وبقى مدة فى القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه فى هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة
وقال: قد فتح الله على فى هذا الحصن فى هذه المرة من معانى القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتى فى غير معانى القرآن، ثم إنه منع من الكتابة، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر.
قال شيخنا أبو عبد الله ابن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إن فى الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قال: وقال لى مرة: ما يصنع أعدائى بى؟ أنا جنتى وبستانى فى صدرى، أين رحت فهى معى، لا تفارقنى، أنا حبسى خلوة. وقتلى شهادة، وإخراجى من بلدى سياحة.
وكان فى حبسه فى القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندى شكر هذه النعمة - أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لى فيه من الخير - ونحو هذا.
وكان يقول فى سجوده، وهو محبوس: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله.
وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه
ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال (١٣:٥٧ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ)﴾.
قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا
стр. 842
اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها فى دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قولهم لطلبها، والمسابقة إليها اهـ.
وأما تصانيفه ﵀: فهى أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر.
سارت مسير الشمس فى الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها.
ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات الكبار: كتاب «الايمان» مجلد، كتاب «الاستقامة» مجلدان «جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية» أربع مجلدات، كتاب «تلبيس الجهمية فى تأسيس بدعهم الكلامية» فى ست مجلدات كبار، كتاب «المحنة المصرية» مجلدان «المسائل الاسكندرانية» مجلد «الفتاوى المصرية» سبع مجلدات.
وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب «الإيمان» كتبه وهو بمصر فى مدة سبع سنين صنفها فى السجن. وكتب معها أكثر من مائة لفّة ورق أيضا، كتاب «درء تعارض العقل والنقل» أربع مجلدات كبار. والجواب عما أورده للشيخ كمال الدين بن الشريشى على هذا الكتاب، نحو مجلد كتاب «منهاج السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والقدرية» أربع مجلدات «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» مجلدان «شرح أول المحصل للرازى» مجلد «شرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازى» مجلدان «الرد على المنطق» مجلد كبير «الرد على البكرى فى مسألة الاستغاثة» مجلد «الرد على أهل كسروان الروافض» مجلدان «الصفدية»، «جواب من قال: إن
стр. 843
معجزات الأنبياء قوى نفسانية» مجلد «الهلاونية» مجلد «شرح عقيدة الأصبهانى» مجلد «شرح العمدة» للشيخ موفق الدين. كتب منه نحو أربع مجلدات «تعليقة على المحرر» فى الفقه لجده عدة مجلدات «الصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، «بيان الدليل على بطلان التحليل» مجلد «اقتضاء الصراط المستقيم فى مخالفة أصحاب الجحيم» مجلد «التحرير فى مسألة حفير» مجلد فى مسألة من القسمة، كتبها اعتراضا على الحوى فى حادثة حكم فيها «الرد الكبير على من اعترض عليه فى مسألة الحلف بالطلاق» ثلاث مجلدات، كتاب «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان» مجلد كبير «الرد على الاخنائى فى مسألة الزيارة» مجلد. وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى: فلا يمكن الإحاطة بها، لكثرتها وانتشارها وتفرقها. ومن أشهرها «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» مجلد لطيف «الفرقان بين الحق والبطلان» مجلد لطيف «الفرقان بين الطلاق والأيمان» مجلد لطيف «السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية» مجلد لطيف «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» مجلد لطيف.
ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه
اختار ارتفاع الحديث بالمياه المتعصرة، كماء الورد ونحوه، واختار جواز المسح على النعلين، والقدمين، وكل ما يحتاج فى نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخر، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين.
واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك فى ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت فى حق غير المعذور، كمن أخر
стр. 844
الصلاة عمدا حتى تضايق وقتها. وكذا من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. فأما من استيقظ أو ذكر فى آخر وقت الصلاة: فإنه يتطهر بالماء ويصلى، لأن الوقت متسع فى حقه.
واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال فى البيت، أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره: أنها تتيمم وتصلى.
واختار أن لا حدّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطهر بين الحيضتين، ولا لسنّ الإياس من الحيض. وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أن تارك الصلاة عمدا: لا يجب عليه القضاء (١). ولا يشرع له. بل يكثر من النوافل، وأن القصر يجوز فى قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة.
ذكر وفاته
مكث الشيخ فى القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته
وكانت وفاته فى سحر ليلة الاثنين عشرى ذى القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبراج، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به فى منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا، ولا فتحوا
стр. 845
كثيرا من الدكاكين التى من شأنها أن تفتح أول النهار. وفتح باب القلعة.
وكان نائب السلطنة غائبا عن البلد، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة، فعزاه به وجلس عنده، واجتمع عند الشيخ فى القلعة خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن: أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا فى الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى (٥٤:٥٤، ٥٥ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)﴾
فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحى، والزرعى الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن.
وخرج الرجال، ودخل النساء من أقارب الشيخ، فشاهدوه ثم خرجوا، واقتصروا على من يغسله، ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم، كالمزى وغيره، ولم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام. وضج الناس حينئذ بالبكاء والثناء، وبالدعاء والترحم.
وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق فى الساعة الرابعة أو نحوها. وكان قد امتلأ الجامع وصحته، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات إلى الميادين والفوارة. وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة، ووضع الشيخ فى موضع الجنائز، مما يلى المقصورة، والجند يحفظون الجنازة. من الزحام، وجلس الناس على غير صفوف، بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلا بكلفة. وكثر الناس كثرة لا توصف.
فلما أذن المؤذن الظهر أقيمت الصلاة على السدة، بخلاف العادة، وصلوا الظهر، ثم صلوا على الشيخ. وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدين ابن الخراط لغيبة القزوينى بالديار المصرية، ثم ساروا به، والناس فى بكاء ودعاء وثناء، وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين
стр. 846
أيضا. وكان يوما مشهودا، لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا القليل من الضعفاء والمخدرات، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة أهل السنة. فبكا الناس بكاء كثيرا عند ذلك.
وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرءوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى. وخرج الناس من أبواب الجامع كلها وهى مزدحمة. ثم من أبواب المدينة كلها، لكن كان المعظم من باب الفرج، ومنه خرجت الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل.
وتقدم فى الصلاة عليه هناك: أخوه زين الدين عبد الرحمن.
ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله بمقابر الصوفية، وحزر الرجال: بستين ألفا وأكثر، إلى مائتى ألف، والنساء بخمسة عشر ألفا، وظهر بذلك قول الإمام أحمد» بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز»
وختم له ختمات كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أياما كثيرة، ليلا ونهارا، ورئيت له منامات كثيرة صالحة. ورثاه خلق كثير من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده. رضى الله عنه ورحمه، وغفر له.
وصلّى عليه صلاة الغائب فى غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى فى اليمن والصين. وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة «الصلاة على ترجمان القرآن».
وقد أفرد الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادى له ترجمة فى مجلدة، وكذلك أبو حفص عمر بن على البزار البغدادى فى كراريس. وإنما ذكرناها هنا على وجه الاقتصار ما يليق بتراجم هذا الكتاب.
стр. 847
وقد حدث الشيخ كثيرا. وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، ومن تصانيفه، وخرج له ابن الوانى أربعين حديثا حدث بها.
٤٩٦ - أحمد بن يحيى
بن محمد بن بدر الجزرى، ثم الصالحى، المقرئ، الفقيه، شهاب الدين أبو العباس.
ولد فى حدود السبعين وستمائة.
وقرأ بالروايات على الشيخ جمال الدين البدوى.
وسمع من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، والكندى، ولزم المجد التونسى مدة. وأخذ عنه علم القراءات حتى مهر فيها، وأقبل على الفقه، وصحب القاضى ابن مسلم مدة، وانتفع به.
وكان من خيار الناس دينا وعقلا، وتعففا ومروءة وتعففا وحياء. أقرأ القرآن وحدث.
وتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
٤٩٧ - إسماعيل بن محمد
بن إسماعيل بن الفراء الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الإمام الزاهد، مجد الدين أبو الفداء، شيخ المذهب.
ولد سنة خمس - أو ست - وأربعين وستمائة بحران.
وقدم دمشق مع أهله سنة إحدى وسبعين، وسمع بها الكثير من ابن أبى عمر، وابن الصيرفى، والكمال عبد الرحيم، وابن البخارى، والقاسم الأربلى، وأبى حامد بن الصابونى، وأبى بكر العامرى، وغيرهم.
وطلب بنفسه، وسمع المسند، والكتب الكبار. وتفقه بالشيخ شمس الدين ابن أبى عمر وغيره، ولازمه حتى برع فى الفقه، وله معرفة بالحديث والأصول، وغير ذلك. وكتب بخطه الكثير، وتصدى للاشتغال والفتوى مدة طويلة.
وانتفع به خلق كثير، مع الديانة والتقوى، وضبط اللسان، والورع فى المنطق وغيره، واطراح التكلف فى الملبس وغيره.
стр. 848
قال الطوفى: وكان من أصلح خلق الله وأدينهم، كأن على رأسه الطير.
وكان عالما بالفقه والحديث، وأصول الفقه، والفرائض، والجبر والمقابلة.
وقال الذهبى: كان شيخ الحنابلة. وكان حافظا لأحاديث الأحكام.
طلب مدة.
وقال غيره: وكان كثير النقل، له خبرة تامة بالمذهب، يقرئ «المقنع» و «الكافى» ويعرفهما، وكتب بخطه «المغنى» و «الكافى، وغيرهما.
ويقال: إنه أقرأ «المقنع» مائة مرة.
وكان شيخا صالحا، ملازما للتعليم والاشتغال، وجواب الطلبة، بنقل صحيح محقق.
وكان يفتى، ويتحرى كثيرا. وكان عديم التّكلف، ويحمل حاجته بنفسه، وليس له كلام فى غير العلم، ولا يخلط أحدا، وأوقاته محفوظة.
وقال: ما وقع فى قلبى الترفع على أحد من الناس؛ فإنى خبير بنفسى، ولست أعرف أحوال الناس.
وكان يلازم وظائفه، ويحافظ عليها، لا ينقطع يوم بطلة ولا غيرها، بحيث ذكر عنه: أنه كان يتصدى يوم العيد، فإن حضر أحد أقرأه.
وأكثر الفقهاء الذين تنبهوا قرءوا عليه، ثم إن جماعة منهم درسوا فى المدارس، وهو معيد عندهم، يلازم الحضور ويكرمهم. ويخاطبهم بالمشيخة.
﵀.
قلت: وكان سريع الدمعة.
وسمعت بعض شيوخنا يذكر عنه: أنه كان لا يذكر النبى ﷺ فى درسه إلا ودموعه جارية، ولا سيما إن ذكر شيئا من الرقائق، أو أحاديث الوعيد. ونحو ذلك.
وقد قرأ عليه عامة أكابر شيوخنا ومن قبلهم، حتى الشيخ تقى الدين بن
стр. 849
الزريراتى شيخ العراق. وحدث، فسمع منه جماعة، منهم: الذهبى، وغيره.
وتوفى ليلة الأحد تاسع جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة بالمدرسة الجوزية. ودفن بمقابر الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
وقد رأيت جزءا فيه مسألتان - قيل: إنهما من كلامه - إحداهما: فى طلاق الغضبان، وأنه لا يقع. والثانية: فى مسألة الظفر، ونصر جواز الأخذ مطلقا، والظاهر من حاله وورعه وشدة تمسكه بمذهبه: يشهد بعدم صحة (١) ذلك عنه.
والله أعلم.
٤٩٨ - محمد بن عبد العزيز
بن محمد الخطائرى، البغدادى، الأزجى، الفقيه الفرضى، الكاتب شمس الدين أبو عبد الله.
تفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، وبرع فى الفقه والفرائض. وكان فاضلا ذكيا
قدم دمشق، وتنقل فى الخدم، وصار ناظرا على المساجد.
توفى بقباقب: إما سنة تسع عشرة، وإما سنة عشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى
٤٩٩ - عبد الله بن محمد
بن أبى بكر بن إسماعيل بن أبى البركات بن مكى ابن أحمد الزريراتى، ثم البغدادى، الإمام فقيه العراق، ومفتى الآفاق، تقى الدين أبو بكر.
ولد فى جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة.
وحفظ القرآن وله سبع سنين. وسمع الحديث من إسماعيل بن الطبال، ومحمد ابن ناصر بن حلاوة، وأبى عنان الطيبى، وست الملوك فاطمة بنت أبى البدر، وغيرهم.
وتفقه ببغداد على جماعة، منهم: الشيخ مفيد الدين الحربى، وغيره.
ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ المذهب على الشيخ زين الدين بن المنجى، والشيخ مجد الدين الحرانى، ثم عاد إلى بلده، وبرع فى الفقه وأصوله، ومعرفة المذهب والخلاف، والفرائض ومتعلقاتها.
стр. 850
وكان عارفا بأصول الدين، ومعرفة المذهب والخلاف، وبالحديث، وبأسماء الرجال والتواريخ، وباللغة العربية وغير ذلك، وانتهت إليه معرفة الفقه بالعراق.
ومن محفوظاته فى المذهب: كتاب «الخرقى» و «الهداية» لأبى الخطاب.
وذكر أنه طالع «المغنى» للشيخ موفق الدين ثلاثا وعشرين مرة. وكان يستحضر كثيرا منه، أو أكثره، وعلق عليه حواشى، وفوائد. وشرع فى شرح «المحرر» فكتب من أوله قطعة، وولى القضاء، ودرس بالبشيرية ثم بالمستنصرية، واستمر فيها إلى حين وفاته.
وكان يورد دروسا مطولة فصيحة منقحة. وله اليد الطولى فى المناظرة والبحث، وكثرة النقل، ومعرفة مذاهب الناس. وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد من غير مدافع. وأقر له الموافق والمخالف. وكان الفقهاء من سائر الطوائف يجتمعون به، يستفيدون منه فى مذاهبهم، ويتأدبون معه، ويرجعون إلى قوله ونقله لمذاهبهم، ويردهم عن فتاويهم، فيذعنون له، ويرجعون إلى ما يقوله، ويعترفون له بإفادتهم فى مذاهبهم، حتى ابن المطهر شيخ الشيعة: كان الشيخ تقى الدين يبين له خطأه فى نقله لمذهب الشيعة فيذعن له. وقال له مرة بعض أئمة الشافعية - وقد بحث معه - أنت اليوم شيخ الطوائف ببغداد.
وقال العلامة الشيخ شمس الدين البرزبى والد الشيخ شمس الدين مدرس المستنصرية: ما درس أحد بالمستنصرية منذ فتحت إلى الآن أفقه منه.
ويوم وفاته قال الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن عسكر شيخ المالكية:
لم يبق ببغداد من يراجع فى علوم الدين مثله.
قرأ عليه جماعة من الفقهاء، وتخرج به أئمة، وأجاز لجماعة، وما أظنه حدث.
وكان فى مبدأ أمره متزهدا قبل دخوله فى القضاء. وكان ذا جلالة ومهابة، وحسن شكل ولباس وهيئة، وذكاء مفرط، ولطف وكيس ومروءة، وتلطف بالطلبة، وعفة وصيانة فى حكمه. وركبه دين فى آخر عمره.
стр. 851
توفى ليلة الجمعة ثانى عشرين جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
وصلّى عليه من الغد بالمستنصرية. وحضره خلق كثير. وكان يوما مشهودا، وكثر البكاء والتأسف والترحم عليه. ودفن بمقبرة الإمام أحمد، قريبا من القاضى أبى يعلى رحمهم الله تعالى.
ولجماعة من أهل بغداد فيه مدائح ومراث كثيرة، منهم الشيخ تقى الدين الدقوقى محدث بغداد. فمن قوله فيه من مرثيه له:
خدين التقى، مذ كان طفلا ويافعا … تسامت به تقواه عن كل مأثم
لقد كان شيخا فى الحديث بقية … من السلف الماضين أهل التقدم
فلما مضى مات الحديث بموته … فأكرم به، أكرم به، ثم أكرم
لقد مات محمودا سعيدا، ولم نجد … له خلفا، فاتبع مقالى وسلم
هنيئا له من حاكم متثبت … غزير الندى، سهل لعافيه مكرم
فتى صيغ من فقه، بل الفقه صوغه … حفىّ بإيضاح الدلائل قيم
عليم بمنسوخ الحديث وفقهه … وناسخه، بحر من العلم مفعم
لقد عظمت فى المسلمين رزية … غداة نعى الناعون أورع مسلم
فمن ذا الذى يؤتى فيسأل بعده؟ … ومن ذا ترى يجلو دحى كل مبهم؟
فقدناه شيخا عالما، ذا نزاهة … حييا سخيا، ذا أياد وأنعم
وها سدّة التدريس من بعده وها … مشيد علاها الشامخ المتسنم
وجاور بعد الموت قبر ابن حنبل … إمام، إليه الزهد ينمى وينتمى
وما خاب من أمسى مجاور قبره … فحط رحال الشوق ثمّ، وخيّم
وهى طويلة
ومن فتاوى الشيخ تقى الدين الزريراتى المعروفة: أن من أغرى ظالما بأخذ مال إنسان، ودلّه عليه: فإنه يلزمه الضمان بذلك.
ومن المعيدين عنده بالمستنصرية:
стр. 852
٥٠٠ - جمال الدين القيلوى
خطيب جامع المنصور كان ينافسه فى التدريس.
وكان طويل الروح على المشتغلين. اشتغل عليه جمال الدين الدارقزى خطيبها، وإمام الضيائية بدمشق المقرئ للسبيع.
توفى بدمشق فى جمادى الأولى سنة إحدى وستين وسبعمائة، ﵀ من الكيلانيين وغيرهم - والشيخ
٥٠١ - حمزة الضرير
إمام التعبير. كان يحفظ القرآن. يقرأ السورة من آخرها إلى أولها دكيا.
ولازمه محمد بن عبد الله المقرئ، ومحمد بن داود وإبراهيم الكاتب، والشيخ على بن سوكه القطان الزاهد الحيرى، وحموه الصالح محمد الحضايرى.
أخرج بعد مدة ودفن بمقبرة أحمد. وكفنه باق وهو طرى. وكان هو بنفسه يصحب محمد بن القيمة بباب الأزج. وانتفع به.
ومن خواصه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن السقامربى الطائفة، والشيخ أحمد ابن محمد التماشكى المعيد، صنف كتابا فى الفقه وعرضه عليه، وولده محمد الفرضى، وشيخنا شهاب الدين أحمد بن محمد الشيرجى الزاهد، أعاد بعده بالمستنصرية، عند شمس الدين محمد بن سليمان النهرمارى المدرس بالمستنصرية إلى الآن - توفى سنة أربع وستين
٥٠٢ - والقاضى جمال الدين عبد الصمد
بن خليل الخضرى المدرس بالبشيرية محدث بغداد. كان يحدث بمسجد يانس، يقول تفسير الرسعنى من حفظه، ويحضره الخلق، منهم المدرسون والأكابر. وله ديوان شعر حسن الخطابة والوعظ.
وقد مدح الزريراتى بقصائد، ورثاه ورثى ابن تيمية أيضا.
توفى سنة خمس وستين فى رمضان وولى بعده الحديث بمسجد يانس: -
стр. 853
٥٠٣ - نور الدين محمد
بن محمود المحدث الفقيه، المعيد المقرئ. كان شيخنا الدقوقى يقدمه على المحيى بن الكواز، وغيره من أصحابه، ويقول: هو أحفظ الجماعة، وأضبط.
وسمع وأفتى. وخرج وقرأ على شيخنا ابن مؤمن وتميز.
وتوفى سنة ست وستين وسبعمائة.
وكلهم دفن بمقبرة الإمام أحمد ﵏ أجمعين، ورضى عنا وعنهم، وجميع إخواننا.
٥٠٤ - إسحاق بن أبى بكر
بن المسبى بن أطس التركى، ثم المصرى، الفقيه المحدث، الأديب الشاعر، نجم الدين أبو الفضل.
ولد سنة سبعين وستمائة.
وسمع بمصر من الأبرقوهى.
ورحل. وسمع بالإسكندرية من القرافى. وبدمشق: من ابن حفص بن القواس، وإسماعيل بن الفراء، وبحلب: من سنقر الزينى. وتفقه، وقال الشعر الحسن.
وسمع منه الحافظ الذهبى بحلب، ثم دخل العراق بعد السبعمائة. وتنقل فى البلاد، وسكن أذربيجان، ولم تكن سيرته هناك مشكورة، وبقى إلى بعد العشرين وسبعمائة، ولم يتحقق سنة وفاته.
وله قصيدة حسنة طويلة فى مدح الشيخ تقى الدين ابن تيمية، منها:
يعنفنى فى بغيتى رتبة العلى … جهول أراه راكبا غير مركبى
له همة دون الحضيض محلها … ولى همة تسمو على كل كوكب
فلو كان ذا جهل بسيط عذرته … ولكنه يدلى بجهل مركب
يقول: علام اخترت مذهب أحمد؟ … فقلت له: إذ كان أحمد مذهب
وهل فى ابن شيبان مقال لقائل … وهل فيه من طعن لصاحب مضرب؟
стр. 854
أليس الذى قد طار فى الأرض ذكره … وطبقها ما بين شرق ومغرب؟
ثم ذكر محنته - إلى أن قال:
وأصحابه أهل الهدى لا يضرهم … على دينهم طعن امرئ جاهل غبى
هم الظاهرون القائمون بدينهم … إلى الحشر، لم يغلبهم ذو تغلب
لنا منهم فى كل عصر أئمة … هداة إلى العليا، مصابيح مرقب
وقد علم الرحمن أن زماننا … تشعب فيه الرأى أى تشعب
فجاء بحبر عالم من سراتهم … كسبع متين بعد هجرة يثرب
يقيم قناة الدين بعد اعوجاجها … وينقذها من قبضة المتعصب
فذك فتى تيمية خير سيد … نجيب أتانا من سلامة منجب
عليم بأدواء النفوس، يسوسها … بحكمته، فعل الطبيب المجرب
بعيد عن الفحشاء والبغى والأذى … قريب إلى أهل التقى، ذو تحبب
يرى نصرة الإسلام أكرم معنم … وإظهار دين الله أربح مكسب
وكم قد غدا بالفعل والقول مبطلا … ضلالة كذاب، ورأى مكذب
ولم يلق من أعداه غير منافق … وآخر عن نهج السبيل منكب
وهى طويلة. ومنها:
وليس له فى الزهد والعلم مشبه … سوى الحسن البصرى وابن المسيب
ومدح فى آخرها شرف الدين عبد الله أخا الشيخ.
٥٠٥ - محمد بن سليمان
بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبى عمر المقدسى، ثم الصالحى، قاضى القضاة، عزّ الدين أبو عبد الله، ابن قاضى القضاة تقى الدين ابن أبى الفضل.
ولد فى عشرين ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة
وسمع من الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والفخر، وأبى بكر الهروى، وغيرهم. وأجاز له ابن عبد الدائم، وغيره.
стр. 855
ثم اشتغل وقرأ الفقه على أبيه وغيره. وناب عن والده فى الحكم، وترك له والده تدريس الجوزية، فدرس بها فى حياته، وكتب فى الفتوى، ودرس بعد موت والده بدار الحديث الأشرفية بالسفح.
ثم ولى القضاء مستقلا بعد موت ابن مسلم. وكان ذا فضل وعقل، وحسن خلق، وتودد، وقضاء لحوائج الناس، وتهجد من الليل وتلاوة، وحج ست مرات.
وتوفى فى تاسع صفر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربة جده الشيخ أبى عمر. وحضره خلق كثير. رحمه الله تعالى.
٥٠٦ - عبد الرحمن بن أبى محمد
بن محمد بن سلطان بن محمد بن على القرامزى، الفقيه العابد أبو محمد، وأبو الفرج
ولد سنة أربع وأربعين وستمائة تقريبا.
وقرأ بالروايات. وسمع من ابن عبد الدائم، وإسماعيل بن أبى اليسر وجماعة.
وتفقه فى المذهب، ثم تزهد، وأقبل على العبادة والطاعة، وملازمة الجامع، وكثرة الصلوات به. واشتهر بذلك. وصار له قبول وعظمة عند الأكابر.
وقد غمزه الذهبى بأنه نال بذلك سعادة دنيوية، وتمتع بالدنيا وشهواتها التى لا تناسب الزاهدين
قال: وسمعت منه «اقتضاء العلم» للخطيب. وكان قوى النفس لا يقوم لأحد. وله محبون. ومن حسناته أنه كان من اللعانين للاتحادية اهـ.
توفى مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ببستانه بأرض جوير وصلّى عليه بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
٥٠٧ - عبد القادر بن محمد
بن إبراهيم المقريزى، البعلى، المحدث، الفقيه، محى الدين أبو محمد.
стр. 856
ولد فى حدود سنة سبع وسبعين وستمائة.
وسمع بدمشق من عمر بن القواس وطائفة. وبمصر من أبى الحسن ابن القاسم وسبط زيادة، وغيرهما. وعنى بالحديث. وقرأ وكتب بخطه كثيرا وخرج، وتفقه
قال الذهبى: له مشاركة فى علوم الإسلام، ومشيخة الحديث بالبهائية، وغير ذلك. علقت عنه فوائد. وسمع منه جماعة.
توفى ليلة الاثنين ثامن عشرين ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة.
ودفن بمقبرة الصوفية بالقرب من قبر الشيخ تقى الدين رحمه الله تعالى
٥٠٨ - الحسين بن يوسف
بن محمد بن أبى السرى الدجيلى، ثم البغدادى، الفقيه، المقرئ، الفرضى، النحوى الأديب، سراج الدين أبو عبد الله
ولد سنة أربع وستين وستمائة. وحفظ القرآن فى صباه. ويقال: إنه تلقن سورة البقرة فى مجلسين، والحواميم فى سبعة أيام.
وسمع الحديث ببغداد من إسماعيل بن الطبال، ومفيد الدين الحربى الضرير وابن الدواليبى، وغيرهم
وبدمشق من أبى الفتح البعلى، والمزى الحافظ، وغيرهما. وله إجازة من الكمال البزار، وعبد الحميد بن الزجاج، وجماعة من القدماء، وحفظ كتبا فى العلوم، منها «المقنع» فى الفقه و «الشاطبية» و «الألفيتان» فى النحو، و «مقامات الحريرى» و «عروض ابن الحاجب» و «الدريدية» ومقدمة فى الحساب. وقرأ الأصلين، وعنى بالعربية واللغة، وعلوم الأدب.
وتفقه على الزريراتى. وكان فى مبدأ أمره: يسلك طريق الزهد، والتقشف البليغ، والعبادة الكثيرة، ثم فتحت عليه الدنيا. وكان له مع ذلك أوراد ونوافل. وصنف كتاب «الوجيز» فى الفقه، وعرضه على شيخه الزريراتى؛ فمما كتب له عليه.
ألفيته كتابا وجيزا كما وسعه، جامعا لمسائل كثيرة، وفوائد غزيرة قل أن
стр. 857
يجتمع مثلها فى أمثاله، أو يتهيأ لمصنف أن ينسخ على منواله.
وصنف كتابا فى أصول الدين، وكتاب «نزهة الناظرين، وتنبيه الغافلين» وله قصيدة لامية فى الفرائض.
وكان خيرا فاضلا، متمسكا بالسنة، كثير الذكاء، حسن الشكل، دمث الأخلاق، متواضعا. اشتغل عليه جماعة، وانتفعوا به فى الفقه وفى الفرائض، منهم: يوسف بن محمد السرمرى، والشرف بن سلوم قاضى حرى. وحدث
وتوفى ليلة السبت سادس ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بالشهيل، قرية من أعمال دجيل. رحمه الله تعالى
٥٠٩ - عبد الله بن حسن
بن عبد الله بن عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسى، الصالحى، الفقيه المحدث، قاضى القضاة، شرف الدين أبو محمد بن شهاب الدين أبى محمد بن الحافظ أبى موسى بن الحافظ الكبير أبى محمد.
ولد فى رمضان سنة ست وأربعين وستمائة.
وسمع من مكى بن علان، ومحمد بن عبد الهادى، والبلدانى، وخطيب مردا وإبراهيم بن خليل وغيرهم. وأجاز له جماعة. وطلب بنفسه. وقرأ على ابن عبد الدائم وغيره.
وتفقه، وأفتى، وناب فى الحكم عن أخيه، ثم عن ابن مسلم مدة ولايتهما.
ثم ولى القضاء فى آخر عمره مستقلا فوق سنة، ودرس بالصاحبية، وتولى مشيخة الحديث بالصدرية والعالمية، ثم بدار الحديث الأشرفية. وكان فقيها عالما خيرا صالحا، منفردا بنفسه، ذا فضيلة جيدة، حسن القراءة، حميد السيرة فى القضاء، فعمر وتفرد وحدث. وسمع منه الذهبى، وخلق.
توفى فجأة - وهو يتوضأ للمغرب - آخر نهار الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بمنزله بالدير. وكان قد حكم ذلك اليوم بالمدينة، ثم
стр. 858
توجه آخر النهار إلى السفح. ودفن من الغد بتربة الشيخ أبى عمر. وحضره جمع كثير. رحمه الله تعالى.
٥١٠ - عبد الرحمن بن إبراهيم
بن عبد الله بن أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، المقدسى، الفرضى، الزاهد القدرة، عزّ الدين أبو الفرج ابن الشيخ عزّ الدين أبى إسحاق ابن الخطيب شرف الدين، أبى بكر، ابن القدوة الكبير أبو عمر.
ولد فى تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة.
وسمع من ابن عبد الدائم، وغيره. وحج صحبة الشيخ شمس الدين بن أبى عمر وكمل عليه قراءة كتاب «المقنع» بالمدينة النبوية. وحج بعد ذلك مرات. وكان ذا معرفة تامة بالفرائض ومتعلقاتها.
حدث. وسمع منه الذهبى، وذكره فى معجمه. وقال: كان فقيها عالما، متواضعا صالحا، على طريقة السلف. وكان عارفا بمذهب أحمد. له فهم ومعرفة تامة بالفرائض. وفيه تودد وانطباع، وعدم تكلف.
وقال غيره: كان رجلا صالحا، بشوش الوجه، كثير الخير، مواظبا على أفعال البر. أخذ عنه الفرائض جماعة، وانتفعوا به.
توفى فى ثامن شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ودفن بتربة الشيخ أبى عمر بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
٥١١ - عبد الرحمن بن محمد
بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر البعلى، ثم الدمشقى، الفقيه المحدث، فخر الدين أبو بكر محمد بن الشيخ شمس الدين أبى عبد الله، ابن الإمام فخر الدين أبى محمد، وقد سبق ذكر أبيه وجده.
ولد يوم الخميس رابع عشرين ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وستمائة.
стр. 859
وسمع من ابن البخارى فى الخامسة، ومن الشيخ تقى الدين الواسطى، وعمر ابن القواس. وعنى بالحديث. وارتحل فيه مرات، وكتب العالى والنازل من سنة خمس وسبعمائة، وهلم جرا. وخرج لغير واحد من الشيوخ. وأفاد وتفقه، وأفتى فى آخر عمره، وولى مشيخة الصدرية والإعادة بالمسمارية، وجمع عدة تآليف، وفسر بعض القرآن الكريم.
وحدث، وسمع منه الذهبي، وجماعة.
وكان فقيها محدثا، كثير الاشتغال بالعلم، عفيفا دينا، حج مرات، وأقام بمكة شهرا، وكان مواظبا على قراءة جزءين من القرآن فى الصلاة فى كل ليلة.
وله مواعيد كثيرة لقراءة الحديث، والرقائق على الناس، وجمع فى ذلك مجموعات حسنة، منها كتاب «الثمر الرائق المجتنى من الحدائق» وانتفع بمجالسه الناس.
وتوفى يوم الخميس تاسع عشر ذى القعدة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وصلّى عليه بالجامع، وحضر جنازته جمع كثير، وحمل على الرقاب، ودفن بمقبرة الصوفية، ولم يعقب رحمه الله تعالى.
وأخبرنى بعض أقاربه - وكان يخدمه فى مرضه الذى توفى فيه - قال: آخر ما سمعت عند موته، أن قال: قال رسول الله ﷺ «من كان آخر قوله لا إله إلا الله» ثم مات.
٥١٢ - عبد الرحمن بن مسعود
بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثى، ثم المصرى، الفقيه المناظر الأصولى، شمس الدين أبو الفرج، ابن الحافظ قاضى القضاة سعد الدين المتقدم ذكره.
ولد سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وسمع بقراءة والده الكثير بالديار المصرية من العز الحرانى، ومن خطيب الزة، وغازى الحلاوى، وشامية بنت البكرى، وغيرهم.
стр. 860
وبدمشق من ابن البخارى، وابن المنجى وجماعة. وسمع بالاسكندرية من القرافى.
وقدم دمشق مرة ثانية بنفسه. فسمع من عمر بن القواس وغيره.
وعنى بالسماع والطلب، وتفقه فى المذهب حتى برع، وأفتى وناظر، وأخذ الأصول عن ابن دقيق العيد، والعربية عن ابن النحاس، وناب عن والده وغيره فى الحكم، ودرس بالمنصورية، وجامع ابن طولون وغيرهما، وتصدى للاشتغال.
وكان شيخ المذهب بالديار المصرية. وله مشاركة فى التفسير والحديث، ويذكر لقضاء مصر والشام، مع الديانة والورع والجلالة، يعد من العلماء العاملين
وحدث، وسمع منه جماعة.
وتوفى يوم الجمعة سادس عشر ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الصالحية بالقاهرة. ودفن إلى جانب والده بالقرافة، رحمهما الله تعالى.
ومما رأيت من فتاويه: أن صلاة التراويح، قبل صلاة العشاء، لا تصح وأنها بدعة ينهى عنها، ووافقه على ذلك ابن جماعة قاضى الشافعية، وغيره من المالكية، وقد صرح بهذا القاضى أبو يعلى. مما قرأته بخطه على طهر جزء من خلافه. قال القاضى: ولكن يجوز تقديمها على الوتر، لأنها من قيام الليل، فتجوز قبل الوتر وبعده.
٥١٣ - محمود بن على
بن محمود بن مقبل بن سليمان بن داود الدقوقى، ثم البغدادى، المحدث الحافظ الواعظ، تقى الدين أبو الثناء.
ولد فى بكرة الاثنين سادس عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة.
وسمع الكثير بإفادة والده، ومن عبد الصمد بن أبى الجيش، وعلى بن وضاح وابن الساعى، وعبد الله بن بلدجى، وعبد الجبار بن عكبر، وعبد الرحيم
стр. 861
ابن الزجاج، ومحمد بن أبى الدنية، وأبى الحسن بن الوجوهى، ومحمد بن أحمد ابن معضاد، وعبد الله بن ورخز، وخلق وأجاز له جماعة كثيرة من أهل الشام والعراق.
ثم طلب بنفسه وقرأ ما لا يوصف كثرة على الشيوخ بعد هذه الطبقة. قريبا من خمسين سنة، وكان قارئ الحديث بدار الحديث المستنصرية مدة. ثم ولى المشيخة بها بعد وفاة الدواليبى المتقدم ذكره.
وكان يقرأ الحديث فى دار الحديث التى كانت تعرف بمسجد يانس، ويجتمع عنده خلق كثير، يبلغون عدة آلاف، ويعظ بها وبغيرها. وانتهى إليه علم الحديث والوعظ ببغداد، ولم يكن بها فى وقته أحسن قراءة للحديث منه، ولا معرفة بلغاته وضبطه، وله اليد الطولى فى النظم والنثر، وإنشاء الخطب والمواعظ.
كتب بخطه الكثير من الفقه والحديث، وله مشاركة فى الفقه، وحفظ «الخرقى» فى صغره، وكان لطيفا، حلو النادرة، مليح الفكاهة، ذا حرمة وجلالة وهيبة، ومنزلة عند الأكابر، وجمع عدة أربعينيات فى معارف مختلفة، وله كتاب «مطالع الأنوار، فى الأحبار والآثار الخالية عن السند والتكرار» وكتاب «الكواكب الدرية، فى المناقب العلوية» وذكر: أنه جمع تاريخا ولم يوجد. ويقال: إنه جمع كتابا فى الأسماء المبهمة فى الحديث، ولم يوجد أيضا، وله شعر كثير، لو جمع لجاء منه ديوان. تخرج به جماعة فى علم الحديث، وانتفعوا به.
وسمع منه خلق، وحدث عنه طائفة.
توفى يوم الاثنين بعد العصر، عشرى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وصلّى عليه من الغد بجامع القصر، ثم بالمستنصرية وغيرها، وشيعه خلق كثير من القضاة والعلماء والأعيان وغيرهم، وكثر البكاء والثناء عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. ورثاه غير واحد. رحمه الله تعالى.
стр. 862
أنشدنى والدى قال: أنشدنا أبو الثناء الدقوقى لنفسه:
جاهد بنفسك فى الفضائل تغنم … وخض المهالك فى المحبة تسلم
وذر التعلل بالمنى، فهى العنا … واطرح سلاحك فى الهوى واستسلم
من لم يذق فى حبنا طعم الفنا … لم يلفنا نكفيه ثقل المغرم
خاطر بنفسك فى هوانا واسترح … إن شئت تحظى بالمحل الأعظم
مرّغ خدودك فى ثرى أعتابنا … لتفوز بالحسنى وفيض الأنعم
لا يصدفنّك صادف عن مطلب … فالعز مقرون بحدّ المخذم
من ذا الذى ألفى بساحل جودنا … فشكى الظما، أو خاف فوت الموسم
نحن الذين إذا أتانا سائل … نوليه إحسانا وفضل تكرم
نعفو عن الجانى، ونقبل عذره … ونقبل عثرة تائب متندم
ونقول فى الأسحار: «هل من سائل … مستغفر» لينال طيب المغنم؟
لا يلهينك شاغل عن وصلنا … وانهض على قدم الرجاء وقدم
وهى طويلة. مدح فيها النبى ﷺ ، وأصحابه رضى الله عنهم
٥١٤ - عبد الرحمن بن محمود
بن عبيد البعلى، الفقيه الزاهد العارف، زين الدين أبو الفرج.
ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.
وسمع الحديث. وتفقه على الشيخ تقى الدين وغيره. وبرع وأفنى. وكان إماما، عارفا بالفقه وغوامضه، والأصول والحديث، والعربية والتصوف، زاهدا عابدا، ورعا متألها ربانيا. صحب الشيخ عماد الدين الواسطى، وتخرج به فى السلوك
ويذكر له أحوال وكرامات. ويقال: إنه كان يطلع على ليلة القدر كل سنة وقد نالته مرة محنة بسبب حال حصل له، اطلع عليه بعض أصحابه، فأشاع ذلك عنه، وأظهر به خطه. فعقد له مجلس بدار السعادة بدمشق سنة ثمان عشرة، حضره القضاة والفقهاء، وأحضروا خطه بأنه:
стр. 863
رأى الحق ، وشاهد الملكوت الأعلى، ورأى الفردوس.
ورفع إلى فوق العرش، وسمع الخطاب، وقيل له: قد وهبتك حال الشيخ عبد القادر، وأن الله تعالى أخذ شيئا كالرداء من عبد القادر، فوضعه عليه، وأنه سقاه ثلاثة أشربة مختلفة الألوان، وأنه قعد بين يدى الله تعالى مع محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والخضر ﵈، وقيل له: هذا مكان ما يجاوزه ولى قط.
وقيل له: إنك تبقى قطبا عشرين سنة.
وذكر أشياء أخر. فاعترف أنه خطه. فأنكر ذلك عليه، فبادر، وجدد إسلامه، وحكم الحاكم بحقن دمه، وأمر بتأديبه. وحبس أياما.
ثم أخرج ومنع من الفتوى وعقود الأنكحة، ثم بان له غلطه، وأن هذا لم يكن له وجود فى الخارج، وإنما هى أخيلة وشواهد وأنوار قلبية، لا أمور خارجية وشيخه الواسطى مع سائر أئمة الطريق أهل الاستقامة، وصوفية أهل الحديث يقررون ذلك، ويحذرون من الغلط فيه، كما زل فى ذلك طوائف من أكابر الصوفية.
وكان أكثر إقامة الشيخ زين الدين بدمشق، يعيد بالمدارس، ويتصدى للاشتغال والإفادة، وإقراء الحديث والفقه وأصوله، وانتفع به جماعة، وتخرجوا به، منهم: الإمام العلامة عزّ الدين حمزة بن شيخ السلامية وغيره.
وسافر مرة إلى حماة، واجتمع بقاضيها الشيخ شرف الدين بن البارزى.
وكان إماما متقنا، ذا قدم راسخ فى السلوك. فبلغنى عن ابن البارزى: أنه كان بعد ذلك يثنى على الشيخ زين الدين ثناء كثيرا، ويذكر أنه لم ير مثله، هذا أو نحوه.
وصنف كتابا فى الأحكام على أبواب «المقنع» سماه «المطلع» وشرح قطعة من أول «المقنع» وجمع «زوائد المحرر على المقنع» وله كلام فى التصوف وحدث بشئ من مصنفاته.
стр. 864
توفى فى منتصف صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بعلبك، وشيعه عامة أهل البلد، وحمل على الرءوس. ودفن بمقبرة باب سطحان. رحمه الله تعالى.
٥١٥ - عبد الرحمن بن حسين
بن يحيى بن عمر بن النجمى المصرى القبابى، و «قباب» قرية من قرى أشموم الرمان بالصعيد - نزيل حماة. الفقيه الزاهد العابد القدوة، نجم الدين أبو عمر.
كان رجلا صالحا، زاهدا عابدا، عالما قدوة، عارفا فقيها، ذا فضيلة ومعرفة. وله اشتغال بالمذهب. أقام بحماة مدة فى زاوية يزار بها. وكان معظما عند الخاص والعام، وأئمة وقته يثنون عليه، كالشيخ تقى الدين ابن تيمية وغيره.
وكان أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، من العلماء الربانيين، وبقايا السلف الصالحين. وله كلام حسن يؤثر عنه.
توفى فى آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.
بحماة. وكانت جنازته مشهودة عظيمة جدا، وحمل على الرءوس. ودفن شمالى البلد، وتأسف الناس عليه. رضى الله عنه.
وتوفى ولده: -
٥١٦ - سراج الدين عمر
بالقدس. وكان جامعا بين العلم والعمل واشتغل وانتفع بابن تيمية، ولم أر على طريقه فى الصلاح مثله رحمه الله تعالى.
٥١٧ - محمد بن محمد
بن محمود بن قاسم بن البرزتي، البغدادى، الفقيه الأصولى، الأديب النحوى، شمس الدين أبو عبد الله، ابن الإمام أبو الفضائل.
قرأ الفقه على الشيخ تقى الدين بن الزيراتى. وكان إماما عالما، متقنا بارعا فى الفقه والأصلين، والأدب والتفسير، وغير ذلك. وله نظم حسن، وخط مليح، ودرس بالمستنصرية بعد شيخه الزيراتى. وكان من فضلاء أهل بغداد.
توفى أبو عبد الله بن البزرتى فى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ببغداد.
стр. 865
وكذلك كان والده أبو الفضل إماما عالما، مفتيا صالحا.
وتوفى فى جمادى الأولى من السنة أيضا: -
٥١٨ - نصير الدين أحمد
بن عبد السلام بن تميم بن أبى نصر بن عبد الباقى ابن عكبر البغدادى، المعمر ببغداد، عن خمس وتسعين سنة. ودفن بباب حرب
سمع الكثير من عبد الصمد بن أبى الجيش، وابن وضاح، وابن أبى الدنية وابن الدباب وطبقتهم.
وحدث. سمع منه خلق، وتفقه. وأعاد بالمدرسة البشيرية للحنابلة، وأضر فى آخر عمره، وانقطع فى بيته رحمه الله تعالى.
وذكر: أنه من أولاد عكبر الذى تاب هو أصحابه من قطع الطريق، لرؤيته عصفورا ينقل رطبا من نخلة حامل إلى أخرى حائل، فصعد فنظر، فإذا هو بحية عمياء، والعصفور يأتيها برزقها، فتاب هو وأصحابه. وذكره ابن الجوزى فى «صفوة الصفوة» فنسبت بنى عكبر إليه. والله أعلم.
وكان يحط على عبد الصمد بن أبى الجيش، ويقول: أنا أقدم منه، فكيف يقدم على فى مشيخة الحديث بالمستنصرية؟ ولم يبق فى سنى أحد ببغداد.
٥١٩ - عبد الله بن أحمد
بن عبد الله بن أحمد بن أبى بكر محمد بن إبراهيم ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، السعدى الصالحى، المقدسى الأصل، المحدث الصالح، الفدوة الزاهد، محب الدين أبو محمد بن أبى العباس بن المحب. وقد سبق ذكر جده.
ولد يوم الأحد ثانى عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وستمائة بقاسيون.
وأسمعه والده من الفخر بن البخارى، وابن الكمال، وزينب بنت مكى وجماعة. ثم طلب بنفسه، وسمع من عمر بن القواس، وأبى الفهم بن عساكر، ويوسف الفسولى، وخلق من بعدهم. وذكر كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم نحوا
стр. 866
من ألف شيخ. وقرأ بنفسه الكثير، وعنى بهذا الشأن. وكتب بخطه الكثير، والعالى والنازل. وخرج التخاريج لجماعة من الشيوخ، وانتقى وأفاد.
وقال الذهبى: كان فصيح القراءة، جهورى الصوت، منطلق اللسان بالآثار، سريع القراءة، طيب الصوت بالقرآن، صالحا خائفا من الله صادقا، انتفع الناس بتذكيره وبمواعيده.
وذكره أيضا فى «معجم» شيوخه، وقال: كان شابا صالحا، فى سمعه ثقل ما.
وقد حدث كثيرا. وسمع منه جماعة.
وتوفى يوم الاثنين سابع ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة، شيعه الخلق الكثير، وكثر الثناء والتأسف عليه.
ودفن بالقرب من الشيخ موفق الدين بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
وكان والده: -
٥٢٠ - أبو العباس
من كبار الصالحين الأتقياء الأخفياء.
حدث عن إبراهيم بن خليل وابن عبد الدائم، وجماعة.
سمع منه الذهبى وجماعة، وقال: سألت عنه ولده؟ فقال: ما أعلم عليه شيئا يشينه فى دينه.
قال الذهبى: ما هو عندى بدون شيخنا محمد بن تمام. وذكره فى «المعجم المختصر» فقال: الإمام الزاهد الصالح. بقية السلف الأخيار.
ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
وعنى بطلب الحديث. وكتب وأفتى، ونسخ لنفسه وللناس. وكان بهىّ الشيبة، كثير الوقار والسكينة، ذا حظ من عبادة وتأله وتواضع، وحسن هدى، واتباع للأثر، وانقباض عن الناس، وانتقيت له جزءا. وهو شيخ الحديث بالضيائية
حدث بالكثير. وروى عنه ابن الخباز، وطائفة.
وتوفى فى ذى الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
стр. 867
٥٢١ - عبد الله بن محمد
بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى، النابلسى، الفقيه الزاهد القدوة، شمس الدين، أبو محمد بن العفيف، ابن الشيخ تقى الدين. وقد سبق ذكر جده شيخ نابلس.
ولد سنة تسع وأربعين وستمائة.
وحضر على خطيب مردا. وسمع من عم أبيه جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المنعم. وأجاز له سبط السلفى. وتفقه وأفتى، وأمّ بمسجد الحنابلة بنابلس نحوا من سبعين سنة.
وكان كثير العبادة، حسن الشكل والصوت، عليه البهاء والوقار. حدث.
وسمع منه طائفة.
توفى يوم الخميس ثانى عشرين ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بنابلس، ودفن بها، وتأسف الناس عليه. رحمه الله تعالى.
وتوفى قبله فى ربيع الأول من السنة بنابلس أيضا: الإمام المفتى.
٥٢٢ - عماد الدين أبو إسحاق
إبراهيم بن على بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة.
٥٢٣ - عبد المؤمن بن عبد الحق
بن عبد الله بن على بن مسعود القطيعى الأصل، البغدادى، الفقيه، الإمام الفرضى المتقن، صفى الدين أبو الفضائل، ابن الخطيب كمال الدين أبى محمد.
كان والده خطيبا بجامع ابن عبد المطلب ببغداد احتسابا. وكان جده يعرف بابن شمائل.
ولد الشيخ صفى الدين فى سابع عشرى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين.
وستمائة ببغداد.
стр. 868
وسمع بها الحديث من عبد الصمد بن أبى الجيش، وأبى الفضل بن الدباب، والكمال البزار، وابن الكسار. وغيرهم.
وسمع بدمشق: من الشرف أحمد بن هبة الله بن عساكر، وست الأهل بنت علوان، وجماعة، وبمكة من الفخر التوريزى. وأجاز له ابن البخارى، وأحمد بن ابن شيبان، وزينب بنت مكى، وابن وضاح، وخلق من أهل الشام ومصر والعراق
وتفقه على أبى طالب عبد الرحمن بن عمر البصرى المتقدم ذكره، ولازمه حتى برع وأفتى، ومهر فى علم الفرائض والحساب، والجبر والمقابلة والهندسة والمساحة، ونحو ذلك.
واشتغل فى أول عمره - بعد الفقه - بالكتابة والأعمال الديوانية مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على العلم، ولازمه مدة مطالعة وكتابة، وتصنيفا وتدريسا، واشتغالا وإفتاء، إلى حين وفاته.
وكتب الكثير بخطه الحسن المليح الحلو. وكان ذا ذهن حادّ، وذكاء وفطنة. وعنده خميرة جيدة من أول عمره فى العلم، فأقبل آخرا على التصنيف، فصنف فى علوم كثيرة. منها: ما لم يكن سبق له فيها اشتغال. وصنف فى الفقه والأصلين، والجدل والحساب، والفرائض والوصايا، وفى التاريخ والحديث، والطب، وغير ذلك. واختصر كتبا كثيرة.
فمن تصانيفه «شرح المحرر» فى الفقه ست مجلدات، «شرح العمدة» فى الفقه مجلدان «إدراك الغاية فى اختصار الهداية» فى الفقه مجلد لطيف، وشرحه فى أربع مجلدات «شرح المسائل الحسابية» من «الرعاية الكبرى» لابن حمدان، مجلد لطيف «تلخيص المنقح فى الجدل»، «تحقيق الأمل، فى علمى الأصول والجدل»، «تسهيل الوصول إلى علم الأصول»، «قواعد الأصول ومعاقد الفصول» و «اللامع المغيث فى علم المواريث و «أسرار المواريث» جزء، تكلم فيه على حكم الإرث ومصالحه، واختصر «تاريخ الطبرى» فى أربع مجلدات، واختصر
стр. 869
«الرد على الرافضى» للشيخ تقى الدين ابن تيمية فى مجلدين لطيفين، واختصر «معجم البلدان» لياقوت الحموى وغير ذلك.
وعنى بالحديث، فنسخ واستنسخ كثيرا من أجزائه، وخرج لنفسه معجما لشيوخه بالسماع والإجازة عن نحو ثلاثمائة شيخ، وأكثرهم بالإجازة، وتكلم فيه على أحوالهم ووفياتهم، واستعان فى معرفة أحوال الشاميين بالذهبى والبرزالى، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، وغيرها بالإجازة.
سمع منه خلق كثيرون. وأجاز لى ما يجوز له روايته غير مرة، ودرس بالمدرسة البشيرية للحنابلة.
وكان إماما فاضلا، ذا مروءة، وأخلاق حسنة، وحسن هيئة وشكل، عظيم الحرمة، شريف النفس، منفردا فى بيته، لا يغشى الأكابر ولا يخالطهم، ولا يزاحمهم فى المناصب؛ بل الأكابر يترددن إليه، وقد نهى أصحابه عن السعى له فى تدريس المستنصرية، ولم يتعرض لها، مع تمكنه من ذلك، ولما حبس الجماعة الذين كتبوا على مسألة الزيارة، موافقة للشيخ تقى الدين لم يتعرض له، هيبة له واحتراما، وحبس سائرهم وأوذوا.
وله شعر كثير جيد، لعله ديوان تمام، وتفرد فى وقته ببغداد، فى علم الفرائض، والحساب، حتى يقال: إن الزريراتى كان يراجعه فى ذلك، ويستفيد منه.
ونقل بعضهم عن القاضى برهان الدين الزرعى، أنه كان يقول: هو إمامنا فى علم الفرائض والجبر والقابلة، وأنه كان يثنى عليه ويقول: لو أمكننى الرحلة إليه لرحلت إليه، وكان قد رأى الشيخ تقى الدين ابن تيمية بدمشق، واجتمع معه. ولما صنف «شرح المحرر» أرسل إلى الشيخ تقى الدين يسأله عن مسائل فيه وقد ذكر عنه فى شرحه شيئا من ذلك، فى مسائل «ميراث المعتق بعضه» ولم يدرك ما قاله الشيخ على وجهه.
وله ﵀: أوهام كثيرة فى تصانيفه، حتى فى الفرائض، من حيث توجيه
стр. 870
المسائل وتعليلها، رحمه الله تعالى وسامحه. فلقد كان من محاسن زمانه فى بلده.
توفى إلى رحمة الله تعالى ليلة الجمعة عاشر صفر، سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وصلي عليه من الغد، وحمل على الأيدى والرءوس، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، وكانت جنازته مشهودة، رحمه الله تعالى.
أنشدنى الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، فى كتابه لنفسه:
لا ترج غير الله سبحانه … واقطع عرى الآمال من خلقه
لا تطلبنّ الفضل من غيره … واضنن بماء الوجه واستبقه
فالرزق مقسوم، وما لا مرئ … سوى الذى قدّر من رزقه
والفقر حير للفتى من غنى … يكون طول الدهر فى رقه
وأنشدنى لنفسه فى كتابه:
يا رب، أنت رجائى … وفيك أحسنت ظنى
يا رب، فاغفر ذنوبى … وعافنى، واعف عنى
وأعاد بعده بالبشيرية: -
٥٢٤ - النضر بن عكبر
وبعده:
٥٢٥ - شمس الدين بن رمضان
المرتب، الفقيه الأصولى، اختصر المذهب من المغنى.
وتطاول زمن الزريراتى لتدريس المستنصرية، واشتغل عليه جماعة فى الأصول والفروع، وله شعر أكثره هجو للتراقفى وغيره، حتى قال فى نفسه:
تلامذة المرتب كل فدم … بعيد الذهن، لا فضل لديه
لقد صدق الذى قد قال قدما … شبيه الشئ منجذب إليه
وقال لى طرافة أهل بغداد نفسى.
стр. 871
مولده سنة ست وستين وستمائة.
ومن أصحاب صفى الدين: -
٥٢٦ - عبد الله بن علام
السامرى.
حفظ «المحرر» وقرأ عليه شرحه تصنيفه. وكان ذكيا.
وتوفى بدمشق بالطاعون.
وكذلك منهم: -
٥٢٧ - عبد العزيز بن هاشولا
حفظ كتابه فى الفقه والأصول، ووعظ ببغداد فى الثوالث، ونظم الشعر، وكان حسنا.
توفى بالطاعون ببغداد.
٥٢٨ - وابن النباس،
كان آية فى الحفظ، غاص فى البحر ولم يعلم له خبر.
قرأت عليه «مختصر الخرقى» من حفظى، وسمعت عليه أجزاء كثيرة من مصنفاته وصحبته إلى الممات، ورأى عند وفاته طيورا بيضاء نازلة. رحمه الله تعالى.
٥٢٩ - عبادة بن عبد الغنى
بن منصور بن منصور بن عبادة الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه المفتى، الشروطى، المؤذن، زين الدين، أبو محمد وأبو سعيد.
ولد فى رجب سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وسمع من القاسم الأربلى، وأبى الفضل بن عساكر، وجماعة. وطلب الحديث، وكتب الأجزاء.
وتفقه على الشيخ زين الدين بن المنجى، ثم على الشيخ تقى الدين ابن تيمية.
قال الذهبى: تقدم فى الفقه، وناظر وتميز، عنده «صحيح مسلم» عن القاسم الأربلى. وذكره فى معجم شيوخه. وقال: كان فقيها عالما، جيد الفهم، يفهم
стр. 872
شيئا من العربية والأصول. وكان صالحا دينا، ذا حظ من تهجد، وإيثار وتواضع، اصطحبنا مدة، ونعم والله الصاحب هو. كان يسع الجماعة بالخدمة والإفضال والحلم. خرجت له جزءا. وحدث بصحيح مسلم. انتهى.
وكان يلى العقود والفسوخ، ويكثر الكتابة فى الفتاوى، ثم منع من الفسوخ فى آخر عمره، سمع منه جماعة.
وتوفى فى شوال سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق من القضاة والعلماء وغيرهم، وحسن الثناء عليه ﵀.
وكان أبوه:
٥٣٠ - شرف الدين عبد الغنى:
فقيها أديبا، عدلا مؤذنا أيضا. أذن زمانا بجامع دمشق.
وحدث عن عيسى الخياط، والشيخ مجد الدين ابن تيمية. سمع منهما بحران.
وتوفى فى ربيع الآخر سنة خمس وسبعمائة رحمه الله تعالى.
ومما أفتى به عبادة - ورأيته بخطه - فى أوقاف وقفها جماعة على جهة واحدة من جهات البر. فإذا خرب أحدها، وليس له ما يعمر به: أنه يجوز لمباشر الأوقاف: أن يعمره من الوقف الآخر. ووافقته طائفة من الحنفية.
٥٣١ - محمد بن أحمد
بن تمام بن حسان التلى، ثم الصالحى، القدوة الزاهد أبو عبد الله.
ولد سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وسمع من أبى حفص عمر بن عوة الجزرى صاحب البوصيرى. وهو آخر من حدث عنه، ومن أبى طالب بن السرورى، وابن عبد الدائم وجماعة. وصحب الشيخ شمس الدين بن الكمال، وغيره من العلماء والصلحاء.
وكان صالحا تقيا، من خيار عباد الله، يقتات من عمل يده. وكان عظيم
стр. 873
الحرمة، مقبول الكلمة عند الملوك. وولاة الأمور، يرجع إلى قوله ورأيه، أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر.
ذكره الذهبى فى معجم شيوخه، وقال: كان مشارا إليه فى الوقت بالإخلاص وسلامة الصدر، والتقوى والزهد، والتواضع التام، والبشاشة، ما أعلم فيه شيئا يشينه فى دينه أصلا.
قلت: حدث بالكثير، وسمع منه خلق. وأجاز لى ما يجوز له روايته بخط يده.
توفى ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.
٥٣٢ - إبراهيم بن أحمد
بن هلال الزرعى، ثم الدمشقى، الفقيه الأصولى المناظر الفرضى، القاضى برهان الدين أبو إسحاق.
سمع بدمشق من عمر بن القواس، وأبى الفضل بن عساكر، وأبى الحسين اليونينى. وتفقه وأفتى قديما، ودرس وناظر.
وولى نيابة الحكم عن القاضى عزّ الدين بين القاضى تقى الدين سليمان، ثم عن القاضى علاء الدين بن المنجى.
ودرس بالحنبلية من حين سجن الشيخ تقى الدين بالقلعة فى المرة الذى توفى فيها، فساء ذلك أصحاب الشيخ ومحبيه، وشق ذلك عليهم كثيرا، واستمر بها إلى حين وفاته.
وكان بارعا فى أصول الفقه، وفى الفرائض والحساب، عارفا بالمناظرة.
وإليه المنتهى فى التحرى، وجودة الخط وصحة الذهن، وسرعة الإدراك، وقوة المناظرة، وجودة التقرير، وحسن الخلق، لكنه كان قليل الاستحضار لنقل المذهب. وكان فضلاء وقته يعظمونه، ويثنون عليه. وكان قاضى القضاة أبو الحسن السبكى يسميه: فقيه الشام. وكان فيه لعب، وعليه فى دينه مأخذ، سامحه الله.
стр. 874
تفقه عليه جماعة، وتخرجوا به فى الفقه وأصوله. وحدث. ولم يصنف كتابا معروفا.
توفى وقت صلاة الجمعة سادس عشر رجب سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
ودفن بمقبرة الباب الصغير.
٥٣٣ - شافع بن عمر
بن إسماعيل الجيلى، الفقيه الأصولى، ركن الدين، نزيل بغداد
سمع الحديث ببغداد على إسماعيل بن الطبال، وابن الدواليبى وغيرهما.
وتفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، وصاهره على ابنته، وأعاد عنده بالمستنصرية، وكان رئيسا فاضلا نبيلا، عارفا بالفقه والأصول، وبالطب، ومراعيا لقوانينه فى مأكله ومشربه. ودرس بالمدرسة المجاهدية وأقرأ الفقه مدة
قرأ عليه جماعة، منهم: والدى. وله تصنيف فى مناقب أرباب المذاهب الأربعة، سماه «زبدة الأخبار فى مناقب الأئمة الأربعة الأخيار».
وكان فقيها فاضلا، لكنه قاصر العبارة، فى لسانه عجمة.
توفى يوم الجمعة ثانى عشر شوال سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بدهليز تربة الإمام أحمد، رضى الله عنه.
٥٣٤ - عبد الرحيم بن عبد الله
بن محمد بن أبى بكر بن إسماعيل الزريرتى البغدادى، الفقيه، الإمام شرف الدين أبو محمد، ابن شيخ العراق تقى الدين أبى بكر المتقدم ذكره.
وولد ببغداد، ونشأ بها وقرأ القرآن، وحفظ «المحرر» وسمع الحديث واشتغل
ثم رحل إلى دمشق، سمع بها من زينب بنت الكمال، وجماعة من أصحاب ابن عبد الدائم، وخطيب مردا، وطبقتهما.
وارتحل إلى مصر، وسمع بها من مسندها يحيى بن المصرى وغيره، ولقى بها أبا حيان وغيره.
стр. 875
وأقام بدمشق مدة، يقرأ فى المحرر على القاضى برهان الدين الزرعى، ثم رجع إلى بغداد بفضائل، ودرس بها بالمدرسة البشيرية للحنابلة بعد وفاة الشيخ صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق. ثم درس بالمجاهدية بعد موت صهره شافع المذكور قبله، ولم تطل بها مدته. وحضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحقه جيدا
وناب فى القضاء ببغداد، واشتهرت فضائله، وخطه فى غاية الحسن، وقد اختصر «فروق السامرى» وزاد عليها فوائد واستدراكات من كلام أبيه وغيره واختصر «طبقات الأصحاب» للقاضى أبى الحسين، وذيل عليها، وتطلبتها فلم أجدها. واختصر «المطلع» لابن أبى الفتح، وغير ذلك.
توفى يوم الثلاثاء ثانى عشر ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
ودفن عند والده بمقبرة الإمام أحمد. وله من العمر نحو الثلاثين سنة. ﵀
٥٣٥ - محمد بن أحمد
بن عبد الهادى بن عبد الحميد بن عبد الهادى ابن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسى، الجماعيلى الأصل، ثم الصالحى، ثم المقرئ الفقيه المحدث، الحافظ الناقد، النحوى المتفنن، شمس الدين أبو عبد الله بن العماد أبى العباس.
ولد فى رجب سنة أربع وسبعمائة.
وقرأ بالروايات، وسمع الكثير من القاضى أبى الفضل سليمان بن حمزة، وأبى بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، والحجار، وزينب بنت الكمال، وخلق كثير.
وعنى بالحديث وفنونه، ومعرفة الرجال والعلل. وبرع فى ذلك. وتفقه فى المذهب وأفتى. وقرأ الأصلين والعربية، وبرع فيها. ولازم الشيخ تقى الدين ابن تيمية مدة. وقرأ عليه قطعة من الأربعين فى أصول الدين للرازى.
قرأ الفقه على الشيخ مجد الدين الحرانى، ولازم أبا الحجاج المزى الحافظ، حتي برع عليه فى الرجال، وأخذ عن الذهبى وغيره.
стр. 876
وقد ذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ، قال: ولد سنة خمس - أو ست - وسبعمائة. واعتنى بالرجال والعلل، وبرع وجمع، وتصدى للافادة والاشتغال فى القراءة والحديث، والفقه والأصلين، والنحو. وله توسع فى العلوم وذهن سيال
وذكره فى معجمه المختص، وقال: عنى بفنون الحديث، ومعرفة رجاله، وذهنه مليح، وله عدة محفوظات وتآليف، وتعاليق مفيدة. كتب عنى، واستفدت منه.
قال: وقد سمعت منه حديثا يوم درسه بالصدرية.
ثم قال: أخبرنا المزى إجازة أخبرنا أبو عبد الله السروجى أخبرنا ابن عبد الهادى -[فذكر حديثا هذا لفظه: درس ابن عبد الهادى بالصدرية] (١) درس الحديث وبغيرها بالسفح. وكتب بخطه الحسن المتقن الكثير. وصنف تصانيف كثيرة بعضها كلمت، وبعضها لم يكمله؛ لهجوم المنية عليه فى سن الأربعين.
فمن تصانيفه «تنقيح التحقيق فى أحاديث التعليق» لابن الجوزى مجلدان «الأحكام الكبرى» المرتبة على أحكام الحافظ الضياء، كمل منها سبع مجلدات «الرد على أبى بكر الخطيب الحافظ فى مسئلة الجهر بالبسملة» مجلد «المحرر فى الأحكام» مجلد «فصل النزاع بين الخصوم فى الكلام على أحاديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» مجلد لطيف «الكلام على أحاديث مس الذكر» جزء كبير «الكلام على أحاديث: البحر هو الطهور ماؤه» جزء كبير «الكلام على أحاديث القلتين» جزء «الكلام على حديث معاذ فى الحكم بالرأى» جزء كبير، الكلام على حديث «أصحابى كالنجوم» جزء، الكلام على حديث أبى سفيان «ثلاث أعطيتهن يا رسول الله» والرد على
стр. 877
ابن حزم فى قوله: إنه موضوع. كتاب «العمدة» فى الحفاظ، كمل منه مجلدان «تعليقة فى الثقات» كمل منه مجلدان، الكلام على أحاديث «مختصر ابن الحاجب» مختصر ومطول، الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من «المستدرك» للحاكم، أحاديث الصلاة على النبى ﷺ ، جزء منتقى من «مختصر المختصر» لابن خزيمة، ومناقشته على أحاديث أخرجها فيه، فيها مقال، مجلد، الكلام على «أحاديث الزيارة» جزء، مصنف «فى الزيارة» مجلد، الكلام على أحاديث «محلل السباق» جزء، جزء فى «مسافة القصر» جزء فى قوله تعالى (١٠٨:٩ ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى﴾ - الآية) جزء فى أحاديث «الجمع بين الصلاتين فى الحضر»، «الإعلام فى ذكر مشايخ الأئمة الأعلام» أصحاب الكتب الستة. عدة أجزاء، الكلام على حديث «الطواف بالبيت صلاة»، «جزء كبير فى مولد النبى ﷺ » تعليقة على «سنن البيهقى الكبرى» كمل منها مجلدان، جزء كبير فى «المعجزات والكرامات» جزء فى «تحريم الربا» جزء فى «تملك الأب من مال ولده ما شاء» جزء فى «العقيقة» جزء فى «الأكل من الثمار التى لا حائط عليها»، «الرد على الكياالهرّاسى» جزء كبير، «ترجمة الشيخ تقى الدين ابن تيمية (١)» مجلد «منتقى من تهذيب الكمال للمزى «كمل منه خمسة أجزاء «إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان» جزء، جزء فى «فضائل الحسن البصرى» رضى الله عنه «جزء فى حجب الأم بالإخوة، وأنها تحجب بدون ثلاثة» جزء «فى الصبر» جزء «فى فضائل الشام» «صلاة التراويح» جزء كبير، الكلام على أحاديث «لبس الخفين للحرم» جزء كبير، جزء فى «صفة الجنة» جزء فى «المراسيل» جزء فى مسألة «الجد والإخوة»، «منتخب من مسند الإمام أحمد» مجلدان «منتخب من سنن البيهقى» مجلد «منتخب من سنن أبى داود» مجلد لطيف
стр. 878
«تعليقه على التسهيل فى النحو، كمل منها مجلدان، جزء فى الكلام على حديث «أفرضكم زيد» أحاديث «حياة الأنبياء فى قبورهم» جزء، تعليقة، على «العلل» لابن أبى حاتم، كمل منها مجلدان. تعليقة على «الأحكام» لأبى البركات ابن تيمية لم تكمل «منتقى من علل الدار قطنى» مجلد، جزء فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر «شرح لألفية (١) ابن مالك» جزء. ما أخذ على تصانيف أبى عبد الله الذهبى الحافظ شيخه عدة أجزاء. حواشى على كتاب «الإلمام» جزء فى الرد على أبى حيان النحوى فيما رده على ابن مالك وأخطأ فيه، جزء فى «اجتماع الضميرين» جزء «فى تحقيق الهمز والإبدال فى القراءات» وله رد على ابن طاهر، وابن دحية، وغيرهما، وتعاليق كثيرة فى الفقه وأصوله، والحديث، ومنتخبات كثيرة فى أنواع العلم.
وحدث بشئ من مسموعاته. وسمع منه غير واحد، وقد سمعت من أبيه، فإنه عاش بعده نحو عشر سنين
توفى الحافظ أبو عبد الله فى عاشر جمادى الأول سنة أربع وأربعين وسبعمائة ودفن بسفح قاسيون، وشيعه خلق كثير، وتأسفوا عليه، ورئيت له منامات حسنة. رحمه الله تعالى.
٥٣٦ - محمود بن على
بن عبد الولى بن خولان البعلى، الفقيه الفرضى، بهاء الدين أبو الثناء.
ولد فى حدود السبعمائة.
وسمع الحديث من جماعة وقرأ على الحافظ الذهبى عدة أجزاء. وتفقه على الشيخ مجد الدين الحرانى، ولازم الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وبرع فى الفرائض والوصايا، والجبر والمقابلة.
وكان قيما بنقل المذهب، واستحضار أكثر المسائل، فقيها مفتيا، خيرا
стр. 879
دينا. وله معرفة بالنحو. وخطه حسن. وكتب كثيرا. وكان متواضعا متوددا، ملازما للاشغال، حريصا على إفادة الطلبة، بارّا بهم، محسنا إليهم. تفقه به جماعة، وانتفعوا به، وبرع منهم طائفة.
توفى فى رجب سنة أربع وأربعين وسبعمائة ببعلبك رحمه الله تعالى.
وحدثنى بعض أصحابه: أنه رآه فى النوم بعد وفاته فقال له: أين أنت؟ قال: لى ثلاثة أيام هبطت إلى الفردوس. قال: فقلت له: فأين كنت قبلها؟ قال: فى الضيافة.
٥٣٧ - أحمد بن محمد
بن أحمد بن عبد الغنى العلانى، الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه شهاب الدين أبو العباس.
ولد سنة اثنتين وسبعمائة.
وسمع من ابن الموازينى، والدشتى، والقاضى سليمان بن حمزة، وجماعة.
وطلب بنفسه، وسمع الكثير، وكتب الأجزاء. وتفقه. وقرأ أصول الفقه، وناظر. وهو الذى بيض «مسودة الأصول» لبنى تيمية، ورتبها، وبيض من «شرح الهداية» أيضا.
ذكره الذهبى فى المعجم المختص، وقال: من أعيان مذهبه، فيه دين وتقوى ومعرفة بالفقه. أخذ عنى ومعى، وقرأ علىّ «سير النبلاء».
توفى فى جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة بدمشق. ودفن بمقبرة الباب الصغير. ﵀.
٥٣٨ - محمد بن أحمد
بن محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، الدمشقى، الفقيه المفتى، المدرس المحتسب، عزّ الدين أبو عبد الله بن وجيه الدين
ولد فى أول سنة ثمان وثمانين وستمائة.
حضر على الفخر ابن البخارى، وزينب بنت مكى وغيرهما. وحدث
стр. 880
كان ذكيا مخالطا للشافعية، جماعا للكتب.
وولى حسبة دمشق. ونظر الجامع. ودرس فى أماكن. وكان صدرا رئيسا كثير الحشمة والمروءة، حسن الشكل، محبا لأهل العلم
وتوفى فى جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبعمائة. وهو والد فاطمة أم الحسن.
٥٣٩ - عبد القادر بن محمد
بن أحمد بن الحسين اليونينى، محيى الدين ابن الحافظ شرف الدين بن الفقيه أبى عبد الله اليونينى.
ولد سنة ثمانين وستمائة.
وتوفى سنة سبع وأربعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
٥٤٠ - سليمان بن عبد الرحمن
بن على بن عبد الرحمن بن يحيى بن أبى نوح الشيبانى، النهرمارى، ثم البغدادى، الفقيه الإمام القاضى، نجم الدين، أبو المحامد الرافقى.
قدم بغداد. وسمع بها. وأجاز له الكمال البزار، والرشيد بن أبى القاسم، وغيرهما.
وتفقه على الشيخ تقى الدين الزريراتى، حتى برع وأفتى، وأعاد عنده بالمستنصرية، ثم درس بالمستنصرية للحنابلة بعد موت ابن البرزي المتقدم ذكره
وناب فى القضاء وحدث. وسمع منه جماعة.
وتوفى فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وصلّى عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب
٥٤١ - محمد بن إبراهيم
بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد ابن محمد بن قدامة المقدسى، الخطيب الصالح، العالم القدوة، عزّ الدين أبو عبد الله بن الشيخ العز.