الباب الخامس
الفصل الأول: فيما يفعلونه للميت في المسجد من البدع والمحدثات وهو أمور
نعي الميت في المآذن والنداء للصلاة عليه
...
الباب الخامس:
وفيه فصلان:
الفصل الأول: فيما يفعلونه للميت في المسجد من البدع والمحدثات وهو أمور
١- نعي الميت في المآذن والنداء للصلاة عليه:
قال الشمس ابن القيم كان من هديه ﷺ ترك نعي الميت بل كان ينهى عنه ويقول: هو من عمل الجاهلية١. وقد كره حذيفة أن يُعلم به أهله الناس إذا مات وقال: أخاف أن يكون من النعي. وقال القاضي أبو الوليد بن رشد ﵀ في "البيان والتحصيل": أما النداء بالجنائز في داخل المسجد فلا ينبغي ولا يجوز باتفاق لكراهة رفع الصوت في المسجد فقد كره ذلك حتى في العلم وأما النداء بها على أبواب المسجد فكرهه مالك ورآه من النعي المنهي عنه وروى أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية"٢
والنعي عندهم أن ينادى في الناس: "ألا إن فلانًا قد مات فاشهدوا جنازته". وأما الإيذان بها والإعلام من غير نداء فذلك جائز بإجماع وقد قال رسول الله ﷺ في المرأة التي توفيت ليلًا -وكانت تقم المسجد: "أفلا آذنتموني بها "٣. ا. هـ.
وفي النهاية: نعى الميت ينعاه نعيًا ونعيًّا إذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبه.
стр. 177
٢- رفع الأصوات أمام الميت بالأناشيد "حين دخول المسجد وقبله وبعده ":
قال الإمام ابن الحاج: ما يفعله القراء والفقراء والمريدون حين إتيانهم بالميت إلى الصلاة عليه في المسجد بدعة ينبغي أن تمنع وهي بدعة في غير المسجد فكيف بها فيه؛ ولأن ذلك يشوش على المتنفل والتالي والذاكر والمتفكر. والمسجد إنما بني لهؤلاء لا لغيرهم وقد استفتي الإمام النووي ﵀ فقيل له: هذه القراءة التي يقرؤها بعض الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا؟. فأجاب بما هذا لفظه: هذا منكر ظاهر مذموم فاحش وهو حرام بإجماع العلماء، وقد نقل الإجماع فيه الماوردي وغير واحد وعلى ولي الأمر -وفقه الله- زجرهم عنه وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب إنكاره على كل مكلف تمكن من انكاره. ا. هـ. وقرأت ذلك أيضًا في فتاويه وهي عندي.
وأما الأذان عند دفنه فقال ابن حجر في فتاويه: هو بدعة إذا لم يصح فيه شيء ومثله لا يثبت إلا بتوقيف، ومن زعم أنه سنة عند نزول الأمر قياسًا على ندبه في المولود إلحاقًا لخاتمة الأمر بابتدائه فلم يصب، وأي جامع بين الأمرين، ومجرد أن ذاك في الابتداء وهذا في الانتهاء لا يقتضي لحوقه به. فضعف القياس ظاهر، جلي دفعه بأدنى توجه. ا. هـ.
стр. 178
٣- رثاء الميت في المسجد وقراءة نسبه وحسبه:
جاء في "الفصول" من كتب الحنالة: يحرم النحيب وتعداد المحاسن والمزايا وإظهار الجزع لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم وهو عدل من الله تعالى. وقال الشيخ تقي الدين: وما هيج المصيبة من وعظ أو إنشاد شعر فمن النياحة. نقله في شرح "الإقناع".
وقال ابن الحاج: ينهى المؤذنون عما أحدثوه من النداء بالألفاظ التي فيها التزكية والتعظيم لأن النبي ﷺ قال: "لا تزكوا على الله أحدا" ١ والميت مضطر إلى الدعاء، والتزكية ضد ما هو مضطر إليه من الدعاء؛ إذ إنها قد تكون سببًا لعذابه أو توبيخه فيقال له: أهكذا كنت؟
وفي فتاوى ابن حجر: أن المراثي التي تبعث على النوح وتجديد الحزن -كما يصنعه الشعراء في عظماء الدنيا، وينشد في المحافل عقب الموت- فهي نياحة محرمة بلا شك. نقله الأذرعي.
وقال ابن عبد السلام: بعض المراثي حرام كالنوح لما فيه من التبرم بالقضاء إلا إذا ذكر مناقب عالم ورع أو صالح للحث على سلوك طريقته وحسن الظن به. ا. هـ.
стр. 179
٤- تأخير الميت في المسجد:
وردت السنة بتعجيل الصلاة على الميت ودفنه وإن ذلك من إكرامه. قال ابن الحاج: فإذا أريد الصلاة عليه فلا تؤخر لانقضاء جماعة فريضة ولا جمعة أيضًا. وقد كان بعض العلماء ممن كان يحافظ على السنة إذا جاءوا بالميت إلى المسجد صلى الله عليه قبل الخطبة ويأمر أهله أن يخرجوا إلى دفنه ويعلمهم أن الجمعة ساقطة عنهم إن لم يدركوها بعد دفنه. قال ابن الحاج: فجزاه الله خيرًا على نفسه على محافظته على السنة والتنبيه على البدعة فلو كان العلماء ماشين على ما مشى عليه هذا السيد لانسدت هذه الثلمة التي وقعت وهي أن من أحدث شيئا سكت له عليه فتزايد الأمر بذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 180
٥- الجلوس للتعزية في المسجد:
في "الإقناع" وشرحه من فقه الحنابلة: وكره الجلوس للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه أو يجلس المعزي عند المصاب للتعزية لما في ذلك من استدامة الحزن. قال أحمد في رواية أبي داود: وما يعجبني أن يقعد أولياء الميت في المسجد يعزون أخشى أن يكون تعظيمًا للموت.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: وكان هديه ﷺ تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ولا يقرأ له القرآن ولا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة مكروهة، وكان من هديه السكون والرضاء بقضاء الله والحمد لله والاسترجاع.
وجزم شارح "المنية" وصاحب "البحر" و"الفتح" من أئمة الحنفية بكراهتها في
стр. 181
المسجد أيضا وقال النووي في الروضة: التعزية سنة ويكره الجلوس لها. ومعنى التعزية والأمر بالأصبر، والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة والمصاب بجبر المصيبة. ثم قال النووي: قال صاحب الشامل: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمعهم للناس عليهم فهو بدعة غير مستحب لأنه عكس السنة من تهيئة أقارب الميت وجيرانه لأهله طعامًا يشبعهم لشغلهم بما نزل بهم. ا. هـ. وقال ابن الحاج: ولا بأس بفعله للصدقة عن الميت للمحتاجين والمضطرين لا للجمع عليه ما لم يتخذ ذلك شعارًا يستن به لأن أفعال القرب أفضلها ما كان سرًّا. ا. هـ.
стр. 182
٦- دفن الميت في المسجد أو بناء مسجد عليه:
في فتاوى الإمام النووي ﵀: سئل عن مقبرة مسبلة للمسلمين بنى فيها إنسان وجعل فيها محرابًا هل يجوز له ذلك وهل يجب هدمه. فأجاب بأنه لا يجوز له ذلك ويجب هدمه. ا. هـ.
وقال ابن حجر في الزواجر: الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها ثم ساق الأحاديث في ذلك فانظره١. وقال ابن القيم في "زاد المعاد": إن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة كما لم يصح وقف هذا المسجد٢، وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره فلا يجتمع
стр. 183
في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معًا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا. فهذا دين الإسلام الذي بعث به رسوله ونبيه. وغربته بين الناس كما ترى. ا. هـ.
والمشار إليه في قوله كما لم يصح وقف هذا المسجد هو مسجد الضرار في قوله قبل ذلك في فوائد غزوة تبوك "ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها، وهدمها كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، أما بهدم أو تحريق وأما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بذلك وأوجب. ا. هـ. ملخصًا.
стр. 184
٧- نعي الإمام الشهيد الحسين ﵇ على المنبر "في جمعة عاشوراء ":
ماذا يعد العاقل من منكرات بعض الخطباء. لعمر الحق أن اللسان ليعجز عن إحصاء تلك الكوارث. ومن فظائعها نعي الحسين ﵇ في جمعة المحرم على رءوس الملأ وذكرى شهادته سنة "٦١" في كربلا سرد ما نزل بالمسلمين من مصابه الجلل بما يستدر دمع المجمعين ويثير في أفئدتهم لواعج الأحزان وكوامن العلل ولا يعود بأدنى فائدة عليهم. ومثله مما نهي عنه كما قدمنا، وقد سرى لهم هذا الداء من الرافضة. قال صاحب "المجالس" أن الرافضة تغالوا في حزنهم لهذه المصيبة واتخذوا يوم عاشوراء مأتمًا لقتل الحسين ﵁ فيقيمون فيه العزاء ويجلبون النوح والبكاء ويظهرون الحزن
стр. 185
والكآبة ويفعلون ما ليس فيه إصابة أما سمعوا قول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" ١. ثم قال: وكان الغلاة من الناصبة يكيدون الرافضة يوم عاشوراء بإظهار الفرح والسرور والكحل ولبس الثياب الفاخرة وطبخ الأطعمة المنوعة وأوردوا فيه حديثا كذبا على رسول الله ﷺ في إحياء ليلته وفيه من صلى ومن اغتسل ومن اكتحل ومن مر يده على رأس يتيم. وهو حديث كذب قبح الله من وضعه وافتراه فلقد تبوأ بيتًا من جهنم يصير مأواه. ا. هـ.
وقد أسهب في تقبيح تينك البدعتين الإمام تقي الدين ابن تيمية في منهاج السنة وعبارته٢ وصار الشيطان بسبب قتل الحسين ﵁ يحدث للناس بدعتين بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي وما يفضي إليه ذلك من سب السلف ولعنهم حتى يسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة فإن هذا ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله وكذلك بدعة السرور والفرح وكانت الكوفة بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسين وكان رأسهم المختار بن عبيد الكذاب وقوم من الناصبة المبغضين لعلي ﵁ وأولاده ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" فكان ذلك الشيعي هو الكذاب وهذا الناصبي هو المبير فأحدث أولئك الحزن وأحدث هؤلاء السرور. ورووا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله
стр. 186
عليه سائر سننه قال حرب الكرماني سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: لا أصل له١ ورووا أنه من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام فصار قوم يستحبون يوم عاشوراء الاكتحال والاغتسال والتوسعة على العيال واتخاذ أطعمة غير معتادة وهذه بدعة أصلها من المتعصبين على الحسين ﵁ تلك بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل له وكل بدعة ضلالة ولم يستحب أحد من الأئمة الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا، ولا في شيء من استحباب ذلك حجة شرعية بل المستحب يوم عاشوراء الصيام عند جمهور العلماء.
ثم قال ﵀ بعد: ولا ريب أن قتل الحسين من أعظم الذنوب لكن قتله ليس بأعظم من قتل من هو أفضل منه من النبيين والسابقين الأولين ومن قتل في حرب مسيلمة وكشهداء أحد والذين قتلوا ببئر معونة وكقتل عثمان وقتل علي. وذكر ﵀ قبل: أن الواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع كما يحبه الله ورسوله. قال: ورفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ نائحة فأمر بضربها فقيل: يا أمير المؤمنين إنه قد بدا شعرها فقال: إنه لا حرمة لها إنها تنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتفتن الحي وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي بشجو غيرها، إنها لا تبكي على ميتكم إنما تبكي على أخذ دراهمكم.
стр. 187
الفصل الثاني: في أمور ينبغي التنبه لها
ما ينويه الماكث في المسجد من النيات الحسنة "ليبلغ بها درجات المقربين "
...
الفصل الثاني: في أمور ينبغي التنبه لها
١- ما ينويه الماكث في المسجد من النيات الحسنة "ليبلع بها درجات المقربين":
قال الإمام الغزالي في بيان فضيلة الأعمال المتعلقة بالنية: اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقسامًا كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر، وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه ولا استقصاؤه، فهي ثلاثة أقسام: طاعات ومعاص ومباحات. ثم قال: القسم الثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها. أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير فإن نوى الرياء صارت معصية وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب؛ إذ كل واحدة منها حسنة. ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر ومثاله القعود في المسجد فإنه طاعة ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين ويبلغ به درجات المقربين.
стр. 188
أولها أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر لله فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعد به رسول الله ﷺ حيث قال: "من قعد في المسحد فقد زار الله تعالى: وحق على المزور إكرام زائره" ١.
وثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في جملة انتظاره في الصلاة وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾ .
وثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات، فإن الاعتكاف كف وهو في معنى الصوف وهو نوع ترهب وفي حديث: "رهبانية أمتي القعود في المساجد"٢.
ورابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد.
وخامسها التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به.
وسادسها أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر إذ المسجد لا يخلو عمن يسيء في صلاته أو يتعاطى ما لا يحل له فيأمره بالمعروف ويرشده إلى الدين فيكون شريكًا معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته.
وسابعها أن يستفيد أخًا في الله فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله.
وثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة. وقد قال الحسن بن علي ﵄. "من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال: أخًا مستفادًا في الله أو رحمة مستنزلة أو علمًا مستظرفًا أو كلمة تدل على هدى أو تصرفه عن ردى أو يترك الذنوب خشية أو حياء فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات والمباحات؛ إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخبر وتشمره له وتفكره في فبهذا تزكوا الأعمال وتتضاعف الحسنات. ا. هـ.
стр. 189
٢- الانقطاع في المسجد لحفظ النفس:
قال الإمام ابن القيم في "إغاثة اللهفان": ومن كيده وخداعه -يعني الشيطان- أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجد أو رباط أو زاوية أو تربة ويحبسه هناك وينهاه عن الخروج ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس وسقطت من أعينهم وذهبت هيبتك من قلوبهم وربما ترى في طريقك منكرًا وللعدو في ذلك مقاصد خفية يريدها منه، منها الكبر واحتقار الناس وحفظ الناموس وقيام الرياسة ومخالطة الناس تذهب ذلك وهو يريد أن يزار ولا يزور ويقصده الناس ولا يقصدهم ويفرح بمجيء الأمراء إليه واجتماع الناس عنده وتقبيل يده فيترك من الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى الله ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه، وقد كان رسول الله ﷺ يخرج إلى السوق قال بعض الحفاظ: ويشتري حاجته ويحملها بنفسه ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره١، وكان أبو بكر ﵁ يخرج إلى السوق يحمل الثياب فيبيع ويشتري، ومر عبد الله بن سلام ﵁ وعلى رأسه حزمه حطب فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله ؟ فقال: أردت أن أدفع به الكبر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من الكبر" ٢.
وكان أبو هريرة ﵁ يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو أمير على المدينة ويقول: أفسحوا لأميركم أفسحوا لأميركم. وخرج عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وهو خليفة في حاجة له ماشيًا فأعيا فرأى علامًا على حمار له فقال: يا غلام احملني فقد أعييت فنزل الغلام عن الدابة وقال: اركب يا أمير المؤمنين فقال: لا، اركب أنت وأنا خلفك. فركب خلف الغلام حتى دخل المدينة والناس يرونه.
стр. 190
٣- القانعون بسكنى المساجد عن الكسب:
قال الإمام الغزالي في باب المغرورين من إحيائه: وفرقة أخرى زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ومن المسكن بالمساجد وظنت أنها أدركت رتبة الزهادة وهو مع ذلك راغب في الرياسة والجاه إما بالعلم أو الوعظ أو بمجرد الزهد فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم المهلكين فإن الجاه أعظم من المال ولو ترك الجه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا، ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون منافقًا وحسودًا ومتكبرًا ومرائيًا ومتصفًا بجميع خبائث الأخلاق. نعم وقد يترك الرياسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا يدري وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده ولو قيل له: إنه حلال فخذه في الظاهر ورده في الخفية لم تسمح به نفسه خوفًا من ذم الناس فهو راغب في حمد الناس وهو
стр. 191
من ألذ أبواب الدنيا، ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور ومع ذلك فربما لا يخلو من توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء والميل إلى المريدين له والمثنين عليه والنفرة عن المائلين إلى غيره من الزهاد، وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه. وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى ربما يصلي في اليوم والليلة مثلًا ألف ركعة ويختم القرآن وهو في جميع ذلك لا يخطر له مراعاة القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات، فلا يدري أن ذلك مهلك وإن علم فلا يظن بنفسه ذلك وإن ظن بنفسه ذلك توهم أنه مغفور له لعمله الظاهر وأنه غير مؤاخذ بأحوال القلب وإن توهم فيظن أن العبادات الظاهرة تترجح بها كفة حسناته وهيهات!! وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملًا بالجوارح ثم لا يخلو هذا المغرور مع سوء خلقه مع الناس وخشونته وتلوث باطنه عن الرياء وحب الثناء فإذا قيل له: أنت من أوتاد الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به وزاده ذلك غرورًا وظن أن تزكية الناس له دليل على كونه مرضيًا عند الله، ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 192
المعتزلون في المساجد والمدارس وآفات الاعتزال
...
الله عليه وهذه سنته، وهذا هدي الخلفاء الراشدين وكل لا تجهل سيرته من منهم اعتزل وكان حلس بيته راضيًا أن يكون كلًّا على غيره رافضًا واجباته في أمته.
وجلي أن يستفاد من المخالطة ما يفوت بالعزلة قال الإمام الغزالي عليه الرحمة: انظر إلى فوائد المخالطة والدواعي إليها ما هي: هي التعليم والتعلم والنفع والانتفاع والتأديب والتأدب والاستئناس والإيناس ونيل الثواب وإنالته في القيام بالحقوق واعتياد التواضع واستفادة التجارب من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها. ثم فصلها في إحيائه قدس الله سره وأبان في خلال الفائدة السادسة من فوائد المخالطة غايات بعض المعتزلين من المتصولحين. وعبارته:
فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أو لا يقدم أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله وأبقى لطراوة ذكره بين الناس، وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحة لو خالط فلا يعتقد فيه الزهد والاشتغال بالعبادة فيتخذ من البيت سترًا على مقابحة إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبده. وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب العوام والسلاطين إليهم واجتماعهم على بابهم وطرقهم وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس بغض إليه زيارتهم له فإذن من حبس نفسه في البيت ليحسن اعتقادات الناس وأقوالهم فيه فهو في عناء حاضر في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. انتهى كلامه عليه الرحمة.
стр. 193
٥- البصراء والمتعففون الذين يألفون المساجد:
كثير من البصراء الحافظون لكتاب الله تعالى يأوون إلى المساجد ويتحلقون بها ليذكروا الناس بمرآهم ومحضرهم تفقدهم والإحسان إليهم، ولكن أكثر الناس عنهم غافلون؛ إذ لا يدعونهم إلا في المآتم والمواسم وتلك أوقاتها قليلة لا يكفي ما يعطونه فيها لسد ضرورتهم وحاجاتهم وفيهم من له عيال وأولاد وحاجات مهمة لا تخفى من كراء بيت وما يستتبعه. فهم أحق الناس بالعناية بهم وبرهم ويعلم الله أني كلما رأيت بصيرًا منهم يكاد قلبي يتفطر أسفًا على حاله لا سيما إذا رأيته يستجدي بالتلاوة فحسبنا الله ونعم الوكيل. فأين المياسير وأين أهل الخير وأين الذين يذكرون قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ فوا رحمتاه للبؤساء ولا سيما البصراء، ألم ينظروا إلى البلاد التي يقال بأن عنايتهم تجاوزت إلى البصراء فشادوا لهم ملاجئ لتعليمهم الكتابة والقراءة والصناعة فأين نحن عن اللحاق بهذه الفضائل ومتى نرى روح الخير والبر دبت في عروق الذين لا يهمهم إلا أن يجمعوا ويمنعوا ويتقاطعوا ولا يتواصلوا، وبالجملة فالبصير الحافظ للقرآن الكريم أحق بالإحسان من غيره لجمعه بين المسكنة والتعفف وفضيلة الحفظ، وهكذا يقال عن خدمة المسجد ومؤذنيه والمنقطعين إليه، ومثلهم المتعففون الذين يأوون إلى المساجد أو الزوايا من ذوي الحسب أو النسب أو من هم من ذرية صوفية وصالحين ممن قعد بهم الحظ وأضعفهم العجز عن الكسب والتكسب فهؤلاء من أجدر الناس بالإحسان إليهم والتصدق عليهم وإن كان عليهم لباس الغنى فإن ذا الفراسة الإيمانية يعلم أن لباسهم هذا ينطوي على حاجة ومسكنة إلا أن التعفف والحياء سترها، وقد قال تعالى في مثل هؤلاء: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ، لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وقال ﷺ : "ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس" ١. رواه مالك والإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة. وما ألطف قول حافظ إبراهيم أديب مصر:
стр. 194
أيها المصلحون ضاق بنا العيـ ... ـش ولم تحسنوا عليه القياما
عزت السلعة الذليلة حتى ... بات مسح الحذاء خطبًا جساما
وغدا القوت في يد الناس كاليا ... قوت حتى نوى الفقير الصياما
يقطع اليوم طاويًا ولديه ... دون ريح القتار ريح الخزامى
ويخال الرغيف في البعد بدرًا ... ويظن اللحوم صيدًا حرامًا
إن أصاب الرغيف من بعد كد ... صاح من لي بأن أصيب الأداما
أيها المصلحون أصلحتم الأر ... ض وبتم عن النفوس نياما
أصلحوا أنفسًا أضر بها الفقر ... وأحيا بموتها الآثاما
ليس في طوقها الرحيل ولا الجد ... ولا أن تواصل الإقداما
إلى أن قال:
أيها المصلحون رفقًا بقوم ... قيد العجز شيخهم والغلاما
وأغيثوا من الغلاء نفوسًا ... قد تمنت مع الغلاء الحماما
ومنها:
قد شقينا ونحن كرمنا الله ... بعصر يكرم الأنعاما
وأذكر أني مرة سألني سلفي عما يعمله بعض الفقهاء عن كفارة الصلاة وإيهاب صرة الدراهم المهيأة لأجلها١ للفقير ثم استيهابها منه ثم إعطاؤه بعد تكرير ذلك ما تيسر من الدراهم فهل ذلك مأثور وإذا كان غير مأثور أفليس الأولى تركه تحرزًا من الابتداع؟ فأجبته بأن هذه الحالة التي تعمل الآن غير مأثورة قطعًا، وإنما أجازها بعض الأئمة قياسًا على كفارة الصيام والإيمان والنذور وحيث جرت نفعًا للفقراء والصدقة مندوب إليها كان عملها لا بأس به٢ إلا أن
стр. 195
احتيال الأغنياء بدلالة بعض الفقهاء على إيهاب الصرة المليئة ثم استردادها فيه تحيل على إسقاط حق للفقراء كبير وتلاعب بأصل المسألة وقياسها وجلي أن كل حيلة أدت إلى إسقاط واجب فلا تخلص فاعلها عند الله تعالى كما بينه الفقهاء وبسطه الإمام ابن القيم في إغاثة اللفهان. ثم قلت: ومع ما هي عليه الآن من التحيل والحيف على الفقير فإني لا أكرهها ولا أقبحها خيفة أن يسد على الفقراء نوع من الصدقة وحاجتهم تضطرهم إلى تقبل الصدقة بأي سبب كان مشروعًا أو غيره ولا حول ولا قوة إلا بالله. نعم الملام على الأغنياء من استئثارهم بالأموال الطائلة كأنها خلقت لهم خاصة ولم يوجب الله عليهم فيها حقوقًا وعلى الفقهاء الذين يعلمون الأغنياء تلك الحيل لإسقاط ما وجب عليهم بزعمهم وعلى قادة الأمة وسادتها الذين لا يفتكرون فيما يخفف بؤس هؤلاء وفاقتهم فإذا عملوا جميعًا على الإصلاح وعم العلم وانتشر في كل الطبقات فلا تلبث تلك البدع أو الأمور التي في النفس منها حزازات أن تنقشع غيومها عن البصائر فإن الجهل لا يثبت امام العلم والحق يدفع الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ .
стр. 196
٦- اتخاذ الجوامع خانقاهات:
من المعلوم أن الأمراء السالفين شادوا للصوفية خانقاهات "تكايا" يقيمون بها أذكارهم وأورادهم وكل ما اصطلحوا عليه من الأوضاع والرسوم وقد عد صاحب "الدارس" عدة منها وما أثر عن الأمراء أنهم رتبوا في المساجد العامة صوفية لإقامة رسومهم، وذلك لأن المساجد المطروقة إنما بنيت للصلاة والجمعة والجماعة فلو أقيم بها تلك الرسوم لتشوش على المصلين أداء العبادة، وقد يضطرون إلى مبارحة ذلك المسجد إلى غيره إذا جاء ميعاد الاجتماع للذكر، فلذا كان من التنظيمات الحسنة إيواؤهم زوايا وخانقاهات خاصة بهم وبإخوانهم وبمن يرغب أن يحضر احتفالهم وأوقات مواعيدهم١.
بيد أنه في الأزمنة المتأخرة صار بعض المتصوفة يسعى بتوجيه مشيخة عليه في بعض الجوامع العامة ويوهم أنه تكية خداعًا وتلبيسًا فإذا وجه عليه مشيخة مريديها أخذ في إقامة رسوم طريقته، وقد يتفق ذلك في أوقات قدوم مصلين فيجيء المحذور المتقدم. ومن أرباب الطريق من لا يجوز دخول من ليس من طريقتهم إلى حلقة ذكرهم ولا حضوره وهو يراهم ولو على بعد، فإذا حضر ميعاد ذكرهم وتأخر في المسجد بعض المصلين أو العاكفين ممن ليس بإخوانهم اضطروه إلى الخروج أما مشافهة أو بدق حلقة باب حرم المسجد دقا مكررا فيضطر إلى الخروج وقد يكون الوقت باردًا وقصد ذاك المسكين أن يستدفئ بالمسجد أو يتعبد بالاعتكاف فيه ساعة مثلًا فيخرج متألمًا متكدرًا وإن تكن نية بعض الصوفية في ذلك صالحة -وهو الذي أراه تحسينًا للظن- ولكن لا حاجة إلى الولوج في أمور متشابهة والتكلف للمخرج منها فالرجوع من هؤلاء إلى زوايا خاصة أورع وأتقى وأبرأ للدين والله ولي المتقين٢
стр. 197
اتخاذ المساجد مكاتب أو مخافر:
يرغب بعض الناس أو يشير باتخاذ بعض مساجد المحلات مكاتب للأطفال يتعلمون فيها القرآن والكتابة ومبادئ الفنون. ولا يخفى أن محل الترخيص بذلك إذا هجرت تلك المساجد أو استعيض عنها بغيرها أو لم يعمرها أحد من جيرانها وإلا ففي ذلك إخراج لها عن موضوعها، وأما اتخاذها مخافر لها فذلك مما لا يغتفر، إلا إذا اضطر إليه لعدم وجود مكان سواه لذلك وحاجة جواره إلى الأمن بالخفراء، وإلا فلا يجوز قطعًا. وطالما ذكر لي عن بعض المساجد أنه أرسل للإقامة بها بعض الشرط للمحافظة على تلك المحلة، وأن جيران ذلك المسجد قلقوا وضجروا لحاجتهم إليه ووجود ما يصلح لهم سواه إلا أنه بأجرة والمسجد بدونها وذكر لي أيضًا من المخزيات والمنكرات فيه من بعد الشرط ما نجل كتابنا عن ذكره، وهذا مما لا يرضاه شرع ولا عقل. ومثله يقال في اتخاذ بعض المساجد مجالس للحكومة كالتحقيق على العسكر الذين بلغوا السن الذي يطلبون فيه ولا يخفى ما في كل ذلك من منع مساجد الله عن أن يذكر فيها اسمه تعالى والخوض في المحذورات فليحذر الموفقون عن مثل ذلك وعن المساعدة عليه والله المستعان.
стр. 198
٨- التماوت وإطراق الرأس وإحناء الظهر في المسجد وغيره:
قال الإمام "أبو شامة" في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث": ومما ابتدع واستميلت قلوب الجهال والعوام بسببه التماوت في المشي والكلام حتى صار ذلك شعار من يريد أن يظن فيه التنسك والتورع فليعلم إذن الدين خلاف ذلك وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ثم السلف الصالح ففي أحاديث صفة النبي ﷺ وشمائلة أنه كان إذا مشى تقلع١ قال أبو عبيد: أي كان قوي المشية يرفع رجليه من الأرض رفعًا بائنا بقوة.
وروى المبرد في كامله أن عائشة ﵂ نظرت إلى رجل متماوت فقالت: ما هذا؟ فقالوا: أحد القراء -الفقهاء- فقالت: قد كان عمر ﵁ قارئا فكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع. قال: يروى أن عمر رأى رجلًا مظهرًا للنسك متماوتًا فخفقه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا أماتك الله، وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال: استعيذوا بالله من خشوع النفاق قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع، وقال المدائني: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص وهو واليه بمصر رفع إليَّ أنك تبكي بمجلسك فإذا جلست فكن كسائر الناس ولا تبك. وروى ابن عساكر عن ابن المبارك قال: ما رأيت إبراهيم بن أدهم يظهر تسبيحًا ولا شيئًا من الخير ولا أكل مع قوم طعامًا إلا كان آخر من يرفع يديه من الطعام، وعنه أيضًا قال: إنه ليعجبني من القراء كل طلق ضحاك فأما من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس كأنه يمن عليك بعلمه فلا أكثر الله في القراء مثله. قال أبو شامة: وهذه الطلاقة التي أشار إليها هي التي كانت تعرف من حسن أخلاق النبي ﷺ ، وهي كانت الغالب على أصحابه ﵃ وسادات المتقدمين من الأئمة الجامعين بين العلم والعمل كسعيد بن المسيب إمام أهل المدينة وسيد التابعين في وقته مع خشونته المعروفة في أمر الله تعالى وكأمر الشعبي من أئمة الكوفة وابن سيرين من أئمة البصرة والأوزاعي من أئمة الشام والليث بن سعد من أئمة مصر وغيرهم ﵃ قد عرف ذلك من أخبارهم، ثم هي طريقة الشافعي رحمه الله تعالى وطريقة من ارتضيناه من مشايخنا الذين عاصرناهم وبالله التوفيق. ا. هـ كلامه.
стр. 199
٩- جهل بعض أئمة القرى:
كنت في عيد الأضحى عام "١٣٢٣" في إحدى قرى الغوطة، فذهبنا بعد الإشراق لصلاة العيد في مسجدها وقدمنا إمامه فصلى واتفق أنه أساء في هيئة الصلاة فإنه نسي تكبيرات الركعة الثانية ثم عاد إليها وسجد للسهو، والحال أنه لا سجود عليه ولا حاجة للعود إليه قال الشافعي في الأم: فإن نسي التكبير أو بعضه حتى يفتتح القراءة فقطع القراءة وكبر ثم عاد إلى القراءة لم تفسد صلاته ولا آمره إذا افتتح القراءة أن يقطعها، ولا إذا فرغ منها أن يكبر، وآمره أن يكبر في الثانية تكبيرها لا يزيد عليه لأنه ذكر في موضع إذا مضى الموضع لم يكن على تاركه قضاؤه في غيره، كما لا آمره أن يسبح قائمًا إذا ترك التسبيح راكعًا أو ساجدًا. قال الشافعي: ولو ترك التكبيرات السبع والخمس عامدًا أو ناسيًا لم يكن عليه إعادة. ولا سجود سهو عليه؛ لأنه ذكر لا يفسد تركه الصلاة وأنه ليس عملًا يوجب سجود السهو. قال الشافعي: فإن ترك التكبير ثم ذكره فكبر أحببت أن يعود لقراءة ثانية وإن لم يفعل لم يجب عليه أن يعود ولم تفسد صلاته فإن نقص أو زاد ما أمرته من التكبير فلا إعادة ولا سجود للسهو عليه لأنه ذكر لا يفسد الصلاة. وذكر الشافعي قبل بسنده عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي أيوب وزيد وأبي هريرة جميعًا كبروا في الركعة الأولى سبعًا. ا. هـ. وإنما استدللنا بكلام الشافعي؛ لأن أكثر أهالي الغوطة شافعيون فأوردنا لهم كلام الإمام بحروفه ليكون أوثق لهم وأبين.
ولا يخفى ما يلزم أئمة القرى من الفقه في الدين والتبصر بالسنة ولعمري إنهم مقصرون ولا عذر لهم والواجب تنبيههم على ذلك. وإذا أمكن إرسال أحد يعلمهم أو إلجاؤهم بقوة لينفر بعض منهم للتفقه في الدين كان متعينًا امتثالًا لأمر الحق سبحانه. وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 200
١٠- تقصير أكابر القرى في عمارة مساجدهم:
قل أن يدخل المرء لقرية من القرى الظاهرة عن المدن فيرى مساجدها معتنى بحاجياتها فضلًا عن كمالياتها. ترى مسجد القرية متعفن الأرض لا يقي حصره عن العفونة دف خشب مع أن الدفوف إنما تجلب إلى المدن من القرى، تراه لا سجادات فيه ولا بسط لطيفة تقي المصلي برودة أرضه، تراه غير متقن البناء. تراه مفتقرًا إلى زيادة التنوير، ترى بيوت أخليته لا يستطاع قضاء الحاجة فيها للإعراض عن كسحها أو عمل مصرف لقاذوراتها. إذا قيل ما السبب؟ فالجواب أن السبب إما أكل ريع أوقافه أو إعراض أكابر جيرانه عن الالتفات إلى إشادته وتعميره. سألت فقيه الجراكسة بعمان البلقاء عام رحلتي إلى بيت المقدس من طريقها وقلت له: ما بال أغنياء عمان لا يتممون ما نقص جامعهم هذا الفخيم، وما بالهم لا يزيلون عن أرض برانية التراب المتراكم حتى يصلوا إلى أرضه القديمة وبلاطه العتيق، وهلا التفتوا إلى تشييد منارته ولقد أوشك بنيانها أن يتداعى للسقوط؟ فقال لي: الأغنياء يعمرون الدنيا ولا يعمرون الآخرة. وهكذا يقال في غير عمان، نعم يوجد في بعض القرى مساجد حسنة البناء كمسجد قرية التل ومسجد دوما ومساجد أخرى في قضاء القلمون فما أجدر بقية القرى أن تحذو حذوها، وفق الله الأغنياء والنظار لذلك وبصرهم بالعواقب.
стр. 201
١١- تنطع من يدخل حافيًا المسجد وهو يعمر:
يتفق أن بعض المساجد يستدعي الحال تعميرها وإصلاح بنائها أو تجصيصها فيمتلئ صحنه بالأدوات والأتربة وينتشر الغبار في جوانبه وأرجائه كلها بحيث لا يمكن دخول صحنه إلا بالنعل صونا للرجل عن أذى وللجوار عن اتساخ لا حطًّا من كرامة المسجد فإن المؤمن لا يخطر له ذلك على بال فترى
حالتئذ بعض المتنطعين أو المتغالين يدخل المسجد حافيًا أو يهيئ نعلًا لم تلبس لينتعلها إذا دخله، وهذا التنطع والغلو لم تأمر به الشريعة السمحة ولا حرجت فيه، بل صح في السنة خلافه إذ كان الصحابة يدخلون بنعالهم إلى المسجد النبوي ويصلون بها وإن تنجست يعلمون أن طهارتها بدلكها على الأرض كما بسط ذلك ابن القيم في "إغاثة اللهفان". نعم لا ننكر لزوم صون المساجد عن النعال الآن إذا فرشت بنفيس الزرابي "السجادات" مما يدعو إلى كرامتها من القمامات والأوساخ ولذا كان موضوع بحثنا في وقت خاص وهو وقت عمارتها في صحنها.
стр. 202
١٢- إيلاف مسجد لاعتقاد فضل فيه غير المساجد الثلاثة:
نقل الإمام أبو شامة في كتاب "الباعث" عن محمد بن مسلمة قال: لا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد المساجد الثلاثة إلا مسجد "قباء" قال: وكره أن يعد له يوم بعينه فيؤتى فيه خوف من البدعة وأن يطول بالناس زمان فيجعل ذلك عيدًا يعتمد أو فريضة تؤخذ ولا بأس أن يؤتى كل حين ما لم تجئ فيه بدعة. ا. هـ. وقد صح أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت١، ولكن معنى هذا أنه كان يزوره في كل أسبوع وعبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ونظيره ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ في استسقاء النبي ﷺ يوم الجمعة قال فيه: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا. ا. هـ٢.
стр. 203
١٣- المحافظون لنعال الناس في المسجد:
يوجد في بعض المساجد من يأخذ نعال الداخلين إليها ويحفظها لهم في موضع يغصبه منها بفلوس تدفع له بعد قضائهم الصلاة وانتشارهم فهؤلاء المحافظون ينهون عن ذلك؛ لأنهم يضيقون على المسلمين طريقهم ويمسكون من المسجد موضعًا لم يوضع له وفيه إعانة لهم على ترك الصلاة وكذلك المحافظون للنعال على أبواب المساجد فإنهم لا يحضرون جمعة ولا جماعة.
стр. 204
١٤- إيواء القطط في المسجد:
قال ابن الحاج: كان الناس يوقرون بيوت ربهم ويحترمونها وينزهونها عما لا يليق بها فانعكس الأمر إلى أن صار المسجد مأوى للقطاط المؤذية فكل من كان عنده هر مؤذ أرسله إلى الجامع، ولا يفكر في أنهن يلوثنه بنجاستهن كما شوهد ذلك مرارًا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 205
١٥- إيواء المجاذيب في بعض المساجد:
يوجد في بعض المساجد مجاذيب يأوون إلى حجرات فيها أو يتوطنون أروقتها فيقذرون جانبًا منها وهؤلاء الأجدر لهم إما المستشفيات أو البمارستانات وهم من البلاء المصبوب على الأمكنة التي يحلون بها، فكم ترى منهم من يتسول عاريًا من اللباس وآخر مشوه الخلقة يخيف الأطفال بشناعة منظره وبشاعة سيره وطورًا يشاهد منهم من يهيمون على وجوههم في الشوارع مقلقين راحة السكان بما يأتونه من الأمور المغايرة من رءوس مكشوفة وعورة غير مستورة وإسدال شعور للأطفال والنساء مخيفة وغير ذلك مما لا يجمل ذكره ولا يجهل أمره كزعق بمكفرات وصياح بشتائم وتأبط الأحجار، ومن العامة من يعتقد في مثل هؤلاء الولاية نعوذ بالله من الجهل والضلال.
وأين مقام الولاية من هؤلاء المجانين قال تقي الدين في الفرقان بين أولياء
стр. 206
الرحمن وأولياء الشيطان: العبد لا يكون وليًّا لله إلا إذا كان مؤمنًا تقيًّا فمن يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله، وكذلك المجنون فإن كونه مجنونًا يناقض أن يصح منه الإيمان والعبادات التي هي شرط في ولاية الله تعالى، ومن كان جنونه مطبقًا فهذا ممن رفع عنه القلم ومن كان جنونه متقطعًا فإن صدر عنه في حال أفاقته كفر أو نفاق أو معصية كان كافرًا أو منافقًا أو فاسقًا وإن وقع ذلك في حال جنونه فلا مؤاخذة. ومن ادعى الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يتجنب المحارم بل يأتي بما يناقض ذلك فإن ادعى أنه لا يجب اتباع الرسول ﷺ فهو كافر "انظر تتمته في الفرقان"١.
стр. 207
١٦- دخول الصبيان المساجد:
تقدم في الحديث "وجنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم"١ وذلك لأن الصبي دأبه اللعب فبلعبه يشوش على المصلين وربما اتخذه ملعبًا فنافى ذلك موضع المسجد فلذا يجنب عنه.
стр. 208
١٧- بيع الأدوية والأطعمة والتعويذات وتخلل السؤال الصفوف "ونحوها في المسجد ":
قال ابن الحاج ويمنع بائعوا القضامة وغيرها في المساجد وينهون عن ذلك. وقال الغزالي في الإحياء في منكرات المساجد: ومنها الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات وكقيام السؤال وقراءتهم القرآن وإنشاد الأشعار وما يجري مجراه فهذه الأشياء منها ما هو محرم لكونه تلبيسًا وكذبًا كالكذابين من طرقية الأطباء وكاهل الشعبذة والتلبيسات وكذا أرباب التعويذات في الأغلب يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على الصبيان والسوادية فهذا حرام في المسجد وخارج المسجد ويجب المنع منه، بل كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب على المشتري فهو حرام. ا. هـ. وقوله كقيام السؤال إلخ مثله هؤلاء الهنود الذين يتخللون صفوف المصلين يوم الجمعة والخطيب على المنبر ويضعون أمام المستمعين أوراقًا مكتوبًا فيها آية أو حديث في الصدقة فهؤلاء يمنعون ويزجرون؛ لأنهم يشوشون بفعلهم هذا على الحضور وكأنهم ليسوا ممن يجب عليه الإنصات والاستماع والصلاة وكثيرًا ما اجتازوا أمام مصل واخترقوا حرمته ومثلهم من يدور لسقي الماء والاستجداء به فيمنعون؛ لأن هذا الوقت لا يجوز شغله بغير ما وضع له من الإنصات والتفكير والتخشع والتذكر.
стр. 209
١٨- الإيطان في موضع من المسجد:
يهوى بعض ملازمي الجماعات مكانًا مخصوصًا أو ناحية من المسجد إما وراء الإمام أو جانب المنبر أو أمامة أو طرف حائطه اليمين أو الشمال أو الصفة المرتفعة في آخره بحيث لا يلذ له التعبد ولا الإقامة إلا بها وإذا أبصر من سبقه إليها فربما اضطره إلى أن يتنحى له عنها لأنها محتكرة أو يذهب عنها مغضبًا أو متحوقلًا أو مسترجعًا، وقد يفاجئ الماكث بها بأنها مقامه من كذا وكذا سنة وقد يستعين بأشكاله من جهلة المتنسكين على أن يقام منها إلى غير ذلك من ضروب الجهالات التي ابتليت بها أكثر المساجد ولا يخفى أن محبة مكان من المسجد على حده تنشأ من الجهل أو الرياء والسمعة وأن يقال إنه لا يصلي إلا في المكان الفلاني أو إنه من أهل الصف الأول مما يحبط العمل ملاحظته ومحبته نعوذ بالله. وهب أن هذا المتوطن لم يقصد ذلك فلا أقل أنه يفقد لذة العبادة بكثرة الألف والحرص على هذا المكان بحيث لا يدعوه إلى المسجد إلا موضعه، وقد ورد النهي
стр. 210
عن ذلك فيما روي عنه ﷺ أنه نهى عن نقرة الغراب وأن يوطن الرجل في المكان بالمسجد كما يوطن البعير١، قال المجد ابن الأثير في النهاية: معناه يألف مكانًا معلومًا من المسجد مخصوصًا به يصلي فيه كالبعير لا يأوي من عطن إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخا يقال: أوطنت الأرض ووطنها واستوطنتها أي اتخذتها وطنًا ومحلًّا ومنه الحديث: "نهى عن إيطان المساجد" أي اتخاذها وطنًا. وفي شرح الإقناع يكره لغير الإمام مداومة موضع منه لا يصلي إلا فيه. وفي فتح القدير نقلًا عن النهاية للحلواني أنه يكره أن يتخذ في المسجد مكانًا معينًا يصلي فيه؛ لأن العبادة تصير له طبعًا فيه وتثقل في غيره والعبادات إذا صارت طبعًا فسبيلها الترك ولذا كره صوم الأبد. ا. هـ كلامه.
стр. 211
١٩- واجبات نظار المساجد:
يعلم كل أحد أنه ما من مكان موقوف مسجدًا أو غيره إلا وشرط له نظار يتولون أمر أوقافه وجباية ريعها، ويرى قارئ وقفيات المساجد والمدارس وغيرها ما يشرطه الواقف على من يتولى نظارة وقفه من الشروط وما يحذره به من الزيغ عن المشروط وما يخوفه به من حلول غضب الله عليه ووصول أليم العقاب إليه، ترى الواقف المسكين بما يشرطه ويحذر وينذر كأنه يتفرس ما سيئول إليه أمر وقفه من أكل ريعه وخراب جداره وسقفه فيقف وقفة المتأسف والجزع المتلهف. اقرأ ما قاله الوزير سنان باشا في وقفيته على جامعه الكبير بدمشق في شرط الناظر: أن يكون متوليًا عاقلًا أمينًا كاملًا ذا رأي رصين وفكر صائب رزين، معروفًا بالأمانة والديانة موصوفًا بالاستكانة، والصيانة يجد في تعمير الأوقاف وتحصيل الغلات ولا يفوت دقيقة في جهة من الجهات ثم قال في خاتمتها: ولا يحل لأحد ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر من حاكم
стр. 212
أو قاض أو وارث غائب أو حاضر تغيير هذا الوقف بعدما تقرر من نسقه المسطور المقرر ومن تعرض لتحويله وتغييره وسعى في إبطاله بتزويره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومأواه جهنم فيسقى فيها من حميم وغسلين. وهكذا كل وقفية يصرح الواقف باللعن على من غير وبدل وأكل الريع واستأكل، أترى هل أفاد ما شرطه وما هدد به من عذاب الله ولعنته وما ذكر عن نصوص كتاب الله وموعظته؟ كلا فقد أكلت الأوقاف وتسلط عليها من لا يراقب الله ولا يخاف وتهدمت بالفعل أكثر المدارس وأضحى أكثر المساجد كالشبح الدارس.
هذه مدارس "الصالحية" يندهش المار بها حينما يراها صارت بساتين وبيوتًا وما بقي منها فرسم شاخص وهذه ثلة من مساجد البلدة لا وقف عليها دار، ولا ناظر بها بار حقًّا إن هذا لمصاب وأي مصاب وإنه ممن يدعي الإيمان لعجب عجاب. أين تقوى الله أين الخوف من العرض أين الوجل من الفزع الأكبر أين الغيرة على الحقوق أين السعي وراء تنمية الموقوفات وإصلاح المرمات. وا أسفاه وإنا لله ما الحيلة لا يرد الفائت النحيب ولا يعيد الحياة حذق الطبيب بيد أن للأمل مجالًا في تراجع الأنفس عن غيها ونشر الواجبات بعد طيها.
واجبات النظار في نظارتهم وآدابهم المطلوبة من قبلهم واجبات كثيرة وآداب غزيرة لأجلها كانت تخفق قلوب الأخيار عن أن يعد أحدهم في مصاف النظار أذكر لك نبذة منها وقس ما شابهها عليها:
على ناظر المسجد أن يكون همه إصلاح المسجد وتعميره وتثمير أوقافه وتنميتها بما تصل إليه يد الإمكان وأن يكون غيورًا على انتهاك شيء من موقوفاته كما يغار التقي على انتهاك حدود الله وحرماته وأن يكون أمينًا على دخله فلا يخلطه بماله ولا يتساهل في بارة من ريعه. إذا دعت كثرة ريعه إلى جاب يجبي له المال فيختر أمينًا مستقيمًا مجدًا في السعي وليراقبه في عمله كيلا يقر على زلله وخلله، أو إلى كاتب فلينظر إلى كتب ماهر بالكتابة والحساب يكتب القليل والكثير ويحسب الدخل والخرج بغاية التدقيق.
стр. 213
وأن يتعاهد على المدى حال المسجد كيلا يقصر خادمه في كنسه وتنظيفه وحفظ فرشه وحصيره ولا يتهاون مؤذنه في أذانه ولا إمامه في إمامته ولا الشعال في تنويره.
وأن يتفقد العقارات وما تحتاج إليه من المرمات.
وأن يلاحظ أمر بيوت الطهارة وما يعروها من الخلل وما يتهدم من مجاريها وأن ينظر لأملاكه وما يتحصل منها ومن غلاته نظر العاقل الحكيم ويوازن ما بين قيمتها الآن وموردها من قبل فيرفع من رواتب القائمين بوظائف المسجد على نسبة ما رفع من قيم الأملاك والعقارات أو يتحقق أن الرواتب القديمة إنما كانت على حسب مظهر الزمان وحال أهله فكان يكفي ما رتب أولًا، وأن الحالة الحديثة تقتضي في الصرف أضعاف ما كان يكفي قبل، فيزيد الناظر في أجور قوام المسجد كما زيدت موارده ولا يكون هذا مخالفًا لشرط الواقف؛ لأن الراتب الشهري القديم إنما كان بالنسبة إلى أجور العقارات ومغلاتها السالفة فيحسب مقداره بالنسبة إلى مورده الأول ويقاس عليه حالته الآن ضرورة.
وقد اهتمت بعض الحكومات الإسلامية١ في هذا الموضوع كما قرأته في بعض مجلاتها، ومما قرأته:
أوقاف المسلمين تزداد ريعًا ونموًّا وغالب المساجد في خراب حسي ومعنوي ورأيت الخطيب والإمام اليوم كما كان منذ قرن أو قرون إذ كان مالك الألف يعد غنيًّا كبيرًا، والألف لا تشبع في سنتنا الحمار شعيرا.
وأن مساعدة أهل العلم والدين على معايشهم من أفضل المبرات التي تنشأ لها الأوقاف الخيرية لهذا كان من الموضوع المهتم به -يعني في تلك الحكومة- أن يجعل للإمام والخطيب راتب يتراوح بين خمسمائة قرش وثمانمائة قرش وللمؤذن والخادم راتب يرتقي إلى ثلاثمائة قرش وذلك بعد انتقائهم بحسب الشروط التي تؤهلهم للقيام بعملهم على أكمل وجه بهذا الفكر المهتم به تصرف
стр. 214
أموال الأوقاف المكنوزة في أفضل مصارفها بهذا تقام صلاة الجماعة على وجهها. بهذا تكون الخطابة مؤدية للحكمة التي شرعت لأجلها. بهذا تكون بيوت الله نظيفة طاهرة كما يليق بها. بهذا ينمو علم الدين بما وجد لأهله من المعاش الطبيعي الذي يليق بكرامتهم بعد أن اقفلت في وجوه المنقطعين له أبواب الرزق واحتقرهم الناس ولو بغير حق. ا. هـ. وليقس على ما ذكرناه ناظر وقف المدارس والتكايا وما شرط عليه من ترتيب الطعام وإيتاء الأجور على التمام والتورع عن القليل مما يشتبه عليه فضلًا عن الكثير ومن تدعيم البناء وتحديده إذا اقتضى الحال مثل ما كان وأحسن منه إذا كان الأول لم يبن على القواعد الصحيحة المرعية.
والجامع لكل ذلك تقوى الله ومراقبته وتحقق أن المؤمنين إخوة وأنه لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن السعادة الحقيقية هي السعادة الأخروية ونيل رضوان الله تعالى وأن الدنيا دار ابتلاء للتسابق في إحسان العمل، وأن من خالف وصايا الله وأكل أموال الناس ظلمًا فلا يكون عاقبته إلا النار وغضب الجبار وينحط إلى دركات الفجار فالسعيد من وفر حظه من أخراه والشقي من باع عقباه بدنياه.
بقي هنا كلمة أقولها للنظار المقصرين عن القيام بواجباتهم في رعاية بعض المساجد والمدارس: لو تبصرتم فيما يأتيه بقية الطوائف في تشييد معابدهم وتحسينها والقيام على رعايتها وتوفير دخلها وتثمير وارداتها كما يراه القارئ في التقويم السنوي الذي يطبع وينشر في مجلاتها لعلمتم أنكم الأحق بهذا ولا أزيدكم تصريحًا وفي هذا القدر كفاية.
стр. 215
٢٠- الاجتماع في المسجد للدعاء برفع الوباء:
قال العلامة عصام الدين أحمد الحنفي الشهير بطا شكبري زاده في رسالته "الشفاء لا دواء الوباء" تحت عنوان "المطلب السادس في الدعاء برفع الطاعون من البلاد" ما مثاله:
قال الشيخ السيوطي١: وقع السؤال عن ذلك وعن الاجتماع له. والجواب أن ذلك بدعة لا أصل له وبيانه من وجوه "أحدهما" أنه لم يثبت عن النبي ﷺ الدعاء برفعه بل ثبت أنه دعا به وطلبه لأمته٢ كما تقدم "الثاني" أن أبا بكر الصديق ﵁ دعا به أيضًا أخرج عبد الرزاق في المصنف قال: أخبرنا معمر عن٣ قتادة أن أبا بكر كان إذا بعث جيوشًا إلى الشام قال: اللهم أرزقهم الشهادة طعنًا وطاعونًا "الثالث" أنه وقع في زمن إمام الهدى عمر بن الخطاب والصحابة يومئذ متوافرون وأكابرهم موجودون فلم ينقل عن أحد منهم أنه فعل شيئًا من ذلك ولا أمر به كما ورد أنهم دعوا برفع القحط "الرابع" أن القرن الأول وقع فيه الطاعون مرات متعددة وفيه من الصحابة والتابعين ما لا يحصى وهم خيار الأمة فلم يفعل أحد منهم ذلك ولا أمر به. وكذا في القرن الثاني وفيه خيار التابعين وأتباعهم وكذا في القرن الثالث والرابع، وإنما حدث الدعاء برفعه في الزمن الأخير وذلك في سنة تسع وأربعين وسبعمائة كما نقله ابن حجر ونقل عن الرافعي والنووي أن القنوت يشرع في سائر الصلوات ولنازلة كالوباء، إلا أن السيوطي خص هذا الحكم بالوباء دون الطاعون ولذلك نهى عن الفرار من الطاعون دون الوباء وسائر الحميات مما يتوقى منها كسائر أسباب الهلاك بالإجماع قال بعض الحنابلة: لا يقنت للطاعون لأنه لم يثبت القنوت