← Адаб

Адаб · id 10543

فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق المقال الصحفي

محمود أدهم

Полный текст (353 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

د. محمد حسين هيكل، حزب الأحرار الدستوريين ١٩٢٢" وغيرها من الصحف الحزبية. ٧- فإذا ولينا وجهنا شطر الشام -الخاضع أيضا للسلطة العثمانة- لوجدنا أن تأخره العام، وتفككه واستبداد ولاته الأتراك كلها كانت سببا في نزوح أبنائه إلى بلاد الله الواسعة خاصة مصر وتركيا، حيث بدأ هؤلاء في كتابة المقالات التي تدعو إلى حرية الوطن الشامي وتحريره، تماما كما عبرت عن آلام أبنائه وآمالهم, وقد كتب بعض هؤلاء في صحف الأستانة نفسها، وكان بعضهم قد تأثر بمبادئ الثورة الفرنسية, في الحرية والإخاء والمساواة, وكان من بين هؤلاء الكتاب الذين استمروا ببلادهم أو الذين نزحوا منها هؤلاء جميعا: "رزق الله حسون, إسكندر شلهوب, ناصيف اليازجي, بطرس البستاني, أحمد فارس الشدياق, عبد الله مراشي, عبد الرحمن الكواكبي" وغيرهم وحيث يمثل هؤلاء رجال المدرسة الأولى من مدارس المقالة في القطر العربي السوري أو الشام كما كان يطلق عليه وقبل التقسيم, وحيث قامت هذه الصحف بالدور المقالي خير قيام وكان من أهمها: ١- "مرآة الأحوال" أصدرها عام ١٨٥٥ بالأستانة وهي أول جريدة عربية تصدر في عاصمة الخلافة أثناء الحرب التركية الروسية -حرب القرم- وحيث يقول عنها مؤرخ الصحافة العربية: "وأخذ رزق الله حسون١ يدبج المقالات السياسية عن هذه الحرب وعواملها وخفاياها وما يكمن وراءها من أسرار, كما كان يخص البلاد العربية والقطر الشامي بصفة خاصة بمقالات مسهبة"٢. ب- "حديقة الأخبار" والتي أصدرها عام ١٨٥٨ في بيروت "خليل الخوري" وهي أول جريدة عربية تصدر في الشام بموافقة -رخصة- تركية. بعد صدور قانون المطبوعات العثماني -يناير ١٨٥٧- وقد كانت مقالاتها اجتماعية وأدبية وثقافية وعلمية، وذلك حتى لا تتعرض للمضايقات المختلفة. جـ- "نفير سورية" وقد أصدرها "المعلم" بطرس البستاني عام ١٨٦٠ وكانت

стр. 37

مقالاتها اجتماعية ووطنية هادئة وفي قالب أدبي خاصة بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في جبل لبنان في هذه الفترة. د- "الجوائب" والتي أصدرها رائد من رواد الفكر العربي عامة وهو اللبناني "أحمد فارس الشدياق" في الأستانة عام ١٨٦٠، وقد نالت شهرة واسعة في العالم العربي, وقد كانت الداعية الأولى لفكرة الخلافة الإسلامية، وساعدها في ذلك كثير من الزعماء العرب والمسلمين بما فيهم السلطان التركي نفسه "عبد العزيز". ٨- وعلى ذكر الحرب الأهلية التي نشأت عام ١٨٦٠ في جبل لبنان وامتدادها إلى الأقاليم السورية، يمكن القول أن هذه الحرب ومقدماتها قد ساعدت على نشأة المقالة في القطر الشامي, وعلى تطورها أيضا وذلك منذ بدأت الإرساليات والجمعيات الدينية المسيحية تعمل عملها الذي استخدمت فيه وسيلة "المجلة" في نشر أفكارها التبشيرية والتفككية مما دفع إلى إنشاء جمعيات إسلامية تتبع الأسلوب نفسه, وكان طريقهما إلى ذلك المقال الصحفي, وحتى أثناء هذه الحرب، وبعدها، وحيث تجددت وارتفعت الصيحات التي تطالب بالتحرر من سلطة العثمانيين, مما كان له أثره على المقال، وإن كانت هذه الاتجاهات قد ساعد عليها للأسف الشديد موفدو الدول الأجنبية الذين وفدوا على بيروت للتحقيق في "الفتنة الطائفية" بينما كان هؤلاء في حقيقة الأمر يسعون إلى تفتت وحدة البلاد الشامية، وإضعاف دولة الخلافة نفسها, ولكن أحدا من مؤرخي الصحافة لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد فوات الأوان. ٩- وبينما ظهر صحفيون بارعون من كتاب المقالة من أمثال "عبد الرحمن الكواكبي" وغيره.. مما زاد في الاهتمام بها ولفت الأنظار إلى موادها نجد أن الرقابة العثمانية -من حيث لا تدري- قد أسفرت عن اهتمام بالغ بفن المقال وسيطرته وذلك في بلاد "السلطنة". - فالهجوم على الرقابة أداته المقال. - والهجوم على الرقابة يعني تصرفا من جانب كتاب المقالات يتيح لهم حرية المناورة والهجوم والدفاع ومعرفة ما يتصل بالتوقيت المناسب وتجربة أساليب كتابية عديدة للقفز فوق حواجز الرقابة نفسها, أي: إن الرقابة -بأسلوب آخر- كانت تقدم لونا من التدريب غير المباشر على اصطناع الأساليب الكتابية المقالية المختلفة.

стр. 38

- والدستور العثماني وقف في مواجهة الصحف أولا، ولكنه في نفس الوقت سمح للمجلات بالذيوع والانتشار, في وقت لم تعرف فيه الأشكال والأنماط التحريرية الأخرى معرفة كاملة -كالحديث والتحقيق الصحفي مثلا- ومن ثم فقد كانت المقالات المتنوعة خاصة الأدبية والعلمية، والتي أنتجت بعد ذلك المقال الصحفي وتدرب كتابه أولا في مدرستيهما. ١٠- وكما حدث في مصر من اعتماد الاستعمار الإنجليزي على صحفه وصحافييه, فقد حدث أيضا بالنسبة للدول العربية الأخرى سواء في العهد التركي أو عهد الاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي, ومن ثم فقد كان لا بد للصحافة الوطنية، ممثلة في كبار كتابها -وهم من قادة الفكر الوطني وزعمائه- كان لا بد من الرد بإنشاء الصحف والمجلات المعارضة، التي ترد أباطيلهم وتفند حججهم وميدان ذلك كله المقال "الوطني" أولا, مما دفعه إلى النمو والتطور من حيث الأغراض أو الأساليب معا.. لقد كان على هؤلاء أن يواجهوا في البداية السلطات العثمانية ثم الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية -وهو ما حدث بالفعل- بسلاح الصحافة وبأسلوب المقالة. ١١- ولا يعني ذلك أن عهد "العثمانيين" كان شرا كله, فقد شهد -ضمن ما شهده- بعض المحاولات المخلصة لتجنيد الطاقات الإسلامية والعمل على حشدها في مواجهة رياح الشر التي تعصف بالعالم الإسلامي وتهاجم الدين نفسه, وتعمل على بث الفرقة والتجزئة والإقليمية بين دوله وأبنائه، ومن ثم فقد تصدى لها عدد من الكتاب الذين استمالهم العثمانيون إليهم، وكان سلاحهم في ذلك هو المقالة التي كانت دعوتها مرتفعة في مواجهة هذه الدعاوي, كما كتب بعض هؤلاء في استجابة نبيلة منهم للحيلولة دون القضاء على اللغة العربية والتراث القومي والتاريخ العربي نفسه, ولعل أبرز هؤلاء كان "أحمد فارس الشدياق". بل إننا في الواقع -ومن منطلق صدق- لا يمكننا أن نتجاهل بحال من الأحوال دور عدد من الولاة الأتراك الذين يبعدون كثيرا بأفكارهم وانتماءاتهم وبذرة الإصلاح في صدورهم عن صورة الوالي التركي التقليدية. نذكر في مقدمتهم "محمد علي باشا"، و"إبراهيم باشا" وحيث كانت فترة ولايته للشام من أفضل الفترات على الرغم من تسامحه مع الأجانب والاستغلال السيئ من جانب هؤلاء لهذا التسامح, بل من يستطيع أن ينكر أثر "مدحت باشا" على

стр. 39

حركة الإصلاح عامة، وتشجيعه للتعليم والصحافة خاصة؟ وحيث دفع ذلك بالمقالة الإصلاحية عدة خطوات إلى الأمام. - والخلاصة أن البيئة العربية كانت مهيأة تماما لأن تكون بيئة مقالية منذ بداية معرفة الصحافة المطبوعة، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية, باستثناء فترات قليلة بين هذين العهدين. - فهي في البداية سلاح في مواجهة العثمانيين بسلبيات حكمهم وقوانين صحافتهم وتفضيلهم للعنصر التركي وسفه بعض الولاة واستخفافهم, فإذا نجح بعض هؤلاء في استمالة عدد من الصحفيين فهي مقالات أيضا للدفاع عن الفكرة العثمانية، وفكرة الخلافة الإسلامية. - ثم هي سلاح في مواجهة نزعات التفتيت والتبعية ومحاولات زعزعة المبادئ الدينية في صدور المسلمين إلى جانب محاولات مضنية للقضاء على التراث واللغة والتاريخ العربي. - ثم هي سلاح في مواجهة الاستعمار الأجنبي الإنجليزي والفرنسي والإيطالي وما بذره في البلاد من بذور الفرقة، والتجزئة ومحاولات نشر ثقافته ولغته, نهاية بالدعوة إلى الحرية والاستقلال، وما تبعها من دعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتعليمي في الوطن العربي كله, باستثناء ندرة من أقطاره. تدريب عملي "٣": - اكتب ما تعرفه عن هذه الأسماء من زاوية فن المقال الصحفي: "الشيخ محمد عبده, عبد الله النديم, رزق الله حسون الحلبي, الجوائب, مدحت باشا". - كان للمقالة ملامحها الخاصة الواضحة عند "أحمد فارس الشدياق" تحدث عن ذلك استنادا إلى قراءاتك ودراساتك الخاصة. - اكتب مقالة "اجتهادية" في حدود ٦٠ سطرا تحت عنوان: "عبد الرحمن الكواكبي شخصية صحفية".

стр. 40

الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي مدخل ... الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي - سطور في المقدمة: ما هي أبرز أنواع المقالات الصحفية؟ لقد قمنا بمحاولة لتتبع هذه الأنواع، من تلك التي تنشرها الصحف والمجلات، عربية وأجنبية استمرت وقتا ليس بالقصير؛ وذلك للخروج منها بتصنيف جديد لهذا الفن الإعلامي الصحفي التحريري، يضيف إلى التصنيفات السابقة -النظرية في الغالب- أهم وأبرز الأنواع الموجود فوق الصفحات نفسها، وليس بين المراجع العلمية فقط، وإن كان لا يتجاهل هذه الأخيرة فهي مثل مجهودات غير مذكورة، ومجتهدة، وإنما يعوزها الشمول والاكتمال، والنظرة العملية التطبيقية نفسها. ولأننا هنا في مجال يغلب عليه طابع التعريف أولا، وما يتصل به من رصد لأهم الملامح والخصائص التي يكاد ينفرد بها فن عن فن آخر، أو يتميز بها نمط عن نمط, فإننا نوقف هنا عند هذا الحد تاركين لصفحات قادمة ما يتصل بجوانب الإعداد والتحرير والنشر وما إليها, من هنا نقول إن رصدنا لأنواع المقالات التي تنشرها الصحف والمجلات العامة، قد أسفر عن هذه الأنواع التي نتناولها هنا في سطور قليلة فقط تاركين التركيز على بعضها لصفحات قادمة -بإذن الله- والتركيز على بعضها الآخر, إلى كتب أخرى بعونه تعالى. إن أبرز هذه الأنواع هي: - المقال الصحفي العام. - المقال الافتتاحي أو "الافتتاحية". - مقال التعليق أو "التعليق الصحفي".

стр. 41

- المقال التفسيري. - المقال القائد الموقع. - مثال العمود أو مقال الفقرة القصيرة. - مقال التجربة الخاصة "اليوميات الصحفية - الخواطر والتأملات". - المقال التحليلي. - المقال النقدي. - المقال العرضي أو الاستعراضي. - المقال المختصر. - المقال المتخصص. - مقال الفكاهة. - المقال المهني "في غير الافتتاحيات". - مقال المناسبات. - المقال الإعلاني. وقبل أن نخوض في تناولنا لهذه الأنواع فإننا نوجه النظر إلى ما يلي، على طريق هذا التعريف نفسه: ١- أن هذه هي أهم الأنواع التي تم رصدها وتسجيلها وليست جميعها, فمن الصعوبة بمكان حصرها أو الحديث عما يمكن أن يحمله الغد منها. ٢- أننا لن نتناول جميع هذه الأنواع على درجة واحدة من التناول، فذلك، ما لا تسمح به طبيعة هذا الكتاب "التعريفي" وبصفته مقدمة فقط إلى دراسة المقال الصحفي من حيث هو، ومن هنا فإننا سوف نركز على أنواع منها فقط، من تلك التي تهتم بها الصحف بأنواعها أكثر من اهتمامها بغيرها، وبما يتلاءم مع قدرات الدارسين وإمكانياتهم ودرجة استيعابهم خلال هذه المرحلة التدريبية أو التعليمية. ٣- أن بعض هذه الأنواع تعتبر من مواد "المجلة" بمفهومها الشامل أكثر مما هي مقالات صحفية بالمعنى المفهوم والأقرب إلى الأذهان، على الرغم من إرجاء الحديث عن مقالات المجلات بشكل تركيزي ومفصل.

стр. 42

٤- أن بعض هذه الأنواع يتشابك مع البعض الآخر ويكاد يمتزح به، أو يلتحم معه لا سيما على الصفحات المطبوعة نفسها، كما أن بعض قوالبها الفنية وأساليب تحريرها تختلط أحيانا مما يجعل مهمتنا أكثر صعوبة. ٥- أن هذا البعض ينقسم بدوره إلى أنواع أخرى من المقالات التي لا بد من التعرض لها والإشارة إلى معالمها وخصائصها حتى تكتمل المعرفة الكاملة بها, ويسهل التدريب على كتابتها انطلاقا من هذه القاعدة النظرية. ٦- أن باستطاعة الطلاب تلمس هذه الأنواع وأبرز خصائصها فوق صفحات الجرائد والمجلات نفسها, وليس في بطون الكتب فقط وهو ما ندعوهم إليه بشدة، وبكل الصدق. وبعد.. فما هي أهم وأبرز هذه الأنواع؟

стр. 43

المبحث الأول: المقال الصحفي العام وهو من أبرز أنواع المقالات الصحفية، كما يتميز بأنه النوع الأكثر نشرا، والأكثر سيطرة على صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية والمجلات, كما أنه يعتبر من أهم مواد المجلات بصفة عامة، ولكثرة انتشاره ولسيطرته, فإنه ما نعنيه هنا أولا عندما يتكرر تعبير "المقال الصحفي", وعندما يتردد أيضا لفظ المقال في صالات التحرير وقاعاته وصالات وقاعات الدراسة, فما دمنا لا نطلق إحدى الصفات الأخرى على مقال بعينه، كأن نقول مثلا: "الافتتاحي، اليوميات, التعليق, التحليل". فإنه هو الذي يتبادر إلى أذهاننا، وأذهان العاملين في الحقل الصحفي لأول وهلة, ولذلك فإنه يعتبر "أبا" لهذه النوعية من المقالات، كما يصدق حديثنا السابق عليه بالدرجة الأولى، وقبل غيره، أو قبل أن نخصص حديثا يتناول غيره من الأنواع المنبثقة عنه، أو التي يجمعها هو في إطاره "العام". "١" ولأنه "مقال صحفي عام" فإننا نضيف إلى معالمه المميزة ومما يتصل بمضمونه وبتحريره وبمحرريه هذه النقاط: - أن الحياة بكل ما فيها ومن فيها هي موضوعه الرئيسي الأول، دون أن نتجاهل جوانب الأهمية عند مجموع القراء واختلاف هذه الجوانب من وقت لآخر، من صحيفة لأخرى، من بلد لآخر, وهكذا. - ويترتب على ذلك أن كتاب هذا النوع من المقالات غير محددين, وإن حاولت بعض الصحف والمجلات تحديدهم حتى يرتبط هؤلاء بها أكثر من ارتباطهم بغيرها, وحتى في هذه الحالة أيضا فإن من الصعب رفض مقال ممتاز يأتي من غير هؤلاء وإن كان

стр. 44

من غير المشهورين أيضا فإن من السهل التعريف به، ومن هنا ففي المجال متسع تماما ليكتب كل صاحب فكر ورأي وموقف وإبداع مقالا من هذا النوع، وترحب به وسائل النشر -في الأحوال العادية- طالما أنه يستحق النشر وأن من المنتظر أن يقبل على قراءته عدد من القراء، دون أن يعني ذلك بالطبع أن جميع هذه المقالات تكون على نفس الدرجة من النجاح. ومن هنا فإننا نجد عددا كبيرا من المشاركين في تحرير مادته، من مشهورين وغير مشهورين، من بينهم على سبيل المقال لا الحصر: "أدباء، فنانون, أساتذة جامعات, باحثون، مصاحفون, هواة صحافة، طلاب بكليات ومعاهد وأقسام الأدب والإعلام, قراء عاديون, رجال قضاء ونيابة" كما لوحظ أن بعض السيدات والطالبات الجامعيات في عدد من دول الخليج يقمن بكتابة مثل هذه المقالات الصحفية العامة ويواظبن على إرسالها إلى الصحف والمجلات في هذه البلاد، وقد تكتبها واحدة باسم مستعار على غير العادة وأحيانا باسم رجل أيضا، أو برمز من الرموز، بسبب تقاليد هذه البلاد. - ويترتب على ذلك أيضا أن يكون من حق من يمكنه الكتابة من أعضاء أسرة التحرير نفسها، يكون من حقه أن يكتب، وأن يعبر عن نفسه، وعن مرئياته واتجاهاته ومواقفه طالما أنها تستحق النشر، أقول ذلك كله؛ لأنه قد يوجد بين أعضاء هذه الأسرة من لا يمكنه ذلك، حتى وإن كان من المحررين الذين يشار إليهم بالبنان في مجال آخر، كالتحرير الإخباري مثلا. - ويترتب على ذلك أيضا أن هذا النوع من المقالات يكون غير محدد الطول أو النظام أو الإطار الفني أو العنوان، وما إلى ذلك كله. "٢" - ولكن حتى يسهل ارتباط القارئ ببعض مقالات عدد من الكتاب الذين "يواظبون" على الكتابة ويكون لهم "ثقلهم" الفكري والسياسي -حتى وإن كانوا من خارج أسرة الصحيفة أو المجلة- فإن هذا البعض قد يعمد إلى كتابة مقالاته تحت عنوان ثابت معين، يعرف به، وتوافق وسيلة النشر على هذا الاتجاه وتشجعه أيضا. - ولكن الاتجاه الأبرز هو تخصيص صفحة يومية لنشر أمثال هذه المقالات

стр. 45

بنوعيها المقدمة من محرري وكتاب وسيلة النشر أو التي ترد من خارج أسرتها، كما أن بعض الصحف الأسبوعية، أو الأعداد الأسبوعية للصحف اليومية، قد تخصص لأمثال هذه المقالات أكثر من صفحة، وهكذا، كما قد تخصص هذه الصحف -كلها- مساحة محددة بين مساحات هذه الصفحة لنشر افتتاحيتها أو "مقالها الافتتاحي"، حيث يطلق على هذه الصفحات أسماء ثابتة من أهمها: "صفحة الرأي -الرأي للجميع- بأقلامهم"، إلى غير ذلك كله، أو تترك بلا اسم، على الإطلاق. وقد تجمع بعض الصحف والمجلات بين أمثال هذه الصفحات وبين أعمدة "البريد" كما يحدث -مثلا- بالنسبة لصفحات عدد من الجرائد والمجلات الأجنبية وباعتبار أن صفحة "البريد" قد تتضمن بعض الآراء المختصرة، كما تسير على هذا النهج أيضا صحيفة "الأهرام" القاهرية. - على أن ذلك لا يعني -بحال من الأحوال- أن هذه المقالات الصحفية العامة هي "البريد" أو "رسائل القراء" أو "بريد الصحيفة"، وما إلى ذلك كله؛ لأنها مقالات صحفية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ولها كتابها وموضوعاتها وأشكالها وملامحها حتى وإن ورد بعضها ضمن بريد الصحيفة القادم من الداخل أو من الخارج، أو كانت من أركان أو زوايا البريد ضمن الصفحات التي تحمل هذه المقالات. "٣" وعلى مستوى الصحف العربية والمصرية، فقد أمكن ملاحظة عدد لا بأس من كتاب هذه المقالات الصحفية العامة، التي "يدبجها" الكتاب والمحررون من داخل أسرة الصحيفة أو المجلة أو من خارجها نذكر من بينهم وممن اشتهروا بكتاباتهم منذ فترة، أو في الآونة الأخيرة فقط، أو من الصحفيين "المخضرمين" هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر١. "حافظ محمود, حمد الجاسر، عبد العزيز الرفاعي، محمد صبري أبو علم,

стр. 46

د. مصطفى الديواني، محمد حسين زيدان، عبد الحميد يونس، عبد المغني سعيد، أحمد صدقي الدجاني، لطفي الخولي، د. زكي نجيب محمود، يوسف إدريس، د. إسماعيل صبري عبد الله، د. جابر قميحة، أحمد محمد جمال، د. محمد إسماعيل علي، علي الدالي، لويس الحاج، لمعي المطيعي، د. مصطفى كيرة، د. محمد البهي العيسوي، محمد رشوان، د. فاروق عبد السلام، د. خليل الديواني، محمد عمر توفيق، د. حسين فوزي، ممتاز نصار، د. نعمات أحمد فؤاد، د. غازي القصيبي، د. أحمد شفيق، صالح محمد جمال، مصطفى بهجت بدوي، د. سلطان أبو علي، عبد السلام محمد خير، عمر التلمساني، سعيد عبد الكريم الخطابي، علي منصور، د. سعد الدين إبراهيم، سيد ياسين، محمود عبد المنعم مراد، د. حسين مؤنس، د. فؤاد زكريا، عبد العزيز صادق، عرفات حجازي، أحمد بهاء الدين، د. ليلا تكلا، مكرم محمد أحمد، السيد فرج، إبراهيم دسوقي أباظة، د. حسين رمزي كاظم، عامر رشيد، زكريا نيل، د. عبد العظيم رمضان، حسني درويش عبد الحميد، د. إبراهيم البحر، د. مصطفى محمود، عبد الله الجفري.. إلخ". "٤" على أننا نلاحظ على مقالات هؤلاء، وعلى المقالات الصحفية العامة في مجموعها، وعلى مختلف ألوانها وأشكالها وأنماط تحريرها واختلاف كتابها ومحرريها هذه الملاحظات كلها "خاصة بالفترة الأخيرة". - أن القول بأنها "مقالات عامة" يحررها كتاب ومحررون من داخل الأسرة الصحفية أو خارجها لا يعني أنها تكتب بغير ضابط أو رابط، أو تتناول موضوعات غير جديرة بالتناول, بل إن من المشاهد أن هذه المقالات تحكمها عدة قواعد من أهمها: أ- الاتفاق مع سياسة الصحيفة أو المجلة أو الحزب أو مجاراتها على الأقل, فإذا كانت معارضة لها, فإن نشرها من جانب الصحيفة يعتبر -في عالمنا العربي- من قبيل العمل الشجاع الذي لا يقع إلا في أحوال قليلة وتحت مسئولية رئيس التحرير شخصيا، أو تنشر بتوجيه معين، ولهدف مقصود. ب- أن تتناول موضوعات "الساعة" سياسية أو اقتصادية أو الاجتماعية أو غير ذلك ذلك أو تتحدث عن ظاهرة ما تسود المجتمع في ذلك الوقت, ولكن ذلك أيضا

стр. 47

لا يكفي وإنما ينبغي أن تكون قادرة على تقديم الأفكار الجديدة والمعلومات المفيدة والمواقف الجديرة، وإلى حد تفجير القضايا الهامة التي تفيد المجتمع وإثارة ما يجب إثارته لصالحه. جـ- أن يكون كاتبها -خاصة إذا كان من خارج الأسرة الصحفية- من البارزين في مجتمعه بمنصبه أو عمله القيادي في الحكومة أو القطاع العام أو الحزب أو الجامعات، أو أن يكون من نجوم الفكر أو الفن أو العلم أو الطب وهكذا، أو أن يكون معروفا لقراء هذه الصحيفة. د- أن يرتفع قلمه وفكره إلى مستوى تحريرها، بمعنى أن يكون هناك ما يقول، وأن يعرف كيف يقول، في الوقت المناسب، وهو ما ينطبق أيضا على المحررين من داخل الأسرة الصحفية. وصحيح أن قلم رئيس التحرير، وأعضاء قسم المراجعة تعمل عملها في أوقات كثيرة، ولكن من الصحيح أيضا ألا يقل المستوى عن الحمد الواجب أو اللازم للنشر تفكيرا وتعبيرا. - أن بعض كتابها يكتب المقال العام في أكثر من صحيفة، وقد يقوم بتحرير المقالات المتخصصة في صحيفة أو دورية علمية، أو مهنية، أو جامعية، كما قد يكون بعض كتابها صحفيا مرموقا في صحيفة أخرى. - أنها تختلط أحيانا ببعض أنواع المقالات خاصة المقال التحليلي، ومقال التجربة الخاصة، وإن كان من الواجب الفصل بينهما لصالح الصحيفة والقراء معا، وذلك عن طريق التوجيه الذكي والهادئ لكتابها خاصة إذا كان هؤلاء من خارج أسرة الصحيفة، وكذا عن طريق ضبط موعد النشر. - أنها تكون متوسطة الطول في الغالب، وحيث يمكن أن تحتل الصفحة الواحدة ثلاث مقالات منها -بالإضافة إلى الإعلانات وأحيانا البريد- وربما تحتوي الصفحة على مقالتين فقط بالإضافة إلى الافتتاحية وعمود "ثابت" والبريد والإعلانات طبعا، تماما كما أن بعض المقالات قد يحتل الصفحة بأكملها, ولكن ينبغي ألا يزيد عددها عن ثلاثة خاصة في حالة جمعها بالبنط العادي ٩ أو ١٢. - أن بعضها يتعرض للاختصار في كثير من الأحوال.

стр. 48

أن أهم ما يلفت النظر إليها: أ- عنوانها الدال على موضوعها. ب- اسم كاتبها أو محررها. جـ- إخراجها وطريقة نشرها ومكان النشر. ومن هنا فإننا نجد أن بعض الصحف تحرص على نشر صورة كاتبها أو محررها، أو صورة كاتبتها أو محررتها بهدف مزيد من لفت الأنظار إلى المقالة نفسها، كما تحرص كذلك على تثبيت مكان نشرها وعدم تغييره من وقت لآخر، أو من صفحة لأخرى، إلى جانب استخدام العنوانات الدالة والمعبرة والجذابة أيضا. وفي النهاية فإننا نشير إلى أن هذه المقالات تكون من الأهمية والجدارة بحيث تعكس انطباعات وآراء واتجاهات قادة الفكر في الموضوعات الهامة المؤثرة في حاضر المجتمع والمحددة لحركته، ومنها يعرف أيضا نبض الجماهير، وما يؤرقها، وما تحلم به، ودرجة حرارة مواقفها، ومن هنا فالمقالات التي ترد، حتى وإن جاءت بالطريق البريدي العادي، إلا أنها كما قلنا ليست "بريد القراء" ولا يصح أن تفهم هذا الفهم وإنما هي مقالات كاملة وهامة تعالج أبرز ما يطفو فوق سطح المجتمع أو أهم ما يمور به داخله. "٥" وإذا كانت النقاط السابقة قد تضمنت أهم ما يتصل بمحرري المقال الصحفي العام، وإلى جانب أبرز ما يتصل بمادته وتحريرها، فإننا نضيف هنا بعضا من النقاط الأخرى التي تتصل بالتحرير نفسه عن قرب، ومن هنا نقول: أ- ما يتصل بعنوان المقال: إننا هنا نركز على اعتقادين غير صحيحين لمسناهما من خلال حوار أجريناه مع عدد من كتاب هذا المقال: أما أولهما -والذي تكرر أكثر من مرة- فهو قول هؤلاء من داخل الأسرة الصحفية وخارجها: لماذا أجهد نفسي في كتابة عنوان جيد أو ممتاز، بينما لم يحدث أن نشر العنوان الذي أقدمه، إلا في أحوال قليلة، بل نادرة؟!

стр. 49

وأقول إن ذلك لا يمنع من أن يقدم كاتب المقال عنوانا جيدا، أو ممتازا، ولو حدث ذلك فعلا لكانت فرصة نشره هو، لا فرصة نشر غيره أكبر، وكذلك فرصة نشره كما هو وبدون تعديل أو تغيير. إنما الشاهد في أحوال كثيرة، أن كاتبه -لنفس السبب المطروح أو لقلة الحماس- لا يهتم بتحريره التحرير المناسب والذي يعني: "صحة ودقة التعبير عن مضمون المقال، الارتباط الكامل به، الجاذبية، الاختصار، اللغة الصحيحة". تماما كما أن البعض يعتقد أنه الكلام الإنشائي فقط، مع أن ذلك ليس صحيحا، ذلك كله بينما ينسى البعض أن العنوان يجري تغييره أحيانا؛ لأنه لا ينسجم مع عنوانات الصفحة الأخرى ومع سنياريو العنوانات بها بحيث يصبح مثل النغمة النشاز، التي ينبغي تصحيحها، وهو ما يقوم به المحرر المراجع أو المشرف على تحرير هذه الصفحة. بينما تتضاعف الحاجة إلى تغييره عندما يكون مسرفا في إثارته، متعارضا مع السياسة التحريرية للصحيفة عامة، ولصفحة الافتتاحيات خاصة، وللسياسة المقالية على وجه التحديد. وأما ثانيهما: فهو القول الذي جاء على لسان البعض من أن "العنوان الغامض" يدفع إلى قراءة المقال، وأقول أيضا إنه اعتقاد خاطئ، وثبت عدم صحته إلا في أحوال قليلة، وبالنسبة لبعض القراء من الذين يقبلون على قراءة بعض الأخبار المثيرة، على صفحات الجرائد الشعبية عامة، وبعض المجلات خاصة وليسر كذلك الحال بالنسبة لقراء المقال الصحفي، وصحيح أن البعض قد يتوقف لحظة أو أكثر من لحظة عند عدد من جوانب الغموض، ولكن من الصحيح أيضا أنه قد يتوقف ليحول عينه إلى مادة أخرى، وربما يقرأ عدة سطور يكتشف بعدها خديعة الكاتب، فيلوذ بالهرب إلى مادة أخرى. الوضوح، الوضوح أيها الزملاء، فنحن نكتب ليفهم القراء، ويتابعوا، في عملية توصيل وتواصل -معا- ولسنا نكتب الألغاز أو الغريب الذي يعجز القارئ. ب- وحجم المقال هنا، وفي أغلب الأحوال -أو هكذا ينبغي أن يكون- يجب أن

стр. 50

يسمح بأن يجري كاتبه أو محرره تقسيمه إلى ثلاث وحدات أساسية تقليدية، أو نمطية هي: - المقدمة أو المدخل "فاتحة المقال": وكتابتها مسألة تخضع أولا لذلك القدر من الممارسة والتدريب على الكتابة، وتحكمها إلى حد كبير موهبة الكاتب، ولذلك فهي في كثير من الأحوال تكاد تكون أدبية الطابع عند الكاتب القدير والمتمكن، أو يكاد هو يصطنع لها بعض الأساليب الأدبية الجذابة، دون إغراق أو إسراف في ذلك طبعا، ولكن من المهم هنا أن تتضمن: - ما يتصل بفكرة المقال الأساسية. - ما يؤكد أهمية هذا التناول ويبرر الحرص عليه. - ما يتيح نقل القارئ في براعة إلى بقية المقال دون تركه أو فقد عناصر جذبه والسيطرة على اهتمامه. وعلى أن يتم ذلك كله، في عبارات قصيرة، واضحة كل الوضوح، جذابة ومشوقة دون إسراف ولا بأس هنا من دعم هذه البداية الاستهلالية وتأييدها بآية من القرآن الكريم، أو حديث نبوي شريف، أو قول لصحابي جليل، أو حكمة مأثورة، أو مثل سائر. - الصلب أو الجوهر "الاستدلال": وهو الجانب الأساسي من المقال، والذي يمثل لبه وصميمه، وفيه يبذل المحرر جهده، ويقدح ذهنه ويعد عدته من أجل: - عرض فكرته الأساسية عرضا واضحا لا يعرف أي إبهام أو غموض. - تقديم الشواهد والأمثلة العديدة والمتنوعة على قيام هذه الفكرة كظاهرة تستحق الرصد والتسجيل بما يتصل بها من أهمية تؤثر على الفرد والمجتمع، أو على الوطن كله. - عرض ما يتصل بهذه الفكرة، أو الظاهرة من الأقوال، والآراء والاتجاهات مما توصل إليه عن طريق مصادره الخاصة الحية، والإعلامية، والمكتبية والمعلوماتية. - التوقف عند بعض هذه النقاط ومناقشتها في ضوء رؤيته الخاصة، وتجربته المتصلة بها.

стр. 51

- العودة إلى تقديم شاهد جديد، أو شاهدين جديدين، أو دليل أو دليلين يعيدان القارئ بذهنه إلى جوانب الأهمية في هذا الموضوع من زاوية جديدة. - مناقشة هذا الشاهد أو الدليل الجديد في ضوء المرئيات السابقة. - تقديم بعض المعلومات والأرقام التي تمثل آخر ما أمكن الحصول عليه مما يتصل بهذا الموضوع. - الإشارة إلى بعض الوقائع والمواقف والتجارب المماثلة من تلك "القديمة" التي تتحدث عنها كتب التاريخ ووقائعه وصفحات مصادره المختلفة، أو تلك "الحديثة" التي مرت بها في السنوات أو الشهور الأخيرة أمم وشعوب مختلفة، دون أن يقتصر ذلك على مجرد الإشارة إلى الأحداث والوقائع، وإنما يتعداه إلى تقديم الحلول التي قدمتها هذه الأمم والشعوب والوسائل التي اتبعتها في هذا السبيل. - استخلاص النتائج العديدة التي يمكن أن تنبثق من خلال هذا العرض، وذلك التفسير وتلك الشواهد، والإشارة إلى ما تعنيه هذه النتائج على مستوى الفرد والجماعة والوطن وربما الإنسانية كلها. ولا يعني ذلك أن كل مقالة من هذه المقالات ينبغي أن تتضمن جميع هذه النقاط، وبنفس الترتيب السابق، كما لا يعني أيضا أن هذه النقاط هي جميع ما يمكن تقديمه، وعلى سبيل الحصر، إنما هي أمثلة ونماذج لـ"ركائز المعالجات" خلال هذه الخطوة، خطوة تحرير الصلب أو جوهر الموضوع نفسه، إذ إن ذلك يخضع لمستوى الكاتب ورصيده من التجارب وثقافته وقدرته على تنظيم أفكاره، وتقسيمها إلى عناصرها الرئيسية، والتعبير عنها في وضوح. على أننا في نهاية الإشارة إلى تحرير الصلب، إنما نؤكد على دور المواهب، وأثرها في اصطناع قالب معين، أو مزج قالب بآخر، أو وضع المادة كلها في إطار من الأطر التي تتيح تنظيم عرضها وإتاحة فرصة قراءتها ومتابعتها، وقد وجدت -من خلال دراستي لأساليب عشرات الكتاب- أن أشهر هذه القوالب التي يستخدمها عرب وأجانب هي: ١- قالب العرض. ٢- قالب الوصف.

стр. 52

٣- القالب التاريخي. ٤- قالب القصة. ٥- قالب الضوء الجانبي. ٦- قال الأنموذج الآخر "ما هنالك". ٧- القالب المقارن. ٨- القالب النقدي. ٩- القالب المختلط. ١٠- القالب غير الفني "الابتكاري". - "سؤال: ماذا تعني هذه القوالب؟ ". ولا يعني ذلك بالطبع أن يلتزم الكاتب التزاما كاملا وتاما ودقيقا بأمثال هذه القوالب، أو غيرها مما يصل إليه بموهبته الابتكارية، وإنما الأصل هو حرية الكاتب الكاملة، وقفزه فوق جميع القيود والأسيجة، على أن يشتمل المضمون نفسه على أهم النقاط السابقة. - النهاية أو الخاتمة "النتيجة أو الحصاد": وهي هامة بالنسبة لهذه النوعية من المقالات، تماما كما هي بالنسبة لبعض ألوان وأنماط التحرير الصحفي الأخرى، خاصة "التحقيقات الصحفية" وأيضا "المقال التحليلي" وحيث تسمح طبيعتها ويسمح طولها وتسمح المساحة التي تحتلها، وكثرة وتعدد مادتها بذلك كله، حتى يكون للمقال "الأثر الباقي" البارز والظاهر، والذي يظل قائما في الأذهان، مما يدفع بالقراء إلى الاستجابة لكاتب المقال فيكون للمقال مردوده، وتكون له نتائجه وكلما كانت النهاية أو الخاتمة قوية، متماسكة، شديدة الاتصال بمادة المقال ومضمونه، واضحة في طرحها للنتائج المحددة، هادئة وعاقلة وواقعية في تركيزها على أبرز الجوانب التي يريد لها المحرر أن تستقر في أذهان القراء، أو في الدعوة إلى عمل أو موقف أو اتجاه ما، كلما بذل الكاتب أو المحرر عنايته من أجل ذلك، كلما كانت استجابة القراء أكثر اقترابا من الطابع الإيجابي الذي يهدف إلى القصد ويحقق الغرض، بل واستجابة المسئولين أيضا. وفي اللحظة التي يحس معها القارئ براحة ذهنية وعقلية من وراء قراءته لهذا المقال

стр. 53

والتي يتنفس فيها بعمق يؤكد إحساسه وتفاعله مع فكرتها وسطورها، والتي يكاد يهز رأسه دليل اقتناعه بما جاء فيها، وما أوحته إليه أو إثارته في صدره تكون النهاية بسطورها القليلة وعباراتها القصيرة الواضحة كل الوضوح قد أنتجت أثرها, بل والمقالة كلها أيضا, هكذا يكون الحال بالنسبة لنهاية المقال أو خاتمته أو حصاده. تذكر: - "أن الكاتب الجيد ينبغي أن يكون لديه ما يقول". - "وأن يعرف كيف يقوله"١. "كامبل - وولزلي".

стр. 54

المبحث الثاني: الافتتاحية أو المقال الافتتاحي تعريفه ... المبحث الثاني: الافتتاحية أو "المقال الافتتاحي" ١ إذا كان من المؤكد أن جميع المواد التي تنشرها الصحيفة أو المجلة، ليست على مستوى واحد من الأهمية، أو الأثر في عقول القراء أو نفوسهم، أو التأثير على المجتمع نفسه وما يزخر به من صور وأنشطة واهتمامات وقضايا أو بانعكاس ذلك كله على الصحيفة -كوسيلة نشر- وعلى دورها الحضاري الإعلامي الذي تقدمه لمجتمعها، فإنه مما لا شك فيه أن القارئ المثقف وأن الباحث، والدارس -جميعهم- لا بد لهم من التوقف كثيرا عند هذه المادة "القيادية"، التي تفوق غيرها من المواد كما تفوق غيرها من المقالات في أهميتها وأثرها، وإن كان ذلك لا يبدو بوضوح -على الأقل حتى الآن- بالنسبة لأكثرية الصحف العربية، وأكثر القراء العرب٢، ولكن الأمل كبير في تجاوز ذلك مع ازدياد التعليم وارتفاع درجة الوعي، وهي مسئولية وسائل النشر عامة، والصحف والمجلات خاصة، وكتاب هذه المقالات على وجه التحديد، وأقصد بهم كتاب "الافتتاحيات" أو "المقالات الافتتاحية" أو المقالات الرئيسية"، وهي أشهر التعبيرات التي تطلق على هذه النوعية من أنواع المقالات المتميزة. تعريفه: ومعنى ذلك أنه إذا كانت المقالات السابقة هي الأصل أو "الأم" وهي أيضا الأكثر

стр. 55

سيطرة على الصفحات فإنا هنا أمام أبرز الأنواع -الأنباء أيضا- وأهمها على الإطلاق وذلك من زوايا طبيعة القضايا المطروحة أو الرأي العام أو وسيلة النشر ذاتها: وهنا نجد تعريفات كثيرة للمقالة الافتتاحية منها أنها: - المقال الذي يحمل رأى الصحيفة أو المجلة وموقفها من القضايا والمشكلات والاتجاهات الهامة داخلية وخارجية. - المادة التحريرية الهامة التي تنشر يوميا محددة موقف الصحيفة من القضايا الهامة والمشكلات والمواقف والأفكار الأساسية التي تتصل بمجتمع ما أو المجتمع الإنساني، والتي تنشر تحت عنوان ثابت وغفلا من التوقيع باسم كاتبها، وفي مكان بارز وثابت في أكثر الأحوال. - رأي يومي للصحيفة في قضية مهمة يقوم بكتابته رئيس التحرير أو محرر مرموق يكون أقرب إلى مجاله ينشر في مكان شبه ثابت ولا يوقع باسم محرره؛ لأنه لسان حال الصحيفة.

стр. 56

خصائصه: وإذا كانت هذه التعريفات القليلة تأتي معبرة عن أهم معالم هذا المقال الذي يعتبر دون شك "في المقدمة من المواد التحريرية بحيث يكون له دور القيادة والتوجيه"١، وحيث اشتهر باسم "الافتتاحية" وذلك جريا على عادة الطراز "الطراز الكلاسيكي" من الصحف التي تجعله على الصفحة الأولى مفتتحة به عددها، كما كان يشغل الصفحة الأولى كاملة في بعض الأوقات، ويكون أول ما يطالعه القراء إذا كانت هذه التعريفات تعبر عن ذلك، فإننا نتوقف هنا عند أهم الخصائص "الجديدة" للمقالة الافتتاحية بعد أن مرت بأطوار عديدة من حيث الطول والشكل والتوقيع والمساحة، وغيرها، أن أبرز هذه الخصائص هي: - التنوع في الموضوعات والاهتمامات والأفكار والقضايا التي يناقشها، فصحيح

стр. 57

أن الموضوعات السياسية تكون هي الغالبة، خاصة في الأوقات التي تترى فيها الأنباء الساخنة، ولكن ليس صحيحا أن السياسة هي موضوع هذه المقالات الوحيدة، وإن كانت أبرزها وأهمها أو تمثل حوالي ٧٥ في المائة من موضوعاتها. - النشر اليومي الدائم، وحيث لا بد من أن يكون هناك ما يستحق التناول، وتحديد رأي الصحيفة إزاءه وموقفها منه، وصحيح أن بعض صحف المنطقة العربية لا تنشر المقالة الافتتاحية يوميا، وإنما من يوم لآخر، وفي مناقشة مع عدد من المسئولين عن هذه الصحف القليلة جدا -بل النادرة- اتضح أن السبب يتصل بالنقطة السابقة، وهو أنهم يرون أو يظنون أن المقال الافتتاحي ينبغي أن يكون موضوعه سياسيا بالضرورة، وما دام لا يوجد هناك من الأنباء السياسية الهامة التي تستحق التناول كل يوم، فإنه لا حاجة بهم أو بصحفهم -على حد زعمهم- إلى نشره يوميا١. هذا بينما نجد أن المقال الافتتاحي -في الواقع- يقبل جميع الموضوعات التي يمكن أن يتناولها المقال السابق -الصحفي العام- بشرط مراعاة أسسه الفنية وقواعده التحريرية. ومن هنا فإن مادة هذه الفقرة تقبل تماما أن تكتب الافتتاحيات عن موضوعات مثل "نظافة العاصمة، التطعيم ضد مرض منتشر، الجمارك, المرور، الكتاب الجامعي, التشجير، السياحة الداخلية, مواجهة الآفات الزراعية، تلوث المياه والهواء, الامتحانات, نتيجة الثانوية العامة، الاحتفال بالعيد الألفي للأزهر الشريف, موسم الحج ... ". بل وحتى الموضوعات الفنية والرياضية والأدبية يمكن أن تكون مجالا لمقالات افتتاحية ناجحة ولكن كيف؟ "اذكر عددا من الموضوعات الفنية أو الرياضية أو الأدبية التي تصلح لأن تكون مجالا لمقالات افتتاحية ناجحة لصحيفة عربية". - تعدد الكتاب وتنوعهم، فصحيح أن رؤساء التحرير هم أكثر من يقوم

стр. 58

بكتابتها، وأن بعض التعبيرات التي تطلق عليه تعود إلى هذا السبب، ولكن من الصحيح أيضا أنه يشترك في كتابته أكثر من محرر وفق اتجاهاتهم وتخصصاتهم، حتى المحرر الفني والرياضي وغيرهما، بشرط أن يكون قادرا على الكتابة والتعبير في إطار هذا الفن "لعل ذلك يؤكد أيضا نوع مجالاته بدلا من المجال السياسي وحده". - ومن خصائص المقال التي يراعيها هؤلاء ألا يخرج كتابه عن حدود سياسة وسيلة النشر، بل يقوم هؤلاء بمراعاة هذه السياسة التي تمثل "دستور العمل" بالنسبة لهم، وحيث إن ارتباط هذا النوع من المقالات بسياسة الصحيفة أو المجلة قائم ووثيق ولا يمكن التحرر منه طالما أنه يعبر عن رأيها وموقفها. على أنه لا يكفي هنا هذا الارتباط القائم، وإنما ينبغي أولا أن تكون هذه المقالات الافتتاحية ثابتة ومستمرة على هذه السياسة، ولن يستطيع المحررون -طبعا- مراعاة ذلك، إلا إذا كانت هذه السياسة -سياسة الصحيفة أو المجلة- ثابتة هي أصلا، وليست عرضة للتعبير أو التبديل من وقت لآخر. - ومن هنا، ومن بين هذه الخصائص أيضا والمرتبطة بالنقطة السابقة أن المقال الافتتاحي يكون غفلا من التوقيع، والمقصود هنا هو ألا يوقع باسم كاتبه أو محرره، وإنما تتعدد الاتجاهات والأساليب في هذه النقطة بالذات مثل: "أن يكون بلا توقيع على الإطلاق -أن يوقع باسم الصحيفة- أن يوقع بكلمة المحرر أو كلمتي رئيس التحرير أو بقوس بينه عدة نقاط وهكذا"، المهم ألا يقوع باسم أحد وحتى إذا قام رئيس التحرير بكتابه فإنه لا يوقعه باسمه وإنما بحكم منصبه فقط، والحكمة في ذلك واضحة وهو أن أحدا من هؤلاء، حتى رئيس التحرير نفسه لا يعبر عن رأيه الخاص وإنما عن رأي الصحيفة، وموقفها. - وقد أسفرت النقطة السابقة بالذات عن عدة اتجاهات في ميدان كتابة المقالة الافتتاحية خاصة بالنسبة للصحف العربية وهي: أ- الاتجاه الأول: وهو الأصل والأساس والاتجاه الصحيح والعلمي والمحافظ على أهم خصائص الافتتاحيات التقليدية والمرتبطة بها تماما والتي ينبغي أن تقوم دائما، وهو الذي تمثله -والحمد لله- الكثرة من هذه الصحف، ويقضي بألا توقيع للافتتاحية إلا على النحو السابق فقط، فإذا كتبها رئيس التحرير فإنما يوقعها بكلمتي "رئيس

стр. 59

التحرير" أو بكلمة "المحرر"، وليس بأي اسم من الأسماء. ب- الاتجاه الثاني: وتتبعه قلة قليلة من الصحف العامة والحزبية وأساسه أن يقوم رئيس التحرير أو المحرر الأول بكتابة مقال يعتبر من وجهة نظرة ووجهة نظر مجلس الصحيفة بمثابة افتتاحية لها، غير أن هذه المقالة تعلوها لافتة "الافتتاحية"، بنصها الصريح في بعض هذه الصحف خاصة "السياسة" الكويتية، أو يشير إلى ذلك رسم يعبر عن الصحيفة أو يمثل "الرسم التحتي" الموجود أسفل اسمها كما هو الحال في "الأنوار"، أو لا يذكر اسم الافتتاحية أصلا كما في "العمل" التونسية و"النهار" اللبنانية وهي أشهر الصحف التي تتبع هذا الاتجاه. وإن كنا نرى أنه اتجاه يخالف فلسفة كتابة الافتتاحيات وتقاليد تحريرها، وصحيح أن رئيس التحرير هنا يقول لك إنه يمثل بمنصبه وباسمه معا هذه السياسة التحريرية، وأنه حتى في حالة قيام غيره بكتابتها فلا بد من توجيهاته وموافقته، كما قد يكون هو نفسه زعيم الحزب أو صاحب الجريدة ورئيس تحريرها -كما كانت أكثر الصحف في العشرينات والثلاثينات- ومن هنا يرى هؤلاء أن لهم الحق في توقيع أمثال هذه المقالات القائدة -والتي سوف نتحدث عنها بعد قليل- ونحن معهم في ذلك، ولكننا لسنا بحال من الأحوال مع تحول هذه المقالات إلى افتتاحيات موقعة، أو مع الافتتاحيات الموقعة أصلا, وحيث يأتي الرد على دعاة توقيعها باسم رئيس التحرير من خلال هذه النقاط: - لأنه يشرف على تنفيذ السياسة التحريرية دون أن يكون هو واضعها الوحيد. - لأن هناك غيره من المشرفين على وضع ورقابة وتنفيذ مثل هذه السياسة، وربما من هم أرفع منه درجة "رئيس مجلس الإدارة مثلا"، كما قد يكون هناك أكثر من رئيس تحرير واحد لأكثر من صحيفة ومجلة. - أن السياسة التحريرية أكثر ثباتا واستقرارا من رؤساء التحرير في مناصبهم. - أنه وإن كان بعضهم يمتلكون الصحيفة إلا أن ذلك لا يعني تحكمهم في السياسات المرتبطة أصلا بالقراء والمجتمع وأحيانا السياسة العامة للدولة، فالملكية الخاصة هنا لا تبرر التعبير عن رأيه الخاص في كل الأحوال، وإن عبرت عن مصالح طبقة ينتمي إليها. - أن رئيس الحزب لا يعبر عن رأيه الخاص من عندياته، وانطلاقا من مرئياته

стр. 60

هو وإنما يرتبط ذلك ارتباطا أساسيا بسياسة الحزب نفسه، فضلا عن أنه في أكثر الأحوال معين، أو منتخب, أي: إنه منفذ أيضا لاتفاق تعهدي بين أعضاء الحزب وينوب عنهم في تنفيذه. - لا يمكن تجاهل أدوار الآخرين ولا مرئياتهم فلماذا يكون هو وحده؟ جـ- الاتجاه الثالث: كتابة "الافتتاحيات البديلة"، حيث يوجد إلى جانب الافتتاحية الأساسية، أخرى على صفحة تالية، أو ثالثة، أو على صفحة السياسة العربية أو العالمية افتتاحية ثانية موقعة باسم رئيس التحرير، والعكس صحيح أيضا، أي: في حالة وجود كلمة رئيس التحرير على الصفحة الأولى مثلا، تقوم مقالة أخرى، على صفحة تالية توقع باسم الصحيفة أو لا توقع، أي: إنه اتجاه يخلط بين الاتجاهين السابقين لارضاء التقاليد الصحفية ورؤساء التحرير معا. د- الاتجاه الرابع: بعدم كتابة افتتاحية أصلا كما تفعل بعض الصحف العربية في الخليج والشمال الأفريقي. هـ- الاتجاه الخامس: بعدم كتابتها يوميا، بحجة الانتظار حتى يتم توافر الأدلة الكافية والحجج المقنعة التي يستطيع المحرر تقديمها. وكما قلت فإن الاتجاه الأول هو الصحيح والمحافظ على أصول تحرير هذه المقالة وقواعدها وتقاليدها، والأقرب كذلك إلى طبيعتها والسلوك المهني نفسه. - الجدة الزمنية الكاملة والتامة وإلى حد تناول الأحداث ما تزال ساخنة وملتهبة، أو تلك التي تكون عند درجة الغليان، ولا يشترط في ذلك -كما قلنا- أن تكون دائما من الأحداث والوقائع السياسية، فقد يكون موضوعا دينيا أو جامعيا أو صحيا ... إلخ. - وبدون تعارض مع عنصر -الجدة الزمنية وتناول الأحداث الساخنة" فإن من الأهمية بمكان ألا تقدم الصحيفة رأيا أو تتخذ موقفا إلا بعد دراسة كافية وتقدير واع لجميع الظروف والنتائج والاحتمالات، فإذا كتبت بعد ذلك ففي هدوء وتبصر وفي نغمة دقيقة ومحاذرة؛ ذلك لأن هذا المقال يعبر -كما قلنا ونكرر- عن رأي الصحيفة وموقفها

стр. 61

ولو كان يعبر عن رأي كاتب من الكتاب أو محرر من المحررين ثم ثبت عدم صحة هذا الرأي، أو حتى عدم صدق الموقف نفسه فإن ذلك يعود إليه شخصيا، ومن السهل الدفاع عنه، أو نسيان آثاره أو نتائجه، ولكن "سقطة" الصحيفة أو المجلة هنا لا تغتفر، ويزيد من وقع "الكارثة" عندما تتصل بأمر من أمور البلاد السياسية أو المصيرية، وحيث يمكن أن يهدد ذلك بسقوط الصحيفة أو المجلة نفسها، أو -على الأقل- فقدانها لثقة قرائها ومواطنيها لفترة قد تطول من الوقت، وحيث يصعب استعادة هذه الثقة، وما يترتب على ذلك من آثار ونتائج توزيعية وإعلانية مهما كان مستواها الفني والصحفي، والأمثلة على ذلك كثيرة من تاريخ الصحافتين العربية والأجنبية. ويزيد من هذه أهمية، أن هذا النوع من المقالات: - يقود الرأي العام. - يساعد القراء على اتخاذ موقف بشأن المسائل والمشكلات الهامة، وقد يدفع إلى بعض التصرفات أيضا. - يعرف القراء أن محرريه هم من كبار الكتاب فهو أهل لثقتهم. - يعتقد بعض القراء في الدول النامية والصغيرة والتي يسيطر عليها الإعلام الحكومي، أن الرأي المطروح ليس هو رأي الصحيفة، وإنما الحكومة نفسها التي سربته ودفعت إلى نشره. ومن هنا كان لا بد من التفكير مرة ومرة، قبل كتابته، ومن هنا أيضا -ولعدد من الأسباب والخصائص السابقة- تعقد الصحف اجتماعا خاصا بهذه المقالة الهامة حيث يناقش مجلس تحرير خاص بهذا العمل، وقد يسمى أيضا "مجلس تحرير الافتتاحيات"١، عددا من الأمور هي: أ- ما هو الموضوع الذي يصلح للتناول في إطار هذه المقالة في العدد القادم؟ "الخبر الهام الحالي".

стр. 62

ب- من الذي يقوم بكتابة هذه المقالة؟ "المحرر الأقرب إلى موضوعها". جـ- ماذا يكتب؟ "في إطار سياسة الصحيفة". وذلك إلى جانب عدة نقاط أخرى تطرح للبحث في هذا الاجتماع المصغر الذي يعقد مساء كل يوم وبعد وضوح صور المحصول الإخباري وجوانب أهميته، وذلك مثل العنوان غير الثابت، والحجم إذا كان الأمر يتطلب تغييرا، وما إلى ذلك كله. - إبراز جوانب الشرح والتفسير للخبر أو القضية أو الرأي الذي يجري تناوله أو تصل الصحيفة إليه، ويتصل بذلك الانتقال العاقل والهادئ إلى جوانب التوجيه والإرشاد الذي يستحسن أو يفضل أن يكون بأسلوب غير مباشر ودون تعال على القراء. - احتلال المقال الافتتاحي لمكان ثابت في أغلب الأحوال، وهنا نقول إن الأصل في هذا المقال هو احتلاله لجزء من مساحة الصفحة الأولى، وحيث يكون ذلك أقرب إلى مفهومه ووظيفته وإلى طبائع الأشياء وكذلك إلى مواقع الأخبار التي يتناولها, وهي في الغالب أخبار الصفحة الأولى، ذات الأهمية الكبرى، ولكن بعض الصحف تنشره على الثانية، أو الثالثة أو صفحة الرأي أو صفحة "المقالات العامة" وهكذا، كما أن بعض الصحف تجعل مكانا ثابتا له في أعدادها اليومية العامة، ثم تغيره بالنسبة لعددها الأسبوعي أو للعدد الذي يحمل خطابا أو رسالة هامة لرئيس الدولة، أن المهم هنا هو ثبات مكانه وعدم تغييره من وقت لوقت إلا خلال فترات طويلة -عدة شهور مثلا وعند عمل ماكيت جديد أو غير ذلك- لأن تعرف القارئ على مكانه سبيل إلى قراءته وأداء دوره، فضلا عما يعكسه عنصر ثبات المكان من وقار وثقة, بالإضافة إلى اشتراكه في تكوين معالم الصحيفة التي تعرف بها وتساهم في تكوين شخصيتها. - وبالمثل ينبغي أن يكون حجمه ثابتا قدر الاستطاعة، وللأسباب السابقة أيضا إلا في الأحوال غير العادية، وعند وقوع الأحداث الهامة جدا والخطيرة "اندلاع حرب, انقلاب, ثورة, حادثة اغتيال كبرى، إلخ" حيث تجيز مثل هذه الحوادث مضاعفة مساحته وربما أكثر من مرة أيضا، أما في غير هذه الأحوال فإن الثبات على حجم واحد في أغلب الأحوال هو الأصل والأساس في المقالات الافتاحية، أي: لا يتغير من يوم لآخر من مساحة لأخرى لثالثة وهكذا. - ومن خصائص هذا المقال أيضا أن كاتبه يبذل جهده ويقدح ذهنه ويستعرض

стр. 63

مصادره وثقافته من أجل الوصول بمادته إلى درجة كافية من الإقناع ويكون ذلك عن طريق تقديم الشواهد على صدق ما يقول والأمثلة على صحة ما يعرض, وذلك من التجارب السابقة والحالية والأحداث والوقائع المختلفة الداخلية والخارجية القديمة والجديدة، وهو في ذلك يشبه -إلى حد كبير- محرر التحقيق الصحفي. - ويكون عليه كذلك أن يوائم أن يقرن بين دوائر الأهمية المختلفة، التي حددها بعضهم في ثلاث دوائر فقط هي دوائر: أ- سياسة الصحيفة. ب- صياغة المقال. جـ- اهتمام القراء، والتي نضيف إليها من واقع تتبعنا لأحدث اتجاهات التحرير والمادة المنشورة نفسها دائرة رابعة هي: د- صالح الوطن، وخامسة هي: هـ- صالح الإنسانية، وهكذا. تلك هي أبرز خصائص المقال الافتتاحي، مما يتفق وطبيعة هذه الصفحات لتكون لنا عودة إلى خصائص محرره ولغته في مكانهما بإذن الله.

стр. 64

أنواعه: وقد ثبت من الدراسات العديدة التي تناولت هذا الموضوع أن المقال الافتتاحي ينقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية هي: أ- المقال الافتتاحي الشارع المفسر: وهو كما يتضح من هذا الاسم يركز فيه كاتبه على إطلاق الأضواء الكشافة التي يرى القارئ الحدث من خلالها واضحا "مكبرا" ومن هنا فهو يعتمد أولا على ثقافة الكاتب في موضوعه، وعلى رؤيته الشمولية الواضحة له، وتفيده في ذلك مصادر المعلومات المتاحة فائدة كبيرة لا سيما عن طريق تقديم الشواهد والتجارب والوقائع المماثلة التي تساعد على الشرح والتفسير وإذا كانوا يقولون إن الهدف الأول من هذا النوع من المقالات -في رأي باترسن وبري ورشدي صالح- تقديم التفسير الموضوعي للأحداث الداخلية والخارجية، فإن السؤال الذي يطرح

стр. 65

نفسه هو: إلى أي حد يمكن توافر هذه الموضوعية؟ ما دام الكاتب ملتزما بسياسة الصحيفة، والتي هي بالنسبة للصحف الحكومية والحزبية والموجهة، سياسة تقررها مصلحة هذه الجهات أولا، بصرف النظر عن موضوعيتها "الكاملة" أو أنها تراه موضوعية ولكن من خلال نظرتها إليها. ب- المقال الافتتاحي النزالي: وهو يشبه دعوة إلى المبارزة بالكلمات حيث يقوم كاتبه بإلقاء القفاز في وجه معارضي رأي سياسي معين، أو دعوة، أو اتجاه، أو. . . في نفس الوقت الذي يقدم فيه الرأي أو الدعوة في الاتجاه أو الموقف المنافس. . . والذي يقف إلى جانبه بكل قوة، أي: إنه -في أسلوب آخر- مقال افتتاحي ينازل فيه كاتب من صحيفة هذه الاتجاهات كلها التي قد تطفو على سطح المجتمع، أو ترد على صفحات جريدة معارضة، أو ضمن مزاعم عدو للوطن أو للدين أو للتقاليد أو الإنسانية كلها، ومن هنا فنحن نقول إن أغلب المقالات الافتتاحية التي نشرتها الصحف العربية في مرحلة الاستعمار أو تنشرها في موضوع الحرب العربية الإسرائيلية، هي من هذا النوع الذي "ينازل" دعاوى الاستعمار والصهيونية. جـ- المقال الافتتاحي المستكشف أو المتنبئ: وهو الذي يركز فيه كاتبه من خلال سياسة الصحيفة وفي ضوئها على تلمس مسار خبر هام جدا، وتتبعه في تطوراته حتى يمكنه وضع تصور خاص يتضمن توقعاته, إسنادا إلى. . . . العديدة لما يمكن أن يسفر عنه مثل هذا الخبر "المستمر" من نتائج يمكن أن تحدث غدا أو بعد غد، أو -في أسلوب آخر- أن محرره يقوم بعملية "استكشاف" أو "تنبؤ" بما يمكن أن يحدث نتيجة لوقوع الحدث، أو تفجر القضية، أو اتخاذ الموقف وواضح في جميع الأحوال أن المحرر لن يتمكن من ذلك إلا في حالة معرفته الكاملة بحقائق الحدث وإدراكه الشامل لجوانبه وزواياه وأبعاده الحالية وتلك المتصلة بالمستقبل، مباشرة وغير مباشرة. كذلك، ومن خلال دراستنا الخاصة للمادة المنشورة فوق الصفحات وتتبع هذه النوعية الهامة من المقالات فقد أمكن ملاحظة أن هناك عدة اتجاهات حديثة تتصل بنوعيات أخرى بعضها ليس جديدا تماما على تلك السابقة، وبعضها الآخر يعتبر جديدا تماما، وأهمها -مما رصدنا ملامحه وخصائصه وأبعاده- هذه كلها: د- المقال الافتتاحي ثنائي أو ثلاثي الموضوع: وهو يمثل اتجاها جديدا في كتابة

стр. 66

المقالات الافتتاحية يقوم على تقسيم المقال الواحد إلى مقالين أو ثلاثة مقالات، فأما إن كان من مقالين فيكون أحدهما "داخلي" أو يتناول" موضوعا داخليا والآخر "خارجي" أو يكون أحدهما محلي الطابع، والآخر يتناول موضوعا عربيا، فإذا كان المقال ثلاثي الموضوع فيكون "محليا، عربيا، إسلاميا" أو يكون "محليا، عربيا، عالميا"، وهكذا, وواضح أنه هنا يتكون من وحدتين أو ثلاث وحدات تقوم كل منهما أو منها بوظيفة مقال افتتاحي كامل ومختصر، له أهم خصائص المقالات ولا أقول جميعها، كما أنه يكون له من الطول والمساحة ما يفوق أطوال ومساحة المقالة الافتتاحية العادية وقد يكتفى -بالنسبة له- بالعنوان الثابت في أغلب الأحوال، كما أن هناك اتجاه آخر يفصل بين المقالين أو المقالات الثلاثة فيصبح كل مقالة وحدة تحريرية مستقلة، تمثل مقالا متكامل الأبعاد. هـ- المقال الافتتاحي المقارن: وهو يقوم على أساس المقارنة بين رأيين أو اتجاهين أو موقفين أو نتيجتين، بحيث يقوم كاتبه بعرضهما وعقد مقارنة بينهما والخروج منها بنتائج واضحة ومحددة، وذلك في ضوء وعلى هدي سياسة الجريدة نفسها، وقد انتشرت هذه المقالات في الصحف الحزبية وصحف المعارضة،. . . . عقد المقارنات بين مواقف الأحزاب التي تمثلها ومواقف غيرها. كما تنشرها أيضا الصحف الحكومية والرسمية للغرض نفسه. ومقال الدعوة إلى موقف أو عمل ما: وكاتبه لا يقف عند حد عرض الأخبار أو الآراء أو المواقف ومناقشتها والوصول إلى نتيجة بشأنها إنما يواصل دوره "القائد"، وذلك بدعوة القراء أو الجماهير إلى اتخاذ موقف إيجابي ما بشأن موضوع المقال كالدعوة إلى مقاطعة بضاعة أجنبية معينة، أو الامتناع عن شراء ما هو غير وطني، أو الدعوة إلى معاقبة المفطر في شهر رمضان علنا، أو إلى تغيير قانون ما غير كافية أحكامه لردع الجشعين أو المستغلين، وهو مقال هام وإيجابي وله دوره الكبير على مسار حركات الوطنية. ز- المقال الافتتاحي التحذيري: وهو يشبه في كثير من الأحوال، النوع السابق من هذه المقالات -الدعوة إلى موقف أو عمل- كما يشبه أيضا المقال المستكشف أو المتنبئ، أو على وجه التحديد، ينطلق هذا المقال في فكرته الأساسية وخطه الواضح من حيث يتوقف النوعان السابقان حيث يضيف إلى عنصري الاستكشاف والدعوة إلى

стр. 67

موقف، التنبيه إلى خطر قادم، أو شر محدق أو نتيجة ينتظر أن يكون لها مثل هذا الأثر, تماما كما يكون اتجاهه الأساسي، إيقاظ النائم وتنبيه الغافل، ودق أجراس الخطر، وذلك على نحو ما جاء -شعرا- في قصيدة الشاعر العربي الذي أرسل ينصح قومه لما رأى الأعداء يعدون العدة للهجوم عليهم: ما لي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا وهو مقال شائع الاستخدام، وقد نشر بكثرة خلال أحداث الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة، وما يزال ينشر لصلته القوية -للأسف الشديد- بالأوضاع العربية الحالية. جـ- المقال الافتتاحي "المهني": وهو مقال "مجلة" أصلا، كما تقبل على نشره بعض الصحف الأسبوعية, ولها في ذلك طرق واتجاهات عديدة حيث ينشر كافتتاحية أولى، أو مع غيره كافتتاحية ثانية، أو كمقال موجه من رئيس التحرير أو أسرة التحرير أو هيئته إلى القارئ، أو كمقال قائد موقع حيث يخرج هنا من مجال هذه السطور، أما في الحالات السابقة فإنه يكون نوعا من أنواع الافتتاحيات ولكنه نوع له طابعه الخاص جدا الذي يتصل بـ"المهنة" نفسها والعمل الصحفي ذاته ومن هنا تنشره بعض الصحف اليومية إضافة إلى المجلات الأسبوعية حيث تحدث فيه عن صورة من صور العمل أو تجربة من تجاربه أو مشكلة من مشكلاته أو جديد يتصل به أو عند. . . . بين الصحيفة والمجتمع الخارجي أو النظم أو القوانين الموجودة أو عن تجربة محرر أو عن قصة بعض المواد المنشورة أو عن ردود فعل إيجابية لبعض المواد التي نشرتها من قبل المسئولين أو القراء أو عن رسالة هامة من قارئ أو نجم وما إلى ذلك كله، على أنه ينبغي في جميع الأحوال أن يكون هناك ما يقال من مادة ذات فائدة ما. ط- المقال الافتتاحي العام: أو "المحوري الشامل" والذي يجمع في إطار واحد بين عدد من النوعيات السابقة أي: إن كاتبه يشرح ويفسر الحدث "النوع أ" ولا بأس من مقارنة بين موقفين أو اتجاهين "هـ" كما قد تأخذ المقارنة الطابع النزالي أو تمتد إليه "ب" وقد يقوم الكاتب بدعوة القراء إلى موقف أو عمل ما استنادا إلى المقدمات السابقة "و" وقد يواصل حديثه باستكشاف أو توقع ما يمكن أن يحدث نتيجة لذلك "النوع جـ" ومن هنا فهذا المقال يكون أشمل المقالات الافتتاحية وأطولها وأكبرها مساحة، وإليه تنتمي المقالات الافتتاحية "الكلاسيكية" التي كانت الصحف العربية عامة والمصرية والعراقية

стр. 68

والسورية خاصة تنشرها في العشرينات والثلاثينات والأربعينات، وقبل ذلك أيضا، وكان بعضها يحتل صفحة كاملة أو أكثر، كما أن هذا المقال هو أقرب الافتتاحيات إلى "المقال التحليلي".

стр. 69

إضافات وملاحظات: وختاما لهذه النقاط السابقة، فإننا نتوقف قليلا عند عدد من الإضافات والملاحظات من بينها: - أن بعض الأركان والزوايا والصفحات وأحيانا الملازم الخاصة قد تكون لها افتتاحياتها المرتبطة بها أشد الارتباط وأوثقه، والتي يكتبها محررها، وإذا كان بعض هؤلاء الزملاء يرى توقيع "افتتاحية الصفحة أو الركن أو الباب" باسمه الخاص فإن البعض الآخر لا يرى ذلك، ويتركها غفلا من التوقيع، وقد يتصادف -من هنا- أن يقوم محرر واحد بكتابة افتتاحية الصحيفة كلها، وكذا كتابته افتتاحية الباب الخاص أو الجزء أو الركن أو الصفحة التي يحررها، أو يقوم هو بالإشراف على هذا التحرير. - أن العبرة ليست دائما بكتابة المقال الافتتاحي على أي شكل وفي أي موضوع، وإنما المقال الهام الذي يؤدي دوره الإعلامي الكامل، تماما كما أنه ليست العبرة بعدد من يطالعون المقال الافتتاحي أو يمرون عليه مرورا سريعا عابرا، بل بأعداد من يتوقفون عنده ويطالعونه على مهل ويفكرون في سطوره وكلماته وما يمكن أن تعكسه من أفكار وتوجيهات وتحذيرات، وما إلى ذلك كله، بينما يتجلى الأثر الأكبر لهذه المقالات الهامة في ما يمكن أن يحققه للمستوى الرفيع من القراء، من المتعلمين والمثقفين ومن الصفوة -بصفة عامة- حيث يكون له مردوده الإيجابي الذي ينتقل من هؤلاء وعلى ألسنتهم ومع أفكارهم إلى غيرهم من الطبقات بوصفهم من قادة الرأي أو الفكر في بلد ما في وقت ما، وفي ذلك يقول أحد المؤلفين: "فالملاحظ أن الذين يقرءون المقال الرئيسي هم الصفوة من الشعب الذين يقفون منه موقف القيادة في جميع ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ويهيمنون على شئونه ويصرفونها حسبما يريدون"١.

стр. 70

- أن المقال الافتتاحي في المجلة يختلف عنه في الصحيفة اليومية وذلك من حيث الموضوع والحجم والمساحة، فالمجلة أكثر مرونة وأبعد عن الالتزام الكامل بالخصائص السابقة تماما كما أنها أقرب إلى استخدام المحرر لقدراته ومواهبه الإبداعية والابتكارية في مجال كتابته للمقال الافتتاحي، كما أن بعض المجلات العامة، وحتى المتخصصة والسياسية أيضا تنشر أكثر من مقالة افتتاحية واحدة "ما هي؟ وما هي أهم ملامحها؟ "، وقد راحت بعض الصحف الأسبوعية واليومية -وهي الأقرب إلى طابع المجلة وطبيعتها- تقلدها في هذه الملامح والأبعاد١. - أن المضمون الدائم للمقالات الافتتاحية يجب أن يكون هو المضمون الجاد الدقيق والثابت وإلى حد الرسوخ أيضا، وأساس ذلك هو أن تبنى الافتتاحيات ويكون جوهرها الحقائق والمعلومات الصادقة والدقيقة، والأخبار التي ثبت صحتها، أما ما لم تثبت صحته من هذه المواد فينبغي أن يشار إلى ذلك، في وضوح وقوة. - أما التردد بين المواقف المختلفة، وعدم وضوح الرؤية أو الهدف، والظهور بمظهر المؤيد أو المعارض دون سند كاف أو مبرر ظاهر، وكذلك عدم وضوح "شخصية الصحيفة" وما إلى ذلك كله، فيمكن القول بأنها "أعداء المقالات الافتتاحية"، وربما يكون ذلك هو ما عناه ناشر عندما وجه حديثه إلى كتاب افتتاحية صحيفته قائلا: "قبل كل شيء تجنب الافتتاحيات المجاملة التي ترضي كل إنسان, والتي يجب أن تلقى في سلة المهملات، إذ لا محل في صفحتنا الافتتاحية للغو الفارغ الذي لا يصل إلى نتيجة حازمة"٢. - أن مسايرة سياسة الصحيفة، والإخلاص لمبادئ الحزب، والالتزام بمبادئه، هي أمور تقدم المصلحة الشخصية للكاتب، وتفضل على أفكاره الخاصة، في هذه

стр. 71

النوعية من المقالات، وإلا فعليه أن يترك كتابتها إلى غيره من كتب الافتتاحيات، لتكون له ذاتيته في أنواع المقالات الأخرى، وذلك باستثناء ما يفعله من أسلوبه الخاص، وصياغته المغايرة لصياغة الآخرين. - وبالمثل ينبغي أن يترك المحرر كتابة المقال الافتتاحي إلى غيره، إذا لم يكن مقتنعا بموضوعه الاقتناع "الوظيفي" الذي يشجع على الكتابة ويدفع إليها، أو إذا لم يكن يعلم عنه ما ينبغي أن يعلم، وليس عنده الوقت المتاح لذلك، أما إذا لم يتمكن من توفير الأدلة والشواهد الكافية لمادته المقالية فله أيضا أن يتخذ الموقف السابق، حتى تتوافر لديه الأدلة جميعها، أو يقترح موضوعا آخر، أو يقوم رئيس التحرير بالاقتراح، أو بتكليف آخر بتحريره.

стр. 72

محرره: ومع تعقد الحياة وتشابكها وكثرة ألوان النشاط السياسي والعام، ومع تعدد المذاهب السياسية والاجتماعية والفكرية والفلسفية، وامتزاج ذلك كله وتفاعله مع الدور الإعلامي التوجيهي القيادي الصحفي، ورغبة الصحافة في أن تقوم بمسئولياتها المتعددة في هذا السبيل، مع كل هذه الأمور الهامة، وبالنظر إلى أهمية المقال الافتتاحي "القائد"، وتقديمه على غيره من المقالات، ووقوفه في الموقع "الاستراتيجي" المناسب لدوره وطبيعته، مع كل ذلك: أ- أصبح من الضروري عقد الاجتماع الخاص به والذي سبقت الإشارة إليه "مجلس تحرير الافتتاحيات". ب- لم يعد في إمكان، أو باستطاعة رئيس تحرير واحد، أو رئيس التحرير وحده أن يقوم دون غيره بتحرير الافتتاحيات على مدى أسبوع كامل، بل على مدى صدور الصحيفة، أو خلال فترة رئاسة تحريره على الأقل، وذلك بالإضافة إلى ألوان كتاباته الأخرى، وإلى قيامه بمسئوليات هذا العمل المتعددة والحساسة أيضا. جـ- أصبح من الضروري أيضا، وقياسا على ذلك، أن يقوم أعضاء "مجلس الافتتاحيات" بالتعاون في كتابته، كأن يقوم أحدهم بكتابته يوما، والثاني في اليوم الذي يليه وهكذا، كما تجري الاستعانة بمحررين آخرين -من غير أعضاء

стр. 73

هذا المجلس- للقيام بمهمة تحرير الافتتاحيات ذات الموضوعات الخاصة، من مثل تلك التي تتصل بالمسائل "العسكرية، القانونية، البرلمانية، الدينية، الرياضية، وغيرها". كل ذلك في حدود سياسة الصحيفة أو المجلة، وانطلاقا من قاعدة التعبير عن رأيها وموقفها في الأمور التي تتناولها الافتتاحية. - ومن هنا، وتأسيسا على ذلك كله، وبالإضافة إلى ما ورد خلال سطور الفقرات السابقة عن محرر الافتتاحيات، فإننا نضيف هنا هذه الخصائص العشر التي ينبغي أن تتوافر فيه، أو في المحرر الزميل الذي يصلح -قبل غيره- للقيام بهذا العمل التحريري القياسي الحساس والبعيد الأثر، ولا يعني ذلك -بالطبع- أنها جميع الخصائص أو الشروط، وإنما أهمها وأبرزها أنها باختصار شديد: ١- الفهم الكامل والإدراك المتميز لجوانب السياسة الوطنية داخلية وخارجية ومعرفة أحدث الاتجاهات الخاصة بها وما يكمن خلفها من فلسفات. ٢- الفهم الكامل والواعي لسياسة الصحيفة وأبعادها وكل ما يتصل بها من قواعد وأساسيات. ٣- الانتماء الكامل والواضح والصريح والقوي الأسس بالوطن الذي تصدر فيه الصحيفة وما يستتبع هذا أو يسفر عنه من تقدير لظروفه، واستيعاب لأحواله وانصهار في بوتقته، وما يتصل بذلك كله من معرفة بدينه وتاريخه وتراثه ولغته وحضارته، واستعداد كامل للدفاع عنها دفاعا يقوم على الحق والصدق مع النفس وتحمل مسئولية هذا الانتماء وما يفرضه من مرئيات ومواقف تنطلق من صالح الوطن وتصب فيه أيضا. ٤- المعايشة الصحفية الكاملة للأحداث اليومية من خلال رؤية ومنظار محرر الافتتاحية. ٥- القدرة على تصيد الأفكار الصحفية المقالية الهامة والقائدة، وتغطيتها بالمادة المناسبة والتعبير عنها في وضوح أو في تعبير آخر، وبامتزاج وظيفي بين النقطتين السابقتين، أن يملك "حضورا ذهنيا" طيبا في مجال كتابة المقال الافتتاحي.

стр. 74

٦- أن يمتلك قدرا لا بأس به من الحاسة النقدية التحليلية التي تتيح له تغطية جوانب الشرح والتفسير والربط والمناقشة، والعرض والتحليل والنقد والمقارنة بين سطور مقالة. ٧- الثقافة العامة المتنوعة في مجالات متعددة هي مجالات الاهتمام الجماهيري، مع تركيز على مجال تخصصه أو حقله الذي يعمل به، وإلى حد تقديمه على غيره من الزملاء في مجال هذا الحقل أو التخصص. ٨- أن تكون له مصادره المتنوعة والجديرة بالعودة إليها، وأن يعرف كيف يحصل منها أو يستخرج المادة والمعلومات التي تقدم فائدة أساسية لمقالة، وأن يعرف أيضا كيف يوظفها لخدمة هذا المقال، من بشرية ومعلوماتية ومكتبية ووثائقية. ٩- أن يكون مستعدا وعن طيب خاطر وعن اقتناع أيضا لإخفاء ذاته وإبراز كيان صحيفته من خلال اهتمامه الكامل بتحرير مقال لا يوقعه باسمه، وربما بأكثر مما لو كان موقعا بهذا الاسم. ١٠- الشجاعة في إبداء الرأي، وقوة الشخصية، والإيجابية الفعالة التي تنعكس على سطور المقال ولمساته ولغته، حيث إن ذلك يختصر الطريق إلى التأثير، والتأثير القوي. وربما من أجل ذلك كله كان وجود "مجلس تحرير الافتتاحيات"، وربما من أجل ذلك أيضا كانت عناية الصحف والمجلات العالمية بكتابها، فهم في أغلب الأحوال، وبالنسبة لجرائد الرأي والتوجيه والإرشاد، في مرتبة أكبر من مرتبة المحرر العادي بعضهم في مرتبة "المحرر" المسئول، أي: يكون رأسه برأس رئيس التحرير نفسه، دون أن يحتل هذا المنصب، أو يكون قد احتله في فترة سابقة، ومن هنا كان كتابه -قبل غيرهم- في درجة قادة الفكر والرأي في كل أمة، وتاريخ الصحافة، والأسماء العديدة التي تولت كتابته شاهدة بنفسها على صحة ذلك، وذلك بالطبع باستثناء ما يحدث في الصحف التي يتولى رئيس التحرير فيها كتابة الافتتاحية، أو تلك التي لا تكتبها أصلا.

стр. 75

تحريره: - عن الوحدة التحريرية الأولى التي تمثلها "العنوانات" فقد ثبت أن هناك أكثر من اتجاه تتبعها الصحف والمجلات -بأنواعها- عربية وعالمية، وهذه الاتجاهات هي: ١- وجود عنوان ثابت: قائم لا يتغير وهو مثل: "الافتتاحية، كلمة اليوم، كلمة الاتحاد، الزمان تقول، كلمة المحرر، كلمة التحرير، كل صباح.. إلخ"، والاكتفاء بهذا العنوان الثابت الذي يمثل اسما تعود عليه القراء، وعلى مكانه وحجمه وشكله أيضا، وهو في الغالب "مصغر" للافتة الصحيفة وشعارها١. ٢- ولكن بعض الصحف والمجلات الأخرى، ترى عدم الاكتفاء بهذا العنوان الثابت "اللافتة"، حتى وإن تعوده القراء أو ألفوه، ومن هنا وزيادة في الاهتمام بموضوعه وجذبهم إليه، فإنها تضيف إلى هذا العنوان السابق عنوانا آخر "متغير" يتغير من يوم إلى يوم بالنسبة للصحف اليومية، أو من أسبوع لأسبوع بالنسبة للصحف الأسبوعية وصحافة المجلة، ويكون دالا على مقال اليوم كل الدلالة بحيث لا يصلح لأن يكون عنوانا لمقال غيره مثلا. ٣- وهناك صحف ثالثة قليلة العدد -بل نادرة- لا تكتب الاسم أو اللافتة أو هذا العنوان الأول الثابت على الإطلاق، وإنما تكتب الثاني فقط. ٤- وهناك اتجاه رابع نادر أيضا، حيث لا تكتب صحفه العنوان الأول الثابت نفسه، وإنما تضع بدلا منه "شعار الصحيفة"، أو الرسم الرمزي الدال عليها، والذي ألفه قراؤها، تماما كما ألفوا منها هذا الاتجاه، وقد تضيف إليه بعض الملامح الزخرفية البسيطة، أو لونا من الألوان، أو تخفف لونه عن ذلك الموجود باللافتة الأصلية، ثم تكتب العنوان غير الثابت. ٥- وإذا كانت الصحف السابقة تضع شعار الصحيفة وعليه اسمها فإن صحفا نادرة للغاية تضح هذا الشعار بدون اسم على الإطلاق، أي: تكون اللافتة مجرد شعار فقط، يوجد فوق عنوان المقال المتغير، وهكذا.
следующие страницы →