← Адаб

Адаб · id 10540

المقال وتطوره في الأدب المعاصر

السيد مرسي أبو ذكري

Полный текст (374 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات مقدمة ... مقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه. وبعد: هذه دراسة تتناول "المقال وتطوره" توخيت فيها الدقة والوضوح، حتى تحقق الأمل الذي أرجوه، والغاية التي أنشدها في رسم صورة أمينة توضح خصائصه وتبين سماته وتبرز قسماته في أدبنا المعاصر، بعد أن غدا فنًّا ينافس الفنون الأخرى في التصوير والتعبير. واقتضت طبيعة الدراسة أن أكشف عن ملامح المقال في الأدب العربي القديم وأطواره في الأدب الحديث، وتنوع ألوانه وأثره في إنعاش الفكر؛ لما نشر من أفكار، وقدم من خواطر، كانت حصيلتها كتبا وأشعارا لا تزال -حتى اليوم- روافد فياضة يستفاد منها في البحث والدرس والثقافة. وفرضت الدراسة أن أفصل القول في تنوع الأساليب لدى كتاب المقال مما نجم عنها المقال اللغوي والاصطلاحي والعلمي والفني والسياسي والفلسفي والديني والفكاهي وغيرها. وبسطت الجهود التي بذلها أعلام كل لون، مع إبراز سمات كل منهم وخصائصه الفارقة التي تميزه عن غيره. وختمت الدراسة بدور المقال في معالجة القضايا الفكرية التي شغلت الرأي العربي -وبخاصة المصري- قبل وبعد ثورة ١٩١٩، مع بيان الألوان التي نشأت في ظله، ونمت في كنفه، وتألقت بجواره كالخاطرة

стр. 2

والفكرة والكاريكاتير، وتطالعنا صحف اليوم بها تحت عناوين ثابتة لكتاب عديدين. والله أسأل أن ينفع بها، ويحقق الأمل منها، ويثيب عليها بقدر الجهد الذي بذل فيها، إنه سميع قريب مجيب الدعوات. دكتور السيد مرسي أبو ذكري

стр. 3

مفهوم المقال: المقال -مصدر قال يقول قولا وقيلا ومقالة ومقالا- ورد ذكره في الآثار الأدبية التي خلفها أسلافنا على امتداد العصور، وحفظها التاريخ. قال النابغة الذبياني: وأخبرت خير الناس أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع مقالة أن قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع١ وقال كعب بن زهير: مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل٢ وقال حسان بن ثابت: ما أن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد وجاء في خطبة الوداع: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل إلى من هو أفقه منه". وقال محمد بن حازم الباهلي أحد شعراء بني العباس: لحا الله قوما ... أعجبتهم مدائحي فقالوا مقالا في ... ملام وفي عتب٣ وقال منذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة: مقالة كحد السيف وسط المحافل ... فرقت ما بين حق وباطل

стр. 4

ونصح عبد الله فكره أمينا -وهو صغير- فقال له: وعود مقال الصدق نفسك وارضه ... تصدق ولا تركن إلى قول مفتري١ وقال محمود سامي البارودي مفتخرا: أنا في الشعر عريق ... لم أرثه عن كلاله كان إبراهيم خالي ... فيه مشهور المقاله٢ وقرظ طه حسين مقالا للطفي السيد فقال: بمثل مقال الأمس يعجب كاتب ... أديب ويرضى عاقل وحكيم حقائق غر يصرع الشك نورها ... كما يصرع الليل البهيم نجوم٣ وكان أحمد زكي يردد دائما بيته: ولي كل يوم موقف ومقالة ... أنادي ليوث العرب ويحكمو هبوا٤ فقدت وردت كلمة "المقال" في آثار أسلافنا منذ الجاهلية حتى العصر الحاضر، ودارت على ألسنتهم، وترددت في أحاديثهم ومحاوراتهم، وشاعت في مجتمعاتهم العامة والخاصة على السواء. ونعني -كما نرى- الحديث المباشر الذي يناجي القلب، ويخاطب الوجدان؛ رغبة في توضيح موقف أو نهي عما لا يستحسن، وتنبيها على فضل سابق، وأملا في إرشاد ونصح، أو فخر بالآباء والأجداد، أو الإعجاب بموقف مشهود ومقام معلوم.

стр. 5

والمقال -اليوم- يتناول موضوعات مختلفة، ومشاكل عديدة، ويعالج مفاسد اجتماعية وأمراضًا خلقية، ويحارب سياسة جائرة، وحاكما ظالما، ويؤيد زعيما صالحا ونظاما عادلا، ويكشف عن جوانب الجمال، ومواطن الحسن في كتاب من الكتب، أو أسلوب من الأساليب، ويدعو إلى الأخذ بأسباب التقدم، ونبذ التواكل والتهاون والتخلف، كل ذلك بأسلوب رائق، وفكر واضح، ومعانٍ وافية. وليس للمقال مجال محدد، وإنما يتسع موضوعه لكل ما في الوجود من حقائق وأفكار وآراء، وآمال وآلام، وخير وشر، وحلو ومر، ومعروف ومنكر. ومن ثم تنوع المقال إلى: أدبي وعلمي وسياسي واجتماعي ونقدي، وغير ذلك من الأنواع التي سنقف عليها بعد. ولقد اعتمدت الصحافة -منذ الأربعينات- في تحريرها على المقالات المختلفة، ثم تحولت إلى صحافة خبر، وأصبح دور المقال ثانويا. وفي الوقت الحاضر احتل المقال مكانته في الصحف والمجلات، واهتمت مجلاتنا الأدبية به اهتماما خاصا. ويهدف المقال أول ما يهدف إلى معالجة المشاكل ووضع الحلول لها حتى يرتقي المجتمع دون انحراف أو التواء، ويحرص كاتبه على بث الفضائل، والتنفير من الرذائل، ونشر المثل العليا التي هي: الخير والحق والجمال. وسوف نتعرف في الفصول القادمة على ملامح المقال في النثر العربي منذ القرن الثاني الهجري، ونتتبع مولده ونشأته، ومراحل نموه في ظل الصحافة، ونقف على شتى أنواعه، ودوره في معالجة قضايا المجتمع، ونتعرف على أشهر رجاله الذين أثروا الفكر، بما قدموا من خواطر، وسجلوا من أفكار، ودبجوا من مقالات، فأنعشوا الأدب، حتى أصبح المقال -على أيديهم- فنا أدبيا له قواعده الثابتة، وقسماته الفارقة، وسماته الواضحة، وألوانه المختلفة، وأساليبه المتباينة، فإلى صفحات تلك الفصول.

стр. 6

الباب الأول: المقال وتطوره الفصل الأول: ملامح المقال في الأدب العربي القديم مدخل ... الفصل الأول: ملامح المقال في الأدب العربي القديم بدت ملامح المقال في الأدب العربي منذ القرن الثاني الهجري في رسائل الأدباء وفصول البلغاء التي تناولت أشياء من الفكر والاجتماع والأدب والنقد، وعبرت عن ذاتهم وأفكارهم الشخصية والموضوعية في موضوعات محددة، وصور مركزة. ولو تناول نقاد العرب الرسائل والفصول -التي خلفها أسلافنا- بالدراسة والنقد، لا مدونا بثروة لا تنفذ، ومعين لا ينضب من الأبحاث الخلقية والاجتماعية؛ لأنها مقالات تناولت الناس -إذ ذاك- مكتوبة في كراسات كما نتناول المقالات اليوم في الصحف والمجلات. ولقد حفلت الرسائل الإخواتية بموضوعات انفرد الشعر بها -كالغزل والمديح والوصف والفخر والهجاء- تحمل سمات المقال، وتبدو فيها خصائصه، يجد القارئ فيها متنفسا عن عواطفه الشخصية، وتعبيرا حرا عما يدور بخلده، لا يقيده وزن ولا تحده قافية. ومن هنا كانت أقرب فنون النثر إلى الشعر، ولولا تكلف الأدباء منذ القرن السادس الهجري للمحسنات اللفظية، والصور البديعية، لتطورت الرسالة، وكانت المثل المبكر لفن المقال، كما عرفته الآداب الأوربية الحديثة، وقديما قال مفكرو العرب الأول: "لكل مقام مقال". وإذا تصفحنا كتب الأدب وتعرفنا على آثار أعلامه، لوقفنا على أمثلة شتى في النواحي الأدبية والفكاهية والسياسية والاجتماعية تؤيد رأيي، وتدعم ما أذهب إليه، فإلى بعض الأعلام وآثارهم:

стр. 7

أولا: الحسن البصري ٢١-١١٠ه ـ أكبر وعاظ عصره، عرف بالزهد والورع والتقوى والفصاحة والحكمة، ومن عباد الله الصالحين الذين تفقهوا في الدين، حتى قال الإمام الغزالي عنه: "كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة"، وقال ثابت بن قرة: "ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس: عمر بن الخطاب في سياسته وعدله، والجاحظ في فصاحته وبيانه، والحسن البصري في عدله وورعه". عاصر الحسن البصري صراع الأمة عقب مقتل عثمان بن عفان، وتأثر بالأحداث التي ألمت بالمجتمع الإسلامي، وجابه القضايا الفكرية التي أثارها علماء الكلام إذ ذاك، وكان لأقواله وحِكَمِه ومواعظه أثر بالغ في ظهور الحركة الصوفية في الإسلام. كان الحسن جريئا لا يخشى لومة لائم، ينقد خلفاء وعمال بني أمية، ويصفهم بالظلم والبغي سوى عمر بن عبد العزيز الذي أتاح الحرية والأمن والأمان للناس خلال حكمه القصير ٩٩-١٠١هـ، فهيأ للحسن وأمثاله جوا صالحا لنشر آرائهم في السياسة والحكم، وهي آراء مستمدة من روح الدين الحنيف الذي يعتمد على الشورى والعدالة، وترددت أصداء هذه الحرية فيما كتب الحسن البصري وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز. دينياته: للحسن البصري رسائل وعظية جليلة، مبثوثة في كتب الأدب؛ كالبيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وهي رسائل تذكر بالبعث، وتخوف من الحساب، وتحض على التقوى، وتدعو لصالح الأعمال، وتنفر من الدنيا، وترغب في الآخرة. لعبت رسائل الحسن الوعظية دورا هاما في حياة الناس الاجتماعية والسياسية، اعتمد فيها على الترغيب والترهيب حينا، والوعد الوعيد حينا آخر، وآثر خلالها الأسلوب الذي يخاطب الوجدان، ويناجي القلب،

стр. 8

ويغوص إلى أعماق النفس فيهزها بما يسرد من أمثلة، ويقدم من صور، ويعتمد على السجع، ويؤثر من ترادف، ويحرص عليه من اقتباس. يعرض الحسن ما يعرض في صورة من الخوف الشديد من الجحيم، حتى كان القارئ يرى النار بعينيه، والناس واقفون على شفيرها، ثم يدعو للابتعاد عنها مخالفة أن يهووا فيها دون أن يشعروا، وأثناء ذلك يحثهم على التحلي بالفضائل، فاتحا باب الرجاء، بل أبواب المحبة الإلهية، وخير مقال على هذا اللون الوعظي رسالته التي كتبها إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز في صفة الإمام العادل، ومما جاء فيها: "اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويزودها عن مراتع المهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر.. والإمام يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده.. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال، وشرد العيال، فأفقر أهله، وفرق ماله.. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها الخبائث والفواحش، فكيف إذا آتاها من يليها؟! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلتم من يقتص لهم؟! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده، وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر، واعلم أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قصره فريدا وحيدا، فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. والآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهليين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك". والرسالة طويلة، تتميز بالأسلوب الوعظي الذي يقوم على تبصير الناس بأحوال دينهم وآخرتهم، وتنصح الحكام في رسم مبادئ الحكم كما ينبغي أن تكون. ولقد صرح معظم المؤرخين أن الرسالة وجدت مكانا رحبا لدى عمر بن عبد العزيز، فلم يستعمل سوى الثقة من العمال، واستن سننا جديدة في خلافته، ووضع مبادئ سياسية تقوم على مبدأ جوهري عام: "خطأ الوالي في العفو خير من تعديه إلى العقوبة". وعلى الجملة تعد الرسالة من المقالات الاجتماعية والسياسية التي تهدف إلى بث المثل الأخلاقية الجيدة، وترسم مبادئ الحكم السليمة التي يرتضيها الدين الإسلامي السمح.

стр. 9

ثانيا: عبد الحميد بن يحيى الكاتب ١٣٢هـ-٧٥٠م شخصية رائدة في الأدب العربي على الرغم من أنه فارسي الأصل، لكنه ولد في البيئة العربي الإسلامية، وأخذ من فيض الثقافة العربية حتى علت منزلته، وعظم قدره في السياسة والكتابة؛ لذا كان أبو جعفر المنصور يقول بعد أن أصبح خليفة: "غلبنا بنو مروان بثلاثة أشياء: بالحجاج وعبد الحميد بن يحيى والمؤذن البعلبكي"١. تربع عبد الحميد على عرش الكتابة العربية؛ لبلاغته وحلو حديثه وسلامة تعبيره وحواره الذي يجري على لسانه عفو الخاطر، ومن أبلغ ما أوثر عنه من جمل قصار، منها قوله: "العلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة"، ومن ثم أطلق الثعالبي عبارته المشهورة عليه فقال: "بدئت الكتابة بعبد الحميد، وانتهت بابن العميد"٢. رسائله: ترك عبد الحميد رسائل في موضوعات مختلفة: سياسية وأدبية. منها رسالته التي كتبها على لسان مولاه مروان بن محمد لولي عهده ابنه

стр. 10

عبد الله، حين أرسله لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني رأس الخوارج بالجزيرة ١٢٧هـ-٧٤٥م، وهي تدور حول ما يجب أن تكون عليه أخلاقه في سيرته الخاصة، وعلاقاته مع أفراد حاشيته من القواد والموظفين، وتنظيم الجيوش من الناحيتين: المادية والحربية، وبهذا تعتبر مقالة في السياسة وتدبير الحاشية. وله رسالة في الشطرنج، وأخرى في الصيد، دعا فيهما إلى الاقتصاد من ممارستهما والابتعاد عنهما، بعد أن شغلا الناس في بعض الأمصار، فانصرفوا عن القيام بأمور معاشهم، والرسالتان تقتربان من المقال الحديث من حيث: عرض الموضوع، وسهولة الأسلوب، والتنبيه على أمر يشغل الناس عن الكسب والعمل. وله رسالة إلى الكتاب تضمنت مجموعة نظم وقواعد لآداب الكتابة، وتوجيهات تتعلق بأخلاقهم وشرف مهنتهم، وتحقيق رسالتهم النبيلة، وهي تشبه المقال النقدي الحديث لموضعها الحي، وأسلوبها السهل، وخصائصها الفنية، مما يجعلها أقرب إلى المقال منها إلى الرسالة، ومما جاء فيها: "أما بعد، حفظكم الله يأهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن بعد الملوك المكرمين -أصنافا، وإن كانوا في الخِلْقة سواء، وصرفهم١ في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم، وأبواب رزقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات، والعلم والموازنة، بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمر بلدانهم، لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف٢ إلا منكم.

стр. 11

فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصاركم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون، فأمتعكم بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع ما أضفاه١ من الثقة عليكم ... فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله والفرائض، ثم العربية فإنها ثقاف٢ ألسنتكم، ثمهم أجيدوا الخط فإنه حلية كتابتكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج، وارغبوا في أنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها، وسفاسف الأمور ومحاقرها، فإنها مزلة للرقاب، مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن الدنايا، واربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات". فقد وضح عبد الحميد في رسالته ما ينبغي أن يتحلى الكاتب به من صفات شاملة، وحين نمضي في قراءة الرسالة حتى نهايتها نشعر أنها مقال يتناول فكرة واحدة معينة، يرتكز الكاتب عليها، ويمارسها من جوانب عدة، وهذا ما يتطلبه المقال الحديث.

стр. 12

ثالثا: عبد الله بن المقفع ١: كاتب عربي -فارسي الأصل- يعد ثمرة من ثمرات الثقافة الإسلامية، ونتاج الحضارة العربية، ويعتبر من خيرة الكتاب الذين عرفوا بعمق الفكرة ورشاقة الأسلوب، ورقة العبارة، عاش في الدولتين: الأموية والعباسية، وترجم مجموعة من الآثار الأدبية من اللغة الفارسية لغة أهله إلى اللغة العربية لغة وطنه، وفي مقدمتها كليلة ودمنة. اهتم في كتاباته بالنقد السياسي، والإصلاح الاجتماعي، وترك آثارا خالدة من الأدب الرفيع، ممثلة في رسائله العديدة، وكتبه الشهيرة مثل: الأدب الصغير، والأدب الكبير، وكليلة ودمنة، وغيرها. كتاباته: لابن المقفع رسائل عديدة طويلة وقصيرة، تحمل الحكمة والبلاغة في كل كلمة من كلماتها، وتبلغ القمة من الجمال والإمتاع، منها الرسالة اليتيمة لما ضمت من أحكام سياسية جريئة على الحاكم والرعية، وبها يعتبر قمة من قمم الفكر الإسلامي الذي يضع المقاييس للناس والحكام، ومدى ارتباط كل منهما بالآخر. ومن أشهر رسائله ما عرف باسم "رسالة الصحابة" التي كتبها للخليفة أبي جعفر المنصور في أصول الحكم، وأسباب بقائه وعلات ميله وانحرافه. ومن الطريف أن ابن المقفع يضفي على أهل العراق الصفات الطيبة، بعد أن وصفهم الحجاج -والي بني أمية- بأقذع النعوت، يقول: "إن في أهل العراق يا أمير المؤمنين من الفقه والعفاف والألباب والألسنة شيئا لا يكاد يشك أنه ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه، فلو أراد أمير المؤمنين أن يكتفي بهم في جميع ما يلتمس له أهل هذه الطبقة من الناس، رجونا أن يكون ذلك فيهم موجودا، وقد أزرى بأهل العراق تلك الطبقة أن ولاة العراق فيما مضى كانوا أشرار الولاة، وأن أعوانهم من أهل أمصارهم كذلك، فحمل جميع أهل العراق على ما ظهر من أولئك الفسول٢، وتعلق بذلك أعداؤهم من أهل الشام فنعوه عليهم٣، ثم كانت هذه الدولة، فلم يتعلق من دونكم من الوزراء

стр. 13

والعمال إلا بالأقرب فالأقرب، مما دنا منهم أو وجوده بسبيل شيء من الأمر فوقع رجال مواقع شائنة لجميع أهل الفريق حينما وقعوا من حماية خليفة أو ولاية عمل، أو موضع أمانة أو موطن جهاد، وكان من أهل الفضل أن يقصدوا حيث يلتمسون، فأبطأ ذلك بهم أن يعرفوا، وينتفع بهم، وإن كان صاحب السلطان ممن لا يعرف الناس قبل أن يليهم، ثم لم يزل يسأل عنهم من يعرفهم، ولم يستثبت في استقصائهم، زالت تلك الأمور عن مراكزها، ونزلت الرجال عن منازلها؛ لأن الناس لا يلقونه إلا منصفين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت والكلام، غير أن أهل النقص هم أشد تصنعا، وأحلى ألسنة، وأرفق تلطفا للوزراء، وتمحلا لأن يثنى عليهم من وراء وراء، فإذا أثر الوالي أن يستخلص رجلا واحدا ممن ليس ذلك أهلا، دعا نفسه جميع ذلك الشرج١، وطمعوا فيه واجترءوا عليه، وتواردوه وترحموا على ما عنده، وإذا رأى ذلك أهل الفضل كفوا عنه، وباعدوا منه، وكرهوا أن يروا في غير موضعهم أو يزاحموا غير نظرائهم ... ". ويعرض بأهل الشام فيقول: "ومما يذكر به أمير المؤمنين أهل الشام، فإنهم أشد الناس مؤنة، وأخوفهم عداوة وبائقة، وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة، ولا يطمع منهم في الاستجماع على المودة، فمن الرأي في أمرهم أن يختص أمير المؤمنين منهم خاصة، ممن يرجون عنده صلاحا، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء، فإن أولئك لا يلبثون أن يتفضلوا على أصحابهم في الرأي والهدى، ويدخلوا فيما جمل عليه من أمورهم، فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق والذين استدخلهم أهل الشام، ولكن أخذ في أمر أهل الشام على القصاص: حرموا كما كانوا يحرمون الناس، وجعل فيئهم في غيرهم إليهم كما كان فيء غيرهم إليهم، ونحوا عن المنابر والمجالس والأعمال كما كانوا ينحون عن ذلك من لا يجهلون فضله في السابقة والموضع، ومنعت منهم المرافق، كما كانوا يمنعون الناس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامة ... ". ويتحدث عن أصحاب الخليفة، وكيف يختارون مما يدل على إلمام ابن

стр. 14

المقفع بشئون الدولة، مبهما السياسة، فيقول: "ولصاحبة أمير المؤمنين -أكرمه الله- مزية وفضل، وهي مكرمة سنية حرية أن تكون شرفا لأهلها، وحسيا لأعقابهم حقيقة أن تصان وتحظر، ولا يكون فيها إلا رجل برر بخصلة من الخصال، أو رجل له عند أمير المؤمنين خاصة بقرابة أو بلاد، أو رجل يكون شرفه ورأيه وعمله أهلا لمجلس أمير المؤمنين، وحديثه ومشورته، أو صاحب نجدة يعرف بها، ويستعد لها، جمع مع نجدته حسبا وعفافا، فيرفع من الجند إلى الصحابة، أو رجل فقيه مصلح يوضع بين أظهر الناس لينتفعوا بصلاحه وفقهه أو رجل شريف لا يفسد نفسه أو غيرها. فأما من يتوسل بالشفاعات فإنه يكتفي أو يكتفى له بالمعروف، والبر فيما لا يهجن رأيا، ولا يزيل أمرا عن مرتبته، ثم تكون الصحابة المخلصة على منازلها ومداخلها، لا يكون للكاتب فيها أمرا في رفع رزق ولا وضعه، ولا للحاجب في تقديم أذن أو تأخيره. ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر تفيان أهل بيته وبني أبيه وبني علي وبني العباس، فإن فيهم رجالا لو متعوا بجسام الأمور والأعمال سدوا وجوها، وكانوا عدة لأخرى"١. الرسالة طويلة -كما ترى- تتضمن فكرا سياسيا شديد الخطر في النقد والتوجيه لسكان الأمصار الإسلامية، واختيار الحكام الذين يركن الخليفة إليهم؛ ولذا لا نبالغ إذا قلنا: إن الرسالة مقال يرسم سياسة الدولة، ويدير شئون الرعية، وينقد نظام الحكم، ويبين وجوه الإصلاح، ثم هي تتميز بأسلوب ممتع يخضع للمعنى العميق والهدف الواضح، وهذا ما يجب توفره في المقال الاجتماعي والسياسي اليوم.

стр. 15

رابعًا: الجاحظ: ١٥٠-٢٥٥ه ـ هو أبو عثمان عمرو بن محبوب، لا يدانيه كاتب في سعة ثقافية ورشاقة أسلوبه وخفة روحه، وسلاسة بيانه، وتنوع معرفته، فقد أحسن فهم كل موضوع في عصره من سياسة واجتماع واقتصاد وحيوان ونبات وشعوب، وغير ذلك من الكتب التي تفوق الحصر كثرة وتنوعا، فخلف للعربية تراثا ضخما على مدى عمره الطويل. قال عنه أحد معاصريه من العلماء: "لم أرَ قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان". رسائله وفصوله: في آثار الجاحظ رسائل وفصول تعد نماذج عليا للمقال في الأدب العربي القديم، وتشبه المقالات في عصرنا الحديث؛ لأنها تتناول موضوعات فردية واجتماعية تناولا أدبيا. يعتمد الجاحظ فيها على إثارة العواطف، وتأجج المشاعر، وتتسم بتدفق الأفكار، وتلوين الصور، وتنويع موسيقى العبارات، مع الانطلاق في التعبير، والتحرر من القيود. تبدأ -غالبا- بتوجيه الحديث للمخاطب والدعاء له، ثم تدخل مباشرة في الموضوع الذي أنشئت له، بحيث لو حذف البدء منها بدت الرسالة مقالا سويا. وصف المسعودي آثار الجاحظ الخالدة فقال: "كتب الجاحظ -مع انحرافه المشهور- تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ووصفها أحسن وصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع، خرج من الجد إلى الهزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة"١. وتعتبر فصول كتابه "البخلاء" مقالات تصويرية رائعة، تصور الحياة في البصرة وبغداد -خلال عصر الجاحظ- أحسن تصوير وأدقه، وتعرض نماذج بارعة من البخل لأشخاص عاصروه، أبدعتهم مخيلته على غير نسق موجود، وبأسلوب تفرد به، وأصبح علما عليه. ومن أبرز الرسائل ذات الصلة بما نسميه المقال اليوم رسالة: "الحاسد والمحسود" التي بدأها الجاحظ بقوله: "وهب الله لك السلامة، وأدام

стр. 16

لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ودفع عنك الندامة، كتبت إليَّ -أكرمك الله- تسألني عن الحسد ماهو؟ وأين هو؟ وما دلائله وأفعاله؟ وكيف تفرقت أموره وأحواله؟ وبِمَ يعرف ظاهره ومكنونه؟ ولِمَ صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولِمَ كثر في الأقرباء وقل منه في البعداء؟ وكيف دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف خص به الجيران من جميع الأوطان"١. افتتح الجاحظ رسالته بعناصر عدة، ناقشها عنصرا تلو عنصر، وعالج خلالها ظاهرة الحسد معالجة أدبية تنفر منه، وتقلل من قيمة الحاسدين، وما يترتب عليه من أضرار تقع بالحاسد والمجتمع. استمع إليه إذ يقول: "الحسد -أبقاك الله- داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه عسر، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض، وأمر متعذر، فما ظهر منه فلا يُدارى، وما بطن منه فمداويه في عناء"٢. ثم يقول: "وما أتى المحسود من حاسد إلا من قبل فضل الله تعالى إليه، ونعمته عليه، والحسد عقيد٣ الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان ... فمنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنهج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم من الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النار في الحجر. ولو لم يدخل -رحمك الله- على الحاسد، بعد تراكم الهموم على قلبه، واستكان للحزن في جوفه، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنقيص عمره، وكدر نفسه، ونكد لذاذة معاشه إلا استغفاره لنعمة الله تعالى عنده، وسخطه على سيده بما أفاده الله عبده، وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وألا يرزق أحدا سواه لكان عند ذوي العقول مرحوما، وكان عندهم في القياس مظلوما"٤.

стр. 17

"وقد قال بعض الأعراب: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم"١، ثم يقول: "فإذا أحسست -رحمك الله- من صديق بالحسد، فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته، وحصن سرك منه تسلم من شذى٢ شره، وعوائق ضره، وإياك والرغبة في مشاورته، فتمكن نفسك من سهام مشاورته، ولا يغرنك خدع ملقه، وبيان ذلقه٣، فإن ذلك من حبائل ثقفه"٤. وعلى الرغم مما وقع الجاحظ فيه من هتات مثل: تكرار بعض العناصر وحاجة بعضها الآخر إلى تهذيب، وحسن ترتيب، وجمال تنسيق، فإن للرسالة قيمة كبرى؛ إذ هي من الأدب الهادف الذي يرمي إلى تحقيق غاية خلقية، وندف اجتماعي، وإصلاح ديني. وبهذا أشبهت المقالات التي تتناول الشئون المختلفة للفرد والمجتمع. وللجاحظ فكاهة عذبة وافية، تستقبلها النفس بالارتياح، ويتقبلها الخاطر بالبهجة والانشراح، تتمثل في رسالته "التربيع والتدوير" وهي رسالة طويلة تجمع بين محاسن التفكير الدقيق، والتعبير الأنيق، سخر فيها من معاصره "أحمد بن عبد الوهاب" قصير القامة ويزعم أنه طويلها، قصير الأصابع ويدعي أنه رشيقها، يظهر الكبر على وجهه ويزعم أنه في سن الشباب، جهول ويزعم أنه عالم، وغير ذلك من الصور الطريقة التي تدعو إلى السخرية والضحك، ولنترك الجاحظ يتحدث بنفسه يقول: "كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر، ويدعي أنه مفرط الطول. كان مربعا وتحسبه لسعة جفرنه٥ واستفاضة خاصرته مدورا، وكان

стр. 18

جعد١ الأطراف، قصير الأصابع وهو في ذلك يدعي البساطة والرشاقة، وأنه عتيق٢ الوجه أخمص٣ البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي أنه طويل الباد٤، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم البلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب، حديث الميلاد، وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها. وتكلفه للإبانة عنها على قدر رغبته فيها. وكان كثير الاعتراض، لهجا٥ بالمراء، شديد الخلاف، كلفا بالمجاذبته متتابعا في العنود، مؤثر للمقالبة، مع إظلال الحجة، والجهل بموضع الشبهة. والخطرفة عند قصر الزاد، أو العجز عند التوقف، والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء، ومغية فساد القلوب ونكد الخلاف، وما في الخوض من اللغو الداعي إلى السهود، وما في المعاندة من الإثم الداعي إلى النار، وما في المجاذبة من النكد، وما في الغلية من فقدان الصواب. وكان قليل السماع غمرا٦ وصحفيا غفلا٧، لا ينطق عن فكر وثيق بأول خاطر، ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق، يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق منهم بسبب، وليس في يده من جميل الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب، أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك، قد علمت حفظك الله أنك لا تحسد على شيء حسدك على حسن القامة، وضخم الهامة، وعلى حور العين،

стр. 19

وجودة القد، وعلى طيب الأحدوثة، والصنعة المشهورة، وأن هذه الأمور هي من خصائصك التي بها تكلف، ومعانيك التي بها تلهج. وإنما يحسد -أبقاك الله- المرء شقيقه في النسب، وشقيقه في الصناعة، ونظيره في الجوار على طارف١ قدره أو تالد حظه، أو على كرم في أصل تركيبه، ومجاري أعراقه، وأنت تزعم أن هذه المعاني خالصة لك، مقصورة عليك، وأنها لا تليق إلا بك، ولا تحسن إلا فيك، وإن لك الكل، وللناس البعض، وأن لك الصافي، ولهم المشوب، هذا سوى القريب الذي لا تعرفه، والبديع الذي لا نبلغه، فما هذا الغيظ الذي أنضجك؟! وما هذا الحسد الذي أكمدك؟! وما هذا الإطراق الذي اعتراك؟! وما هذا الهم الذي قد أضناك؟! "٢. يحس القارئ أنه أمام فن جديد في الهجاء، وطراز فريد لأدب الفكاهة والتهكم والسخرية؛ لأن رسالة "التربيع والتدوير" ترسم صورة ضاحكة تفوق أصحاب التصوير الكاريكاتوري في العصر الحديث، وبذلك أمكن للجاحظ أن يشوه خصمه من واقع ضروب المفارقات والمناقضات المختلفة في تكوينه الجسمي الذي يجمع بين القصر والسمنة والتكريش، في الوقت الذي يدعي فيه الرشاقة والجمال والعلم والشباب. عالج الجاحظ ذلك كله في رسالته بأسلوب سهل، وقدرة فائقة في التعبير، وتلوين في الصور مع فيض من المعاني، واختيار للألفاظ، هذا ما ينبغي توافره في المقال الأدبي اليوم.

стр. 20

خامسا: ابن قتيبة ٢١٣-٢٧٦ه ـ هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة. يمثل ثقافة عصره خير تمثيل، فقد ألم بالثقافة العربية، ووقف على بعض الثقافات الأجنبية التي ظهرت في محيط الفكر حينئذ. ترك مؤلفات عديدة في شتى ألوان المعرفة من آداب ونقدولغة ونحو تاريخ وفلك وقراءات وحديث وفقه. وهي مؤلفات تكشف عن عقلية واعية منظمة مصقولة، خطت بالفكر المنسق خطوات واسعات نحو الكمال. والرواة يشيرون إلى ذلك فيقولون عنه أنه: "أحسن العلماء ترصيفا، وأجودهم تصنيفا"١. ولقد وصف بالفضل وغزارة المادة، فقال الأنباري: "كان ابن قتيبة فاضلا في اللغة والنحو والشعر، متفننا في العلوم، وله المصنفات المذكورة، والمؤلفات المشهورة"٢. وقال السيوطي: "كان رأسا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة دينا فاضلا"٣، وقال القفطي عنه: "هو صاحب التصانيف الحسان في فنون العلم"٤، ثم قال بعد ذلك بقليل: "وكان ثقة دينا فاضلا صادقا فيما يرويه، كثير التصانيف والتآليف". آراؤه النقدية: لابن قتيبة كتاب "الشعر والشعراء" وهو من أقوم الكتب وأجداها، ففيه نقد وأدب وتاريخ، وسجل قيم لعدد ضخم من الشعراء وأخبارهم، وشيء من أشعارهم منذ الجاهلية حتى منتصف القرن الثالث الهجري. ويعتبر من أعظم المصادر الأدبية لتراجم الشعراء، ومعرفة ملابسات بعض أشعارهم التي لا يستطيع باحث أن يغفلها. بدأه بمقدمة تضمنت مذهبا جديدا في تقويم الشعر والشعراء دون نظر إلى القائل، فخطا بالنقد خطوات واسعة نحو التحرر من التقاليد النقدية العتيقة، والانطلاق إلى ما له أثر فعال في النقد الأدبي. وتعتبر مقدمة الكتاب -لما حوت من أمثلة حية- لبنة طيبة، وخطوة جريئة في أساس النقد الأدبي، نقلته من حال إلى حال.

стр. 21

والأمثلة الحية التي تضمنتها مقدمة الكتاب، نماذج طيبة للمقال النقدي. ومما جاء في المقدمة لكتاب ابن قتيبة "الشعر والشعراء": "ولست أسلك فيما ذكرت من شعر كل شاعر، مختارا له سبيل من قلد، إذ استحسن استحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، ولا لمتأخر بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل إلى الفريقين، وأعطيت كلا حظه، ووفرت عليه حقه، فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله١، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله. ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره، وكل شريف خارجيا في أوله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدون محدثين، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن، حتى لقد هممت بروايته، ثم صار هؤلاء قدماء بعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا كالخريمي والعتابي والحسن بن هانئ وأشباههم. فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه. ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله ولا حداثة سنه، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف، لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه". فقد كشف ابن قتيبة النقاب وأماط اللثام عن رأيه الشخصي، ونظرته الذاتية في الشعر والشعراء. ومثل هذا الرأي له قيمته ووزنه وثقله ودوره في المسائل الأدبية والفنية، ومن هنا اقترب في مقدمته من المقال النقدي، ودنا منه إلى حد كبير، لا ينكره إلا حاقد على الفكر العربي.

стр. 22

سادسا: أبو حيان التوحيدي ٣١٠-٤٠٠ه ـ عَلَمٌ من أعلام الفلسفة الأدبية، عبر عن أعمق المعاني الفلسفية بالصور الحسية، والتشبيهات اللفظية، والعبارات الأدبية؛ ولذا اعتبر رائد "الأدباء الفلاسفة" أو "الفلاسفة الأدباء". وصفه ياقوت الرومي بأنه "فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق المتكلمين، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء.. فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة"١. عاش في القرن الرابع الهجري الزاخر بالحياة العقلية، وتقدم العلوم، وتعدد الفنون، وتنوع الثقافات، وبروز الحركات الفكرية. جمع بين التراث اليوناني والثقافة العربية، في عصر كثرت فيه المجالس الأدبية، والندوات الفكرية. وظهر أثر ذلك في كتبه ورسائله حتى اعتبر الناطق بلسان الثقافة الرفيعة، ورسول الفكر الممتاز في كل منتدى من منتديات عصره. أوصافه في "الإمتاع والمؤانسة": كتاب "الإمتاع والمؤانسة" أبرز الآثار الأدبية لأبي حيان التوحيدي، والمطلع عليه يعجب بثقافة الرجل الواسعة، واطلاعه الغزير؛ إذ يضم مسائل في كل علم وفن: أدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث ولغة وسياسة وفكاهة ومجون وتحليل لشخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه، وتصوير للعادات وأحاديث المجالس ... إلخ. وبجانب هذا يلقي ضوءا على الحالة الاجتماعية والثقافية للعراق خلال النصف الثاني من القرن الرابع الهجري "أي العصر البويهي"، وصفه القفطي فقال: "هو كتاب ممتع على الحقيقة لمن له مشاركة في فنون العلم، فإنه خاض في كل بحر، وغاص كل لجة، وما أحسن ما رأيته على ظهر نسخة من كتاب "الإمتاع" بخط بعض أهل جزيرة صقلية، وهو: ابتدأ أبو حيان كتابه صوفيا، وتوسطه محدثا، وختمه سائلا ملحقا"٢.

стр. 23

والكتاب ينقسم إلى أربعين ليلة، أشبه بألف ليلة وليلة، لكن لياليه فلسفة وفكر وفن وأدب، لا ليالي غرام وحب ولهو وطرب. "فإن كان ألف ليلة وليلة يصور أبدع تصوير الحياة الشعبية في ملاهيها وفتنتها وعشقها، فكتاب "الإمتاع والمؤانسة" يصور حياة الأرستقراطيين العقلية: كيف يبحثون؟ وفيمَ يفكرون؟ وكلاهما في شكل قصصي مقسم إلى ليالٍ، وإن كان حظ الخيال في الإمتاع والمؤانسة أقل من حظه في ألف ليلة وليلة"١. وينفرد كتاب أبي حيان بالجزالة في العبارة، والإطناب في تصوير الفكرة، والإكثار من الازدواج، مع الاهتمام بالتعمق في سير غور الموضوعات التي يتناولها. وفصول الكتاب الوصفية تشبه المقالات الموضوعية الحديثة، وتقترب من المقالات التأملية الفلسفية. فقد ضم الكتاب صورا "شخصية" بارعة، أصلحها للتمثيل وأقربها إلى المقال وصف الصاحب بن عباد، التزم فيه بالأسلوب الهادئ الخالي من السباب البذيء حتى لا يفوت الغرض الذي رمى إليه، والهدف الذي يريد تحقيقه. ومما جاء في وصف الصاحب بن عباد: "أن الرجل كثيرا لمحظوظ حاضر الجواب، فصيح اللسان، قد نتف من كل أدب خفيف أشياء، وأخذ من كل فن أطرافا. والغالب عليه كلام المتكلمين المعتزلة، وكتابته مهجنة بطرائفهم، ومناظرته مشوية بعبارة الكتاب، وهو شديد التعصب على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطب والتنجيم والموسيقى والمنطق والعدد، وليس عنده بالجزء الإلهي خبر، ولا له فيه عين ولا أثر. وهو حسن القيام بالعروض والقوافي؛ ويقول الشعر وليس بذاك، وفي بديهته غزارة، وأما رويته فخواره، وطالعه بالجوزاء والشعرى قريبة منه، ويتشبع لمذهب أبي حنيفة، ومقالة الزيدية، ولا يرجع إلى الرقة والرأفة والرحمة. والناس كلهم محجمون عنه لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته، شديد العقاب، طفيف الثواب، طويل العتاب، بذيء اللسان، يعطي كثيرا قليلا "أعني يعطي الكثير القليل" مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب،

стр. 24

بعيد الفيئة١، قريب الطيرة، حسود حقود حديد، وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده ساير إلى أهل الكفاية. أما الكتاب والمتصرفون فيما فوق سطوته، وأما المنتجعون فيخافون جفوته. وقد قتل خلقا، وأهلك ناسا، ونفى أمة، نخوة وتفننا وتجبرا وزهوا. وهو مع هذا يخدعه الصبي، ويخلبه الغبي؛ لأن المدخل عليه واسع، والمأتي إليه سهل، وذلك بأن يقال: مولانا بأن أعار شيئا من كلامه، ورسائل منثورة ومنظومة، فما رحبت الأرض إليه من فرغاته ومصر وتقليس إلا لأستفيد كلامه وأفصح به، وأتعلم البلاغة منه. لكأنما رسائل مولانا سور قرآن، وفقرة فيها آيات فرقان، واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق برهان، فسبحان من جمع العلم في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص، فيلين عند ذلك ويذوب، ويلهي عن كل مهم له، وينسى كل فريضة عليه، ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائل مع الورق والورق٢، ومسهل له الإذن عليه والوصول إليه والتمكن من مجلسه، فهذا هذا. ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم ويقول: قد نحلتك هذه القصيدة امدحني بها في جملة الشعراء ركن الثالث من الهمج المنشدين. فيفعل أبو عيسى -وهو بغدادي محكك قد شاخ على الخدائع وتحنك- وينشد فيقول له عند سماع شعره في نفسه، ووصفه بلسانه، ومدحه من تحبيره: أعد يا أبا عيسى والله قد صفا ذهنك، وزادت قرحتك، وتنقحت قوافيك. ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا في العيد الماضي، مجالسنا تخرج الناس، وتهب لهم الذكاء، وتزيد لهم الفطنة، وتحول الكودن عنيفا، والمحمر جوادا، ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنية، وعطية هينة، ويغيظ الجماعة من الشعراء وغيرهم؛ لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا، ولا يزن بيتا، ولا يذوق عروضا"٣. وعلى الرغم من طول وصف أبي حيان للصاحب بن عباد، فاته يتضمن صورة بليقة، توحي بالتقليل من شأن الصاحب بن عباد الذي اشتهر بين أعلام عصره، وهي في تصويرها وتحليلها مقال وصغي رائع يقترب من روح المقالات الهجائية الساخرة التي تصطنع أسلوب التهكم الخفيف، والمضحك في الوقت نفسه.

стр. 25

سابعا: إخوان الصفا جماعة سرية دينية، وسياسية فلسفية، وشيعية أو إسماعيلية باطنية، تألفت وتضافرت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري منهم: محمد بن مشير البستي، وعلي بن هارون الزنجاوي، ومحمد بن أحمد النهرحوري، والعوضي، وزيد بن رفاعة. اعتقد أفراد الجماعة أن الشريعة الإسلامية دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولن تطهر ويحصل الكمال لها إلا بالفلسفة؛ لاشتمالها على الحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية. اجتمع أفراد هذه الجماعة على القدس والطهارة، ووضعوا مذهبا استخلصوه من كل علم، زاعمين أنه يؤدى إلى الفوز برضى الله؛ ولذا سموا "إخوان الصفا وخلان الوفا". رسائلهم: لإخوان الصفا اثنتان وخمسون رسالة، حوت الكثير من العلم النفيس، وضمت العديد من الخلط الرخيص، وجمعت معارف عصرهم العلمي والفلسفي والديني، حتى أشبهت دائرة المعارف. ضمت الرسائل أربعة أقسام: قسم في الرياضيات، وآخر في الجسمانيات "الطبيعيات"، وثالث في النفسيات "العقليات"، ورابع في الناموسيات "الإلهيات"، بالإضافة إلى الرسالة الجامعة التي توضح كل ما جاء بهذه الرسائل. ظهرت الرسائل في أخريات القرن الرابع الهجري، ولم تنسب لمؤلف ويغلب انتماؤها إلى هذه الجماعة، وهي على أي حال تتميز بالنزعة الكلامية الفلسفية أكثر من تميزها بالصفة الأدبية البيانية. تحكي الرسائل الخصومة الأبدية بين الإنسان والحيوان أمام محكمة

стр. 26

الجن، يروي مؤلفوها أن الحيوانات كانت حرة تركض في الغابات، والإنسان يسكن أعالي الجبال، ثم ما لبث أن تحضر وتجمع في المدن، وانقض على الأنغام والبهائم يستعبدها ويسخرها، ثم تروي الرسائل أن الناس أخضعوا بالإسلام حين ظهر، وخضع فريق من الجن له، وكان "بيراست الحكيم" ملك الجن يحكم جزيرة "صاغون" التي تقع في وسط البحر الأخضر، قريبة من خط الاستواء، وحدث أن استطاب نفر من الآدميين الإقامة بالجزيرة، وأخذوا يتعرضون لحيواناتها التي هربت منهم، وذهبت إلى "بيراست الحكيم" يشكون ظلم الإنسان لهم، فبعث إليهم كي يمثلوا بين يديه. ويحلق خيال مؤلفو الرسائل فيجعلون زعماء الحيوانات يختارون "ابن آوى" يتحدث عنهم، ثم يعتذر عن مهمته لكثرة أعدائه من الكلاب، فيتقدم الذئب معللا عداوة الكلاب للحيوانات وصداقتهم لبني الإنسان فيقول: "إنما دعا الكلاب إلى مجاورة بني آدم ومداخلتهم مشاكلة الطباع ومجانسة الأخلاق، وما حدث عندهم من المرغبات واللذات، ومن المأكلات والمشروبات، وما في طباعها من الحرص واللؤم والبخل، وما في جبلتها من الأخلاق المذمومة في بني آدم مما السباع عنه بمعزل، وذلك أن الكلاب تأكل اللحمين: نيئا وجيفا مذبوحا وحامضا.. وما شاكلها من أصناف مأكولات بني آدم التي أكثر السباع لا يأكلها ولا يعرفها". ويدافع زعيم الإنس عن حقهم في تسخير الحيوانات بآيات من القرآن الكريم مثل: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ . ويرد البغل على هذه الحجج فيقول: "ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسي من آيات القرآن -أيها الملك- دلالة على ما زعم أنهم أرباب ونحن عبيد لهم، إنما هي آيات تذكار بإنعام الله عليهم وإحسانه، سخرها كما سخر الشمس والقمر والرياح والسحاب، أفترى أيها الملك أننا عبيد وأنهم أرباب؟! ". ويستنطق مؤلفو الرسائل كل فرد من بني الإنس بأسلوب بني جنسه ثقافة وتفكيرا، ويصف سحنتهم وأزياءهم وعاداتهم، فالهندي طويل اللحية، والعبراني يرتدي برداء أصفر، والسرياني والمسيحي يلبس ثيابا من الصوف، والقرشي يلبس ثوبين وإزار وكأنه رجل محرم. والرسائل -كما ترى- مرآة لأفكار إخوان الصفا، تعكس عقائدهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتتميز بسهولة الأسلوب، ووضح الفكرة، واختيار الألفاظ، مما جعلها قريبة من المقال الأدبي الفلسفي في أشياء عديدة. وتدور موضوعات الرسائل -كما هو واضح- حول نقد العقائد الهندية واليهودية والنصرانية والإسلامية، من خلال عقيدة إخوان الصفا الشيعية العلوية، وتهدف إلى محاربة الحاكم الظالم ومن يعملون معه، وتنتهي بدفع الملوك لظلم الملكين: ملك الجن وملك النحل، وهذا ما يهدف المقال إليه اليوم في مفهومه ومضمونه.

стр. 27

ثامنا: ابن خلدون ٧٣٢-٨٠٨ه ـ هو ولي الدين بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن خلدون، صاحب العقلية المتأملة المتفهمة للحياة، الدارسة للتاريخ الإسلامي وفلسفته دراسة عميقة جديرة، تتناول المجتمعات وخصائصها، والطبائع ووقائعها، والتاريخ وأهدافه وعلله. ترك ابن خلدون آثار عديدة -تدل على عبقريته ومظاهر عظمته- في علم الاجتماع والتاريخ والترجمة الشخصية والكتابة العربية، وعلم النفس التربوي والتعليمي وعلوم الحديث. وأشهر مؤلفاته "المقدمة" التي تضمنت موضوعات اجتماعية لا تزال حتى اليوم نماذج حية، وصورا صادقة تنير الطريق أمام الدارسين، وكأنه كان يكتب بلغة عصرنا، وأسلوب مفكريه. اجتماعياته: تطلق "المقدمة" لابن خلدون على المجلد الأول من المجلدات السبعة التي

стр. 28

تؤلف كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، أنشأ فيها ما نسميه اليوم "علم الاجتماع"، وضمنها ما لم يستطيعه أحد قبله أن يأتي بمثله، بل عجز العديد من بعده أن يصلوا إلى شأوه. وتدل بحوثها على رسوخ قدمه في طائفة كبيرة من العلوم، فلم يترك أي فرع من ضروب المعرفة إلا ألم به حتى في فنون السحر، وأسرار الحروف والزيرجة والطلسمات. ويعتبر موضوع ابن خلدون الذي حلل فيه أسباب شجاعة البدو، وخواص القبيلة والعصبية فيهم، وجبن أهل الحضر، ومظاهر حياتهم من أمثل النماذج على المقال الحديث يقول: "والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألفوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم، والحاملة التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيقة، ولا ينفر لهم صيد، فهم غارون آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة. وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونهم إلى سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم دائما يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل جانب في الطرق، ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا في المجالس وعلى الرمال فوق الأقعاب، ويتوجسون للنبات والهيقات، وينفرون في القفر والبيداء، مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البائس خلقا، والشجاعة سجية، يرجعون إليها متى دعاهم داعٍ، أو استنفرهم صارخ. وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم، لا يملكون معهم شيئا من أمر أنفسهم، وذلك مشاهد بالعِيَان حتى

стр. 29

في معرفة النواحي والجهات وموارد الحياة ومشارع السبل، وسبب ذلك ما شرحناه، وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة، واعتبر ذلك في الآدميين نجده كثيرا صحيحا، والله يخلق ما يشاء"١. النص -كما هو واضح- يدل على عمق ابن خلدون في بحث أحوال المجتمع، ومعرفة البيئة وأثرها على الناس، ويهدف في المقام الأول إلى كشف النقاب عن حقائق تتعلق بحياة البدو والحضر بأسلوب رائق، وعبارات واضحة، وأفكار مترابطة، وصور متآخية، وهذا ما يجب أن يتحقق في المقال الحديث. وبعد فتلك صور أدبية أخاذة رائعة، زخر النثر الفني بها على امتداد عصوره، تناولت أشياء مختلفة من الفكر والاجتماع والسياسة والأدب والنقد، وجاءت تعبيرا عن أفكار الأدباء الشخصية والموضوعية في موضوعات محددة، وصور مركزة، وأفكار واضحة، تشبه المقال في مفهومه الحديث، وتقترب منه إلى حد كبير. وليس باللازم أن يسير الأدب العربي في فنونه وألوانه على نسق الآداب الغربية؛ لأن لكل أدب مميزاته وخصائصه التي تختلف عن غيرها زمانا ومكانا وطبيعة. وفيما قدمنا من نماذج لما يؤكد أن العرب منذ مطلع القرن الثاني الهجري قد قدموا في نطاق تعبيرهم الأدبي رسائل وفصول وكتابات وأوصاف أدت ما أداه المقال في الآداب الأوربية. ولو ابتعد أدباء القرن السادس الهجري عن تكلف البديع، وتركوا العناية بالزينة، وابتعدوا عن البهرجة اللفظية، وانطلقوا في كتاباتهم دون قيد، لكانت الرسالة الأدبية المثل المبكر الحي للمقال الأدبي، وأمدتنا بثروة من الأبحاث الخلقية والاجتماعية؛ لأنها وغيرها تداولها الناس مكتوبة في كراسات، كما نطالع اليوم المقالات في الصحف والمجلات.

стр. 30

ومن الإنصاف لأسلافنا وتراثنا الأدبي، أن ندرج كل ما يدور حول موضوع معروف، ويرمي لغاية تحت الأدب المقالي الهادف الذي يبغي غاية خلقية أو اجتماعية وغيرها حتى ننصف الأدباء السابقين؛ لأنهم دبجوا في شئون الفرد وأحوال المجتمع؛ ولذا قال الدكتور محمد عوض محمد: "المقال قد تطورت أركانه في ذلك العهد، وسما بنيانه، وليس ظهوره إلا عودة الأصول العربية التليدة"١.

стр. 31

الفصل الثاني: المقال في طوره الحديث مدخل ... الفصل الثاني: المقال في طوره الحديث لعلك أدركت من خلال دراستك للفصل السابق أن النثر العربي عرف الفكر المنظم الهادف منذ القرن الثاني الهجري "الثامن الميلادي" وتألق على مر العصور، وتناول أحوال المجتمع وأمور السياسة وقضايا الأدب في موضوعات هادفة، وصور حية، حتى بلغ في مضمار الكتابة الفنية الجودة والإتقان، وتميز بالجمال والكمال، بينما لم تعرف محاولات الأوربيين في مضمار الكتابة الوعظية إلا في منتصف القرن السادس عشر الميلادي. ومعنى ذلك أن الأوربيين تأخروا ستة قرون عما برز العرب فيه من كتابات في مجالات مختلفة وميادين عديدة، ولقد حفظ الزمن آثارا فكرية لأسلافنا، تكشف عن ثراء عقولهم، وصفاء أذهانهم، وجودة أدائهم، مما يجعلنا نفخر بهم على مر الأيام وتعاقب الأعوام. وعلينا أن نقف على محاولات الأوربيين أولا، والأطوار التي مر بها المقال في أدبنا الحديث ثانيا، وأثر الصحف في المقال ثالثا.

стр. 32

أولًا: محاولات الاوربيين ميشيل دي مونتين ١٥٣٢-١٥٩٢ ... أولا: محاولات الأوربيين: لم تعرف كتابات للأوربيين إلا في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، مستوحاة من المواعظ والأخلاق، فكانت أقرب إلى الأمثال والحكم، ولا تعدو أن تكون أفكارا من هنا وهناك، انعدمت فيها التجارب الذاتية والعناصر الشخصية، وظلت هكذا حتى خطا ببعض الكتاب بها خطوات، فتوفر لها من عناصر الأدب الهادف والقول الرفيع مما جعل المقال فنا أدبيا يتناول شئون السياسة وأحوال المجتمع، ما يشغل الناس من أدب وفن واجتماع وفلسفة وأخبار، وسنحاول أن نرسم لك صورة لمحاولات الأوربيين الأولى في مضمار الكتابة والإنشاء. ١- ميشيل دي مونتين ١٥٣٣-١٥٩٢: كاتب فرنسي طاف أوربا، وترك "يوميات" شهيرة، أجمع مؤرخو الأدب الأوربيين أنه رائد المقال الحديث لكتاباته التي تناولت مشكلات عصره الفكرية والاجتماعية. استوحى كتاباته من آثار سابقيه ومعاصريه من كتاب المواعظ والدروس الخلقية، وصاغ منها عملا يدور حول المشكلات الخلقية والمعاشية بعبارة جميلة التقطها من هنا وهناك، غير أنه قد خلا تماما من العنصر الشخصي، وانعدمت فيه التجارب الخاصة. وفي ١٥٨٠ اتجه نحو إيداع فن جديد استوحاه من الظروف التي أحاطت به، ومن تأملاته العميقة ونظرته الفاحصة لمجتمعه، وتأثره بالكتابات الأخلاقية في عصره، ودأب على صقلها وتنقيحها وتجويدها حتى أمدته بالجديد من الصور والأحاسيس والمشاعر. وظهر هذا التحول في كتاباته خاصة، مؤلفاته: "تربية الأولاد" و"حب الآباء للأبناء" و"الكبت" و"القسوة" و"من أشبه الآباء فما ظلم". ومن ثم بدأت مرحلة جديدة تقوم على التأمل العميق، والفكر الواعي في الموضوعات الخلقية والنفسية، معتمدا على الحكم والأمثال وجوامع الكلم التي استمدها من ملاحظاته وتجاربه الشخصية. فغلب العنصر الشخصي في كتاباته، التي امتازت في هذا الطور بأنها أطول من سابقاتها. ثم جمع أربعة وتسعين فصلا كتبها ونشرها في جزأين وسماها "محاولات" وتعهدها بالتهذيب والتشذيب، وضم إليها ثلاثة عشر مقالا، وأخرجها في طبعة منقحة، تتميز بتألق العنصر الشخصي، ويتسم أسلوبها بالحرية والتدفق والسير على أسس معروفة، وقواعد معينة، وأصول مرعية. ومن هنا سجل التاريخ له فضيلة السبق في مضمار هذا الفن الجديد، بعد أن امتلك ناصيته، وتربع على عرشه، وجال قلمه في موضوعات شتى بحرية تامة، وانطلاق وتدفق وحيوية.

стр. 33

ب- فرانسيس بيكون ١٥٦١-١٦٢٦: فيلسوف إنجليزي، صرف كل جهوده إلى إحياء وتجديد الفلسفة والعلوم بالطرق الاختيارية. كانت الموضوعات العشر التي كتبها حوالي ١٥٩٧ أول أثر أدبي في اللغة الانجليزية، وهي أقرب إلى الأمثال والحكم، قل فيها العنصر الشخصي، وصور التجارب الخاصة، وفي ١٦١٢ أصدر مجموعة من الموضوعات بلغت ثمانية وثلاثين، تعتبر بداية اتجاه جديد في القالب والمحتوى، اعتمد في القالب على حسن التقسيم وجمال التنسيق، وفي المحتوى انصرف عن الحكم المركزة، والأقوال المأثورة، ومال إلى الحديث المرسل المتميز بالحيوية والألفة. وفي ١٦٢٥ أصدر المجموعة الثانية في ثمانية وخمسين موضوعا، تضم المقالات السابقة، بدت فيها مظاهر التطور واضحة، وجال النظر فيها من وقت لآخر منقحا ومهذبا حتى أصبحت كتاباته واضحة المعالم، وفنه يتسم بالتنسيق، تتميز بالإطالة في الموضوعات وتحليلها، وظهر أسلوبه في حلة قشيبة، وأصبح أمتن نسجا، وأرق تعبيرا، وأوسع خيالا، وأكثر زخرفة، وأحسن تنسيقا، مع الاعتماد على الآراء الشخصية، والأحداث التاريخية، والتجارب الخاصة في التفسير والتوضيح والاستدلال بشتى البراهين. ويوضح العقاد الفرق بين مقالات "بيكون" في هذين الطورين فيقول: "مقالات بيكون في بواكيرها كانت طرائف من المتفرقات الفكرية تجمعها سلسلة الموضوع والعنوان في إيجاز شديد، غير محتفل فيه بالتفصيل والتوضيح، كأنما يكتبها الكاتب لنفسه، فهو غني عن تفصيلها؛ لعلمه بمقصده منها حين الحاجة إليها، أو كأنما هو يكتبها بلغة الاختزال الفكري التي يفهمها المرتاضون على قراءة هذا الضرب من الاختزال، ويجهد في شرحها غير المرتاضين عليه، ثم جنحت في صيغتها الأخيرة إلى التسمح بعد التزمت، والسخاء بعد الضنانة، والتفسير بعد الإيماء والاقتضاب، وازدانت في هذه الصيغة بأجمل ما يزدان به النثر البليغ من براعة التشبيه، وطرافة الأمثولة، واختيار الشواهد من المأثورات اللاتينية واليونانية في سياقها الملائم، وموقعها المنتظر"١. ويرجع تطور فرانسيس بيكون في كتاباته إلى عوامل أهمها: رغبته الصادقة في تعقيد علم الأخلاق؛ ولذلك نراه يكتب رسائل تنفر من الشهوات، وترغب في الفضائل، وتكشف عن النماذج الأخلاقية. ونجح في مقاله "الحسد" و"والتظاهر والرياء" ومنها اقتباسه من الكتابات التي تحمل طابع الأخلاق، ومنها تأثره بمقالات "مونتين" التي عرفها المجتمع الأدبي الإنجليزي. ومن ثم اكتسب أسلوب "بيكون" قيما جمالية لم يعرفها من قبل، وبعد عن الحكم ومال إلى الحديث المباشر المسهب المدعم بتجاربه الذاتية، وشواهد التاريخ، فتوفر له من مقومات الأدب الرفيع ما جعله يأتي بالجديد والطارف في هذا الفن الناشئ.

стр. 34

جـ- المقال في القرن الثامن عشر: أصبح المقال في هذا القرن فنا أدبيا قائما بذاته على يد "ريتشارد ستيل" ١٦٧٢-١٧٢٩، و"جوزيف أديسون" ١٦٧٢-١٧١٩؛ لموهبتهما الفذة، واستعدادهما الطيب، وساعدهما في ذلك ظهور المجلات الأدبية، وعناية الناس والكتاب بالشئون السياسية، وما يشغل الناس من أزياء وآداب وأخبار واجتماع. بدأ هذا التطور في فن المقال بظهور "الصحيفة الأثينية" التي أصدرها "جون دنتون" واهتم فيها بنشر الأخبار والمعارف العامة، محلاة بالطرائف والأحاديث الشيقة على طريقة السؤال والجواب، ثم أعقبتها مجلة الكاتب الساخر "دانيال ديفو ١٦٦٠-١٧٣١" باسم "مجلة أسبوعية خاصة بشئون فرنسا" غايتها بث آراءه الخاصة في الأزياء والعادات والأخلاق والذوق العام. وفي ١٧٠٩ أصدر "ريتشارد ستيل" العدد الأول من مجلة "الثرثار" وجعلها بابين: الأول للأخبار، والثاني للمقالات، وظل صديقه "جوزيف أديسون" يعاونه حتى احتجبت المجلة ١٧١١، وبعد شهرين من احتجابها أصدرا مجلة "المرتقب"، وعلى صفحات هاتين المجلتين ظهر المقال الحديث الذي يختلف كما وكيفا عن المقال القديم في موضوعاته المستمدة من الأحداث اليومية، وما يطرأ على المجتمع من حين لآخر. واتجهت المجلات التي ظهرت في هذا القرن اتجاها إصلاحيا تهذيبيا، مما ساعد على تطور المقال، وساعد في ذلك انتشار المقاهي في كل ناحية، يلتقي جمع من الناس فيها، يتناقشون في مختلف شئون الحياة من اجتماع وأدب وسياسة واقتصاد، فعودتهم تلك المناقشات تكوين آرائهم الخاصة في كل ما يعرض عليهم، وبدأ الكتاب يشاركون في تلك المناقشات، فيتصيدون النماذج الحية، والصور الفكهة، ويعرضونها على القراء في صور ساخرة، وأسلوب لاذع، يبغون من وراء ذلك إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وتهذيب أخلاق الناس، وإصلاح عاداتهم.

стр. 35

د- المقال في القرن التاسع عشر: حفل هذا القرن في المجتمع الأوربي بنخبة من الكتاب تمردوا على قواعد أسلافهم في المقال، وأحلوا مكانها أسسا جديدة، تختلف في مضمونها ومحتواها عنها، وظلت هذه الأسس قائمة وسائدة حتى اليوم، ومن أشهر هؤلاء: شارلس لام، ولي هنت، وهزلت، ودي كوني. وعلى الرغم من ذلك فقد اختلف المقال عند كتاب هذا القرن لاعتبارات عديدة أهمها ما يلي: ١- تجاوز المقال في موضوعاته حياة المدن وأزياء المجتمع، وعادات الناس وسلوكهم وأخلاقهم إلى مختلف الموضوعات، وأصبح الكاتب يسجل ما يروقه من صور، ويعين له من أفكار، معتمدا على سعة ثقافته، ومدى إدراكه واتصاله بالحياة العامة. ٢- بدت شخصية الكاتب جلية واضحة من خلال كتاباته، وانصرف الكتاب عن بعض الأساليب القديمة في صياغة المقال، وعزفوا عن الاستشهاد بالتاريخ القديم وجوامع الكلم. واعتمدوا على شواهدهم التي استمدوها من تجاربهم الخاصة، ومن قراءاتهم بأسلوب بسيط خال من التكلف، فجاءت موضوعاتهم تعبيرا حرا أمينا عن الذات، والاهتمام بتجليتها في الأدب مما ميز أدب القرن التاسع عشر. ٣- ازداد طول المقال ازديادا واضحا، مما فسح المجال أمام الكتاب، فعرضوا آراءهم ومشاهداتهم وتجاربهم في إسهاب لم يؤلف خلال القرن الثامن عشر. ولعل مرجع هذا التغيير الذي لحق بالمقال إلى أسباب أهمها: طغيان الرومانتيكية التي عبرت عن مثل الناس وتقاليدهم في الأدب والحياة معا. وغير ذلك من الوسائل الجديدة التي حولت أقلام الكتاب، فطوروا المقال حتى تضمن المثل الجديدة. ومنها ظهور المجلات الأدبية الجديدة، والدور الذي لعبته في احتدام المنافسة بين المجلات التي صدرت في الفترة من ١٨٠٢-١٨١٢. ومنها توالي ظهور المجلات الأدبية التي عبر كتابها عن روح الحياة الجديدة التي شملت الأدب والحياة معا. ومن هنا زاد حجم المقال، واتسع مجال موضوعاته تبعا لذلك. أضف إلى ذلك ما زخر المجتمع الأوربي به من أفكار وآراء وأجناس وألوان، والمقال فن من فنون التصوير والتعبير الذي يحفل بما يدور في مجتمعه.

стр. 36

ثانيًا: المقال في الأدب العربي الحديث مدخل ... ثالثا: المقال في الأدب العربي الحديث أدركنا أن العرب لم يعرفوا المقال بمفهومه الحديث، وإنما عرفوا قالبا قريبا منه على شكل رسالة، تناولت بعض الموضوعات الأدبية والاجتماعية والسياسية، وخاطبوا بها طبقة من المثقفين في زمانهم. أما المقال في وصفه الفني اليوم، فقد ولد مع الصحافة في القرن التاسع عشر، ونشأ في ظلها، وترعرع في أحضانها، بعد أن فرضته ضرورات الحياة ومتطلبات العصر، يخاطب جموع الأمة دون تعمق، بحيث تبدو فيه البساطة والجمال الفطري، ومن ثم أصبح "المقال يتناول موضوعا يتصل بقضية حية في صورة محددة ومركزة، ويتجه إلى الجماعة، ويخضع في أسلوبه لمقتضيات الصحافة التي نشأ فيها هذا الفن. ولما كان المقال مرتبطا بالصحافة، وعلى صفحاتها تطور، وبأقلام كتابها دبج، كان لزاما علينا أن نقف على الأطوار التي مر بها حتى أصبح فنا أدبيا له جماله وجلاله، وسحره وتأثيره.

стр. 37

الطور الأول: نعني به الفترة التي نشأ المقال خلالها في ظل الصحف الرسمية التي أصدرتها الدولة، أو أعانت على نشرها منذ عهد محمد علي حتى قيام الثورة العرابية. في هذا الطور سيطر السجع الغث، والتكلف الزائف على أقلام الكتاب، وسادت المحسنات البديعية المقالات: السياسية والاجتماعية والتعليمية والأخبار الداخلية والخارجية. ولذا لم ينجح المقال في علاج المشكلات التي عانى الشعب منها، ولم يلفت نظر الجمهور لما يدور حوله من قضايا وأحداث. وأبرز كتاب هذا الطور: رفاعة رافع الطهطاوي، وعبد الله أبو السعود، وحمد أنس أبو السعود، وميخائيل عبد السيد، وسليم عنموري. نشر هؤلاء مقالاتهم في الوقائع المصرية ١٨٢٨، ووادي النيل ١٨٦٩، وروضة الأخبار ١٨٧٥، والوطن ١٨٧٧، ومرآة الشرق ١٨٧٩ على التوالي. ولكي تدرك سيطرة الأسلوب المسجوع على أقلام الكتاب خلال هذا الطور، اقرأ وصفا لحادث داخلي، جاء بأحد أعداد الوقائع ١٨٦٥: "أن أناسا من اللئام، سفلة الأنام، ارتضوا بالخزي وارتكاب الآثام، فاستبدلوا الاشتغال بأنواع الكسب الحلال بالاشتغال بالحرام والعار، والدوران في القرى والأمصار، وكلما صادفوا أناسا على فطرتهم وحسن نياتهم، تحيلوا على اصطيادهم بتحيلاتهم، وعملوا طرق الخديعة والختل في سلب عقولهم، بإحدى المغيبات المشهورة بين الناس بالتاتورة، فيضعونها في شيء من المأكولات، ويطعمونها أصحاب العقول الناقصة بدون شعور، وبعد الحصول على ما معهم يفرون". وهكذا كان السجع يسيطر على الخبر المترجم سياسيا أو غير سياسي، ولا يخلو من الكلمات الأعجمية.

стр. 38

الطور الثاني: نعني به الفترة التي شارك السوريون والمصريون فيها، مع بداية الثورة الاجتماعية والفكرية المتأثرة بدعوة جمال الدين الأفغاني وتلاميذه إلى إصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية، وارتبطت بنشأة الحزب الوطني الأول ١٨٧٩، والأحداث التي مهدت للثورة العرابية، وغير ذلك مما تقل اليقظة العقلية من السياسة إلى المجتمع، وسرت بدورها إلى عالم الفكر والثقافة والعلم والأدب. وأبرز كتاب هذا الطور أديب إسحاق ١٨٨٥، وعبد الله فكري ١٨٨٩، وعلي مبارك ١٨٩٣، وعبد الله النديم ١٨٩٦، وجمال الدين الأفغاني ١٨٩٧، وعبد الرحمن الكواكبي ١٩٠٢، ومحمد عبده ١٩٠٦، وقاسم أمين ١٩٠٨، كتب هؤلاء في الأهرام ١٨٧٥، ومصر ١٨٧٧، والتجارة ١٨٧٨، والفلاح والحقوق وغيرها من الصحف التي برزت خلال هذا الطور. عالج كتاب هذا الطور شئون السياسة، وأحوال المجتمع، وإصلاح التعليم، وفي هذا الطور نشأ المقال بألوانه الثلاثة: السياسي على يد أديب إسحاق، والاجتماعي على يد عبد الرحمن الكواكبي، والديني على يد الشيخ محمد عبده. وتناول المقال المشكلات المتصلة بالشعب، وبدأ يتحلل من قيود الأسلوب، وكان لهذا التحول وانتقال الكتابة من الفردية إلى الموضوعية أثره البالغ في تعدد الأغراض وجودة الأساليب. وهذا نموذج من مقالات عبد الله النديم التي اهتم فيها بتثقيف الشعب ومعالجة قضايا وطنه السياسية، ومشاكله الاجتماعية، وتحرر خلاله من السجع ولفائفه، والبديع وزخارفه، يقول النديم في مقاله "عربي تفرنج": "ولد لبعض الفلاحين ولد، فسماه زعيط، وتركه يلعب في التراب، وينام في الوحل، حتى صار يقدر على تسريح الجاموسة، فسرحه مع البهائم إلى الغيط، يسوق الساقية ويحول الماء، وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات، وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد كان يقدم اليخني ليمنعه يأكل اللحم بالبصل، وبينما هو يسوق الساقية، وأبوه جالس عنده، مر بهما أحد التجار، فقال لأبيه: لو أرسلت ابنك إلى المدرسة ليتعلم ويصير إنسانا، فأخذه وسلمه إلى المدرسة، فلما أتم العلوم الابتدائية أرسلته الحكومة إلى أوربا، وبعد أربع سنين ركب الوابور، وجاء عائدا إلى بلاده، فمن فرح أبيه حضر إلى الإسكندرية، ووقف بمصيف الجمرك ينتظره. فلما خرج من "الفلوكة" قرب أبوه ليحتضنه ويقبله، شأن الوالد المحب لولده، فدفعه في صدره". يسخر النديم من الفتى الذي ملأه الغرور والكبر، فلم يقبل أن يحتضنه والده، ونسي تقاليد بلاده، كل ذلك بأسلوب ساخر، يسوده الحوار، وتشيع العامية فيه كي يفهم أهل الريف الذين يخاطبهم. وهكذا أثمرت جهود بعض الكتاب في العودة إلى التوفيق بين الأساليب الموروثة، وحاجات العصر الذي أطلوا منه على عالم جديد، فأنشئوا المقالات بلغة أصلح للكتابة الصحفية، مؤثرين بلاغة العبارة، واختيار اللفظ، وسلامة التركيب.

стр. 39

الطور الثالث: نعني به الفترة التي واكبت النضج السياسي، والوعي الاجتماعي، خلال الربع الأول من هذا القرن، نتيجة لتأجج الدوافع الوطنية، وغضب الأمة للاحتلال الإنجليزي، وسيطرة الأتراك، ورغبة الجميع في تحرير الوطن من الأجانب، أضف إلى هذا ما وقع من أحداث، وشب من صراعات، وظهر من اتجاهات، واحتدم من معارك بين الكتاب حول الثقافة الأوربية التي سادت البلاد، وحرية المرأة وتثقيفها، وغير ذلك من الموضوعات التي أدت مناقشتها إلى التماس حل لها. وبجانب هذا كله ظهرت أحزاب ثلاثة -مما كان له أثره البالغ في نمو المقال وتطوره- هي: ١- الحزب الوطني ١٩٠٦ بريادة مصطفى كامل، وصحيفته "اللواء".

стр. 40

٢- حزب الأمة ١٩٠٧ بزعامة أحمد لطفي السيد، وصحيفته "الجريدة". ٣- حزب الإصلاح ١٩٠٧ بإشراف علي يوسف، وصحيفته "المؤيد". وأبرز كتاب هذا الطور: مصطفى كامل ١٩٠٨، وأحمد مفتاح ١٩١١، وعلي يوسف ١٩١٣، وجورجي زيدان ١٩١٤، وفتحي زعلوك ١٩١٤، وحمزة فتح الله ١٩١٨، وملك حفني ناصف ١٩١٨، وحفني ناصف ١٩١٩، وعدلي يكن ١٩٢١، ومصطفى لطفي المنفلوطي ١٩٢٤، وأحمد لطفي السيد ١٩٦٣. كان مصطفى كامل يمثل قلب الأمة الخافق. ألهيت مقالاته السياسية النفوس، وأججت المشاعر. جاء في مقال له: "ليقل المصريون للأمة الإنجليزية: إنه إذا كان ساستها قد نسوا أو تناسوا عهودهم ووعودهم، فإننا معاشر المصريين لم ننسها، ليقولوا بحرية وصراحة واستقلال كل ما يعتقدون، وما به يشعرون حتى تعلم الأمة كلها أنها أحياء يناضلون عن حقوقهم، ولا يقبلون الذلة والعار. إن ضياع الاستقلال مصيبة على المصريين، ولكن هناك مصيبة أخرى، وهي وجود أفراد أدنياء، اتجروا بالوطنية حينا، ثم لما يئسوا من نيل الاستقلال العاجل والربح القريب، انقلبوا إلى الاحتلال يعبدونه يتملقونه. هؤلاء هم "المصيبة الكبرى" في مصر، وبهم يستدل أعداؤنا، والمبغضون لأمتنا على موت العواطف فينا ... ". أما أحمد لطفي السيد، فكان يمثل الجانب العملي، فنراه يعمد إلى توضيح الطريق أمام من يريد أن يتخلص من مشكلة الاستعمار فيقول: "يجب علينا أن نثبت -لا لغيرنا فقط بل لأنفسنا- أننا أحرار متحللون من كل عقال يربطنا عن نيل الحرية، بل أسرى السلطة السياسية، أسرى السلطة المالية، فإذا أعوزنا ان نسترد حريتنا السياسية، فما الذي يمنعنا من العمل لاسترداد حريتنا المالية، وهي لا يستهان بها. إن تحريرنا المالي مسألة سهلة التقرير، ولكنها صعبة التحقيق جدا، معقدة الطرائق إلا إذا شفيت نفوسنا من أوهام الأحلام، وصحت عزائمنا في حلها. كل عمل لحلها ينفع، ولكن أين الذين يريدون الكسب الشخصي وكسب الحرية في آن
следующие страницы →