← Фикх общий

Фикх общий · id 10541

إصلاح المساجد من البدع والعوائد

جمال الدين القاسمي

Полный текст (304 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمات مقدمة الناشر ... باب: المقدمات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناشر: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فهذه الطبعة الثانية من "إصلاح المساجد" لعلامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي عليه رحمة الله، نقدمها للقارئ المسلم منهاجًا نيرًا لما يجب أن تكون عليه مساجد المسلمين وأحوالهم في عبادتهم. وقد حافظنا على مقدمة الطبعة الأولى للأستاذ الكبير محب الدين الخطيب عليه رحمة الله. كما أضفنا إليها تخريجًا لأحاديثها وتعليقًا على بعض مواطن الإشكال فيها لمحدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -جزاه الله خيرًا.

стр. 2

وإننا نقدم الشكر الجزيل للصديق الكريم الأستاذ ظافر القاسمي الذي سهل لنا طبع هذه الرسالة، كما يسر طبع الكثير من كتب والده، وإنه في عمله هذا يحيي ذكرى والده مصدقًا لحديث رسول الله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وإنا لنرجو أن ينفع الله بهذه الطبعة كما نفع بسابقتها وبجميع كتب هذا الإمام الجليل، إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. بيروت ٥/ ٢/ ١٣٩٠ زهير الشاويش

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: الحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الصالحين المصلحين وبعد؛ فإن رجال الإصلاح في الدنيا هم مصابيحها الذين تسطع أشعة حكمتهم في ديجور ظلمتها؛ فتتأذى بنور الإصلاح عيون طالما استأنست بالظلام، وتتنكر له نفوس ذاقت لذة الاستفادة من غفلة جماهير العوام. فلا يزال مصباح الإصلاح جادًّا في الظهور والاستعلاء، وأعداء الإصلاح دائبين على مقاوته في الجلاء والخفاء حتى يتم الله نوره. وإذا أتم الله نوره على عباده الصالحين بإشاعة مذهبهم الصالح فكثر سواد التابعين له يقف الشيطان أمام قلعة منهم رصينة الأركان، متينة البنيان؛ حتى إذا عجز عن فتحها من الخارج تذرع إلى فتحها من الداخل بتلبيسه الحق بالباطل على أهلها، وتسويله لهم أن يبتدعوا في الدين ما ليس منه، وأن يدخلوا عليه ما ليس فيه، إكمالًا له بزعمهم، ومبالغة في التمسك به. وإن مثل الدين في ذلك كمثل ينبوع الماء يتفجر من سفح الجبل عذبًا زلالًا، فلا يجتاز في مجراه بقاع الأرض من أفق إلى أفق حتى تكدره الأيدي فتمس الحاجة إلى إزالة ما زاد فيه من أوضار وأقذار وكانت به تزال الأوضار والأقذار. لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري هنالك تتجدد الحاجة إلى المصلحين فتتألق مصابيحهم في الأمم التي يريد الله بها خيرًا؛ ولعل ذلك من معاني قول الرسول الأكرم والمصلح الأعظم محمد بن عبد الله ﷺ : "يبعث الله على رأس كل مائة من يجدد لهذه

стр. 4

الأمة أمر دينها" ١. ولعل الانحلال الشنيع الذي منينا به في ديننا وسجايانا وقوميتنا وسائر مقومات حياتنا هذه والحياة الخالدة هو الذي دعا إلى ظهور عدد غير قليل من المصلحين في أكثر الأقطار الإسلامية والعربية لعهدنا هذا، فصاحوا في الأمة صيحتهم يدعونها للرجوع بالإسلام إلى ما كان عليه في الصدر الأول من حالته الفطرية التي تشبه ماء الينابيع عذوبة وصفاء، كما دعوها إلى التسلح بمعارف أوروبا وصناعاتها وأنظمتها ووسائل عمرانها؛ لأن ذلك من معدات القوة التي لا غنى لأمة عنها في معترك الحياة الحاضرة. والسيد جمال الدين القاسمي ﵀ مصباح من مصابيح الإصلاح الإسلامي التي ارتفعت فوق دياجير حياتنا الحاضر المظلمة -في الثلث الأول من القرن الهجري الرابع عشر- فنفع الله الناس بعلمه وعمله ما شاء أن ينفعهم، ثم انتقل إلى رحمة الله ورضوانه تاركًا من آثاره العلمية المطبوعة ما لا تكاد تخلو منه مكتبة قائل بالإصلاح في العالم الإسلامي. وها نحن نتقدم اليوم إلى أهل الفضل بكتاب من أجل كتبه شأنًا وأجزلها نفعًا وهو كتاب "إصلاح المساجد من البدع والعوائد" ونظنه الكتاب الوحيد المعروف بالعربية في هذا الموضوع. وأملنا في الله وطيد أن ينفع به المسلمين من أهل هذا الجيل وفي كل جيل، والله الموفق القاهرة: غرة رمضان ١٣٤١ محب الدين الخطيب

стр. 5

مقدمة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أمر بالدعوة إلى سبيله، وجعل الخير والفضل في قبيله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين. أما بعد؛ فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين، وجب على كل مستطيع له، أن يقتحم لوجه الله سبله، خشية أن تعم البدعة وتفشو الضلالة، ويتسع الخرق وتشيع الجهالة، فتموت السنة ويندرس الهدي النبوي، ويمحى من الوجود معالم الصراط السوي، ولما أضحت البدع الفواشي، كالسحب الغواشي، يتعذر على البصير حصرها، وضبط أفرادها وسبرها، رأيت أن أدل بجزئي منها على كلياتها، وبنبذة منها على بقياتها، وذلك في البدع والعوائد، الفاشية في كثير من المساجد؛ لأني ابتليت كآبائي بإمامة بعض الجوامع في دمشق الشام، وبالقيام بالتدريس العام، فكنت أرى من أهم الواجبات إعلام الناس بما ألم بها من البدع والمنكرات، فإن القيم مسئول عن إصلاح من في معيته، وفي الحديث: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ١ فاستعنت بالله تعالى في الشروع، وتوكلت عليه في

стр. 6

إتمام هذا الموضوع، ونقبت لأجله من شوارد الأسفار، وضممت إليه ما يروي البصائر والأبصار، وعزوت غالب فروعه لأصلها، ردًّا للأمانات إلى أهلها؛ تطمينًا للمرتابين، وتثبيتًا للمؤمنين، فجاء فريدًا في بابه، أمنية لطلابه ولم أجد من سبقني إليه، فاعرّج بالاحتذار عليه بل كان ترتيبه مخترعًا، وتقسيمه مبتدعًا وذلك من فضل الله علي، ومننه التي لا أحصي ثناءها لدي وبه المستعان، وعليه التكلان، في كل آن.

стр. 7

مقدمات: ١- بيان الميزان الذي يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه: قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة. لكن الجور قد يكون جورًا عظيمًا عن الصراط وقد يكون يسيرًا، وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله. فالميزان الذي يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول الله صلوات الله عليه وأصحابه عليه. والجائر عنه إما مفرط ظالم أو مجتهد أو متأول أو مقلد أو جاهل، فمنهم المستحق للعقوبة، ومنهم المغفور له، ومنهم المأجور أجرًا واحدًا، بحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم

стр. 8

في طاعة الله تعالى ورسوله أو تفريطهم. وبالجملة فمن اتبع رسول الله ﷺ في قوله أو فعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه. ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع، متبع لسبيل الشيطان، غير داخل فيمن وعد الله بالمحبة والمغفرة والإحسان. "أفاده شمس الدين ابن القيم في الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان من "إغاثة اللهفان". ٢- الترهيب من الابتداع: لا يخفى أن النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم حذروا قومهم من البدع ومحدثات الأمور، وامروهم بالاتباع الذي فيه النجاة من كل محذور. وجاء في كتاب الله تعالى من الأمر بالاتباع بما لا يرتفع معه الترك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية، وهذا نص فيما نحن فيه. وقد روينا عن أبي الحجاج بن جبير المكي١ -وهو من كبار التابعين وإمام المفسرين- في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ قال: البدع والشبهات. وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ قال ميمون بن مهران -وهو من فقهاء التابعين- الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله إذا قبض إلى سنته. وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من

стр. 9

أمته حواريون أصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره -وفي رواية: يهتدون بهديه، ويستنون بسنته- ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وفيه عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" زاد البيهقي: "وكل ضلالة في النار" ١. وفي "الصحيحين" و"سنن أبي داود" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية "من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو رد"٢ أي مردود على فاعله. وأخرج "الدارمي" أن أبا موسى الأشعري قال لابن مسعود: إني رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة فيقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء. ثم أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر. والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد؛ أو مفتتحو باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد

стр. 10

للخير لن يصيبه ... الحديث١. وروى "الدارمي" أيضًا عن عبد الله قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم٢. وعنه قال: القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. وعنه قال: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله. ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. وعنه قال: أيها الناس، إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. وعن عمر قال: يهدم الإسلام زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. وعنه قال: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى. وعن ابن عباس قال: عليك بتقوى الله تعالى والاستقامة. اتبع ولا تبتدع. وعنه أن أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع، وأن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور٣. وفي سنن أبي داود عن حذيفة بن اليمان ﵄: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا. فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم٤. وفي كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أوصيكم بتقوى الله

стр. 11

تعالى والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعد. وعن محمد بن مسلم من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. قال أبو معشر: سألت إبراهيم بن موسى عن هذه الأهواء فقال: ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير، ما هي إلا نزعة من الشيطان، عليك بالأمر الأول. وسأل عبد الملك بن مروان "غضيف بن الحارث" عن القصص ورفع الأيدي على المنابر فقال غضيف: إنهما لمن أمثل ما أحدثتم، وإني لا أجيبك إليهما لأني حدثت أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أمة تحدث في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها في السنة". والتمسك بالسنة أحب إلي من أن أحدث بدعة١. وعن ابن عمر ﵄ قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة٢. أخرج هذه الآثار "الدارمي" في مسنده ونقلها عنه الإمام "أبو شامة" الدمشقي كتاب "الباعث عن إنكار البدع والحوادث". ٣- معنى البدعة: أصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احتذي ولا ألف مثله. ومنه قولهم: أبدع الله الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ وقوله: ﴿قُلْ

стр. 12

مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُل﴾ أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض. وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح. ثم غلب لفظ "البدعة" على الحدث المكروه في الدين، ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم. وأما من حيث أصل الاشتقاق فإنه يقال ذلك في المدح والذم لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سبق. وقال الجوهري: "البديع المبتدع، والبدعة الحدث في الدين بعد الإكمال". ا. هـ. وهو كل ما لم يكن في عصر النبي ﷺ مما فعله أو أقر عليه أو عُلم من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه. وفي معنى ذلك ما كان في عصر الصحابة ﵃، مما أجمعوا عليه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا. وكذلك ما اختلفوا فيه فإن اختلافهم رحمة١ مهما كان للاجتهاد والتردد مساغ وليس لغيرهم إلا الاتباع دون الابتداع. وما أحسن ما قاله إبراهيم النخعي رحمة الله عليه: "ما أعطاكم الله خيرًا أُخبئ عنهم، وهم أصحاب رسوله وخيرته من خلقه" فأشار بذلك إلى ترك الغلو في الدين وإلى الاقتداء بالسلف الصالح. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فكل من فعل أمرًا موهمًا أنه مشروع وليس كذلك فهو غالٍ في دينه، مبتدع فيه، قائل على الله غير الحق بلسان مقاله أو لسان حاله. وروي أن رجلا قال لمالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ . قال الرجل. فإن احرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في ازدياد

стр. 13

الخير؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه﴾ الآية، وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله ﷺ . انتهى من "الباعث لأبي شامة". ٤- انقسام البدعة إلى حسنة وسيئة: تنقسم المحدثات إلى بدع مستحسنة وإلى بدع مستقبحة. قال حرملة: سمعت "الشافعي" يقول: "البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود. وما خالف السنة فهو مذموم" واحتج بقول عمر ﵁ في التراويح: "نعمت البدعة"١. يعني أنها محدثة لم تكن وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى٢، وإنما كان كذلك لأن النبي ﷺ حث على قيام شهر رمضان، وفعله ﷺ في المسجد، واقتدى به بعض

стр. 14

الصحابة ليلة بعد أخرى، ثم ترك النبي ﷺ ذلك خشية أن يفرض عليهم. فلما قبض النبي ﷺ أُمن ذلك فاتفق الصحابة ﵃ على فعل قيام رمضان في المسجد جماعة لما فيه من إحياء ما أمر به الشارع وفعله وحث عليه ورغب فيه. فالبدع الحسنة المتفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها هي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء فيها ولا يلزم من فعله محذور شرعي، وذلك نحو بناء المنائر والمدارس وخانات السبل وغير ذلك من الأنواع التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى "انتهى من الباعث". ٥- رد البدعة في الدين: لا يخفى أن مدار العبادات إنما هو على المأثور في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة مع الإخلاص في القلب وصحة التوجه إلى الله تعالى. ولكل مسلم الحق في إنكار كل عبادة لم ترد في الكتاب والسنة في ذاتها أو صورتها، فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه بأنه أكمل لنا ديننا وأتم علينا به نعمته، فكل من يزيد فيه شيئًا فهو مردود عليه لأنه مخالف للآية الشريفة وللحديث الصحيح "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ١. وكل البدع التي منها حسن ومنها سيئ فهي الاختراعات المتعلقة بأمور المعاش ووسائله ومقاصده وهي المراد بحديث "من سن سنة حسنة فله أجرها

стр. 15

وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" ولولا ذلك لكان لنا أن نزيد في ركعات الصلاة أو سجداتها "حققه بعض الفضلاء" والله أعلم. ٦- بغض المبتدع: اعلم أن كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله فإنك إن أحببت إنسانًا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله، ومن أحب بسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهو مطرد في الحب والبغض في العادات ولكن كل واحد من الحب والبغض داء دفين في القلب، وإنما يترشح عند الغلبة، ويترشح بظهور أفعال المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة، وفي المخالفة والموافقة. فإذا ظهر في الفعل شيء سمي موالاة ومعاداة، ولذلك قال الله تعالى: "هل واليت في وليًّا وهل عاديت في عدوًّا"١ وأثر البغض إما في الإعراض والتباعد وقلة الالتفات، أو في الاستخفاف وتغليظ القول، أو في قطع المعونة والرفق والنصرة. ومن الذين يُبغَضون في الله المبتدع، فإن كان يدعو إلى بدعته وهي ضلالة سبب لغواية الخلق فالاستحباب إظهار بغضه ومعاداته والانقطاع عنه وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه. وإن كان عاميا لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون فالأولى أن لا يفاتح بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به بالنصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه تأكد الاستحباب في الإعراض، وإن علم أن ذلك لا يؤثر فيه لجمود طبعه ورسوخ عقده

стр. 16

في قلبه فالإعراض أولى؛ لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها "انتهى من الإحياء للإمام الغزالي". ٧- وعيد من سنَّ سُنَّة سيئة: أخرج مسلم وغيره عن جرير ﵁ في حديث وفد مصر والحث على إكرامهم قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". ٨- إنكار المنكرات المحظورة والمكروهة: كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ينكرون أشد الإنكار على من أحدث أمرًا أو ابتدع رسمًا لم يعهدوه قل أو كثر، صغر ذلك أو كبر، كان ذلك في المعاملة أو في العبادة أو في الذكر. والمنكرات تنقسم إلى مكروهة وإلى محظورة، فالمنكر المكروه يستحب المنع ويكره السكوت عليه ولا يحرم إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه، فيجب ذكره له لأن الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه، أما المنكر المحظور فالسكوت عليه مع القدرة محظور "انتهى من الإحياء للغزالي".

стр. 17

٩- مفاسد الإقرار على البدع: من الغيرة لله ولرسوله ولدينه تعطيل ما ألصق بالدين وليس منه وهجره وإطراحه واستقباحه وتنفير الناس عنه. إذا يلزم من الموافقة عليه مفاسد: الأولى: اعتماد العوام على صحته أو حسنه. الثانية: إضلال الناس به وإعانة لهم على الباطل وإغراء به. الثالثة: في فعل العالم ذلك تسبب إلى أن تكذب العامة على رسول الله ﷺ فتقول: هذه سنة من السنن. والتسبب إلى الكذب على رسول الله ﷺ لا يجوز لأنه يورط العامة في عهدة قوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١. الرابعة: أن الرجل العالم المقتدى به والمرموق بعين الصلاح إذا فعلها كان موهمًا أنها من السنن فيكون كاذبًا على رسول الله ﷺ بلسان الحال، ولسان الحال قد يقوم مقام لسان المقال، وأكثر ما أُتي الناس في البدع بهذا السبب، يظن في شخص أنه من أهل العلم والتقوى وليس هو في نفس الأمر كذلك فيرمقون أقواله وأفعاله فيتبعونه في ذلك فتفسد أمورهم. وفي الحديث عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن مما أتخوف على أمتي أئمة مضلين" أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه. وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخد الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ٢. قال الإمام الطرطوشي فتدبروا هذا الحديث

стр. 18

فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم وإنما يؤتون من قبل إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فيؤتى الناس من قبلهم. قال: وقد صرف عمر ﵁ هذا المعنى تصريفًا فقال: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين فخان" قال ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتي من ليس بعالم فضل وأضل وكذلك فعل ربيعة قال مالك رحمه الله تعالى: بكى ربيعة يومًا بكاء شديدًا فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ قال: لا ولكن استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم. "انتهى من الباعث لأبي شامة". ١٠- ما يجب على العالم فيما يرد عليه مما يأمن فيه من الابتداع: لا يخفى أن السلف الصالح بلغوا إلينا هدي النبي ﷺ وسنته، وشرحوا لنا سيرته وطريقته، وميزوا ما نقل عنه مما يجب الرجوع إليه من ذلك وما يطرح كما دون في كتب السنة. فالواجب على العالم فيما يرد عليه من الوقائع، وما يسأل عنه من الشرائع، الرجوع إلى ما دل عليه كتاب الله المنزل، وما صح عن نبيه المرسل، وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من الصدر الأول، فما وافق ذلك أذن فيه وأمر، وما خالفه نهى عنه وزجر، فيكون بذلك قد آمن واتبع، ولا يستحسن، فإن من استحسن فقد شرع. قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة فتذاكروا يومًا السنن فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: "أرأيت أن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام فهم الحجة على السنة" فقال ربيعة: أشهد أن هذا لكلام أبناء الأنبياء. "انتهى من الباعث لأبي شامة".

стр. 19

١١- اجتناب العالم ما يتورط بسببه العامة: هذا باب من أبواب الدين موضوعة إصلاح المعتقدات في العبادات، وتنبيه العامة على حكم ما ألفوه من العادات. وقد سبق للعمل بهذا الباب علماء الصحابة وساسة الخلفاء الراشدين، ورأوه من المراشد الصالحة، والمناهج السامية؛ ثم نبه عليه حكماء العلماء. قال الإمام أبو شامة في كتاب "الباعث": لا ينبغي للعالم أن يفعل ما يتورط العوام بسبب فعله في اعتقاد أمر على مخالفة الشرع. وقد امتنع جماعة من الصحابة من فعل أشياء إما واجبة وإما مؤكدة خوفا من ظن العامة خلاف ما هي عليه: قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: وقد بلغنا أن أبا بكر الصديق وعمر ﵄ كانا لا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما فيظن من رآهما أنها واجبة. وعن ابن عباس أنه جلس مع أصحابه ثم أرسل بدرهمين فقال: اشتروا بهما لحمًا ثم قال: هذه أضحية ابن عباس. قال الشافعي: وقد كان قلما يمر به يوم إلا نحر فيه أو ذبح بمكة قال: وإنما أراد بذلك مثل الذي روي عن أبي بكر وعمر ﵄، وعن أبي مسعود الأنصاري قال: "إني لأترك أن أضحي كراهية أن يرى جيراني وأهلي أنه علي حتم". أخرجهن الحافظ البيهقي في "كتاب المعرفة"١. قال أبو بكر الطرطوشي: انظروا رحمكم الله فإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية، أحدهما: سنة، والثاني: واجبة، ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة حذرًا من أن يضع الناس الأمر على غير وجهه فيعتقدوها فريضة.

стр. 20

قال: ومن ذلك قصة عثمان بن عفان ﵁ وذلك أنه كان يسافر فيتم في السفر فيقال له: "أليس قصرت مع رسول الله ﷺ " قال: "بلى. ولكني إمام الناس، فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت"١ قال الطرطوشي رحمه الله تعالى: تأملوا رحمكم الله تعالى فإن في القصر قولين لأهل الإسلام، منهم من يقول: فريضة ومنهم من يقول: سنة، ثم اقتحم عثمان ﵁ ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء العاقبة وأن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان. قال: وكان عمر ينهى الإماء عن لبس الإزار وقال: "لا تشبهن بالحرائر"٢ وقال لابنه عبد الله: "ألم أخبر أن جاريتك لبست الإزار لو لقيتها لأوجعتها ضربا" قال الطرطوشي: ومعلوم أن هذه سترة، ولكن فهموا أن مقصود الشرع المحافظة على حدوده، وأن لا يظن الناس أن الحرة والأمة في السترة سواء فتموت سنة وتحيي بدعة. ثم قال "أبو شامة": ونظير ما حكي عن أبي بكر وعمر ﵄ في الأضحية ما أخرجه "البيهقي في كتاب السنن"٣ عن عبد الرحمن بن أبزى أن أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمام الجنازة وكان علي يمشي خلفها، فقيل لعلي ﵁: كانا يمشيان أمامها فقال: "إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذًّا ولكنهما يسهلان للناس".

стр. 21

وقد أنكر عمر على طلحة ﵄ فعلا يغتر بظاهره الجهال فيحملونه على غير وجهه ففي الموطأ١ عن نافع أنه سمع أسلم يحدث أن عمر رأى على طلحة ثوبًا مصبوغًا وهو محرم فقال: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر٢. فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، فلو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة قد كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. ا. هـ. وقال الإمام الغزالي في "الإحياء" في باب السماع: يمنع التشبه بأهل الفسق لأن من تشبه بقوم فهو منهم، وبهذه العلة نقول بترك السنة مهما صارت شعارًا لأهل البدعة خوفًا من التشبه بهم٣ ثم قال: لهذا ينهى عن لبس القباء وترك الشعر على الرأس قزعًا في بلاد صار القباء من لبس أهل الفساد فيها. وقال الشهاب ابن حجر في فتاويه الحديثية: ما يفعله كثير عند ذكر مولده ﷺ ووضع أمه له من القيام بدعة لم يرد فيها شيء. قال: على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيمًا له ﷺ . فالعوام معذورون بذلك بخلاف الخواص فلا ينبغي لهم فعله. ا. هـ. وقال البدر العيني في "شرح البخاري" في باب المساجد التي على طريق المدينة. ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون بالنوافل التزامًا شديدًا أن يترخص

стр. 22

فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة، كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية. ا. هـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتواه أن ليس للجمعة راتبة قبلية ما نصه: الأذان الذي على المنائر لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروج الإمام وقعوده على المنبر. ويتوجه أن يقال هذا الأذان الثالث لما سنه عثمان واتفق عليه المسلمون صار أذانًا شرعيًّا وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة١ وليست سنة راتبة كالصلاة قبل المغرب. وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ومن ترك ذلك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال وكلام الإمام أحمد عليه. وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يعتقدون أن هذه سنة راتبة أو واجبة فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة ولا واجبة، لا سيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحيانا حتى لا تشبه الفرض كما استحب أكثر العلماء "يعني المالكية والحنفية والحنابلة" أن لا يداوم على قراءة السجدة يوم الجمعة مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ فعلها؛ فإذا كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة على ما لم يسنه ﷺ أولى، وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحيانا لأنها تطوع مطلق أو صلاة بين أذانين كما يصلى قبل العصر والعشاء لا لأنها سنة راتبة فهذا جائز، وإذا كان رجل مع قوم يصلونها فإن كان مطاعًا إذا تركها وبين لهم السنة لم ينكروا عليه بل عرفوا السنة فتركها حسن وإن لم يكن مطاعًا ورأى أن في صلاتها تأليفًا لقلوبهم إلى ما هو أنفع أو دفعًا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم وقبولهم له ونحو ذلك فهذا أيضًا حسن. فالعمل الواحد يكون مستحبًّا فعله تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية، والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحة، كما ترك النبي ﷺ بناء

стр. 23

البيت على قواعد إبراهيم، وقال لعائشة: "لولا أن قومك حديثو العهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه" والحديث في الصحيحين. فترك النبي ﷺ هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على المصلحة ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل القنوت١ فضل بأن يسلم في الشفع ثم يصلي ركعة الوتر وهو يؤم قومًا لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن ينقلهم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه. وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل أو الجهر بها وكان المأمون على خلاف رأيه ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان هذا جائزًا حسنًا. وكذلك لو فعل خلاف الأفضل لأجل بيان السنة وتعليمها لمن لم يعلمها كان حسنًا مثل أن يجهر بالاستفتاح أو التعوذ أو البسملة ليعرف الناس أن فعل ذلك حسن مشروع في الصلاة كما ثبت في الصحيح٢ "أن عمر بن الخطاب جهر بالاستفتاح فكان يكبر ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. قال الأسود بن يزيد: صليت خلف عمر أكثر من سبعين صلاة فكان يكبر ثم يقول ذلك. رواه مسلم في صحيحه٣

стр. 24

ولهذا شاع الاستفتاح حتى عمل به أكثر الناس. وكذلك ابن عمر وابن عباس ﵃ يجهران بالاستعاذة، وكان غير واحد من الصحابة يجهر بالبسملة، وهذا عند الأئمة الجمهور الذين لا يرون الجهر بها سنة راتبة كان لتعليم الناس أن قراءتها في الصلاة سنة، كما ثبت في الصحيح: "أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن جهرًا" وذكر أنه فعل ذلك ليعلم الناس أنها سنة. وذلك أن الناس في صلاة الجنازة على قولين: منهم من لا يرى فيها قراءة بحال كما قاله كثير من السلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ومنهم من يرى القراءة فيها سنة كقول الشافعي وأحمد لحديث ابن عباس هذا وغيره. ثم من هؤلاء من يقول: القراءة فيها واجبة كالصلاة، ومنهم من يقول: بل هي سنة مستحبة ليست واجبة وهذا أعدل الأقوال الثلاثة١، فإن السلف فعلوا هذا وهذا وكان كلا الفعلين مشهورًا بينهم: كانوا يصلون على الجنازة بقراءة وبغير قراءة كما كانوا يصلون تارة بالبسملة وتارة بغير جهر، وتارة باستفتاح وتارة بغير استفتاح، وتارة برفع اليدين في المواطن الثلاثة وتارة بغير رفع، وتارة يسلمون تسليمتين وتارة تسليمة واحدة، وتارة يقرءون خلف الإمام بالسر وتارة لا يقرءون، وتارة يكبرون على الجنازة سبعًا وتارة خمسًا وتارة أربعًا كان فيهم من يفعل هذا وفيهم من يفعل هذا كل هذا ثابت عن الصحابة، كما ثبت عنهم أن فيهم من كان يرجع في الأذان وفيهم من لا يرجع فيه، وفيهم من يوتر الإقامة وفيهم من كان يشفعها، وكلاهما ثابت عن النبي ﷺ . فهذه الأمور وإن كان أحدها أرجح من الآخر فمن فعل المرجوح فقد فعل جائزًا، وقد يكون فعل المرجوح للمصلحة الراجحة كما يكون ترك الراجح أرجح أحيانًا

стр. 25

لمصلحة راجعة. وهذا وقع في عامة الأعمال، فإن العمل الذي هو في جنسه أفضل قد يكون في موطن غيره أفضل منه كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة وجنس القراءة أفضل الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء. ثم الصلاة بعد الفجر والعصر منهي عنها، والقراءة والدعاء والذكر أفضل منها في تلك الأوقات، وكذلك القراءة في الركوع والسجود منهي عنها، والذكر هناك أفضل منها، والدعاء في آخر الصلاة بعد التشهد أفضل من الذكر. وقد يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين لكونه عاجزًا عن الأفضل، أو لكون محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر فيكون أفضل في حقه لما يقترن به من مزيد علمه وحبه وإرادته وانتفاعه كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ما لا ينتفع بما لا يشتهيه وإن كان جنس ذلك أفضل، ومن هذا الباب صار الذكر لبعض الناس في بعض الأوقات خيرًا من القراءة والقراءة لبعضهم في بعض الأوقات خيرًا من الصلاة وأمثال ذلك لكمال انتفاعه به لا لأنه في جنسه أفضل. وهذا الباب باب تفضيل بعض الأعمال على بعض إن لم يعرف فيه التفضيل، وأن ذلك يتنوع بتنوع الأحوال في كثير من الأعمال وإلا وقع فيه اضطراب كثير فإن من الناس من إذا اعتقد استحباب فعل ورجحانه يحافظ عليه ما لا يحافظ على الواجبات حتى يخرج به الأمر إلى الهوى والتعصب والحمية الجاهلية كما تجده فيمن يختار بعض هذه الأمور فيراها شعارًا لمذهبه. ومنهم من إذا رأى ترك ذلك هو الأفضل يحافظ أيضًا على هذا الترك أعظم من محافظته على ترك المحرمات حتى يخرج به الأمر إلى اتباع الهوى والحمية الجاهلية كما تجده فيمن يرى الترك شعارًا لمذهبه وأمثال ذلك. وهذا كله خطأ والواجب أن يعطى كل ذي حق حقه، ويوسع ما وسع الله ورسوله، ويؤلف ما ألف الله بينه ورسوله، ويراعي في ذلك ما يحبه الله ورسوله من المصالح الشرعية والمقاصد الشرعية، ويعلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وأن الله بعثه رحمة للعالمين، بعثه بسعادة الدنيا والآخرة في كل أمر من الأمور

стр. 26

وأن يكون مع الإنسان ما يحفظ به هذا الإجمال، وإلا فكثير من الناس يعتقد هذا مجملا وبدعه عند التفصيل إما جهلا، وإما ظلمًا، وإما ظنًا، وإما اتباعًا للهوى، فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. ١٢- فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا خفاء في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم شعائر الدين. وأهم المفترضات على المؤمنين. وقد أمر الله بذلك في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . وحث عليه ورغب فيه فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأبرز القائمين في أجل مظهر يمكن أن تظهر فيه حال أمة فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فقدم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الإيمان في هذه الآية مع أن الإيمان هو الأصل الذي تقوم عليه أعمال البر والدوحة التي تتفرع عنها أفنان الخير؛ تشريفًا لتلك الفريضة، وإعلاء لمنزلتها بين الفرائض. بل تنبيهًا على أنها حفاظ الإيمان وملاك أمره. ثم شد بالإنكار على قوم أغفلوها. وأهل دين أهملوها فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فقذف عليهم اللعنة وهي أشد ما عنون به على مقته وغضبه. وقال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان" ١.

стр. 27

وقال ﵊: "أيها الناس مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم؛ وقبل أن تستغفروا فلا يغفر لكم. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا ولا يقرب أجلا وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء"١. وقال ﵊: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" ٢. وسئل صلوات الله عليه عن خير الناس فقال: "أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم؛ وآمرهم بالمعروف. وأنهاهم عن المنكر"٣. فقد تبين واتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا رخصة لأحد في تركهما عند القدرة والإمكان. وأن من أضاع ذلك وتساهل فيه فهو متهاون بحق الله، وغير معظم لحرماته كما ينبغي، وقد ضعف إيمانه، وقل من الله خوفه وحياؤه، فإن كان سكوته رغبة في الدنيا وطمعًا في الجاه والمال ويخشى أنه إذا أمر أو نهى سقطت منزلته وضعف جاهه عند من أمره أو نهاه من العصاة والظلمة فقد عظم أثمه وتعرض بسكوته لسخط ربه ومقته، فأما إذا سكت عن الأمر والنهي لعلمه أنه يحصل له إذا أمر أو نهي مكروه في نفسه أو ماله فقد يجوز له السكوت إذا تحقق ذلك وكان المكروه الذي يحصل له شديدًا وله وقع ظاهر؛ ولو أمر أو نهى مع ذلك كان له أجر عظيم وثواب جزيل وكان ذلك منه دليلا على محبة الله وإيثاره على نفسه وعلى نهاية الحرص على نصرته لدينه كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وما أحسن حال العبد إذا ضرب أو حبس أو شتم بسبب قيامه بحقوق ربه وأمره بطاعته ونهيه عن معصيته، ذلك دأب الأنبياء والصالحين والعلماء العاملين، كما هو منقول في أخبارهم، ومعروف من سيرهم وآثارهم. ولا خير في

стр. 28

الجبن والضعف المانعين من نصرة الدين ومجاهدة الظالمين والفاسقين لردهم إلى طاعة الله رب العالمين، فإن الغضب لله والغيرة له عند ترك أوامره، وارتكاب نواهيه، وزواجره، شأن الأنبياء والصديقين، وبذلك وصفوا، واشتهروا وعرفوا، كما ورد في الحديث أنه ﵊ كان لا يغضب لنفسه، فإذا انتهك شيء من حرمات الله تعالى لم يقم لغضبه شيء١ وكما قال ﵊ في حق عمر بن الخطاب ﵁: "تركه قوله الحق وما له في الناس من صديق"٢ وقال تعالى في وصف أحبابه من المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ . فتبين أن المؤمن الكامل لا يقدر أن يملك نفسه عند مشاهدة المنكرات يغيرها أو يحال بينه وبين ذلك بما لا طاقة له على دفعه. وأما المنافق ومن ضعف إيمانه جدًّا فإذا رأوا المنكرات تعللوا وعذروا أنفسهم بالأعذار الركيكة التي لا يقوم بها حجة عند الله وعند رسول الله ﷺ ، وتراهم إذا شتموا أو ظلموا بشيء من أموالهم يقومون أتم القيام ويغضبون أشد الغضب، ومن فعل معهم ذلك يخاصمونه ويصارمونه الزمان الطويل، ولا يفعلون شيئًا من ذلك مع المصرين على الظلم والمنكر المضيعين لحقوق الله، وأن المؤمنين الصادقين على العكس من ذلك يغضبون لله ولا يغضبون لأنفسهم ويقاطعون من عصى الله وترك أمره ويصارمونه إذا لم يقبل الحق ويصفحون ويتجاوزون عمن ظلمهم أو شتمهم. فانظروا الفرق ما بين الفريقين وكونوا مع أحسنهم فريقًا، وأقومهم طريقًا ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

стр. 29

ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية فحيث قام به البعض من المسلمين سقط الحرج بقيامهم عن الباقين، واختص الثواب بالقائمين فقط. وحيث قصروا كلهم عم الإثم والحرج كل عالم بالمنكر منهم يستطيع إزالته وتغييره بيد ولسان. وأول ما يجب عند مشاهدة المنكرات التعريف والنهي بلطف ورفق وشفقة، فإن حصل بذلك المقصود وإلا انتقل منه إلى الوعظ والتخويف والغلظة في القول والتعنيف ثم إلى المنع والقهر باليد وغيرها ومباشرة تغيير المنكر بالفعل. أما الرتبتان الأوليان -التعريف باللطف والوعظ والتخويف- منهما فعامتان والغالب فيهما الاستطاعة ومدعي العجز عنهما متعلل ومتعذر في الأكثر بما لا يقوم به عذر، وأما الرتبة الثانية التي هي المنع بالقهر وتغيير المنكر فلا يستطيعه ويتمكن منه في الأكثر إلا من بذل نفسه لله تعالى، وجاهد بماله ونفسه في سبيل الله، وصار لا يخاف في الله لومة لائم، أو كان حاكمًا أو مأذونًا له من قبله. والحاصل أن الإنسان يأتي من ذلك بما يستطيع ولا يقصر في نصرة دين الله ولا يعتذر في إسقاط ذلك بالأعذار التي لا تصح ولا يسقط بها ما وجب عليه من أمر الله. واعلم أن الأخذ بالرفق واللطف، وإظهار الشفقة والرحمة، عليه مدار كبير عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعليك به ولا تعدل عنه ما دمت ترجو نفعه وحصول المقصود به وفي الحديث: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه" ١ وورد أيضًا "أنه لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه"٢.

стр. 30

وليحذر من المداهنة في الدين، ومعناها أن يسكت الإنسان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن قول الحق وكلمة العدل طمعًا في الناس وتوقعًا لما يحصل منهم من جاه أو مال أو حظ من حظوظ الدنيا. هذا ما جاء في كتاب النصائح الدينية للإمام "با علوي الحداد" قدس سره. وقال بعض الفضلاء: قد يظن أن النهي عن المنكر من أصعب الأمور مع أن إزالة المنكر في الشرع تكون بالفعل، فإن لم يكن فبالقول، فإن لم يكن فبالقلب، وهذه الدرجة الثالثة هي الإعراض عن الخائن والفاسق والنفور منه وإبطان بغضه في الله، ومن علائم ذلك تجنب مجاملته ومعاملته. ولا شك أن إيفاء هذا الواجب الديني كاف للردع ولا يتصور العجز عنه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْض﴾ . ١٣- بيان من هو المستطيع لإزالة البدع في المساجد: إن قلت: من المستطيع في هذه الإعصار لإزالة البدع والمنكرات في المساجد، الجريء عليها، النافذ الكلمة في شأنها، حتى يتوجه إليه تكليف السعي بإماطتها عن جادة الحق؟؟ قلت: لا إخال أنه يخفى معنى اللفظ النبوي والمراد منه وهو المستطيع المتحقق وجوده في كل عصر، فكل عالم يؤم قومًا في مسجد أو يدرس فيه أو يعظ يتعين عليه السعي في إزالتها إذا كان له نفوذ كلمة لدى الحكام،

стр. 31

وإلا فالأمر منوط برئيس العلماء ووجيههم عند الأمراء فإنه مسموع الكلمة مطاع الإشارة في ذلك مرهوب المقام بين العامة، فإذا أمر المبتدعين في المساجد بترك بدعتهم فإنهم يرضخون له رهبة منه. حتى إذا عانده أحد فإن له من الوجاهة ما يمكنه رفع ذلك، كأن يعلم والي البلدة أو حاكمها وهو ينفذ له مرامه، وذلك أن الحاكم يأمر رئيس الشرط أن يرسل من جنده من ينذر المبتدعين بأن من لم يقلع عن بدعته فإنه يودع في السجن، فإذا حضرت الشرط وأرهبت المبتدعين فلا تلبث البدعة أن تذهب كأمس الدابر وتصبح حديثًا من الأحاديث. ولقد شاهدنا في عصرنا وما قبله أن المدرسين في الجامع الأموي كانوا يصلون العشاء جماعات متعددة كل مدرس يؤم تلامذته عند حلقته، وهكذا في رمضان فلا تحصى جماعات التراويح. ولا تسل عن التسابق في حلبة الاستعجال وأيهم يفرغ قبل، مما يؤسف كل عاقل، وهكذا بعد صلاة الجمعة في جماعات الظهر. فتراءى لمفتي الشام أن ينهي عن هذه البدعة -بدعة تقسيم المصلين وتفريق كلمة المجمعين- فأمر الفقهاء والمدرسين في هذا الجامع بالكف عن هذا التفرق والتفريق، وأن ينضموا للإمام الراتب فقط، فرضخ الكثير منهم وهدوا إلى نبذ تلك العادة السيئة؛ وأبى البعض فاستعان المفتي على دحر عناده ومحو إصراره بالوالي، فأوعز إلى رئيس الشرط فأرسل من ينهاه على إصراره ويحذره عاقبة استكباره، فلما رأى ما ليس في الحسبان استخذى واستكان، فشكرت الألسنة هذه الحسنة وبالله التوفيق. ولا يزال كثير من الدمشقيين يذكرون ما كان في عهد والي سورية رشدي باشا الشرواني فإنه أمر بترك كثير من العوائد المبتدعة من الصياح في المساجد والأناشيد فيها، والجهر بالأوراد المشوش على المصلين، وضجة المنشدين في الجنائز، وما شاكل ذلك مما حمده العقلاء وشكروا سعيه المبرور فيه. إلا أنه بعد عزله "عام ١٢٨٢" ما لبثت تلك العوائد الموروثة أن عادت إلى شكلها الأول. ولا يخفى أن محوها متوقف على نظرة صادقة من الرؤساء وفقهم الله تعالى.

стр. 32

ثم قرأت في كتاب "الدارس للنعيمي" أن الملك الكامل كان أمر أئمة الأموي في عهده أن لا يصلي أحد منهم سوى الإمام الكبير، لما كان يقع من التشويش والخلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد. قال النعيمي -ولنعم ما فعل- قال: وقد فعل هذا في زماننا في صلاة التراويح، اجتمع الناس على قارئ واحد وهو الإمام الكبير في المحراب عند المنبر. ا. هـ. وبالجملة فالواقف على هذا يعلم أن قد وجد في الأعصر الغابرة من تنبه لمثل هذه البدع من الأمراء فأزالها، وما أيسر الأمر عليهم وما أسهل على من يصحبهم من رؤساء العلم تبليغهم تلك المنكرات لو كانوا فاعلين. ١٤- لزوم الصبر والتواصي به للداعي إلى الحق: قال أستاذ إمام وحكيم همام١: الصبر في القرآن ذكر سبعين مرة، ولم تذكر فضيلة أخرى فيه بهذا المقدار. وهذا يدل على عظم أمره. وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقرونًا بالتواصي بالحق؛ إذ لا بد للداعي إلى الحق منه. والمراد بالصبر في هذه الآيات كلها ملكة الثبات والاحتمال التي تهون على صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق. ونصر الفضيلة فضيلة هي أم الفضائل التي تربي ملكات الخير في النفس، فما من فضيلة إلا وهي محتاجة إليها، وإنما يظهر الصبر في ثبات الإنسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو إزالة باطل أو الدعوة إلى عقيدة أو تأييد فضيلة أو إيجاد وسيلة إلى عمل عظيم لأن أمثال هذه الكليات التي تتعلق بالمصالح العامة هي التي تقابل من الناس بالمقاومة والمحادة التي يعوز فيها الصبر ويعز معها الثبات على احتمال المكارة ومصارعة الشداد فالثابت على العمل في مثل هذه الحال هو الصابر والصبار، وإن كان في أول

стр. 33

الأمر متكلفًا، ومتى رسخت الملكة يسمى صاحبها صبورًا١. وقال أيضًا: التواصي بالحق لا يكون إلا من متعدد فلا نجاة من الخسران إلا بأن يقوم الأفراد من الأمة مهما عظم عددهم بأن يوصي كل واحد منهم من يعرفه من الباقين بأن يطلب الحق ويلتزمه وأن يأخذ بالصبر في جميع شئونه فلو أن شخصًا واحدًا قام بذلك وأوصى غيره، ولكن الباقين لم يقوموا بمثل ما قام به لحل الخسر بالجميع في الدنيا لا محالة، فإن الأمة إذا غفل معظمها عن الحق والدعوة إليه ووهن الصبر في نفوسهم فلا محالة يستولي عليها الباطل وتضعف منها العزائم فيسوء حالها وترمي بنفسها في الهلكة ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ . وأما في الآخرة فالخسار إنما يحيق بمن لم يوص أو من لم يسمع الوصية ولم يقبلها فإن كان الموصي لم يحصل من وسائل التقريب ما يحتاج إليه وكان نفور صاحبه من طريقة نصحه ولو سلك غيرها لقبل منه كان الخسار في الآخرة عليه كذلك وأي نجاة لأمة يسكت أبناؤها على المنكر يفشو بينهم ولا تتحرك نفوسهم إلى التناهي عنه، والمنكر مفسدة الأفراد ومقراض الأمم. التواصي بالحق والتواصي بالصبر يدخل فيهما الأمران؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من أوصى بالحق ودعا إليه لا يتم له ذلك حتى ينهى عن الباطل ويصد عنه ومن أوصى بالصبر على مشاق الأعمال الصالحة لا يكمل له ذلك حتى يتبين مساوئ الأعمال الخبيثة وعواقب التفريط بترك تلك الصالحات. فقد أودع الله في هذين الركنين ركني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأعمال والأحوال وقرر لنا أن لا نجاة لقوم من الخسران في الدنيا والآخرة إلا بأن يقوم كل واحد منهم بما يجب عليه من ذلك في القدر الذي يمكنه وعلى الوجه الذي يمكنه.

стр. 34

فمن الواجب على كل أمة تريد أن تنجو من الخسران أن تقوم بهذا الفرض وهو التواصي بالخير والتناهي عن الشر أو التواصي بالحق والتواصي بالصبر فإذا طرأ على عوائد الأمة أو نزل بها من الحوادث ما بغض إليها التناصح أو حبب إليها التساهل في فريضة التواصي كان ذلك إنذارًا بحلول الخسار وتعرضًا في الدنيا للعار والدمار وفي الآخرة لعذاب النار. ولا يجوز لأحد أن يتعلل بذلك التساهل إذا وقع من الأمة ويقنع نفسه بأنه عاجز عن النجاح في نصيحته، ولهذا يكفيه أن ينكر المنكر بقلبه وبذلك ينجو من الخسران الأخروي إن لم ينج من الخسران الدنيوي كما يتوهمه بعض المسلمين اليوم خصوصًا أولئك الذين عرفوا بينهم بالعلماء فقد أخطئوا الخطأ العظيم في زعمهم أن إعراض العامة عنهم ينجيهم من العقوبة الإلهية إذا لم يبذلوا النصح لهم ولم يبينوا لهم وجه الحق وإن أنكروه وصكوا وجه الداعي إليه فقد صدق الله وعده، وأكد خبره، ولا سبيل إلى التأويل في أمره، ولا إلى جحد ما يتلوه من أثره. ا. هـ. ١٥- نقم المتعصبين على منكر البدع بغيًا وجهلًا: قال بعضهم: مضت سنة الله تعالى في أهل البغي والشقاق أن يظهر تفرقهم وخلافهم بعد ظهور الحق ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فعلى المؤمن أن يأخذ بالحق متى ظهر له ويرشد إليه متى عرفه لا يخاف فيه لومة لائم ولا خوض آثم. وإذا كان قد سبق له عمل بخلافه عن خطأ في الاجتهاد فهو مثاب على نيته وإن كان قد أمره بذلك عالم

стр. 35

فذلك العالم أيضًا مثاب إن كان قد تحرى الحق بقدر طاقته. ثم قال فيمن يكبر مسألة ويعظمها لمخالفتها لحكم سلطان العادة: هذه سنة الله في الخلق يهتم الناس على قدر جهلهم بالأمور التي لا يترتب عليها نفع ولا ضر ويتركون عظائم الأمور لا يبالون بها. أرأيت أيها الأخ أيهتم قومك بالإنكار على تارك الصلاة أو مانع الزكاة كما يهتمون في تقديس ما ألفوا عليه آباءهم والقيام في وجه المحق انتصارًا للنفس وتعصبًا على المخالف واحتفاظًا بالعادة؟ كلا. فالواجب على المحق أن يبينه للناس غير مبال بلغط اللاغطين واختلاف الجاهلين والله ولي المتقين. ١٦- عدوى البدع من شؤم المخالطة: قال الإمام ابن الحاج عليه الرحمة والرضوان في كتابه "المدخل" في فقه حديث معاذ ﵁: نهى عن السجود للبشر وأمرنا بالمصافحة١. وحديثه لما حكى للنبي ﷺ سجود النصارى لبطارقتهم وهمَّ ﵁ بالسجود له ﷺ فقال: "لا تفعل" يؤخذ منه التحرز عن مخالطة أهل الكتاب إذ إن النفوس تميل غالبًا إلى ما يكثر ترداده عليها. ومن ههنا والله أعلم كثر التخليط على بعض الناس في هذا الزمان "يعني زمنه في مصر" لمجاورتهم ومخالطتهم لقبط النصارى مع قلة العلم والتعلم فأنست نفوسهم بعوائد من خالطوه فنشأ من ذلك الفساد وهو أنهم وضعوا تلك العوائد التي أنست بها نفوسهم موضع السنن حتى إنك إذا قلت لبعضهم اليوم "السنة كذا" يكون جوابه لذلك على الفور: عادة الناس

стр. 36

كذا، وطريقة المشايخ كذا. فإن طالبته بالدليل الشرعي لم يقدر على ذلك إلا أنه يقول نشأت على هذا، وكان والدي وجدي وشيخي وكل من أعرفه على هذا المنهاج، ولا يمكن في حقهم أن يرتكبوا الباطل أو يخالفوا السنة. فيشنع على من يأمره بالسنة ويقول له: ما أنت أعرف بالسنة ممن أدركتهم من هذا الجم الغفير وقد أنكر بعض العلماء على الإمام مالك ﵀ في أخذه بعمل علماء المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فكيف يحتج هذا المسكين بعمل أهل القرن السابع "عصر صاحب المدخل" مع مخالطتهم لغير جنس المسلمين من القبط والأعاجم وغيرهما نعوذ بالله من الضلال. انتهى كلامه. وفي الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" ١. ١٧- ما يجب على العالم إذا خالط العامة: ينبغي للعالم أن يكون حديثه مع العامة حال مجالستهم في بيان الواجبات والمحرمات ونوافل الطاعات وذكر الثواب والعقاب على الإحسان والإساءة ويكون كلامه معهم بعبارة قريبة واضحة يعرفونها ويفهمونها ويزيد بيانًا للأمور التي يعلم أنهم ملابسون لها ولا يسكت حتى يسأل عن شيء من العلم وهو يعلم أنهم محتاجون إليه ومضطرون له فإن علمه بذلك سؤال منهم بلسان الحال، والعامة قد غلب عليهم التساهل بأمر الدين علما وعملا فلا ينبغي للعلماء

стр. 37

أن يساعدوهم على ذلك بالسكوت عن تعليمهم وإرشادهم فيعم الهلاك ويعظم البلاء وقلما تختبر عاميًّا -وأكثر الناس عامة- إلا وجدته جاهلا بالواجبات والمحرمات وبأمور الدين التي لا يجوز ولا يسوغ الجهل بشيء منها وإن لم يوجد جاهلا بالكل وجد جاهلا بالبعض وإن علم شيئًا من ذلك وجدت علمه به علمًا مسموعًا من ألسنة الناس لو أردت أن تقلبه له جهلا فعلت ذلك بأيسر مئونة لعدم الأصل والصحة فيما يعلمه. وينبغي أيضًا للعلماء وخصوصًا منهم ولاة الأحكام أن يعظو عامة المسلمين عند الاختصام إليهم ويخوفوهم بما ورد عن الله وعن رسوله من التشديدات والتهديدات في الدعاوي الكاذبة وشهادة الزور والأيمان الفاجرة والمعاملات الفاسدة مثل الربا وغيره ويذكرون لهم ما ورد من تحريم هذه الأمور وشدة العقاب فيها وذلك لغلبة الجهل وشدة الحرص وقلة المبالاة بأمر الدين وكم من عامي سمع تحريم الكذب في الدعاوي والشهادات والأيمان فرجع عن شيء قد عزم عليه من ذلك لجهله وقلة علمه، وعلى الجملة فيتأكد على العلماء أن يجالسوا الناس بالعلم ويحدثوهم به ويبثوه لهم ويكون كلام العالم معهم في بيان الأمر الذي جاءوا إليه من أجله مثل ما إذا جاءوا لعقد نكاح يكون كلامه معهم فيما يتعلق بحقوق النساء من الصداق والنفقة والمعاشرة بالمعروف وما يجري هذا المجري، ومثل ما إذا جاءوا لعقد بيع يكون كلامه معهم في الشهادات وفي صحيح البيوع وفاسدها ونحو ذلك، وهذا خير وأولى في هذه المجالس من الخوض في فضول الكلام وما لا تعلق له بالأمر الذي من أجله جاءوا ولا بالدين رأسًا. ولا ينبغي للعالم أن يخوض مع الخائضين ولا يصرف شيئًا من أوقاته في غير إقامة الدين، وهذا الذي ذكرناه من أنه ينبغي للعالم ويتأكد عليه أن يجعل مجالسته ومخالطته مع عامة المسلمين مغمورة ومستغرقة بتعليمهم وتنبيههم وتذكيرهم قد صار في هذا الزمان بالخصوص من أهم المهمات على أهل العلم لاستيلاء الغفلة والجهل والإعراض عن العلم والعمل على عامة الناس فإن ساعدهم أهل العلم على ذلك بالسكوت عن التعليم والتذكير غلب الفساد وعم الضرر، وذلك مشاهد لإهمال العامة أمر

стр. 38

الدين وسكوت العلماء عن تعليمهم وتعريفهم ولا حول ولا قوة إلا بالله "هذا ما في النصائح الدينية للإمام باعلوي الحداد". ١٨- السعي بإزالة البدع من المساجد: قال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى في "المدخل" في ترجمة بيان الأمر بتغير البدع التي أحدثت في المساجد: قال رسول الله ﷺ : $"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"١ ولا شك أن المسجد وما يفعل فيه من رعية الإمام والمؤذن والقيم إلى غير ذلك ممن له التصرف. ألا ترى إلى فعله ﵊ حين رأى نخامة في القبلة فحكها بيده ورؤي كراهيته لذلك وشدته عليه٢. فإذا تقرر أن المسجد من رعية الإمام فيحتاج إلى أن يتفقده فما كان فيه على منهاج السلف الماضين أبقاه وما كان من غير ذلك أزاله برفق وتلطف إن قدر على ذلك كما تقدم من فعله ﵊ في النخامة. ا. هـ. وقد سبق قبل في بيان من هو المستطيع لإزالة البدع في المساجد زيادة فتذكره. ١٩- حكم المسجد في أرض مغصوبة أو من مال مغصوب: قال الإمام الغزالي عليه الرحمة والرضوان: المواضع التي بناها الظلمة

стр. 39

كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات ينبغي أن يحتاط فيها وينظر: أما القنطرة فيجوز العبور عليها للحاجة، والورع والاحتراز ما أمكن، وإن وجد عنه معدلا تأكد الورع. وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا لأنه إذا لم يعرف لتلك الأعيان مالكا كان حكمه أن يرصد للخيرات وهذا خير، فأما إذا عرف أن الآجر والحجر قد نقلا من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذا لا يحل العبور عليها أصلا إلا بضرورة يحل بها مثل ذلك من مال الغير، ثم يجب عليه الاستحلال من المالك الذي يعرفه. وأما المسجد فإن بني في أرض مغصوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو من ملك معين فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة وإن كان من مال لا يعرف مالكه فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة لأنه يحتمل أن يكون من ملك الذي بناه ولو على بعد، وإن لم يكن له مالك معين فهو لمصالح المسلمين. وأما الخلوق والتجصيص فلا يمنع من الدخول لأنه غير منتفع به وإنما هو زينة والأولى أنه لا ينظر إليه. انتهى كلام الغزالي. وفي كتاب "كنوز الصحة ويواقيت المنحة" في الكلام على المارستان الكبير قال: وتورع طائفة من أهل الدين عن الصلاة بالمدرسة المنصورية والقبة وعابوا المارستان لكثر عسف الناس في عمله، وذلك أنه لما وقع اختيار الملك المنصور قلاوون الصالحي سنة ٦٨٢ على عمل الدار القطبية مارستانًا وقبة ومدرسة ندب الطواشي حسام الدين بلال المغيثي للكلام في شرائها فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها على أن تعوض عنها بدار تلمها وعيالها وبمال وافر يحمل إليها، ووقع البيع على هذا فندب قلاوون الأمير سنجر الشجاعي للعمارة فأخرج النساء عن الدار القطبية من غير مهلة وأخذ ثلاثمائة أسير وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا وشدد في ذلك وكان مهابًا فلازمه العملة ونقل من قلعة الروضة ما يحتاج إليه من العمد والصوان والرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك، وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكوره

стр. 40

على العجل إلى المارستان ويعود إليه فيقف مع الصناع حتى لا يتوانوا في عملهم وأوقف مماليكه بين القصرين فكان إذا مر أحد ولو جليلا ألزموه إن يرفع حجرًا ويلقيه في موضع العمارة فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى ينقل ذلك فترك أكثر الناس المرور من هناك ورأوا بعد الفراغ من العمارة وترتيب الوقف فتيا صورتها: "ما تقول أئمة الدين في موضع أخرج أهله منه كرها وعمر بمستحثين يعسفون الصناع وأخرب ما عمره غيره ونقل إليه ما كان فيه فعمر به هل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ ". فكتب عليها جماعة من الفقهاء: "لا تجوز فيه الصلاة". فما زال المجد بن الخشاب حتى أوقف الشجاعي على ذلك فشق عليه وجمع القضاة ومشايخ العلم بالمدرسة المنصورية وأعلمهم بالفتيا فلم يجبه أحد منهم بشيء سوى الشيخ محمد المرجاني فإنه قال: "أنا أفتيت بمنع الصلاة فيها وأقول الآن أنه يكره الدخول من بابها" ونهض فانفض الناس. واتفق أن الشجاعي ما زال بالشيخ محمد المرجاني يلح عليه ويسأله أن يعمل ميعاد وعظ في المدرسة المنصورية حتى أجاب بعد تمنع شديد فحضر الشجاعي والقضاة وأخذ المرجاني في ذكر ولاة الأمور من الملوك والأمراء والقضاة وذم من يأخذ الأراضي غصبًا ويستحث العمال في عمائره وينقص من أجورهم وختم بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ وقام فسأله الشجاعي الدعاء له فقال: يا علم الدين إن أدع لك فقد دعا عليك من هو خير مني وذكر قول النبي ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق به فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه" ١ وانصرف فصار الشجاعي من ذلك في قلق عظيم وطلب الشيخ تقي الدين محمد
следующие страницы →