← Фикх общий

Фикх общий · id 10541

إصلاح المساجد من البدع والعوائد

جمال الدين القاسمي

Полный текст (304 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كذا، وطريقة المشايخ كذا. فإن طالبته بالدليل الشرعي لم يقدر على ذلك إلا أنه يقول نشأت على هذا، وكان والدي وجدي وشيخي وكل من أعرفه على هذا المنهاج، ولا يمكن في حقهم أن يرتكبوا الباطل أو يخالفوا السنة. فيشنع على من يأمره بالسنة ويقول له: ما أنت أعرف بالسنة ممن أدركتهم من هذا الجم الغفير وقد أنكر بعض العلماء على الإمام مالك ﵀ في أخذه بعمل علماء المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فكيف يحتج هذا المسكين بعمل أهل القرن السابع "عصر صاحب المدخل" مع مخالطتهم لغير جنس المسلمين من القبط والأعاجم وغيرهما نعوذ بالله من الضلال. انتهى كلامه. وفي الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" ١. ١٧- ما يجب على العالم إذا خالط العامة: ينبغي للعالم أن يكون حديثه مع العامة حال مجالستهم في بيان الواجبات والمحرمات ونوافل الطاعات وذكر الثواب والعقاب على الإحسان والإساءة ويكون كلامه معهم بعبارة قريبة واضحة يعرفونها ويفهمونها ويزيد بيانًا للأمور التي يعلم أنهم ملابسون لها ولا يسكت حتى يسأل عن شيء من العلم وهو يعلم أنهم محتاجون إليه ومضطرون له فإن علمه بذلك سؤال منهم بلسان الحال، والعامة قد غلب عليهم التساهل بأمر الدين علما وعملا فلا ينبغي للعلماء

стр. 37

أن يساعدوهم على ذلك بالسكوت عن تعليمهم وإرشادهم فيعم الهلاك ويعظم البلاء وقلما تختبر عاميًّا -وأكثر الناس عامة- إلا وجدته جاهلا بالواجبات والمحرمات وبأمور الدين التي لا يجوز ولا يسوغ الجهل بشيء منها وإن لم يوجد جاهلا بالكل وجد جاهلا بالبعض وإن علم شيئًا من ذلك وجدت علمه به علمًا مسموعًا من ألسنة الناس لو أردت أن تقلبه له جهلا فعلت ذلك بأيسر مئونة لعدم الأصل والصحة فيما يعلمه. وينبغي أيضًا للعلماء وخصوصًا منهم ولاة الأحكام أن يعظو عامة المسلمين عند الاختصام إليهم ويخوفوهم بما ورد عن الله وعن رسوله من التشديدات والتهديدات في الدعاوي الكاذبة وشهادة الزور والأيمان الفاجرة والمعاملات الفاسدة مثل الربا وغيره ويذكرون لهم ما ورد من تحريم هذه الأمور وشدة العقاب فيها وذلك لغلبة الجهل وشدة الحرص وقلة المبالاة بأمر الدين وكم من عامي سمع تحريم الكذب في الدعاوي والشهادات والأيمان فرجع عن شيء قد عزم عليه من ذلك لجهله وقلة علمه، وعلى الجملة فيتأكد على العلماء أن يجالسوا الناس بالعلم ويحدثوهم به ويبثوه لهم ويكون كلام العالم معهم في بيان الأمر الذي جاءوا إليه من أجله مثل ما إذا جاءوا لعقد نكاح يكون كلامه معهم فيما يتعلق بحقوق النساء من الصداق والنفقة والمعاشرة بالمعروف وما يجري هذا المجري، ومثل ما إذا جاءوا لعقد بيع يكون كلامه معهم في الشهادات وفي صحيح البيوع وفاسدها ونحو ذلك، وهذا خير وأولى في هذه المجالس من الخوض في فضول الكلام وما لا تعلق له بالأمر الذي من أجله جاءوا ولا بالدين رأسًا. ولا ينبغي للعالم أن يخوض مع الخائضين ولا يصرف شيئًا من أوقاته في غير إقامة الدين، وهذا الذي ذكرناه من أنه ينبغي للعالم ويتأكد عليه أن يجعل مجالسته ومخالطته مع عامة المسلمين مغمورة ومستغرقة بتعليمهم وتنبيههم وتذكيرهم قد صار في هذا الزمان بالخصوص من أهم المهمات على أهل العلم لاستيلاء الغفلة والجهل والإعراض عن العلم والعمل على عامة الناس فإن ساعدهم أهل العلم على ذلك بالسكوت عن التعليم والتذكير غلب الفساد وعم الضرر، وذلك مشاهد لإهمال العامة أمر

стр. 38

الدين وسكوت العلماء عن تعليمهم وتعريفهم ولا حول ولا قوة إلا بالله "هذا ما في النصائح الدينية للإمام باعلوي الحداد". ١٨- السعي بإزالة البدع من المساجد: قال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى في "المدخل" في ترجمة بيان الأمر بتغير البدع التي أحدثت في المساجد: قال رسول الله ﷺ : $"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"١ ولا شك أن المسجد وما يفعل فيه من رعية الإمام والمؤذن والقيم إلى غير ذلك ممن له التصرف. ألا ترى إلى فعله ﵊ حين رأى نخامة في القبلة فحكها بيده ورؤي كراهيته لذلك وشدته عليه٢. فإذا تقرر أن المسجد من رعية الإمام فيحتاج إلى أن يتفقده فما كان فيه على منهاج السلف الماضين أبقاه وما كان من غير ذلك أزاله برفق وتلطف إن قدر على ذلك كما تقدم من فعله ﵊ في النخامة. ا. هـ. وقد سبق قبل في بيان من هو المستطيع لإزالة البدع في المساجد زيادة فتذكره. ١٩- حكم المسجد في أرض مغصوبة أو من مال مغصوب: قال الإمام الغزالي عليه الرحمة والرضوان: المواضع التي بناها الظلمة

стр. 39

كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات ينبغي أن يحتاط فيها وينظر: أما القنطرة فيجوز العبور عليها للحاجة، والورع والاحتراز ما أمكن، وإن وجد عنه معدلا تأكد الورع. وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا لأنه إذا لم يعرف لتلك الأعيان مالكا كان حكمه أن يرصد للخيرات وهذا خير، فأما إذا عرف أن الآجر والحجر قد نقلا من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذا لا يحل العبور عليها أصلا إلا بضرورة يحل بها مثل ذلك من مال الغير، ثم يجب عليه الاستحلال من المالك الذي يعرفه. وأما المسجد فإن بني في أرض مغصوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو من ملك معين فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة وإن كان من مال لا يعرف مالكه فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة لأنه يحتمل أن يكون من ملك الذي بناه ولو على بعد، وإن لم يكن له مالك معين فهو لمصالح المسلمين. وأما الخلوق والتجصيص فلا يمنع من الدخول لأنه غير منتفع به وإنما هو زينة والأولى أنه لا ينظر إليه. انتهى كلام الغزالي. وفي كتاب "كنوز الصحة ويواقيت المنحة" في الكلام على المارستان الكبير قال: وتورع طائفة من أهل الدين عن الصلاة بالمدرسة المنصورية والقبة وعابوا المارستان لكثر عسف الناس في عمله، وذلك أنه لما وقع اختيار الملك المنصور قلاوون الصالحي سنة ٦٨٢ على عمل الدار القطبية مارستانًا وقبة ومدرسة ندب الطواشي حسام الدين بلال المغيثي للكلام في شرائها فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها على أن تعوض عنها بدار تلمها وعيالها وبمال وافر يحمل إليها، ووقع البيع على هذا فندب قلاوون الأمير سنجر الشجاعي للعمارة فأخرج النساء عن الدار القطبية من غير مهلة وأخذ ثلاثمائة أسير وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا وشدد في ذلك وكان مهابًا فلازمه العملة ونقل من قلعة الروضة ما يحتاج إليه من العمد والصوان والرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك، وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكوره

стр. 40

على العجل إلى المارستان ويعود إليه فيقف مع الصناع حتى لا يتوانوا في عملهم وأوقف مماليكه بين القصرين فكان إذا مر أحد ولو جليلا ألزموه إن يرفع حجرًا ويلقيه في موضع العمارة فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى ينقل ذلك فترك أكثر الناس المرور من هناك ورأوا بعد الفراغ من العمارة وترتيب الوقف فتيا صورتها: "ما تقول أئمة الدين في موضع أخرج أهله منه كرها وعمر بمستحثين يعسفون الصناع وأخرب ما عمره غيره ونقل إليه ما كان فيه فعمر به هل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ ". فكتب عليها جماعة من الفقهاء: "لا تجوز فيه الصلاة". فما زال المجد بن الخشاب حتى أوقف الشجاعي على ذلك فشق عليه وجمع القضاة ومشايخ العلم بالمدرسة المنصورية وأعلمهم بالفتيا فلم يجبه أحد منهم بشيء سوى الشيخ محمد المرجاني فإنه قال: "أنا أفتيت بمنع الصلاة فيها وأقول الآن أنه يكره الدخول من بابها" ونهض فانفض الناس. واتفق أن الشجاعي ما زال بالشيخ محمد المرجاني يلح عليه ويسأله أن يعمل ميعاد وعظ في المدرسة المنصورية حتى أجاب بعد تمنع شديد فحضر الشجاعي والقضاة وأخذ المرجاني في ذكر ولاة الأمور من الملوك والأمراء والقضاة وذم من يأخذ الأراضي غصبًا ويستحث العمال في عمائره وينقص من أجورهم وختم بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ وقام فسأله الشجاعي الدعاء له فقال: يا علم الدين إن أدع لك فقد دعا عليك من هو خير مني وذكر قول النبي ﷺ : "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق به فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه" ١ وانصرف فصار الشجاعي من ذلك في قلق عظيم وطلب الشيخ تقي الدين محمد

стр. 41

ابن دقيق العيد وكان له فيه اعتقاد حسن وفاوضه في حديث الناس في منع الصلاة في المدرسة وذكر له أن السلطان قلاوون إنما أراد محاكاة نور الدين الشهيد والاقتداء به في عمل الخير فوقع البأس في القدح في قلاوون ولم يقدحوا في نور الدين. فقال له: إن نور الدين أسر بعض ملوك الفرنج وقصد قتله ففدى نفسه بتسليم خمس قلاع وخمسمائة ألف حتى أطلقه فمات في طريقه قبل وصوله إلى مملكته وعمر نور الدين بذلك المال مارستانه بدمشق من غير مستحث فمن أين يا علم الدين نجد مالا مثل هذا المال وسلطانًا مثل نور الدين غير أن السلطان له نيته وأرجو له هذا الخير بعمارة هذا الموضع، وأنت إن كان وقوفك في عمله بنية نفع الناس فلك الأجر وإن كان ليعلم أستاذك علو همتك فما حصلت على شيء فقال الشجاعي: "الله المطلع على النيات" وقرر ابن دقيق العيد في تدريس القبة. انتهى بحروفه. أقول: صرح الحنابلة في فروعهم بعدم صحة الصلاة في المكان المغصوب. قال في "الإقناع وشرحه": إن تصرفات الغاصب الحكمية كالصلاة بثوب مغصوب وفي مكان مغصوب والوضوء من ماء مغصوب ونحوها تحرم ولا تصح لحديث "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١ أي مردود. ا. هـ. ٢٠- إيثار للمسجد الذي تقل فيه البدع: قال الإمام ابن الحاج في "المدخل": ينبغي للمحافظ على إظهار معالم الشرع والنهوض إليها أن يبادر إلى الصلوات الخمس في المسجد في جماعة فإن لم يكن في المسجد شيء يتخوف منه -أعني من البدع- فلينظر أيهما أفضل له هل المقام في المسجد أو الرجوع إلى بيته بحسب الأعمال التي تنوبه في المسجد أو

стр. 42

في بيته فأيهما كان أفضل وأكثر نفعًا بادر إلى فعله سيما إذا كان النفع متعديًا وإن كان يتخوف من شيء فيه فالرجوع إلى بيته أفضل. ثم قال: فلا يترك الصلاة في جماعة في المسجد لأجل ما حدث من البدع إذ إن الصلوات الخمس من معالم الدين ومن أعظم شعائر الإسلام وهي أول ما ابتدئ به من عبادة الأبدان وليس من شرط صلاته أن تكون في المسجد الجامع بل حيثما قلت البدع من المسجد كانت الصلاة فيه أولى وأفضل من غيره فإن لم يجد مسجدًا سالما مما ذكر -وقلما يقع ذلك- فلينظر إلى أقل المساجد بدعًا فليصل فيه مع أنه قد تكون بدعة واحدة أشد من بدع جملة فيحذر من هذا وأشباهه وليصل فيما عداه وإذا صلى مع ذلك فليحذر جهده ويغير ما استطاع بشرطه. وقد تقدم أن التغيير بالقلب أدنى مراتب التغيير فإن كانت ليلة تزيد فيها البدع وتكثر فترك الصلاة في جماعة في تلك الليلة أولى وأفضل إذ إن الصلاة في جماعة مندوب إليها١، ولكن تكثير سواد أهل البدع منهي عنه وترك المنهي عنه واجب وفعل الواجب متعين فيترك المندوب له وهو الصلاة في جماعة في المسجد في تلك الليلة، ولأنه يخاف بسبب ذلك أن يكون مشاركًا للحاضرين في أماكن البدع في الإثم وهذا وجه. الوجه الثاني أنه قد يأنس قلبه بتلك البدع فيؤول إلى ترك التغيير وقد تقدم أنه أدنى رتب التغيير لما ورد: "وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان" ٢

стр. 43

الوجه الثالث وهو أشد من الثاني وهو أنه يخاف عليه أن يستحسن شيئًا مما يراه أو يسمع به وهذا فيه من القبح ما فيه لأنه يستحسن ما كرهه ونهي عنه وهو الأحداث في الدين قال ﵊: "من أحداث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ١ يعني مردود عليه. وقال ﵊: "إن الله لا يقبل عمل أمرء حتى يتقنه" قالوا يا رسول الله: وما إتقانه؟، قال: "يخلصه من الرياء والبدعة" ٢. مع أن هذا الذي ذكر قل أن يقع أعني أن تعم في تلك البدع جميع مساجد البلد وإذا كان ذلك كذلك فالكمال والحمد لله حاصل له أعني الصلاة في الجماعة في المسجد السالم من تلك البدع أو من أكثرها ولو امتنع بعض من يقتدى بهم من حضور المساجد التي فيها البدع لانحسمت المادة وزالت البدع كلها أو أكثرها أو بعضها فإنا لله وإنا إليه راجعون على التسامح في هذا الباب حتى جر الأمر إلى اعتياد البدع وينسبها أكثر العوام إلى الشرع بسبب حضور من يقتدى بهم فظن أكثر العوام أن ذلك من المشروع وهذا أعظم خطرًا مما تقدم ذكره لأنهم يدخلون إذ ذاك في عموم قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ . فإن لم يكن في المسجد السالم من البدع من يصلي فيه فتتأكد الصلاة فيه لأنه يحصل له وحده إحياء بيت من بيوت الله تعالى وهذا فيه من الغنيمة والسعادة ما فيه ألا ترى إلى ما روى أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : $"الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة

стр. 44

فإذا صلاها١ في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين"٢. الشروع: لقد جعلت هذا الكتاب أبوابًا وفصولا ليكون سهل التناول جامعًا لأشتات ما تفرق. وليكون الإنسان على بصيرة من نفسه بما اعتراه بل وبما أحاطه بمحيطه من البدع. ولنبدأ بما قصدنا فنقول:

стр. 45

الباب الأول: في بدع الصلاة في المساجد الفصل الأول: في بدع صلاة الجمعة المحدثات في خطبة الجمعة ... الباب الأول: في بدع الصلاة في المساجد "وفيه فصول" الفصل الأول: في بدع صلاة الجمعة ١- المحدثات في خطبة الجمعة: قد نبه على ما أحدث فيها الإمام شمس الدين بن القيم الدمشقي في "زاد المعاد" في بيان هدي النبي ﷺ فيها قال عليه الرحمة: كان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه ويقول: "أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١ وكان ﷺ يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس فإذا اجتمعوا خرج إليهم

стр. 46

من غير أحد يصيح بين يديه ولا لبس طيلسان ولا سواد فإذا دخل المسجد سلم عليهم فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ولم يدع مستقبل القبلة ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبي ﷺ فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره وإنما كان يعتمد على قوس قبل أن يتخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس وفي الجمعة يعتمد على عصاه ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله. وقال ابن الحاج: ينبغي أن ينهى المؤذنون عما أحدثوه من أن الإمام إذا خرج على الناس في المسجد يقوم المؤذنون إذ ذاك ويصلون على النبي ﷺ يكررون ذلك مرارًا حتى يصل إلى المنبر وإن كانت الصلاة على النبي ﷺ من أجل العبادات. ا. هـ. وقال الإمام النووي في "الروضة" في آخر الباب الأول من كتاب الجمعة: يكره في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة منها التفاتهم في الخطبة الثانية والدق على درج المنبر في صعوده والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس وربما توهموا أنها ساعة الإجابة وهذا جهل فإن ساعة الإجابة إنما هي بعد جلوسه١، ومنها المجازفة في أوصاف الأمراء في الدعاء لهم. وأما أصل الدعاء فقد ذكر صاحب "المهذب" وغيره أنه مكروه والاختيار أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه ومنها مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية. وقال أبو شامة في "الباعث": ومن البدع المشعرة بأنها من السنن بعمومها وشهرتها واستدامة مبتدعيها لفعله ما يفعله عوام الخطباء وشبه العوام من أمور نذكرها، منها تباطؤ الخطيب في الطلوع. ومنها الالتفات يمينًا وشمالًا عند قوله: آمركم وأنهاكم وعند الصلاة على النبي ﷺ ولا أصل لذلك بل السنة الإقبال الناس

стр. 47

بوجهه من أول الخطبة إلى آخرها، ومنها أنهم يتكلفون رفع الصوت في الصلاة على النبي ﷺ فوق المعتاد وفي باقي الخطبة يرون إزعاج الأعضاء برفع الصوت بها وذلك جهل لأنها دعاء له ﵊. وجميع الأدعية السنة فيها الإسرار دون الجهر غالبًا، وكان ﷺ يرفع صوته عند الموعظة لأنها معظم المقصود من الخطبة، وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث ﵁ قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان فقال: "يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر" فقال: "إنهما أمثل بدعكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منها" قال: "لم؟ " قال: "لأن النبي ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة"١.

стр. 48

٢- صلاة الظهر جماعة عقب صلاة الجمعة: جاء في "القنية" من كتب الحنفية ما مثاله: لما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها مع اختلاف العلماء في جوازهما -ففي قول أبي يوسف والشافعي ومن تابعهما باطلتان إن وقعتا معًا وإلا فجمعة المسبوقين باطلة- أمر ائمتهم بأداء الأربع بعد الجمعة حتمًا احتياطًا. ا. هـ. قال ابن نجيم: يصح أداء الجمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو الأصح لأن في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجًا بينًا. وهو مدفوع فما في "القنية" مبني على القول الضعيف المخالف

стр. 49

للمذهب -يعني عدم جواز تعددها في مصر واحد- ثم قال: مع ما لزم من فعلها -يعني الظهر- من المفسدة العظيمة وهو اعتقاد الجهلة أن الجمعة ليست بفرض لما يشاهدون من صلاة الظهر فيظنون أنها الفرض وأن الجمعة ليست بفرض فيتكاسلون عن أداء الجمعة؛ فكان الاحتياط في تركها وعلى تقدير فعلها ممن لا يخاف عليه مفسدة منها فالأولى أن تكون في بيته خفية خوفًا من مفسدة فعلها. وقال ابن نجيم أيضًا قبل ذلك: إني أفتيت مرارًا بعدم صلاة الظهر خوفًا على اعتقاد الجهلة بأنها الفرض وأن الجمعة ليست بفرض. ا. هـ. وجوز الشافعية أيضًا تعدد الجمعة لحاجة، قالوا: وهل المراد حاجة من تلزمه الجمعة أو من تصح منه أو من يفعلها؟ كل محتمل. وقد اعتمد ابن عبد الحق الأخير ووافقه بعض المتأخرين، قال البجيرمي: فعلى هذا القول يكون التعدد في مصر كله لحاجة فلا تجب الظهر حينئذ كما نقل عن ابن عبد الحق. ا. هـ. ومثله يقال في دمشق ونحوها والذي اعتمده الإمام ابن نجيم والعلامة ابن عبد الحق ووافقه غيره من أن لا وجوب للظهر هو الحق لما فيه من رفع الحرج وهل يطالب مكلف بفريضتين في وقت واحد مع ما في أدائه جماعة من صورة نقض الجمعة وإيقاع العامة في اعتقاد أن ليوم الجمعة بعد زواله فرضين صلاة الجمعة وصلاة الظهر، بل هو الذي لا يرتابون فيه ويزيدون عليه أنه لا يصح إلا جماعة بل تنطع بعض الغلاة المتصولحين مرة فقال لي: كيف السبيل إلى سنة الظهر القبلية قبل فرض يوم الجمعة وهي تفوتني بعجلة أداء الظهر. فتأمل كيف رحم الله العباد ففرض عليهم ركعتين في ذلك اليوم وأمرهم إذا قضوهما أن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضله تيسيرا عليهم إذ يحتاجون لصرف حصة في سماع الخطبة، وانظر كيف شددوا على أنفسهم وربما المتنطع منهم يطالب نفسه بأداء اثنتين وعشرين ركعة بعد الزوال إذ يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا كالظهر وكلاهما مع الجمعة عشر ثم يتطوع بأربع قبل الظهر وأربع بعدها وكلاهما مع الظهر اثنا عشر أيضًا فالجملة ما ذكرنا. ولا يخفى أن محو اعتقاد غير الصواب من صدور العامة لتمحيص الحق باب عظيم من أبواب الدعوة إلى سبيل الله، وهدي نبيه ﵇، وقد اتفق في عهد حسين باشا والي مصر المذاكرة لديه في بدعة الظهر جماعة بعد الجمعة فمنع أهل الأزهر منها. نقله الشبراملسي في رسالته التي ألفها في سبب صلاة الظهر يومئذ فرحمه الله على منعه من هذه البدعة وأثابه خيرًا ووفق من يتنبه لمنعها بمنه وكرمه.

стр. 50

٣- خروج الجمعة عن موضوعها بكثرة تعددها: هذا بحث مهم جدير بالعناية به والتأمل فيه واتباع أحسنه. للعلماء في العدد المشترط في صحة الجمعة أقوال بلغت خمسة عشر كما في "فتح الباري". وقد تراءى لبعضهم تأييد قول أهل الظاهر منها في أنها تصح من اثنين قال: لأن بانضمام أحدهما إلى الآخر يحصل الاجتماع وقد أطلق الشارع اسم الجماعة عليهما فقال: "الاثنان فما فوقهما جماعة"١. ثم قال: وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالإجماع والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها. ا. هـ. وقد راق هذا الكلام طائفة فانتحلوه، وظنوه الحق الذي لا مرية فيه فاعتقدوه. وأقول: إن للظاهرية في كثير من المسائل جمودًا جليًّا، وتهوسًا جدليًّا، وكثيرا ما يسفسطون ويشاغبون بقولهم لم يرد كذا ولم يأت أنه لا يصح إلا كذا وهل

стр. 51

من دليل على أنه لا يكون إلا كذا. يعنون أنه يلزم في التشريع أن يكون كله مما تفوه به الرسول ﷺ بالأسلوب الذي ألفوه، وهذا لعمر الحق غفلة كبرى عن مقاصد الشريعة في كثير من أبوابها، وما هو إلا كالوقوف مع القشر دون اللباب أو اللفظ دون المعنى والجسم دون الروح. السنة المأمور بها في العبادات هي قوله ﷺ وفعله وتقريره اتفقت على ذلك كلمة الأصوليين. هذه الجمعة أصل مشروعيتها مضاهاة أهل الكتابين بالتجميع في الأسبوع بيوم فيه، لما فيه من الفوائد العظمى. روى الحافظان عبد بن حميد وعبد الرزاق عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة. قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يومًا نجمع فيه فنذكر الله تعالى ونشكره. فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموا يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه. قال الحافظ ابن حجر: حديث مرسل رجاله ثقات١. وأخرج مسلم والنسائي عن حذيفة وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة". وأخرج الحافظ ابن عساكر عن عثمان بن عطاء قال: لما افتتح عمر بن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجدًا ويتخذ للقبائل مسجدًا فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة فشهدوا الجمعة٢.

стр. 52

وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك. وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك. وكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يبدوا إلى القرى وأن ينزلوا المدائن وأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا. وروى ابن أبي شيبة قال: كان عبد الله بن رواحة يأتي الجمعة ماشيا وإن شاء راكبًا وذلك من ميلين. وأخرج أيضًا أن أبا هريرة كان يأتي الجمعة من "ذي الحليفة".

стр. 53

وأخرج أيضًا أن سعدًا كان على رأس سبعة أميال أو ثمانية وكان أحيانًا يأتيها وأحيانًا لا يأتيها، وأخرج أيضًا أن أنسا شهد الجمعة من "الراوية" وهي على فرسخين من "البصرة". وعن أبي هريرة قال تؤتى الجمعة من فرسخين، قال ابن حجر في "التلخيص": قال الأثرم للإمام أحمد بن حنبل: اجمع جمعتان في مصر؟ قال: "لا أعلم أحدًا فعله". انتهى. قلت: ولذلك ذكر الأئمة من السلف مسائل من زحمه الناس يوم الجمعة وصور زحامه فقد جاء في "المدونة لمالك ﵁" قوله: من أدرك الركعة يوم الجمعة فزحمه الناس بعدما ركع مع الإمام الأولى فلم يقدر على السجود حتى فرغ الإمام من صلاته "قال" يعيد الظهر أربعًا. وقال مالك أيضًا: إن زحمه الناس فلم يستطع السجود إلا على ظهر أخيه أعاد الصلاة ولو بعد الوقت في مسائل أخرى. وكل ذلك مصداق ما قاله الإمام أحمد من أنه لم يعهد التعدد أصلًا. وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي ﷺ ، وفي تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم في مسجد واحد أبين البيان بأن الجمعة خلاف سائر الصلوات وأنها لا تصلى إلا في مكان واحد. وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" أن أول جمعة أحدثت في الإسلام في بلد مع قيام الجمعة القديمة في أيام المعتضد في دار الخلافة من غير بناء مسجد لإقامة الجمعة. وسبب ذلك خشية الخلفاء على أنفسهم في المسجد العام وذلك سنة "٢٨٠". ثم بني في أيام المكتفي مسجد فجمعوا فيه. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا قال بتعداد الجمعة غير عطاء، وقال الراقعي: لم تقم الجمعة في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين إلا في موضع الإقامة ولم يقيموا الجمعة إلا في موضع واحد، ولم يجمعوا إلا في المسجد الأعظم مع أنهم أقاموا العيد في الصحراء والبلد للضعفة وقبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة ما كانوا يصلون الجمعة ثمة ولا أمرهم النبي ﷺ بها، قال الحافظ ابن

стр. 54

حجر: كل هذه الأشياء المنفية مأخذها الاستقرار فلم يكن بالمدينة مكان يجتمع فيه إلا مسجد المدينة. وروى الترمذي من طريق رجل من أهل قباء عن أبيه وكان من الصحابة قال أمرنا النبي ﷺ أن نشهد الجمعة من قباء١. فأنت ترى من هذه الأحاديث والآثار وإطباق العصر الأول بداهة كون موضوع الجمعة الجماعة المتوافرة إذ شرعت لذلك وبه يضاهي ما يصنعه أهل الكتاب في يوميهم الذي هو سبب تشريعها فعجبًا لأهل الظاهر وغفلتهم عما نقلنا، وعن سر الاحتفال بها والأعجب منه تركهم التفطن لمعنى لفظة جمعة الذي لم يسمها الصحابة بذلك ونزل القرآن مصدقًا له إلا لما دل عليه مفهومها من كثرة الجمع وإليك البيان: جاء في القاموس وشرحه: الجمعة بضم فسكون وبضمتين وكهمزة اليوم المعروف سميت بذلك لأنها تجمع الناس أي لاجتماعهم في يومها بالمسجد. والذين قالوا جمعة بضم ففتح ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كثيرًا كما يقال رجل همزة لمزة ضحكة. ا. هـ. وأقول اتفق اللغويون على أن صيغتي فُعْلة بضم فسكون وفُعَله بضم ففتح للمبالغة، الأولى لمبالغة المفعول والثانية للفاعل، فمعنى الجمعة التكثير في المجموع أو في المجمعين، فهل لأحد أن يصرف هذه اللفظة عن مسماها اللغوي المؤيد بفعله ﵇ والخلفاء من بعده برأيه من غير نص ولا إجماع؟ وإذا جاز مثل ذلك بطلت الحقائق ولم يصح تفاهم أبدًا إذ علمنا أن لفظة الجمعة لم تقع قط في اللغة التي بها نتفاهم إلا على الجمع الكثير ومن خالف بعد هذا فقد كابر. بقي أن يقال أن صيغة جمعة للمبالغة كما برهن عليه فما أقل ما تحقق فيه

стр. 55

مصداقها من الكثرة في عهده صلوات الله عليه فالجواب أن ما تحقق فيه أربعون كما كان في أول جمعة وقعت بالمدينة فإنهم كانوا أربعين، وكان المجمع بهم مصعب بن عمير قبل مقدم النبي ﷺ فهذا العدد هو أقل ما وقع اتفاقًا١ وبه علم أن صيغة المبالغة في "جمعة" المفيدة للكثرة تصدق على هذا المقدار قطعًا وأن الذي يراه غير مجزئ لا حجة معه لا من لغة ولا من نقل ومنه يعلم ملحظ الإمام الشافعي في اشتراطه أربعين كأنه لحظ أن الجمعة لا بد فيها من وفرة الجمع وكثرته لما تفيده مادتها، ثم رأى أن الصحابة اجتزءوا بهذا العدد وأقروا عليه وفي اجتزئاهم بذلك وعتباره تجميعًا فائدة كبرى لأنه لولا هذا البيان لكان في اللفظ إجمال يضطرب فيه الفكر سيما وقد يرى أن المقدار المذكور ينحط عن درجة الكفاية في التجميع لما تفهمه المبالغة. ولذا ذهب ذاهب إلى اشتراط ثمانين فباكتفاء الصحابة وإقرارهم على أربعين علم أن هذا العدد مما يصدق عليه اللفظ لغة وشرعًا. نعم قد يبقى النظر فيما انحط عن هذا المقدار هل يكفي لاحتمال صدق الصيغة عليه أو لا لأنه لم يؤثر إقامتها بأقل منه ولا أذن في عهده صلوات الله عليه وعهد خلفائه الراشدين لأهل القرى الصغيرة أن يجمعوا٢. الأمر فيه

стр. 56

احتمال يصعب البت بأحد الوجهين إلا أنهما إذا وضعا في التوازن رجح الثاني لما تقضيه الصيغة والحالة المأثورة وسر المشروعية. والله أعلم. ولنرجع إلى المناقشة مع الظاهرية فنقول: قالوا: ورد أن الاثنين فما فوقهما جماعة وكأنهم ذهلوا أن الجماعة في العرف الشرعي غير الجمعة وإنما يتم لهم لو قيل: جمعة بدل جماعة على أن هذا الحديث في إسناده الربيع بن بدر وهو ضعيف كما في المقاصد الحسنة للسخاوي وما ورد معناه أن الاثنين إذا أدركتهما فريضة من الخمسة "غير الجمعة ضرورة" فأم أحدهما الآخر كانت صلاتهما جماعة أي مثابا عليها ثواب الجماعة، وقصد الشارع أن الاثنين ينبغي لهما التضام في أداء الفريضة معا إذا اجتمعا ويكونان جماعة ليرتفع ما يتوهم أن الجماعة لا تكون إلا بعدد وافر حضًّا على التكاتف في العبادة وتوحيد الكلمة. قلنا غير الجمعة لأن تلك علم بالضرورة أنها لم تقم إلا بالجمع الوافر في مكان واحد فما فوق بقدر الحاجة إليه. وقولهم إن الجمعة كغيرها١ من الصلوات لا تباينها إلا في اشتراط الجماعة هو من الغلو في الجمود أليس شروطها وسننها وآدابها وما ينبغي في يومها مما ترجم له أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد في أسفارهم واستغرق الأبواب الطويلة كافيا لمباينتها لغيرها. وقد عد ابن القيم في "زاد المعاد" لها خصائص

стр. 57

نيفت عن الثلاثين، وقد ذهب الإمام أحمد إلى أن أول وقتها وقت صلاة العيد، وروى عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكروا. خرجه أبو داود في سننه عن ابن الزبير أيضًا، وهذا مما يبرهن أن شأنها غير ما يعهد من بقية المكتوبات مما أصل سره هو التجميع وأن الجمع إذا حضر من الضحوة فصاعدًا جاز أن تؤدى وقتئذ كالعيد. وعجبًا لهم أيضًا كيف اشترطوا لها الجماعة وهلا قالوا هي كغيرها مطلقا من الصلوات تتميمًا للجمود١ قيل: يمنعهم من ذلك الإجماع على اشتراط الجماعة. فقلت: هذا مما يقوي الاحتجاج عليهم فإن الأصوليين اتفقوا على أن الإجماع لا بد له من مستند كتاب أو سنة هي قوله صلوات الله عليه أو فعله ولا مستند للإجماع هنا إلا فعله ﵊، وإذا كان هذا المستند بطل جوازها باثنين إذ لم يفعلها ﵇ إلا بأهل المدينة قاطبة ولم يرخص لأهل العوالي ولا لغيرهم ممن حول المدينة أن يجمعوا لأنفسهم فما ذاك إلا لاشتراط وفرة الجمع وهو بديهي لولا الجمود٢.

стр. 58

ثم يقابل هذا القول مذهب من منع تعددها مطلقًا دعت الحاجة إليه أو لا استدلالًا بأنها لم تتعدد في عهده ﵊ وعهد خلفائه فشق على الناس وضيق عليهم ما وسعته الحنيفية السمحة. نعم لا ننكر أنها لم تتعدد، في ذلك العهد ولكن لداعي أن المسجد الأعظم في مدينته ﷺ كان يسع المجمعين وعلى نسبتهم ولذلك وسع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ المسجد النبوي لما رأياه ضاق بالمجمعين في عهديهما ليسعهم. فسبب عدم التعدد عدم الحاجة إليه لكفاية المسجد. أما وقد ملأ المسلمون البلاد التي تناسلوا فيها وفات عديدهم الحصر في كل مصر فأنى يسعهم مسجد واحد؟ هذا ما لا يختلف فيه اثنان. فلا يقاس عدد الناس الآن بعددهم في الأعصر الغابرة بل لا نسبة بينهم الآن وبينهم قبل عشرين عامًا، فحينئذ سماحة الدين تقضي بتعدد الجمعة على نسبة الحاجة نسبة تطابق القصد وتوافق الحكمة، أعني بقاء هيكل التجميع متماسكًا متساندًا يمثل القوة ووحدة الكلمة من سائر مناحيه.

стр. 59

وكذلك أهل الكتاب لهم في الأمصار الواسعة عدة معابد بنسبة الحاجة إليها يؤمونها في أيامهم المعروفة فقول الأنصار ﵃ فيما تقدم "أن لأهل الكتاب يومًا يجتمعون فيه ... إلخ" يتنزل على ما هو المعروف والمألوف. أما في هذه الأزمنة فقد أفرط في تعدد الجمعة إفراطًا كادت تخرج به الجمعة عن موضوعها ففي مثل دمشق أوشك أن لا يبقى مسجد ولو في حارة إلا ويقام فيه جمعة وكثير من المساجد الصغيرة في أيامنا جدد لها منابر بتمويه الحاجة إليها مما يقسم الأمة تقسيمًا يرثى له، ولا حاجة في كثير منها. وقد يؤذن المؤذن في بعضها أذان المنارة ولم يكمل صف من المصلين، وأعرف مسجدًا صغيرًا جدًّا أحدثت له جمعة وبني له منبر كالكرسي لا يتسع ما أمامه إلا لصف واحد، ووراء هذا الصف ممر لبركة ماء وبيت خلاء متلاصقين عن يسار المنبر رغب في إحداث التجميع فيه بعض المثرين لمأرب ظاهره ذلك وباطنه إنقاذ ابنه من الخدمة العسكرية بإخراج براءة له فيه. مثل هذه المساجد الصغيرة كانت معدة لغير الجمعة لعاجز أو مريض أو تاجر أو صانع ممن لا يقدر أن يتجاوز محلته فأصبح كثير من المتصولحين الذين غاب عنهم محذورات تقطيع الجمعة والجماعات يتبرعون بتشييد منابر لها على ضيقها وربما نقبوا مأذنة من الحائط على الجادة ورتبوا مؤذنًا إلحاقا لهذا الصغير بالجوامع الكبيرة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ولا يتذكرون ما نجم عن ذلك من اشتماله على عدة بدع: ١- إحداث ما لم يحدثه الواقف. ٢- مضادة الواقف إذ أوقفه لمعنى حميد فصرف لوجه آخر. ٣- أخذ فراغ مصلي أو أكثر بواسطة المنبر المحدث. ٤- إعداد ما لم يوضع للجمعة لصغره لها. ٥- تفريق المؤمنين بصرفهم عن الجوامع الكبيرة والسعي إليها ليتعارفوا من الأطراف. ٦- أداء عبادة مختلف في صحتها. ٧- سن سنة مبتدعة ليحتذى على مثالها ويتسع الخرق كما وقع، إلى مفاسد أخرى. قال السبكي في فتاويه: إن هذه المفاسد كان المقتضى لها حدوث جوامع.

стр. 60

قال: وهذا إنما حصل في الشام ومصر من مدة قريبة ولم يكن في القاهرة إلا خطبة واحدة حتى حصلت الثانية في زمن الملك الظاهر مع امتناع قاضي القضاة تاج الدين من إحداثها وأكثر ما في الشام من التعدد حادث. ثم قال السبكي: إن دمشق -سلمها الله- من فتوح عمر إلى اليوم "وهو شهر رمضان سنة ٧٥٦" لم يكن في داخل سورها إلا جمعة واحدة. ا. هـ. وقد اقيمت في عهده ﵀ خارج السور في ثلاث جوامع جامع خيلخان خارج الباب الشرقي وكان يخطب فيه شمس الدين ابن القيم والآن درس هذا الجامع ولم يبق منه إلا بابه ونافذتان مسدودتان وفي جامع يلبغا وجامع تنكز "المعروف الآن المكتب الإعدادي العسكري" وقد اعتبر محلاتها كقرى لأن كل واحد منفصل عن الآخر. وقد اعتمد السبكي في عدة تآليف له بأنه إذا كان في مصر أو قرية جامع يسع أهلها ثم أريد إحداث جمعة ثانية في بعض المساجد أن ذلك لا يجوز.. في فتوى له مطولة. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم. قال ابن جريج: وأنكر الناس أن يجمعوا إلا في المسجد الأكبر وكذلك قال ابن عمر: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر. وتابع السبكي في ذلك الزركشي والعراقي وابن حجر العسقلاني وعليه قال العبادي: إذا استحال اتساع محل لهم هل تسقط عمن لم يجد له محلا ولم يمكنه ربط بمحل آخر. ا. هـ. أقول: الأمر على ما قاله هؤلاء إذا كان الأكبر يسعهم. وإلا فالشأن كما قال عطاء دفعًا للحرج. قال السبكي عليه الرحمة: لا يحمل كلام من جوز التعدد بحسب الحاجة على إجازة تعددها مطلقًا في كل المساجد فتصير كالصلوات الخمس حتى لا يبقى للجمعة خصوصية فإن هذا معلوم بطلانه بالضرورة لاستمرار عمل الناس

стр. 61

عليه من زمن النبي ﷺ إلى اليوم. ا. هـ. يعني أيامه عليه الرحمة. وقال ابنه التاج في "معيد النعم": ولقد رأينا منهم -يعني من المسيطرين- من يعمر الجوامع ظانًّا أن ذلك من أعظم القرب فينبغي أن يفهم مثل هذا المسيطر أن إقامة جمعتين في بلد لا يجوز إلا لضرورة عند الشافعي وأكثر العلماء، فإن قال: قد جوزها قوم قلنا له: إذا فعلت ما هو واجب عليك عند الكل فذاك الوقت افعل الجائز عند البعض، وأما إنك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال غيرك ليقال هذا جامع فلان فالله لا يتقبله وأن الله تعالى لا يقبل إلا طيبًا. ا. هـ. وبالجملة فيوجد في دمشق الآن من المساجد التي لم تبن للجمعة وتقام الآن فيها ما لا يحصى، وكل هذه المساجد الصغار يستغنى عنها بكبار ما جاورا إذا سعي إليها، ولكن هو الكسل والذهول عن أصل السنة. وقد رأيت خطر التعدد بلا حاجة، فالذي أراه في الخروج من عهدة هذه الحالة أن يترك التجميع في كل مسجد صغير -سواء كان بين البيوت أو في الشوارع- وفي كل مسجد كبير أيضًا يستغنى عنه بغيره وأن ينضم كل أهل محلة كبرى إلى جامعها الأكبر، ولتفرض كل محلة كبرى كقرية على حدة فيستغنى بذلك على كثير من زوائد المساجد ويظهر الشعار في تلك الجوامع الجامعة في أبدع حال فيخرج من عهدة التعدد. وهذا هو حقيقة ما رآه قدماء الشافعية وسر ما يرمي إليه من وافقهم والله الموفق١.

стр. 62

"لطيفة" ذكر بعض المؤرخين في حوادث سنة "١٣١" أن أول من اتخذ منابر في الجوامع عبد الملك١ بن مروان أمير مصر من قبل الخليفة مروان بن محمد وكان آخر والٍ على مصر من قبل الأمويين، قالوا: ولم يكن قبل ذلك منبر وكانت ولاة مصر تخطب على العصي إلى جانب القبلة وفي حوادث عام "١٦١" أن الخليفة محمد المهدي الذي زاد في المسجد الحرام والمسجد النبوي قصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله ﷺ ولعمر الحق لقد أصاب. إذ كم من منبر كبير هائل أخذ فراغًا عظيمًا من الجوامع فإنا لله٢.

стр. 63

٤- خصائص الجمعة في العهد النبوي وفي عهد الخلفاء الراشدين: ١- إقامتها واحدة غير متعددة في كل بلد. ٢- ترك مساجد الأحياء في وقتها إلى الجامع الأكبر. ٣- قصدها من الأماكن النائية وتجشم المسافة إليها. ٤- ندب التبكير إليها لئلا يزحم ويفوته الذكر. ٥- أداؤها بالجمع الكثير. ٦- تقدم خطبة عليها. ٧- مشروعية الغسل والتطيب لحالة الجمع. ٨- مشروعية السكينة وعدم تخطي الجمع. ٩- عدم تعددها حتى في آخر عهد الخلفاء. ١٠- توسيع عثمان ﵁ المسجد النبوي وتكلفة شراء ما حوله لأدائها واحدة. ١١- عدم إقامتها في الحواضر والنواحي في ذلك العهد. ١٢- اقامتها١ في المصر التي فيها حاكم أو نائبه. ١٣- إجماع الصحابة كلهم على كل ما تقدم بلا نكير. ١٤- استحسان التجميع في يوم العروبة لجمع الكلمة كما يفعل أهل الكتاب في يوميهم. ١٥- تسميتها جمعة وفعلة في اللغة للمبالغة والتكثير. ١٦- ذهاب معنى الجمعة في تفرق شمل المجمعين بأدائها أفذاذًا أو مثنى أو ثلاث. ١٧- مخالفة ما مضى في العهد النبوي وعهد الراشدين في التعدد لغير حاجة. ١٨- فقد دليل لمن يقول بتعددها من قوله ﵊ أو فعله. ١٩- اشتراط الخطبة واشتراط أدائها جماعة ثبت من فعله عليه ﵇ مع أنه لا قائل بأدائها بدون خطبة وفرادى. ٢٠- كون الفعل النبوي دليلا أصوليًّا لأنه من السنة، والسنة قول وفعل وتقرير كما ثبت في الأصول، فليتأمل هذه الخصائص. انتظار الأربعين في القرى ليتم عدد المجمعين: أكثر أهل القرى في دمشق شافعية والباقي حنابلة. ولذلك تقام الجمعة في القرى. ومعلوم ما اشترطه فقهاء المذهبين من العدد لصحتها وهو أربعون

стр. 64

-وقد سبق مستنده- وهذا العدد وإن كان في حصوله تماسك وقوة لظهور الشعار وفي وجوده ما يعظم هيكل هذه العبادة إلا أن ذلك قد لا يتم في بعض القرى وفي بعض فصول السنة كأيام الحصاد وأوقات لقط الثمر وتجفيفة ونحو ذلك فلا يجتمع أربعون ولا نصفها. فترى هناك من يحضر لإقامتها من عاجز أو فارغ أو فقير لا يعمل جالسًا منتظرًا لما يقضي به خطيب القرية أو مؤذنها ثم تارة يرقى المؤذن بعد الأذان الأول على المنارة أو السطح وينادي أهل القرية للحضور وتكميل العدد وأحيانًا يذهب صارخ بين البيوت لذلك فإذا يئس من بلوغهم العدد المطلوب لهم يصلون الظهر ثم ينصرفون. والذي أراه في هذه الحالة أعني في القرية الصغيرة أو الكبيرة التي يتفق أن لا يجتمع بها أربعون يوم الجمعة لعوائق لهم -وكانت جرت عادتهم بإقامة الجمعة فيها- أن على خطيبهم أن يؤدي الجمعة بمن حضر منهم بعد الأذان قلوا أو كثروا١، ولا يترك الجمعة لأجل أن عددهم لم يبلغ الأربعين؛ لأن الحاضر لا يكلف بالغائب، ويكفي لتذكيره وإعلامه بالعبادة الأذان المشروع، فمن حضر فبها ومن لم يحضر فإثمه في عنقه. وحينئذ فبعد الأذان يتمهل الخطيب تمهلًا لطيفًا٢ ثم يقوم فيخطب بمن حضره ولا يترك عادة أهل بلده من إقامة الجمعة أصلًا، وتصح جمعتهم بمن حضر ولا يلزمهم إعادتها ظهرًا؛ لأن الشعار في تلك القرية حصل بهم والفرض أدي بتجميعهم. وقد ذهب كثير من الأئمة إلى عدم اشتراط تعيين العدد في أداء الجمعة. وعليه فتجزئ بمن حضر من أهلها أو من غيرهم قل عددهم أو كثر؛ لأنهم الذين يريدون أن يقيموا شعارها، فسقط الطلب عنهم بانتدابهم لأدائها، ثم على من حضر في قرية يوم الجمعة أن يحتفل كأهلها بإقامة الجمعة. ولا ريب أن من التهاون بالدين والعبادة رفض

стр. 65

حضورها، وقد يتوكأ بعضهم بأنه حنفي المذهب وقد شرط في مذهبه المصر والحاكم وهذا من توكؤ المتهاونين بالطاعة الكسالى عن أدائها. وهل للعامي مذهب، وماذا يعرف العامي من مذاهب الأئمة. ولذلك قال الأصوليون. العامي لا مذهب له نعم لو صدر ذلك من مجتهد حضر يوم الجمعة القرية وأداه اجتهاده إلى ذلك والله يعلم من قلبه أنه لم يقصد التهاون بالعبادة ولا المشي مع الهوى لكان معذورًا بل مأجورًا والله أعلم.

стр. 66

٦- أداء الجمعة في حجرة ورفض الصفوف: يوجد في بعض الجوامع حجر في برانية نائية عن حرمه وكذا في المدارس التي أحدثت فيها إقامة الجمعة بعد عصر الواقف حجر في صحنها فيختبئ بها بعض من أهل العلم ويقتدي فيها بالإمام لأن صوت المبلغ وصيحته تبلغه، وفي هذا من مخالفة الهدي النبوي وسيرة الصحابة والأئمة ما لا يخفى. وهب أن القدوة صحيحة ولكن أكان هكذا عمل العاملين؟ وهل بهذا أمرت السنة النبوية، فأين لحوق الصف الأول، وأين التراص في الصفوف، وأين القرب من الخطيب وأين تكثير سواد المسلمين المطلوب، وأين حضور دعوتهم، وأين سيرة السلف. وأين وأين.. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ويرحم الله بعض الصوفية فلقد كان يقول لي: كثير من الفقهاء لم يتفقه إلا للاحتيال والتشبث بأهداب الرخص واللابأسيات لا لمحاكاة الهدي النبوي وإصلاح القلب، وهذا مصداق ما نعاه الغزالي عليهم في "الإحياء". وأدهى من ذلك وأمر ما يفعله بعض المجاورين في مثل "الأزهر" من نومه قبل الزوال واستغراقه بعده إلى العصر سعيًا في إسقاط الجمعة وحضورها بهذا المكر السيئ. فوارزية السنة والدين بهؤلاء المتعالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 67

٧- أدب الخطب والخطباء: قال بعض الفضلاء: ابلغ الخطب ما وافق الزمان والمكان والحال، ففي زمن صيام رمضان مثلا يبين الخطيب للناس حكمه وأحكامه والمقصود منه، وينهاهم عن البدع التي تحدث فيه مبينًا ضررها. وفي عيد الفطر يبين أحكام صدقة الفطر ولا يحسن به أن يستبدلها ببيان أحكام الأضحية أو غير ذلك ويتركها بتاتًا. وفي مكان تفرق أهله يخطب فيهم بالاتحاد، أو تكاسلوا عن طلب العلم حثهم عليه، أو أهملوا تربية أبنائهم حثهم أيضًا عليها.. إلى غير ذلك مما يوافق أحوالهم ويلائم مشاربهم ويناسب طباعهم، يخطب في كل مكان بحسبه، مراعيًا أحوال العالم، بصيرًا بمقترفاتهم الحاصلة في خلال الأسبوع، فينهاهم عنها، وينبههم عليها، متى رقي منبر الحطابة، عسى أن يهتدوا طريقًا قويمًا. ثم قال: "كيف كانت الخطب في الصدر الأول؟ " كانت الخطب في الصدر الأول لها المكانة العالية والمقام الأسنى. كانت موضوع المفاخرة بين العرب كما يفتخرون في الشعر. كانوا ينتقون من جواهر الألفاظ أعذبها وأظرفها وأحلاها، ومن المعاني أرقها، وأدقها وأغلاها، ومع ذلك فكانوا يضمنونها آيات من كتاب الله تعالى لتزداد حلاوة وطلاوة حتى إنه ليعاب على خطبة ليس فيها آية من القرآن الكريم١. بلغت زمن الخلفاء الراشدين عنفوان شبابها فإن القرآن بما اشتمل عليه من أبدع الأساليب أعانهم على الخوض في عباب التفنن في دائرة الإرشادات الجاذبة بمغناطيسها الأفئدة. كانوا لا يتقيدون بوقت بل كلما دعت الحاجة اجتمعوا فألقيت عليهم استشارة أو وعظ أو تذكير أو إعلان أمر ... إلخ.

стр. 68

كان الخطيب إذا قام لأمر ما سحر الألباب وملك بمرصعات المواعظ ما لا يملك بمرهفات السيوف والرماح. يؤلف بين من تفرق، ويسكن الفتن ويزيل المخاصمات ويقطع المنازعات، يقيمهم إن شاء ويقعدهم إن أراد بقوة اقتداره وشدة تأثيره. ثم قال: "متى حدث الانحطاط في الخطب؟ " إن الخطابة قبل كانت بيد الخلفاء الراشدين والرؤساء العظام وكانت موضع احتراس. كان يخطب الخطيب قائمًا "إلا خطبة النكاح" آخذا بيده عصا أو مخصرة أو قناة أو غير ذلك. فلما جاءت الدولة المروانية واستولى الترف وعم، وتولى كرسي المملكة الوليد بن عبد الملك بن مروان بدأ يخطب -واأسفاه- جالسًا ترفعًا منه واستهانة بهذا الموقف الجليل. ومن هذا أخذت الخطابة في الاضمحلال والتلاشي فكان آخر خطيب أجاد من أئمة الإسلام المأمون بن هارون الرشيد من خلفاء الدولة العباسية، وترك الملوك الخطابة ووكلوا أمرها كغيرها من الأمور لغيرهم فصارت منحطة القدر بعد الرفعة وموضع الاستهانة بعد التجلة تولاها أناس ما قدروها حق قدرها وما دروا المقصود منها بجهالاتهم المطبقة حتى إنك لو خاطبت أحدهم عن الخطبة المتبعة وتغييرها بما يستدعيه الزمان ما أجابك إلا بقوله: لا يمكن للنفوس الآن أن تتزحزح عن غيها، وأن الخطب الآن هي من قبيل الرسوم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأنت ترى اليوم ببغاء كل منبر ينفث سموم الإماتة والتدمير والإقعاد عن العمل متمسكًا بمثل قوله ﵀: "لمن تقتني الدنيا وأنت تموت، ولمن تبتني العلياء والمقابر بيوت ... إلخ" مما أمات الأمة غافلًا عن قول سيد الزاهدين: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا"١ ثم قال: "شرط الخطيب" يشترك في الخطيب أن يكون "عالما بالعقائد الصحيحة" حتى لا يزيغ ويؤذي الناس بسوء عقيدته في درك ظلمات الضلال فتسوء العقبى

стр. 69

"وعلم الفروع" كي يصحح العبادات بما علمه من علم الفقه ولأنه عرضة يسأله المأمومون في الأحكام فيجيبهم عن حقيقة ويهديهم بنور الشريعة إلى صراط مستقيم لا يهرف ويخبط خبط عشواء في أمور الدين بجهالاته كأغلب الخطباء والأئمة اليوم فرحماك اللهم رحماك. "واللغة العربية" وبالأخص علم الإنشاء كي يقتدر على تأليف كلام بليغ وتنسيق درر مضيئة يشرق نور أسرارها على أفئدة السامعين، فيسحرهم ببديع لفظه ويختلب ألبابهم بجواهر آيات وعظه. "وأن يكون نبيهًا" كي لا تعزب عليه شاردة إلا أحصاها ولا واردة إلا استقصاها ولينظر بمنظار التأمل والانتقاد ويغوص في بحار الشريعة فيستخرج لآلئ الأحكام ودررها من غير ما يعتريها تشويه ولا يشوبها كلل، "وإن يكون لسنًا" فصيحًا منطلق اللسان معبرًا عما يخطر بباله من المعاني الكامنة في ضميره يبرز ما انطوت عليه السريرة من جليل النصائح وجميل الإرشادات مما يكفل السعادة للعباد، "ووجيهًا" تهابه القلوب وتجله العيون وتعظمه النفوس يهابه الصغير ويوقره الكبير حتى يكون لكلامه تأثير ويجد له سميعًا يعي ما يقال ويعمل بما يسمع، "وصالحًا" تقيا مهذبا ورعا قنوعًا زاهدًا غير متجاهر بمعصية ولا متلبسًا بمخالفة يفعل ما يقول فإن ذلك أدعى إلى قبول الموعظة منه. قال الشاعر الحكيم أبو الأسود الدؤلي ﵁: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي العنا ... كيما يصح به وأنت سقيم ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... ابدا وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم وهناك يقبل ما تقول ويشتفى ... بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ولله الأمر في عباده بفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وإلى الله المصير١.

стр. 70

٨- دعاء المؤذن بين الخطبتين أثر جلوس الخطيب: من المقرر في الفروع أن الخطيب إذا ارتقى المنبر فلا تبتدأ صلاة ولا يجهر بدعاء، وذلك تأهبًا لسماع الخطبة، وإجلالًا للمقام، وتخشعًا لهذه العبادة الأسبوعية، وهذا معلوم من موضوع الاحتفال لأداء فريضة الجمعة، وقد اتفق الفقهاء على الحظر من الجهر بالذكر أو الاستغفار أو الدعاء أو النداء في تلك الحالة اتفاقًا لا خلاف فيه استدلالا بما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" ١. فأثبت له اللغو بذلك مع أنه ينهى عن منكر فكيف بمن لا يكون قوله كذلك، لا جرم أنه أشد منه لغوًا وإثمًا. إذا تحقق ذلك تبين أن ما يقوله بعض المؤذنين يوم الجمعة بين يدي الخطيب إذا جلس من الخطبة الأولى: غفر الله لك ولوالديك ولنا ولوالدينا والحاضرين إلخ منكر يلزم إنكاره لأنه ذكر غير مشروع في وقت هو وقت الصمت أو التفكر القلبي للاتعاظ، فتفريق جمعية قلوب الحاضرين برفع الصوت بذلك والجراءة على الجهر به في هذا الموضوع الرهيب لا يختلف فقيه في نكارته فلذلك يلزم الخطيب ومن قدر على إزالته أن ينهى عنه أسوة كل منكرة والله أعلم.

стр. 71

٩- الأحاديث المروية على المنابر في فضل رجب: كل من سبر كتب الأحاديث الموضوعة علم أنه لم يصح في صوم رجب حديث ولا أثر. قال الإمام أبو شامة عليه الرحمة في كتاب الباعث ذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب "أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب"١ عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجب وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب ولا في صيامه عن رسول الله ﷺ شيء، وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر ﵄، وكان عمر يضرب بالدرة صوامه، وروى ذلك الفاكهي في كتاب مكة له وأسنده الإمام المتفق على عدالته وعلى إخراج حديثه وروايته أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال: حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه، قال: وهذا سند مجمع على عدالة رواته فالصيام جنة وفعل خير وعمل بر لا لفضل صوم هذا الشهر. قال: فإن قيل أليس هذا هو استعمال خير، قيل له: استعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ فإذا علمنا أنه كذب خرج من المشروعية، وإنما كانت تعظمه مضر في الجاهلية كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁ وضرب أيدي الذين كانوا يصومونه، وكان ابن عباس حبر القرآن يكره صيامه، وقال فقيه القيروان وعالم أهل زمانه بالفروع أبو محمد بن أبي زيد: وكره ابن عباس صيام رجب كله خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض، وذكر بعض هذه الآثار أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع وزاد قال: وروى ابن وضاح

стр. 72

أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجب كله، وروى أن ابن عمر ﵄ كان إذا رأى الناس وما يعدون لوجب كرهه وقال: صوموا وافطروا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وعن أبي بكر ﵁ أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب فقال: ما هذا؟ فقالوا: لرجب نصومه، فقال: اجعلتم رجب كرمضان، قال الطرطوشي يكره صيام رجب على أحد ثلاثة أوجه: أحدها إذا خصه المسلمون بالصيام في كل عام حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان أو سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ كالسنن الراتبة، وأما أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور جار مجرى صوم عاشوراء أو فضل آخر الليل على أوله في الصلاة فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض ولو كان من باب الفضائل لسنه رسول الله ﷺ أو فعله مرة في العمر كما فعل في يوم عاشوراء وفي الثلث الغابر من الليل ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصا بالفضيلة ولا هو فرض ولا سنة باتفاق فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه. فكره صيامه والدوام عليه حذرًا من أن يلتحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام فإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه يؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعدو فرضًا أو سنة.

стр. 73

١٠- التمسح بالخطيب إذا نزل من المنبر: يوجد من المصطفين حول المنبر يوم الجمعة أناس يتبادرون إلى الخطيب إذا فرغ من خطابته ونزل من المنبر وتقدم إلى المحراب فيتمسحون بظهره أو كتفه أو جنبه اعتقادًا بأنه كان في مرتقى هبطت عليه فيه الرحمة والنور والبركة، مع أنه لا يتمسح بشيء إلا بالحجر الأسود في مكة المشرفة والتمسح بما عداه بدعة كما بينه الغزالي رحمه الله تعالى. نعم تقبيل يد العالم الصالح لا بأس به كما هو مقرر، والمقصود أن هذا التمسح مبتدع ينبغي التنبيه عليه للإقلاع عنه.

стр. 74

الفصل الثاني: في بدع محدثة في الصلاة الجهر بالنية قبل تكبيرة الاحرام ... الفصل الثاني: في بدع محدثة في الصلاة ١- الجهر بالنيبة قبل تكبيرة الإحرام: رأيت أيام رحلتي إلى مصر عام "١٣٢١" في بورسعيد ومصر من يجهر بالنيبة قبل التكبير ويشوش على الناس ولا يخفى ما في ذلك من الكراهة أو الحظر. قال الإمام ابن الحاج في المدخل: الجهر بالنية من البدع واختلف في النطق باللسان هل هو بدعة أو كمال. فقال بعضهم: هو كمال لأنه أتى بالنيبة في محلها وهو القلب ونطق بها اللسان وذلك زيادة كمال هذا ما لم يجهر بها. وقال بعضهم: إن النطق باللسان مكروه ويحتمل ذلك وجهين أحدهما أنه قد يكون صاحب هذا القول يرى أن النطق بها بدعة؛ إذ لم يأت في كتاب ولا سنة ويحتمل أن يكون ذلك لما يخشى أنه إذا نطق بها بلسانه قد يسهو عنها بقلبه وإذا كان ذلك كذلك فتبطل صلاته لأنه أتى بالنية في غير محلها إلا ترى أن محل القراءة النطق باللسان فلو قرأ بقلبه ولم ينطق بها لسانه لم تجزه صلاة وكذلك لو تلفظ بالنية بلسانه ولم ينوها بقلبه "ثم قال" وما تقدم من أن النية لا يجهر بها فهو عام في الإمام والمأموم والفذ فالجهر بها بدعة على كل حال؛ إذ إنه لم يرو أن النبي ﷺ ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين جهروا بها فلم يبق إلا أن يكون الجهر بها بدعة "ثم قال" وقد ورد النهي عن أقل من هذا

стр. 75

بقوله ﵊: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" ١ وكان كل واحد منهم يصلي لنفسه وهذه صلاة واحدة فمن باب أولى أن ينهى عن ذلك. ثم قال: وشيء لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة فلا شك في أن تركه أفضل من فعله بل هو بدعة لما تقدم. وقال الإمام ابن القيم في "إغاثة اللهفان" في بحث النية في الطهارة والصلاة: النية هي القصد والعزم على فعل الشيء ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلًا ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة في النية لفظ بحال ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك، وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم فيها ويوقعهم في طلب تصحيحها، فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ وليست من الصلاة في شيء، وإنما النية قصد فعل الشيء فكل عازم على فعل فهو ناويه لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئًا من العبادات ولا غيرها بغير نية فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك ولو كلفه الله الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق ولا يدخل تحت وسعه، وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله وإن شك في حصول نيته فهو نوع جنون فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقيني فكيف يشك فيه عاقل من نفسه، ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك في ذلك ولو دعاه داع إلى شغل في تلك الحال لقال إني مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل في وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضي؟ لقال: أريد صلاة الظهر مع الإمام فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه في هذا من نفسه وهو يعلمه يقينًا بل أعجب
следующие страницы →