← Фикх общий

Фикх общий · id 10541

إصلاح المساجد من البدع والعوائد

جمال الدين القاسمي

Полный текст (304 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١٩- واجبات نظار المساجد: يعلم كل أحد أنه ما من مكان موقوف مسجدًا أو غيره إلا وشرط له نظار يتولون أمر أوقافه وجباية ريعها، ويرى قارئ وقفيات المساجد والمدارس وغيرها ما يشرطه الواقف على من يتولى نظارة وقفه من الشروط وما يحذره به من الزيغ عن المشروط وما يخوفه به من حلول غضب الله عليه ووصول أليم العقاب إليه، ترى الواقف المسكين بما يشرطه ويحذر وينذر كأنه يتفرس ما سيئول إليه أمر وقفه من أكل ريعه وخراب جداره وسقفه فيقف وقفة المتأسف والجزع المتلهف. اقرأ ما قاله الوزير سنان باشا في وقفيته على جامعه الكبير بدمشق في شرط الناظر: أن يكون متوليًا عاقلًا أمينًا كاملًا ذا رأي رصين وفكر صائب رزين، معروفًا بالأمانة والديانة موصوفًا بالاستكانة، والصيانة يجد في تعمير الأوقاف وتحصيل الغلات ولا يفوت دقيقة في جهة من الجهات ثم قال في خاتمتها: ولا يحل لأحد ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر من حاكم

стр. 212

أو قاض أو وارث غائب أو حاضر تغيير هذا الوقف بعدما تقرر من نسقه المسطور المقرر ومن تعرض لتحويله وتغييره وسعى في إبطاله بتزويره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومأواه جهنم فيسقى فيها من حميم وغسلين. وهكذا كل وقفية يصرح الواقف باللعن على من غير وبدل وأكل الريع واستأكل، أترى هل أفاد ما شرطه وما هدد به من عذاب الله ولعنته وما ذكر عن نصوص كتاب الله وموعظته؟ كلا فقد أكلت الأوقاف وتسلط عليها من لا يراقب الله ولا يخاف وتهدمت بالفعل أكثر المدارس وأضحى أكثر المساجد كالشبح الدارس. هذه مدارس "الصالحية" يندهش المار بها حينما يراها صارت بساتين وبيوتًا وما بقي منها فرسم شاخص وهذه ثلة من مساجد البلدة لا وقف عليها دار، ولا ناظر بها بار حقًّا إن هذا لمصاب وأي مصاب وإنه ممن يدعي الإيمان لعجب عجاب. أين تقوى الله أين الخوف من العرض أين الوجل من الفزع الأكبر أين الغيرة على الحقوق أين السعي وراء تنمية الموقوفات وإصلاح المرمات. وا أسفاه وإنا لله ما الحيلة لا يرد الفائت النحيب ولا يعيد الحياة حذق الطبيب بيد أن للأمل مجالًا في تراجع الأنفس عن غيها ونشر الواجبات بعد طيها. واجبات النظار في نظارتهم وآدابهم المطلوبة من قبلهم واجبات كثيرة وآداب غزيرة لأجلها كانت تخفق قلوب الأخيار عن أن يعد أحدهم في مصاف النظار أذكر لك نبذة منها وقس ما شابهها عليها: على ناظر المسجد أن يكون همه إصلاح المسجد وتعميره وتثمير أوقافه وتنميتها بما تصل إليه يد الإمكان وأن يكون غيورًا على انتهاك شيء من موقوفاته كما يغار التقي على انتهاك حدود الله وحرماته وأن يكون أمينًا على دخله فلا يخلطه بماله ولا يتساهل في بارة من ريعه. إذا دعت كثرة ريعه إلى جاب يجبي له المال فيختر أمينًا مستقيمًا مجدًا في السعي وليراقبه في عمله كيلا يقر على زلله وخلله، أو إلى كاتب فلينظر إلى كتب ماهر بالكتابة والحساب يكتب القليل والكثير ويحسب الدخل والخرج بغاية التدقيق.

стр. 213

وأن يتعاهد على المدى حال المسجد كيلا يقصر خادمه في كنسه وتنظيفه وحفظ فرشه وحصيره ولا يتهاون مؤذنه في أذانه ولا إمامه في إمامته ولا الشعال في تنويره. وأن يتفقد العقارات وما تحتاج إليه من المرمات. وأن يلاحظ أمر بيوت الطهارة وما يعروها من الخلل وما يتهدم من مجاريها وأن ينظر لأملاكه وما يتحصل منها ومن غلاته نظر العاقل الحكيم ويوازن ما بين قيمتها الآن وموردها من قبل فيرفع من رواتب القائمين بوظائف المسجد على نسبة ما رفع من قيم الأملاك والعقارات أو يتحقق أن الرواتب القديمة إنما كانت على حسب مظهر الزمان وحال أهله فكان يكفي ما رتب أولًا، وأن الحالة الحديثة تقتضي في الصرف أضعاف ما كان يكفي قبل، فيزيد الناظر في أجور قوام المسجد كما زيدت موارده ولا يكون هذا مخالفًا لشرط الواقف؛ لأن الراتب الشهري القديم إنما كان بالنسبة إلى أجور العقارات ومغلاتها السالفة فيحسب مقداره بالنسبة إلى مورده الأول ويقاس عليه حالته الآن ضرورة. وقد اهتمت بعض الحكومات الإسلامية١ في هذا الموضوع كما قرأته في بعض مجلاتها، ومما قرأته: أوقاف المسلمين تزداد ريعًا ونموًّا وغالب المساجد في خراب حسي ومعنوي ورأيت الخطيب والإمام اليوم كما كان منذ قرن أو قرون إذ كان مالك الألف يعد غنيًّا كبيرًا، والألف لا تشبع في سنتنا الحمار شعيرا. وأن مساعدة أهل العلم والدين على معايشهم من أفضل المبرات التي تنشأ لها الأوقاف الخيرية لهذا كان من الموضوع المهتم به -يعني في تلك الحكومة- أن يجعل للإمام والخطيب راتب يتراوح بين خمسمائة قرش وثمانمائة قرش وللمؤذن والخادم راتب يرتقي إلى ثلاثمائة قرش وذلك بعد انتقائهم بحسب الشروط التي تؤهلهم للقيام بعملهم على أكمل وجه بهذا الفكر المهتم به تصرف

стр. 214

أموال الأوقاف المكنوزة في أفضل مصارفها بهذا تقام صلاة الجماعة على وجهها. بهذا تكون الخطابة مؤدية للحكمة التي شرعت لأجلها. بهذا تكون بيوت الله نظيفة طاهرة كما يليق بها. بهذا ينمو علم الدين بما وجد لأهله من المعاش الطبيعي الذي يليق بكرامتهم بعد أن اقفلت في وجوه المنقطعين له أبواب الرزق واحتقرهم الناس ولو بغير حق. ا. هـ. وليقس على ما ذكرناه ناظر وقف المدارس والتكايا وما شرط عليه من ترتيب الطعام وإيتاء الأجور على التمام والتورع عن القليل مما يشتبه عليه فضلًا عن الكثير ومن تدعيم البناء وتحديده إذا اقتضى الحال مثل ما كان وأحسن منه إذا كان الأول لم يبن على القواعد الصحيحة المرعية. والجامع لكل ذلك تقوى الله ومراقبته وتحقق أن المؤمنين إخوة وأنه لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن السعادة الحقيقية هي السعادة الأخروية ونيل رضوان الله تعالى وأن الدنيا دار ابتلاء للتسابق في إحسان العمل، وأن من خالف وصايا الله وأكل أموال الناس ظلمًا فلا يكون عاقبته إلا النار وغضب الجبار وينحط إلى دركات الفجار فالسعيد من وفر حظه من أخراه والشقي من باع عقباه بدنياه. بقي هنا كلمة أقولها للنظار المقصرين عن القيام بواجباتهم في رعاية بعض المساجد والمدارس: لو تبصرتم فيما يأتيه بقية الطوائف في تشييد معابدهم وتحسينها والقيام على رعايتها وتوفير دخلها وتثمير وارداتها كما يراه القارئ في التقويم السنوي الذي يطبع وينشر في مجلاتها لعلمتم أنكم الأحق بهذا ولا أزيدكم تصريحًا وفي هذا القدر كفاية.

стр. 215

٢٠- الاجتماع في المسجد للدعاء برفع الوباء: قال العلامة عصام الدين أحمد الحنفي الشهير بطا شكبري زاده في رسالته "الشفاء لا دواء الوباء" تحت عنوان "المطلب السادس في الدعاء برفع الطاعون من البلاد" ما مثاله: قال الشيخ السيوطي١: وقع السؤال عن ذلك وعن الاجتماع له. والجواب أن ذلك بدعة لا أصل له وبيانه من وجوه "أحدهما" أنه لم يثبت عن النبي ﷺ الدعاء برفعه بل ثبت أنه دعا به وطلبه لأمته٢ كما تقدم "الثاني" أن أبا بكر الصديق ﵁ دعا به أيضًا أخرج عبد الرزاق في المصنف قال: أخبرنا معمر عن٣ قتادة أن أبا بكر كان إذا بعث جيوشًا إلى الشام قال: اللهم أرزقهم الشهادة طعنًا وطاعونًا "الثالث" أنه وقع في زمن إمام الهدى عمر بن الخطاب والصحابة يومئذ متوافرون وأكابرهم موجودون فلم ينقل عن أحد منهم أنه فعل شيئًا من ذلك ولا أمر به كما ورد أنهم دعوا برفع القحط "الرابع" أن القرن الأول وقع فيه الطاعون مرات متعددة وفيه من الصحابة والتابعين ما لا يحصى وهم خيار الأمة فلم يفعل أحد منهم ذلك ولا أمر به. وكذا في القرن الثاني وفيه خيار التابعين وأتباعهم وكذا في القرن الثالث والرابع، وإنما حدث الدعاء برفعه في الزمن الأخير وذلك في سنة تسع وأربعين وسبعمائة كما نقله ابن حجر ونقل عن الرافعي والنووي أن القنوت يشرع في سائر الصلوات ولنازلة كالوباء، إلا أن السيوطي خص هذا الحكم بالوباء دون الطاعون ولذلك نهى عن الفرار من الطاعون دون الوباء وسائر الحميات مما يتوقى منها كسائر أسباب الهلاك بالإجماع قال بعض الحنابلة: لا يقنت للطاعون لأنه لم يثبت القنوت

стр. 216

من السلف في طاعون عمواس وغيره، وقال التيمي في تأليف له في الطاعون يكره الدعاء برفعه؛ لأن معاذًا امتنع من ذلك واعتل بكونه شهادة ورحمة ودعوة نبينا ﷺ به لأمته، ومال ابن حجر إلى مشروعية الدعاء فرادى ومنع الاجتماع له كما في الاستقاء، وقال: هو بدعة حدثت سنة تسع وأربعين وسبعمائة ولم يفد ذلك شيئًا، بل ازداد الأمر شدة قال: ولو كان مشروعًا لم يخف على السلف ولا على فقهاء الأمصار وأتباعهم في الأعصار الماضية فلم يبلغنا في ذلك خبر ولا أثر عن المحدثين ولا فرع مسطور عن أحد من الفقهاء.

стр. 217

الباب السادس: في المشروع في المساجد الثلاثة المشرفة والمبتدع الفصل الأول: في بيت المقدس ... الباب السادس: في المشروع في المساجد الثلاثة المشرفة والمبتدع وفيه فصول الفصل الأول: في بيت المقدس قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتواه في زيارة بيت المقدس: اتفق العلماء على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه كالصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف. ثم قال: العبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النبي ﷺ وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد الطواف بالكعبة واستلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود، وأما مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف فيه ولا فيها ما يتمسح به ولا ما يقبل فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي ﷺ ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغيرها، بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة فإن النبي ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة صلى بالمسلمين ثمانية عشر

стр. 218

شهرًا إلى بيت المقدس فكانت قبلة المسلمين هذه المدة ثم إن الله حول القبلة إلى الكعبة وأنزل الله في ذلك القرآن كما ذكر في سورة البقرة وصلى النبي ﷺ والمسلمون إلى الكعبة وصارت هي القبلة، وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنمًا أو بقرا ليذبحها هناك ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل أو أن يحلق فيها شعره في العيد أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة فهذه الأمور من البدع والضلالات. من فعل شيئًا منها معتقدًا أنه قربة إلى الله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كما لو صلى إلى الصخرة معتقدًا أن استقبالها في الصلاة كاستقبال الكعبة ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم المسجد الأقصى فإن المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان ﵇، وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب ﵁ في مقدمه والصلاة في هذه المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة في سائر المسجد، فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وكان على الصخرة زبالة عظيمة؛ لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها فأمر عمر ﵁ بإزالة النجاسة عنها وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلى المسلمين؟ فقال: خلف الصخرة فقال: يابن اليهودية خالطتك يهودية على أبنيه أمامها فإن لنا صدور المساجد ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر، وقد روي عن عمر ﵁ أنه صلى في محراب داود. وأما الصخرة فلم يصل عندها عمر ﵁ ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام وقع بينه وبين ابن الزبير الفتنة وكان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير فبنى

стр. 219

القبة على الصخرة وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس ويشتغلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير؛ وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين فلم يكونوا يعظمون الصخرة١ فإنها قبلة منسوخة كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى ﵇ ثم نسخ في شريعة محمد ﷺ بيوم الجمعة فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة كما تفعل اليهود والنصارى، وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى، وأما ما يذكره بعض الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبي ﷺ وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب وكذلك المكان الذي يذكر أنه من مهد عيسى ﵇ كذب. وإنما كان موضع معمودية النصارى وكذا من زعم أن هناك الصراط والميزان أو أن السور الذي يضرب به بين الجنة والنار هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد. وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعًا وليس في بيت المقدس مكان يقصد للعبادة سوى المسجد الأقصى، لكن إذا زار قبور الموتى وسلم عليهم وترحم عليهم كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه فحسن، فإن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم٢. ثم قال: وأما زيارة بيت المقدس

стр. 220

فمشروعة في جميع الأوقات، ولكن لا ينبغي أن يؤتى، في الأوقات التي يقصدها الضلال وينبغي أن لا يتشبه بهم ولا يكثر سوادهم وقال أيضًا: النبي ﷺ ليلة المعراج صلى في بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح ولم يصل في غيره. وأما ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج: أنه صلى في المدينة، وصلى عند قبر موسى، وصلى عند قبر الخليل فكل هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة. هذا ملخص فتواه ولها تتمة ومقدمة بديعة فلتنظر.

стр. 221

الفصل الثاني: في مسجد الخليل قال تقي الدين ﵀ في أواخر كتابه تفسير سورة الإخلاص ما مثاله ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المسجد عليها محرمًا لم يكن شيء من ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر. وكان الخليل ﵇ في المغارة التي دفن فيها وهي مسدودة لا أحد يدخل إليها ولا تشد الصحابة الرحال لا إليه ولا إلى غيره من المقابر؛ لأن في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" ١ فكان يأتي من يأتي منهم إلى المسجد الأقصى يصلون فيه ثم يرجعون لا يأتون مغارة الخليل ولا غيرها، وكانت مغارة الخليل مسدودة حتى استولى النصارى على الشام في أواخر المائة الرابعة ففتحوا الباب وجعلوا ذلك المكان كنيسة، ثم لما فتح المسلمون البلاد اتخذه بعض الناس مسجدًا وأهل العلم ينكرون ذلك والذي يرويه بعضهم في حديث الإسراء أنه قيل للنبي ﷺ : "هذه طيبة انزل فصل -فنزل فصلى- هذا مكان أبيك انزل فصل" كذب موضوع لم يصل النبي ﷺ تلك الليلة إلا في المسجد الأقصى خاصة كما ثبت في ذلك الصحيح

стр. 222

ولا نزل إلا فيه ولهذا لما قدم الشامة من الصحابة من لا يحصي عددهم إلا الله وقدمها عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وبعد فتح الشام لما صالح النصارى على الجزية وشرط عليهم الشروط المعروفة، وقدمها مرة ثالثة حتى وصل إلى سرغ ومعه أكابر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فلم يذهب أحد منهم إلى مغارة الخليل ولا غيرها من آثار الأنبياء التي بالشام لا ببيت المقدس ولا بدمشق ولا غير ذلك مثل الآثار الثلاثة التي بجبل قاسيون، في غربيه الربوة المضافة إلى عيسى ﵇ وفي شرقيه المقام المضاف إلى الخليل ﵇، وفي وسطه وأعلاه مغارة الدم المضافة إلى هابيل لما قتله قابيل فهذه البقاع وأمثالها لم يكن السابقون الأولون يقصدونها ولا يزورونها ولا يرجون منها بركة.

стр. 223

الفصل الثالث: في مزارات ما حول المدينة المنورة قال شيخ الإسلام أيضًا عليه الرحمة في التفسير المنوه به بعد ما تقدم: ولهذا لم يستحب علماء السلف من أهل المدينة وغيرها قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبي ﷺ إلا مسجد قباء؛ لأن النبي ﷺ لم يقصد مسجدًا بعينه يذهب إليه هو. وقد كان بالمدينة مساجد كثيرة لكل قبيلة من الأنصار مسجد لكن ليس في قصده دون أمثاله فضيلة بخلاف مسجد قباء فإنه أول مسجد بني في المدينة على الإطلاق وقد قصده الرسول بالذهاب إليه وصح عنه ﷺ أنه قال: "من توضأ في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة" ١ ومع هذا فلا يسافر إليه لكن إذا كان الإنسان بالمدينة أتاه ولا يقصد إنشاء السفر إليه بل يقصد إنشاء السفر إلى المساجد الثلاثة لحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... " إلخ٢ ويستحب زيارة قبور البقيع وشهداء أحد للدعاء لهم والاستغفار؛ لأن النبي ﷺ كان يقصد ذلك مع أن هذا مشروع لجميع موتى المسلمين كما يستحب السلام عليهم والدعاء لهم والاستغفار. وزيارة القبور بهذا القصد مستحبة وسواء في ذلك قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم. وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا

стр. 224

رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف. وأما زيارة قبور الأنبياء والصالحين لأجل طلب الحاجات منهم أو دعائهم والإقسام بهم على الله أو ظن أن الدعاء والصلاة عند قبورهم أفضل منه في المساجد والبيوت فهذا ضلال وشرك وبدعة باتفاق أئمة المسلمين، ولم يكن أحد من الصحابة يفعل ذلك. كانوا إذا سلموا على النبي ﷺ يقفون يدعون لأنفسهم ولهذا كره ذلك مالك وغيره من العلماء؛ لأنها من البدع التي لم يفعلها السلف واتفق العلماء الأربعة وغيرهم من السلف على أنه إذا أراد أن يدعو يستقبل القبلة ولا يستقبل قبر النبي ﷺ ، وأما إذا سلم عليه فأكثرهم قالوا: يستقبل القبر، قاله مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة أيضًا ويكون القبر عن يساره، وقيل: بل يستدبر القبلة. ا. هـ بحروفه

стр. 225

الفصل الرابع: في مزارات مكة المشرفة ثم قال ﵀ بعد ما تقدم: ومما يبين هذا الأصل أن رسول الله ﷺ لما هاجر هو وأبو بكر ذهبا إلى الغار الذي بجبل ثور، ولم يكن على طريقهما بالمدينة فإنه من ناحية اليمن، والمدينة من ناحية الشام، ولكن اختبأا فيه ثلاثة لينقطع خبرهما عن المشركين فلا يعرفون أين ذهبا فإن المشركين كانوا طالبين لهما وقد بذلوا في كل واحد منهما ديته لمن يأتي به وكانوا يقصدون منع النبي ﷺ أن يصل إلى أصحابه بالمدينة وأن لا يخرج من مكة، بل لما عجزوا عن قتله أرادوا حبسه بمكة فلو سلك الطريق ابتداء لأدركوه فأقام بالغار ثلاثًا لأجل ذلك فلو أراد المسافر من مكة إلى المدينة أن يذهب إلى الغار ثم يرجع لم يكن ذلك مستحبًّا بل مكروهًا والنبي ﷺ في الهجرة سلك طريق الساحل لأنها كانت أبعد من قصد المشركين. ثم قال: ولم يكن أحد من الصحابة يذهب إلى الغار للزيارة والصلاة فيه، وإن كان النبي ﷺ وصاحبه أقاما به ثلاثا يصلون فيه الصلوات الخمس ولا كانوا أيضًا يذهبون إلى حراء وهو المكان الذي كان يتعبد فيه قبل النبوة وفيه نزل عليه الوحي أولا، وكان هذا مكانًا يتعبدون فيه قبل الإسلام فإن حراء أعلى جبل كان هناك فلما جاء الإسلام ذهب النبي ﷺ إلى مكة مرات بعد أن أقام بها قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ومع هذا فلم يكن هو ولا أصحابه يذهبون إلى حراء. ولما حج النبي ﷺ أستلم الركنين اليمانيين

стр. 226

ولم يستلم الشاميين لأنهما لم يبنيا على قواعد إبراهيم فإن أكثر الحجر من البيت والحجر الأسود استلمه وقبله واليماني استلمه ولم يقبله وصلى بمقام إبراهيم ولم يستلمه ولم يقبله. فدل ذلك على أن التمسح بحيطان الكعبة غير الركنين اليمانيين وتقبيل شيء منها غير الحجر الأسود ليس بسنة ودل على أن استلام مقام إبراهيم وتقبيله ليس بسنة، وإذا كان هذا نفس الكعبة ونفس مقام إبراهيم فمعلوم أن جميع المساجد حرمتها دون الكعبة وأن مقام إبراهيم بالشام وغيرها وسائر مقامات الأنبياء دون المقام الذي قال الله فيه ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ فعلم أن سائر المقامات لا تقصد للصلاة فيها كما لا يحج إلى سائر المشاهد ولا يتمسح بها ولا يقبل شيء من مقامات الأنبياء ولا المساجد ولا الصخرة ولا غيرها ولا يقبل وجه الأرض إلا الحجر الأسود وأيضًا فالنبي ﷺ لم يصل بمسجد مكة إلا المسجد الحرام ولم يأت للعبادات إلا إلى المشاعر منى ومزدلفة وعرفة. فلهذا كان ائمة العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجد بمكة للصلاة غير المسجد الحرام، ولا تقصد بقعة للزيارة غير المشاعر التي قصدها الرسول ﷺ وإذا كان هذا في آثارهم فكيف بالمقابر التي لعن رسول الله ﷺ من اتخذها مساجد وأخبر أنهم شرار الخلق يوم القيامة. ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدًا فقط ولهذا مشاعر الحج غير المسجد الحرام تقصد للنسك لا للصلاة فلا صلاة بعرفة، وإنما صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر يوم عرفة بعرفة خطب بها ثم صلى ثم بعد الصلاة ذهب عرفات فوقف بها وكذلك يذكر الله ويدعى بعرفات وبمزدلفة على قزح وبالصفا والمروة وبين الجمرات وعند الرمي ولا تقصد هذه البقاع للصلاة. وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة ولا للذكر ولا للدعاء بل يصلي المسلم حيث أدركته الصلاة إلا حيث نهي ويذكر الله ويدعوه حيث تيسر من غير تخصيص بقعة بذلك وإذا اتخذ بقعة لذلك كالمشاهد نهي عن ذلك كما نهي عن الصلاة في المقبرة إلا ما يفعله الرجل عند السلام على الميت من الدعاء له وللمسلمين كما يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة فإن زيارة قبر المؤمن من

стр. 227

جنس الصلاة على جنازته يفعل في هذا من جنس ما يفعل في هذا ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا. ومما يشبه لهذا أن الأنصار بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة بالوادي الذي وراء جمرة العقبة؛ لأنه مكان منخفض قريب من منى يستر منى فيه فإن السبعين الأنصار كانوا قد حجوا مع قومهم المشركين، وما زال الناس يحجون إلى مكة قبل الإسلام وبعده فجاءوا مع قومهم إلى منى لأجل الحج ثم ذهبوا بالليل إلى ذلك المكان لقربه وستره لا لفضيلة فيه ولم يقصدوه لفضيلة تخصه بعينه، ولهذا لما حج النبي ﷺ هو وأصحابه لم يذهبوا إليه ولا زاروه، وقد بني هناك مسجد وهو محدث وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث ومنى نفسها لم يكن بها على عهد النبي ﷺ مسجد مبني، ولكن قال: "منى مناخ لمن سبق" ١ فتزل بها المسلمون. وكان يصلي بالمسلمين بمنى وغير منى وكذلك خلفاؤه من بعده واجتماع الحجاج بمنى أكثر من اجتماعهم بغيرها فإنهم يقيمون بها أربعًا، وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون بالناس بمنى وغير منى وكانوا يقصرون الصلاة بمنى وعرفة ومزدلفة ويجمعون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بمزدلفة ويصلي بصلاتهم جميع الحجاج من أهل مكة وغير أهل مكة كلهم يقصرون الصلاة بالمشاعر وكلهم يجمعون بعرفة ومزدلفة. ثم قال: ولم يصل النبي ﷺ ولا خلفاؤه بمكة صلاة عيد ولا صلى في أسفاره قط صلاة العيد، ولا كان أحد منهم يصلي بمكة يوم النحر صلاة عيد على عهد النبي ﷺ وخلفائه بل عيدهم بمنى بعد إفاضتهم من المشعر الحرام ورمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لسائر أهل الأمصار: ثم قال: وليس لأحد أن يشرع ما لم يشرعه الله كما لو قال قائل: أنا أستحب

стр. 228

الطواف بالصخرة سبعًا كما يطاف بالكعبة أو أستحب أن اتخذ من مقام موسى وعيسى مصلى كما أمر الله أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، ونحو ذلك لم يكن له ذلك؛ لأن الله تعالى يختص ما يختصه من الأعيان والأفعال بأحكام تخصه يمتنع معها قياس غيره عليه؛ إما لمعنى يختص به لا يوجد بغيره على قول أكثر أهل العلم، وإما لمحض تخصيص المشيئة على قول بعضهم كما خص الكعبة بأن يحج إليها ويطاف بها، وكما خص عرفات بالوقوف بها، وكما خص منى برمي الجمار بها، وكما خص الأشهر الحرم بتحريمها، وكما خص شهر رمضان بصيامه وقيامه إلى أمثال ذلك.

стр. 229

الفصل الخامس: في الموازنة بين مذهب عمر وبقية الخلفاء والصحابة ﵃ "وبين رأي عبد الله ﵁" "في الأمكنة التي نزلها النبي صلوات الله عليه في سفره" "وبيان حقيقة المتابعة" قال تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة في الكتاب المنوه به قبل١ وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان في سفر فرأى قومًا ينتابون مكانًا للصلاة فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلة فليصل وإلا فليمض" ٢. وبلغه أن قومًا يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي ﷺ أصحابه تحتها فأمر بقطعها. وأرسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال وعنده مصحف فيه أخبار ما سيكون وأنهم إذا جدبوا كشفوا عن القبر فمطروا، فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرًا ويدفنه بالليل في واحد منها لئلا يعرفه الناس لئلا يفتنوا به، وفي الصحيحين عنه أنه قال ﷺ في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، فاتخاذ القبور مساجد مما حرمه الله ورسوله وإن

стр. 230

لم يبن عليها مسجد كان بناء المساجد عليها أعظم وكذلك قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قبر في مسجد وقد طال مكثه سوِّي القبر حتى لا تظهر صورته فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النبي ﷺ أولًا مقبرة للمشركين وفيها نخل وخرب فأمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطع وبالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدًا. ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرمًا لم يكن شيء من ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر. ثم قال عليه الرحمة: والمقصود ههنا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح مسجدًا ولا جعلوه مشهدًا ومزارًا ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل مكان نزل فيه أو صلى فيه اتفاقًا بل كان أئمتهم كعمر بن الخطاب وغيره ينهى عن قصد الصلاة في مكان صلى فيه رسول الله ﷺ اتفاقًا لا قصدًا، وإنما نقل عن ابن عمر خاصة أنه كان يتحرى أن يسير حيث سار رسول الله ﷺ وينزل حيث نزل ويصلي حيث صلى وإن كان النبي ﷺ لم يقصد بتلك البقعة لذلك الفعل بل حصل اتفاقًا. وكان ابن عمر ﵄ رجلًا صالحًا شديد الاتباع فرأى هذا من الاتباع. وأما أبوه وسائر الصحابة من الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان وعلي وسائر العشرة وغيرهم مثل ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب فلم يكونوا يفعلون ما فعل ابن عمر. وقول الجمهور أصح وذلك أن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه فعل، فإذا قصد الصلاة والعبادة في مكان معين كان قصد الصلاة والعبادة هو في مكان متابعة له، وأما إذا لم يقصد تلك البقعة فإن قصدها يكون مخالفة لا متابعة له. مثال الأول لما قصد الوقوف والذكر والدعاء بعرفة ومزدلفة وبين الجمرتين كان قصد تلك البقاع متابعة له، وكذلك لما طاف وصلى خلف المقام ركعتين كان فعل ذلك متابعة له، وكذلك لما صعد على الصفا والمروة للذكر والدعاء كان قصد ذلك متابعة له.

стр. 231

وقد كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة قال: لأني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى الصلاة عندها١ فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل الصلاة كان ذلك القصد للصلاة متابعة. وكذلك لما أراد عتبان بن مالك أن يبني مسجدًا لما عمي رسل إلى رسول الله ﷺ قال له: إني أحب أن تأتيني تصلي في منزلي فاتخذه مصلى فجاءه ﷺ وصلى ركعتين في ناحية من البيت٢ فهذا المكان مكان قصد النبي ﷺ الصلاة فيه ليكون مسجدًا. فصار قصد الصلاة فيه متابعة له بخلاف ما اتفق أنه صلى فيه بغير قصد، وكذلك قصد يوم الاثنين والخميس بالصوم متابعة لأنه قصد صوم هذين اليومين، وكذلك قصد إتيان مسجد قباء متابعة له فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا وذلك لأن الله أنزل فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ مع تناوله كل مسجد أسس على التقوى بخلاف مساجد الضرار ولهذا كان السلف يكرهون الصلاة فيما يشبه ذلك ويرون العتيق أفضل من الجديد؛ لأن العتيق أبعد أن يكون بني ضرارًا من الجديد الذي يخاف ذلك فيه. وعتق المسجد مما يحمد به ولهذا قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فإن قدمه يقتضي كثرة العبادة فيه أيضًا وذلك يقتضي زيادة فضله. ثم قال عليه الرحمة: والمقصود هنا ذكر متابعة النبي ﷺ وهو أنه يعتبر فيه متابعته في قصده فإذا قصد مكانًا للعبادة فيه كان قصده لتلك العبادة سنة، ولهذا لم يكن جمهور الصحابة يقصدون مشابهته في ذلك وابن عمر ﵄ مع أنه كان يحب مشابهته في ظاهر الفعل لم يكن يقصد الصلاة إلا في الموضع الذي صلى فيه لا في كل موضع نزل به. ولهذا رخص أحمد بن حنبل في ذلك إذا كان شيئًا يسيرًا كما فعله ابن عمر ونهى عنه ﵁ إذا كثر؛ لأنه يفضي إلى المفسدة وهي اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهي التي تسمى مشاهد، وما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على

стр. 232

القبور والآثار فهي من البدع المحدثة في الإسلام من فعل من لم يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله به محمدًا ﷺ من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد وإخلاص الدين لله ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيمًا لمواضع الشرك، فالعارفون بسنة رسول الله ﷺ وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع، ولهذا يوجد ذلك في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم؛ لأنهم أجهل من غيرهم وأكثر شركًا وبدعًا ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من غيرهم حتى قد يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام ويسمونها الحج الأكبر وصنف ابن المفيد منهم كتابًا سماه مناسك حج المشاهد وذكر فيه من الأكاذيب ما لا يوجد في سائر الطوائف وإن كان في غيرهم أيضًا نوع من الشرك والكذب والبدع لكن هو فيهم أكثر، وكلما كان الرجل أتبع لمحمد ﷺ كان أعظم توحيدًا لله وإخلاصًا له في الدين وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك. ثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم وأكثرها كذب فإن الشرك مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرًا قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وقال النبي ﷺ : "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله"١ قالها ثلاثًا وذلك كالمشهد الذي بني بالقاهرة على رأس الحسين هو كذب باتفاق أهل العلم ورأس الحسين لم يحمل إلى هناك أصلًا وأصله في عسقلان، وقد قيل إنه رأس راهب ورأس الحسين لم يكن بعسقلان، وإنما أحدث هذا في أواخر دولة الملاحدة بني عبيد وكذلك مشهد علي ﵁، إنما حدث في دولة بني بويه. وقال محمد بن عبد الله وغيره: إنما هو قبر المغيرة بن شعبة ﵁ وعلي ﵁ إنما دفن في قصر الإمارة بالكوفة ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق ودفن عمرو بن العاص بقصر الإمارة بمصر خوفًا عليهم إذا دفنوا في المقابر البارزة أن ينبشهم الخوارج المارقون. انتهى كلام تقي الدين بحروفه.

стр. 233

الباب السابع: في بدع شتى ١- ما رتبه النساء من زيارة المقامات في المساجد: للنساء عوائد استحكم جريهن عليها وصار عملهن بها عقيدة لا تتبدل وقد سرت منهن لبعض الرجال أو من هؤلاء لهن، وقد عد الإمام ابن الحاج في المدخل جملة من عوائدهن الرديئة فلينظر في الجزء الأول. ونحن نذكر ما رأيناه منهن في دمشق في بعض المساجد؛ لأن موضوع كتابنا في منكراتها. فمن ذلك قصدهن "الجامع الأموي" غلس السبت إلى الضحى لزيارة المقام اليحيوي فترى ثمة من ازدحامهن وتطوفهن وتناجيهن ما لا يوصف ومن خرافاتهن أن الدأب على هذا العمل أربعين سبتا لما نوي له. ومن ذلك صرفهن يوم الجمعة لمزارات في الصالحية ويشاركهن في ذلك الرجال على طبقاتهم والجامع السليمي في الصالحية يغدو يوم الجمعة لذلك. موسمًا وعيدًا، ولا تفتر حركة الزيارة عنه من صبح ذلك اليوم إلى الليل وربما قضاها يوم السبت من فاتته قبل خوفا من أن يرمى بالتقصير في رواتبه، ويجتمع للزيارة ثمة الرجال والنساء، ولما عظم الخطب باختلاطهن على صغر المزار ولم يكن لأولئك الرجال بد من ولوجه المرتب اضطر أخيرًا إلى وضع ترابزين يحول بين الفريقين إلا أنه تبصر النساء وحركاتهن ووسوسة أسورتهن وكثير منهن يحسرن عن وجوههن أو بعضها، دع عنك عنك روائح طيبهن، وظهور

стр. 234

أطراف سواعدهن وفي مقابلتهن من الرجال عدد غير قليل ما بين تال وذاكر وداع ومبتهل ومن في قلبه مرض هذا فضلًا عن التمسح بالمزار وتقبيل عتبته وستائره. وقد ذكر صاحب المدخل في الجزء الأول أن نحو ما ذكرنا كان السبب في عبادة الأصنام فوا أسفاه على السكوت على هذه المنكرات المجمع عليها التي أنست القلوب بها حتى جر الأمر إلى اعتيادها ونسبة أكثر العوام إياها إلى المشروع بسبب حضور من يقتدى بهم. ولا يخفى أن تكثير سواد أهل البدع منهي عنه وترك المنهي عنه واجب وفعل الواجب متعين. وقال أيضًا: قد علم من أحوال النسوة في هذا الوقت أن المرأة لا تخرج من بيتها في الغالب حتى تلبس أحسن ثيابها وتتطيب وتتزين ثم تفرغ عليها من الحلي ما تجد السبيل إليه ولا يخلو أمرهن في الغالب من أن يكون بعض الرجال يستمعون وبعضهم ينظرون فتكثر الفتن وتفسد القلوب وتشوش، فمن كان من أهل الدين وطرأ عليه سماع شيء مما ذكر أو رؤيته التشويش من ذلك إذ إنه لو سلم باطنه من الفتنة المعهودة لوقع له من جهة ما يرى أو يسمع من مخالفة السنة، فإن كان التشويش الواقع في باطنه من جهة ما يجده البشر غالبًا فقد يؤول ذلك إلى أنه يتذكر شيئًا من ذلك في حال تعبده وهو أشد من الأول فيخاف أن يصيب من فتنة العقوبة إما عاجلًا وإما آجلًا لأجل فساد حاله مع ربه. وخروج المرأة لا يكون إلا لضرورة شرعية وخروجها لمثل هذه الزيارات ليس لضرورة شرعية بل للبدع والمناكير والمحرمات. ا. هـ. ٢- النذر للمساجد ولإسراج الضرائح والمآذن "ولقراءة مولد فيها": قال الخطيب الشافعي في شرح الغاية: لو نذر زيتًا أو شمعًا لإسراج مسجد

стр. 235

أو غيره أو وقف ما يشتريان به من غلة صح كل من النذر والوقف إن كان يدخل المسجد أو غيره من ينتفع به من نحو مصل أو نائم، وإلا لم يصح لأنه إضاعة مال. ا. هـ. وفي شرح الروض: وإن قصد به وهو الغالب من العامة تعظيم البقعة والقبر والتقرب إلى من دفن فيها أو نسب إليه فهذا نذر باطل غير منعقد فإنهم يعتقدون إن لهذه الأماكن خصوصيات لأنفسهم ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء أي وهو اعتقاد فاسد وإشراك به تعالى. وقال في شرح الإقناع: من نذر إسراج بئر أو مقبرة أو جبل أو شجرة أو نذر له أو لسكانه أو المضافين إلى ذلك المكان لم يجز ولا يجوز الوفاء به إجماعًا ويصرف في المصالح، وقال صاحب الإقناع: النذر للقبور أو لأهل القبور كالنذر لإبراهيم الخليل ﵇ والشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به وإن تصدق بما نذره من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصالحين كان خيرًا له عند الله وأنفع ثم قال: وأما من نذر للمساجد ما تنور به أو يصرف في مصالحها فهذا نذر بر فيوفي بنذره لأن تنويرها وتعميرها مطلوب. وقال العلائي في الدر في آخر باب الاعتكاف: واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليهم فهو بالإجماع باطل وحرام ما لم يقصدوا صرفها لفقراء الأنام، وقد ابتلي الناس بذلك ولا سيما في هذه الأعصار، وقد بسطه العلامة قاسم في سرح درر البحار وفي حواشي الدر لابن عابدين الدمشقي عليه الرحمة قوله: باطل وحرام لوجوه منها أنه نذر لمخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك. ومنها أنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك كفر إلخ. ثم قال: ولا بد أن يكون المنذور مما يصح به النذر كالصدقة بالدراهم ونحوها أما لو نذر زيتًا لإيقاد قنديل فوق ضريح الشيخ أو في المنارة كما يفعل النساء من نذر الزيت للسيد عبد القادر ويوقد في المنارة جهة المشرق فهو باطل وأقبح منه النذر

стр. 236

بقراءة المولد في المنائر ومع اشتماله على الغناء واللعب وإيهاب ثواب ذلك إلى حضرة النبي ﷺ . ا. هـ بحروفه ٣- الموسوسون في أمر الطهارة "والمسرفون من ماء المساجد": ما أكثر الموسوسين المذكورين والمسرفين المتجاوزين الحدود في شأن الطهارة المشروعة جهلًا بالسنة وغلوًّا في الدين وقد شنع الأئمة على هؤلاء الجاهلين والغالين. قال الإمام شمس الدين ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان" ومن كيده الذي بلغ به الجهال ما بلغ الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية حتى ألقاهم في الآصار والأغلال وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله ﷺ وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد والتعب الحاضر وبطلان الأجر أو تنقيصه. ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس، فأهله قط أطاعوا الشيطان ولبوا دعوته واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله ﷺ وطريقته حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ أو اغتسل كاغتساله لم يطهر ولم يرفع حدثه، ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول فقد كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد١ وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقي ويغتسل بالصاع١ وهو نحو رطل وثلث والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه، وصح عنه ﵇ أنه توضأ مرة مرة ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم٢، فالموسوس مسيء متعد ظالم بشهادة رسول الله ﷺ

стр. 237

فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به متعد فيه لحدوده. وصح عنه أنه كان يغتسل هو وعائشة١ ﵂ من قصعة بينهما فيها أثر العجين ولو رأى المسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار وقال ما يكفي هذا القدر لغسل اثنين كيف والعجين يحلله الماء فيغيره هذا والرشاش ينزل في الماء فينجسه عند بعضهم ويفسده عند آخرين فلا تصح به الطهارة، وكان ﷺ يفعل ذلك مع غير عائشة مثل ميمونة وأم سلمة وهذا كله في الصحيح، وثبت أيضًا في الصحيح عن ابن عمر ﵄ أنه كان الرجال والنساء على عهد رسول الله ﷺ يتوضئون من إناء واحد. والآنية التي كان ﵇ وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية ولا كانت لها مادة تمدها كأنبوب الحمام ونحوه ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجري الماء من حافتها كما يراعيه جهال الناس ممن بلي بالوسواس في جرن الحمام. فهدي رسول الله ﷺ -الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته- جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة. ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده ولم يكن أحدًا أن يشاركه في استعماله فهو مبتدع، مخالف للشريعة، قال شيخنا -ابن تيمية عليه الرحمة- ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع. ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء. ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان قال الإمام أحمد: من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء، وقال تلميذه المروزي: وضأت أبا عبد الله فسترته من الناس لئلا يقولوا إنه لا يحسن الوضوء لقلة صب الماء. وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى. وثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه توضأ من إناء فادخل يده فيه ثم تمضمض واستنشق وكذلك كان في غسله يدخل يده في الإناء ويتناول الماء منه والموسوس لا يجوز ذلك ولعله أن يحكم بنجاسة الماء

стр. 238

أو يسلبه طهوريته بذلك. وبالجملة فلا تطاوعه نفسه لاتباع رسول الله ﷺ وأن يأتي بمثل ما أتى به أبدًا. وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفرق -قريبًا من خمسة أرطال بالدمشقي- يغمسان أيديهما فيه ويفرغان عليهما فالموسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذكر الله وحده. ا. هـ. ٤- مشي المستبرئين في جوانب المسجد: يوجد في داخل بعض المساجد كالمدارس بيوت للطهارة فإذا فرغ الموسوسون من البول قاموا يدورون في جوانبها ويتمايلون في مشيتهم طلبا -على زعمهم- للاستبراء إلا أن ذلك الفعل الشنيع على مرأى من الناس والمارة لعمر الحق إنه منكر فظيع. وكم أفضى إلى كشف عورة وتنجيس حائط وتلويث غافل وإضاعة وقت وخلع أدب. وقد جود الكلام في ذلك الإمام شمس الدين ابن القيم عليه الرحمة في "إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان" وعبارته: -ومن كيد الشيطان- ما يفعله كثير من الموسوسون بعد البول وهو عشرة أشياء السلت والنتر والنحنحة والمشي والقفز والحبل والتفقد والوجور والحشو والعصابة والدرجة. أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه على أنه قد روي في حديث غريب لا يثبت ففي المسند وسنن ابن ماجة عن عيسى بن داود عن أبيه مرفوعًا "إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات"١ وقال جابر

стр. 239

بن زيد: إذا بلت فامسح أسفل ذكرك فإنه ينقطع. رواه سعيد عنه. قالوا: ولانه بالسلت، والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد الاستنجاء قالوا: وإن احتاج إلى مشي خطوات لذلك ففعل فقد أحسن. والنحنحة تستخرج الفضلة، وكذلك القفز يرتفع عن الأرض شيئًا ثم يجلس بسرعة. والحبل يتخذ بعضهم حبلا يتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم ينخرط فيه حتى يقعد. والتفقد يمسك الذكر ثم ينظر في المخرج هل بقي فيه شيء أم لا. والوجور يمسكه ثم يفتح الثقب ويصب فيه الماء، والحشو يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل بعد فتحها، والعصابة يعصب بخرقة، والدرجة يصعد في سلم قليلًا ثم ينزل بسرعة، والمشي يمشي خطوات ثم يعيد الاستجمار. قال شيخنا -يعني ابن تيمية عليه الرحمة الرضوان: وذلك كله وسواس وبدعة فراجعته في السلت والنتر فلم يره وقال: لم يصح الحديث. قال: والبول كاللبن في الضرع إن تركته قر وإن حلبته در. قال: ومن اعتاد ذلك ابتلي منه بما عوفي منه من لها عنه. قال: ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول الله ﷺ وأصحابه، وقد قال اليهود لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال: أجل فقد علمنا نبينا ﷺ ذلك أو شيئًا منه١ بل على المستحاضة أن تتلجم وعلى قياسها من به سلس البول أن يتحفظ ويشيد عليه خرقه. ٥- اغتسال الرعاع في برك بعض المساجد: اعتاد كثير من الرعاع والسفلة والصغار والشبان أيام الصيف أن يغتسلوا في

стр. 240

برك بعض المساجد أو المدارس، ويا ليتهم يتخذون السروال أو القميص أو بعض الخرق سترًا، ولكنهم يغتسلون عراة الأجسام وهم فوج بعد فوج وزمرة بعد زمرة ويطول بينهم الخصام على بعض الأمور وأحيانًا يتلاكمون ويتضاربون فيجب على قيم الجامع أو المدرسة منع هؤلاء من هذه العادة القبيحة ولا يخفى أن اغتسالهم بهذه الكيفية من الأمور المسترذلة حتى في الأنهر التي جرت عادتهم بالذهاب إليها أيضًا لهذه الغاية ومع ذلك ففي فعلهم هذا من الأخطار ما لا تحصى وقائعه فكم سمع أن فلانًا الصغير فقده أهله ثم وجدوه في النهر ميتًا مختنقًا حيث إنه لا يحسن السباحة أو لا يقوى على مصادمة الماء فيجب على أولياء هؤلاء أن يضربوا على أيديهم ويقوموا على تأديبهم لئلا يجنوا منهم سم سوء الأخلاق. ٦- خطيئة البزاق في المساجد: كثيرًا ما يتراءى للواقف على حافات البرك "البحرات" في المسجد بصاق أو مخاط في جوانبها من قبل جهلة المتوضئين مما تستقذره الأنفس، وهذه الخطيئة من السيئات التي لا تكفر إلا بإزالتها. روى الشيخان وغيرهما عن أنس رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وفي حديث أبي ذر عند مسلم قال: قال النبي ﷺ : "ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن" قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد بل به وبتركها غير مدفونة، وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزلة فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب على خطيئة الليلة. قال: فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها وعلة النهي ترشد إليه وهي تأذي المؤمن بها.

стр. 241

٧- وضع ستائر في نواحي المسجد وهي الأعلام والرايات: يوجد في بعض المساجد ستائر موضوعة على زوايا المسجد أو على جانب حائط أو على عمود، فإذا سأل سائل عنها فقد يقال له إن هذا الستار لمقام فلان يعنون أنه كان يحضر حيًّا هنا فينبغي تقديس محله، أو إنه رؤي في النوم جالسًا هنا فيجب صيانته عن ابتذاله بالوطء بالإقدام، أو أنه حكي أنه دفن فيه، أو للإعلام بانتماء هذا المكان لفلان إلى غير ذلك من الأوهام السيئة. ومعلوم أن نتيجة ذلك تغرير العامة والبسطاء بأن ثمة مكانًا شريفًا أو وليًّا منيفًا فيقصدونه بالنذور والتعظيم والحلف دون المولى العظيم وينتهي الأمر بعبادته دون الله تعالى نعوذ بالله من الضلال. وقد تذكرت بهذا البحث ستارًا موضوعًا في جامع حسان ظاهر باب الجباية قريبًا من زقاق المكتبي -الذي فيه دار أسلافنا- هذا الستار مكتوب عليه. "هذه راية سيدنا حسان ﵁" ونحو هذا وضعه شخص على زاوية الجامع القبلية الغربية علمًا طويلًا منقوشًا مزركشًا. والسبب في وضعه أن شخصًا حكى أنه رأى حسان ﵁ في تلك الزاوية فخطر لهذا العامي أن يسعى في عمل ستار لهذا الموضع احترامًا لهذه الرؤيا التي رؤيت عن شخص مجهول إما مغفل أو عامي أو مختلق لها فسترت تلك الزاوية وصار الداخل إليه يظن أن ثمة قبرًا أو مزارًا، والكثير من الجهلة يلمسها ويتمسح بها والحقيقة ما رأيت١. والأغرب زعم أن هذا المسجد ينسب لحسان بن ثابت ﵁ الصحابي الشهير ومنه تخيل هذا الرائي ما تخيل حتى انتقش في ذهنه ما رآه في نومه -إن صحت الرؤيا- والحال أن هذا الجامع نسب إلى إمام له يسمى حسانًا ترجمه صاحب شذرات الذهب وذكر أن هذا الجامع ينسب إليه وذكرت ذلك في تاريخي لدمشق الشام فليتنبه لمثل هذه النصب

стр. 242

"الرايات"، وليحذر مما تجلبه من التخيلات، أو الاعتقادات الفاسدات، وليجنب المسجد من مثلها من الزيادات المضرات. وأذكرني أيضًا ما حكى لي قيم المقام الداودي في بيت المقدس أن هذا المقام لم يكن له أثر في العصر المتقدم ولكن أحد أجداده رأى رؤيا تشير إلى أن ههنا قبر داود ﵇ فأصبح وطفق يهتم في تحجيره وساعده من كان يعتقد رأيه حتى خط مكان القبر الذي دلّ عليه في الرؤيا وبنى حوله مسجدًا صغيرًا وبقي كذلك إلى أن اشتهر وصارت لهذا المكان مرتبات سلطانية من بيت المال فهذا مجمل ما حكى لي "وليقس ما لم يقل". ٨- التمسح بالأعلام أو الحيطان في المسجد: لا يتمسح بشيء إلا الحجر الأسود -كما في كتب الفروع وما عداه فلا يستحب التمسح به إذ لم يستحبه أحد من الأئمة قط. والتمسح الذي حدث في القرون الأخيرة أصله من أهل الكتاب كما بينه الغزالي في الإحياء فهو من التشبه بهم المنهي عنه. ومن أغرب الغريب في هذا الباب ما أخبرت به -وما كنت أظن وقوعه ولا أن عاقلًا يفعله- وذلك اتخاذ موسم وعيد لكسوة أحد مشايخ الطرق في القرن الماضي وجبته. وذلك الموسم ميعاده ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، يجتمع في دار أحد حفدة ذلك الشيخ أو حفدة خلفائه جمع كبير يدعون له كثيرًا من أهل الرسوم والمتعالمين والمتفقهة فيحضرون في تلك الدار وبعد أن يدار الذكر المعروف على طريقة ذلك الشيخ -والكل متحلقون حول صاحب الحفلة المتوج بطبزة كبيرة- وينتهي وقته يقوم المحتفل بهم ويأتي بجبة ذلك الشيخ المنتمي إليه وطبزته ويعرضها على الجالسين مرتبًا. فكل منهم ينزع عمامته ويضعها أمامه ويلبس تلك الطبزة من فوقها الجبة ويقرأ ما يقرأ مخمرًا بها وجهه ويتمسح بها ويدلك بها وجهه ويلصقها ببدنه ثم

стр. 243

يعطيها لمن بجانبه وهكذا إلى أن يتم الجمع وينفض المجلس وهم معتقدون أنهم حازوا تمام البركات والخيرات وأن تلك اللبسة من أسعد الحالات. فانظر عافاك الله هذا الحال واعرضه على عصور السلف والخلفاء الراشدين عليهم الرضوان هل تجد في تاريخ ما، ولو في رواية موضوعة، أن أحدًا منهم جمع ناسًا على جبة تابعي أو صحابي أو أثر نبي أو شهيد؟ كلا ما السبب؟ لا يخفى أن السبب هو العلم أعني علم حقيقة الدين وذوق أصول اليقين والاعتماد على رب العالمين والقيام بمجاهدة النفس وإصلاح العلم والعمل حتى إذا لبس ثياب العلم من ليس منه، بل ولا يعرفه العلم ونسي العهد النبوي وتصدر كل دعي في الفضل أضحى يخترع لأتباعه البسطاء -والعامة أتباع كل ناعق- ما شاء وشاء الهوى حتى إذا ائتلفتها النفوس ومضت عليها السنون وشب عليها الصغير وشاب عليه الكبير ظن أنها من الأصول الصحيحة والطاعات الرجيحة ولا نبية يزجر ولا فقيه ينكر اللهم إلا بقية ربما كان الضعف يقعدهم وخوف سيطرت أهل الفخفخة يثبطهم لا تبلغ شكواهم ما وراء جدرانهم. هذا أصل الحال فانظر ما يتولد عن البدع وما يتفرغ عنها. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٩- لجأ اليتامى والرجال والبؤساء إلى أواوين المساجد: قل أن يدخل المرء مسجدًا شهيرًا في محلته إلا ويرى في إيوانه عند الصباح غلمانًا أو غلامًا رث اللباس مستنقع السحنة ويكون يتيمًا لا مأوى له يأوي إليه ولا سند يعتمد عليه. وقد يجد في فناء بعض المساجد من هؤلاء البؤساء اليتامى زمرة ينامون ليلًا في العراء على سطح الأرض وقد اتخذوا الحجارة مسندًا لرءوسهم والتحفوا السماء فمنهم من يضطجع على جنبه ويجمع رأسه إلى رجليه كما تفعل الكلاب أمام النار، ومنهم من ينضم إلى رفيقه تخفيفًا لألم البرد كما

стр. 244

تفعل الغنم، ومنهم من يعتنق كلبًا يستدفئ به، وكلهم لا مأوى لهم ولا لهم من يعولهم يقاسون من الشدة والبرحاء ما ينبئك هذا الوصف عن الشرح. وحبذا لو أعار أهل اليسار نظرة الشفقة والمرحمة لهم فواسوهم بما آتاهم الله من فضله وتبصروا في إنقاذ هؤلاء من هذا العذاب "وما هؤلاء المساكين إلا بعض من كل" ولا ينسى المؤمن ما حث القرآن على إكرام اليتيم وحض على الإحسان إلى المسكين في آيات عدة، وكيف هدد المستأثرين بالمال أشد التهديد بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ وكيف آذان في سورة ﴿أَرَأَيْت﴾ بأن الذي يدع اليتيم أي يدفعه ويزجره هتكًا لحرمة حقه ولا يحض على طعام المسكين هو المكذب بالدين بصيغة الحصر "نعوذ بالله من غضبه" إيذانا والله تقشعر منه الذين يخشون ربهم لو تدبروا هذا الوعيد الشديد فإنا لله. أذكر في رمضان سنة "١٣٢٣" أن فقيرًا من أبناء السبيل مرض عند صاحب له من الفقراء فلما اشتد مرضه حاول إيواءه في المستشفى فدفع عنه أو لم يظفر بوساطة مطاع فأرجعه إلى جامع السنانية ووضع على التخت تحت سقف إيوانه الغربي والبرد قارس والهواء لاسع فقيض الله من الفقراء من صار يخدمه ويسعى في إطعامه وهو على التخت ملقى ووقف على علاجه طبيب مغربي غريب عن البلدة دخل اتفاقًا إلى الجامع فرآه فصار يتردد لعلاجه ومعه أدوية، ولم أر أحدًا من أغنياء المصلين على كثرتهم -لا سيما في العشر الأخير من رمضان- أعاره نظر الرحمة أو رأى أنه مطالب من الله بإيواء مثله وتفقده "فوا أسفاه وإنا لله" وأتذكر أنا طبخنا له في سدة الجامع وكنا معتكفين في الجامع طعامًا فشم بعض الأغنياء المطموس على بصيرتهم رائحته فأنكر أن تكون في المسجد فقال له شعال المسجد "من أنكر فليتفضل بإيواء هذا المريض وليكف الإمام مئونته" فبهت وكأنه القمه حجرًا ثم ما لبث ذاك المريض أن مات والله يشهد ما دخلنا من التحرق على هذا الحال. أفلا يجب على الأغنياء أن يتفكروا في إشادة ملاجئ عديدة لمثل هؤلاء

стр. 245

والاكتتاب فيها، أو تبرعهم بتمريض من يرونه كذلك في دورهم وأجرهم على الله تعالى. ولئن كان بني حديثًا في دمشق مستشفى وقبله دار صناعة للأيتام وكان لهما من الأيادي البيضاء على الفيحاء ما لا ينكر ولكن بلدة كهذه من أين يتسع مكانان فيها لسائر المرضى والأيتام أفلا يكون أهل اليسار والأكابر هم المكلفون بذلك، بلى والله ثم والله. فقههم المولى في الدين، وعلمهم التأويل، ليدركوا الواجبات التي من وراء تركها عذاب الجحيم. ومن راجع كرم السالفين من أغنيائنا يقف مدهوشا من بذلهم كرائم الأموال للآثار النافعة كالمدارس والمستشفيات ولمواساة العجزة والأرامل واليتامى والمستضعفين ووقفهم عليها الأوقاف الدارة بالريع الكثير وغالبها الآن قد اندثر بسب نسيان فعل الخير والإهمال الذي استولى علينا وفقد الإحساس والشعور بالمنفعة العامة التي عليها مدار بقاء هذا النوع الإنساني من جهة وحياته وسعادته من جهة أخرى، بل شمل إحسانهم للحيوانات فإن السبلان التي في الطرقات أكثرها للرحمة بالدواب. تأمل الآن ترى بعض السبلان يتبرع جيرانها بعمل شباك من حديد لمنع الحيوانات من ورودها، قاتلهم الله أنى يؤفكون. فوا أسفاه على انقلاب الحال وأكل الأوقاف وبيع ما بقي. من أين فشا هذا في المسلمين ولم يكن معروفًا في سلفهم ولا نراه في مخاليفهم من الملل. نسينا ما كان لنا وتركناه، فأخذه غيرنا وآواه. ولقد تذكرت فادحة ما سمع بمثلها في عصر من العصور: مدرسة في بيت المقدس موقوفة على الشافعية وقفها السلطان صلاح الدين اضمحل أمرها وخربت سقوفها وتركت مأوى لليوم فتفطن لها بعض مياسير النصارى -وناهيك ما يبذلون لإعلاء كلمتهم وترسيخ شأنهم- فبذلوا من الدنانير ما أرضى الوسائط والسعاة فمنحتها الحكومة لهم وصارت كنيسة والتاريخ الصلاحي على باب حرمها لم يزل. وقد ذهب بي إليها أيام رحلتي للقدس عام ١٣٢١ أحد الأصحاب وقال لي راهبها إن هذه أصلها كنيسة كما في تاريخ الأنس الجليل، يعني: فرجع الشيء إلى أصله. فسكت مدهوشًا من هذا الحال، وشؤم

стр. 246

هذا التقهقر والاضمحلال. مع أن السلطان صلاح الدين عليه الرحمة ما بنى تلك المدارس والزوايا حول المسجد الأقصى إلا ليقصي أولئك الأعداء عن جواره ولا يمكن لهم القرب من أطرافه، فاشترى ﵀ من البيوت من جوانب المسجد الأقصى وجعلها مدارس لهذه الغاية علمًا بأن المدارس مهما تأخر الحال فإنها لا تباع، ولكن لم يخطر له أن يأتي دور وأي دور، وزمان وأي زمان تباع فيه المدارس بيع الكساد لأعداء الدين فإنا لله وإنا إليه راجعون. ١٠- ضرر إقامة الراقي في حجر المساجد: يوجد في بعض المساجد حجر يقطنها من يدعي معرفة الغيب ومستقبل الأحوال، فيقبل عليهم أصحاب الحاجات المفقودة والذين يريدون معرفة ما يكون لهم وعليهم في مستقبل الأيام، وينقدونهم الدراهم في مقابلة حصولهم على ما يبتغون منهم، ومنهم من يقصدهم لأمراض وهمية أو وسواسية فيظهر لهم أنه يرقي للأمراض والأرياح المتسببة من مس الشياطين ويوهم أن لا دواء له إلا تبييت الأثر أو الخط على الرمل أو الطرق بالحصا أو الحساب أو النظر في المياه، ويسمونه المندل، أو كتابة أسماء على سفل القدم أو بدم الحيض أو على بطن المرأة أو بمائها إلى غير ذلك من المنكرات المعروفة المشتهرة حكايتها أكثر من نوادر جحا، فنعوذ بالله من هذا الحال ووا أسفاه على فشو هذه المنكرات ووا مصيبتاه على الاعتقاد بها وظهورها بين المسلمين. ألم يعلموا ما ورد من الأحاديث من كفر اعتقد بمنجم وعدم قبول صلاته؟ ألم يعلموا أن البشر محجوبون عن الغيب إلا من أطلعه الله على شيء من عنده من نبي وملك، فالواجب طرد هؤلاء من المساجد بل ومن غيرها والضرب على أيديهم وتعليم الرجال والنساء أن هؤلاء ضالون مضلون آكلون أموال الناس بالباطل

стр. 247

دجالون في أخبارهم وما يقترحون ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُون﴾ وقد أوردت جملة من أحوالهم في "تكملة كتاب الصناعات" للإمام الوالد عليه الرحمة والرضوان في باب الراء في الراقي فارجع إليه. ١١- إخراج السيارات من المساجد: كان بدمشق كغيرها من البلاد عادة شهيرة وهي أن مشايخ الطرق يخرجون بمريديهم وخلفائهم في أيام الربيع بموكب حافل يمتطون ظهور الخيل وينشرون الأعلام والرايات ويدقون الطبول فيجتمعون في مسجد خارج البلد أو في أطرافها أولا ثم يترتبون ويسيرون وقد حوى موكبهم هذا من البدع ما حكى بعضه أحد الفضلاء بقوله: "لا تزال هذه الطوائف تبتدع أمورًا تضحك السفهاء وتبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية بما جلب العار على الأمة وسلط علينا الأجنبي يهزأ بديننا ويقبح أعمالنا ظنا منه أن ما يجريه هؤلاء الجهلة من الدين. فهلا رجع هؤلاء الجهلة عن بدعهم والتزموا طرق أشياخهم الذين يدّعون أنهم على آثارهم وما هم إلا في أيدي الشياطين يلعبون بهم كيف يشاءون. أين تصفية الباطن التي هي مدار الطريق وأين الخمول مع هذا الظهور وأين التواضع مع ركوب الخيل والبغال يقدمها الطبل والمزمار وأين البعد عن الناس مع هذه المزاحمة الدنيوية وأين البعد عن الرياء مع الوقوف بين مئات الألوف يتمايل ويتلوى وأين الإرشاد مع هذه البدع وأين الأشياخ إذا أردنا السلوك؟ فلعمري لا نرى إلا رجالًا اتخذوا الطريق وسيلة معاشية. أما آن لهذه البدع أن تموت ولهؤلاء الجهلة أن يتنبهوا ويعلموا أنهم بين أمم ينظرون أعمالهم وينتقدون أحوالهم ويكتبون عنهم ما يكتب عن الهمج وسكان البوادي. إن الطريق المسلوك للقوم مبني على الإخلاص في العمل وحب الخلوة والبعد عن الناس والصمت عن اللغو وملازمة الذكر ومداومة السهر فيه وفي التهجد والزهد فيما في أيدي

стр. 248

الناس والتمسك بالسنة والإرشاد إلى الطريق المستقيم، وأين هذه الأصول الشريفة مما نراه الآن من الخروج عن الحدود واستبدال السنة بالبدعة وترك الشرع بهوى النفس. والطامة الكبرى دعوة بعض الأشياخ وانتحاله ما يضر بالعقيدة وإضلاله العامة بما ينقله إليهم عن الإنسان الكامل ونحوه من كتب الصوفية مدعيًا فهمه لإشارته من طريق الفتح أو الإلهام فقد كثرت النحل والبدع وسمعنا من أقوالهم ما ليس من ديننا ولا يقول به أهل دين آخر. وقد اتفق أن أحد معتبري الأجانب دخل إحدى الأماكن وقد اجتمع بها جماعة من أهل الأهواء فرآهم يرقصون ويصيحون صياح جنون فقال لترجمانه: ما هذه الغوغاء ونحن نعلم أن صلاة المسلمين في غاية الخشوع والآداب وهذه أمور ليست إلا هذيانًا. فقال له ترجمانه: "إن هذه أكبر صلاة عندهم" يريد تنفير من الدين الإسلامي ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالدين بريء من نسبة هذه البدع إليه، فإن سيرة النبي ﷺ معلومة محفوظة إذ لم يترك الحفاظ وكتاب السير شيئا من أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته إلا دونوه، وجاء الخلفاء الراشدون ومن عاصرهم على أثره ﷺ وكذلك جاء الصوفية المتقدمون على هذا الأثر فلما تشيخ الجهلاء في الطريق التزموا البدع وجاء من لهم إلمام بكتب القوم فانتحلوا أقوالا لا يعرفون معناها وعلموها لجهلة لا يفقهون فضلوا وأضلوا، إنا لله وإنا إليه راجعون. ومن المصائب الفظيعة تركهم الذكر الشرعي وقولهم: "الام إلا الله" "لوالوها إلا الله" و"أل" بلام مغلظة و"هه" ثم الرقص وأكل النار وضرب الدف أو الناي والنقارات والنقرزان ووضع الدبوس في الذراع والسيخ الحديد في الحنك والشيش وغيرها من المفتريات القبيحة فحق شيخ المشايخ منع هؤلاء الجهلاء من إعطاء العهود حتى يعرفوا العقيدة والآداب الشرعية والفروع الفقهية ففي ذلك خدمة الأمة والدين وتأييد لكلمة الحق المتين

стр. 249

١٢- وعظ النساء في مسجد خاص: كان يوجد في السنين الخالية من يعظ النساء في مسجد خاص ينتدب لذلك من كان تقيًّا غيورًا على تهذيبهن وتلقينهن واجبات الدين وأحكامه. أذكر منهم الشيخ عثمان الحوراني١ من رجال القرن العاشر كما قرأته في ترجمته فكان يعقد لهن مجلسًا في الأسبوع يحضرن فيه يبث فيه من المواعظ ما يلزمهن "﵀ ورضي عنه" وما أحوج النساء الآن إلى واعظ سيما وقد انتشرت فيهن البدع والمنكرات واعتقاد الخرافات والأضاليل ومخالفة الأزواج وما لا يحصى من المحذورات. يقول قائل: لو انتدب أحد لذلك لاتخذ هزوا من الجاهلين فيقال: قد اتخذ هزوا من هو أعظم قدرًا منه وكذلك كل قائم بالحق ناطق بالصدق، ولكن الصالحين لا يهمهم سخرية الغافلين أسوة بالدعاة إلى قويم الدين ومن الأسف أن ليس للنساء في البلاد من يعظهن ولا من يتفكر في عظتهن مع ما يعلم كل أحد من شدة الحاجة إلى تعليمهن والعناية بأمرهن أفليس يجب على الأمراء والوجهاء والمياسير أن يندبوا لذلك من يرونه كفئًا في الفضل والكمال ويشوقوه لذلك ويعينوا له مسجدًا يرشدهن فيه في يوم معلوم ويحرسوا المسجد بمن يقوم على بابه ليحفظه من دخول رجل إليه لعمر الحق أن هذا الاقتراح من أوجب الواجبات وآكد المرغوبات وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ كان يعظ النساء يوم العيد في المصلى ويتخلل صفوف الرجال إليهن ويأمرهن أن يحضرن ولو كانت حائضًا، وقال: "ليشهدن الخير ودعوة المصلين" وقد أدى تشديد الفقهاء في منع النساء من المساجد والمجامع والدرس إلى أن أصبحن في جهالة وأي جهالة وكله من شؤم مخالفة الأمر النبوي وما كان هديه معهن، وانظر ما رواه الإمام

стр. 250

مسلم في صحيحه عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم". فقال بلال: والله لنمنعهن. فقال له عبد الله: أقول قال رسول الله ﷺ وتقول أنت لنمنعهن. وفي رواية سالم عن أبيه قال: فاقبل عليه عبد الله فسبه سبًّا ما سمعت سبه مثله قط وقال أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن. وعن مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد" فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا قال فما كلمة عبد الله حتى مات١. رواه الإمام أحمد نقله في مشكاة المصابيح وأما قول عائشة لو علم رسول الله ما أحدثن بعده لمنعهن. فتعني بهن المعطرات كما في حديث: "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء" ٢. ولذا ترشد المرأة إلى ترك التعطر والتبرج وإلا فسد الباب لهن أبدًا فيه فتح لجهالة لا غاية لها وهن مأمورات بالعلم والتعلم لأنه فرض على كل مسلم ومسلمة وأنى يتأتى لهن العلم ودونهن سبعون حجابًا عنه وما الأغرب إلا أن لا يكون لهن حجاب إلا عن العلم والتعلم وهن مأذونات من أزواجهن فيما عداه للبيع والتزاور، بل وللسفر ولو وحدهن، فرحماك اللهم، وأضحكني مرة أن بعض الفقهاء المتعصبين لما بلغه أن بعض النساء يقتدين به في رمضان في العشاء والتراويح أرسل يقول لهن لينفرهن: إني لا أنوي الإمامة بكن. يعني أنه على مذهب الحنفية إذا لم ينو الإمامة بمن يأتم به لا تصح صلاة المؤتم. فانظر يا رعاك الله ماذا يجني التعصب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →