعلم
فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة … وإن كنت تدرى، فالمصيبة أعظم (٢)
стр. 892
٥٥٢ - أحمد بن الحسن
بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر قاضى القضاة، أبو العباس، أحد الأعلام.
كان من أهل البراعة والفهم، والرياسة فى العلم، متقنا عالما بالحديث وعلله، والنحو والفقه، والأصلين، والمنطق، وغير ذلك.
وكان له باع طويل فى التفسير، لا يمكن وصفه، كان له فى الأصول والفروع القدم العالى، وفى شرف الدين والدنيا المحل السامى، وله معرفة بالعلوم الأدبية والفنون القديمة الأولية، وكيف لا؟ وهو تلميذ ابن تيمية، وقد قرأ عليه، واشتغل كثيرا، وقرأ عليه مصنفات فى علوم شتى، منها: «المحصل» للفخر الرازى، ولقد قال لى مرة: كنت فى حال الشبوبية ما أتغدى إلا بعد عشاء الآخرة، للاشتغال بالعلم، وقال لى مرة: كم تقول: إنّي أحفظ بيت شعر؟ فقلت: عشرة آلاف.
فقال: بل ضعفها، وشرع يعدد قصائد للعرب، وكان إذا سرد الحديث يتعجب الإنسان، وكان آية فى حفظ سرد مذاهب العلماء.
ومن نظمه:
ولقد جهدت بأن أصاحب أشقرا … فخذلت فى جهدى لهذا المطلب
تنبو الطباع عن اللئيم كما نبت … عن كل سم فى الأنام مجرب
فاحذر شناطا فى الرجال وأشقرا … مع كويسح، أو أعرج، أو أحدب
أو غائر الصدغين، خارج جبهة … أو أرزقا بدراج، غير محبب
هذا مقالى خبرة بحقيقة … حقت، وإن خالفت ذاك فجرب
стр. 893
نظم قول الشافعى فى هؤلاء الجماعة.
وله مصنفات، منها «الفائق» فى الفقه، مجلد كبير، وكتاب فى «أصول الفقه» مجلد كبير، لم يتمه، وصل فيه إلى أوائل القياس، و «الرد على الكياالهراسى» كتب فيه مجلدين، وشرح من «المنتقى» للشيخ مجد الدين، قطعة فى أوله، سماه «قطر الغمام فى شرح أحاديث الأحكام» و «تنقيح الأبحاث فى رفع التيمم للأحداث» مجلد صغير، و «مسألة المناقلة» مجلد صغير، وله مجاميع كثيرة، فيها فنون شتى.
والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.
وصلّى الله على خير خلقه محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، إلى يوم الدين.
وكان الفراغ من كتابة هذه الطبقات المنيفة، ظهر يوم الأربعاء، الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ١٣٤٣ هجرية.
بقلم الفقير راجى غفران الذنوب والمساوى، محمد عبده بن محمد الخضراوى.
ويليه ملحق فيه تراجم الحنابلة الذين ذكرهم السيوطى فى بغية الوعاة