← Адаб

Адаб · id 10543

فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق المقال الصحفي

محمود أدهم

Полный текст (353 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

" مقدمة ": بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد: فهذا هو كتابنا الأول عن "فن المقال الصحفي" الحادي عشر في حلقات هذه السلسلة التي أطلقنا عليها: "فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق".. وقد أبقينا على تناوله حتى الآن، حيث تصب في بحره، وتتجمع تحت ظلاله الفنون السابقة في مجموعها متفردا بهذه الخاصة هو و"فن التحقيق الصحفي".. وحيث تبدأ هذه الفنون بالخبر وتكون نهايتها "المقال الصحفي" وليس التقرير أو الماجريات كما يقول بعض النظريين.. ولأن المقال -كما ينبغي أن يكون- أعم وأشمل، ومستوياته أكثر حرفية وأقرب إلى الفن، ودوره أبعد تأثيرا وموضوعاته في أغلبها هي الأكثر خطورة ومحرره قد أصبح من مستوى الكتاب الأكثر نضجا وممارسة وثقافة, والأعمق فكرا والأقرب إلى التأثير في الرأي العام.. بعد أن اجتاز إلى ذلك طريقا طويلا وشاقا في مجالات صحفية أو أدبية أو علمية أو فكرية.. أو في هذه كلها، بحيث أصبحت هذه التجارب والممارسات وتأثيراتها التحريرية.. "صك قبول" عند القراء، وسندا يشد أزره.. ويرتبط باسمه في أكثر الأحوال.. وحتى الدارسين له فإن من البديهي -وهذا طابع المقال وتلك خطورته- أن تكون الفنون والأنماط السابقة قد مرت بهم أولا.. وأن يكونوا قد اكتسبوا خلال دراستهم لها ما يؤهلهم لدراسة فن المقال الصحفي, وإذن فإن تأجيل تناوله إلى هذا الحين هو أمر يتفق مع طابعه وأهميته وخطورته ومستويات محرريه، أو هكذا ينبغي أن يكون موقعه من الدراسات الإعلامية عامة والصحفية التحريرية خاصة, وكلنا يشهد أن محرري المقالات أو كتابها هم في أغلب الأحوال وأعمها من طبقة المحررين المتمرسين بفنون العمل الصحفي في مجموعه، أو من هؤلاء الذين دخلوا إلى الصحافة من باب مقدرتهم الكتابية على أي شكل من أشكالها أو الذين ينتسبون إلى هذه الأسرة

стр. 2

الصحفية من خلال هذه الصفات "التحريرية" نفسها وحيث تكون لهم أقلامهم وأفكارهم وأساليبهم المبدعة وبلاغتهم الصحفية التي تؤهلهم لهذا العمل القيادي الفكري الابتكاري الإبداعي معا وفي آن واحد.. على أننا ونحن نتوجه به إلى الدارسين أولا والزملاء الذين يجربون حظهم في هذا الحقل المتسع ثانيا وإلى كتاب المقالات من داخل أو خارج الأسرة الصحفية أو من "المصاحفين" ثالثا.. ونحن نفعل ذلك، إنما نرجو أن يكون مصحوبا بهذه النقاط: النقطة الأولى: أن هذه الدراسة تتلاءم بالشكل الذي جاءت عليه وباتجاهاتها ومادتها مع طابع المقدمات أو المداخل التعريفية تلك التي تقف من المقالة الصحفية عن قرب، أو تقوم على هامشها.. لبقي بعد ذلك أن يفيد القارئ منها -طالبا أو دارسا أو متدربا أو صحفيا- عن طريق التطبيق، وبواسطة التجربة العملية التي تضع ذلك كله في مجالاتها الحقلية أو المعملية.. أي: إن هذا الذي ننوي الحديث عنه تكمله الخبرة، وتعركه التجربة، وتصيف إليه الممارسة.... فوق الصفحات وفي السطور نفسها.. النقطة الثانية: ومن هنا فنحن نقول أيضا أن حديثنا القادم ليس هو كل ما يمكن أن يقال في هذا المحال، وإنما كان تركيزنا بالدرجة الأولى على: - ما يمكن أن يفيد في مجالي النظرية والتطبيق. - ما يمكن أن يخضع لمثل هذه الدراسة، والأكاديمية التدريبية المعملية، وفي ضوئها. - ما يتلاءم مع طبيعة المرحلة "الفكرية والعلمية"، التي يمر بها الدارس والقارئ عموما وهذه الخطوة التي يجتازها على طريق العمل أو الدراسة.. بالإضافة إلى من ذكروا من غير هؤلاء. النقطة الثالثة: ومن هنا أيضا فنحن نقول أنها ليست جميع المقالات الصحفية وإنما أبرزها وأهمها، وليصبح عندنا بعد ذلك عدة مقالات أخرى سوف نتناولها -بإذن الله- خلال كتاب قادم.. على أن يكون من أبرزها "المقال التحليلي - المقالات المتخصصة".. وغيرها من أنواع المقالات التي رأينا أن يضمها كتاب

стр. 3

آخر.. وحتى لا يكون تناولنا لها فوق طاقة هؤلاء الذين نتوجه إليهم هنا قبل غيرهم.. النقطة الرابعة: أن اعتمادنا خلال الصفحات القادمة كان كبيرا، وأنه تركز على عدة مصادر نرتبها هنا بحسب أهميتها، والقدر الذي اعتمدنا عليها فيه، ومدى الفائدة المتحققة. - المادة المقالية المنشورة على صفحات الجرائد والمجلات عربية وأجنبية. - أفكار وملاحظات ومرئيات عدد من كتاب هذه المقالات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. - المراجع الأجنبية. - المراجع العربية. - ملاحظاتنا ومرئياتنا ونظرتنا الموضوعية إلى هذه المواد كلها. وإذا كانت هذه النقاط في مجموعها تمثل إضافة ضوئية لا بد منها من أجل مزيد من الوضوح الذي نرجو أن يتهيأ للصفحات القادمة، فإن هذه الصفحات نفسها وكعهدنا في دراساتنا السابقة كانت فاتحتها تمثل إطلالة على مفهوم المقال، ونظرة طائر "خلفية" إلى قصته وماضيه مصريا وعربيا وعالميا، ثم أضفنا إلى هذه المعالم وقفة عند وظيفته أو الدور أو الأدوار التي يقدمها لجميع الأطراف المتصلة به تحريرا ونشرا وقراءة ومتابعة.. وحيث مثلت هذه النقاط مجموعة الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب ... أما الفصل الثالث فقد تناول أنواع المقال بداية بالمقال "الصحفي العام" الذي يمكن أن يكتبه وأن تنشره الصحيفة أو المجلة لكل صاحب فكر وقلم، خاصة من نجوم المجتمع في الأمور التي تهم أفراده ومرورا "بالمقال الافتتاحي" بموقعه الفريد والمتميز و"الاستراتيجي" من وسيلة النشر، ثم "المقال القائد الموقع".. الذي يعتبر بديلا عن المقال السابق عند البعض، وبعد أن قل الاهتمام به عن ذي قبل على غير ما كان ينبغي أن يحدث.. وبعد ذلك كان حديثنا عن "مقال التعليق" ثم "مقال التفسير" برباطهما

стр. 4

القوي وإلى حد الاختلاط أو الامتزاج أحيانا.. ليكون "مسك الختام" في هذا التناول، وعلى هذه الصفحات نفسها حديثنا عن "المقال العمودي" المعروف بالعمود الصحفي ثم "مقال اليوميات الصحفية".. بمواقعهما الهامة وبجانب "البلاغة الصحفية" المرتبطة بهما. كل ذلك مع عناية بجوانب تعريف هذه الأنواع وأهم خصائصها وأبرز أنماطها وما يمكن أو تنبغي معرفته عن محررها وأساليب وأطر تحريرها المختلفة. حتى كان الفصل الرابع والأخير والذي وقفنا فيه عند عدة معالم أساسية كان ينبغي أن يفرد لها مثل هذا الفصل، مثل خطوات تحرير المقال ولغته والعوامل المؤثرة فيه.. وفي النهاية قدمت عددا من النماذج "التدريبية".. مع شرح مختصر يمثل نقطة ضوء عليها. والله أسأل أن يكون فيه الخير والنفع وما يدخر ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.. وإلى مؤلف آخر بعون الله وتوفيقه. محمود أدهم مصر الجديدة - القاهرة

стр. 5

الفصل الأول: ماهية المقال الصحفي وقصته مدخل ... الفصل الأول: "ماهية المقال الصحفي وقصته" يمثل "المقال الصحفي"١ بتعدد أنماطه، وبكثرة أشكاله، المادة التحريرية الصحفية الأكثر أهمية، وإيجابية، وفعالية، عند "كبريات" الصحف العالمية، والعربية وتمثل صفحاته وأركانه وأعمدته وسطوره وكلماته الدليل المادي، والفكري، على حياة الصحيفة وقيامها بمسئوليتها الوطنية والاجتماعية بطريقة مباشرة. ومن ثم على أثرها وتأثيرها في مجريات الأمور، وعلى قيامها بالدور الذي ينبغي أن تقوم به خدمة لقرائها، وهو هنا دور واضح، ومتميز.. وإيجابي وفعال أيضا. وما ذلك كله إلا لأن هذا الفن التحريري الصحفي، إنما يمثل عن حق -وكما قال عنه قدامى الكتاب الصحفيين- عقل الجريدة والمجلة، ومن هنا، فإنهما عندما يقدمان إلى قارئهما مقالا من المقالات، فهما يقدمان "آية" ذلك العقل، وصورة من صوره، وأثرا من آثاره، أو -في أسلوب آخر- تقدم الصحيفة بنشرها للمقال على أي شكل من أشكاله رسالة من عقلها إلى عقل قارئها، لينقلها عقل القارئ بعد ذلك إلى مراكز شعوره وإدراكه, وليحس بها في النهاية كل الإحساس.. وما دام المقال رسالة من العقل إلى العقل، فهو الأكثر رقيا، واقترابا من طابع الإنسان الذي ميزه الله بالعقل، وهو أيضا دعوة إلى التفكير والتدبير والتنفيذ والتصرف ومن هنا أيضا كانت "قيمة" وكان "مستوى" وكان "أثر" تلك الصحف التي تحرص على نشره، ونظرة واحدة إلى تاريخ الصحافة العالمية أو العربية، لتؤكد عظم الدور الذي قام به المقال، وكتابه ومحرروه.. وصحفه ومجلاته وحيث أضافت إلى دور "السجل الأمين لأحداث العصر ووقائعه" أدوار

стр. 6

الرصد والتفسير والتحليل واستخلاص النتائج، لهذه الأحداث نفسها وكذا للاتجاهات والآراء والمواقف والقضايا.. تلك التي تصنع وتقود وتوجه الأحداث نفسها على يد كتابها.. هؤلاء الذين كانوا زعماء للفكر والإصلاح معا، والذين نهض العالم كله على أيديهم، وحقق ما حققه من تطور.. وحيث كان لمقالاتهم النقدية والفلسفية والعلمية والاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية والوطنية.. كان لها أبعد الأثر وأعمقه في فكر أمة بأكملها، في عصر بأكمله.. ومن هنا أيضا كان حرص الصحف "الأكثر احتراما والأكثر استشعارا لدورها الوطني والاجتماعي" على أن يقوم كتابها -من داخل أسرتها أو خارجها- بتحرير المقالات ونشرها، متوجهة بها نحو قارئها.. إلى "عقله" أولا، ليقبل عليها في البداية، وفي المحل الأول دائما، ذلك العدد من القراء "العقلاء أولا" الذين يرون الأمور بعقلهم، ويتعهدونها بفكرهم ويكون للعقل دوره في حركاتهم وسكناتهم وجميع تصرفاتهم التي بها يسود كل منهم ويحرز التفوق وبها يتقدم الصفوف قبل غيره من الذين يقدمون العاطفة، أو يتبعونها أو يبحثون عما يخاطبها من المواد.. وليس معنى ذلك -بالطبع- أن المقال الصحفي لا يعترف بالعواطف، ولا مكان فيه أو عند كتابه للإحساسات والمشاعر، وإنما معناه أنه -المقال الصحفي- يخاطب العقل أولا ويتخذ من مخاطبته له طريقا إلى مخاطبة العواطف السامية والاتقاء بالإحساسات النبيلة، كل ذلك عن طريق دعوته إلى إعمال الفهم، ودفع الفكر، وتفسير المحسوس، وشرح المؤثر والربط بين هذه كلها، وبين الفكرة التي يتناولها، والنتيجة التي يمكن أن يصل إليها. وليس معنى ذلك أيضا.. أن فنون التحرير الصحفي الأخرى، وأن أشكاله وأنماطه المتعددة كالخبر والموضوع الإخباري والقصة الإخبارية والحديث والتحقيق والتقرير والماجري.. تقتصر على مخاطبة العواطف والإحساسات وحدهما ولا تخاطب العقل، وإنما معناه أن هذه الفنون تخاطب العقل والعاطفة معا، ولكن فنون الخبر تخاطب العقل من خلال "ما هو كائن" أو "ما هو جار" وكذلك من خلال "ما يمكن أن يحدث أو ما يمكن أن يجري".. ثم تتوقف عند ذلك، لتخطو الفنون الأخرى خطوة إيجابية، أو أكثر من خطوة تؤكد رؤية المحرر وذاتيته وكيانه وتعكس فكره ورأيه وموقفه.. ولكنها -وبعضها كالتحقيق الصحفي

стр. 7

يعتبر عند عدد من العلماء نوعا من أنواع المقالات الوصفية أو الموضوعية أو مقالات المجلة بمعناها الشامل- تتوقف عند هذه الخطوات في أغلب الأحوال، ولا تواصل الشوط حتى النهاية.. شوط الخروج من دائرة وحدود "ما هو كائن".. إلى عمق وجوهر: "ما يجب أن يكون" بما يتصل بذلك من تفسير لما هو كان وتحليل له، وتوقع واستكشاف وتحذير ودعوة واستقطاب وهجوم ورد. وما إلى ذلك كله من أمر أكثر إيجابية، أكثر مضيا في دعوتها إلى أعمال الفكر واتخاذ المواقف، ودعوة إلى التغيير أيضا، وهو ما لا يمكن أن تقدمه المادة الإخبارية البحتة، على أي شكل من أشكالها وما يمكن أن تقدمه "بقدر" وبقدر محسوب، الفنون الأخرى التالية للخبر.. باستثناء فن المقال الصحفي طبعا.. الذي يقف كتابه عند قمة "الهرم الصحفي" بما وصلوا إليه خلال مسيرتهم الطويلة، أو خلال طريق الصعود إلى القمة، من تمرس بالتفكير، وتمرس بالتعبير أنتجا ما يتاح لهما مما لا يتاح لغيرهما من حرية مخاطبة القارئ والتوجه إلى عقله وإلى فكره بغية التأثير الإيجابي عليه، وعلى إدراكه، ومن ثم على دوافعه وسلوكياته كلها في النهاية.. من تصرفات وتحولات ومواقف مختلفة، يتفاعل خلالها من أحداث مجتمعه الصغير أو الكبير أو هما معا.. بتأثير مقال من المقالات التي سنتعرض لها خلال الصفحات القادمة بإذن الله. وإذا كان للمقال الصحفي كل هذه الخطورة، وإذا كنا سوف نعود مرة أخرى -بإذن الله- إلى تناول مهامه ووظائفه.. فقد حان الوقت للتعريف به وبماهيته، وبقصته أيضا.

стр. 8

أولا: ماهية المقال الصحفي ما يزال تعبير "المقال الصحفي" يغلف بنوع من الغموض، ويدل عند البعض على مواد عديدة بعضها واضح تماما، والآخر ينقصه الوضوح الكامل، كما أن بعضها غير محدد المفهوم، أو الطول، أو المساحة أو اللغة.. وما إلى ذلك كله، وربما كان هذا هو السبب في أن عددا ممن تناولوا فن المقال، قد أحجموا عن كتابة تعريف واضح ومباشر له، أو جامع مانع، أو أي تعريف على الإطلاق١، بينما اكتفى البعض بذكر تعريفين أو ثلاثة تعريفات من تلك التي أوردتها الكتب الأجنبية، دون أن يحاول تقديم تعريف من عنده، يعكس مفهومه في ذهنه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. مع أنه

стр. 9

كان يستطيع ذلك ويقدر عليه أيضا١.. تماما كما أن البعض الأخير قد قدم عددا في خصائص المقال، ووصف أنواعه على أنها تعريفه الكامل والشامل٢. على أن ذلك لم يكن حال المراجع العربية وواقعها وحدها، أو لم تكن هي فريدة في هذا المجال، ذلك أن أكثر المراجع الأجنبية أيضا قد وقفت مثل هذا الموقف. بل إن من العجيب أن هذه المراجع الأخيرة فقد قدمت "مئات" من التعريفات لفنون التحرير الصحفي الأخرى، خاصة الخبر، ثم وجدناها بخيلة في تعريفها لهذه المادة الأخيرة للأسباب نفسها "تشعبه وامتداده إلى فنون أخرى وكثرة تنوعه واختلاف معالمه وملامحه". ومن هنا كانت صعوبة التعريف.. الذي يمكن أن نستند إليه في مثل هذه الدراسة، استمرارا لطريقتنا التي تعتمد هذا الأسلوب.. ومن الغريب أن يكون الأصل في كلمة "مقالة" هي الكلام "المنطوق" أو الشفهي الذي يقصد به إحداث تأثير معين، قبل أن تأخذ شكلها المدون، من خلال نشاط ديواني "الإنشاء والرسائل" وحيث برزت الحاجة إلى تسجيل وتدوين وحفظ هذا اللون الفكري الأدبي أولا.. يدل على ذلك ورود الكلمة بهذا المعنى منذ "العصر الجاهلي" وفي مجالي الشعر والنثر معا فاستخدمت كثيرا تعبيرات مثل "مقالة حق, مقالة صدق, مقالة سوء, مقالة خير, مقالة شر ... إلخ" ومن ذلك -مثلا- قول الشاعر: مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ويقول أوس بن حجر: ويكفي المقالة أهل الدحا ... ل غير معيب ولا غائب كما استمر استخدامها في صدر الإسلام ضمن ما يطلق على "الخطية" وقد فعل ذلك "ابن هشام" في سيرته أكثر من مرة وكثر ترديدها في الأحداث التي صاحبت وفاة محمد رسول الله ﷺ وبيعة أبي بكر الصديق وجاء في خطبة عمر بن الخطاب ﵄: "أما بعد: فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها ... إلخ". وقد دار التعبير كثيرا على ألسنة الكتاب والمتحدثين والأدباء.. كما ورد مرات عديدة ضمن سطور كتب الأدب العربي.. ففي "كليلة ودمنة" مثلا وجدناها تتردد "فلما فرغ بيدبا من مقالته، فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته ... إلخ"٣.

стр. 10

ولعل ذلك هو ما جعل تعريف "المقالة الأدبية" يطغى على تعريفات الأنواع الأخرى من المقالات.. حتى على الصحفية والعلمية.. فنجد على سبيل المثال لا الحصر تعريف "الموسوعة الثقافية" الذي يقول عن المقال أنه: "فن من فنون التأليف الأدبي يكتب نثرا ويعطي أفكار المؤلف ومشاعره في أي موضوع من الموضوعات"١. كما وردت تعريفات عديدة أخرى مماثلة لهذا التعريف الأدبي الطابع، تؤكد انتماء المقال أولا إلى الأدب، وامتداد هذه النظرة إلى الآداب الغربية أيضا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: - المادة الكتابية النثرية التي يخاطب فيها الكاتب القراء مقدما لهم أفكاره وآراءه وخواطره, وما يتصل برؤيته للناس والحياة في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى. - كل كلام مكتوب قصد به التأثير في قارئه وإحداث انفعال ما مؤقت أو مستمر. - من تجارب وقراءات ومعايشات ورؤية الكاتب الخاصة والموجودة ضمن إطار إنشائي معين تتكون أغلب المقالات. - والمقالة أيضا عند البعض الآخر عبارة عن: "وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام وهو قطعة إنشائية لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس صاحبها، أما الإنشاء المنظم فليس من المقال في شيء٢. - أهم الفنون الأدبية على الإطلاق في عالم اليوم.. أن أغلب الكتب الصادرة هي مجموعة من المقالات فالنقد والتأليف والتاريخ والاجتماع والرحلات.. كلها مقالات في مقالات وحتى القصة القصيرة أيضا فإن شكل "المقال القصصي" الذي يتناول حدثا أو شريحة من الناس أو المجتمع، هو نوعية أخرى من هذا الإنتاج المقالي الأدبي الرفيع. وقريب من هذه النظرة الأدبية نفسها تعريف "قاموس اكسفورد" لهذا الفن والذي

стр. 11

جاء به: "المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوع ما، وهو دائما يعوزه الصقل ومن هنا يبدو أحيانا أنه غير مفهوم ولا منظم"١. ويحاول ناقد أدبي أن يجمع بين الزاويتين الأدبية والصحفية في تعريف له جاء فيه قوله أن المقال هو "شكل أدبي يستخدم للنثر عادة في توصيل الفكر من خلال طول معتدل يدور حول موضوع محدد، ويكون الموضوع عادة إخباريا أو تعليميا أو تحليليا، أي: إنه يجمع بين الرأي والخبر"٢. أما المقال الصحفي -من حيث هو- فقد وردت عنه بعض التعريفات كما أمكننا الحصول على عدد آخر منها.. ومن بين هذه وتلك أنه: - "الأفكار والخواطر والآراء ووجهات النظر المتصلة بفكر الكاتب من جهة وبنبض القراء واهتماماتهم من جهة أخرى.. وهو يكتب للنشر في الصحف والمجلات أولا، في وقت معين، وتختلف أطواله من مقال إلى آخر ... وفق نوعية وطبيعة المادة المطروحة به"٣. - "ما يمثل جانب الرأي الحر في الصحف والمجلات بقلم محرر كبير أو كاتب من أعضاء الأسرة الصحفية أو خارجها يطرح فيه ما يعتقد أنه في حاجة إلى شرح وتعليق"٤. ومن التعريفات "التقليدية" له أنه: - "إنشاء متوسط الطول يكتب للنشر في الصحف ويعالج موضوعا معينا بطريقة مبسطة وموجزة على أن يلتزم الكاتب حدود الموضوع"٥. - "المقال اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها العمق في بحثها أو

стр. 12

الإحاطة التامة في معالجتها ذلك أن كلمة مقال تعني محاولة أو خبرة أو تطبيقا مبدئيا أو تجربة أولية"١. وهناك تعريف آخر يقول: "في ظننا أن المقال الصحفي هو المقال الذي تنشره الجريدة لتغطية تساؤلات أو اهتمامات ذات صفة حالية مرتبطة بالأحداث الهامة أو المشكلات الهامة أو القضايا الهامة بالفعل في حياة قرائها أو تلك التي يمكن أن تجري في حياتهم في المستقبل القريب، وهذا المقال يمتاز ببلاغته الصحفية ويتخذ الصيغة المميزة لطابع الصحيفة التي تنشره أو الصيغة المميزة للمدرسة أو للمذهب الصحفي الذي ينتمي إليه كاتب المقال"٢. - أما عن تعريفنا الخاص للمقال الصحفي والذي نقدمه في إطار هذه الدراسة، وبالاتصال بأبرز مبادئ التحرير الصحفي العام، ومن خلال نظرة تجمع بين النظرية والتطبيق فقد سبق لنا أن قدمنا أكثر من تعريف من بينها ما يقول إن المقال الصحفي هو: - "فكرة يقتنصها الكاتب الصحفي خلال معايشته الكاملة للأنباء والأراء والقضايا والاتجاهات والمواقف والمشكلات المؤثرة على القراء وفي حركة المجتمع، يقوم بعرضها وشرحها وتأييدها أو معارضتها في لغة واضحة وأسلوب يعكس شخصيته وفكره وتنشر في الوقت المناسب وفي حجم يتلاءم مع نوعيتها وأهميتها ونتائجها المستهدفة". - "المادة التحريرية التي يقدمها كاتب صحفي في شكل فني معين وحجم مناسب ولغة واضحة وذلك للنشر الحالي بجريدة أو مجلة في إطار تفسيري أو توجيهي أو نقدي أو تحليلي أو بالجمع بين هذه الأطر، متناولة الأحداث والقضايا والمواقف والأشخاص والأفكار من أجل توعية القراء وتأكيدا لمسئوليته الاجتماعية، ولدور الصحيفة أو المجلة كوسيلة نشر". - "المادة التحريرية التي يقدمها كاتب صحفي استنادا إلى فكرة يحصل عليها من

стр. 13

خلال حضوره الذهني الصحفي ومعايشته للأحداث وعلاقاته الاجتماعية واتصالاته وقراءاته وخطابات القراء ومكالماتهم الهاتفية وما يرد عبر الأثير وذلك في إطار يفسرها للقراء ويحيطهم بأبعدها ويوجههم بشأنها، وقد يقوم بتأييدها أو معارضتها بطريقة تحمل طابعه في التفكير وأسلوبه في التعبير، وذلك للنشر في الوقت المناسب متلائمة مع طابع الصحيفة أو المجلة واهتمامات القراء وصالح الفرد والمجتمع". تدريب عملي "١": ١- ما الذي يمكن أن تستنتجه من هذه التعريفات كلها؟ "اكتب في حدود ٣٠ سطرا". ٢- قم بمحاولة لوضع تعريف من عندك للمقال الصحفي.. واذكر لماذا هذا التعريف؟ ٣- ارتكازا إلى دراساتك السابقة في فن التحرير الصحفي.. قارن بين تعريفات كل من: أ- الخبر. ب- التحقيق الصحفي. جـ- المقال. ثم اذكر ما يمكن أن تقدمه لك هذه المقارنة من نتائج.

стр. 14

ثانيا: المقال: تاريخ وصور - وإذا كان من الصحيح أن الشكل الأول من أشكال المقالة الحديثة قد ظهر على يد الكاتب الفرنسي "ميشيل دي مونتاني" عندما نشر عام ١٥٨٠ كتابه الذي أطلق عليه اسم "محاولات"١. وكانت هذه أول مرة يطلق فيها هذا التعبير.. بما زخر به من مادة قريبة من "المحاورة" بما تقيمه من جسور بينه وبين القارئ.. نفذ من خلالها بكتاباته الذاتية عن عواطف الآباء تجاه الأبناء وعن الضمير والبطالة والفراغ والغرور إلى غير ذلك من موضوعات "وجدانية". - وإذا كان من الصحيح أيضا أن الإنجليزي "فرنسيس بيكون ١٥٦١-١٦٣٦" هو الذي قام بنقلها أو على الأصح زحزحتها من المجال الذاتي إلى الممارسة الموضوعية العلمية بما وضعه لها من أساس أو "تقاليد" من أهمها التركيز على الفكرة الأساسية، وتحديد زاوية التناول أو المعالجة.. وما إلى ذلك. ثم تنتقل المقالة بعد ذلك إلى المجال "العملي" أو "الدوري" وهو نفسه المجال "الصحفي" على يد قادة الفكر الصحفي الإنجليزي في القرن الثامن عشر لا سيما "دانيال ديفو" و"ستيل"٢ وغيرهما من الكتاب الذين شعروا بجسم الصحفي.. حاجة القراء إلى هذا اللون الجديد من المادة المقالية. - إذا كان ذلك كله صحيحا.. فمن الصحيح أيضا أن يقال إن الحضارات

стр. 15

العالمية في عصور ازدهارها المختلفة لم تعدم وجود لون من الإنتاج الفكري الذي يمكن اعتباره من المقدمات الأولى لفن المقالة، أو من جذورها الضاربة في أعماق الفكر البشري، كما نحب أن نستخدم هذا التعبير.. وذلك على الرغم من: - عدم وجود المطبعة. - عدم معرفتنا بأسماء الكتاب إلا فيما ندر. - عدم استخدام كلمة مقالة أو معرفتها أصلا. وهكذا كان الحال بالنسبة لعدد كبير من ألوان الإنتاج الفكري القديم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر هذه الصور والمشاهد كلها: ١- ما يؤكده "ألن شورتر" من أن المصريين القدماء: "كانوا يغرمون دائما بالتعبير عن أفكارهم عن السلوك الشخصي في صورة نصائح مثل كتاب الأمثال في التوراة، وكان من عادة الكاتب أن يضعها على لسان رجل عظيم من عصر قديم يكون قد اشتهر بالحكمة"١.. ولعل من أقدم ما وصلنا عن هذه الحكم "المواعظ التي تمثل أقدم جذور لفن المقال بأنواعه المختلفة نصائح الوزير القديم جدا "كاجمني" أو "كاجمنا".. الذي كان وزيرا للبلاط الملكي في عهد الملك "سنفرو" -الذي تتخذ محافظة بني سويف من صورة هرمه شعارا لها- وهو من الأسرة الثالثة، وله كتابات عديدة من هذا الطراز تتصل بآداب السلوك الإجماعي والذوق العام وآداب الزيارة والمائدة ومن النوع الأخير -آداب المائدة- قوله في هذه العبارة: "إذا جلست مع أشخاص كثيرين فاصطنع كراهية الطعام حي ولو كنت شديد الرغبة فيه, إن الأمر لا يستلزم وقتا طويلا لضبط النفس وإنه لمن المشين أن تكون نهما، تعس هذا الرجل الشره من أجل جسده"٢. ٢- على أن أهم هذه النوعية وأبعدها أثرا -من الجذور المصرية القديمة- ما عرف

стр. 16

باسم "نصائح بتاح حتب" التي وجدها فلاح أقصري وباعها للعالم الأثري الفرنسي "بريس"١ الذي نشرها عام ١٨٤٧ وأهداها للمكتبة الأهلية في باريس وهي تشمل على ١٨ صفحة مكتوبة بالخط الهيراطيقي بالحبر الأسود والأحمر.. وقد ترجمت إلى لغات العالم كما درست بالمدارس الإنجليزية.. وحيث نقدم هنا صفحتها، "المقالية، الأولى والتي جاء فيها"٢: من حكم بتاح حتب: "إذا كنت رئيسا فعامل من هم أقل منك مرتبة برفق، واعلم أن مرؤوسك هو عضدك وساعدك، وأن التشدد في معاملته يعقل لسانه ويختم على قلبه فيخفي عنك ما قد يفيدك العلم به, أما إذا استعبدته بالحسنى فلعله يبوح لك بما يضمر ويفتح لك خزائن قلبه وعوده الحرية في القول يصدقك فيما ينفعك، ولا يخدعك فيما يضرك وإذا أتاك في أمر له فلا تجبهه بل كن شفيقا صبورا وإذا استطعت إجابة سؤاله فلا تبطئ فخير البر عاجله، وإياك والشدة في معاملة من يطيعون أمرك فقد تكون داعية إلى سوء الظن بك، واعلم أن الإصغاء للضعيف والمكروب فضيلة يمتاز بها الأخيار على الأشرار. إذا شئت أن تستبقي حب أخيك وإخلاص صديقك فاحذر مشورة النساء؛ لأنها مجلبة الشر في كل زمان ومكان، واعلم أن حب المرأة مجلبة الهلاك وما طاب عيش امرئ يقضي على سعادته ويستهين بحياته في سبيل لذة لا تدوم أكثر من طرفة عين وتورث آلاما تبقى مدى الحياة. اجتنب جلساء السوء فإن في بعدهم غنما وفي قربهم غرما. إذا شئت أن تكون صادقا في قولك أمينا في عملك فطهر نفسك من أدران العناد والطمع واحذر الشراهة والجشع، وإن كنت خلوا من تلك النقائص فحذار أن تقع في هوتها فإنها أدواء لا تستقيم حال المرء ما دامت جراثيمها عالقة به، واعلم أن تلك المعائب تفرق بين الوالد والولد

стр. 17

وتشتت شمل الجماعات وتبدد أوصال الصداقات وتقطع ما بين الرجل والمرأة من صلات الود والمحبة وتغرس بذور النفور والبغض". ٣- ولعلنا نجد صورة أخرى من صور هذه الجذور المصرية القديمة ممثلة في تلك الكلمات التي كان كثير من "علية القوم" في مصر القديمة ينقشونها على شواهد قبورهم -كما فعل عرب جنوب شبه الجزيرة بعد ذلك- وحيث كان بعضها إخباري الطابع، والآخر يمت بصلة نسب قديمة جدا إلى الأحاديث الصحفية.. وبعضها الثالث والذي نحن بصدده، يمت بمثل هذه الصلة، ولكن إلى مقال "الاعترافات" من جانب، وإلى "الترجمة الشخصية" من جانب آخر. وقد أشار إلى ذلك أحد الأساتذة حين قال: "لعل أقدم صورة للترجمة الشخصية تلك الكلمات التي كان ينقشها القدماء على شواهد قبورهم، فيعرفون بأنفسهم، وقد يذكرون بعض أعمالهم، واشتهر المصريون في عصور الفراعنة بكثرة ما نقشوا على قبورهم وأهراماتهم وفي معابدهم وهياكلهم من تواريخهم وأفعالهم"١ وحيث نذكر هنا أمثلة قليلة لهذه الجذور المقالية الكثيرة جدا: - بعض ما جاء في "متون الأهرام" عن حياة الملك. - ما تركه أحد حكام المقاطعات ممن عاشوا في القرن السابع والعشرين ق. م، حيث كتب على قبره عن حياته: "لقد أعطيت خبزا لكل الجائعين في جبل الثعبان -ضيعته- وكسوت كل من كان عريانا فيها، وملأت الشواطئ بالماشية الكبيرة وأراضيها المنخفضة بالماشية الصغيرة، وأشبعت كل ذئاب الجبل وطيور السماء بلحوم الحيوان الصغير.. ولم أظلم أحدا قط في ممتلكاته حتى يدعوه ذلك إلى أن يشكو بي.. إلخ"٢. - ومن أبرز هذه الجذور ما كتب على مقبرة "حرخوف"، الرحالة المعروف -من القرن السادس والعشرين ق. م- والذي نقش على واجهة مقبرته بأسوان قصة حياته المليئة بالمخاطرات، والتي يهدد فيها من يحاول سرقة هذه المقبرة قائلا: "ولقد أعطيت خبزا للفقير وملابس للعريان وعديت من لا قارب له، وأنتم أيها

стр. 18

الأحياء الذين على وجه الأرض والمارون بهذا القبر سواء أكنتم نازلين مع النهر أم صاعدين فيه.. قولوا ألف رغيف وألف إناء جعة تقدم لصاحب هذه المقبرة، وأما من يدخل هذا القبر مدعيا ملكيته الجنائزية، فإنني سأقبض عليه كما يقبض على طائر يرى وسيحاكم على ذلك أمام الإله العظيم ... إلخ"١. ٤- ما سجله "يوليوس قيصر" في كتابه الذي أطلق عليه المتخصصون اسم "التعليقات" مما يتناول حروبه في بلاد الغال والحرب الأهلية بينه وبين بومبي -أحد القادة المنافسين له- وإلى جانب عرضه عرضا بارعا يصور الدسائس والمؤامرات التي كان ينسج خيوطها من حوله الأصدقاء والأعداء على السواء، وهي المؤامرات التي انتهت بقتله بعد ذلك على يد ابن زوجته وربيب نعمته "بروتس"٢.. وحيث يمكن اعتبار هذه الكتابات من جذور مقالات "الاعترافات" و"السيرة الذاتية".. أيضا، مثلها في ذلك مثل هذه الجذور السحيقة المصرية الطابع. ٥- وبالمثل، وقريب من ذلك كله، ومما يمت بمثل هذه الصلة إلى هذه المقدمات نفسها تلك الصورة من صور "الوصايا" التي كان ملوك الفرس القدماء يوجهونها إلى أبنائهم، تعظهم وتقدم لهم تجربة الآباء والجدود، وتوضح سياستهم، وقد نقلها الغرب عنهم "وفي كتاب -تجارب الأمم- لمسكويه أن كسرى أنو شروان ألف كتابا في سيرته وسياسته، واكتفى مسكويه في التعريف به ببعض صفحات من هذا الكتاب تصور حروبه وانتصاراته على الروم والترك والديلم كما تصور سياسته الداخلية ونشره للعدل في رعيته وتخفيفه لمغارم الضرائب عنها حتى تقوى على عمارة الأرض واستخراج ثمارها"٣. ٦- وإذا كنا قد أشرنا -ومن قبلنا وولزلي ود. حمزة إلى اعتبار بعض "محاورات أفلاطون" من جذور الأحاديث الصحفية، فإن قراءتنا لهذه المحاورات٤ تظهر بما لا يدع مجالا للشك أن بعض فقرات هذه المحاورات الفلسفية القديمة

стр. 19

هي الجد الأكبر لشكل من أشكال المقالات هو ذلك الذي يعرف باسم "المقال الحواري". ٧- بل ولماذا لا نعتبر كتابات "أرسطو" شكلا من أشكال "المقالات الفلسفية والنقدية" لا سيما تلك الكتابات التي أودع فيها آراءه النقدية التي ضمنها كتابيه "الشعر - الخطابة"؟ إلى جانب تناوله لبعض أسس العلوم الأخرى إلى حد اعتباره واضعها وهي هنا علوم "المنطق, الحيوان, النبات, ما وراء الطبيعة".. وعلى الأخص، وبما يشبه المقالات الحديثة، قيام هذه الكتابات على أساس من منهجه العام, منهج الاستنباط الذي ينتهي إلى قواعد عامة. ٨- وقد أشار إلى مثل هذه الكلمات ناقد متابع حين قال في كتاب له: " ... فكتاب العالم القديم مارسوا كتابة أشكال أدبية مشابهة لكنهم لم يطلقوا عليها اصطلاح مقالة, فمن الممكن أن يحتوي المفهوم العام للمقالة أشكال الحوار التي برع فيها أفلاطون والآراء التي عبرت عنها شخصيات ثيوفرا ستوس ورسائل بليني وسينكا وكتابات بلوتارك الأخلاقية ومجادلات شيشيرون وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو الفلسفية وغير ذلك من الكتابات التي تدور حول موضوع محدد وذات طول معتدل١. ٩- على أن مؤرخ "فنون المقال" عامة، والصحفي خاصة، لا بد له من التوقف مرة أخرى عند عدد من "المقدمات" ذات الأطر والموضوعات الأدبية العربية، خاصة تلك التي سادت خلال "العصر العباسي" سواء ما يتصل بألوان وأغراض وأساليب الكتابة الفنية "الإنشائية" التي سادت في صدر الدولة، أو ما يطلق عليه مؤرخو الأدب "العصر العباسي الأول" بمدرسته الأولى النثرية التي تزعمها "ابن المقفع" أو مدرسته الثانية التي تزعمها "الصحفي الأول" وأعني به هنا الجاحظ، أو بالنسبة لألوان الكتابة التي سادت "العصر العباسي الثاني" لا سيما كتابات "عبد الحميد" وابن العميد، ولكل منهما مدرسته العلمية الكتابية المكملة للأخرى، والتي قيل عنها ضمن ما ذكرته كتب الأدب العربي:

стр. 20

"فتحت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد". أقول إن مؤرخ المقال لا بد وأن يتوقف عند هؤلاء, وبالذات عند عدد من نتاجهم الذي كان يمكن -وببساطة- أن ينشر ضمن صفحات الرأي وأبواب وزوايا المقالات الأدبية والنقدية والاجتماعية ومقالات الخواطر والتأملات ومقالات الفقرات وما إليها مما تنشره صحف اليوم باستثناء لغة العصر وأسلوبه، وحيث نتوقف هنا عند ملامح عدد من "مقدمات المقالة" عند اثنين من هؤلاء: - عبد الله بن المقفع: أول ما يهمنا من كتاباته أن اهتمامه بعنصر "الفكرة" أو الموضوع كان كبيرا بحيث طغى في أحيان كثيرة على عنصر "الأسلوب" ويلي ذلك اهتمامه بالكتابة "الهادفة" فهي ليست بذات التأثير اللغوي البلاغي فقط، وإنما لها تأثيراتها الاجتماعية والإصلاحية أيضا، كما أن من أبرز خصائص كتابته المتصلة بالكتابة الصحفية عامة، والمقالية خاصة أنه وضع قاعدة هامة تنادي بأن يكون في صدر الكلام ما يدل على غرضه، ويهمنا ذلك من ثلاث زوايا: أ- أنه يعني وصوله إلى تقسيم الكتابة إلى صدر وجسم أو مقدمة وصلب على نحو ما نفعل الآن. ب- أنه توصل إلى أهم معالم العنوانات والمقدمات وهي: الاتصال بالنص والقيادة إليه ولفت الأنظار إلى مضمونه ومادته عموما والإعلان عنه. جـ- أن ذلك يدخل في معرفته بما أسماه البلاغيون ورجال التحرير الصحفي بعد ذلك "براعة الاستهلال" وهي من الخصائص الفنية لأنواع الكتابة أدبية وصحفية. - عبد الحميد بن يحيى الكاتب: ويهمنا من كتاباته -ومما يتصل بالمقدمات المقالية نفسها- معرفته بأن "لكل مقام مقال" أي: أن يكون نوع ولغة وطول الكلام على قدر مضمونه وأفكاره وأهميته عامة.. ثم حسن تقسيمه لرسالته، والترتيب الدقيق لأفكاره، والاهتمام بالخاتمة أو النهاية إلى جانب المقدمة أو الصدر كما كانت عباراته قصيرة، دقيقة ومتماسكة, كل ذلك إلى جانب ميله إلى تقديم الحجج القوية والبراهين التي تؤدي إلى إقناع القارئ بما يقول, كما كان يبتعد عن اللفظ الغريب، والوحشي أو السوقي، وكلها من خصائص "المقالة" ذات الصلة القوية بالمقالة الصحفية عامة.

стр. 21

تدريب عملي "٢": ١- قم بالحصول على كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ واستخرج منه ما يمكن اعتباره من جذور المقال الصحفي، وذلك من وجهة نظرك الخاصة. ٢- ادرس نصا للكاتب "عبد الله بن المقفع" وقم بنقده وتحليله في ضوء التعريفات السابقة للمقالات, وحدد كيف يمكن اعتباره من بين جذور المقال، أو من غيرها. ٣- قارن بين نصين أحدهما للجاحظ والآخر لعبد الحميد الكاتب، وكتب مرئياتك لهما في ضوء هذه التعريفات نفسها.

стр. 22

الفصل الثاني: دور المقال وأهميته مدخل ... الفصل الثاني: دور المقال وأهميته لا يستطيع دارس أو باحث أن ينكر ما للمقال من أثر على حياة الأفراد والمجتمعات، بل والإنسانية كلها. وهذه التأثيرات لا تتوقف عند مجرد الانعكاس السريع، أو الانطباع الحالي الذي يمكن أن يتركه المقال في عقل وفكر ونفس وسلوكيات قارئه، بل يمتد أيضا إلى تصرفاته المستقبلية، بحيث تكون له أبعاده المستمرة، والتي يزيد من درجة تأثيرها حاجة الفرد في مجتمع اليوم إلى أكثر من مجرد الخبر البحت أو الخبر الصرف, وإنما تتضاعف حاجته إلى ما وراء الخبر، وما تمتد إليه مجالاته وما يمكن أن تمتد إليه اليوم وغدا في ظل مناخ مشحون بالقلق والخوف والرصد والرغبة في معرفة ما يطحن أحشاء القارئ العادي، ومسيرة ذلك كله، في خط متواز مع أهمية تنميته تنمية اجتماعية وسياسية تجعله يعيش عصره، بكل إيجابياته وسلبياته, ويقيه شر عواصفه وأنوائه الممثلة في ألوان دعايته وعوامل "تلوث" بيئته العقلية، ورغبة البعض في تسميم أفكاره والعمل على أن يفقد ثقته بقيمه ومبادئه التي نشأ عليها ودرج حتى تسهل مهاجمته وتدميره من الداخل والسيطرة الكاملة عليه، كطريق للسيطرة على مقدرات وطن من الأوطان، وجره وراء الأحلاف وربطه بمشروعات الدول الكبرى، بعد أن تنجح -كما تشاء أفكارها وأحلامها- في إقامة حاجز بينه، وبين مثله وأخلاقه وأعمدة مجتمعه التي يرتكز عليها. وإذا كنا سوف نعود -عمليا- إلى هذه النقطة لنرى بعض صورها فإننا -في أسلوب آخر- نقول إن المقال الصحفي يمكنه أن يؤدي جميع وظائف الصحافة المطبوعة كوسيلة نشر. ولا نقصد بذلك طبعا أن تقوم مقالة واحدة بجميع هذه الأدوار وإنما من

стр. 23

مجموع المقالات الصحفية المختلفة والمتنوعة، تحقق الوظائف الإعلامية المرموقة، وهي هنا وظائف: ١- الإعلام: بما تتضمنه المقالات من أخبار جديدة تعتمد على مصادر كتابها المختلفة وواضح أن هؤلاء الكتاب يكون لديهم من المصادر ما يفوق في أحيان كثيرة مصادر المخبر أو المندوب العادي، ومن هنا فإن من السهولة بمكان أن يخرج القارئ بعدة أخبار هامة وجيدة يعرفها لأول مرة تأتي عبر سطور مقال صحفي خاصة المقالات الافتتاحية والتعليقات والتفسيرات والمقالات التحليلية. ومن المؤكد أن القارئ المصري والعربي، كانا يخرجان بأخبار جديدة تنشر لأول مرة خبر مقالات عدد من الأساتذة من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: "أحمد أبو الفتح, محمد التابعي، مصطفي أمين، ناصر الدين النشاشيبي، محمد حسنين هيكل، سليم اللوزي، سعيد فريحة"، كما أننا قمنا بتجارب عديدة خرجنا منها بعدد من الأخبار الجديدة من مقالات عديدة من كتاب الجيل التالي لهؤلاء، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر مقالات: "إبراهيم سعده، أحمد الجار الله،- تركي السديري، جهاد الخازن، محمود الكايد، ميشال أبو جوده وغيرهم" وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ويزيد من أهمية الدور الإعلامي الإخباري لبعض المقالات -خاصة التحليلية منها- أن الأخبار والمادة الإخبارية التي تنشرها تكون من نوع الأخبار السياسية الهامة، وبعضها يكون من "الأسرار" التي قد لا يمكن للمندوب العادي أن يحصل عليها إلا بعد جهد جهيد، أو قد لا يعرف إليه سبيلا, ومن هنا فقد قلنا في كتاب سابق لنا، ويضاف إلى ذلك كله أنه قد تنشأ صداقة متينة بين رئيسن الدولة أو الحكومة أو المجلس التشريعي أو وزير الإعلام وبين رئيس التحرير نفسه إلى حد يجعل بعضهم أو جميعهم يخص رئيس التحرير بالأخبار الهامة.. صانعة المانشيتات١. ولكنه هنا -رئيس التحرير أو مديره أو نائبه- لا يستخدمها الاستخدام الإخباري العادي، وإنما يحتفظ بها لتظهر في مقاله العادي أو الأسبوعي ولتكون من أهم ما يحتويه هذا المقال.

стр. 24

وحتى في حالة عدم تضمن هذه المقالات لأخبار جديدة، فإن في إعادة نشرها للخبر الهام موضوع المقال نفسه دعم للجانب الإخباري، وفرصة لمن فاته قراءة الخبر في المرة الأولى، تماما كما يعرف بعض الكتاب بأن مقالاته "إخبارية" من الدرجة الأولى، وهكذا. ٢- الشرح والتفسير: وهو الدور "الحضاري" الهام الملقى على عاتق عدد من أهم المقالات، من بينها مقالات افتتاحية تعرف بهذا الاسم، ومقالات تفسيرية كاملة، كما أن أغلب أنواع المقالات تستند إلى هذا الأسلوب وتعتمد عليه اعتمادا كبيرا، وهو طريقها إلى مساعدة القراء في الدراية بأحوالهم، ومحو أميتهم السياسية والفكرية، وسبيل إلى أداء هؤلاء لدورهم الوطني كمواطنين. ٣- التوجيه والإرشاد: وهو ما تنتظره جموع القراء من كتاب المقالات بوصفهم من قادة الفكر والرأي والسياسة في بلد من البلاد يقوم على عاتقهم واجب توجيه الجماهير إلى ما فيه صالحها وخيرها وما يتصل بذلك كله من تنبيه إلى الأخطار المحدقة بالوطن، أو بخطط التنمية، أو بالفرد نفسه. إن التوجيه والإرشاد من الأدوار السياسية، والاستراتيجية أيضا للمقال الصحفي بأنواعه المختلفة. ٤- التثقيف: بما يقدمه كتاب المقالات العامة، والمتخصصة على وجه التحديد من ثقافة رفيعة المستوى تدعم دور الصحيفة أو المجلة بوصفها "مدرسة للشعب" يتعلم ويتثقف على صفحاتها وبين أعمدتها وسطورها المختلفة، وإذا كان هناك من يهاجم وسائل الإعلام مشككا في الدور الثقافي الذي تؤديه، فإن من الحق القول إن "صحافة الرأي" لا يمكن أن يوجه إليها مثل هذا الاتهام كما أن "كتاب المقالات" هم من قادة الثقافة أيضا. ٥- تنمية المجتمع: تتنوع اتجاهات المقالات، ومجالاتها وكتابها وخوضها وتناولها لمسائل التنمية الفكرية والاقتصادية والصحية والشاملة لجموع المواطنين، والمقالات الصحفية هنا ذات اتجاه ثنائي، الأول يسهم في "الفكر التنموي"، إسهاما كبيرا بأسلوب مباشر بما يقدمه من أفكار ومقترحات وما يعرضه من تجارب الأمم والشعوب الأخرى، والثاني بقيام الكاتب، والمقالة نفسها بدور المراقب لتنفيذ خطط

стр. 25

التنمية، الحريص على متابعتها وعلى لفت الأنظار وتوجيه الانتباه لما يمكن أن يقوم من ثغرات، أو ينشأ من سلبيات في التطبيق، وهكذا تمارس المقالة دورها "الرقابي" من أجل صالح خطط التنمية نفسها، وكأسلوب إيجابي للعمل على نجاحها. ٦- الدفاع عن العقيدة في مواجهة أعدائها الذين يهدفون إلى زعزعة الإيمان في صدور القراء. ٧- مواجهة دعايات الأعداء والرد على أباطيلهم وحماية المواطن من شرها. ٩- تأكيد القيم والمبادئ والمثل العليا والدفاع عنها والحث على اتباعها والتمسك بها. ١٠- تأكيد الروابط الاجتماعية وتقويتها، ودعم أواصرها بين أبناء الوطن الواحد بما يقدمه كتاب المقالات من أفكار وشروح وتحليلات تبرز دور التكافل والتضامن وتهاجم أدعياء الفرقة وتعمل على التقريب بين الاتجاهات والمواقف والمذاهب المختلفة. ١١- التعليم: بما تقدمه المقالات التعليمية والمتخصصة في مجالات التدريب وطرق أداء الاختبارات وتنمية المهارات، وما تشرحه من أساليب تعليمية وإرشادية، خاصة بالنسبة لمقالات "الخدمات" التي أصبحت تنتشر فوق صفحات المجلة، إلى ما تقدمه من خبرات وتجارب وممارسات الأساتذة والرواد من كتاب المقالات العلمية والمتخصصة. ١٢- التسلية والإمتاع: وهي تنتشر بأنواع عديدة من المقالات، حتى بعض المقالات الانتقادية والثقافية، فضلا عن المقالات الكاريكاتورية نفسها التي يكون لها السبق في هذا المجال. ولكننا نشير هنا إلى أنها ليست أية تسلية، وليس أي إمتاع، وإنما ما يهدف إلى القضاء على ملل القارئ، ويحول بينه وبين تسلل مشاعر اليأس والقلق والإحباط والاكتئاب وسط "ضغوط" المدنية الحاضرة، وما تجره من ويلات، وما تتيحه من فرص ضئيلة للاستمتاع بالحياة، والطبيعة وما بها من جمال. ١٣- تقديم الفكر الرفيع ومواجهة تيارات الإسفاف والقشرية التي تحاصر

стр. 26

الإنسان في شكل أفلام هابطة، وأغان تافهة، وبرامج رتيبة، وما أدخله "الفيديو" وأضافه إلى هذه كلها من عوامل فساد وإفساد، وما أدى إليه انتشاره في بعض البلاد العربية من سلبيات عديدة، وبتأثيره القوي على عقول الناشئة والأسرة كلها, تمثل المقالات وسط هذه التيارات كلها "جزيرة الأمل" أو "واحة" القارئ المحافظ على مثله وقيمه الباحث عن الهام والجاد والآمن. ١٤- التبشير بالجديد المفيد، والدعوة إلى إحلاله وتطوير المجتمع من خلاله، والحث على الإفادة من معالم التقدم الحضاري، في غير طفرة أو مغالاة. ١٥- الدفاع عن حرية الفرد والمجتمع، والعمل على تكوين الرأي العام النسابة والمستنير ودعم المجتمع الديموقراطي.. كسبيل إلى النهوض بالأمة ... وتعود الشعب وتعويده على الممارسة الديموقراطية السليمة، فكرا وتطبيقا بما يعود عنه بالخبر، وعلى الأجيال نفسها, قوة ومنعة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون من كتاب المقالات. هذا بعض مما تقدمه المقالات للفرد والمجتمع. ولكن.. لأهمية نقاط بعينها، وتأكيدا لدور المقالة، ووظائفها، فإننا نتوقف عندها هذه المرة بطريقة مخالفة لطرق تناولنا لأدوار الفنون الأخرى من تلك التي تحدثنا عنها سابقا، في كتبنا المختلفة، ومن هنا فنحن نقول:

стр. 27

أ- ماذا يريد القارئ اليوم ؟ إن قارئ اليوم يريد حقيقة أن يعرف أخبار مجتمعه الصغير -المدينة أو المحافظة- وأخبار مجتمعه الكبير -الوطن- وأخبار المجتمع الأكبر.. العالمي. ولكنه -حتما- لا يريد أن يعرف الأخبار فقط؛ لأن بعضها معقد تعقيدا كبيرا وبعضها الآخر يحتاج إلى شرح وتفسير, وإلى تعليق وتحليل، وإلى استكمال مناسب يربط بين أجزائه وأطرافه وإلى مادة تحدد في النهاية تأثيرها عليه. أو في أسلوب آخر أنه يحتاج إلى: "شرح الأخبار المختلفة وتحديد مكانها من الأهمية وتفسير الصلة بينها وبين الأفراد والمجتمعات وتوضيح مغزاها للقارئ.

стр. 28

كما يحتاج أيضا إلى أن يحيط بأسبابها واحتمالات تطورها مع توجيهه وإرشاده وأحيانا دعوته إلى اتخاذ موقف بشأنها١. ولكن لماذا يحتاج القارئ إلى كل ذلك؟ إنه إنعكاس لما يدور في عالم اليوم، وأثره على القراء، ومسئولية الصحافة -ممثلة في كتابها- في مواجهة ذلك كله. - فهناك ذلك التعدد الكبير في المذاهب السياسية والفكرية والاجتماعية وما أسفر عنه ويسفر كل يوم من منازعات محلية وإقليمية ودولية، يقف القارئ حيالها وهو في أشد حاجة إلى من يقوده بينها إلى بر الأمان، لا سيما القارئ العربي والمسلم، الذي تستهدفه بعض هذه المذاهب من أجل زعزعة ثقته في دينه ومبادئه ومثله وأخلاقه, ووطنه أيضا، بما يضاعف من مسئولية المقال وكتابه من أجل درء هذه الأخطار والدفاع عن هذه الأعمدة، وفضح محاولات التضليل من جانب أصحاب هذه المذاهب، وأعلامهم الذي يحاول أن يبذر بذرتها وأن يبشر بها في مجتمعنا العربي والإسلامي. - بل إن هناك الحاجة الشديدة والمتزايدة إلى التعريف بديننا الحنيف وما يحض عليه، وبركائزه وأبعاده وأسسه التي يقوم عليها، وما يحث عليه من فضائل وما يدفع إليه من مواقف تحق الحق وتنصر الضعيف وتدافع عن المظلوم وتردع الظالم. - والحاجة شديدة أيضا إلى ألوان المقالات المختلفة من تلك التي تقدم التجارب الرائدة والمواقف الشجاعة والقصص المعلمة والقدوة الحسنة والأنموذج النابه وسط تيارات العصر التي تعصف بالقراء، والشباب منهم على وجه الخصوص, وتجعله يعيش قلقا وحائرا ومترددا، بينما يستطيع كتابها أن يحسنوا قادته وأن يضيئوا -بفكرهم وضميرهم اليقظ- طريقه. - ولماذا لا نقول أن هناك الثغرات العديدة في البناء العربي، والمسافات البعيدة بين العقل العربي والعقل الآخر، بما يبعد أبناء الأمة الواحدة عن التواد والتعاطف والتضامن، وفي يد كتاب المقالات أن يحاولوا سد هذه الثغرات ورأب الصدع

стр. 29

القائم أو الذي يقوم، والتقريب بين العقول والأفهام، وذلك بالتزامهم القوي بالصالح العربي، وبدعوتهم إلى السمو فوق الخلافات والمشكلات العارضة، والعمل على الوقوف صفا واحدا وكبنيان مرصوص، في مواجهة رياح الشر التي تعصف بهم من كل جانب. هذا قليل من كثير مما يجعل من "المقال الصحفي" فنا ضروريا، لا بد من وجوده فوق الصفحات، أو في أسلوب آخر أنها -بالإضافة إلى أدائه لجميع أدوار ووظائف الصحافة- المسئولية الاجتماعية والوطنية والقومية الملقاة على عاتق كتاب المقالات الصحفية".

стр. 30

ب- الصحافة العربية.. وفن المقال , سطور مختارة: وإذا كنا نتحدث عن دور المقال وأهميته، فإن من المناسب هنا الإشارة إلى أن الصحافة العربية كانت في أغلب فترات حياتها مقالة، ولعل في بعض الأسباب التي دعت إلى اتباعها هذا الطريق ما يزيد من إلقاء الضوء على دور المقال ووظائفه، خاصة من الزاويتين السياسية والوطنية، وهما دون شك أهم الزوايا. - ومن هنا فنحن نسأل أيضا: لماذا كانت الصحافة العربية في أغلب فتراتها صحافة مقالة؟ أما الإجابة فتلخص في هذه النقاط: ١- في عهد "محمد علي باشا" الذي شاهد بداية الصحافة العربية المصرية، كانت هناك -أولا- عدة اتجاهات إخبارية قوية تعكس حالة بلد يجري بناؤه، وحكم يريد أن يتقرب إلى الشعب بأعماله حتى يتمكن من تثبيث دعائمه، إلى جانب معالم نهضة شاملة بدأت تتضح رويدا رويدا، وبرزت انعكاساتها الإخبارية في رغبة أولية للوالي بأن يقدم له عماله وموظفوه ملخصا عن حسابات الأقاليم والمصالح، وأهم ما يتصل بجوانب إدارتها وذلك في نهاية كل شهر ثم كل سنة ثم في فترات أخرى متقاربة في صورة تقرير أطلق عليه التعبير الفرنسي "جورنال".. ثم لما رأى "الباشا" تكاسل عماله أمر بمزيد من الاهتمام بها، وجعل لها ديوانا خاصا بالقاهرة وله فروعه بالأقاليم الكبرى أطلق عليه اسم "ديوان الخديو" زيادة في الاهتمام به، ومن هنا أخذت التقارير المعروفة باسم "جورنال" اسمها الشهير "جورنال الخديو" الذي قام بالدور الإخباري

стр. 31

على الشكل الذي أراده الوالي خير قيام، ويذكر مؤرخ له عن "فورني" أنه كان يطبع من الجورنال "مائة نسخة" باللغتين العربية والتركية متضمنا الأخبار الرسمية: الحكومية وبعض قصص من ألف ليلة وليلة، وكان هذا التقرير الذي يمكن تسميته بالجريدة الرسمية مع شيء من التجاوز يرسل إلى رجالات الدولة ومأموريها الذين يعنيهم أن يقفوا على أحوال البلاد والنظام الجديد فيها١. ثم أخذت هذه "النغمة الإخبارية" تشتد وترتفع في الصحيفة الرسمية الأم "وقائع مصرية". تلك التي جاء بافتتاحية العدد الأول منها: "الحمد لله ... أما بعد فإن تحرير الأمور الواقعة من اجتماع جنس بني آدم المتدبجين في صحيفة هذا العالم ومن ائتلافهم وحركاتهم وسلوكهم ومعاملاتهم ومعاشراتهم التي حصلت من احتياج بعضهم بعضا هي نتيجة الانتباه والتبصر بالتدبير والإتقان، وإظهار الغيرة العمومية، وسبب فعال منه يطلعون على كيفية الحال والزمان وهذا واضح لدى أولى الألباب"٢. وصحيح أن "الاتجاه الإخباري" كان أكثر بروزا، ولكن ليس معنى ذلك أن الاتجاه المقالي لم يكن له وجود، وإنما كانت هناك مقالات عديدة إما بتوجيه من الوالي -محمد على باشا نفسه- أو من رجاله، أو من أجل مديح أعماله والإشادة بها, ومن ذلك -مثلا- الأمر الصادر من "المعية" إلى "سامي أفندي" ناظر "الوقائع" والذي جاء به: "فقد صدر الأمر العالي بأن تكتبوا مقالا شائقا في الوقائع في هذا الشأن"٣.. يقصد بعد الأمر بصرف باقي استحقاقات "الآلاي الثاني والأورطة البلطجية". ثم أخذ الاتجاه المقالي يقوى ويشتد ويسير بحذاء الاتجاه الإخباري مع بداية الاهتمام الخارجي للوالي.. وذلك في جانبيه: جانب العلاقات بينه وبين الباب العالي، وجانب اهتماماته الأوروبية، وحيث كانت حاجته تشتد إلى لون جديد من ألوان الدعاية "المقالية" التي تحاول أن تصل إلى القلوب والأفهام، وليست الدعاية أو الإعلان عن أعماله عن طريق المادة الإخبارية وحدها.. وذلك إلى جانب المقالات

стр. 32

التي تناولت الأعمال الداخلية وبررتها, وراحت تكيل المديح للوالي والثناء على نهضة البلاد على يديه وعلى حكمه العادل. حتى بدأت سيطرة المقالة مع ازدياد وقع أقدام جيوش الوالي المحاربة، واعتراضها لكل ما يقف في طريقها حتى السلطان التركي نفسه، ومع غضب الأخير وانبهار الدول الأوروبية وخوفها وقلقها ثم اجتماعها عليه وتحطيمها لأسطولة في موقعة "نافارين" البحرية. ٢- وقد استمر الاهتمام بالمقالة في الصحف العربية التي صدرت بمصر بعد ذلك لا سيما صحف: "السلطنة ١٨٥٧، يعسوب الطب ١٨٦٥ للمقالات العلمية خاصة، وادي النيل ١٨٦٦، نزهة الأفكار ١٨٦٩, روضة المدارس ١٨٧٠، وعند الأخيرة تتوقف قليلا لنقرأ مما يتصل بهذا الموضوع نفسه عن قرب. فصحيح أن مادتها قد غلب عليها الطابع المدرسي أولا، العلمي ثانيا، ولكن من الصحيح أيضا القول أن اهتمامها بمختلف أنواع المقالات أدبية وعلمية وتعليمية واجتماعية وفكاهية وتاريخية.. قد جاء بشكل لم يحدث من قبل في الصحافتين المصرية والعربية، أما المقالات السياسية فإنها بعدت عنها قدر الاستطاعة, إلا ما تسلل منها إلى مادة بعينها لا سيما مدح الوالي خلال سطور مقالاتها الافتتاحية.. ولعل ذلك كان من الأسباب التي أتاحت الفرصة لنشر المقالات الأخرى. كما عنينا هنا كذلك أن كبار كتاب مصر قد ساهموا بمقالاتهم التي غطت جميع الصفحات وكان من بينهم على سبيل المثال لا الحصر هؤلاء جميعا: "رفاعه رافع الطهطاوي، على مبارك, علي فهمي رفاعة١، عبد الله فكري، إسماعيل الفلكي، صالح مجدي, حسونة النواوي, حسين المرصفي" وغيرهم, وحيث نستطيع أن نقول إن "روضة المدارس" كانت مدرسة كبرى لكتابة فن المقالة والتدريب عليها ذلك لأنها: "لم تسد الطريق على أي كاتب مهما يكن شأنه حتى ولو كان تلميذا بالمدارس"٢ فضلا عن براعة الكتاب السابقين، وتنوع اهتمامات المجلة وكثرة توزيعها.

стр. 33

٣- وإذا كانت الصحافة المقالية قد تعززت مواقفها "الفنية واللغوية" بعد ذلك مما دفع بها عدة خطوات الأمام بظهور طائفة من الكتاب الموهوبين النابهين وفي مقدمتهم الشيخ الإمام "محمد عبده" فإن الأحداث نفسها كانت تحمل لها دفعة قوية أخرى، خاصة في الاتجاه الوطني، وعلى أثر الاحتلال الإنجليزي, حيث لم يعد الأمر صراعا بين المحتل وأصحاب البلاد فقط، بل بين أكثر من تيار وأكثر من اتجاه وأكثر من فكر أيضا, لعل أهمها: - تيار وطني عاطفي يتوقد حماسا ويعبر عنه في "مقالات خطابية" يقوده ويمثله "مصطفى كامل". - تيار الدفاع عن الاحتلال والتأييد السافر له "مقالات تبريرية" يقوده المقطم وأصحابه. - تيار التعقيل والنظر إلى المصالح وتهدئة المواقف "مقالات ترضية وترقب" يقوده أحمد لطفي السيد في "الجريدة". - تيار يدعو إلى الإصلاح على المبادئ الدستورية ويؤيد الخديو ويقوده الشيخ علي يوسف "المؤيد". - تيار يجنح بفكره وأمله إلى الجانب الفرنسي، يرى فيه إمكانية تقديم العون والمساعدة على التغيير، أو -على الأقل- تحريك الأذهان إلى دعوة الحرية. - تيار العودة إلى الدين والتراث وتحقيق التضامن ويمثله كتاب عديدون. - تيار مسيحي متعدد الاتجاهات وتقوده جريدة الوطن وجريدة مصر. ومن الطبيعي أن تكون المقالة هي أداة الدعوة إلى كل تيار منها، وإلى الدفاع عنه، وعن فكرة وخططه وقادته, ولتزيد المساحات التي تحتلها المقالات في صحف هؤلاء؛ ولتكون أكثر حدة، وأوسع مجالا. ٤- وقد عبر عن هذا المعنى كتاب كثيرون كان من بين أقوالهم على سبيل المثال لا الحصر: "كان موقفنا الوطني فيما بين الثورة العرابية إلى حوالي سنة ١٩٣٠ موقف الكفاح السياسي للاستعمار البريطاني، وأيضا للاستبداد الوطني الذي كان يمثله

стр. 34

أمراء وملوك أسرة محمد علي, وكلمة الكفاح تعني -في النهاية- تنبيها وتحميسا وتحريضا وكل هذه المعاني كانت تستوعبها المقالة, وظهرت مقالات مصطفى كامل الالتهابية في التحميس لتنبيه الشعب إلى ضرورة السعي والجهاد للاستقلال, ومقالات على يوسف المنطقية ضد الإنجليز وأخيرا مقالات لطفي السيد في مكافحة الرجعية والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي. وعلى هذه الأقلام نشأ عبد القادر حمزة فنقل المقالة إلى المناقشة الحزبية وأصبحت المقالات من تقاليد الصحافة المصرية, لا ينشد صحفي التفوق بدونها"١. ويقول آخر: ومما يتصل بهذا المجال وهذه الفترة أيضا إن جيل الشباب الذي قرأ اللواء والمؤيد والجريدة وغيرها قبل الحرب العالمية الأولى كان هو نفسه الجيل الذي خاض غمار ثورة ١٩١٩, لم تقصد الصحف أن تجعل من قرائها جمهورا سلبيا، ومن هنا كانت الغلبة لمقالات الرأي واحتفاء الصحافة بالمقالات النزالية٢. ٥- وإذا كانت هذه الأوقات مما يعتبر "العصر الذهبي للمقالة الوطنية". فإنه مما يهمنا هنا الإشارة إلى بعض خصائص المقالة في هذه الفترة نفسها، والتي كان من أبرزها: - إن كتابها كانوا من طائفة "الزعماء الوطنيين والصحفيين معا، وحديث كانت الزعامة والصحافة شيئا واحدا، وأبرز الأمثلة على ذلك: مصطفى كامل صاحب ورئيس تحرير "اللواء" وزعيم الحزب الوطني، وعلى يوسف صاحب ورئيس تحرير "المؤيد" وزعيم حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية وأحمد لطفي السيد صاحب "الجريدة" وزعيم حزب الأمة وهكذا. - أنه نتج عن ذلك أن هذه المقالات الداعية إلى الاستقلال، وهو موضوعها الأول، كانت جميعها ذات اتجاهات وطنية متعددة، وإن اتفقت عليه في النهاية، كما كان أكثرها يغلب عليه الطابع الخطابي خاصة بالنسبة لمقالات مصطفى كامل ثم علي يوسف.

стр. 35

- أن المقالات كانت طويلة، كبيرة الحجم بحيث شغلت بعض أعداد الصحف بمقالة واحدة. - أن بعضها انتظم في "حملة مقالات" كبيرة للرد على أداء مصر, وكان من أبرزها حملات مصطفى كامل المقالية في صحيفة "الفيجارو"١ الفرنسية خلال شهري يونيو ويوليو ١٩٠٦ عقب حادثة دنشواي، وفي صحيفة "اللواء" وكان من أثرها عزل "كرومر" المستشار الإنجليزي في مصر, وكذا حملة الشيخ "علي يوسف" في جريدته "المؤيد" والتي تهاجم المستشار الإنجليزي المتهجم على مصر والعروبة والإسلام والتي ظهرت مقالاتها تحت عنوانين هما: "قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء - لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا". ٦- وقد استمر "العصر الذهبي للمقالة الوطنية" قائما حتى بعد الحرب العالمية الأولى مع تغيير بسيط في مسارها, فبالإضافة إلى "مقالات الثورة" خاصة تلك التي ظهرت في "الصحافة السرية" التي كانت توزع سرا من أسوان حتى الإسكندرية، فقد كان لموضوع "تأليف الوفد المصري" برئاسة "سعد زغلول" ثم في موضوع "بعثة ملنر" ثم في الأحداث التي تلت ذلك ومن أهمها: "الانقسام الذي حدث بشأن المفاوضات, الخلاف بين سعد وعدلي يكن, انقسام الوفد, مفاوضات عدلي وكيرزون, اعتقال سعد للمرة الثانية، نفي سعد وصحبه إلى سيشل، صدور الدستور، الإفراج عن سعد، الخلاف بين سعد والملك على حق تعيين الشيوخ, تأليف الأحزاب". كان لمثل هذه الأحداث وغيرها أثرها الكبير على استمرار عصر المقالة وسبقها للخبر والتحقيق والأحاديث الصحفية, كما كان تأثير موضوع اختلاف الوطنيين على تفاصيل مسار الحركة الوطنية مما أسفر عن تكوين الأحزاب الجديدة وصحفها, له دوره البارز والأساسي في هذا المجال، ومن ثم فقد صدرت الصحف الحزبية الكثيرة التي أكدت مقالاتها استمرار هذه "الظاهرة المقالية" نفسها وكان من أبرزها هذه الصحف وهؤلاء الكتاب: "الأخبار، أمين الرافعي، الحزب الوطني ١٩٢٠, البلاغ، عبد القادر حمزة الوفد ١٩٢٢, كوكب الشرق، أحمد حافظ عوض، حزب الوفد ١٩٢٤، السياسة

стр. 36

د. محمد حسين هيكل، حزب الأحرار الدستوريين ١٩٢٢" وغيرها من الصحف الحزبية. ٧- فإذا ولينا وجهنا شطر الشام -الخاضع أيضا للسلطة العثمانة- لوجدنا أن تأخره العام، وتفككه واستبداد ولاته الأتراك كلها كانت سببا في نزوح أبنائه إلى بلاد الله الواسعة خاصة مصر وتركيا، حيث بدأ هؤلاء في كتابة المقالات التي تدعو إلى حرية الوطن الشامي وتحريره، تماما كما عبرت عن آلام أبنائه وآمالهم, وقد كتب بعض هؤلاء في صحف الأستانة نفسها، وكان بعضهم قد تأثر بمبادئ الثورة الفرنسية, في الحرية والإخاء والمساواة, وكان من بين هؤلاء الكتاب الذين استمروا ببلادهم أو الذين نزحوا منها هؤلاء جميعا: "رزق الله حسون, إسكندر شلهوب, ناصيف اليازجي, بطرس البستاني, أحمد فارس الشدياق, عبد الله مراشي, عبد الرحمن الكواكبي" وغيرهم وحيث يمثل هؤلاء رجال المدرسة الأولى من مدارس المقالة في القطر العربي السوري أو الشام كما كان يطلق عليه وقبل التقسيم, وحيث قامت هذه الصحف بالدور المقالي خير قيام وكان من أهمها: ١- "مرآة الأحوال" أصدرها عام ١٨٥٥ بالأستانة وهي أول جريدة عربية تصدر في عاصمة الخلافة أثناء الحرب التركية الروسية -حرب القرم- وحيث يقول عنها مؤرخ الصحافة العربية: "وأخذ رزق الله حسون١ يدبج المقالات السياسية عن هذه الحرب وعواملها وخفاياها وما يكمن وراءها من أسرار, كما كان يخص البلاد العربية والقطر الشامي بصفة خاصة بمقالات مسهبة"٢. ب- "حديقة الأخبار" والتي أصدرها عام ١٨٥٨ في بيروت "خليل الخوري" وهي أول جريدة عربية تصدر في الشام بموافقة -رخصة- تركية. بعد صدور قانون المطبوعات العثماني -يناير ١٨٥٧- وقد كانت مقالاتها اجتماعية وأدبية وثقافية وعلمية، وذلك حتى لا تتعرض للمضايقات المختلفة. جـ- "نفير سورية" وقد أصدرها "المعلم" بطرس البستاني عام ١٨٦٠ وكانت

стр. 37

مقالاتها اجتماعية ووطنية هادئة وفي قالب أدبي خاصة بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في جبل لبنان في هذه الفترة. د- "الجوائب" والتي أصدرها رائد من رواد الفكر العربي عامة وهو اللبناني "أحمد فارس الشدياق" في الأستانة عام ١٨٦٠، وقد نالت شهرة واسعة في العالم العربي, وقد كانت الداعية الأولى لفكرة الخلافة الإسلامية، وساعدها في ذلك كثير من الزعماء العرب والمسلمين بما فيهم السلطان التركي نفسه "عبد العزيز". ٨- وعلى ذكر الحرب الأهلية التي نشأت عام ١٨٦٠ في جبل لبنان وامتدادها إلى الأقاليم السورية، يمكن القول أن هذه الحرب ومقدماتها قد ساعدت على نشأة المقالة في القطر الشامي, وعلى تطورها أيضا وذلك منذ بدأت الإرساليات والجمعيات الدينية المسيحية تعمل عملها الذي استخدمت فيه وسيلة "المجلة" في نشر أفكارها التبشيرية والتفككية مما دفع إلى إنشاء جمعيات إسلامية تتبع الأسلوب نفسه, وكان طريقهما إلى ذلك المقال الصحفي, وحتى أثناء هذه الحرب، وبعدها، وحيث تجددت وارتفعت الصيحات التي تطالب بالتحرر من سلطة العثمانيين, مما كان له أثره على المقال، وإن كانت هذه الاتجاهات قد ساعد عليها للأسف الشديد موفدو الدول الأجنبية الذين وفدوا على بيروت للتحقيق في "الفتنة الطائفية" بينما كان هؤلاء في حقيقة الأمر يسعون إلى تفتت وحدة البلاد الشامية، وإضعاف دولة الخلافة نفسها, ولكن أحدا من مؤرخي الصحافة لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد فوات الأوان. ٩- وبينما ظهر صحفيون بارعون من كتاب المقالة من أمثال "عبد الرحمن الكواكبي" وغيره.. مما زاد في الاهتمام بها ولفت الأنظار إلى موادها نجد أن الرقابة العثمانية -من حيث لا تدري- قد أسفرت عن اهتمام بالغ بفن المقال وسيطرته وذلك في بلاد "السلطنة". - فالهجوم على الرقابة أداته المقال. - والهجوم على الرقابة يعني تصرفا من جانب كتاب المقالات يتيح لهم حرية المناورة والهجوم والدفاع ومعرفة ما يتصل بالتوقيت المناسب وتجربة أساليب كتابية عديدة للقفز فوق حواجز الرقابة نفسها, أي: إن الرقابة -بأسلوب آخر- كانت تقدم لونا من التدريب غير المباشر على اصطناع الأساليب الكتابية المقالية المختلفة.

стр. 38

- والدستور العثماني وقف في مواجهة الصحف أولا، ولكنه في نفس الوقت سمح للمجلات بالذيوع والانتشار, في وقت لم تعرف فيه الأشكال والأنماط التحريرية الأخرى معرفة كاملة -كالحديث والتحقيق الصحفي مثلا- ومن ثم فقد كانت المقالات المتنوعة خاصة الأدبية والعلمية، والتي أنتجت بعد ذلك المقال الصحفي وتدرب كتابه أولا في مدرستيهما. ١٠- وكما حدث في مصر من اعتماد الاستعمار الإنجليزي على صحفه وصحافييه, فقد حدث أيضا بالنسبة للدول العربية الأخرى سواء في العهد التركي أو عهد الاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي, ومن ثم فقد كان لا بد للصحافة الوطنية، ممثلة في كبار كتابها -وهم من قادة الفكر الوطني وزعمائه- كان لا بد من الرد بإنشاء الصحف والمجلات المعارضة، التي ترد أباطيلهم وتفند حججهم وميدان ذلك كله المقال "الوطني" أولا, مما دفعه إلى النمو والتطور من حيث الأغراض أو الأساليب معا.. لقد كان على هؤلاء أن يواجهوا في البداية السلطات العثمانية ثم الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية -وهو ما حدث بالفعل- بسلاح الصحافة وبأسلوب المقالة. ١١- ولا يعني ذلك أن عهد "العثمانيين" كان شرا كله, فقد شهد -ضمن ما شهده- بعض المحاولات المخلصة لتجنيد الطاقات الإسلامية والعمل على حشدها في مواجهة رياح الشر التي تعصف بالعالم الإسلامي وتهاجم الدين نفسه, وتعمل على بث الفرقة والتجزئة والإقليمية بين دوله وأبنائه، ومن ثم فقد تصدى لها عدد من الكتاب الذين استمالهم العثمانيون إليهم، وكان سلاحهم في ذلك هو المقالة التي كانت دعوتها مرتفعة في مواجهة هذه الدعاوي, كما كتب بعض هؤلاء في استجابة نبيلة منهم للحيلولة دون القضاء على اللغة العربية والتراث القومي والتاريخ العربي نفسه, ولعل أبرز هؤلاء كان "أحمد فارس الشدياق". بل إننا في الواقع -ومن منطلق صدق- لا يمكننا أن نتجاهل بحال من الأحوال دور عدد من الولاة الأتراك الذين يبعدون كثيرا بأفكارهم وانتماءاتهم وبذرة الإصلاح في صدورهم عن صورة الوالي التركي التقليدية. نذكر في مقدمتهم "محمد علي باشا"، و"إبراهيم باشا" وحيث كانت فترة ولايته للشام من أفضل الفترات على الرغم من تسامحه مع الأجانب والاستغلال السيئ من جانب هؤلاء لهذا التسامح, بل من يستطيع أن ينكر أثر "مدحت باشا" على

стр. 39

حركة الإصلاح عامة، وتشجيعه للتعليم والصحافة خاصة؟ وحيث دفع ذلك بالمقالة الإصلاحية عدة خطوات إلى الأمام. - والخلاصة أن البيئة العربية كانت مهيأة تماما لأن تكون بيئة مقالية منذ بداية معرفة الصحافة المطبوعة، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية, باستثناء فترات قليلة بين هذين العهدين. - فهي في البداية سلاح في مواجهة العثمانيين بسلبيات حكمهم وقوانين صحافتهم وتفضيلهم للعنصر التركي وسفه بعض الولاة واستخفافهم, فإذا نجح بعض هؤلاء في استمالة عدد من الصحفيين فهي مقالات أيضا للدفاع عن الفكرة العثمانية، وفكرة الخلافة الإسلامية. - ثم هي سلاح في مواجهة نزعات التفتيت والتبعية ومحاولات زعزعة المبادئ الدينية في صدور المسلمين إلى جانب محاولات مضنية للقضاء على التراث واللغة والتاريخ العربي. - ثم هي سلاح في مواجهة الاستعمار الأجنبي الإنجليزي والفرنسي والإيطالي وما بذره في البلاد من بذور الفرقة، والتجزئة ومحاولات نشر ثقافته ولغته, نهاية بالدعوة إلى الحرية والاستقلال، وما تبعها من دعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتعليمي في الوطن العربي كله, باستثناء ندرة من أقطاره. تدريب عملي "٣": - اكتب ما تعرفه عن هذه الأسماء من زاوية فن المقال الصحفي: "الشيخ محمد عبده, عبد الله النديم, رزق الله حسون الحلبي, الجوائب, مدحت باشا". - كان للمقالة ملامحها الخاصة الواضحة عند "أحمد فارس الشدياق" تحدث عن ذلك استنادا إلى قراءاتك ودراساتك الخاصة. - اكتب مقالة "اجتهادية" في حدود ٦٠ سطرا تحت عنوان: "عبد الرحمن الكواكبي شخصية صحفية".

стр. 40

الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي مدخل ... الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي - سطور في المقدمة: ما هي أبرز أنواع المقالات الصحفية؟ لقد قمنا بمحاولة لتتبع هذه الأنواع، من تلك التي تنشرها الصحف والمجلات، عربية وأجنبية استمرت وقتا ليس بالقصير؛ وذلك للخروج منها بتصنيف جديد لهذا الفن الإعلامي الصحفي التحريري، يضيف إلى التصنيفات السابقة -النظرية في الغالب- أهم وأبرز الأنواع الموجود فوق الصفحات نفسها، وليس بين المراجع العلمية فقط، وإن كان لا يتجاهل هذه الأخيرة فهي مثل مجهودات غير مذكورة، ومجتهدة، وإنما يعوزها الشمول والاكتمال، والنظرة العملية التطبيقية نفسها. ولأننا هنا في مجال يغلب عليه طابع التعريف أولا، وما يتصل به من رصد لأهم الملامح والخصائص التي يكاد ينفرد بها فن عن فن آخر، أو يتميز بها نمط عن نمط, فإننا نوقف هنا عند هذا الحد تاركين لصفحات قادمة ما يتصل بجوانب الإعداد والتحرير والنشر وما إليها, من هنا نقول إن رصدنا لأنواع المقالات التي تنشرها الصحف والمجلات العامة، قد أسفر عن هذه الأنواع التي نتناولها هنا في سطور قليلة فقط تاركين التركيز على بعضها لصفحات قادمة -بإذن الله- والتركيز على بعضها الآخر, إلى كتب أخرى بعونه تعالى. إن أبرز هذه الأنواع هي: - المقال الصحفي العام. - المقال الافتتاحي أو "الافتتاحية". - مقال التعليق أو "التعليق الصحفي".
следующие страницы →