← Адаб

Адаб · id 10540

المقال وتطوره في الأدب المعاصر

السيد مرسي أبو ذكري

Полный текст (374 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أولا: أحمد فارس الشدياق ١٨٠٥-١٨٨٧ من أوائل من حملوا لواء النهضة الأدبية والفكرية الحديثة، سبق بفكره وقلمه وعلمه أترابه ولداته؛ لكثرة ما قرأ وعرف، وجرب ورأى وسمع، حتى كان من نوادر عصره. اهتم بالأبحاث اللغوية والأدبية، وترك فيهما آثارا خالدة، منها كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق"، ذكر فيه حياته وأحواله، وما عاناه من دهره، خلط فيه الجد بالهزل، والسجع بالترسل، والعلم بالأدب. وأغرب وأطرب، وذهب في صياغته كل مذهب، تجلت فيه عبقريته في اللغة والأدب والتحليل ووصف الخطرات والنوازع والسيرة الذاتية، وأدب الرحلات، والتهكم برجال الدين. كل ذلك بأسلوب لا عهد للعرب به، وعلى الرغم من قيمته العلمية والأدبية، فقد تضمن مجنونا وفحشا، مما أثار عليه حملة ضارية. وطبع بباريس ١٨٥٥ ثم توالت طبعاته فيما بعد. أسلوب الشدياق: انفرد الشدياق بأسلوب فريد فيما كتب من مقالات، ودبج من خواطر، وسطر من انطباعات، فكان وحيد عصره، وفريد دهره، لذا اعتبر امتدادا لابن خلدون في حسن الترسل، ودقة التحليل، وبراعة التسلسل المنطقي، والبعد عن الحشو والتكلف مع صحة اللغة، وسلامة التركيب، وجمال العبارة. ومن هنا كان من أوائل من حرروا الكتابة من قيود البديع، وبدعة التقليد. وأهم ما يميز أسلوبه في إطاره اللغوي ما يلي: ١- يضع الألفاظ في مواضعها دون بهرجة ولف ولبس، حتى تؤدي المعاني مدلولاتها في إشراق ووضوح واستقامة ودقة. ٢- تجنب ما شاع في عصره من صناعات لفظية، تفسد المعنى، وتشغل القارئ بظاهر اللفظ، لإيمانه بأن المعاني الجياد تستغني عن الطلاء والزخرف، كما تستغني الحسناء عن الحلي والزينة. ٣- إيثار المعنى الذي يريده في وضوح ودقة وفهم تام لدلالات الألفاظ على المعاني.

стр. 107

٤- لا يكتب إلا ما يمر بباله من أفكار، ويتردد في خاطره من موضوعات، دون أن يستعير عبارة من أديب أو أسلوب من كاتب. ٥- دقة الوصف وعمق التحليل، وبراعة التصوير والتمثيل، خاصة حين يصور المعنويات بالمحسوسات. ٦- تحري أفصح الأساليب، وأصح العبارات وأسلسها لغة وأداء، مع المزاوجة بين السجع والترسل في رسائله الخاصة. ريادة الشدياق في الكتابة بلبنان: يعد الشدياق رائد المقال الأدبي والسياسي والاجتماعي في لبنان، وكانت صحيفة "الجوائب" المجال الفسيح لمقالاته التي غمرت العالم العربي والإسلامي. آثر في أول كتابات أن يسمى مقاله: "جملة أدبية"١ ثم بدا له أن هذه التسمية لم تحظَ برضا القراء، ولم تلقَ قبولًا لدى الذوق العام، ومن ثم عدل إلى كلمة "المقال" وبدأ مقالاته بعبارة: "من الناس" للدلالة على اتجاهها الاجتماعي، وميلها إلى نقد المجتمع والناس". لهذا جعله كاتب٢ مؤسس النهضة الحديثة وزعيمها، وعده آخر٣ من رواد النهضة الحديثة في الأدب، وجعله ثالث٤ "صاحب يد طولى في النهضة العربية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، فمهدت السبيل للتقدم الأدبي العظيم خلال القرن العشرين". هاجم الشدياق أرباب الاستعارات والمحسنات فقال: "ما أدري ما الذي حسن لأرباب فن الإنشاء أن يضيعوا وقتهم بهذه الاستعارات والتشبيهات المبتذلة، وينظم الفقر المتماثلة في المعنى، مع أن العالم يتأتى

стр. 108

له أن يبدي عمله بعبارة واحدة إذا كانت رشيقة اللفظ، بليغة المعنى"١. ويرى أن كثرة السجع تسد مسالك التعبير فيقول: "السجع للمؤلف كالرجل من خشب للماشي، فينبغي لي ألا أتوكأ عليه في جميع طرق التعبير؛ لئلا تضيق بي مذاهبه، أو يرميني في ورطة لا مناص منها. ولقد رأيت أن كلفة السجع أشق من كلفة النظم، فإنه لا يشترط في أبيات القصيدة من الارتباط والمناسبة ما يشترط في الفقر المسجوعة، وكثيرًا ما نرى الساجع قد دارت به القافية عن طريقه التي سلك فيها حتى تبلغ إلى ما لم يكن ترتضيه لو كان غير متقيد بها". لذا استعمل السجع بمقدار في مقدمات كتبه يقول: "قد مضت علي برهة من غير تكلف السجع والتجنيس، وأحسبني نسيت ذلك! فلا بد أن أختبر قريحتي في هذا الفصل، فإنه أولى به من غيره"٢. وزواج الشدياق بين السجع والترسل في رسائله، فقد كتب إلى أخيه "طنوس" بمالطة ١٨٤٠ رسالة استرسل في أولها، وسجع في آخرها فقال: "فكيف بالاقتناع، والقلب في التباع، والدمع في تهماع، ومن أين للسلو والبين في علو، والوجه في نمو؟ ". ويميل إلى الاستطراد، وهذا واضح في كتابيه: "رحلة إلى مالطة وأوربا"، تراه يستطرد من موضع الرحلة إلى نقد القاموس المحيط في عدة مواضع٣. وهي استطرادات تدل على تزاحم المعلومات والمعارف لديه. ويبلغ القمة في دقة التصوير، وعمق التعبير، وبراعة التحليل عند تصوير المعنويات بالمحسوسات، انظر إلى اللوحة التعبيرية التي تصور مشية نساء مالطة يقول: "للنساء زهو وعجب إذا مشين أكثر من زهو الرجال، فترى المرأة كالعروس المزفوفة إلى بعلها، وهي ممسكة بطرف

стр. 109

الوشاح باليد اليسرى، ويطرف غطاء رأسها باليمنى، فتكون على هذه الحالة أشغل من ذات النحيين"١. وهكذا يجعلك الشدياق تشعر بقيمة الأشياء الصغيرة وخطرها. اهتم الشدياق منذ طفولته بخدمة القضايا اللغوية، كما كان له ارتياح غريزي من صغره لقراءة الكلام الفصيح، وإمعان النظر فيه، والتقاط الغريبة التي كان يجدها في الكتب. ويعد كتاب "الساق على الساق" معجما للعديد من الألفاظ الغربية التي استعملها الشدياق في الحكاية والمقامة، ويرد الحياة ووصف رحلاته وأشعاره. من غرائب الألفاظ لمسميات في أحوال وأوصاف مختلفة كلمة "البيت" البيت في أصله بيت، ولكن البيت الذي يستظل به كالعرش، غير البيت المسنم من قصد، غير المربأ الذي ينظر منه من عل، غير البيت المقدم أمام البيوت، غير السرادق المضروب، غير البيت من الطين، غير البيت الذي لا باب فيه ولا ستر، غير البيت من الحجر، غير البيت من آدم، غير البيت من الشعر، غير البيت الدنيء، غير البيت المدهور بالجص، فلكل نوع من هذه البيوت لفظ خاص به في اللغة العربية. ودافع الشدياق عن اللغة وأصالتها، فبيت في كتابه اللغوي: "سر الليالي في القلب والإبدال" مشتقات الألفاظ بعضها من بعض، مما أضعف الرأي القائل بأن بعض الألفاظ العربية مأخوذة من لغات الأعاجم، مثل لفظة "كنز" في العربية التي زعم "الخفاجي" أنها معربة لكلمة "كنج" الأعجمية.. وبناء على طريقته في نسق الألفاظ واشتقاقها يتضح أن كلمة "كنز" عربية بأنها من "الكن" وهو الستر، ومنه جن الشيء -بمعنى ستر- وكتبه وكنه النعمة أي كفرها وسترها، وكنس الظبي أي دخل في كناسة، فاستتر فيه. والكنيسة متعبد اليهود. وحقيقة معناها مكان يستتر فيه.

стр. 110

يقول الشدياق: "فأنت ترى أن معنى الستر والجمع دائر في جمع هذه الألفاظ، فإذا ادعى فارسي أن الكنز معرب "كنج" أو سرياني أن الكنيسة معرب "كتشى" بمعنى جماعة، قلنا لهم: بل أنتم قوم لثغ، لم يحسنوا الظن بألفاظنا فبدلتموها وحرفتموها ... ". ويؤكد لك جهوده في تطوير اللغة والأدب، تناوله مادة بعينها ومناقشة ما ورد بشأنها في المراجع اللغوية، ومدلول مرادفها في اللغات الإفرنجية، ويمضي في تحليلها وشرح ما يتصل بها من تصورات، يقول مثلًا في "التمدن": "لا يخفي أن لفظ "التمدن" مأخوذ من المدنية، والمدنية مشتقة من مدن بمعنى أقام على القول الأصح، وإن كان صاحب القاموس قد اضطرب فيها فجعلها مرة من دان، ومرة من مدن، وكيف كان فإن مرادف التمدن في اللغات الإفرنجية من معنى "المدينة" وهو عندهم في الأظهر عبارة عن استجماع كل ما يلزم لأهل المدينة من اللوازم البدنية والعقلية، فقولهم مثلًا: هذا رجل متمدن، ينزل منزلة قولنا: متأدب كيس خبير وما أشبه ذلك"١. وهكذا كان الشدياق يبني حكمه على أصالة الألفاظ العربية على أساس سليم، وملاحظات زكية، ومقارنات واعية من اشتقاق الألفاظ، ونسق الأفعال، وتناسب الحروف بعضها مع بعض، كما كان يعلي من قيمة العقل في الاجتهاد اللغوي، فلا حجر على باحث ما دام العقل رائده، ولا يقف بأمانة اللغة على زمن معين، بل يمضي في تاريخ الفكر العربي ما دام هناك عقل يحسن الاستنتاج، ويجيد الاستدلال. ومن ثم لا نعجب أن نجد الإمام محمد عبده يثني على أحمد فارس الشدياق في مجلسه لاستقامة لغته، وأصالة أسلوبه، مما جعل السيد رشيد رضا يعترض قائلًا: "أين هو من أسلوب العروة الوثقى الرفيع، ووضعكم لفرائد اللغة الطريفة في موضعها منها؟ فكان جواب الإمام: تلك الألفاظ نديرها، أما الشيخ أحمد فارس فهو إمام في اللغة، وأسلوبه في الكتابة فغريب، فلما فطن له الأدباء، ويعجب السيد رشيد رضا من تفضيل الإمام محمد عبده لأحمد فارس على نفسه في الإنشاء مع أنه أبلغ منه! "١. وبهذا وغيره تدرك عبقرية أحمد فارس الشدياق في اللغة والأدب، وريادته في إحياء الألفاظ العربية، واهتمامه بالإطار اللغوي في كتاباته الأدبية والاجتماعية والسياسية، كما كان لصحيفته "الجوائب" دورها البارز في شيوع ألفاظ عربية، بعد أن استخرجها من دفائن المعاجم، وجعلها تدور على الألسنة، وتردد على الأفواه، وتشيع بين العامة والخاصة من الناس.

стр. 111

ثانيا: الشيخ إبراهيم اليازجي ١٨٤٧- ١٩٠٦ نشأ محبا للعلم، ميالًا للبحث، شغوفًا بالدرس، حتى أصبح دائرة معارف لغوية وأدبية وعلمية، كلف باللغة العربية، وانكب على تفهمها بفكر نير، ورأي صائب حتى استوعب ما تضمنته المعاجم والآثار الأدبية، وخلفه فحول اللغة والأدب الأقدمين، ووقف على دفائن اللغة، وتغلغل في مطاوي عبقريتها، يستجلي أسرارها، ويبحث عن كنوزها حتى أعطانا من تراث الماضي ما كان مدفونًا في الخزائن، ومستورًا في مظان المصادر. خلف الشيخ إبراهيم اليازجي آثارًا عديدة في مجالات مختلفة، أبرزها تصحيح الأخطاء التي جاءت في معجم "لسان العرب" لابن منظور المتوفَّى حوالي ١٣١١هـ ومعجم "تاج العروس" لمحب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسني الواسطي المتوفَّى ١٧٩١م، ومعظمها لا يزوال مخطوطًا، لا سيما معجمه اللغوي الذي سماه "الفرائد الحسان في قلائد اللسان". حرر العديد من الأبحاث المفيدة، والمقالات المترسلة بجريدة النجاح

стр. 112

١٨٧٢ جمع فيها بين المتانة والبلاغة وحتى دعاه معاصروه إمام الإنشاء وحجة اللغة، ومقالاته في مجلة "الطبيب" ١٨٨٤ تثبت علو كعبه في عالم التحرير والتعبير، واستقل بمجلة "الضياء" ١٨٩٨ واهتم فيها بخدمة اللغة في عصره، ودبج فيها موضوعات حول أخطاء الصحف اللغوية والتعريب، وأغلاط العرب القدماء والمولدين، كما أشار إلى الأخطاء التي وقع فيها، والتي وقع أبوه فيها من قبل. ونبه الكتاب في مقالاته إلى ضرورة انتقاء الكلمات العربية والألفاظ الاصطلاحية للمخترعات الحديثة مثل: الساري لقضيب الصاعقة، والمنطاد للبالون، والبرق للتغراف، والبريد للبوسطة، والبطاقة للكارت، والجريدة للجرنال، وغير ذلك من الألفاظ التي تدور على ألسنة كثير من الأدباء اليوم. أسلوب اليازجي: كان إبراهيم اليازجي صاحب علم واسع، ونظر دقيق، ورسالة آمن بها، يسهر ليله وراء شاردة عنت له، ويقضي نهاره ناشرًا وكاتبًا ومعلمًا، فرفع اللغة بإنشاء لا يعتوره ركاكة، ولا يتخلله تعقيد، فكان في طليعة الذين أسسوا النهضة، ومشوا بها إلى الأمام، وقد ترسم خطاه نفر من الكتاب لتفرده في عالم الكتابة، ودنيا البحث، ومجتمع الثقافة، وحملوا الراية من بعده، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي: ١- صحة التركيب، وسلامة التعبير، وفصاحة العبارة، ومتانة الأسلوب. ٢- السجع الخالي من التعقيد والمعاظلة في رسائله ومقاماته وكتبه ومقالاته. ٣- تضمنه استعارات غربية إلا أنها جديدة، أفادت اللغة، وخدمت الأدب. ٤- تبحر في اللغة، وتعمق في أصول اشتقاقها، مما سهل عليه بعث اللغة كي تجاري العصر.

стр. 113

٥- عليه من التقليد روعة القديم، ومن الابتكار قشاية الحدوث. ٦- الجمع بين المتانة والسهولة، والأخذ بكل جديد عن عقل وفهم وإدراك. ٧- يعبر عن المقصود بأوضح الصور، فتراه يستعمل لكل معنى اللفظ الموضوع له، بحيث ينتقل القارئ من اللفظ إلى المعنى بدون واسطة. للشيخ إبراهيم اليازجي مقال بعنوان: "اللغة والعصر"، كتبه يوم انصرف الأدباء إلى تحصيل ملكة الكتابة العربية الصافية، والتضلع من اللغة بحقيقتها ومجازها فقال: "لم يبقَ في أرباب الأقلام ومنتحلي صناعة الإنشاء من هذه الأمة من لم يشعر بما صارت إليه اللغة لعهدنا الحاضر، من التقصير بخدمة أهلها والعقم بحاجات ذويها، حتى لقد ضاقت معجماتها بمطالب الكتاب والمعربين، وأصبحت الكتابة في كثير من الأغراض ضربًا من شاق١ التكليف، وبابًا من أبواب العنت. واللغة لا تزداد إلا ضيقًا باتساع مذاهب الحضارة، وتشعب طريق التفنن في المخترعات والمستحدثات إلى أن كادت تنبذ٢ في زوايا الإهمال، وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي، ومست الضرورة إلى تدارك ما طرأ عليها من التلم قبل تمام العفاء، وقبل أن ينادي عليها مؤذن العصر: سبحان من تفرد بالبقاء، ويختم على معجماتها بقصائد التأبين والرثاء. تلك هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون بأنها أغزر٣ الألسنة مادة وأوسعها تعبيرًا، وأبعدها للأغراض متناولًا، وأطوعها للمعاني تصويرًا، قد أفضت اليوم إلى حال لو رام الكاتب فيها أن يصف حجرة

стр. 114

منامه، لم يكد يجد فيها ما يكفيه هذه المئونة اليسيرة، فضلًا عما وراء ذلك من وصف قصور الملوك والكبراء، ومنازل المترفين والأغنياء، وشوارع المدن الغناء، وما ثم من آنية وأثاث، وملبوس ومفروش، وغير ذلك من أصناف الماعون وأدوات الزينة، مما لا نجد لشيء منه اسمًا في هذه اللغة، ولا يكون حظ العربي من وصفه إلا العي والحصر١، وطي لسانه على معانٍ في قلبه لا ينسى له إبرازها بالنطق، ولا يجد سبيلًا إلى تمثيلها باللفظ، كأن المقاطع التي يعبر بها عن هذه المتخصصات لم يخلق لها موضع بين فكيه، وليست ما يجري بين لهاته٢ وشفتيه، فعاد كالأبكم يرى الأشياء ويميزها، ولا يستطيع أن يعبر عنها إلا بالإشارة، ولا يصفها لا بالإيماء، يا ليت شعري، ما يصنع أجدادنا، لو دخل أحد المعارض الطبيعية أو الصناعية، ورأى ما ثمة من المسميات العضوية وغير العضوية، من أنواع الحيوان وضروب البيان وصفوف المعادن، وعاين٣ ما هناك من الآلات والأدوات، وسائر أجناس المصنوعات، وما تتألف منه القطع وأجزاء، بما لها من الهيئات المختلفة، والمنافع المتباينة، وأراد العبارة عن شيء من هذه المذكورات؟ ثم ما هو فاعل لو أراد الكلام فيما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية والمكتشفات الطبيعية والكيماوية، والفنون العقلية واليدوية، وما لكل ذلك من الأوضاع والحدود والمصطلحات التي لا تغادر جليلًا٤ ولا دقيقًا؟ ألا تدل عليه بلفظة المخصوص. لا ريب أن الكثير من ذلك لا يتحرك له به لسان ولا يعهد به بين ألواح معجمات اللغة، ألفاظًا يعبر بها عنه، ولا يغنيه في هذا الموقف ما عنده من ثمانين اسمًا للعسل، ومائتي اسم للخمر، وخمسمائة للأسد، وألف لفظة للسيف، ومثلها للبعير، وأربعة آلاف للداهية، وما يفوت الحصر لشيء آخر، حرص

стр. 115

مؤلف القاموس على استقصاء ألفاظه، حتى لم يكد يذكر مادة إلا وفيها شيء يشير إليه، ويدل عليه. على أن اللغة مرآة أحوال الأمة وصورة تمدنها ورسم مجتمعها، وتمثال أخلاقها وملكاتها، وسجل مالها من علوم وصنائع وآداب، وإنما نضع منها على قدر ما تقتضيه حاجاتها في الخطاب، وما يتمثل في خواطرها، أو يقع تحت حسها من المعاني، ومعلوم أن العرب واضعي هذه اللغة كانوا قومًا أهل بادية، وبيوتهم الشعر والأديم١، ومفرشهم الباري٢ والبلاس٣ ولباسهم الكساء والرداء، أثاثهم الرحى والقدر، وآنيتهم القعب والجفنة٤، إلى ما شاكل ذلك مما لا يكادون يعدونه في حل ولا ترحال. فأين هم؟ وما نحن فيه لهذا العهد من اتساع مذاهب الحضارة، والاستبحار في الترف واليسار، وكثرة ما بين أيدينا من صنوف المرافق٥، وأنواع الأثاث والزخارف، وما نحن فيه من التفنن في أحوال المجتمع والمعاش، فضلًا عما بلغ إليه أهل هذا العصر من التبسط في مناص العلم والصناعة، مما كان أولئك بمعزل عن جميعه، إلا ما حدث بعد ذلك في عهد استفحال الإسلام، مما ذهب عنا أكثره، وما كان فيه لو بلغ إلينا إلا غناء قليل. ومهما يكن من حال أولئك القوم، وضيق مضطرب الحضارة عندهم، وما يجد في ألفاظهم من ألفاظه والتقصير عن حاجات هذا الزمن، فلا يتوهمن متوهم أن ذلك وارد على اللغة من هرم أدركها، فقعد بها عن مجاراة الأحوال المصرية، وأناخ بها في ساقة الألسنة الحالية٦، فإن معنى الهرم٧ في اللغة أن يحدث عند المتكلمين بها معانٍ قد خلت ألفاظها

стр. 116

عنها، ثم تضيق أوضاعها من إحداث١ ألفاظ تؤدي بها تلك المعاني، فيطرأ على اللغة النقض حينا بعد حين، إلى أن تعجز عن أداء أغراض أهلها، ولا تبقى صالحة للاستعمال، وحينئذ فلا ينبغي ألا إن يلقى حبلها على غازبها٢، أو يستعان بغيرها على سد ما عرض فيها من الخلل، بما يغير من ديباجتها، وينكر أسلوب وضعها حتى تتبدل هيئاتها على الزمن، وتصير على الجملة لغة أخرى. وليس بمنكر أن ما وصفناه من هذه الحال يشبه في بادئ الرأي ما تشاهده من حال لغتنا اليوم، وما لم نزل ننعاه عليها منذ حين من تقصيرها عن الوفاء بمطالبنا العصرية، إلا أن ذلك إذا استغربت أوجهه وأسبابه، وسبرت غور اللغة في نفسها، وقست مبلغ استعدادها، علمت أنه ليس منها في شيء، وأيقنت أنها لا تزال في ريعان شبابها وطور ترعرها، وأن فيها بقية صالحة لأن تجاري أوسع اللغات وأكثرها مادة، ولكن ما أدركها من ذلك وارد من قبل الأمة، وتخلفها في حلبة الحضارة والمدنية؛ إذ اللغة بأهلها تشب بشبابهم، وتهرم بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا تمثل ألفاظهم إلا صور ما في أذهانهم. وبدهي أن اللغة توضع دفعة واحدة، وإنما كان يوضع منها الشيء بعد الشيء على قدر ما تدعو إليه حاجة المتكلمين بها، وقد اختصت هذه اللغة بمزية عز أن توجد في غيرها، وهي أن أكثر ألفاظها مأخوذ بالاشتقاق اللفظي أو المعنوي، بحيث صارت إلى ما صارت إليه من الاتساع الذي لا تكاد تضاهيها فيه لغة على كونها من أقل اللغات أوضاعًا، إلا أنها من أكثرهن صيغًا وأبنية، وهو السر في قبولها هذا الاتساع العجيب، فضلًا عما فيه من تشعب طرق المجاز. واعتبر ما ذكرناه من ذلك بالرجوع إلى ما كان عليه من اللغة زمن

стр. 117

الجاهلية وفي صدر الإسلام، ومقابلتها بما بلغت إليه على عهد الخلفاء من بني العباس، بعد سكوت الغارات واستتباب الفتوح، وتنبه الأمة لطلب العلوم، وتبسطها في فنون الحضارة، بحيث خرجوا بها من حال الخشونة اليدوية إلى أبعد مذاهب المدنية الشائقة لعهدها إذ ذاك، ولم يكادون يدخلون فيها لفظًا أعجميًّا١، وإلا اضطروا فيها إلى وضع جديد، ولكنها خدمتهم بنفس أوضاعها التي وضعها العرب، فاشتقوا منها ما لا عهد به للعرب على وجهه الذي نقلوه إليه، ولا نتكلم به أصلًا، حتى أحاطوا بصناعة الفرس وعلوم اليونان، وأدخلوا كثيرًا من مصطلحات الأمم التي اجتاحوها٢ شرقًا وغربًا، وزادوا على ذلك كله ما استنبطوه٣ بأنفسهم. واللغة شايعة لهم في كل ما أخذوا فيه، لم تنضب مواردها دونهم، ولا رأينا من شكا منهم عجزًا ولا تقصيرًا، إلى أن أدركهم من تبدل الأطوار، وغارات الأقدار، ما وقف بهم عند ذلك الحد، فوقفت اللغة عندما نراه فيما وصل إلينا من كتبهم. وتوالى الاجتياح بعد ذلك على الأمة، وتتابعت دواعي الدمار، حتى اندرست أعلام حضارتها، وذهبت علومها أدراج الرياح، فزال أكثر اللغة من ألسنتها بزوال معانيها، حتى صار الموجود منها اليوم لا يقوم بخدمة أمة متمدنة، ولا هو أهل لأن يبلغ به ما منزلته تلك، ولذلك فإن كان ثمة هرم فإنما هو في اللغة لا في اللغة؛ لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحق بها، ولا ملحق بها وهنًا ولا عجزًا٤، وإنما هو عجز في ألسنة الأمة ومداركها، وتأخر في أحوالها واستعدادها. ولو صادفت من أهلها البقاء على عهد أسلافهم من السعي في سبل الحضارة وتوسيع نطاق العلم، لم تقصر عن مشايعتهم في كل ما فاتهم من الأطوار، حتى تبلغ بهم إلى مجاراة العصر الحاضر.

стр. 118

ولقد أتى على اللغة مئات من السنين بعد ذلك لم يزد فيها حرف بل لم يكد يحفظ منها ما يزيد على الحوائج البيئية والسوقية، وعلى تناقض وتراجع عددها يومًا بعد يوم، بما طرأ١ على أهلها من الضغط والفاقة٢، وما اتصل بذلك من استيلاء الجهل، وتقلص العمران، وذهاب الحضارة من بينهم، حتى عادت حوائج كثير من أهل المدن الحافلة لا تكاد تتعدى حوائج البدوي والأَكَّار٣. وما دامت المعاني التي يعبر عنها باللغة معدومة، فلا سبيل إلى الألفاظ الدالة عليها؛ إذ اللفظ إنما يتخذ للعبارة عن الخواطر التي في التنفس، فلا يكون إلا على قدرها بالضرورة، وزاد على ذلك كله ذهاب ما كتب المتقدمون، بعضه بالإحراق كما تم في مكتبة قرطبة، وكان هذا في مقابلة ما وقع من مثله بالإسكندرية وفارس٤، وبعضه بالاجتياح٥ والنهب، فلا بقي في مكانه ينتفع به المتأخر، ولا احتفظ به الذي نهبه لجهله قيمته. وبقي الشيء اليسير نجده اليوم في مكاتب الأعاجم، وأكثره مما اشترى من أيدينا بالذهب. فلا غرو أن نشأ عن تلك أحوال كلها ذهاب هذه الأمة من ألسنة الأعقاب حتى لو رام أحدنا إثارة دفائنها وتعهدها بالتجديد والإحياء، لما وجد منها في البلاد إلا الشيء النزر٦ لا يعدو في الغالب علوم الدين، وما يتصل بها مما لم يكد أهل بلادنا، يحافظون على سواه"٧. يؤكد اليازجي في مقاله أن اللغة لم توضع دفعة واحدة، وإنما توالدت ألفاظها حسب الحاجة؛ كي تؤدي ما يحتاجه الناس عملًا بسنة الاشتقاق والوضع والارتجال، فكشف النقاب عن إمكانيات اللغة العربية على استيعاب جميع المدنيات. والمقال يبرز قدرة اليازجي على توضيح ما يدور بخلده دون اللجوء إلى المترادفات في إبراز فكرته، وتصوير خواطره.

стр. 119

ثالثًا: محمد إبراهيم المويلحي ١٨٥٨-١٩٣٠ كانت من الطراز الأول، وفي طليعة الأدباء الذين عرفهم الأدب العربي، ومن أعلام البيان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أتيح له من عوامل الوراثة والثقافة، ما جعل الأدب يترقب منه عملًا مجيدًا. فوالده إبراهيم المويلحي المتوفَّى ١٩٠٦، قال الإمام محمد عبده عنه: إنه حافظ العصر؛ لتمكنه من فنون الأدب، وسعة اطلاعه، وقدرته الإنشائية. ولد محمد المويلحي بالقاهرة، ونشأ في بيت ثراء وأدب، ولم ينل من التعليم سوى الابتدائية، ثم جلب والداه الأساتذه له -كأبناء العلبة- حتى شغف بالمعرفة، واستظهر عيون الأدب، واستفاد من تلمذته على يد جمال الدين الأفغاني، وصحب كبار أدباء عصره، وكان يجيد اللغة الفرنسية والإيطالية، بجانب إلمامه بالإنجليزية واللاتينية. ومن ثم جمع بين الثقافتين العربية العميقة، والثقافة الغربية الحديثة، فجاء أدبه مزيجًا من الثقافتين، كما هو واضح في كتابه "عيسى بن هشام". أسلوب المويلحي من خلال كتابه عيسى بن هشام: ترسم المويلحي فيه خطى المجددين في رسم المواقف، وتصوير الشخصيات، وإجراء الحوار الطويل، فاحتل الصدارة في باب الأدب، أو القصة الاجتماعية أو الرحلات، أو صور الحياة أو وصف المجتمع سميه كما نشاء. والكتاب لوحات مختلفة من المقالات المسجوعة حينًا، والمرسلة حينًا آخر، تعطي صورة جامعة عن مصر خلال القرن التاسع عشر بأهلها

стр. 120

وعاداتها، وموضوعاتها، ومجتمعها، وكل لون من ألوان الحياة فيها، فلم يترك عظيمًا ولا حقيرًا، ولا تاجرًا ولا عمدة، ولا خليمًا ولا محاميًا ولا شرطيًّا إلا صورة أدق تصوير. يتسم الكتاب بروح مصرية خالصة، تتميز بصدقها ودعابتها، ويجمع بين الترسل والسعي دون تكلف ألوان البديع، وبهرجة الألفاظ وزخرفة الكلام، ولا يعتبر الكتاب قصة بالمعنى الفني الحديث لخلوه من العقدة وترابط الأحداث، وإنما هو شبه قصة لظهور شخصية "الباشا" و"عيسى بن هشام" في كل فصل من فصوله، وينفرد المويلحي بإنشائه الرفيع، وتعبيره الصادق، وأسلوبه الأدبي الجميل، ودقته وملاحظته، ونظرته الفاحصة في أصول المجتمع، وأهم ما يميز أسلوبه في إطاره اللغوي: ١- اللجوء إلى الأسلوب القصصي المسجوع في الوصف الخالص، وإلى الأسلوب المرسل في الحوادث والحوار. ٢- تمتاز سجعته بالمتانة، وآراؤه بالبراعة، وتعبيره بالقوة، وتصويره بالجمال، فيأتي أسلوبه محكم الأسر، متين الحبكة. ٣- السهولة والوضوح -أحيانًا- حتى يقترب إلى حد كبير من الحديث الصحفي المباشر. ٤- يتسم بروح نقدية بناءة، دون التعرض لحرمات أي شخص، بجرأة فائقة، وحرية تامة، وبصيرة نافذة. ٥- استخدام بعض الكلمات الدخيلة إذا اقتضتها ضرورة، أو فرضتها ظروف، أو حين التندر. ٦- يتميز بقوة الملاحظة، وشدة التغلغل في صميم الحياة خاصة ما يتعلق بمصالح الجماهير، ويرتبط بها ارتباطًا قويًّا. ٧- كثرة الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري. برسم المويلحي في كتابه "عيسى بن هشام" صورًا بارعة، ومن بديع رسوم صورة "المحامي الشرعي" الذي قصده "المنيكلي" مع

стр. 121

"عيسى بن هشام" للمطالبة بوقف له، ويدور الحوار بين المحامي وعيسى بن هشام على هذه الصورة الفريدة. المحامي: قولا لي: ما حقكم في الوقف؟ وما شرط الواقف؟ وكم يقدر ثمن العين؟ لتقدر الأتعاب بحسبه. عيسى بن هشام: إن لصحابي هذا وقفًا، عاقته عنه العوائق. فوضع سواه عليه يده، ويريد رفع الدعوى لرفع تلك اليد. المحامي: سألتك: ما قيمة العين؟ عيسى بن هشام: لست أدري على التحقيق، ولكنها تبلغ الألوف. المحامي: لا يمكن أن يقل مقدم الأتعاب حينئذ عن المئات. عيسى بن هشام: لا تشطط أيها الشيخ في قيمة الأتعاب، وارفق بنا، فإننا الآن في حالة عسر وضيق. غلام المحامي: وهل ينفع في رفع دعوى اعتذار بإعسار؟ ألم تعلم أن هذا شغل له اشتراكات، ولكتبته والمحضرين "تطلعات" وأنى لكما بمثل مولانا الشيخ، يضمن ربح الدعوى، وكسب القضية بما يهون معه دفع كل ما يطلبه في قيمة أتعابه، وهل يوجد مثله أبدًا في سعة العلم بالحيل الشرعية، ولطف الحيلة في استمالة محامي الخصم، واسجلاب عناية القضاة. عيسى بن هشام: دونك هذه الدراهم التي معنا. فخذها الآن وتكتب لفا صكا بما يبقى لحين كسب القضية، وليس يفوتك شيء من ذلك ما دام ربحها مضمون لديك على كل حال. المحامي: بعد أن استلم الدراهم يعدها، أنا أقبل منك هذا العدد القليل ابتغاء ما ادخره الله لعباده من الأجر والثواب في خدمة المسلمين، وعليك بشاهدين للتوكيل"١.

стр. 122

ويتوالى الحوار على هذه الصورة، فتقف على طباع المحامين الشرعيين، وطرق احتيالهم، لم يسجع المويلحي في هذه القطعة على طريقة المقامات، ومضى في وصف المحكمة الشرعية حين وصلها "عيسى بن هشام" مع صاحبه على هذا النمط فيقول: "ولما وصلنا إلى هذه المحكمة وجدنا ساحتها مزدحمة بالمركبات، تجرها الجياد الصاهلات، وبجانبها الراقصات من البغال والحمير، عليها سرج الفضة والحرير، فحسبناها مراكب العلماء والأمراء في بعض مواكب الزينة والبهاء وسألنا: لمن هذه الركاب؟ فقيل لنا: إنها لجماعة الكتاب، فقلنا: سبحان الملك الوهاب، ومن يرزق بغير حساب، ونحونا نحو الباب في تلك الرحاب، فوجدنا شيخًا حنت ظهره السنون، فتخطته رسل المنون، قد اجتمع عليه القمش والصمم، ولحج به الخوف، وعلمنا أنه حارس بيت القضاء، من نوازل القضاء، ثم صعدنا في السلم فوجدناه مزدحمًا بأناس مختلفي الأشكال والأجناس، يتسابون ويتشاتمون ويتلاكمون ويتلاطمون، ويبرقون ويرعدون, ويتهددون ويتوعدون، وأكثرهم أخذ بعضهم بتلابيب بعض، يتصادمون بالحيطان، ويتساقطون على الأرض، وما زلنا نزاحم على الصعود في الدرج والعمائم تتساقط فوقنا وتتدحرج، حتى من الله علينا بالفرج، ويسر لنا المخرج في وسط الجمع المتلاحق، والمأزق المتضايق"١. وأوضح في الوصف -كما ترى- محاولة الإغراب باللفظ الفصيح، والسجع الرائق، وكأن المويلحي يعرض مهارته البيانية، وله في ذلك طرائف حين يصف روضًا أو هرمًا أو صبحًا، اسمعه يقول: "جلسنا نتجاذب أطراف الحديث من قديم الزمان وحديث، إلى أن صارت الليلة في أخريات الشباب، واستهانت بالإزار والنقاب، ثم دب المشيب في قودها، وبان أثره الواضح في جلدها، فبعثت بالعقود والقلائد

стр. 123

من الجواهر والفرائد، ونزعت عن صدرها كل منثور ومنظوم، من أزر الكواكب ولآلئ النجوم، وألقت بالفرقدين من أذنيها، وخلعت خواتيم الثريا من يدها، ثم إنها مزقت جلبابها، وهتكت حجابها، وبرزت للناظرين عجوزًا شمطاء، ترتعد متوكلة على عصا الجوزاء، وتردد آخر أنفاس البقاء، فسترها الفجر بملاءته الزرقاء، ودرجها الصبح في أرديته البيضاء، ثم قبرها في خوف الفضاء، وقامت على بنات هزيل نائحة بالتشنج والترتيل، ثم انقلب المأتم في الحال إلى عرس اجتلاء، وتبدل النحيب بالغناء لأشرق عروس النهار وأسفار مليكة البدور والأقمار". حاول المويلحي في هذا الوصف أن يضع قطعة أدبية على غرار الطريقة القديمة التي يُعْنَى أصحابها بسرد عبارات مختارة دون تحديد ما يصنعون، وكأنه يصف كل صباح وتأثيره في نفسه تأثيرًا خامسًا، فأفرده بالوصف الدقيق، والتصوير الرائع، والتعبير البليغ. "ومن الحق أنه وسع جنيات المقامة القديمة التي كانت تعتمد على مثل هذا السرد اللفظي في قطعة الصباح، وخرج بها إلى حوار واسع، فأثر فيه طريقة الغربيين في قصصهم. فالحوادث تتطور، والشخصيات تصور نزعاتها النفسية في المواقف المختلفة، ومن حين لآخر تشاهد ضروبًا من الصراع، كما تشاهد ضروبًا من السخرية المستمدة من طباع الشخصيات، ومن مفارقات الحوادث ومفاجآتها. وهو في حواره وشخصياته وحوادثها، يستمده من الواقع المحلي، ونظم البيئة المصرية إلا أن ذلك كله وضع في إطار المقامة الضيق بسجعه"١. وهكذا عني نفر من الكتاب في مطلع هذه النهضة بالألفاظ العربية الفصيحة التي لا تدور على الألسنة كثيرًا، ولم تألفها الأسماع إلا قليلًا، واتخذوا إطارًا لغويًّا في كتاباتهم، وما فاضت به خواطرهم، ودبجه

стр. 124

أقلامهم، وجادت به قرائحهم، ولا ينكر باحث دورهم في العناية باللغة والمحافظة عليها، وإزالة العقبات في طريق نموها وارتقائها والنهوض بها، حتى تواكب اللغات الحية في جميع العلوم العصرية. وبهذا تدرك حرص هؤلاء الرواد وغيرهم على إثراء اللغة العربية ببعث دفائنها، ووضع المصطلحات لمستحدثاتها، حتى تنمو عن طريق استعمال الألفاظ والأساليب الفصيحة التي لم يألفها معاصروهم من الكتاب.

стр. 125

الفصل الثاني: المقال وأسلوب الاصلاح الاجتماعي مدخل ... الفصل الثاني: المقال وأسلوب الإصلاح الاجتماعي بداية الدعوة إلى الإصلاح: استهدفت الدعوات الفكرية والدينية التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي التحرر من الاستبداد والنفوذ الأجنبي. وبدأت الدعوة إلى الإصلاح بظهور جمال الدين الأفغاني بالمشرق وإقامته في مصر ١٨٧١-١٨٧٩، والتفات الشباب المتفتح حوله، مما أتاح له بعث الوعي القومي في النفوس، ونشر الدعوة إلى الإصلاح في مختلف ميادين الفكر والصحافة والوطنية والتعليم، ومن هنا برز التفكير في رد التيار الأوربي، والتف الناس حول القادة والمصلحين على رأسهم جمال الدين ذي الطبع الثوري، ومحمد عبده ذي الطبع الهادئ، وبذا برز اتجاهان في الدعوة إلى الإصلاح العام: الأول: يرى الثورة وسيلة للإصلاح السياسي والحكم الديمقراطي؛ إذ بهما تتطور الحياة كلها، وأيد هذا الاتجاه جمال الدين، وعبد الرحمن الكواكبي، وأديب إسحاق، ومصطفى كامل، وغيرهم. الثاني: يرى أن الترقي في الإصلاح أفضل من الطفرة، والإصلاح الاجتماعي والثقافي يحققان الإصلاح العام، بعد أن يدرك الشعب الواعي حقوقه، وأيد هذا الاتجاه الشيخ محمد عبده وعبد الله النديم وعلي مبارك وأحمد لطفي السيد وعبد العزيز جاويش وغيرهم. ولم تلبث دعوة الإصلاح أن حمل لواءها العديد من المنتمين إلى المدارس

стр. 126

والأحزاب والجماعات في الوطن العربي كله، وسار تيار ينادي بالحرية والتخلص من النفوذ الأجنبي، والتحرر من الاستبداد السياسي. وانطبعت دعوة الإصلاح في مصر بطابع إسلامي واضح، وبرز في ظلها التيار القومي متميزًا بملامحه في كتابات مصطفى كامل في الصحف ودعوته لحضور المؤتمرات في أوربا ١٨٩٣، وإنشاء جريدة "اللواء" ١٩٠٠، وإعلان قيام الحزب الوطني رسميًّا ١٩٠٧. وأخذ يثير حماس الجماهير بعباراته الوطنية التي تؤجج العواطف مثل: "بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك لبي وحياتي، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر". وفي الشام -سوريا ولبنان- بدأت حركة كيان الأمة والوطن التي تطورت ١٩١٤ في قرارات المؤتمر العربي الأول الذي عقد بباريس إلى قيام "الحكومة المركزية" التي تعطي للوطن السوري مقدراته السياسية دون الانفصال عن كيان الدولة العثمانية، ولعل السر في ذلك أن علاقة مصر والشام بالدولة العثمانية لم تكن علاقة الدولة المستعمرة بدولة محتلة. وحرص المصلحون في دعواتهم على دعم الروابط مع الدولة العثمانية -رغم أخطائها- من أجل القضاء على مؤامرة النفوذ الأجنبي وخطته في تقسيم ميراث الدولة العثمانية الذي تحقق قبيل الحرب العالمية الأولى، حيث وقعت العراق في قبضة بريطانيا، وسوريا ولبنان في قبضة فرنسا، ومنح اليهود وعد بلفور لإقامة دول فلسطين، وقبل ذلك سقطت مصر والسودان ١٨٨٢، كما استولى الفرنسيون على الجزائر ١٨٣٠ وتونس ١٨٨٢ والمغرب ١٩١٢، واحتل الإيطاليون ليبيا. وهكذا امتلأ العصر بالأحداث، وعج بالثورات، وترددت فيه أسماء العديد من المصلحين من أمثال جمال الدين الأفغاني المصلح السياسي والاجتماعي، ومحمد عبده المصلح الديني، وعبد الله النديم المصلح السياسي الاجتماعي، وأديب إسحاق صاحب الدعوة إلى مجانية التعليم، وعاشق الحرية، وقاسم أمين محرر المرأة ١٨٩٨، وعبد العزيز جاويش من رواد الإصلاح الاجتماعي، وغيرهم.

стр. 127

أولًا: عبد الرحمن الكواكبي ١٨٤٨-١٩٠٢ مصلح اجتماعي وداعية من دعاة الإسلام، لعب دورًا هامًّا في يقظة الأمة العربية بكتاباته الإصلاحية التي تحمل مبادئه، وتعبر عن عروبته ووعيه، وتعرب عن مشاعره وأحاسيسه. أدرك الناس عبقريته، وعرفوا منزلته في عالم الأدب ودنيا السياسة منذ دبج يراعه مقالات اجتماعية وبحوث تتناول وجوه الإصلاح المختلفة في صحيفة "الشهباء" ١٨٧٨ و"الاعتدال" ١٨٧٩. ركز فيها على مواطن الداء في الوطن العربي، واستقصى العلاج الحاسم للانحطاط الذي ران على الأمة العربية. كانت صيحة الكواكبي الإصلاحية بداية صرخة كبرى في وجه الظلم والطغيان والاستقلال والرشوة وواد الحريات، مما أشاع جوًّا قائمًا ومناخًا كافيًا في ربوع الشام وشتى بلاد العروبة والإسلام. ومنذ استقر بمصر، أخذ ينشر مقالاته عن الاستبداد الذي شهدته البلاد العربية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ١٨٧٦-١٩٠٩، وهاجم العثمانيين وسياستهم في الحكم على صفحات جريدة "المؤيد" يوقعها باسم اتخذه رمزًا لنفسه "الرحالة كاف" وهي التي سميت -فيما بعد- طبائع الاستبداد. جاءت كتابات الكواكبي نبراسًا يستضاء به في مرحلة حاسمة، نفرض تجمع أسباب القوة والعزة والتخلص من كل دعوة يأس وهمسة شك في مقدراتنا العربية وقدراتنا الإسلامية، مما دفع شباب العرب إلى الإقبال عليها إقبال الصدى على الماء القراح. أسلوب الكواكبي: جمعت المقالات والبحوث التي نشرها الكواكبي في الجرائد والمجالات في كتابين: أحدهما يسمى أم القرى -مكة المكرمة- تضمنت مقالاته نقدًا للشعوب الإسلامية، وكتبت قبل مجيئه إلى مصر. والآخر يسمى "طبائع الاستبداد" وتناولت مقالاته نقد الحكومات الإسلامية. وصف كامل الغزي أسلوب الكواكبي في مقالاته هذه فقال: "كان يختار للمعنى لفظًا على قدر

стр. 128

المعنى لا يضيق ولا يتسع لغيره، وهذه هي البراعة في اللغة وما تؤلفه مفرداتها من المركبات الإسنادية، وكان لا يعبأ بزخرفة الألفاظ، ولا يكثر من الاستعارة"١. وأهم ما يميز أسلوب الكواكبي في كتاباته ما يلي: ١- قوة التفكير، وسلامة التصوير، وسعة الاطلاع، وابتكار المعاني، وصدق الغيرة على العالم الإسلامي. ٢- القدرة على النقد والتمحيص، وإقامة البراهين والحجج، فيما يريد إثباته أو يحاول نفيه. ٣- السهولة في الألفاظ، والدقة في اختيار الكلمات، والجودة في التعبير مع البعد عن الغريب. ٤- الترسل في عباراته دون الالتزام بالمحسنات التي ميزت كتاب عصره. ٥- استعمال الأسلوب العلمي المتأدب، حين يوضح ظواهر اجتماعية أو مشاكل عصرية. تحدث الكواكبي عن "الاستبداد" وأثره في ضعف الأمة الإسلامية فقال: "من أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب إرادة، وهو كالحيوان المملوك العنان، يقاد حيث يراد به، ويعيش كالريش يهب حيث تهب الريح بلا نظام ولا إرادة، وما هي الإرادة؟ هي ناموس الأخلاق. هي ما قيل فيها تعظيمًا لشأنها، لو جازت عبادة غير الله لاختيار العقلاء عبادة الإرادة هي تلك الصفة التي تفضل الحيوان عن النبات في تعريفه بأنه متحرك الإرادة، وأسير الاستبداد النافذ الإرادة، مسلوب حق الحيوانية فضلًا عن الإنسانية. الاستبداد مفسد للدين وذلك في أهم قسيمه -أي الأخلاق- وأما العبادات فإنه لا يمسها؛ لأنها تلائمه في الأكثر. ولهذا تبقى الأديان في الأمم

стр. 129

المأسورة عبادة من عبادات مجردة صارت عادات، فلا تفيد تطهير النفوس شيئًا، ولا تنهى عن فحشاء ولا عن منكر، وذلك لفقد الإخلاص فيها تبعًا لفقدها في النفوس. والاستبداد مفسد للتربية والأخلاق؛ لأنه يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتخيل والخداع والنفاق والتذلل ومراغمة الحس وأمانة التنفس ... إلخ. وفي الحقيقة أن الأولاد في عهد الاستبداد سلاسل من حديد يرتبط بها الأدباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف والتضييق، فالتوالد زمن الاستبداد حمق، والاعتناء بالتربية حمق مضاعف.. وغالب الإسراء لا يدفعهم للتوالد قصد الإخصاب، إنما يدفعهم إليه الجهل المظلم، وأنهم محرمون من كل الملذات الحقيقية كلذة العلم، ولذة المجد، ولذة الإثراء، ولذة البذل. والاستبداد يفسد الميول الطبيعية والأخلاق الحسنة، ويقلب الحقائق في الأذهان, وينزل بالإنسان إلى مستوى البهائم". ثم قال: "والاستبداد مفسد لدولاب العمل نفسه في الحكومات، فالحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها، من المستبد الأعظم إلى الشرطي، إلى الفراش، إلى كناس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقًا؛ لأن الأسافل لا يهمهم جلب محبة الناس، إنما غاية مسعاهم اكتساب ثقة المستبد فيهم بأنهم على شاكلته وأنصار دولته. إن العقل والتاريخ والعيان: كل يشهد بأن الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من دونه من الوزراء يكون دونه لؤمًا، وهكذا تكون مراتب لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات.. والنتيجة أن وزير المستبد هو وزير المستبد لا وزير الدولة، كما هو الحال في الحكومات الدستورية". ثم يقول الكواكبي بعد هذا كله: "ومن طبائع الاستبداد أن الأغنياء أعداؤه فكرًا، وأوزتاده عملًا، فهم رباط المستبد، يذلهم فيثنون، ويستدرهم فيحنون، ولهذا يكثر الذل بين الأمم التي يكثر أغنياؤها. أما الفقراء فيخافهم المستبد خوف النعجة من الذئاب، ويتجنب إليهم بعض الأعمال التي ظاهرها الرأفة، يقصد بذلك أن يغتصب قلوبهم التي يملكون غيرها. والفقراء كذلك يخافون خوف دناءة ونذالة، فهم لا يخسرون على الافتكار فضلًا عن الأفكار، وكأنهم يتوهمون أن في داخل رءوسهم جواسيس عليهم"١. وهكذا وضع الكواكبي أن الاستبداد قتل مواهب الأمة الإسلامية، وأفسد كل شيء فيها، وفي مقدمتها الحرية، حتى ضعفت وهان شأنها، وهبطت مرتبتها إلى الحد الذي أزرى بها بين الأمم، وأشار إلى طريق الخلاص من الاستبداد في الأمة فقال: "إن الوسيلة الوحيدة لقطع داء الاستبداد هي ترقية الأمة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم". وبذا كان الكواكبي زعيمًا من زعماء الإصلاح الاجتماعي والدين، حرص في كل كتاباته أن يركز على وصف العلة، ويدور حديثها حولها حتى يوضح آثارها السيئة على الفرد والجماعة والمجتمع، فينتبه المواطن لخطرها، فيبتعد عنها ويتخلص منها، وحينئذ يصبح المجتمع نقيًّا نظيفًا.

стр. 130

ثانيًا: قاسم أمين ١٨٦٣-١٩٠٨ كاتب صنعته أحداث عصره، ومصلح واعٍ لمشاكل مجتمعه، عمقته ثقافته الواسعة، وتجاربه العديدة، واطلاعه على الحياة الاجتماعية في بيئات مختلفة، بدت بواكير نزعاته الإصلاحية منذ رد على مفتريات "الدوق داركوه" الفرنسي الذي زعم انصراف المصريين عن حب المغامرة وحجاب المرأة المصرية. كشف النقاب عن عيوب مجتمعه بسلسلة من المقالات، نشرها بجريدة "المؤيد" متتابعة حتى ١٨٩٨. ودارت حول المال والوجوه التي ينبغي أن يصرف فيها، وأسس التربية السليمة، وأنانية موظفي الدولة التي أعمتهم عن كل حب إلا حبهم لأنفسهم، وهي التي جمعت -فيما بعد- في كتابه "أسباب ونتائج، وأخلاق ومواعظ".

стр. 131

اتجه إلى تحرير المرأة التي تكون نصف الأمة، فبدأ يهيئ الأفكار للإصلاح الاجتماعي بسلسلة من المقالات بجريدة "المؤيد" ١٨٩٨، دعا فيها إلى تعليم الفتاة حتى تتمكن من العمل في وظيفة تحول دون ترديها في الرذيلة، وربط عملها بالضرورة كان يموت زوجها أن يكون فقيرًا، أو لم تتزوج وليس لها من يعلوها، واستهدف من دعوته رفع قيمة المرأة وصون كرامتها؛ لأن المرأة المتعلمة تخشى عواقب الأمور من الجاهلة. واهتم بموضوع يمس جوهر الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهو الحجاب، واعتبره أصلًا من أصول الأدب بشرط مطابقته لما جاءت الشريعة الإسلامية به، لا ما يتعارف الناس عليه من مغالاة مبالغة، ثم انتقل بعد ذلك إلى موضوع المرأة والأمة، رد فيه ضعف الأمة الإسلامية إلى ضعف العقل والانصراف عن العلوم العصرية، ورأى أن نجاة الأمة يكمن في استجماع قواها، لا سيما قوة العقل والعلم التي هي أساس كل قوة، ولن تحقق النهضة العلمية الشاملة إلا بتربية المرأة تربية سليمة حتى تشرق الشمس علينا مرة أخرى. أسلوب قاسم أمين: كان قاسم أمين مرهف الإحساس، يتأثر بما حوله، ويخترن ما يتلقفه خاطره، ثم يصوغه تجارب أدبية في أسلوب مشرق، خالٍ من قيود الصنعة، متحرر من كل قيد، ولقد عبر عن موقعه من أسلوب الكتاب في عصره فقال: "الكاتب الحقيقي يجتنب استعمال المترادفات، فلا يأتي باسمين مختلفين لمعنى واحد في مكان واحد؛ لأن ذلك يكون حشوًا في الكلام مستهجنًا، ودليلًا على فقر الفكر والخيال، ولكن إذا كان المقال يستدعي ذكر عدة معانٍ متقاربة يجمعها معنى واحد، فاستعمال المترادفات الموضوعية لها حسن، وقد يكون مطلوبًا إذا كان لازمًا لتسهيل فهمها أو إظهار الفروق التي بينها". ويتميز أسلوب قاسم أمين بما يلي: ١- التحلل من قيود الصنعة، والتحرر من كل قيد، فجاء سلسًا متدفقًا في حرية وانطلاق، لا تكلف يقيده، ولا زخارف تعوقه.

стр. 132

٢- يعرب عن شخصية أدبية مرهفة، تتأثر وتنفعل بما تراه، وتعبر عنه في إطار عربي سليم يكشف عن ثقافة عريضة وعقل كبير. ٣- الاهتمام بوصف الأجزاء الصغيرة، والدقة في رسم معالم الصورة التي يشخصها، والشخصية التي يتحدث عنها كأنها أمامنا. ٤- استعمال كلمات دارجة مثل: "غيط ونكش" وإن كانت عربية صحيحة، واستخدام كلمات عربية في تركيب دارج مثل: "آه يا عيني". ٥- يسوده الجدل المنطقي في مقالات تحرير المرأة والمرأة الجديدة، فتراه يذكر القضية، ويناقش جزئياتها، ويدعمها بالحجج والبراهين، حتى يقنع المعارضين بما يراه. ٦- يستوعب جلائل الأعمال ودقائق الأمور، ويقسم الفكرة إلى جزئيات ثم يناقش كل وحدة على حدة حتى تتجمع الصورة الكلية في الإطار العام. ٧- يتضمن حِكَمًا فلسفية هي خلاصة تجارب عاناها في حياته، تركزت في كلمات تدل على عميق إحساسه، وقربها من النفوس؛ لأنها مستمدة من البيئة المصرية الحديثة مثل: "النفس الضعيفة تنحني للقوى، وتنكمش أمام الظالم، وتهاب كل مصاحب سلطة". ٨- كثرة الاستشهاد بالقرآن الكريم في مواقف عديدة، نظرًا لثقافته الدينية وطبيعة الموضوع الذي يعالجه، كما هو واضح في مقالات "أسباب ونتائج وأخلاق ومواعظ". نسوق إليك فقرات من كتاباته الصحفية التي ضمها كتابه "تحرير المرأة" يقول عن مساواة المرأة بالرجل في التعليم: "يجب أن تتعلم كل ما ينبغي أن يتعلم الرجل من التعليم الابتدائي على الأقل حتى يكون لها إلمام بمبادئ العلوم يسمح لها بعد ذلك باختيار ما يوافق ذوتها منها

стр. 133

وإنقانه بالاشتغال به متى شاءت"١. وتشتعل حماسته حين يتصور المرأة زوجة فيقول: "ترى نساءنا يمدحن رجالًا لا يقبل رجل شريف أن يمد يده لهم ليصافحهم، ويكرهن آخرين ممن نعتبر وجودهم شرفًا لنا؛ ذلك لأن المرأة الجاهلة تحكم على الرجل بقدر عقلها. فأحسن رجل عندها هو من يلاعبها طول النهار وطول الليل ويكون عنده ما لا يفنى لقضاء ما تشتهيه من الملابس والحلي والحلوى، وأبغض الرجال عندها من يقضي أوقاته في الاشتغال في مكتبه"٢. ويرى أن التعليم يرد إلى المرأة شخصيتها، ويسمح له بالتفكير السليم ويصون كرامتها فيقول: "والمعول في كل ذلك على الأخلاق التي نشأت عليها المرأة في تربيتها الابتدائية. فإن اعتادت على أن تشغل أوقاتها بالمطالعة ومزاولة الأعمال المنزلية، وتربت بين أهل وعشيرة رأت فيهم أسوة الجد والاستقامة، وغاب من بينهم كل ما يؤثر في مشاعرهم أثرًا غير صالح أو يهيج حسها إلى أمر غير لائق، وتعودت على أن تقيم من عقلها حاكمًا على قواها الحسية، كان النادر أن تحيد عن الطريق المستقيم وأن تلقي بنفسها في غمرات الشهوات التي لا تسلم مهما كانت من الخطر والعذاب والندم، وبالجملة فإنا نرى أن تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل، بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطرق المحافظة عليه، وأرى أن من يعتمد على جهل امراته مثله كمثل أعمى يقود أعمى مصيرهما أن يترديا في أول حفرة تصادفهما في الطريق"٣. ويرى أن الحجاب أصل من أصول الأدب، ومن مفاهيمه قصر المرأة في البيت وبعد الرجال عنها، وعلى الرغم من أن نساء النبي مأمورات بالاستقرار في بيوتهن فإنه يشير إلى عدم: "المساواة في هذا الحكم، وينبهنا إلى أن في

стр. 134

عدم الحجاب حكمًا ينبغي لنا اعتبارها واحترامها، وليس من الصواب تعطيل تلك الحكم لاتباع الأسوة، وكما يحسن التوسع فيما فيه تيسير أو تخفيف، كذلك لا يجمل الغلو فيما فيه تشديد وتضييق أو تعطيل لشيء من مصالح الحياة"١. ويستثير النخوة ويستحث المشاعر فيقول: "أليس من الغريب ألا يوجد رجل فينا يثق بامرأة أبدا مهما اختبرها، ومهما عاشت معه؟! أليس من العار أن نتصور أن أمهاتنا وبناتنا وزوجاتنا لا يعرفن صيانة أنفسهن؟! متى خرج أحدنا من منزله أو سمح لامراته أن تخرج بسبب من الأسباب؟ فعلامَ يتكل أن لم يكن على صيانتها وحفظها نفسها بنفسها؟ ثم ماذا يفيد الرجل أن يملك جسم امرأته وحده إذا غاب عنه قلبها"٢. وينذر من لم يقتنعوا بكتاباته في تحرير المرأة، حتى يشتد وقع كلماته وكأنها دقات طبول في ساعة الخطر فيقول: "طرقت ديارنا حوادث وداخلنا حرب من الاختلاط مع أمم كثيرة من الغربيين، ووجدت علائق بيننا وبينهم، علمتنا أنهم أرقى منا وأشد قوة، ومال ذلك بالجمهور الأغلب منا إلى تقليدهم في ظواهر عوائدهم خصوصًا إن كان ذلك إرضاء لشهوة أو إطلاقًا من قيد. فكان من ذلك أن كثيرًا من أعليائنا تساهلوا لزوجاتهم ومن يتصل بهم من النساء، وتسامحوا لهن في الخروج إلى المنتزهات وحضور التياترات ونحو ذلك، وقلدهن في ذلك كثير من يليهن، وعرض من هذه الحالة بعض فساد من الأخلاق"٣. ويشير إلى تطور الحجاب من مرحلة إلى أخرى فيقول: "إني لا أقصد الآن رفع الحجاب دفعة واحدة، والنساء على ما هن عليه اليوم. فإن هذا الانقلاب ربما ينشأ عنه مفاسد جمة، لا يتأتى معها الوصول إلى الغرض المطلوب كما هو الشأن في كل انقلاب فجائي، وإنما الذي أميل إليه هو

стр. 135

إعداد نفوس البنات في زمن الصبا إلى هذا التغيير"١. وبعد مناقشته لمسألة الحجاب انتقل إلى موضوع المرأة والأمة، وهو أخطر الموضوعات وأكثرها أهمية، ورأى أنه السبيل لنهوض الأمة الإسلامية، فيقول: "لا سبيل إلى النجاة من الاضمحلال والفناء إلا طريق واحد لا مندوحة عنها، وهي أن تستعد الأمة لهذا القتال، وتأخذ له أهبتها، وتستجمع من القوى ما يساوي القوة التي تهاجمها من أي نوع كانت، خصوصًا تلك القوى المعنوية، وهي قوة العقل والعلم التي هي أساس كل قوة سواها. فإذا تعلمت الأمة كما يتعلم مزاحموها، وسلكت في التربية مسالكهم، وأخذت الأعمال مآخذهم، وتدرعت للكفاح بمثل ما تدرعوا به، أمكنها أن تعيش بجانبهم، بل تيسر لها أن تسابقهم فتسبقهم فتستأثر بالخير دونهم؛ لأن البلاد بلادها، وأرضها أبر بها منها بالغريب عنها، وأبناءها أقدر على المعيشة فيها"٢. كان قاسم أمين صاحب نزعات إصلاحية منذ بدأ يعي ما حوله، ويدرك ما يدور في مجتمعه، فاهتم بكشف النقاب عن العيوب التي تعوق إصلاحه، وتقف أمام تقدمه، فكتب عدة مقالات هيأت النفوس للإصلاح الاجتماعي الذي دعا إليه، وركز عليه، وهو تحرير المرأة من قيود الجهل وعوامل التخلف ودواعي المغالاة في الحجاب، ودعا إلى تعليم الفتاة، ورمى من وراء ذلك رفع قيمة المرأة والحفاظ عليها، على اعتبار أن التعليم يكفل لها التفكير السليم، ويصون كرامتها، ويحميها من التردي في مهاوي الرذيلة.

стр. 136

ثالثًا: ولي الدين عدلي يكن ٨٧٣-١٩٢١ ٣ ولد بالأستانة وتربَّى بمصر، فحذق العربية، وأتقن التركية والعربية والفرنسية، ولم بالإنجليزية واليونانية، تمرس على الكتابة في الصحف، وشرع يكتب في السياسة والأدب والاجتماع في بعض الصحف مثل: القاهرة والنيل والمقياس، وعمد إلى متابعة كتاباته في جرائد أخرى مثل: المقطم والمشير وغيرهما محاربًا الظلم بأشكاله المختلفة، داعيًا إلى الإصلاح مما جعل السلطات تنفيه إلى "سيواس" بالأناضول، وظل بها حتى ظهور حركة المتحررين ضد سياسة عبد الحميد وإعلان الدستور ١٩٠٨، ثم عاد إلى مصر. بعد عودته لمصر انصرف إلى تحرير مقالات في الأهرام والمؤيد والرائد المصري، ثم تولى تحرير "الإقدام" التي كانت تصدر في الإسكندرية، وكتب في مجلة "الزهور" زهاء أربع سنوات، ثم أصدر جريدة "الاستقامة" عرض فيها آراءه الإصلاحية، ونقد سياسة الحكام الظالمين؛ ولذا لم تعمر طويلًا. ترك ولي الدين يكن عددًا من الكتب معظمها مقالات نشرت في الصحف من مثل: المعلوم والمجهول، والصحائف السود، والتجاريب، وديوان شعر، قدم له صديقه أنطون الجميل، وله مؤلفات أخرى بين موضوع ومنقول، وتضافرت آراؤه في السياسة والأدب والاجتماع حتى أنها تؤلف أدبًا اجتماعيًّا هدفه المجتمع الحر الإنساني العادل الشريف، ففي السياسة يهدف إلى القضاء على الظلم المجسد في عبد الحميد وأعوانه، وفي أدبياته يدعو الشرق إلى الاهتمام بالأدب الحي اهتمام الغرب به، وهو في اجتماعياته يدعو إلى التحرر من الرجعية والتزمت. أسلوب ولي الدين يكن: آراء ولي الدين الجريئة في مقالاته، وعواطفه التي بثها في أبحاثه ترفعه إلى مراتب كبار الأدباء الاجتماعيين الداعيين إلى الإصلاح، وتجعله أساليبه التي وشى أدبه بها، وهو التركي، من حملة لواء البلاغة العربية؛ ولذا انفرد أسلوبه بالسمات التالية:

стр. 137

١- اتسامه بالشاعرية في كل خاطرة سجلها، أو فكرة نفث أدبه بها، ومن ثم وضحت في نثره أكثر منها في بعض شعره. ٢- إيثار لوازم معينة في مواقف خاصة مثل قوله: "عندما يرى جهل الناس فيما يتعلق بهم" و"اسمعي يا أمم الشرق، واعجبي يا أمم الغرب" و"ميدي يا رواسي الأرض وأعلامها، وفيضي يا بحارها ويا أنهارها" ويصبح عندما يذكر نفي الجلادين له بالبوسفور فيقول: "يا حكماء الموت، هذا عجب الحلي من الشجي، ولعل لكم في ذمة الدهر مواقف مثل التي أنتم لها شاهدون". ٣- الصراحة في إبداء الرأي، والجرأة في محاربة أعدائه، والثورة على الباطل في كل ما سطره من أدبيات وسياسات واجتماعيات. ٤- تبدو بعض الصور الساخرة الدالة على ذهن حاد، وذكاء نقاد، مثل قوله للمتكبر الذي انشق بنطلونه من فرط مجلسه: " ... حتى انشق بنطلونه وأفتر عن بياض قميصه، فكان عابسًا من فوق، وباسمًا من تحت ... "، وقوله عن حديث النعمة: " ... كالخضاب على رأس الأصلع". ٥- جزالة كلماته، وإحكام جمله، وأسر صوره، وصحة تراكيبه، وسلامة عباراته، وخفة وقعه. ٦- يحمل نفسًا هائمة، وروحًا إنسانية، تطاول السماء، وتعانق الجوزاء. وتأمل ما جاء في مقاله عن "المرأة" لتدرك بنفسك مزايا أسلوبه يقول: "شهدت مصارع ثلاث نسوة، إحداهن قتلها الاستبداد، والثانية أرادها الجهل، والثالثة أودى بها الحجاب، قفل في ثلاثة أنجم طلقت بأفق الصيام ثم احتوائها الأفول، شباب تمضي أذوي ريب المنون بهاره١.

стр. 138

وأنس قريب أبعدته وحشة القدر. فأما الذي قتلها الاستبداد فامرأة جركسية كانت مقيمة مع أهلها بقرية من قرى "العزيزية" التابعة لولاية "سيواس" اشتراها أحد رجال "س ... باشا" من أبيها بخمسة وعشرين جنيهًا، فلما قدم بها الأستانة على سيده أهداه إياها، فأسكنها حرمه وكساها وحلاها، حتى إذا خطرت لديه، رأى في مواطئ قدميها مواضع لحياة العاشقين، فخطب ودها، فنظرت إليه بعينين نجلاوتين١. وقالت: - مكاني في خدمة الأمير أحب إلي مما عداه. فما زاده ذلك إلا حبًّا لها، واستهتارًا بهواها، وما زادها إلا نفورًا منه وبغضًا، فتمكنت ذات يوم من إنفاد كتاب لأبيها، تشكو له ما تجد من اشتياقها إلى أمها وأخواتها، وتعلمه بما تحس به من اضمحلال قواها. فأصابت شكايتها موضع الرحمة من فؤاد أبيها، وأقام أيامًا يتزود للسفر إليها ... فلما عاد من سفرته، قالت له امرأته: "كيف حال من بعتها؟ " فقال: "رحمة الله عليها". وأما التي أرداها الجهل فغانية كتمثال فينوس، استصحبها أبوها إلى بيروت وهي في الخامسة من عمرها، وأدخلها هناك إحدى مدارس الراهبات أخذًا برأي صديق له. فلما أتمت علومها التي في مدرستها أخرجها أبوها، وقد بلغت الثالثة عشرة، وأوجب عليها الحجاب، ومجاورة البيت، ومتعها مطالعة الكتب الإفرنجية. وقد قالت له: "إذن لِمَ علمتني ما لا تريد أن أعمل به؟ " فقال لها: لي الأمر، وعليك السمع والطاعة. فبينما هي ذات يوم في غرفتها، إذا بأمها داخلة عليها، فما تقابل النظران إلا بادرت الأم إلى ابنتها قائلة: "جاء أبوك خاطب يخطبك منه"، فقالت الفتاة: "لا أريد الزواج" قالت الأم: "لكنه فتى جميل كأنه أحد أبناء الملوك" قالت الفتاة: "ما لي وجماله وغناه ومشابهته أبناء الملوك،

стр. 139

أنا لا أعرفه فلا أريده". ثم مضى شهران، وفي أول الثالث زفت المجهولة على المجهول، ثم مضى شهران، فدخل عليها زوجها يومًا، وفي يدها صورة رجل مكشوف الرأس، عليه ثياب قواد الجنود، وفي يده قبعة، فغار دم زوجها، وثار غضبه، وأدركته غيرة الزوج، فعمد إلى خنجر كان يحمله فشق به بطن امرأته، فإذا هي جسد بلا روح. ولما تأمل الناس ورجال القضاء الصورة التي أغضبت الزوج، إذا هي صورة واشنطن الشهير محيي مجد أمريكا. وأما التي قتلها الحجاب فلقد تزوجها رجل من أهل "أدنة" شديد الغيرة، دخلت بيته ليلة زفت إليه، ولم تخرج منه أبدًا، حتى إذا مرضت وثقل عليها المرض، واشتد الألم، دعا زوجها طبيبًا وأخذ يصف له ما تشكوه، فقال: "أنا لا أداوي على السماع، ولا بد من رؤية المريضة، وفحص موضع العلة، فأبَى الزوج الأبي ذلك، وما مضت أيام قلائل إلا وقد أزروها في أكفانها، وشيعوها إلى منزلها الأبدي من ضريح إلى ضريح. وأعرف نوادر غير هذه لا أكلف نفسي ألم ذكرها، ولا أهب القراء كمد العلم بها. هذا فؤادي كالبركان، له أيام يثور فيها، وله أيام يسكن فيها، وكم لي عند الأيام من ثارات، ولكن ضعف الطالب وعز المطلوب. على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا على ولا ليا فواعجبا! الله يخلق هذه الصورة فيمسح عليها من الجمال ما يستخف لب الحكيم ويودع تلك الأرواح لطف الإلهام ونور اليقين، فإذا هي تكاملت في أشكالها، تخاطفتها أيدي المتغلبين فقالوا: "هذا متاع حسن ولهو، ومسكن لذة، ومستقر هوى! "ظلال في ظلال". أما لو كان في الغانيات مثل جورج ساند، ومثل مدام ذونو أي١ لتقاعست هم المستبدين. رأيت رجالًا يبذرون المال تبذيرًا، فإذا أقاموا

стр. 140

الأفراح نصبوا السرادقات١، ورفعوا الأعلام، وأوقدوا الزينات، ومدوا الموائد، وجاءوا بالمغنين والمغنيات، واستكملوا أسباب المسرات. كل ذلك ليدخلوا بامرأة يعرفونها، خطبوها لأنها خلقت لتخطب، فإذا صارت في أيديهم أيامًا ملوا حديثها، وسئموا قربها، وراحوا يفتشون عن غيرها. فمثلهم كمثل الطفل المدلل يرى اللعبة، فيبكي لأبيه وأمه حتى يبتاعاها له. ثم لا يلبث أن يحطمها ويطرحها جانبًا، لياتيا له بغيرها. هذا عصر غارة شعواء، يشنها المجددون على شيعة الرأي القديم، وما ضرني، وقد اشتعل الرأس شيبًا، أن أتقدم صفوف الشباب، فإن لم أكن صاحب أمرهم، فما عليَّ أن أكون حامل رايتهم، فمن لي بصاحب "تحرير المرأة"٢ أن ينفض عنه تراب القبر، ويخرج إلى الأحياء ليرى مبلغ استفادتهم من رأيه، أما إنه لو فعل، ولن يفعل، وقرأ ما يكتبه قوم في إبقاء حجاب والتحكم على أمهات الأجيال الآتية، لكر راجعًا إلى مرقده، وأغمض عينيه حتى لا يرى، وأذنيه لكي لا يسمع، وأنشد قول الحكيم٣: ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد"٤. عدلي يكن من كبار الأدباء الداعين إلى الإصلاح -رغم تركيته- ففي مجال الإصلاح السياسي، دعا إلى القضاء على الخليفة عبد الحميد وأعوانه، وفي مجال الإصلاح الاجتماعي، دعا إلى التحرر من الرجعية والتزمت.

стр. 141

رابعًا: عبد العزيز جاويش ١٨٧٦- ١٩٢٩ من رواد التربية والصحافة والاجتماع، استمد من ثقافة الإسلام والغرب تكاملًا عميقًا في مفاهيم النهضة، مما فتح أمامه آفاق العلم في مجال إنشاء الكنايات وبناء الأفراد. جمع في إهابه سمات شخصيات كبيرة، فقد ترسم خطى السابقين من المصلحين من أمثال: جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وتخلق بخلق أحمد بن حنبل في احتمال المحنة، والغزالي في المزج بين الشكل والمضمون. دينه من خلق عمر من عبارته: "إن قول الحق لم يدع لي صديقًا"، وفيه من كلمات الأبرار: "إن سجني خلوة، وتغريبي سياحة، وقتلي شهادة". تألق نجمه في مجال الصحافة والسياسة والإصلاح منذ تولى تحرير جريدة "اللواء" ١٩٠٨، فشغل الناس بآرائه الجريئة، وحملاته على الاحتلال والاستبداد الداخلي والمستوزرين، ولما ضاق الإنجليز بكتاباته، وأزعجهم أسلوبه قدموه إلى المحاكمة، وزجوه في غياهب السجن فظل به أربع سنوات من مايو ١٩٠٨ إلى فبراير ١٩١٢، ومع ذلك ظل أخصب فكرًا، وأثرى إنتاجًا، حتى خلق مدرسة صحفية ذات إيمان صادق، مشى في ركابها أمين الرافعي، وصادق عنبر، وأحمد وفيق. ومن أروع ما دبجه براعه، وسال على شباة قلمه، وفاض به خاطره سلسلة من المقالات تحت عنوان "خير أنواع الحكومات" كشف فيها عن رأيه في نوع الحكومة التي تحتاجه مصر وبلاد الشرق والعالم الإسلامي. أسلوب جاويش: وصفه تلميذه طه حسين فقال: "كان عذب الروح، حلو الحديث في حذق واحتشام، شديد الحياء حتى ما يكاد يرفع بصره عن محدثه، وكان مع هذا حاد المزاج، يثور لأقل ما يتوهم فيه الفض من كرامته أو تهاون دينه، بل مخالفة رأيه، على أنه كان من صفاء النفس وطيبة القلب وخلوص النية بالمكان الرفع، سمحًا كريمًا يجود بقوته، ولو لم يكن سواه سبيل"١، وأهم ما يميز أسلوبه ويوضح طريقته في كتاباته الإصلاحية ما يلي:

стр. 142

١- يعبر عن رأيه في القضايا الداخلية والخارجية بأسلوب رائع بليغ، يحمل طابع العصر. ٢- يعرب عن شخصية إصلاحية باهرة، وكفاية علمية وروحية، وثقافة واسعة، وخبرة وتجربة نتيجة لرحالاته العديدة إلى أوربا وأمريكا. ٣- عباراته واضحة وصريحة إلى أبعد حد وأوسع مدى، بحيث لا تغيب عن الأذهان، أو تبعد عن الوجدان. ٤- تبدو فيه شدة العاطفة الدينية، والغيرة الوطنية، حتى تكاد تكون شهبًا وصواعق. ٥- يجمع بين السماحة والصراحة، ويمزج بين الجاد والعنف، لكل موقعه وموضعه. ٦- يبدو فيه إقدامه وإيمانه بما يكتب، وصلابته فيما يعالج، وصبره على المكاره والتضحية. هاجم الشيخ عبد العزيز جاويش التزوج بالأجنبيات، وصور الخلاف بين الأب والأم حول الثقافة والدين ومفاهيم الحياة فقال: "إن الكتابيات اللائي يجلبن من البلاد الأجنبية كفرنسا وإنجلترا نحوها ينشأن على ما نعلم من حب دينهن وبلادهن وجنسيتهن، وشدة تمسكهن بمبادئ أقوامهن، فهل يرجى أن ينشئن أولادهم من أزواجهن المصريين على المبادئ الوطنية الصحيحة؟! التي لا أراني في حاجة إلى الاستدلال على أنه لا يكون شيء سليم في بيت رئيسته أجنبية تحتقر البلاد وأهلها ولو كان منهم زوجها"١. ويشير إلى أن "المرأة المسلمة" هي المرأة الطبيعية الفطرية التي ضمن الإسلام لها نفقاتها وأسباب حياتها حتى تتمكن من أداء رسالتها الاجتماعية المطابقة لحالتها الطبيعية، ويرى أن الذين وضعوا برامج مدارس البنات لم يوفقوا في تقديم أنواع التربية السليمة؛ لأن الفتيات يخرجن من هذه المدارس: "معقودات اللسان، مغلولات اليد، مبغضات لكل ما له علاقة

стр. 143

بتدبير المنزل، ولا بد من أن نثقف الفتاة في أمور تدبير نفسها ومنزلها وولدها، وليست التربية الصحيحة هو حشو الأدمغة بمختلف المسائل ولكنها كما قال علماء التربية أن يثقف العقل حتى يمكن أن يتجه إلى المعلومات فيزنها بميزان الاعتبار، ويمعن فيها حتى لا يخفى عليه دقائقها وأن تهذب النفس بالأدب وجميل الحلال. إن الخبيرين بطرق التربية في مدارس الحكومة وغيرها لا يستطيعون أن ينكروا علينا أنه لا أثر فيها للتربية إنما هي ترويض وتذليل للنفوس بتعويدها الخوف والخنوع ولو بالباطل والتسليم بما يقال ولو كان كاذبًا، وبذلك تؤخذ البنات في مدارس الحكومة"١. ويشير إلى الغاية من تربية الفتاة فيقول: "ليس ذلك لأننا نريد أن نستخدمها طاهية أو خادمًا، ولكننا نقصد أن يكون منها رقيب يحاسب الخادمات والطاهيات إذا قصرن في أداء وظيفتهن ... "٢. ولقد أولى الشيخ عبد العزيز جاويش اهتمامه بالمرأة المثقفة، وأنشأ فصلًا من كتاب "النسائيات" لباحثة البادية -ملك حفني ناصف- دعا فيه: "إلى ترجمة آثارها إلى اللغات الأجنبية ليقرأها الأوربيون ولا سيما نساؤهم، الذين يعتقدون أننا اليوم على ما كانت عليه جاهلينا"، وبذلك ضمت مجلة "الهداية" فصولًا عن الإصلاح الاجتماعي والعديد من قضايا علم النفس الحديث، ومسائل العمران. وكتب الشيخ جاويش مقالًا بجريدة "اللواء" الصادرة في ٨ ديسمبر ١٩٠٨ عنوانه: "مدرسو اللغة العربية المصريون في بلاد الإنجليز" جاء فيه: "نصح إليَّ مستر "دنلوب" أيام سافرت إلى أكسفورد، أن أقتدي بها أراه من الأخلاق الفاضلة في تلك الأمة العظيمة، فماذا جرى؟ ذهبت إلى تلك الديار فوجدت الناس متمسكين بدينهم، فزادوني تمسكًا بديني،

стр. 144

رأيتهم شديدي الحرص على لغتهم، فزادوني حرصًا على لغتي، أبصرتهم يتفانون في الدفاع عن بلادهم، ويحرمون الأجانب من الاستيلاء على بعض شئونهم أو التصرف في أموالهم ورقابهم، فأخذت أحاكيهم في هذه البلاد السيئة الحظ بالاحتلال وأشياعه. رأيتهم يحبون الصراحة ولا يخشون معتبة ولا يتهيبون معتبة ما دام الحق لهم، فأخذت أحكايهم في تلك الفضائل التي نصح بها عمادهم بنظارة المعارف العمومية. أبصرتهم يحبون العمل ويكرهون الكسل ويحضون على الفضيلة، فعدت إلى بلادي ثم صرت أشتغل بهمة لا تعرف الملل ولا الانقطاع، فكان حقًّا على الإنجليز أن يرفعوا عقيرتهم. ويقوم خطباؤهم وشعراؤهم بالإفاضة والإسهاب في مدح من نجح في تقليدهم ومحاكاتهم في فضائلهم، ممن يرحلون إلى بلادهم من المصريين". الشيخ عبد العزيز جاويش شخصية إصلاحية باهرة، ذات كفاية علمية وثقافية عريضة، وخيرات عديدة، وتجارب متعددة، اكتسبها خلال رحلاته خارج وطنه بأوربا وأمريكا، ترسم الرجل خطى المصلحين من قبله، فجاء مذهبه الإصلاحي في التربية والاجتماع والسياسة خلاصة وافية لآرائهم الحرة، وأفكارهم النيرة، وحملاتهم المخلصة، ومن ثم كان اتجاهه في القضاء على الفساد والظلم، واهتمامه بضروب الإصلاح ووجوه التقويم، وتأليب النفوس على الاستعمار وأعوانه من المستوزرين وغيرهم ممن عاشوا في ركاب المستعمر. والذي يرجع إلى كتابات الشيخ عبد العزيز جاويش في مجال التربية والاجتماع والسياسة، يحس بإخلاصه في حملاته الإصلاحية التي تحمل غيرته ووطنيته وسلامة دينه. كما ضمت مجلته "الهداية" فصولًا فريدة في مجال الإصلاح الاجتماعي، كما عرض فيها قضايا عديدة في الاجتماع وعلم النفس ومسائل العمران، مما جعله مصلحًا اجتماعيًّا كبيرًا، وإماما دينيًّا عظيمًا، ورائدًا فريدًا عرفته نهضتنا العربية الحديثة.

стр. 145

الفصل الثالث: المقال والأسلوب الديني مدخل ... الفصل الثالث: المقال والأسلوب الديني دور الصحافة الدينية: لم يكن للصحافة الدينية أثر قبل الثورة العرابية، لكن وجود الشيخ محمد عبده على رأس تحرير "الوقائع المصرية" إبان الثورة يسر نشر خطب الخطباء في المساجد والمحافل التي تحث المصريين على الصبر والبذل في سبيل الدفاع عن الدين والأعراض، كما لم تطبع الصحف التي أنشئت في عهد إسماعيل بطابع إسلامي؛ نظرًا لما ران على القلوب والأبصار من غشاوة الجهل. وبدت الصحافة الدينية تنمو بوضوح الفكرة الإسلامية، وبث الوعي الإسلامي، وبرزت "العروة الوثقى" كوكبًا يبدد دياجير الظلام في سماء الصحافة الإسلامية، واهتمت بنشر الوعي بين المسلمين. وتعد الأعداد الثمانية عشر التي صدرت منها دستورًا لكل من يحاول إصلاح شأن الأمم الإسلامية، وجاء عددها الأول في ١٣ مارس ١٨٨٤، والثامن عشر في ١٦ أكتوبر ١٨٨٤، وتولت جماعة الشعوب الإسلامية إصدارها من مايو ١٩٨١. وبرز الاتجاه الديني في الصحافة المصرية بريادة الشيخ علي يوسف، فأنشأ جريدة "المؤيد" في أول ديسمبر ١٨٨٩ وأستمرت حتى ١٩١٣. وعلى الرغم من أنها سياسية يومية تجارية، فقد اهتمت بنشر مقالات الشيخ محمد عبده في الرد على "هانوتو" وهاجمت مزاعم "كرومر" في
следующие страницы →