← Фикх общий

Фикх общий · id 10541

إصلاح المساجد من البدع والعوائد

جمال الدين القاسمي

Полный текст (304 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٩- الأحاديث المروية على المنابر في فضل رجب: كل من سبر كتب الأحاديث الموضوعة علم أنه لم يصح في صوم رجب حديث ولا أثر. قال الإمام أبو شامة عليه الرحمة في كتاب الباعث ذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب "أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب"١ عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجب وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب ولا في صيامه عن رسول الله ﷺ شيء، وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر ﵄، وكان عمر يضرب بالدرة صوامه، وروى ذلك الفاكهي في كتاب مكة له وأسنده الإمام المتفق على عدالته وعلى إخراج حديثه وروايته أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال: حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه، قال: وهذا سند مجمع على عدالة رواته فالصيام جنة وفعل خير وعمل بر لا لفضل صوم هذا الشهر. قال: فإن قيل أليس هذا هو استعمال خير، قيل له: استعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ فإذا علمنا أنه كذب خرج من المشروعية، وإنما كانت تعظمه مضر في الجاهلية كما قال أمير المؤمنين عمر ﵁ وضرب أيدي الذين كانوا يصومونه، وكان ابن عباس حبر القرآن يكره صيامه، وقال فقيه القيروان وعالم أهل زمانه بالفروع أبو محمد بن أبي زيد: وكره ابن عباس صيام رجب كله خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض، وذكر بعض هذه الآثار أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع وزاد قال: وروى ابن وضاح

стр. 72

أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجب كله، وروى أن ابن عمر ﵄ كان إذا رأى الناس وما يعدون لوجب كرهه وقال: صوموا وافطروا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وعن أبي بكر ﵁ أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب فقال: ما هذا؟ فقالوا: لرجب نصومه، فقال: اجعلتم رجب كرمضان، قال الطرطوشي يكره صيام رجب على أحد ثلاثة أوجه: أحدها إذا خصه المسلمون بالصيام في كل عام حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان أو سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ كالسنن الراتبة، وأما أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور جار مجرى صوم عاشوراء أو فضل آخر الليل على أوله في الصلاة فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض ولو كان من باب الفضائل لسنه رسول الله ﷺ أو فعله مرة في العمر كما فعل في يوم عاشوراء وفي الثلث الغابر من الليل ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصا بالفضيلة ولا هو فرض ولا سنة باتفاق فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه. فكره صيامه والدوام عليه حذرًا من أن يلتحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام فإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه يؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعدو فرضًا أو سنة.

стр. 73

١٠- التمسح بالخطيب إذا نزل من المنبر: يوجد من المصطفين حول المنبر يوم الجمعة أناس يتبادرون إلى الخطيب إذا فرغ من خطابته ونزل من المنبر وتقدم إلى المحراب فيتمسحون بظهره أو كتفه أو جنبه اعتقادًا بأنه كان في مرتقى هبطت عليه فيه الرحمة والنور والبركة، مع أنه لا يتمسح بشيء إلا بالحجر الأسود في مكة المشرفة والتمسح بما عداه بدعة كما بينه الغزالي رحمه الله تعالى. نعم تقبيل يد العالم الصالح لا بأس به كما هو مقرر، والمقصود أن هذا التمسح مبتدع ينبغي التنبيه عليه للإقلاع عنه.

стр. 74

الفصل الثاني: في بدع محدثة في الصلاة الجهر بالنية قبل تكبيرة الاحرام ... الفصل الثاني: في بدع محدثة في الصلاة ١- الجهر بالنيبة قبل تكبيرة الإحرام: رأيت أيام رحلتي إلى مصر عام "١٣٢١" في بورسعيد ومصر من يجهر بالنيبة قبل التكبير ويشوش على الناس ولا يخفى ما في ذلك من الكراهة أو الحظر. قال الإمام ابن الحاج في المدخل: الجهر بالنية من البدع واختلف في النطق باللسان هل هو بدعة أو كمال. فقال بعضهم: هو كمال لأنه أتى بالنيبة في محلها وهو القلب ونطق بها اللسان وذلك زيادة كمال هذا ما لم يجهر بها. وقال بعضهم: إن النطق باللسان مكروه ويحتمل ذلك وجهين أحدهما أنه قد يكون صاحب هذا القول يرى أن النطق بها بدعة؛ إذ لم يأت في كتاب ولا سنة ويحتمل أن يكون ذلك لما يخشى أنه إذا نطق بها بلسانه قد يسهو عنها بقلبه وإذا كان ذلك كذلك فتبطل صلاته لأنه أتى بالنية في غير محلها إلا ترى أن محل القراءة النطق باللسان فلو قرأ بقلبه ولم ينطق بها لسانه لم تجزه صلاة وكذلك لو تلفظ بالنية بلسانه ولم ينوها بقلبه "ثم قال" وما تقدم من أن النية لا يجهر بها فهو عام في الإمام والمأموم والفذ فالجهر بها بدعة على كل حال؛ إذ إنه لم يرو أن النبي ﷺ ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين جهروا بها فلم يبق إلا أن يكون الجهر بها بدعة "ثم قال" وقد ورد النهي عن أقل من هذا

стр. 75

بقوله ﵊: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" ١ وكان كل واحد منهم يصلي لنفسه وهذه صلاة واحدة فمن باب أولى أن ينهى عن ذلك. ثم قال: وشيء لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة فلا شك في أن تركه أفضل من فعله بل هو بدعة لما تقدم. وقال الإمام ابن القيم في "إغاثة اللهفان" في بحث النية في الطهارة والصلاة: النية هي القصد والعزم على فعل الشيء ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلًا ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة في النية لفظ بحال ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك، وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم فيها ويوقعهم في طلب تصحيحها، فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ وليست من الصلاة في شيء، وإنما النية قصد فعل الشيء فكل عازم على فعل فهو ناويه لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئًا من العبادات ولا غيرها بغير نية فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك ولو كلفه الله الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق ولا يدخل تحت وسعه، وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله وإن شك في حصول نيته فهو نوع جنون فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقيني فكيف يشك فيه عاقل من نفسه، ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الإمام فكيف يشك في ذلك ولو دعاه داع إلى شغل في تلك الحال لقال إني مشتغل أريد صلاة الظهر، ولو قال له قائل في وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضي؟ لقال: أريد صلاة الظهر مع الإمام فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه وهو يعلمه في هذا من نفسه وهو يعلمه يقينًا بل أعجب

стр. 76

من هذا أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال فإنه إذا رأى إنسانًا جالسًا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصلاة، وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها علم أنه إنما قام ليصلي، فإن تقدم بين يدي المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه في الصف علم أنه يريد الائتمام "قال" فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن الأحوال فكيف يجهلها من نفسه مع اطلاعه هو على باطنه، فقبوله من الشيطان أنه ما نوى تصديق له في جحد العيان وإنكار الحقائق المعلومة يقينًا ومخالفة للشرع ورغبة عن السنة وعن طريق الصحابة ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها والموجودة لا يمكن إيجادها لأن من شرط إيجاد الشيء كونه معدومًا فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه شيء ولو وقف ألف عام، ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الإمام فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعًا وأدركه فمن لم يحصل النية في الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة "ثم قال": قال شيخنا -يعني التقي ابن تيمية عليه الرحمة- ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه واحدة منها فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداءً لله تعالى إمامًا أو مأمومًا أربع ركعات مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرح بالتكبير كأنه يكبر على العدو فلو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو واحد من أصحابه شيئًا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال. "ومن أصناف الوسواس" ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله في التحيات أت أت التحي التحي وفي السلام أس أس وفي التكبير أكككبر ونحو ذلك فهذا الظاهر بطلان الصلاة به وربما كان إماما فأفسد

стр. 77

صلاة المأمومين وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعادًا له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريقه رسول الله ﷺ وهديه ما كان عليه أصحابه وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة وارتكاب شر الأمور ومحدثاتها وتعذيب نفسه وإضاعة الوقت والاشتغال بما ينقص أجره وفوات ما هو أنفع له وتعريض نفسه لطعن الناس فيه وتغرير الجاهل بالاقتداء به، فإنه يقول لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه وإساءة الظن بما جاءت به السنة وأنه لا يكفي وحده وانفعال النفس وضعفها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه للتشديد عليه عقوبة له وإقامته على الجهل ورضاه بالحبل في العقل كما قال أبو حامد الغزالي وغيره: الوسوسة سببها إما جهل بالشرع وإما خبل في العقل وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب. فهذه نحو خمس عشرة مفسدة في الوسواس. ومفاسده أضعاف ذلك بكثير.

стр. 78

٢- صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة: قالت المالكية يحرم التنفل حين إقامة الصلاة لوجوب الاشتغال بالمقامة ولئلا يطعن في الإمام. ا. هـ. ولذا تقطع النافلة عندهم إذا أقيمت وبه قال أبو حامد من الشافعية أيضًا: والأصل في ذلك قوله ﷺ : "إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" رواه مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان وفي رواية لأحمد: فلا صلاة إلا التي أقيمت١، وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهما عن ابن بحينة أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي

стр. 79

ركعتين فلما انصرف رسول الله ﷺ قال له: "الصبح أربعًا الصبح أربعًا"؟ ١ وروى ابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم عن ابن عباس قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي ﷺ وقال: "أتصلي الصبح أربعًا"؟. قال العارف ابن عربي قدس سره في "الفتوحات" في سر ذلك: يبطل التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله، ولا شك أن كل ما زاد على الفرض فهو نافلة سواء أكد أو لم يؤكد فإن الفرض آكد منه بلا شك والوقت للفرض بالإقامة الحاصلة، ثم قال فالدخول مع الإمام في الصلاة أو عند سماع الإقامة أولى من ركعتي الفجر، وقد أغلظ في ذلك رسول الله ﷺ وأظهر الكراهية لمن فعل ذلك وقال لمن صلاهما وصلاة الصبح تقام: "أتصلي الصبح أربعًا"؟. يكررها عليه كارهًا منه ذلك الفعل انتهى. ولم ينكر على من قضاهما بعد الفريضة كما رواه أبو داود وغيره٢. قال ابن عبد البر: الحجة عند التنازع السنة فمن أدلى بها فقد أفلح. وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة. حكاه الحافظ ابن حجر في الفتح.

стр. 80

٣- إساءة الصلاة: قال الإمام الغزالي١: مما يشاهد كثيرًا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الكروع والسجود، وهو منكر مبطل للصلاة بنص الحديث فيجب النهي عنه. ومن رأى مسيئًا في صلاته فسكت عليه فهو شريكه. هكذا ورد الأثر. وفي الخبر ما يدل عليه إذ ورد في الغيبة أن المستمع شريك القائل٢ وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة تجب الحسبة فيه.

стр. 81

٤- رفض الجماعة الأولى لانتظار الثانية: نقل الطحطاوي عن رسالة لابن نجيم فيما إذا تعددت الجماعات في المسجد وسبقت جماعة الشافعية مع حضور الحنفي أن الأفضل الاقتداء بالشافعي بل يكره التأخير لأن الحنفي حالة صلاة الشافعي لا يخلو إما أن يشتغل بالرواتب لينتظر الحنفي وذلك منهي عنه لقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" ٥٢/ أوإما أن يجلس وهو مكروه أيضًا لإعراضه عن الجماعة من غير كراهة في جماعتهم على المختار. ونحوه في حاشية المدني عن والده الشيخ أكرم وميربادشاه والشرواني فإنهم رجحوا أن الصلاة مع أول جماعة أفضل. وكان مفتي البلد الحرام ابن ظهيرة الحنفي لا يزال يصلي مع الشافعية عند تقدم جماعتهم "كذا في رد المحتار".

стр. 82

٥- الإفتئات على الإمام الراتب: يوجد في كثير من الجوامع الكبيرة أناس يفتاتون على الإمام الراتب أي يتقدمون بالصلاة جماعة عليه قبل أن تقام له فيختزلون من الجامع ناحية يؤمون بها أناسا على شاكلتهم رغبة في العجلة أو حبًّا في الانفراد للشهرة. وقد اتفقت الحنابلة والمالكية على تحريم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب. قالت الحنابلة إلا بإذنه وإلا فلا تصح صلاته كما في الإقناع وشرحه. وقالت المالكية: كره إقامتها قبل الراتب وحرم معه ووجب الخروج عند إقامتها للراتب كما في أقرب المسالك، وكره ذلك الشافعية وافتى ابن حجر بمنعه بتاتا. وصرح الإمام الماوردي من الشافعية بتحريم ذلك في مسجد له راتب وكره ذلك الحنفية. ولا يخفى أن ما ينشأ عن هذا الإفتئات من المفاسد يقضي بتحريمه لأنه يؤدي إلى التباغض والتشاجر وتفريق كلمة المسلمين والتشيع والتحزب في العبادة، ولمخالفة أمر السلطان أو نائبة لأنه أذن للراتب فقط. ولاتباع الهوى ومضادة حكمة مشروعية الجماعة من الاتحاد للتآلف والتعارف والتعاون على البر والتقوى فإن في تقسيمها تناكر النفوس وتبديل الأنس وحشة، إلى مفاسد أخرى تنتهي إلى قريب الأربعين مفسدة. وقد جمعت في حظر ذلك رسالة سميتها "إقامة الحجة على المصلي جماعة قبل الإمام الراتب، من الكتاب والسنة وأقوال سائر أئمة المذاهب" فليحذر من هذه البدعة الشنيعة. هدى الله المفتاتين للإقلاع عنها.

стр. 83

٦- صلاة جماعتين فأكثر في محل واحد يشوش بعضهم على بعض: سئل العلامة مفتي المالكية الشيخ عليش المصري كما في فتاويه: ما قولكم في صلاة جماعتين فأكثر في محل واحد له راتب أولا ووقت واحد يقيمون الصلاة معا أو يحرمون بها معا ويتقدم بعضهم بركعة أو أكثر ويسمع بعضهم قراءة بعض أو بعضهم يقرأ وبعضهم يركع وبعضهم يسجد وبعضهم يتشهد، وقد تختلط صفوف المقتدين بهم فيجتمع في الصف الواحد إمامان فأكثر ويلتبس على بعض المقتدين بهم صوت إمامهم بصوت إمام غيره مع اشتغاله بسماع قراءة غيره وتكبيره وتسميعه عن سماع ذلك من إمامه. فهل هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة التي يجب على أهل العلم وأولي الأمر إنكارها وهدم منارها وهل جريان العادة به من بعض العلماء والعوام يسوغه أم لا؟ فأجاب ﵀: نعم هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة أول ظهوره في القرن السادس ولم يكن في القرون التي قبله وهو من المجمع على تحريمه كما نقله جماعة من الأئمة لمنافاته لغرض الشارع من مشروعية الجماعة الذي هو جمع قلوب المؤمنين وتأليفهم وعود بركة بعضهم على بعض، وله شرع الجمعة والعيد والوقوف بعرفة، ولتأديته للتخليط في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين والتلاعب بها فهو مناف لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ١ وقوله ﷺ : "اتقوا الله في الصلاة اتقوا الله في الصلاة اتقوا الله في الصلاة" ٢ وقوله ﷺ : "أتموا الصفوف" ٣ وقوله ﷺ : "أتمو الصف المقدم" ٤ وقوله ﵊: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" ٥ وفي الموطأ: سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال: "أصلاتان معًا أصلاتان معًا" وذلك في الصبح في الركعتين اللتين قبل الصبح٦ وإذا شرعت الصلاة حال الجهاد

стр. 84

وتلاحم الصفوف وتضارب السيوف بجماعة واحدة على الصفة المقررة ولم يشرع حالتئذ تعدد الجماعات فكيف يشرع حال السعة والاختيار ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ وقد أمر الله تعالى بهدم مسجد الضرار الذي اتخذ لتفريق المؤمنين فكيف يأذن في تفريقهم وهم بمحل واحد للصلاة مجتمعين. وقال ﷺ : "الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله تعالى بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه"١ وقال ﷺ : "حسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه"٢، وإذا كان هذا حال سامع الأذان المتلاهي عنه فكيف حال سامع الإقامة المتصلة بالصلاة المتلاهي عنها وهو في المسجد وكيف يمكن إجابة إقامتين فأكثر لو شرعتا في محل واحد ووقت واحد ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ . وأخرج الإمام النسائي عن عرفجة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ستكون بعدي هنات وهنات ٣ فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد تفريق أمة محمد وهم جميع فاقتلوه كائنًا من كان" ٤ وروى ابن ماجه عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا لا صرفًا ولا عدلًا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين"٥ وعن ابن عباس رفعه: "أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته"٦ وعن ابن مسعود رضي الله

стр. 85

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة" ١ ونحوه عن عبادة وأبي ذر. فلم يأذن لهم في تعدد الجماعة ولا في التخلف عنها فيجب على العلماء وأولي الأمر وجماعة المسلمين إنكارها وهدم منارها، وجريان العادة بها من بعض العلماء والعوام لا يسوغها. وقد ألف في المسألة الشيخ الإمام أبو القاسم عبد الرحمن الحباب السعدي المالكي، والشيخ أبو إبراهيم إسحاق الغساني المالكي، وبسطا الكلام عليها وأجادا فكفيا من بعدهما مؤنتهما جزاهما الله تعالى أحسن الجزاء بمنه. ثم أطال في التشنيع على من يتشاغل عن الاقتداء بالراتب بنافلة وحديث انتظارًا لغيره بأنه لم يقل به أحد الفقهاء لا فعلا ولا قولا. ثم قال: فأما إقامة صلاة المغرب وصلاة العشاء في شهر رمضان في وقت واحد فلم يستحسنها أحد من العلماء بل استقبحها كل من يسأل عنها ومنهم من بادر للإنكار من غير سؤال. ثم قال: وقال الشيخ إبراهيم الغساني: إن افتراق الجماعة عند الإقامة على أئمة متعددة إمام ساجد وإمام راكع وإمام يقول سمع الله لمن حمده لم يوجد من ذكره من الأئمة ولا دان به أحد بعد الرسول ﷺ لا من صحت عقيدته ولا من فسدت لا في سفر ولا حضر ولا عند تلاطم السيوف وتضايق الصفوف في سبيل الله ولا يوجد في ذلك أثر لمن تقدم فكيف له به أسوة قال جمال الدين بن ظهيرة المكي: وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لمن الهم رشده ولم تضل به عصبيته ودلائل المنع من ذلك من السنة الشريفة النبوية أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر. ثم قال: وعلى الجملة فذلك من البدع التي يجب إنكارها والسعي لله تعالى في خفض منارها وإزالة شعارها واجتماع الناس على إمام واحد وهو الإمام الراتب، وكل من قام في إزالة ذلك فله الأجر الوافر والخير العظيم المتكاثر. قال العلامة الحطاب

стр. 86

وما قاله هؤلاء الأئمة ظاهر لا شك فيه إذ لا يشك عاقل في أن هذا الفعل المذكور مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة وهو اجتماع المسلمين وأن تعود بركة بعضهم على بعض وأن لا يؤدي ذلك إلى تفرق الكلمة، ولم يسمح الشارع بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة وهو حضور القتال مع عدو الدين بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد وقد أمر الله بهدم مسجد الضرار لما اتخذ لتفريق الجماعة، وكان بعض الشيوخ يقول: فعل هؤلاء الأئمة في تفريق الجماعة يشبه فعل أهل مسجد الضرار، وقال القاضي أبو الوليد بن رشد: الجماعة إذا كانت بموضع فلا يجوز لها أن تتفرق طائفتين فتصلي كل طائفة منها على حدة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم نقل ما روى المنذر في الترغيب والترهيب في وعيد المحدثات. منها حديث العرباض وفيه عن النبي ﷺ : "وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ١ رواه أبو داود وغيره. ومنها حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من رغب عن سنتي فليس مني" ٢ رواه مسلم. ومنها حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : "أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته"٣ ومن المعلوم بالتواتر والضرورة أن سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين اتحاد الجماعة في الصلوات الخمس فتعددها فيها بدعة شنيعة وضلالة فظيعة وفي الصحيح "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية لمسلم "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٤ والله أعلم. انتهى كلام الشيخ عليش ملخصًا.

стр. 87

٧- بدعة السجدتين بعد الصلاة بلا سبب مشروع: قال الإمام أبو شامة في كتاب الباعث في عدة الوجوه المخالفة للسنة في بدعة صلاة الرغائب ما نصه: الوجه الخامس أن سجدتي هذه الصلاة المفعولتين بعد الفراغ منها مكروهتان فإنهما سجدتان لا سبب لهما والشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى في السجود إلا في الصلاة أو لسبب خاص في سهو أو قراءة سجدة. وفي سجدة الشكر خلاف استحبها الشافعي، وقال أحمد: لا باس بها وقال إسحاق وأبو ثور: هي سنة وكره النخعي ذلك وزعم أنه بدعة وكره ذلك مالك والنعمان ثم قال بالقول الأول أقول لأن ذلك قد روي عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي وكعب بن مالك. قال إمام الحرمين الغزالي: كان الشيخ أبو محمد الجويني يشدد النكير على من يسجد لله من غير سبب واقراه وقال الإمام المتولي صاحب التتمة جرت عادة بعض الناس بالسجود بعد الفراغ من الصلاة يدعو فيه قال: وتلك سجدة لا يعرف لها أصل ولا نقلت عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه. ا. هـ. ولعل مراد صاحب التتمة ببعض الناس من تابع في ذلك الصوفي الشهير محمد بن علي الترمذي الحكيم فإنه ذهب إلى استحبابهما لكل مصل جبرًا للسهو القبلي إذ لا يخلو أن يغيب ولو لحظة في نفس صلاته عن كونه مصليًّا والسهو غالبه من الشيطان فلا يجبر إلا بصفة لا يتمكن الشيطان أن يدنو من العبد فيها وهو السجود لحديث "إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي ... " ١ قرره في الفتوحات المكية ونقله عن الترمذي ولما كانت الصلاة سبيلها الاتباع حكم عليها الأئمة بالابتداع. ا. هـ.

стр. 88

٨- التأخر عن الصفوف في الرفوف: قال في الدر المختار: ولو صلى على رفوف المسجد إن وجد في صحنه مكانًا كره كقيامه في صف خلف صف فيه فرجة قال الطحطاوي: هل الكراهة فيه تنزيهية أو تحريمية ويرشد إلى الثاني قوله ﵊: "ومن قطعه -يعني الصف- قطعه الله" ١ قال صاحب الدر وبالكراهة أيضًا صرح الشافعية قال السيوطي في بسط الكف في إتمام الصف وهذا الفعل مفوت لفضيلة الجماعة الذي هو التضعيف لا لأصل بركة الجماعة. ا. هـ.

стр. 89

٩- المسيئون صلاة التراويح: لا يخفى أن صلاة التراويح في كل ليلة من رمضان سنة مأثورة وقد اعتاد كثير من جهلة الأئمة في معظم المساجد أن يخففوها إلى هيئة يقعون بسببها في الإخلال بأركان الصلاة وسننها كترك الطمأنينة في الركوع والسجود وكسرد القراءة وإدماج حروف التلاوة بعضها ببعض وكله من الرغبة في العجلة، وهذا وما أشبهه من أعظم مكايد الشيطان لأهل الإيمان يبطل على العامل عمله مع إتيانه به بل كثير ممن أطاعوا شيطان العجلة صلاتهم أقرب إلى اللعب منها للطاعة. فحق على المصلي فرضًا أو نفلًا أن يقيم الصلاة بصورتيها: الظاهرة من القراءة والقيام والركوع والسجود ونحوها، والباطنة من الخشوع وحضور القلب وكمال الإخلاص والتدبر والتفهم لمعاني القراءة والتسبيح ونحوها فظاهر الصلاة حظ البدن والجوارح وباطنها حظ القلب والسر وذلك محل نظر الحق

стр. 90

من العبد١. وقد ضرب الغزالي عليه الرحمة مثلا للذي يقيم صورة الصلاة الظاهرة دون باطنها بمن يهدي لملك عظيم وصيفة ميتة لا روح فيها وللذي يقصر في شيء من ظاهرها بمن يهدي لذلك الملك وصيفة مقطوعة الأطراف مفقورة العينين فهو والذي قبله متعرضان من الملك بهديتهما للعقاب والنكال لاستهانتهما بالحرمة واستخفافهم بحق الملك. ثم قال: فأنت تهدي صلاتك إلى ربك، فإياك أن تهديها بهذه الصفة فتستوجب العقوبة.

стр. 91

١٠- انفراد المصلين للوتر عن القدوة بإمام التراويح المخالف لمذهبهم: جرت عادة المصلين للوتر عن القدوة بإمام التراويح في رمضان في المساجد أن يقتدوا بالإمام فيها كلها ثم إذا أراد صلاة الوتر فالمقتدون الموافقون له في مذهبه يكملون معه صلاة الوتر جماعة أيضًا والمخالفون له في مذهبه ينفردون في الوتر بجماعة لهم يؤمهم أحدهم. أصل هذا الإنفراد والتباين والتقسيم في المصلين هو أن الحنفية يرون صلاة الوتر ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة والشافعية يرون فصل الركعة الأخيرة عما قبلها وأداء الثلاث بتسليمتين. فمحافظة على ما تقرر في مذهب كل يقوم كل مقلد بما يتقاضاه به مذهبه تعصبًا بدون نظر إلى ما روي في هذا الباب من الأحاديث الصحيحة والآثار الحسنة التي تشهد للآتي بكل من الوجهين بالصواب والصحة١ وبدون تفكر وتدبر فيما ينجم عن تقسيم الجماعة من إظهار المخالفة والمباينة وعدم الرضا بما يصنع كل، دع عنك التشويش في بعض المساجد الصغيرة ورفع كل صوته على الآخر في القراءة وغير ذلك مما ينافي مبدأ الجماعة ومشروعيتها وهدي الصحابة كلهم إذ لم يكونوا يقسمون جماعة الوتر، بل ربما يرون التقسيم من أنكر النكر إذ ما جمعهم عمر ﵃ في التراويح على إمام واحد إلا لرفع التقسيم والاختلاف، وللحرص على التجمع والائتلاف رواه المحدثون في أصل مشروعية التراويح والقيام بها في ليالي رمضان. والقصد أني أرى مصلي التراويح مع إمام المسجد ينبغي لهم إتمام الاقتداء به في صلاته إلى آخرها وعدم الانفراد عنه وطالما قررت ذلك في دروسي العامة وبينت لهم وجوه مآخذي. "فأولا" قرر علماء الأصول أن العامي لا مذهب له فإذا دخل المسجد فما عليه إلا أن يقتدي بإمامه وينصبغ بصبغته بل رأيت أستاذًا لي من الشافعية المحققين يقتدي بإمام مسجد حنفي في صلاة الصبح ويوافقه على ترك القنوت ولا يسجد للسهو -على مقتضى ما طلبه الشافعية- ويقول لي لا أرى من الأدب في العبادة مخالفة من اتخذته إماما لي ورضيته لذلك وهو

стр. 92

يستند في أداء عبادته إلى أدلة مأثورة صحيحة وحسنة١ وليس من الفقه والعقل أن أباين أمامي وآتي بما لم يأت به. فرحمه الله ما أوفر عقله وأحسن هديه. "المأخذ الثاني" ما كنت أقرره أيضًا وهو أن اقتداء الحنفي بالشافعي في الوتر وموافقته له جائزة فقد نقل الزيلعي في شرح الكنز عن أبي بكر الرازي قال: اقتداء الحنفي بمن يسلم على رأس الركعتين في الوتر يجوز ويصلي معه بقية الوتر لأن إمامه لم يخرج بسلامه عنده لأنه مجتهد فيه، وقيل: إذا سلم الإمام على رأس الركعتين قام المقتدي وأتم الوتر وحده. انتهى كلام الزيلعي. ففيه ما يدل على أن لا حاجة لانفراد الحنفي بجماعة الوتر إذا وجد شافعي يؤم في الوتر وكذا يقال للشافعية الذين ينفردون بالوتر إذا أمهم في التراويح حنفي يقال لهم إن الفقهاء الشافعية جوزوا في ركعة الوتر الأخيرة وصلها وفصلها ورأوا أن الأفضل الفصل لصحة الحديث به، وإذا كان كل من الفضل والوصل جائزًا عندهم فالاقتداء بالحنفي في الوتر على قواعدهم جائز لا إشكال فيه. نعم قد يستشكل متعصب منهم بأنه يقنت قبل الركوع والشافعي لا يراه فنجيبه بأن ما قبل الركوع وهو القيام يجوز فيه القراءة وغيرها -جوابًا مذهبيًّا- وإلا فالجواب الحاسم ثبوت الأثر٢ بصفة وتر الحنفية بما لا يبقى معه للنزاع مجال. "المأخذ الثالث" هو أن الوتر رويت فيه كيفيات متعددة كما بينته أمهات السنة وذكرت خلاصتها في كتابي "الأوراد المأثورة" فثبت صلاة النبي عليه

стр. 93

الصلاة والسلام له بإحدى عشرة ركعة مفصولة الركعة الأخيرة عنها وبثلاث بتسليمة واحدة موصولة، نعم روايات الفصل أصح إلا أن ذلك لا ينفي ثبوت غيرها، فحق الفقيه المتعبد أن يكون ذا بصر بالروايات وبالهدي النبوي فيعلم أن أئمة المذاهب عليهم الرحمة أدلتهم جلية، وأن النوافل الليلية رويت على أنواع توسعة على المتهجدين وأن اعتماد الإمام ليس إلا على ما رآه أرجح اجتهادًا مع تسليم غيره والاعتراف به، يدل على ذلك اقتداء بعضهم ببعض مع تخالفهم في الفروع تخالفًا اجتهاديًّا لا تخالف شقاق في الطاعات. وبالجملة فحق المصلي في المساجد أن يوافق أئمتها مطلقًا لما ذكرناه ومن خالف فما هو إلا متعصب لم يدر سر العبادة ولم يفهم حكم التشريع. بصرنا المولى بالحق وألهمنا رشدنا.

стр. 94

الفصل الثالث: في آداب الإمام والقدوة -وفيه فروع: الأول فيه مسائل: ١- قال التاج السبكي في معيد النعم: من حق الإمام النصح للمؤتمين بأن يخلص في صلاته ويجأر في دعائه ويتضرع في ابتهاله ويحسن طهارته وقراءته ويحضر إلى المسجد أول الوقت فإن اجتمع الناس بادر بالصلاة وإلا انتظر الجمع ما لم يفحش الانتظار. وبالجملة فينبغي أن يأتي بصلاته على أكمل ما يطيقه من الأحوال. ا. هـ. ٢- قال الإمام ابن عاشر المالكي: شرط الإمام أن يكون قادرًا على أدائها فإن عرض للإمام ما يمنعه القيام استخلف ورجع إلى الصف مأمومًا. وأن يكون عارفًا بحكم الصلاة أي عالمًا بما لا تصح الصلاة إلا به من القراءة والفقه فلا يصح الاقتداء بمن لا يحفظ من القرآن شيئًا ولا يعرفه والفقه هو معرفة كيفية الغسل والوضوء وأن يكون غير فاسق وأن يكون غير لحان وأن لا يكره المؤتمون أو أكثرهم وأن لا يكون مجهول الحال ما لم يكن راتبًا وأن لا يكون ضعيف العقل ولا متهمًا بارتكاب فاحشة تلغط الألسنة فيها وأن لا يكون مجذومًا يتأذون به ومثله من فيه مرض منفر وأن لا يشترط أجرة، وأما ما وقف فهو عطية لمن

стр. 95

قام بتلك المئونة. ٣- إمام المسجد وساكن البيت أحق ممن حضر إلا من ذي سلطان. والحر والحضري والمقيم والبصير والمختون ومن عليه ثوبان وساتر رأسه أولى من ضدهم "زاد المستقنع". ٤- يلي الإمام من المأمومين الرجال ثم الصبيان ثم النساء "زاد". ٥- يسن للإمام التخفيف مع الإتمام وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية. ٦- إذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها، وبيتها أفضل لها لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مسجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات" ١ رواه الإمام أحمد وأبو داود. وتخرج غير مطيبة ولا لابسة ثياب زينة. ٧- من ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرجع ليأتي به بعده لتحصل المتابعة الواجبة ويحرم سبق الإمام عمدًا للوعيد الشديد فيه "زاد". ٨- لو أحس الإمام في ركوعه أو التشهد الأخير بداخل يريد الاقتداء وإدراك الركن استحب انتظاره بشرط أن لا يطوله وأن يقصد به التقرب إلى الله تعالى ولم يفرق بين داخل وداخل. وأما إذا أقيمت الصلاة فلا يحل الانتظار بلا خلاف "كذا في روضة النووي". ٩- المسجد الذي يكثر جمعه فالصلاة فيه أفضل إلا في مسألتين: إحداهما إذا

стр. 96

تعطل المسجد القريب بغيبة جماعة فالصلاة فيه أفضل وإن قل جمعه، الثانية إذا كان إمام مسجد الأكثر مبتدعًا وجماعة غيره أقل فهو أفضل "كذا في الاستغنا في الفرق والاستثناء في القاعدة ٣٥". ١٠- يسن للمصلي أن يديم نظره إلى موضع سجوده إلا في مسائل منها حالة التشهد فينظر إلى سبابته ومنها إذا كان بقرب الكعبة استحب له أن ينظر إليها١ في وجه ومنها إذا خشي الهلكة ممن يأتيه غفلة منها عدم سماع مبلغ على وجه "كذا في الاستغناء في القاعدة ٣٨". ١١- قولهم تقبل الله منا ومنكم وتقبيل اليد بعد الصلاة بدعة لا أصل لها من السنة "كذا في عمدة المريد في البدع لابن زروق". ١٢- تعمق الإمام في المحراب وطول قيامه قبل الإحرام ودخوله قبل استواء الصفوف وقراءته بالثانية بأطول من الأولى كله بدعة "كذا في عمدة المريد". ٢- سنية تحية المسجد لكل داخل إلا في صور: يستحب لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين إلا في مسائل: منها الخطيب إذا دخل المسجد للخطبة فإنه يصعد على المنبر ويجلس عليه ولا يصلي التحية. ومنها إذا كان في وقت الكراهة بقصد التحية٢. ومنها إذا دخل والإمام

стр. 97

آخر الخطبة لم يصل التحية لئلا يفوته إدراك أول الصلاة مع الإمام ومنها إذا دخل من يريد الاقتداء والإمام في المكتوبة ومنها من دخل المسجد الحراف للطواف "استغناء". ٣- خطر إقامة من سبق إلى مكان في المسجد إلا في صور: من جلس في موضع من المسجد لصلاة أو اعتكاف لم يجز إخراجه. وكذا كل موضع مباح إلا في مسألتين أحداهما إذا جلس في موضع من المسجد لصلاة أو اعتكاف، وكان يعتاد جلوسه المفتي للإفتاء والمدرس للتدريس فيها أولا لعموم نفعهما بموضع اعتاده وعرفا به. المسألة الثانية إذا اعتاد أحد أصحاب البياعات موضوعًا للبيع فجاء غيره فجلس فيه فلمن اعتاد إخراجه منه وجلوسه في الموضع الذي اعتاد "استغناء". ٤- حظر المرور بين يدي المصلي إلا في صور: المرور بين يدي المصلي حرام إلا في مسألتين إحداهما المرور بين يدي المصلي لسد الفرجة التي في الصف الأول لتقصير من في الصف الثاني. الثانية ما إذا ازدحم الناس فلا نهي ولا دفع. قاله الغزالي والإمام وصوب النووي عدم الفرق وفي الكافية: إن كان تقصيرًا كما إذا صلى في طريق فلا كراهة

стр. 98

جزمًا. ومثله ما إذا صلى حول الكعبة في زمن الحاج وازدحم الناس عند الكعبة أو داخلها١. ٥- نهي ذي الريح الخبيثة عن دخول المسجد إلا في صورة: إذا أكل شيئًا نيئًا كالثوم والبصل والكراث فلا يدخل المسجد للنهي عنه لعلة التأذي الحاصل منه إلا في مسألة وهي ما إذا كان أكله لضرورة به. روى البيهقي في السنن الكبرى من رواية المغيرة بن شعبة قال: أكلت الثوم على عهد رسول الله ﷺ فأتيت المسجد وقد سبقت بركعة فدخلت معهم في الصلاة فوجد رسول الله ﷺ ريحه فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها" فأتممت صلاتي فلما سلمت قلت: يا رسول الله أقسمت عليك إلا ما أعطيتني يدك فناولني يده فأدخلتها في كمي حتى انتهيت بها إلى صدري فوجده معصوبًا فقال: "إن لك عذرًا" أو "أرى٢ ذلك عذرًا"٣. هذا لفظه في الحديث فاقتضى الاستثناء "كذا في الاستغناء".

стр. 99

الباب الثاني: في البدع المادية الفصل الأول زخرفة المساجد ... الباب الثاني: في البدع المادية وفيه فصول الفصل الأول: في فروع ١- زخرفة المساجد: روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى"١. وروى البخاري أن عمر ﵂ أمر ببناء المسجد وقال "اكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر". قال فاضل: من الذي كان يجسر من أهل البصر في الأجيال التي كان التنافس بالغًا حده في إقامة جدران المسجد والقباب وزخرفتها وبذل القناطير المقنطرة في أثاثها ورياشها، من الذي كان يجسر في تلك الأحيان أن يقول لأولئك المتبرعين إنكم إنما تبنون صروحًا لإيقاع العامة في إشراك البدع وتبذلون أموالكم لإحالة الدين إلى العبادات الصورية كما حصل في إشراك كل الأمم السالفة التي اعتاضت عن جمال العقيدة بجمال جدران المعابد،

стр. 100

وعن نور الإيمان بأنوار الهياكل، حتى جعلوا شعائر الدين أشبه باحتفالات الولائم وأقرب لاجتماعات المآدب لشدة ما تلتهي الأذهان بالنقوش والزخارف وما يشطح الفكر في التأمل في سجوف المنافذ وإبداع المنابر، مع أن القصد من تلك الاجتماعات كان تجريد العقل من ملهيات العالم المادي، وتخليصه من فاتنات المظهر الطيني، والذهاب بالروح على أجنحة ذلك الاجتماع المندمج إلى باب الرحمة القدسية لتطرقه بيد التجريد والعبودية الخالصة لترجع إلى عالمها بنور من عالم القدس يثبتها في جهادها ويقيمها على صراطها ويحميها عن فتن الدنيا ومداحضها حتى إذا أدت وظيفتها في هذه الحياة عرجت إلى عالمها بتلك القوة التي اكتسبتها ودخلت من جنان الفيض الإلهي في الحال التي أعدت لها. ا. هـ.

стр. 101

٢- كثرة المساجد في المحلة الواحدة ومزية المسجد العتيق: قال السيوطي في كتاب "الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع" ومن تلك المحدثات كثرة المساجد في المحلة الواحدة وذلك لما فيه من تفريق الجمع وتشتيت شمل المصلين وحل عروة الانضمام في العبادة وذهاب رونق وفرة المتعبدين وتعديد الكلمة واختلاف المشارب ومضادة حكمة مشروعية الجماعات أعني اتحاد الأصوات على أداء العبادات وعودهم على بعضهم بالمنافع والمعونات والمضارة بالمسجد القديم أو شبه المضارة أو محبة الشهرة والسمعة وصرف الأموال فيما لا ضرورة فيه. وجاء في "الإقناع" و"شرحه": ويحرم أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد إلا لحاجة كضيق الأول ونحوه كخوف فتنة باجتماعهم في مسجد واحد. وظاهره وإن لم يقصد المضارة. وعبارة "المنتهى": ويحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد بقربه. ا. هـ.

стр. 102

وقال الإمام ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص: كان السلف يكرهون الصلاة فيما يشبه مسجد الضرار ويرون العتيق أفضل من الجديد لأن العتيق أبعد عن أن يكون بني ضرارًا من الجديد الذي يخاف ذلك فيه. وعتق المسجد مما يحمد به ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فإن قدمه يقتضي كثرة العبادة فيه أيضًا وذلك يقتضي زيادة فضله. ا. هـ.

стр. 103

الفصل الثاني: تنوير المساجد في الأشهر الثلاثة وغيرها زيادة التنوير ليلة أول جمعة من رجب ... الفصل الثاني: في تنوير المساجد في الأشهر الثلاثة وغيرها ٣- زيادة التنوير ليلة أول جمعة من رجب: عادة هذا التنوير ليلتئذ في المساجد ومآذنها هو من بقايا بدع في تلك الليلة ذلك أنها كانت أحدثت فيها صلاة بين العشائين تسمى صلاة الرغائب ثم فشت وعمت وعظمت الفتنة بها فكانت توقد فيها المصابيح وتزدحم الأفواج على إحيائها في المساجد، ويقوم أهل القرى لأجلها وتختلط النساء بالرجال وينشأ من المفاسد ما لا يحصى كما وصفه الإمام أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" واغتر بعض الناس بذكرها في مثل "الإحياء" وقد جزم حفاظ الحديث بوضع الأحاديث المروية فيها: قال الحافظ أبو الخطاب١ اتهم بوضع حديثها علي بن عبد الله بن جهضم. ثم قال: وكذلك عمل الحسين بن إبراهيم حديثًا موضوعًا على رجال مجهولين وهو حديث جمع من الكذب والزور غير قليل. قال أبو شامة: وما ذكره الحافظ أبو الخطاب في أمر صلاتي رجب وشعبان أي من أنهما بدعتان وحديثهما موضوع هو كان سبب تبطيلهما في بلاد مصر بأمر سلطانها الكامل محمد بن أبي بكر أيوب رحمه الله تعالى فإنه كان مائلا إلى إظهار السنن وإماته البدع. ا. هـ. وبه يعلم أن هذا التنوير من بقايا آثار تلك البدعة.

стр. 104

٤- زيادة التنوير ليلة النصف من شعبان ونشر فضائلها وقراءة أدعية فيها: الكلام على التنوير فيها كالكلام فيما قبلها وهو من بقايا ما كان ابتدع فيها سنة "٤٤٨" من الصلاة الألفية فيها، يقرأ فيها: "قل هو الله أحد" ألف مرة في مائة ركعة تتلى بعد الفاتحة عشر مرات سورة الإخلاص. وكانت تنور المساجد لأجلها ويجتمع الألوف لأدائها ويحصل من الفساد ما بسطه أبو شامة في كتاب "الباعث" إلى أن أبطلها الملك الكامل جزاه الله خير الجزاء كما أسلفنا من قبل. وقال في كتابه المذكور عن أبي بكر الطرطوشي قال: روى ابن وضاح١ عن زيد بن أسلم قال: ما أدركنا أحدًا من مشايخنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان ولا يلتفتون إلى حديث مكحول٢ ولا يرون لها فضلا على سواها، قال: وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادًا النميري يقول: أجر ليلة النصف

стр. 105

من شعبان كأجر ليلة القدر فقال: لو سمعته وبيدي عصا لضربته، قال وكان زياد قاصا. وقال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية: روى الناس الأغفال في صلاة ليلة النصف من شعبان أحاديث موضوعة وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم من صلاة مائة ركعة. وقال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث١ ليلة النصف من شعبان حديث يصح٢ فتحفظوا عباد الله من مفترٍ يروي لكم حديثًا موضوعًا يسوقه في معرض الخير فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ فإذا صح أنه كذب خرج من المشروعية وكان مستعمله من خدم الشيطان لاستعماله حديثًا على رسول الله ﷺ لم ينزل الله به من سلطان. ثم قال: ومما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما وسمه المتشرعون وجروا فيه على سنن المجوس واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا الوقيد ليلة النصف من شعبان ولم يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد وصدق من الرواة وما أحدثه المتلاعب بالشريعة المحمدية. راغب في دين المجوسية لأن النار معبودهم. وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما كان أصلهم عليه من عبادة النيران ... إلخ. وأما دعاؤهم المشهور فلم يرد من طريق صحيح ولا غيره وإنما هو من جمع بعض المشايخ. قال شهاب الدين أحمد الشرجي اليمني "مختصر البخاري" في كتابه "الفوائد في الصلات والعوائد" في الفائدة الرابعة والستين فيما يدعى به ليلة النصف من شعبان قال: من ذلك ما وجد بخط الفقيه العالم الصالح أبي بكر بن أحمد دعير رحمه الله تعالى قال: أملى علي الأخ الفقيه العلامة عبد الله بن أسد اليافعي في طريق مدينة الرسول ﷺ سنة "٧٣٣" هذا الدعاء المبارك وهو: اللهم ياذا المن ... إلخ

стр. 106

٥- زيادة التنوير في رمضان: قال في المدخل: في زيادة وقود القناديل إضاعة المال لا سيما إذا كان الزيت من الوقف فيكون ذلك جرحة في حق الناظر لا سيما إن كان الواقف لم يذكره، وإن ذكره لم يعتبر شرعًا وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال كما تقدم هو سبب لاجتماع من لا خير فيه. وقال أيضًا: ألا ترى إلى ما فعلوه من زيادة الوقود الخارج الخارق حتى لا يبقى في الجامع قنديل ولا شيء مما يوقد إلا أوقدوه حتى إنهم جعلوا الحبال في الأعمدة والشرفات وعلقوا فيها القناديل وأوقدوها. وقد تقدم التعليل الذي لأجله كره العلماء رحمهم الله تعالى التمسح بالمصحف والمنبر والجدران إلى غير ذلك؛ إذ إن ذلك كان السبب في ابتداء عبادة الأصنام وزيادة الوقود فيه تشبيها بعبدة النار في الظاهر وإن لم يعتقدوا ذلك لأن عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها. وقد حث الشارع صلوات الله عليه وسلامه على ترك تشبه المسلمين بفعل أهل الأديان الباطلة حتى في زيهم المختص١ بهم وانضم إلى ذلك اجتماع كثير من النساء والرجال والولدان الذين يتنجس الجامع بفضلاتهم غالبًا وكثرة اللغط واللغو الكثير. فانظر إلى هذه البدع كيف يجر بعضها إلى بعض حتى ينتهي ذلك إلى المحرمات

стр. 107

وقال أيضًا: ما أحدثه الناس من زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن حد المشروع لم يكن من فعل من مضى من السلف وفيه إضاعة المال والسرف والخيلاء ومحبة الظهور والقيل والقال وبعضهم يلون الماء الذي في القناديل بحمرة أو غيرها وكلما زادت فضيلة الليالي والأيام قابلوها بضدها نسأل الله العافية بمنه. ثم قال ﵀: وهذا إذا كانت الزيت من مال الإنسان نفسه وأما إن كان من ريع الوقف فلا يختلف أحد في منعه ولو شرط الواقف ذلك لم يعتبر شرطه لقوله ﵊: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو أطل ولو كان مائة شرط" ١. وسبب ذلك سكوت بعض العلماء عنه، وقد زادوا على ذلك اعتقادهم أن فعل ذلك من إظهار شعائر الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون على انقلاب الحقائق. ا. هـ. وقال أبو شامة في بعض مفاسد الاختلاط في المساجد: كله بسبب الوقيد الخارج عن المعتاد الذي يظن أنه قربة وإنما هو إعانة على معاصي الله تعالى وإظهار لمنكر وتقوية لشعار أهل البدع ولم يأت في الشريعة استحباب زيادة في الوقيد على قدر الحاجة في موضع ما أصلا وما يفعله عوام الحجاج يوم عرفة بجبال عرفات وليلة يوم النحر بالمشعر الحرام فهو من هذا القبيل يجب إنكاره ووصفه بأنه بدعة ومنكر وخلاف الشريعة المطهرة. ا. هـ.

стр. 108

٦- إبقاء المصابيح متقدة إلى الضحوة أيام العيد: العادة في أغلب المساجد زيادة التنويرات في رمضان وليلة النصف من شعبان وليلة أول جمعة من رجب ويومي العيد. وقد قدمنا الكلام على الأول وبقي الكلام على إبقاء القناديل متقدة إلى الضحوة في العيدين عيد الفطر والأضحى والأغرب أنهم يوقدون الزائد على المعتاد بعد الفجر أعني في الوقت الذي ما بقيت الحاجة فيه إلى المصابيح الأصلية. فيأخذ شعال المسجد في إيقادها من ذلك الوقت ثم تطلع الشمس وترتفع وهي متقدة وقد استغني عنها. والغالب أنهم يطفئونها بعد انصراف القوم وفي مثل الجامع الأموي والسنانية يطفئون مصابيح زيت الكاز، وأما قناديل الزيت البلدي فيبقونها حتى تنطفئ بأنفسها ولو بعد العصر زعمًا بأن إطفاءها لا فائدة فيه إذ لم يبق فيها زيت يمكن توفيره والشعال يريد بعد هذا الموسم أن يغسل القناديل ويخبئها لمثل هذا الموسم فيتركها حتى تنطفئ. هذا ما يوجد في الجامعين المذكورين. ومعلوم أن إبقاءها متقدة -ولا حاجة إليها- فيه سرف لإضاعة المال بلا فائدة، وإعدادها ولا حاجة إليها إعداد محظور. وقد أسلفنا حظر زيادة التنوير على قدر الحاجة. نعم قد كان بعض أساتذتي ممن له سيطرة ونفوذ على جامعه بدمشق يأمر الشعال بإطفاء القناديل متى استغني عنها بالأسفار الزائدة أو بطلوع الشمس في أيام الغيم وكنت أستحسنه جدًّا لما فيه من إنكار منكر وتغييره بالفعل. ومن لنا ببقية المساجد أن تحذو حذو هذا الفعل الحسن. وقد أعجبني في بيروت سنة "١٣٢٣" في عيد الفطر في رحلتي الرابعة إليها في جامعها الكبير أن أطفئت القناديل منه عند طلوع الشمس وهكذا ينبغي أن يكون العمل. وفقنا المولى لاستعمال عقولنا فيما يرضيه عنا.

стр. 109

الفصل الثالث: ٧- المقاصير والدرابزين في المسجد: قال الإمام ابن الحاج: فعل المقاصير والدرابزين من البدع المحدثة وقد ترتب بسبب ذلك جملة مفاسد: أولها أن الموضوع وقف للصلاة وما فعل فيه لغيرها فهو غصب لمواضع صلاة المسلمين. الثاني: أن فيه تقطيع الصفوف وذلك خلاف السنة، ثم قال. السابع: ما في ذلك من مخالفة السنة. الثامن: أن ذلك من باب زخرفة المساجد. التاسع: إدخال الضرر على نحو أعمى بسببها. ا. هـ. أقول بقي من المقاصير القديمة العهد مقصورة المسجد الأقصى جانب منبره وكان في الجامع الأموي بدمشق مقصورة كبرى حول منبره ومحرابه إلى ركني القبة أزيلت في حدود سنة "١٢٨٠" بأمر والي دمشق وقتئذ وكان إحداث هذه المقصورة بأمر معاوية ثم زاد فيها سنة "٤٣" لما وثب عليه البرك١ لقتله وفي سنة "٤٣" أيضًا أحدث مروان في المسجد النبوي مقصورة وهو والٍ عليها. ومثل ما ذكره يقال في السدد السفلى التي أنشئت في حوائط المساجد الشمالية والتخوت المؤبدة ففيها من المحذورات ما تقدم ويزاد عليها ارتفاع المأموم على الإمام وإعدادها لمن يريد الانفراد عن الصفوف والأنفة عن غمار بركة المصلين ومحبة الترفع إذ غالب الأعيان متى دخلوا المسجد لأمر ما لا يقصدون من المسجد سواها مثوى ومتكأ

стр. 110

٨- كرسي القارئ في المسجد والتشويش بالقراءة عليه وقصد الدنيا بالقرآن: رأيت في مصر والإسكندرية أيام رحلتي إليها "عام ١٣٢١" هذه البدعة المنكرة وهي صعود حافظ على كرسي عريض مرتفع ذراعًا فأكثر وتلاوته عشرًا من القرآن بصوت مرتفع بعد الأذان وقيل إقامة الصلاة فترى أن التشويش على المتنفلين بالرواتب ما لا يمكن معه أداء الصلاة. ثم رأيت ابن الحاج نبه على هذا في المدخل قال ﵀: ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع ويؤبدونه وعليه المصحف لكي يقرأ على الناس ولا ضرورة تدعو إلى ذلك لوجهين: الأول أنه يمسك من المسجد موضعًا كبيرًا وهو وقف على المصلين لصلاتهم، الثاني أنهم يقرءون عند اجتماع الناس لانتظار الصلاة فمنهم المصلي ومنهم التالي ومنهم الذاكر ومنهم المفكر، فإذا قرأ القارئ إذ ذاك قطع عليهم ما هم فيه وقد نهى ﵊ عن رفع الصوت بالقراءة في المسجد بقوله ﵊: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" ١ وهو نص في عين المسألة. ا. هـ. ومثل ذلك في دمشق قراءة سورة الإخلاص ثلاثًا قبل إقامة الصلاة إعلانًا بأنه
следующие страницы →