رابعًا: عبد العزيز جاويش ١٨٧٦- ١٩٢٩
من رواد التربية والصحافة والاجتماع، استمد من ثقافة الإسلام والغرب تكاملًا عميقًا في مفاهيم النهضة، مما فتح أمامه آفاق العلم في مجال إنشاء الكنايات وبناء الأفراد. جمع في إهابه سمات شخصيات كبيرة، فقد ترسم خطى السابقين من المصلحين من أمثال: جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وتخلق بخلق أحمد بن حنبل في احتمال المحنة، والغزالي في المزج بين الشكل والمضمون. دينه من خلق عمر من عبارته: "إن قول الحق لم يدع لي صديقًا"، وفيه من كلمات الأبرار: "إن سجني خلوة، وتغريبي سياحة، وقتلي شهادة".
تألق نجمه في مجال الصحافة والسياسة والإصلاح منذ تولى تحرير جريدة "اللواء" ١٩٠٨، فشغل الناس بآرائه الجريئة، وحملاته على الاحتلال والاستبداد الداخلي والمستوزرين، ولما ضاق الإنجليز بكتاباته، وأزعجهم أسلوبه قدموه إلى المحاكمة، وزجوه في غياهب السجن فظل به أربع سنوات من مايو ١٩٠٨ إلى فبراير ١٩١٢، ومع ذلك ظل أخصب فكرًا، وأثرى إنتاجًا، حتى خلق مدرسة صحفية ذات إيمان صادق، مشى في ركابها أمين الرافعي، وصادق عنبر، وأحمد وفيق.
ومن أروع ما دبجه براعه، وسال على شباة قلمه، وفاض به خاطره سلسلة من المقالات تحت عنوان "خير أنواع الحكومات" كشف فيها عن رأيه في نوع الحكومة التي تحتاجه مصر وبلاد الشرق والعالم الإسلامي.
أسلوب جاويش:
وصفه تلميذه طه حسين فقال: "كان عذب الروح، حلو الحديث في حذق واحتشام، شديد الحياء حتى ما يكاد يرفع بصره عن محدثه، وكان مع هذا حاد المزاج، يثور لأقل ما يتوهم فيه الفض من كرامته أو تهاون دينه، بل مخالفة رأيه، على أنه كان من صفاء النفس وطيبة القلب وخلوص النية بالمكان الرفع، سمحًا كريمًا يجود بقوته، ولو لم يكن سواه سبيل"١، وأهم ما يميز أسلوبه ويوضح طريقته في كتاباته الإصلاحية ما يلي:
стр. 142
١- يعبر عن رأيه في القضايا الداخلية والخارجية بأسلوب رائع بليغ، يحمل طابع العصر.
٢- يعرب عن شخصية إصلاحية باهرة، وكفاية علمية وروحية، وثقافة واسعة، وخبرة وتجربة نتيجة لرحالاته العديدة إلى أوربا وأمريكا.
٣- عباراته واضحة وصريحة إلى أبعد حد وأوسع مدى، بحيث لا تغيب عن الأذهان، أو تبعد عن الوجدان.
٤- تبدو فيه شدة العاطفة الدينية، والغيرة الوطنية، حتى تكاد تكون شهبًا وصواعق.
٥- يجمع بين السماحة والصراحة، ويمزج بين الجاد والعنف، لكل موقعه وموضعه.
٦- يبدو فيه إقدامه وإيمانه بما يكتب، وصلابته فيما يعالج، وصبره على المكاره والتضحية.
هاجم الشيخ عبد العزيز جاويش التزوج بالأجنبيات، وصور الخلاف بين الأب والأم حول الثقافة والدين ومفاهيم الحياة فقال: "إن الكتابيات اللائي يجلبن من البلاد الأجنبية كفرنسا وإنجلترا نحوها ينشأن على ما نعلم من حب دينهن وبلادهن وجنسيتهن، وشدة تمسكهن بمبادئ أقوامهن، فهل يرجى أن ينشئن أولادهم من أزواجهن المصريين على المبادئ الوطنية الصحيحة؟! التي لا أراني في حاجة إلى الاستدلال على أنه لا يكون شيء سليم في بيت رئيسته أجنبية تحتقر البلاد وأهلها ولو كان منهم زوجها"١.
ويشير إلى أن "المرأة المسلمة" هي المرأة الطبيعية الفطرية التي ضمن الإسلام لها نفقاتها وأسباب حياتها حتى تتمكن من أداء رسالتها الاجتماعية المطابقة لحالتها الطبيعية، ويرى أن الذين وضعوا برامج مدارس البنات لم يوفقوا في تقديم أنواع التربية السليمة؛ لأن الفتيات يخرجن من هذه المدارس: "معقودات اللسان، مغلولات اليد، مبغضات لكل ما له علاقة
стр. 143
بتدبير المنزل، ولا بد من أن نثقف الفتاة في أمور تدبير نفسها ومنزلها وولدها، وليست التربية الصحيحة هو حشو الأدمغة بمختلف المسائل ولكنها كما قال علماء التربية أن يثقف العقل حتى يمكن أن يتجه إلى المعلومات فيزنها بميزان الاعتبار، ويمعن فيها حتى لا يخفى عليه دقائقها وأن تهذب النفس بالأدب وجميل الحلال. إن الخبيرين بطرق التربية في مدارس الحكومة وغيرها لا يستطيعون أن ينكروا علينا أنه لا أثر فيها للتربية إنما هي ترويض وتذليل للنفوس بتعويدها الخوف والخنوع ولو بالباطل والتسليم بما يقال ولو كان كاذبًا، وبذلك تؤخذ البنات في مدارس الحكومة"١.
ويشير إلى الغاية من تربية الفتاة فيقول: "ليس ذلك لأننا نريد أن نستخدمها طاهية أو خادمًا، ولكننا نقصد أن يكون منها رقيب يحاسب الخادمات والطاهيات إذا قصرن في أداء وظيفتهن ... "٢.
ولقد أولى الشيخ عبد العزيز جاويش اهتمامه بالمرأة المثقفة، وأنشأ فصلًا من كتاب "النسائيات" لباحثة البادية -ملك حفني ناصف- دعا فيه: "إلى ترجمة آثارها إلى اللغات الأجنبية ليقرأها الأوربيون ولا سيما نساؤهم، الذين يعتقدون أننا اليوم على ما كانت عليه جاهلينا"، وبذلك ضمت مجلة "الهداية" فصولًا عن الإصلاح الاجتماعي والعديد من قضايا علم النفس الحديث، ومسائل العمران.
وكتب الشيخ جاويش مقالًا بجريدة "اللواء" الصادرة في ٨ ديسمبر ١٩٠٨ عنوانه: "مدرسو اللغة العربية المصريون في بلاد الإنجليز" جاء فيه:
"نصح إليَّ مستر "دنلوب" أيام سافرت إلى أكسفورد، أن أقتدي بها أراه من الأخلاق الفاضلة في تلك الأمة العظيمة، فماذا جرى؟ ذهبت إلى تلك الديار فوجدت الناس متمسكين بدينهم، فزادوني تمسكًا بديني،
стр. 144
رأيتهم شديدي الحرص على لغتهم، فزادوني حرصًا على لغتي، أبصرتهم يتفانون في الدفاع عن بلادهم، ويحرمون الأجانب من الاستيلاء على بعض شئونهم أو التصرف في أموالهم ورقابهم، فأخذت أحاكيهم في هذه البلاد السيئة الحظ بالاحتلال وأشياعه. رأيتهم يحبون الصراحة ولا يخشون معتبة ولا يتهيبون معتبة ما دام الحق لهم، فأخذت أحكايهم في تلك الفضائل التي نصح بها عمادهم بنظارة المعارف العمومية.
أبصرتهم يحبون العمل ويكرهون الكسل ويحضون على الفضيلة، فعدت إلى بلادي ثم صرت أشتغل بهمة لا تعرف الملل ولا الانقطاع، فكان حقًّا على الإنجليز أن يرفعوا عقيرتهم. ويقوم خطباؤهم وشعراؤهم بالإفاضة والإسهاب في مدح من نجح في تقليدهم ومحاكاتهم في فضائلهم، ممن يرحلون إلى بلادهم من المصريين".
الشيخ عبد العزيز جاويش شخصية إصلاحية باهرة، ذات كفاية علمية وثقافية عريضة، وخيرات عديدة، وتجارب متعددة، اكتسبها خلال رحلاته خارج وطنه بأوربا وأمريكا، ترسم الرجل خطى المصلحين من قبله، فجاء مذهبه الإصلاحي في التربية والاجتماع والسياسة خلاصة وافية لآرائهم الحرة، وأفكارهم النيرة، وحملاتهم المخلصة، ومن ثم كان اتجاهه في القضاء على الفساد والظلم، واهتمامه بضروب الإصلاح ووجوه التقويم، وتأليب النفوس على الاستعمار وأعوانه من المستوزرين وغيرهم ممن عاشوا في ركاب المستعمر.
والذي يرجع إلى كتابات الشيخ عبد العزيز جاويش في مجال التربية والاجتماع والسياسة، يحس بإخلاصه في حملاته الإصلاحية التي تحمل غيرته ووطنيته وسلامة دينه. كما ضمت مجلته "الهداية" فصولًا فريدة في مجال الإصلاح الاجتماعي، كما عرض فيها قضايا عديدة في الاجتماع وعلم النفس ومسائل العمران، مما جعله مصلحًا اجتماعيًّا كبيرًا، وإماما دينيًّا عظيمًا، ورائدًا فريدًا عرفته نهضتنا العربية الحديثة.
стр. 145
الفصل الثالث: المقال والأسلوب الديني
مدخل
...
الفصل الثالث: المقال والأسلوب الديني
دور الصحافة الدينية:
لم يكن للصحافة الدينية أثر قبل الثورة العرابية، لكن وجود الشيخ محمد عبده على رأس تحرير "الوقائع المصرية" إبان الثورة يسر نشر خطب الخطباء في المساجد والمحافل التي تحث المصريين على الصبر والبذل في سبيل الدفاع عن الدين والأعراض، كما لم تطبع الصحف التي أنشئت في عهد إسماعيل بطابع إسلامي؛ نظرًا لما ران على القلوب والأبصار من غشاوة الجهل.
وبدت الصحافة الدينية تنمو بوضوح الفكرة الإسلامية، وبث الوعي الإسلامي، وبرزت "العروة الوثقى" كوكبًا يبدد دياجير الظلام في سماء الصحافة الإسلامية، واهتمت بنشر الوعي بين المسلمين. وتعد الأعداد الثمانية عشر التي صدرت منها دستورًا لكل من يحاول إصلاح شأن الأمم الإسلامية، وجاء عددها الأول في ١٣ مارس ١٨٨٤، والثامن عشر في ١٦ أكتوبر ١٨٨٤، وتولت جماعة الشعوب الإسلامية إصدارها من مايو ١٩٨١.
وبرز الاتجاه الديني في الصحافة المصرية بريادة الشيخ علي يوسف، فأنشأ جريدة "المؤيد" في أول ديسمبر ١٨٨٩ وأستمرت حتى ١٩١٣. وعلى الرغم من أنها سياسية يومية تجارية، فقد اهتمت بنشر مقالات الشيخ محمد عبده في الرد على "هانوتو" وهاجمت مزاعم "كرومر" في
стр. 146
تقريره عن الإسلام، كما عنيت بدحض المفتريات على الدين، ودعت إلى التمسك بالخلافة العثمانية، وروجت لفكرة الجامعة الإسلامية.
ثم كانت كبرى الصحف الدينية "المنار" التي أنشأها السيد محمد رشيد رضا ١٨٩٨، وأخذت تبرز مزايا الدين، وتحض على بعث ماضي المسلمين المجيد، وتنشر آراء الحكيمين: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وردت على كل متطاول على الإسلام وأعلامه، واستمرت حتى ١٩٣٦.
وفي ١٩٠١ أنشأ مصطفى كامل صحيفة "اللواء" سياسة في مجموعها، وهدفها الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، والدفاع عن الإسلام. وتلمس أثر صحيفتي "المؤيد واللواء" فيما كتبه "أدمس" عن مدرسة الإمام محمد عبده: "وكان بمصر صحيفتان كبيرتان إسلاميتان تقودان لواء المعارضة١، أحدهما جريدة اللواء التي كان يصدرها مصطفى كامل، والثانية جريدة المؤيد وكان صاحبها الشيخ علي يوسف الذي كان يمثل الرأي الإسلامي المحافظ، ومن العجب أن مصطفى كامل مع إعجابه بالمدنية الأوربية إعجابا تكرر ذكره في كتبه ورسائله، لم يكن في دعوته الاجتماعية محافظًا، بل كان واحدًا من أولئك الرجعيين"٢.
وخلال الفترة من ١٨٨٢-١٩٢٠ ظهرت اثنتا عشرة صحيفة، منها الأربع السابقة، أما الأخرى فهي: نور الإسلام التي أصدرها السيد أمين يوسف الدمياطي بالزقازيق، والعالم الإسلامي ١٩٠٥ لمصطفى كامل، والحرمين ١٩٠٦ لحسين برادة، ونشيد الإسلام ١٩٠٦ للسيد محمد طلعت، ولم يصدر سوى عدد واحد منها، والجمعية الشرعية ١٩١٣ للشيخ محمود خطاب السبكي، والسعادة الأبدية ١٩١٤ لعلي عبد الرحمن الحسيني،
стр. 147
والعالم الإسلامي ١٩١٦ للشيخ عبد العزيز جاويش، والحكمة ١٩١٨ للسيد عبد العزيز جاب الله.
وبعد ثورة ١٩١٩ كثرت الصحافة الدينية، واهتمت بتفسير كتاب الله وسنة نبيه، وإبراز دور عظماء التاريخ الإسلامي، كما فتحت باب "الأسئلة والفتاوى" لتبصير الناس في أمور دينهم، ودحض مفتريات الطاغين في الإسلام، والوقوف أمام حركات التبشير. وترتب على ذلك كشف مزايا الدين، وأمجاد الإسلام، وتنوير المسلمين.
ولقد صدرت بعد ١٩٢٠ حتى اليوم أكثر من خمس وأربعين صحيفة دينية من مثل: الحديقة ١٩٢٢ للسيد محب الدين الخطيب، والتقوى ١٩٢٤ لجماعة الوعظ الإسلامي، وبشائر الإسلام ١٩٢٦ لزكي الدين عطية المحمدي، والهداية الإسلامية ١٩٢٨ للشيخ محمد الخضر حسين، والشباب المسلمون ١٩٢٩ لجمعية الشبان المسلمين، ولا تزال حتى اليوم، ونور الإسلام ١٩٣٠ عن مشيخة الأزهر الشريف، والإسلام ١٩٣٢ لأمين عبد الرحمن، والأزهر ١٩٣٤ للسيد حسين الصيرفي، ولا تزال حتى اليوم تصدر عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ونور الإسلام ١٩٣٦ لمحمد علي حمودة، والاعتصام ١٩٣٩ لأحمد عيسى عاشور ولا تزال حتى اليوم، وجريدة الإخوان اليومية ١٩٤٦ لجماعة الإخوان المسلمين، والشرق العربي ١٩٤٦ لمحمد أمين عبد الرحمن، ولواء الإسلام ١٩٤٧ لأحمد حمزة ولا تزال حتى اليوم، ومنبر الإسلام ١٩٤٨ عن قسم المساجد التابع لوزارة الأوقاف المصرية، ولا تزال حتى اليوم، والإسلام والتصوف ١٩٥٨ لمحمد علوان، ومجلة التصوف الإسلامي ١٩٧٩، والمختار الإسلامي ١٩٧٩، واتخذت شعارًا لها يدل على الذكاء والمعية "مجلة كل المسلمين".
ويلاحظ أن إحدى وعشرين صحيفة ظهرت خلال السنوات العشرة ١٩٢٥-١٩٣٥ وهي أشد الفترات لحملات المبشرين، وموجات الملحدين، وأقوى فترة للحماسة في سبيل إحياء الإسلام.
ولم يقتصر حديث الصحافة الدينية عن أمجاد الإسلام، بل عرضت الصور المشرقة من التاريخ الإسلامي، وكشفت النقاب عن الشخصيات الإسلامية، واهتمت بالمواسم والأعياد الدينية، تصدر فيها أعدادًا خاصة، تتضمن مقالات وقصائد وبحوثًا قيمة، تضيف إلى تراثنا قيمًا جديدة، فأثرت الأدب الديني ثراء بعثه بعثًا جديدًا.
وعلى الجملة، فقد ظهرت الصحافة الإسلامية بعيدة عن الشكل الفني المتطور للصحافة المعاصرة؛ لأنها ولدت في ظل صحافة المقال بتقاليدها المحافظة، لكنها على حال ظهرت قوية في مضمونها، وإن صيغت بأسلوب الصحافة المعاصرة المتطلب للسرعة والسهولة، ولم تركن إلى المقالات التي درجت عليها الصحافة الحديثة، وأهم من ذلك كله تعدي جمود التقليد في الشكل والمضمون.
стр. 148
أولًا: الشيخ محمد عبده ١٨٤٨-١٩٠٥
من أعلام النهضة الإسلامية، وقادة الفكر العربي، وزعماء الإصلاح المصري، وفوق ذلك كله فيلسوف إنساني، ومجدد ديني، وباحث اجتماعي، اهتم بنشر العدالة الاجتماعية بين الطبقات، وشيوع الثقافة بين الفقراء، ورأى أن الإصلاح الأخلاقي يجب أن يسبق الإصلاخ السياسي، وقد يغني عنه في أكثر الأحيان.
اتجه إلى إنشاء المقالات للصحف المصرية منذ اتصاله بجمال الدين الأفغاني، خاصة بعد انضمامه للثورة العرابية، فأخذ يندد بأعوان الاستعمار الغربي وأذنابه من الخائنين لأوطانهم، له مقالات عديدة دبجها براعه، وفاض بها خاطره، وتضمنتها الوقائع المصرية والعروة الوثقى، لكنها تختلف عن بعضها، ففي الوقائع دعا إلى الإصلاح الاجتماعي في مصر بإتزان وتحفظ وتدرج. وفي العروة الوثقى نظر إلى العالم الإسلامي على أنه وحده، ودعا إلى التضامن، وتوثيق الروابط، وإعداد العدة لمناهضة الاحتلال في شتى صوره، مبينًا أن الإسلام تقدم ووصول، وحضارة ومدنية، لا ضعف ولا تواكل.
وصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي مقالات "العروة الوثقى" فقال هي: "جامعة بين روح جمال الدين وقلم الأستاذ الإمام، فجاءت آيات
стр. 149
بينات في سمو المعاني، وقوة الروح، وبلاغة العبارة، وهي أشبه ما تكون بالخطب النارية، تستثير الشجاعة في نفوس قارئها، وتدني في روحها وقوة تأثيرها أسلوب الإمام علي -كرم الله وجهه- في خطبه الحماسية المنشورة في نهج البلاغة"١.
أسلوب الشيخ محمد عبده:
كان للشيخ محمد عبده أثر عظيم في النثر العربي، وجاء أسلوبه فيه مثالًا يُحتذى في التجديد والصياغة، واتسم بسمات واضحة أهمها وأبرزها ما يلي:
١- تأثر في أول حياته الصحفية بالطريقة الأزهرية، من حيث الموضوع وطريقة معالجته، مع تكلف السجع والمقدمات الطويلة، مما يجهد القارئ.
٢- يكرر الفكرة ويقلبها على شتى وجوهها، مع قوة الحجة، وسلامة البرهان، وحرارة الوجدان، وصدق العاطفة، وبساطة التركيب، وسهولة الألفاظ.
٣- يتوقد حماسة وثقة وصدقا، يزكيه وجدان حي، وتشبع الألفاظ الجياشة في الموضوعات الاجتماعية والسياسية.
٤- مرتب ترتيبًا منطقيًّا مع استعمال الأقيسة والبراهين أولًا، ثم أقلع عنها أخيرًا.
٥- يستعمل -أحيانًا- كلمات عامية أو دخيلة للتعبير عما يريد، إذا لم تسعفه الكلمات العربية.
تحدث الإمام محمد عبده عن نظام الشورى في الحكم، ووجوبه على الحاكم والمحكوم سواء، فقال في مقال: "مما يدل على وجوب التشاور
стр. 150
على الحاكم، وهو طلب عمر بن الخطاب تقويم اعوجاجه، ومما يدل على وجوبه على المحكوم، هو إجابة الصحابي بقوله: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا، فإنه لا يجوز استعمال القوة إلا بعد الأعذار بالإرشاد والهدى.. وإن الشورى لا تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة، كأن يكونوا جميعًا طالبين تعزيز مصالح بلادهم فيطلبونها من وجوهها وأبوابها. فما داموا طالبين هذه الوجوه فهم طلاب الحق ونصرائه، فلا يلتبس عليهم بالباطل، ولا لوم عليهم إذا لم يأت مطلوبهم على غاية ما يمكن من الكمال.
وإن استعداد الناس لأن ينهجوا المنهج الشوري غير متوقف على أن يكونوا مندوبين في البحث والنظر على أصول الجدل المقررة لدى أهله، بل يكفي كونهم نصبوا أنفسهم، وطمحت أبصارهم للحق، وضبط المصالح على نظام مرافق لمصالح البلاد وأحوال العباد.. إن شأن الحكومة ليس إلا أن تطلق للناس عنان العمل فيعملون لأنفسهم ما يعلمونه خيرًا، فإن أية حكومة قيل أنها عادلة حرة، لم يكن لها أن أباحت للناس أن يدخلوا في أي باب من أبواب المنافع، ويطلبوا الخير الحقيقي بكل وسيلة"١.
من فقرات المقال يتضح لك أسلوب الإمام الذي يقلب الفكرة على وجوهها مع قوة الحجة وسلامة التعبير وسهولة الألفاظ وجمال العبارة وحرارة الإيمان فيما يُسطر من خواطر وأفكار.
стр. 151
ثانيًا: الشيخ علي يوسف ١٨٦٣-١٩١٣
عصامي بلغ من الجاه والشهرة والنفوذ ما لم يبلغه صحفي في بلاد المشرق العربي، وصفه أحد معاصريه فقال: "كان رجلًا استعصب نفسه الكبيرة على الزمان فقهرته، وكبرت همته على الحوادث فأخضعها، واستقبل الشدائد بعزم وثبات يخدمها فكر صحيح ونظر ثاقب ورأي سديد، فصيرها من عوامل مجده، وأحالها خادمة لمراميه، شب بنفسه، واختط في الحياة طريقه بذاته، لا معين له من طارف أو تليد، ولا ناصر من أب أو قريب أو نسيب"١.
كتب في الصحف ولم يزل -إذ ذاك- طالبًا بالأزهر، وهيأ له طموحه أن يكون صاحب مجلة أدبية، وتحقق أمله في إصدار مجلة "الآداب" التي صدر العدد الأول منها في ٣ فبراير ١٨٨٧، واستمرت حولين كاملين، حققت له فيهما ما يصبو إليه من جاه وشهرة.
كان الشيخ علي يوسف ذا قلم مطواع، تغذيه عبارة صحيحة وفكر ثاقب، فاكتسب صداقة ذوي الأقلام القوية، والنفوذ الواسع، ومهدت له الظهور في ميدان أوسع، وعلى رأس صحيفة كبرى هي "المؤيد" التي طلعت على الناس في ديسمبر ١٨٨٩، والاحتلال في عنوانه. يتحدث جورجي زيدان عن مواهب الشيخ علي يوسف الصحفية فيقول: "جمع إلى حدة الذهن ذكاء القريحة ورباطة الجأش وسعة الصدر، وكان عصبي المزاج، وكان هذا المزاج من أكبر أسباب فوزه؛ لأنه لم يكن يغضب، وإذا غضب كظم غيظه، فلا يؤثر غضبه في قريحته، فيكتب ويجيب، أو يفكر ويدير، وهو في أشد المواقف قلقًا، وكان حاضر الذهن، لا يكاد يخطر الموضوع بباله حتى يتناول القلم، ويكتب فيه بسهولة وبلاغة. وكان قوي الحجة في مناظراته وانتقاداته، قادرًا على استنباط الأدلة، ومعرفة أماكن الضعف من مناظره".
كتب المقالات تلو المقالات، ناقش فيها حقوق مصر، ورد خلالها على مزاعم الطاغين في أهل مصر، وتوخى فيها السخرية اللاذعة، والاستهزاء بالاحتلال وأعوانه، وأثبت فيها للعالم أجمع أن دعوى الإنجليز بالتمسك بالشرف كذب ومحض ادعاء.
أسلوب الشيخ علي يوسف:
إذا صح أن "الأسلوب هو الرجل" فإن أسلوب الشيخ علي يوسف
стр. 152
أدل عليه وأوثق به. جاءت كتابته لذعا وسخرية في وقت كانت مصر فيه تحت الاحتلال الإنجليزي الذي أصر على إماتة الشعور الوطني، وقتل الروح المعنوية، ووأد الحياة المصرية نفسها. في هذا الجو القائم والمناخ الخانق، ظهر الشيخ علي يوسف بكتاباته التي تفيض سخرية من أعداء الأمة والدين، وعلى الرغم من ذلك كله فإن أسلوبه يتميز بالسمات التالية:
١- اعتماده على المقدمات والنتائج، وإيثاره التقسيمات والتفريقات والتلخيصات، وإيراد الحجج القوية، والأدلة الواضحة.
٢- يشيع الاستفهام في كتاباته، عند مناقشة رأي، أو استكمال حجة، لحمل خصومه علي الإتقان معه.
٣- يعتمد على الواقع المحسوس من الأحداث اليومية، لإقناع القارئ بوجهة نظره.
٤- الحرص على مساواة اللفظ بالمعنى؛ إذ لا حاجة -في رأيه- إلى المبالغة في القول، أو الإسراف في اللفظ، والإطالة في الكلام، أو الإسهاب في العبارة.
٥- البعد عن المحسنات البديعية، والحرص على تساوي أكثر العبارات، وإيثار نغم يريح أذن القارئ.
٦- تبدو فيه روح العصر، من عبارات يتداولها الناس، وألفاظ تجري على ألسنتهم، ومعان تدور في أذهانهم دون إسفاف أو هبوط لمستوى العامة.
كتب الشيخ علي يوسف يدافع عن حقوق وطنه، وينفي بقوة التعصب الديني الذميم عن نفسه وعن المصريين فيقول: "قالوا: إن المصريين متعصبون تعصبًا دينيًّا، ومعنى هذا أنهم يكرهون المخالفين لهم في الدين كراهة عمياء، يعتدون عليهم بروح البغضاء المتناهية كلما سنحت لهم فرصة الافتراس، أو استفزهم صائج.. في البلاد من قديم الزمان أديان مختلفة يتجاوز أهلوها في المنازل، ويتشاركون في المرافق، ويتنافسون في الأعمال،
стр. 153
فلم تكن بين المسلمين والأقباط تلك الروح الشريرة، ولو كانت في فطرة المسلمين أو فطرة الفريقين لتلاشت الأكثرية الأقلية في عصور مضت، وخصوصًا في عصور كانت الجهالة فيها سائدة.. وقدم على القطر المصري منذ أول عهد المرحوم محمد علي باشا الكبير وفود من كل الطوائف المسيحية شرقية وغربية، فلقي الكل في مصر صدرًا رحبًا. كان منهم الموظفون في كل مصلحة حتى تولى نوبار باشا رئاسة النظار. وهو أرمني وكان قائمقام الخديوي ورئيس الاحتفال بموكب المحمل الشريف، فهل يوجد في أمة غير الأمة المصرية مثل هذا التساهل فيرأس احتفالًا دينيًّا مسيحيًّا مسلم أو غير مسيحي؟
وكان من علمائهم الأساتذة والمعلمون ونظار المدارس والمكتشفون، فهل الأمة التي تربي أبناءها على أيدي الأساتذة من غير دينها تعد متعصبة؟
وظل يدلل على تساهل الأمة المصرية، والتسامح الذي شاع بين أبنائها في قوة ومنطق، وختم مقاله الطويل بقوله: "أيها المدعون، راقبوا الله في أمة رزئت بالإهمال في شئونها حتى انحلت عرى الجامعة بين أفرادها، وذهبت منها ريح العصبية في كل شيء، فحرام عليكم مع هذا الانحلال أن تتهموها بالتعصب في أشد حالاتها"١.
عالج الشيخ علي يوسف في كتاباته جميع المشكلات السياسية والاجتماعية والدينية التي أوقدها الاحتلال، لا سيما الخصومة الدينية التي أثارها المحتل ضد أقباط مصر، اهتم الشيخ علي بها، وعالجها من الناحية الواقعية، ودعا إلى التمسك بالوحدة القومية التي تقوم على مبدأ الوحدة الوطنية التي لا انفصام لها، كما حذر من الفتن وطالب بوأدها، حتى يظهر المواطنون -مسلمون وأقباط- صفًّا واحدًا وجبهة واحدة أمام مؤمرات المحتل ودسائس أعوانه.
стр. 154
ثالثًا: شكيب أرسلان ١٨٦٩-١٩٤٦
داعية من دعاة العروبة والإسلام، اهتم بتوثيق الروابط بينهما، وعفى بقضايا الإسلام والمسلمين بروح المسلم الذي منح يقظة الجنان وبراعة اللسان، سئل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ فكتب مقالات -كتابًا بعد- تفيض بالغيرة على الإسلام والمسلمين، والحسرة على ما أصاب الدين من ضعف وعسف، حتى فقد المسلمون عزهم في حياتهم.
خلف آثارا ضخمة من المؤلفات، وتراثًا قيمًا من المقالات في موضوعات مختلفة، ومحاولات شتى بين جليل وضئيل، وقريب وبعيد، تنقل فيها بين مسائل السياسة والقومية والدين والأدب والنقد والاجتماع والمفاكهة والإخوانيات وغيرها.
أسلوب شكيب:
قلد شكيب أرباب النشر الفني، ونافس كبار الفحول، وجارى المشهورين في عصور الأدب، فاقترب منهم في الميدان، وتسنم ذرى الفصاحة، واستولى على عرش البيان، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي:
١- يتسم بجمال السياق، وحسن البادرة، ولذة الموسيقى، وسحر الألوان، مما لا يقع إلا لأديب وصاف، وكاتب كبير.
٢- يبلغ الجودة في التعبير، والحسن في التصوير، والقوة في السبك، ولا يهبط عن المستوى الرفيع للفحول والمجيدين.
٣- يشتمل في سلاسة وعذوبة على ألفاظ وصور وتراكيب وأخيلة في وصف المشاهد ورسم الشخصيات.
٤- تسيطر عليه نزعة التأليف، ولذا تشابه أدبه الصحفي بأدبه التأليفي في كثير من الأحيان.
٥- يعبر عن واسع فهمه، ويجري في موضوعات مختلفة من أدب وتاريخ وفلسفة واجتماع.
стр. 155
٦- لا يقع فيه القارئ على تعقيد واضطراب، فعلا في الأفهام والجودة وارتفع لمنازل العباقرة من الكتاب.
وهذا نموذج لكتاباته يقول: "لم يبقَ من الإيمان إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه، ومن القرآن إلا الترنيم به، دون العمل بأوامره ونواهيه.. واليوم فقد المسلمون أو أكثرهم هذه الحماسة التي كانت عند آبائهم، وإنما تخلق بها أعداء الإسلام الذين لم يوصهم كتابهم بها، فنجد أجنادهم تتوارد على حياض المنايا سباقا، وتلتقي الأسنة والحراب عتاقًا"١.
ويتحدث عن التضحية في خدمة الوطن والأمم الإسلامية فيقول: "تريد حفظ استقلالها بدون مغاداة ولا تضحية، ولا بيع أنفس ولا مسابقة إلى الموت، ولا مجاهدة بالمال، وتطالب الله بالنصر على غير الشرط الذي اشترطه في النصر، فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ ويقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ "٢.
ويتحدث عن غزو الطليان لطرابلس الغرب بليبيا، ونشيد الشباب الإيطالي غداة الحرب: "يا أماه أتممي صلاتك ولا تبكي بل اضحكى وتأملي، ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة، ولأحارب الديانة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسلطان، سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن، ليس بأهل للمجد من لم يمت إيطاليا حقًّا"٣.
وعن قعود المسلمين عن نصرة المجاهدين بالأموال والأرواح يقول: "وأما خيانة المسلمين بعضهم لبعض وخذلان إخوانهم والتزلف للأجنبي،
стр. 156
فقد بسط من أمره في الريف وفي فلسطين كجنود شرق الأردن ما يؤلم ويوجع. وسبب استئساد الأجنبي هو تبرع ابن الملة في مظاهرته وتحكمه".
ويجعل الموت لأجل الحياة بطولة وفداء فيقول: "وأما الموت الثاني فهو الموت لأجل استمرار الموت، وهو الذي يموته المسلمون في خدمة الدول التي استولت على بلادهم. وذلك أنهم يموتون حتى ينصروها على أعدائها، كما يموت المغربي مثلًا حتى تنتصر فرنسا على ألمانيا مثلًا، ويموت الهندي حتى تتغلب إنجلترا على أي عدو لها، ويموت التتري في سبيل ظفر الروسية، والحال أنه انتصار فرنسا على أعدائها تزداد في المغرب غطرسة وظلمًا وابتزازًا لأملاك المسلمين وهضمًا لحقوقهم"١.
ويرى أن سبب تأخر المسلمين هو الجهل والعلم الناقص وفساد الأخلاق وسكوت العلماء على الضلال والطغيان فيقول: "هذا والعامة المساكين مخدوعين بعظمة عمائم هؤلاء العلماء وعلمونا صبهم، يظنون فتياهم صحيحة وآراءهم موافقة للشريعة، والفساد بذلك يعظم، ومصالح الأمة تذهب، والإسلام يتقهقر، والعدو يعلو ويتميز.. حتى يجدون في كثير من المنعمين وسيلة إلى الخديعة والفساد"، وهو يقول: "فقد أضاع الإسلام جاحد وجامد". ويوضح أسباب انحطاط المسلمين -في نظره- فقدهم الثقة بأنفسهم فيقول: "وكأن المسلمين لم يوجدوا في الدنيا إلا عملة أو أكراة يشتغلون بأيديهم ولا يشتغلون بعقولهم"٢.
ويلخص الكاتب علاء فارس جهاد شكيب أرسلان في سبيل الإسلام والمسلمين فيقول: "وحينئذ تتجلى عظمة شكيب، فقد جعل من نفسه علمًا تتجه إليه أنظار المسلمين في كل أنحاء الأرض، لقد أصبح مكتب التنفيذ لمؤتمر إسلامي غير موجود، ورئيس الديوان لخليفة إسلامي معدوم، ومكتب الاستعلام والإعلام عن كل قضية، وكل بلد للعرب والمسلمين فيها حق أو نصيب، ولكن جهاده الإسلامي العام لم ينسه أبدًا وطنه الخاص الذي هو بلاد الشام بكل أجزائها، بل إنه كان يخدم سوريا الكبرى بخدمته لقضايا المسلمين؛ إذ كان يكفي أن تتوجه منه رسائل وبرقيات لدنيا المسلمين، لكي تثور ضد فرنسا وبريطانيا والصهيونية، وتتوالى الاحتجاجات من كل جهة على أعمال الاستعمار والصهيونية في أراضي الشام١.
اهتم شكيب أرسلان في كتاباته بقضايا الإسلام والمسلمين واللغة والعروبة، وكلها تفيض غيرة على الدين وحسرة على ما حل بالمسلمين من تخلف وفتور، نتيجة للجهل وفساد الأخلاق، وسكوت العلماء على الطغيان، وقعود المسلمين عن نصرة المجاهدين، والتزلف للأجانب.
стр. 157
رابعًا: أحمد أمين ١٨٨٦-١٩٥٤
قمة من قمم الفكر المصري المعاصر في مجالات الثقافة الإسلامية، تراه أدبيًّا ولغويًّا وفقيهًا ومحدثًا ومؤرخًا ومحققًا وفيلسوفًا ومتصوفًا. خلف آثارًا قيمة، وتراثًا ضخمًا من الفكر بلغت تسعة وعشرين بين مؤلفة ومترجمة، أو اشترك في تأليفها أو أسهم في تحقيقها، فأعاد للتراث الإسلامي رونقه البديع، وبهاءه النضير، لا سيما بعد ظهور كتبه الشهيرة: فجر الإسلام وضحاه وظهره.. حتى آخر كتاب له في هذا العقد الذهبي وهو يوم الإسلام.
عرض في هذه الكتب تطور الحياة العقلية للإسلام خلال القرون الثلاثة الأولى عرضًا يلائم العقل الحديث، وحلل عناصرها تحليلًا دقيقًا، ردها إلى أصولها العربية والأجنبية من فارسية ويونانية وهندية، وظل يناقشها حتى استخرج لنفسه رأيًا جديدًا، استمده من نظرة عادلة وفهم صحيح. بهذه الدراسة الواعية وضع أسس مدرسة الفكر الإسلامي، وظفر بإعجاب المواطنين والأجانب من العلماء، ونال ثقة العالم العربي والإسلامي، ومحيي الدراسات الإسلامية في كل أقطار الأرض كلها.
стр. 158
أسلوب أحمد أمين:
اتخذ أحمد أمين شعارًا له: "أكتب وفكر بلغة العصر وروحه" لذا جاء أسلوبه رائقًا، ومعانيه أخاذة، وعبارته واضحة، وشخصيته فيه قوية، ومع ذلك فإنه يعرف بالسمات التالية:
١- التفكير المنطقي الهادئ الدقيق، والقدرة على النفاذ إلى لباب الفكرة، في كل ما يطرقه من موضوعات، أو يتناوله من أحاديث.
٢- الاهتمام بتقرير الفكرة والإقناع بها أكثر من اهتمامه بالتأثير والاتباع.
٣- معانيه مبتكرة طريفة، وآراؤه صريحة وجريئة، وشخصيته قوية واضحة تفرض نفسها فرضًا.
٤- يخضع اللغة للفكر، ويؤثر الوضوح على تنميق العبارة، مع السهولة واليسر والبساطة الخالية من زخرف القول.
٥- تؤدي عباراته ما يريده في جلاء، ودون تصنع أو تكلف، وتشيع فيه الروح الهادئة الوادعة المتواضعة.
وهذا جزء من مقاله "أسس الأخلاق في الإسلام" جاء فيه: "في القرآن الكريم آية تعد من أهم الآيات التي تبين أسس الأخلاق الإسلامية.. وكان عبد الله بن مسعود يقول فيها: "إنها أجمع آية في القرآن للخير والشر" تلك هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لقد أمرنا الله فيها بخصال ثلاث من أهم خصال الخير؛ فأولها العدل، وهو أن يعطي الإنسان كل ذي حق حقه، فالمدين يجب أن يؤدى دينه، وهذا هو العدل.. وهناك نوع آخر من العدل، وهو عدل الحكومة مع شعبها، فعليها أن تؤدي للشعب حقه عليها، فتجلب له السعادة، وتبعد عنه أسباب الشقاء، وتوفر لكل طائفة من الشعب رقيها.
أما الخصلة الثانية بعد العدل فهي الإحسان، فإن كان العدل إعطاء كل ذي حق حقه، فالإحسان إعطاؤه ما فوق حقه، فمن الحق أن تأخذ
стр. 159
دينك من المدين، فإذا رأيته معسرًا فعفوت له دينك، فهذا إحسان.. وخص الله في الخصلة الثالثة الأقرباء بالإحسان، فالإحسان للناس عامة واجب، وهو لذوي القربى أوجب، فواجب أن يترابط أفراد الأسرة، ومن ارتباط الأسر ترتبط الأمة.
هذه هي الخصال الثلاث التي شددت الآية في التزامها والعمل بها، أما المنهيات الثلاثة التي وردت في الآية، فبالتأمل فيها نراها شاملة أيضًا شمولًا عجيبًا، وذلك أن علماء الاجتماع والقانون يقسمون الرذائل أو الجرائم إلى أنواع ثلاثة: جرائم يأتيها الأفراد نحو أنفسهم، وهي الجرائم الخلقية التي لا تدخل في نطاق القانون، كالكذب والحسد والنفاق والرياء ونحو ذلك. وجرائم تقع على أفراد الأمة ويعاقب عليها القانون كالسرقة والقتل، وكل ما فيه تعد على أنفس الناس وأموالهم. وجرائم تقع على السلطات الحاكمة كالسعي في هدم الحكومات.
وهذه الأنواع الثلاثة تقابل الرذائل الثلاث في الآية، فالفحشاء الأعمال القبيحة تصدر من الشخص وتؤذيه؛ ولذلك سمي البخيل فاحشًا. والمنكر ما يصدر عن الناس من جرائم تضر بهم ويستنكرونها إذا حدثت. وقد اعتاد القرآن أن يسمي الفضائل الاجتماعية معروفًا، والرذائل الاجتماعية منكرًا، وجعل من أصول الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .. أما البغي فمعناه الخروج على السلطة الحاكمة بوسائل العنف، ومن ذلك قولهم: "الفئة الباغية" أي: التي تخرج على الإمام العادل؛ ذلك لأن الإسلام يريد استقرار الأموار واستقرار السلطة الحاكمة مع صلاحيتها؛ لأنها المشرفة على النظام العام، فإن حادت عن العدل أو الحق وجههًا أولو الأمر إلى الجهة الصالحة، فالوسيلة للإصلاح هي النقد الصريح الجريء، وهذا يدخل -أيضًا- ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبعد، فإن الأمة التي تتبع هذه الأصول الثلاثة، وتتجنب هذه الأشياء الثلاثة أمة مثالية، فلنتصور جماعة من الناس، أو أمة من الأمم، عدل
стр. 160
أفرادها فأدوا لكل ذي حق حقه، وعدلت حكومتها فأدت واجبها، ثم تعاطفوا فيما بينهم، فساد بينهم الإحسان وخاصة على ذوي قرباهم، ثم تجنبت هذه الجماعة الجرائم الفردية الشخصية، والجرائم الاجتماعية، والثورات الانقلابية، فأي جماعة أسعد من هذه الجماعة؟! وأي أمة أرقى من هذه الأمة؟! "١.
المقال -كما ترى- سيكشف عن الثقافة الإسلامية لدى المرحوم أحمد أمين، ويوضح غيرته الدينية، وحرصه على بث عوامل الخير، ونبذ عوامل الشر، حتى يتحقق العدل في ربوع الأمة وبين أفرادها، في أسلوب ديني يقنعك بما تضمنه من طرق الإقناع، دون تزمت أو تهور، ويحمل روح العصر ولغته في وضوح وسهولة، ويسر وجلاء.
стр. 161
الفصل الرابع: المقال والاسلوب العلمي
مدخل
...
الفصل الرابع: المقال والأسلوب العلمي
الأسلوب العلمي في التراث العربي:
يخضع أسلوب الكتابة العلمية لمنطق فكري قويم، ومنهج علمي منظم، حتى تجيء الأفكار مرتبة ترتيبًا دقيقًا، توصل المقدمات فيها إلى النتائج، سواء أكانت علمية بحتة، أو علمية تساق في صورة أدبية، وليس بشرط أن تصاغ في صورة علمية جافة، خلية من التصوير الفني، بل قد تساق في صورة أدبية، وهذا ما يعنيه الدارسون بالأسلوب العلمي المتأدب، الذي يحاول الكاتب فيه تطويع المواد العلمية في صورة أدبية مستساغة.
وحين نستعرض النثر العلمي في تراثنا العربي، نلتقي بكتابات علمية في شتى فنون المعرفة, دبجها نفر من علماء العرب في العصر الإسلامي على أحسن نهج، وأفضل طريقة، وتميزت أساليبهم بالدقة في التفكير، والوضوح في العرض، والسلامة في الاستقراء، والصحة في الاستنتاج من أمثال: ابن الهيثم والجاحظ وابن مسكويه وابن الصوري والخوارزمي وابن النفيس والزهراوي والرازي وابن سينا، وغيرهم ممن كتبوا في الرياضيات والفلك والطب والنبات والحيوان والتشريح والبصريات، وترجمت مؤلفاتهم -بعد- إلى اللاتينية واللغات الأوروبية، وظلت مراجع معتمدة، ومصادر موثقة لدى أهل الصناعات في جامعات أوروبا قرونًا عديدة، وكانت الأساس الذي قامت النهضة العلمية الأوروبية عليه.
ويعتبر الجاحظ من العلماء المعدودين في تاريخ العلم البشري، يقول
стр. 162
المستشرق "هارتمان" عن كتاب الجاحظ في هذا المضمار: "أنه حفل بنظريات علمية مبتكرة في دور التكوين مثل: التطور والتأقلم وعلم النفس الحيواني التي اكتملت بعد عصر الجاحظ بأحد عشر قرنًا. أوجز الجاحظ أسس أسلوبه العلمي في كتاب "الحيوان" فقال: "جمع معرفة السماع وعلم التجربة, وإشراك بين علم الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسة وإحساس الغريزة" ويعبر عن استعانته بالعقل والحواس والتجربة فيقول: "ليس يشفيني إلا المعاينة وكل قول يكذبه العيان هو أفحش خطأ، وأسخف مذهبًا، وأدل على معاندة شديدة أو غفلة مفرطة, وأن الخير لا يصدق إلا إذا أثبته العيان، وحققته التجربة".
ونية الجاحظ إلى اتخاذ الشك وسيلة إلى اليقين فقال: "أعرف مواضع الشك والحالات الموحية له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموحية له" وبذلك سبق "يبكون" و"ديكارت" الذين ظهرا في القرن السابع عشر الميلادي، وتفوق عليهما، وأدرك -بفطرته- ما غاب عنهما من عناصر.
وفي العصر الحديث برز النثر العلمي على يد رجال الفكر عبد إنشاء الجامعة المصرية ١٩٠٨ ونشاط الصحافة، واهتمام الباحثين بتطبيق منطق أرسطو، ومنهج بيكون، وفلسفة ديكارت في أبحاثهم، مما بعث نشاط الكتابة العلمية في مجالات: العلوم الطبيعية والفلسفية والاجتماعية والإنسانية، وعلوم الدين واللغة والأدب.
بدأ علماؤنا المحدثون يحذون حذو أسلافهم في نشر الثقافة العلمية الرفيعة في ربوع الوطن العربي بلغة عربية فصيحة، وأسلوب سهل خال من العجمة، برئ من الرطانة من أمثال: يعقوب صروف وفؤاد صروف وأحمد زكي وسلامة موسى ومصطفى نظيف، وعلي شرفة وغيرهم ممن أضاءوا الطريق أمام أجيال الكتاب والباحثين، ونجحوا في نقل المسائل العلمية المستعصية -لجمهور القراء- بلغة سهلة، وعبارات شيقة، وأسلوب خال من التعقيد والالتواء.
стр. 163
ساير هؤلاء روح العصر، وتمشوا مع أحدث النظريات والآراء العلمية، وتابعوا التطورات العلمية التي تطالعنا يومًا بعد يوم. وسنحاول أن نقف على جهود بعضهم في مجال المقال العلمي، وبسط الحقائق، في أسلوب رصين، يمكن تناوله في سهولة ويسر.
بلغ إنتاج هؤلاء الأعلام في مجال الصحف والمجلات العلمية قدرًا يحتاج لدراسة متأنية واعية، تقوم أعمالهم تقويمًا دقيقًا حتى نضعهم في مكانهم الصحيح، وتنزلهم منازلهم التي تليق بهم.
ولا غرابة في ذلك فهم أحفاد أعلام العصر العربي الإسلامي, الذين حددوا مفهوم الأسلوب العلمي بدقة ووضوح، وسلامة في العرض والاستقراء والاستنتاج قبل أن يعرف العالم الأوروبي المؤرخ والعالم "فرانسيس بيكون".
ويمتاز الأسلوب العلمي عند علمائنا المحدثين بما يلي:
١- الدقة والوضوح، والتحديد والاستقصاء.
٢- الدخول في الموضوع مباشرة دون مداراة أو مقدمات.
٣- وضع المصطلح العلمي في المكان اللائق به، حتى لا يحدث في الأسلوب قلق أو اضطراب.
٤- سهولة اللفظ، وبساطة العبارة، مع متانة التركيب.
وسنخص في الصفحات التالية ثلاثة من العلماء الأدباء أو الآباء العلماء -بالحديث- ممن نشروا الثقافة العلمية في ربوع وطننا العربي بأسلوب ساير روح العصر، واستجاب لمتطلبات المجتمع، وحاجات جيلهم.
стр. 164
أولًا: يعقوب صروف ١٨٥٢-١٩٢٧
من أعلام النهضة ورجالات العلم والأدب والفلسفة، والرياضات في لبنان، بذل جهودًا لا تنكر في ميدان الثقافة العلمية، والأدبية: وصفًا وترجمة وتلخيصًا. فبر بها أقرانه، وسما على أترابه، وزاعت شهرته، وتردد ذكره، لحبه للبحث، ورغبته في التحقيق والتنقيب عن قضية علمية أو نظرية فكرية.
دبج في مجلته "المقتطف" مقالات حافلة بالأبحاث العلمية والأدبية والفلسفية والتاريخية والاقتصادية والزراعية، وكذلك السحر والتنويم المغناطيسي -منزهًا عن كشف البخت والتنجيم- ومناجاة الأرواح، ومذهب النشوء والارتقاء، وكلها تكشف عن حقائق كاتب -إذ ذاك- في مجال الطبيعة، وتسفر عن أراء معيبة.
ظهرت براعة يعقوب صروف في الترجمة العربية الصحيحة العلمية الحديثة، فقد وضع كلمات عربية لمسميات علمية: إنجليزية وفرنسية مثل الأحافير، وعلم النفس، والمثل الأعلى، ومناجاة الأرواح، وتنازع البقاء، وغير ذلك من المسميات, وأخذ يلاحق تعريبها أولًا بأول، حتى يقف القراء على أحدث النظريات العلمية، وفي الوقت نفسه يحافظ على قواعد العربية. يقول مصطفى صادق الرافعي:
"انتهى شيخنا "صروف" في العهد الأخير إلى أن صار بعد وحده حجة اللغة العربية في دهر من دهورها العاتية، لا في الأصول والأقيسة والشواذ، وما يكون من جهة الحفظ والضبط والإتقان، بل فيما هو أبعد من ذلك، وأراد بالمنفعة على اللغة وتاريخها وقومها، بل في ما لا تنتهي إليه مطمعة أحد من علمائها وأدبائها، إذ وقع الإجماع على أنه انفرد في إقامة الدليل العلمي على سعة العربية وتصرفها وحسن انقيادها وكنايتها، وأنها تؤاتي كل ذي فن على فنه، وتماد كل عصر بمادته، وأنها في دقة التركيب ومطاوعته مع تمام الآلات والأدوات بحيث ينزل منها رجل واحد بجهده وعمله منزلة الجماعات الكثيرة في اللغات الأخرى كأنها آخر ما انتهت إليه الحضارة قبل أن تبدأ الحضارة"١.
ويتضمن باب "الأسئلة والأجوبة" بمجلدات المقتطف أجوبة مفيدة في مختلف العلوم والفنون والحوادث، تدهش العقول لما وعى صدره من حقائق، واستقر في ذهنه من معلومات، وما انتهى إليه من نتائج وأحكام،
стр. 165
وتكشف عن سعة علمه وأصالة فكره، وتعد مرجعًا موثقًا يرجع الباحثون إليها.
أسلوب صروف:
تكشف مقالات يعقوب صروف عن أسلوب الأديب والمأدب والعالم الذي: "أغنى لغتنا المبينة ألفاظًا وتعابيرًا، أو أفكارًا وتصانيف لم تكن معهودة في سابق العهد، وكل ذلك بقدر واف لا ينكر" ويتميز أسلوبه بسمات أهمها:
١- استقامة اللغة، ووضوح البيان، وصفاء العبارة، مع غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وصدق نتائجه وأحكامه.
٢- يتم عن عقل واع، وفكر نير، يسجل ما يراه دون مراوغة أو التواء أو غموض.
٣- البعد عن المجازات، وعدم اللجوء إلى الكتابات، ومن هنا جاء واضحًا لا لبس فيه ولا غموض.
٤- يتناول صلب الموضوع دون مقدمات في عبارة سهلة، لا تلجئ القارئ إلى البحث عنها في المعاجم.
٥- تحري الصدق والأمانة، وتخير الألفاظ والعبارات دون تأويل أو تعمية، مع البعد عن أي صناعة لفظية.
٦- إبراز المعاني في بيان عربي، يجمع بين وضوح المعنى، وسلامة اللغة، وسهولة الأداء.
٧- يكشف عن سعة العلم، وأصالة المعرفة، وغزارة المادة، وسلامة الفكرة.
وهذا جزء من مقاله "الرأي القديم في الفلك" جاء فيه:
"أدرك الذين راقبوا الفلك من القدماء أن القمر بعيد جدا عن الأرض وأن الشمس أبعد منه، وأن نوره ليس أصليا بل مستمد منها، كما أن نور الأرض مستمد منها أيضًا، وأن خسوف القمر ناتج عن وقوع ظل الأرض
стр. 166
عليه. فهي كرة؛ لأن ظلها مستدير والشمس أكبر منها؛ لأنها تجعل لها ظلا طويلا صنوبريا، وهو الذي يخسف القمر بالمرور فيه, وقد استغربوا كما يستغرب العامة الآن كيف تغيب الشمس في الماء عند الأفق الغربي، ثم تظهر في الصباح عند الأفق الشرقي، وأغرب من ذلك أن القمر يغيب مثلها ويطلع مثلها، ولكنه يخالفها في أزمنة شروقه وغروبه، وفي تغير وجهه، وكذلك النجوم تشرق وتغرب، ولكنها لا تكتفي بهذه الدورة اليومية حول الأرض، بل تدور حولها دورة سنوية أيضًا، كأن السنة الأرضية وهي ٣٦٥ يومًا ونحو ربع يوم حاكمة على الشمس والقمر والنجوم.
والكواكب السيارة مشمولة بهذا الحكم، ولكن كل واحد منها خاضع لسير آخر خاص به، رأوا كل ذلك فأخذوا يبحثون عن أسبابه أي عن القوانين الطبيعية المتسلطة على الشمس والقمر والنجوم من حيث علاقتها بالأرض وعلاقتها بعضها ببعض، وأول حقيقة اكتشفوها وتحققوها هي أن الأرض كرة قائمة في الفضاء على لا شيء، وبذلك فسروا كيفية دوران الشمس والقمر والنجوم حولها أي فوقها في النهار، وتحتها في الليل".
"وأن القمر أقرب الأجرام السماوية إليها ففلكه أو مداره أقرب من كل الأفلاك إلى الأرض، وفوقه فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ، ثم فلك المشترى ثم فلك زحل ثم فلك النجوم. وينسب هذا الرأي إلى "بطليموس" العالم اليوناني الذي نشأ في الأسكندرية بين سنة ١٠٠- ١٧٠ للميلاد، وهو الرأي الذي جرى عليه الغرب لما تعلموا الفلك من كتب اليونان، ونقلوا كتاب بطليموس المعروف "بالمحبسطي" إلى العربية، وزادوا عليه تحقيقًا واكتشافًا، لكنهم لم يخالفوا رأيه من حيث دوران الشمس وسائر السيارات حول الأرض ولو قالوا إن الشمس أكبر من الأرض".
وقد جمع الشيخ ناصيف اليازجي أسماء هذه السيارات حسب ترتيبها من الأبعد إلى الأقرب في بيتين هما:
تلك الدراري زحل فالمشترى ... وبعده مريخها في الأثر
شمس فزهرة عطارد قمر ... وكلها سائرة على قدر
أما كيف عللوا حركات هذه الكواكب على اختلاف أنواعها، فمما يطول شرحه، وبقي رأي "بطليموس" شائعًا معمولًا به ١٤٠٠ سنة بعد وفاته.
ومن يطالع "الزيج الصابي" الذي وضعه أبو عبد الله محمد بن سنان بن جابر الحراني المعروف "بالبتاني" المتوفى ٩٢٩ للميلاد، أي: منذ نحو ألف سنة يعجب مما كان القدماء يبذلون من الجهد والعناء في تعليل حركات الشمس والقمر والكواكب والنجوم والفلك كله بحسب هذا الرأي مع قلة وسائلهم. هذا هو مذهب "بطليموس" في هيئة الفلك وخلاصته أن كرة الأرض قائمة في مركز الكون، وأن الشمس والقمر والنجوم السيارة وغير السيارة تدور حولها دورة كاملة كل يوم من الشرق إلى الغرب، كما يظهر لعين الناظر"١.
وهكذا كان يعقوب صروف يهتم بنشر العلم على لسان الصحافة، فخلف وراءه من مجلدات المقتطف ما يزيد عن ثلاثة وسبعين مجلدًا، جمعت علوم العصر وآدابه ومخترعاته واكتشافاته، بأسلوب سهل ولغة سليمة وتراكيب صحيحة، فبعثت نهضة فكرية أنارت الطريق أمام الباحثين.
стр. 167
ثانيًا: أحمد ١ زكي ١٨٦٧-٩٣٤٢١:
الرائد المصري الأول في إحياء الآداب العربية١، وتحقيق عشرات القضايا
стр. 168
والمواقع والمواقف والأعلام وأسماء البلدان وكلمات اللغة، وإدخال علامات الترقيم على الكتابة العربية وفق نسق الكتابة في اللغات الأوروبية. قضى الرجل في ميدان الحياة الفكرية والسياسية نيفًا وأربعين عامًا نشر خلالها كتاباته وأبحاثه في الصحف اليومية حتى آخر حياته ١٨٩٢-١٩٣٤. تضمنت أراءه ونظرياته في الحياة، على نحو واسع وشامل، وتناولتها: المؤيد واللواء والأهرام والمقطم والوطن وكوكب الشرق والبلاغ والدنيا المصورة، وكل شيء ومصر الحديثة والمقتطف والهلال والمجمع العلمي العربي وغيرها من صحف العالم العربي والإسلامي.
تؤلف مقالات أحمد زكي التي تربو على الألف موسوعة ضخمة في تحقيقات التاريخ والجغرافيا والآثار والأعلام واللغة. وبذلك أغنى الفكر المعاصر، وذلل كثيرًا من الصعوبات التي تعترض الباحثين، وكشف طريقًا كان مطمورًا، فعبده لمن جاء بعده من الباحثين والدارسين والمحققين وطلاب العلم والمعرفة.
أسلوب أحمد زكي:
يجمع أحمد زكي في أسلوبه بين العلم والأدب، والفكاهة والسخرية، وعلى الرغم من نشأته في بيئة السجع المتكلف والزخرف الممقوت في أخريات القرن التاسع عشر إلا أنه لم يكن عبدًا للزينة اللفظية، أعانه على ذلك ثقافته الفرنسية على التحرر منها، واتخذ طابعًا خاصا به يميزه عن غيره، ويتسم بالسمات التالية:
стр. 169
١- تطور من السجع إلى الترسل، ومن الجد المطلق إلى الجد المختلط بالهزل، ومن المقدمات الطويلة إلى الموضوع مباشرة.
٢- غلبة السجع على عناوين مقالاته على الرغم من رصانة اللغة، والأخيلة الطريفة، والتعبيرات الجديدة.
٣- يمزج التحقيق العلمي الجاف بالفكاهة والسخرية والانطلاق في أضواء جديدة، ليخفف على القارئ، ويغريه بالمضي معه.
٤- على الرغم من شيوع المرح في كتاباته لا يتعدى نطاق العلم، أو يؤثر في منطق الحقائق العلمية ذاتها.
٥- وجود لوازم معينة في كتاباته مثل: "قل لي بعيشك" و"يمينًا بالله وكتبه واليوم الآخر" و"يا غارة الله" و"أعرني سمعك رعاك الله" و"سقى الله عهده" و"هذا العاجز" و"هذه دويرتي".
ومن مقال له في "الرد على شبهات اليهود" يرد على الدكتور "هوبارك" من البنجاب الذي أعلن عند مروره بالقدس أن في أفغانستان وبلوخستان والهند ما يقرب من ميلوني مسلم يعدون أنفسهم يهودًا في الجنسية، ويدعون أنهم من بني إسرائيل على اعتبار انحدارهم من إسماعيل بن إبراهيم، وأن أسلافهم جاءوا إلى البلاد المذكورة منذ اثني عشر قرنًا، وهم يعدون التوراه من كتبهم المقدسة.
رد أحمد زكي بعنف وبأسلوب ساخر على هذه الأكذوبة فقال: "هل نظرت إلى هذا الحديث عن نصراني، عن يهودي، عن هندوكي، وقد يكون هذا الهندوكي بوذيا أو برهمانيا، إن لم يكن صهيونيا، أو جشرًا إنجيليا أو إنجليزيا، وأنا أحمد زكي باشا لا أصدق هذه الرواية التي جاءتني اليوم من هندوكي وعن يهودي عن نصراني، فهل من فتى صديق يوافيني بكأس ... ولكنه من ذياك الرحيق!.
لذلك رأيت من الواجب أن أكاشف قومي بما عندي في هذا الباب، أما أول القصيدة فهو دلالة على الكذب والبهتان، ولا أقول غير ذلك، فإن كان
стр. 170
لليهود جنس فلا ريب ولا جدال بأنهم إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم ليس لهم جنسية، فكيف يكون بعض الأجيال مسلمين دينًا، ويهودًا جنسية، هذا محال بل ظلال.
وبعد فهل هناك مسلمون هم يهود؟
ليس الدكتور "بارك" هو أول من يكاشفنا بهذه الخرافة، ولكن فريقًا من العلماء قبله قد غرتهم أقوال أولئك الأقوام، فقالوا بها أيضًا مثل: بللو وبول وهولدشى، ومثل: رافزتي "ببعض تحفظ من هذا الأخير".
والناس مجبولون على التولع بكل ما هو غريب أو غير مألوف، ولكن هذه النظرية الواهية قد درسها المحققون من علماء الإفرنج، فنقضوها من أساسها، بحيث لا يصلح لعاقل أن يرجع إليها.
أما عكس ذلك فقد أثبته التاريخ الصادق إلى الأمس، فإن جماعة من اليهود تستروا برداء الإسلام ظاهرًا وإلى حين، ذلك أن الإسبانيين حينما طردوهم من "الفردوس الإسلامي المفقود" بعد تقلص ظل العرب من جزيرة الأندلس، ذهب جماعة منهم إلى أرض الترك، وتوطنوا على الخصوص في مدينة "سلانيك" وأجوارها، وقد دعاهم حب الكسب في الغنيمة إلى التظاهر بالإسلام، وهم المعروفون عند الأتراك بلفظ تركي هو "طونة" وينطقونه "دونمة" بدال معجمة مثل دال "دوطية" أولئك اليهود المسلمانيون ما لبثوا بمجرد صدور الدستور العثماني في أواخر حكم عبد الحميد أن عادوا إلى خلع ذلك الثوب الشفاف فصاروا يهودًا كما كانوا لا يزالون.
أما القول بأن توجد على وجه الأرض جماعة هم مسلمون دينًا، بينما هم يهود جنسية فحديث خرافة يا أم عمرو، وكفى الإسلام ما أصابه من جرثومة الفساد "كعب الأحبار" ومن شجرة الظلال "وهب بن منبه" ومن ينبوع الخرافات "عبد الله بن سلام" ومن رابعهم "عبد الله بن سبأ" وقد نالوا منه كل المراد وأصابوه بالدواهي العظام، وأهله غافلون ولا يزالون، أما القول بأن المسلمين في بلاد الأفغال يعتبرون التوراة من كتبهم المقدسة فذلك كلام ليس له برهان، ومصدره الدعاية الصهيونية، والنزعات الاستعمارية"١.
وعلى الجملة فإن أحمد زكي من أعلام الفكر المعاصر، ترك ثروة من التوصيات والتحقيقات في مجال التاريخ والجعفرافيا والأعلام واللغة فكان رائد في هذا المجال، آل على نفسه أن يكون له بين قومه كل يوم موقف،
وفي كل مجال مجال مقال، كما قال:
وقفت على أحياء قومي براعتي ... وقلبي وهل إلا البراعة والقلب
ولي كل يوم موقف ومقالة ... أنادي بيوت العرب ويحكموا هبوا
فأما حياة تبعث الشرق ناهضًا ... وأما فناء وهو ما يرقب القرب
стр. 171
ثالثًا: سلامة موسى ١٨٨٨-١٩٥٨
قمة من قمم الثقافة، دبج العديد من المقالات السياسية والعلمية والاجتماعية والأدبية. جمع فيها بين عقلية العالم والأديب، نشر الأسلوب العلمي المهذب في مجلاتنا المصرية وصحفنا اليومية، سبق بأفكاره جيله بعشرات السنين، ونشط في ميادين الثقافة والصحافة والسياسة، فلفت الأنظار إليه لأرائه العلمية الجريئة.
اشتغل في تحرير مجلة الهلال ١٩٢٣، وكتب في جريدة البلاغ معقل أقطاب الفكر والأدب إذ ذاك، وعمل بجريدة الجهاد التي كان يصدرها محمد توفيق دياب ثم أصدر "المجلة الجديدة" ١٩٣٠ مزج فيها بين العلم والأدب والفن.
تأثر بالعديد من مفكري الغرب من أمثال العالم النفساني "سيجموند فرويد" و"دارون" صاحب نظرية النشوء والارتقاء، و"كارل ماركس" حامل لواء الاشتراكية، واتصل بكتاب العربية من أمثال: جورجي زيدان، وفرج أنطون، وساهم مع يعقوب صروف في تحرير صحيفة "اللواء"، وفيها تعرف على أمين المعلوف، ونشأت صداقة بينهما. وحضر مجالس
стр. 172
"مي زيادة" الأدبية، وله معها مساجلات أدبية رائعة، ومداعبات فكرية عذبة، كما اتصل بعبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة "البيان" وشارك في تحريرها زمنًا، وعمل مع أحمد لطفي السيد وطه حسين في جريدة "الجريدة".
أسلوب سلامة موسى:
منذ تولي تحرير مجلة "كل شيء الأسبوعية" خصها بمقالات افتتاحية في حجم الكارت بوستال، وعلق على كل مقال تعليقًا علميا، حتى عرف بأنه "الأديب العلمي" يمثل أسلوبه لون الثقافة الحقيقية التي يسهل هضمها على الجميع، مما جذب نحوه حوالي عشرة آلاف طالب ينتمون إلى مختلف الأحزاب، وعلى الرغم من ذلك فقد تميز أسلوبه بما يلي:
١- مثال الأسلوب العلمي السليم، الذي يعرض المصطلحات العسيرة عرضًا واضحًا، لا لبس فيه، ولا غموض.
٢- يجمع أمانة المؤرخ وروعة أسلوب الأدب، في سهولة ويسر، ووضوح وجلاء, رغم إيثارة العبارة الموجزة، والأسلوب التلغرافي.
٣- مطعم بأراء جديدة، ودعوات تجديدية كبرى، تمتع العقول، وتجذب القلوب.
٤- يكشف عن وفرة محصوله، وخصوبة تفكيره، نتيجة لقراءاته العديدة، واطلاعاته العريضة على الكتب والمصادر القديمة والحديثة.
٥- تبرز من خلاله شخصيته، في كل ما سطر من خواطر، أو سجل من أفكار، أو دبج من مقالات.
٦- أثر اشتغاله بالصحافة، وقراءاته العلمية في أسلوبه، فذهب جماله، وهبطت قوة تعبيره إلى حد بعيد.
كتب سلامه موسى عن "الأدب للشعب" حدد فيه معنى الفن ورسالة الأديب؛ لأن المد الثوري الديمقراطي بلغ ١٩٥٦ مرحلة هامة من التقدم فقال:
стр. 173
"حين أعرض لأحداث بلادنا فيما بين ١٩٤٧-١٩٥٧ أجدها على اختلاف بارز بين نصفيها، فالنصف الأول إلى العام ١٩٥٢ كان انحداريا كاد يكون انهيارًا في السياسة والأخلاق. فقد ظهرت حركات رجعية أوشكت على إحالة بلادنا إلى جهنم, وأصبح الزعماء والساسة الذين كنا نحترمهم لكفاحهم متسلقين يرغبون في الوصول إلى القمم، وهي في الأغلب قمم الثراء والسلطان دون أي حساب للشعب، بل تجاوزت هذه الحال من تسميتهم أدباء وصحفيين ومؤلفين ويكتبون كما لو كانوا يكتبون إعلانات مأجورة في الصحف. أما النصف الثاني أي: من بداية الثورة في ٢٣ يوليو ١٩٥٢ إلى ١٩٥٧ فيمثل نهضة الشعب، وهي نهضة إنشائية بنائية في جميع المرافق، ما زلنا ماضين في طريقها الذي لن يكون له آخر.
وأنا كذلك كبير التفائل بالمستقبل، وخاصة بعد هذا الاتفاق بيننا وبين الاتحاد السوفياتي في نوفمبر من ١٩٥٧ على تصنيع بلادنا، هذا التصنيع الذي أمضيت أكثر من ثلاثين سنة وأنا أنادي به، ومتى انتشرت المصانع بيننا، فإن كثيرًا من أزماننا سيحل، بل هذه الأزمات تحل نفسها عندئذ بلا عمل إرادي من الحكومة, فإن التعطل سيزول، وخاصة تعطل المتعلمين, وسيأخذ الاتجاه العلمي مكان الاتجاه الأدبي، وستزول العقائد التي تعطل التطور النفسي للشعب والثقافة العلمية ستكون النتيجة للحضارة الصناعية، ثم تعود هذه الثقافة فتؤثر في هذه الحضارة ويستمر التفاءل بينهما"١.
ويتحدث عن تطوير الكائن الإنساني دون قتل للضعفاء والمرضى -كما نادى نيتشه- فقال: "إن الفلسفة الحديثة ترمي إلى تفسير الحياة بحب القوة وكره الضعف وتحسين الإنسانية بطريقة عملية خالية من كل سفسطة أساسها علم البيولوجية الحديث, الذي يوضح لنا العوامل التي رقت الحيوانات ويبين إمكان تطبيقها على الإنسان, فبهذه الفلسفة الجديدة نحسن الإنسانية الآتية بمنع كل ما فينا من العناصر الرديئة من الوصول إلى نسلنا. وأهم هذه العوامل هو تحررنا الاقتصادي بشكل
стр. 174
يساوي فرصة العمل بين الأفراد، وهذه هي السوشيالية -أي: الاشتراكية- وتحريرنا الأدبي بشكل ينقرض فيه الدنيء الذي يعيش الآن بسلطة الواجبات الأدبية، ويبقى العالي الذي يرى في نفسه قانونًا لسلوكه, ولنذكر دائمًا أن الرحمة التي نحسن بها على الضعيف والمريض هي قسوة هائلة وجريمة فظيعة على الإنسانية القادمة؛ لأنها تخلد الصفات الرديئة في الشعوب، يجب أن تتقوى فينا غريزة الحياة إلى حد نكره فيه الضعف والمرض وكل منحط حتى في نفوسنا، صحيح أننا قتلنا الهنا ولكن لنحيي الإنسان"١.
كان سلامة موسى رائدًا متقدمًا في الكتابة، تناولت كتاباته مختلف مجالات المعرفة العديدة لحضارتنا القديمة والحديثة بالتسجيل والتحليل في بناء منطقي متناسق دائم التطور، ولقد حاول نفر من الدارسين ليكشفوا عن أفكار سلامة موسى فبذلوا جهودًا في سبيل الوقوف عليها من أمثال: فتحي خليل في "سلامة موسى وعصر القلق"، ومحمود الشرقاوي في كتابه "سلامة موسى المفكر والإنسان" وغالي شكري في كتابه "سلامة موسى وأزمة الضمير العربي" وهذا يدل على عطاء سلامة موسى للخصب، وأنه مفكر عملاق يخوض غمار الأفكار الصعبة وتسود نظرته الحياة والكون فيلفت الأنظار إليه.
стр. 175
الفصل الخامس: المقال والأسلوب الفني
مدخل
...
الفصل الخامس: المقال والأسلوب الفني
ارتبطت أسماء الأدباء المبدعين منذ القديم بأساليبهم، ولم ينفصلوا عنها أو تنفصل عنهم، فقالوا: أسلوب جاحظي نسبة إلى الجاحظ معلم العقل والأدب، وآخر بديعي نسبة إلى بديع الزمان الهمزاني الذي أشرق ذكره وأغرب في إبداع فن المقامات، وثالث توحيدي نسبة إلى أبي حيان التوحيدي الفيلسوف الأديب، ورابع فاضلي نسبة إلى القاضي الفاضل صاحب الطريقة المعروفة، وغيرهم من أصحاب الأساليب الذين اشتهروا بطرائق معينة، وسمات بارزة، تميزهم عن غيرهم في التعبير والتصوير، وتدل على قدرتهم، مما جعل غيرهم يتأثرون بهم، وينسجون على منوالهم.
ومنذ مطلع هذا القرن جذبت الصحف طائفة من الكتاب، ازدهرت أساليبهم في ظلها، وكان منهم المبدع والناقد والقاص والناثر. وتمثلت في كتاباتهم قوالب معينة، وأطر واضحة، وخصائص معروفة، تمكن القارئ أن يفرق بين كتابة وأخرى، وبين كاتب وآخر، بحيث يتميز بعضهم عن بعض فيما يجود الخاطر به.
وكان أكثرهم شهرة، وأبعدهم صيتًا من المصريين أمثال: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومن نوابغ لبنان أمثال: جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وعمر فاخوري، ومي زيادة، وميخائيل نعيمه.
هؤلاء وغيرهم من كتاب بلاد العروبة أثروا المقال، وطوروا في أسلوبه وأبرزوا خصائصه، وأصبح لكل منهم طريقته المميزة، وطابعه الذي يحمل سماته، ويكشف عن ذاته، وتبدو فيه سجاياه، وسنخص نفرًا منهم بشيء من التفصيل، كي نقف على الجهد الذي بذلوه، والآثار التي خلقوها، والنهج الذي سلكه كل منهم في عالم الكتابة الصحفية, فإلى صفحات هذا الفصل.
стр. 176
أولًا: مصطفى لطفي المنفلوطي ١٨٧٦-١٩٢٤
رائد من رواد النهضة الحديثة، وصاحب رسالة وفكر، يحمل أدبه سمات المجتمع، وتتوفر فيه خلال البيئة وصفات صاحبه، وهذا لا يتوفر لدى الكثير من أترابه ولداته، علت منزلته، وارتقت مكانته بين أدباء عصره لكثرة ما كتب قلمه، ودبج براعه، وفاض به خاطره، فترسم الناشئة خطاه، وساروا على هداه، ونسجوا على منواله.
كان المنفلوطي كلفًا بالقراءة، يجد سلوة في الكتاب مما وثق المحبة بينه وبين الثقافة، لذا فقد ترك أعمالًا أدبية كبيرة، تعرب عن موهبة أصيلة، وتشهد له بالفطنة والخلود, أشهرها "النظرات" التي جاءت حصيلة كتاباته في صحيفة "المؤيد" وكان لها من الأثر ما كان، بفضل حسن العرض، وسلامة التراكيب، وإيحاء الجمل، وجمال التعبير، وجلال التصوير.
أسلوب المنفلوطي:
المنفلوطي من أشهر كتاب المقال منذ راد الكتابة الشيخ محمد عبده، نالت مقالاته رضا القراء، وتقدير الجمهور لتصويرها ما يلائم العصر، مع إشراق الديباجة، وسلامة الأسلوب, وصف أحمد حسن الزيات أسلوب المنفلوطي وديباجته فقال: "أشرق أسلوب المنفلوطي على وجه "المؤيد" إشراق البشاشة، وسطع في أندية الأدب سطوع العبير، ورن في أسماع الأدباء رنين القلم، ورأى القراء الأدباء في هذا الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ، وسبحات البديع، وما لا يرون في غثاثة الصحافة، وركاكة الترجمة"١.
стр. 177
وعرف المنفلوطي بميله إلى المبالغة في إيراد الصفات المؤكدة التي تكسب الكلام قوة وتأثيرًا، والاهتمام بجمال العبارة، والعناية بالصياغة، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي:
١- إيثار الجمل القصيرة الموجبة التي تمتاز بالسلامة، وتخلو من كل ما يشين التعبير، ويصم الأسلوب.
٢- الاهتمام بحسن الصياغة، وجمال الإيقاع، والاعتماد على الألفاظ العربية، والعبارات الفصيحة، والأساليب الصحيحة.
٣- البعد عن التكلف والتقليد والقصد إلى الصدق والأصالة، والجمع بين الجدة والطرافة، والتفوق على الأساليب التي عاصرها.
٤- يتسم بالرقة والدقة، والروعة والقوة، ويميل إلى السهولة والترسل، مع الخلو مما يعيب التراكيب والصياغة، بطريقة بيانية أخاذة.
٥- رعاية جمال الأسلوب دون الاعتماد على المحسنات، باستثناء السجع المطبوع للإسهام في موسيقى الصياغة، والعناية بتحرك العاطفة وهزها بمختلف الأساليب.
وهذا نموذج من مقالاته عنوانه "أيها المحزون" يقول المنفلوطي فيه: "إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدًا أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك، وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي, لجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب، وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها وعطائها ومنحها، وأنها لا تنام من منحة تمنحها، حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها، وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر، وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزراء، ومن ينام على بساط الغبراء، فخفض من حزنك، وكفف من دمعك، فما أنا أول عرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بأول بدعة طريفة في جريدة المصائب والأحزان".
"أنت حزين؛ لأن نجمًا زاهرًا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نورًا، وقلبك سرورًا، وما هي إلا كره الطرف أن افتقدته فما وجدته, ولو أنك أجملت في أملك، لما غلوت في حزنك، ولو أنك أنعمت نظرك فيما تراءى لك، لرأيت برقًا خاطفًا، ما نظنه نجمًا زاهرًا، وهناك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله. أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظر المستريب بها، وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في بدء فذاك، وإلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى، ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاقي، ما كانت ترحة الفراق".
من ثم يتبين لك أن الأسلوب المنفلوطي يتميز بأنه ذاتي مستقل، أنشأه بقوة طبعه، وسلامة فطرته، وحسن ذوقه على أحسن مثال. وإذا كان الأدب الفرنسي يعتبر "ميشيل دي مونتين" رائد المقال الأدبي الحديث، والأدب الإنجليزي يفخر بفرانسيس يبكون في هذا المجال، فإن المنفلوطي رائد المقال الأدبي في العصر الحديث.
стр. 178
ثانيًا: مصطفى صادق الرافعي ١٨٨٠-١٩٣٧
كاتب بأدق معاني الكلمة وأوسع مدلولاتها، عاش فترة الجدل الأدبي، وتحويل النقد إلى طعن وتجريح، ولوم وتفريع، وأصبح وسيلة للشهرة, وتحطيم الأصنام، وبلوغ الرفعة، وهدم الكيان، ومن هنا أغمط حقه، وغدا أدبه موضع شك وارتياب، ومع ذلك لا يختلف اثنان أنه من الكتاب السلفيين، نقرأ له فيخيل لك أنك تقرأ لكاتب عباسي. يقول سعيد العريان -تلميذه- عنه: "تقرأ له فتحسبه رجلًا من التاريخ، قد فر من ماضيه البعيد، وطوى الزمان القهقرى، ليعيش في هذا العصر، ويصل حياة جديدة بحياة كان يحياها منذ ألف سنة أو يزيد في عصر بعيد ... "١.
стр. 179
أسلوب الرافعي:
تحقق في أسلوب الرافعي خصائص الأسلوب الأدبي العالي من حيث جمال الإيقاع، وسلامة الجرس، وعروبة اللفظ. يتحدث سعيد الرافعي عن الإيقاع في أسلوب أستاذه الرافعي فيقول: "كانت له عناية واحتفالها بموسيقية القول، حتى ليقف عند بعض الجمل من إنشائها برهة طويلة، ويحرك بها لسانه حتى يبلغ بها سمعه الباطني، ثم لا يجد لها وقعا من نفسه، فيردها وما بها من عيب، ليبدل بها جملة تكون أكثر رنينًا وموسيقى، وكان له ذوقه الخاص في اختيار كلماته، يحسه القارئ في جملة ما يقرأ من منشأته، وكنت أجد الإحساس به في نفسي عند كل كلمة، وهو يملي على هذا الذوق الفني الذي اختص به، هو الذي هيأه إلى أن يفهم القرآن، ويعرف سر إعجازه في كل آية، وكل كلمة من آية، وكل حرف من كلمة, وحسب القارئ أن يعود إلى تفسير الرافعي لقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ ليرى نموذجًا من هذا الذوق الفني العجيب، في فهم اللفظ، ودلالة المعنى، يقابله وجه آخر من هذا الذوق في اختيار ألفاظه عند الإنشاء١.
ومن أروع آثار الرافعي -وهي عديدة- المقالات والقصص والأحاديث الدينية التي نشرها في الصحف والمجلات، وضمها كتابه "وحي القلم" وفيها بدت طريقته في الاهتمام بالناحية البيانية وجمال الصياغة، وروعة الديباجة، وتحس خلالها بجمال وجمال، ومتعة وفن. وأهم سمات أسلوبه ما يلي:
١- يزدحم أسلوبه بالاستعارات والمجازات والكتابات في جدة وطرافة، وإتقان وإبداع.
٢- استلهام لفظة أو عبارة من القرآن الكريم، أو جملة من الحديث النبوي الشريف، أو مثل مشهور، أو بيت شعر مأثور.
стр. 180
٣- الاقتصاد في استخدام بعض ألوان البديع الذي يخدم الجانب المعنوي في توكيد الأفكار كالمقابلة والتورية، والجانب البياني في روعة الصياغة كالسجع والجناس.
٤- تشيع فيه الخواطر النفسية، والمشاعر الإنسانية، والمواقف الإسلامية، والصور الوصفية، والنظرات الإصلاحية، ممزوجة بالطابع العربي الإسلامي.
وهذا جزء من مقال له بعنوان "حقيقة الإسلام" يظهر من خلاله خصائص أسلوبه، يقول فيه: "لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلًا أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تصب المادة في المادة، لتمتزج بها فتحولها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول وتنمو، وإذا هو ﷺ وجود سار فيها، فما تبرح الإنسانية تنمو به وتتحول, كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية، كأنما وهن من طول الدهر عليه، يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد, بدأت به الدنيا تطورها الأعلى, من حيث يرتفع الإنسان عن ذاته, كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته، فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح له طريق المجيء من الجنة والثاني فتح الله لها طريق العودة إليها، كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان محمد سر كمالها".
"ولذا سمي الدين "بالإسلام" لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي: إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية، كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها، فلاحظ له هو من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية به الحظ".
"وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ، مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها، وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي، وهو أبدًا بروضها على هذه الحركة ما دام حيا، فينزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية، يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماه.