أو مريضة خاصة إذا كان الخبر قادما من وكالة أنباء معادية، أو لها مواقف سابقة تؤخذ عليها.
- ابداء الرأي في وقائع الخبر وتفصيلاته ونتائجه واحتمالات تطوراته الحالية والمستقبلة, والتحرز في ذلك واتخاذ جوانب الحيطة بقدر الإمكان خاصة بالنسبة للأحداث الهامة أو الاستشهاد بكلمات كبار المسئولين أو تصريحاتهم أو تعليقاتهم.
- إبراز أسلوب كاتبه في التفكير وطرح الرأي ومناقشته ومقارعة الحجة بالحجة وتقديم الشواهد والأمثلة المؤيدة لوجهة نظره.
- اهتمام أكبر بالإجابة على أداتي الاستفهام: "كيف - لماذا؟ " من خلال وجهة نظر الكاتب.
"جـ"
أنتجت الحياة الحديثة بكل صخبها وضجيجها ومطامع دولها وألوان تسليحها, ونزاع أممها، أنتجت هذا اللون المقالي الصحفي الإذاعي أصلا، ومع تعدد الصور والمشاهد المتشابكة والمريرة والمستعصية على فهم كثير من القراء، أصبح هذا المقال وعلى حد تعبير القائل: "من أهم واجبات الصحافة حتى يستنير القراء, ويقفوا على حقيقة مجريات الأمور"١، وكان لا بد -تبعا لهذا الاهتمام- أن تتعدد أساليب كتابه وأن تتنوع اتجاهاتهم وأن يدخل إليها التجديد والابتكار من أجل جذب القراء إلى هذه المادة الهامة, إذ ما فائدة خبر لا يستطيع القارئ العادي أن يفهمه تماما, وأن يدرك جوانبه وأبعاده لا سيما بعد ظهور أساليب وكالات الأنباء واتجاهات بعضها الاستعمارية، ووضعها "السم في العسل" كما يقولون، إلى جانب تيارات "الأنباء الموجهة" والمفبركة وغير الدقيقة "المصنعة وغير الحقيقية".
على أنه مهما تعددت الأساليب والاتجاهات فإن على كاتب مقال التعليق٢ أن يضع نصب عينيه وأن يتذكر جيدا:
стр. 107
- أن أساس نجاحه الأول يقوم على قدرته في مجال تنفيذ عنصر "الاختيار" ونعني به هنا اختيار ما ينبغي التعليق عليه، وما يستحق، وما يستأهل، وفي ذلك يقول القائل: "إن اختيار الخبر الذي يحتاج إلى تحليل أو تعليق أصعب بكثير من جمع الخبر نفسه"١.
- أنه إذا كان عدد من المحررين يقول إن مقال التعليق قد يكون -في بعض الأوقات- أهم من الخبر الأساسي الذي يتناوله، فإن هذا القول يعتبر على جانب كبير من الصواب وذلك من أجل:
- أنه يعيد نشر الخبر فيطالعه من لم تسبق له رؤيته، مثله في ذلك مثل مقالات أخرى كثيرة.
- فإذا كانت قد سبقت رؤيته بالنسبة لبعض القراء، ففي إعادة قراءته فائدة أيضا.
- أنه يكون أكثر أهمية بالنسبة لظروف وأحوال القارئ العربي.
- أنه يوسع من دائرة الفائدة المتحققة من خلال قيام التعليق بوظائف عديدة سبق ذكرها.
- أنه يلفت نظر المحررين الآخرين إلى أهمية تناول الخبر في أشكال وأطر فنية أخرى.
- ومعنى ذلك كله مسئولية مضاعفة بالنسبة لكتاب مقالات التعليق العرب.
- أن على كاتبه أن يذكر أنه ليس مخبرا، وأنه لا يعظ، ولا يصدر تعليمات إلى القراء ومن ثم فإن الهدف هو الفهم الكامل والواضح للأخبار وما وراء الأخبار.
- أن على كاتبه ألا يتوقف عند حد تقديم المعلومات المفسرة والموضحة، وإنما يخلط بين الخبر، وبين هذه المعلومات من جانب وبين الرأي من جانب آخر، وإلا أصبح مقاله تفسيرا وليس تعليقا مما سيرد ذكره بعد قليل.
стр. 108
- أي: إن من حقه أن يوافق وأن يعترض، موافقة كاملة أو منقوصة، أو اعتراضا يرتكز إلى وقائع وحقائق، كما أن من حقه أن يفند الخبر تفنيدا كاملا يحول بينه وبين التسلل إلى عقول القراء.
- أن عليه أن يعرف أن مهمة مقال التعليق الأولي هي: "تنوير القارئ" وما يتصل بذلك من توجيهه الوجهة السليمة، ومساعدته على تلمس الطريق، وتوضيح معالمه خاصة عندما في مجال السياسة الخارجية.
- أن يبذل المحرر عنايته لمراعاة "صالح المجتمع" ومثله وقيمه وتقاليده وكذا "الأيديولوجيات" التي تسود مجتمعه.
- كل ذلك بمراعاة أن تكون "المناقشة" والمناقشة وحدها هي الخيط الأساسي الذي يربط به مقاله من أوله إلى آخره، وأن يكون الرأي هو العنصر الأساسي الذي يرتبط به هذا الخيط ارتباطا شديدا.
"د"
وللطلاب والمتدربين والمعلقين والمحررين الجدد في بلاط صاحب الجلالة, وبالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه، نقول إن تحرير مقال التعليق يمر بعدة خطوات -على طريق التعريف به- هي:
١- فرز المحصول اليومي المتجمع للأخبار الهامة فرزا دقيقا يلمح أبعاد أهميتها وجوانب خطورتها، ثم تصفيتها إلى عدد قليل جدا من الأخبار الجديرة بالتناول.
٢- اختيار خبرين منها يكون في حاجة إلى مثل هذا التعليق، ووضع محرر كبير في الصورة بالنسبة لاختيار أحدهما للتعليق عليه، كرئيس أو مدير التحرير أو نائب رئيس التحرير أو محرر خبير ممارس, أما إذا كان أحد هؤلاء هو الذي يقوم بتصفية الأخبار واختيار الصالح منها, فإنه يركز هنا على خبر واحد فقط لا جدال في أهميته، ويشك في صحته أو صحة جزء منه وتكون له مقدماته ونتائجه الخطيرة.
٣- وبعد الاتفاق على اختيار الخبر يقوم المحرر بقراءته مرة أخرى قراءة هادئة متأنية ودقيقة، بحيث تمتزج عنده وتختلط في فكره بأخبار ووقائع سابقة مماثلة أو
стр. 109
من نفس المصدر أو الحقل ولها نفس الصفات والرائحة والخصائص أيضا.
٤- ولا بأس خلال هذه الخطوة من الاستعانة بما ذكرته مصادر أخرى مثل الصحف أو وكالات الأنباء أو الإذاعات، كلها أو بعضها مع أهمية التنوع بينها، حيث يقوم المحرر وهو على نفس الدرجة من اليقظة والوعي بعقد مقارنة سريعة بين أبرز سمات هذا الخبر نفسه وأهم ملامحه كما جاءت في هذه الوسائل وحيث يقوده ذلك، وهو في دائرة الشك المعلنة عن إيجابيته، يقوده إلى:
- أهم جوانب الاتفاق والاختلاف ودرجات ذلك شدة أو ضعفا.
- معناها الظاهر ومعناها المستتر.
- ما يمكن أن تتضمنه من جوانب خافية أخرى.
- أسباب ذلك.
٥- ويساعده على ذلك، إلى جانب خبرته وممارسته وحسه التاريخي والصحفي وفهمه لطرق وأساليب التعامل مع هذه المصادر -خاصة وكالات الأنباء- يساعده مقال سابق لمعلق كبير، أو تقرير هام قام بتوزيعه المكتب الصحفي لإحدى السفارات أو وقائع مؤتمر صحفي يكون قد حضره، أو خطاب يتصل بموضوعه، أو كتاب جديد يتناول هذه النقطة، يساعده ذلك كله في تبين الصحيح من الفاسد والصادق من الكاذب والصالح من الطالح، وتبين أسبابه أيضا.
٦- على أن من الأهمية هنا، أن تمتد نظرة المحرر إلى الصحف والمجلات الأخرى التي يمكن أن تسبق بتناوله ليرى موقفها منه، ويخلط بين هذه المواقف وبين اتجاهات هذه الصحف والمجلات وبين النتائج التي توصلت إليها، حيث يكون لذلك أثره في تقرير نتائجه هو، استنادا إلى المقدمات السابقة.
٧- على أن يمتد ذلك كله إلى توقفه عند كلمات بعينها، وأفكار دون أخرى، ونتيجة قبل نتيجة، ليسأل نفسه دائما عن السبب، سبب النجاح أو الفشل أو قلة الأصوات أو مقاطعة الانتخابات أو انسحاب المرشح أو قيام المظاهرة أو اندلاع الحريق أو اللجوء إلى العنف أو سفر الوزير المفاجئ أو اجتماع الوزارة على غير موعد أو إلغاء الاحتفال أو الاجتماع، وما إلى ذلك كله.
стр. 110
٨- وبينما يفعل المحرر ذلك كله، وبينما يستعين بهذه الأفكار والمقارنات والشواهد ويتوقف عندها طويلا ويفكر فيها مرة ومرة في ضوء تفكير الآخرين، وجوهر الخبر وكلماته -معا- بينما يفعل كل ذلك يمكنه من آن لآخر.
- تسجيل مشروع العنوان غير الثابت، إن كان التعليق يكتب بصفة يومية.
- تسجيل أهم العناصر -باختصار شديد وفي كلمات- التي سوف يتناولها.
- أهم وأبرز جوانب التعليق "ما يمكن أن يسأل القراء عن حقيقته.
- النتيجة الأساسية وما يمكن أن تسفر عنها من نتائج أقل أثرا وقيمه.
٩- حتى إذا أتم ذلك كله، كان عليه أن يقوم لكتابة تعليقه، وقد يستعين هنا بخبر قديم أو رأي أو تحليل سابق، يطلبه من مركز المعلومات، ثم وبعد كتابة العنوان الدال المعبر، وهو هنا يكاد يتركز في العنوانات التالية: "الاستفهامي, الوصفي, الجملة المقتبسة, المباشر, الرد المباشر".
- يقوم بذكر مختصر للخبر يطلع القراء عليه ويذكرهم به.
- ينتقل إلى أهم فكرة استطاع أن يضع يده عليها.
- يبين مصدر الشك فيها أو الغموض في بعض جوانبها، أو فيها كلها.
- يوضح دلالات هذا الشك وأسبابه من وجهة نظره وما الذي أراده واضعوه على هذا النحو.
- يشير إلى معنى ذلك، وما الذي يمكن أن يسفر عنه من نتائج عاجلة أو سريعة أو مستقبلية على المدى البعيد أو القصير، مباشرة أو غير مباشرة.
- يركز على النتيجة النهائية والدلالة الأساسية والأولى, وما يمكن أن ينبثق أو يتفرع عنها.
١٠- على ألا ينسى -خلال ذلك كله- القواعد التحريرية الهامة التي تتناسب وطابع هذا المقال وطبيعة قراءه وصفحته، ودواعي نشره أيضا وهي:
- المناقشة الهادئة الرزينة والأسلوب المقنع.
стр. 111
- العبارات القصيرة المركزة إلى أبعد حد ممكن.
- الصياغة الجذابة.
- عدم التركيز على جانب "الأخبار" بكسر الألف الثانية، وإنما الشرح والتفسير.
- الطابع الجاد والحازم الذي ينال ثقة القراء واهتمامهم.
- الخاتمة الملخصة، التي تقدم الخبر أو الواقعة أو الرأي أو الموقف مرة أخرى، مع مختصر لرؤية المحرر، وما انتهى إليه.
- التوقيع باسم المحرر كاملا، أو بالكلمة الأولى منه، أو بالأحرف الأولى فقط والثبات على ذلك.
١١- على أن من أهم عوامل النجاح في كتابة التعليق، وفي موضوعه كله:
أ- عدم التطرف في الاتجاهات والآراء السياسية الخاصة بالكاتب، ومحاولة إقناع القراء بها بالقوة، والتخويف، وليس الإقناع والهدوء.
ب- الحذر والدقة في اختيار الكلمات والتفكير مرة ومرة قبل إطلاق الأحكام.
جـ- الاحتفاظ بملامحه الراسخة في أذهان القراء وعدم تغييرها أو إبدالها من يوم لآخر وذلك مثل: "المكان, الحجم, الإطار، التتابع اليومي أو الأسبوعي.. إلخ"، فإذا تقرر مثلا نشره بصفة يومية أو على الصفحة الثانية أو الأخيرة فينبغي أن يكون ذلك دستورا أساسيا لا محيد عنه وهكذا، إلا في فترات متباعدة شأنه في ذلك شأن المقال الافتتاحي.
د- الاهتمام بتعريف القارئ بالشخصية التي يدور حولها أو حول عمل بارز أو رأي خطير لها تعليق المحرر وتوضيح أهميتها وما قدمته لمجتمعها أو للإنسانية كلها.
هـ- وظهور شخصيتك هنا، وعرض ما تحس به عن حق وصدق هو أسلوب ناجح ومؤثر بشرط أن يكون ذلك بدون إسراف أو مغالاة.
و التنوع في الموضوعات والاهتمامات والمجالات، مطلب هام وعامل من
стр. 112
عوامل النجاح، خاصة من وجهة نظر القارئ الذي تعود قراءة التعليق يوميا.
ز- العمل على كسب ثقة القارئ، وازدياد رصيد محرر التعليق من هذه الثقة باستمرار النجاح والمحافظة عليه، ومضاعفته "عن طريق التعليق الجاد والصادق والنزيه المتزن الذي يناقش رأيا ولا يفرض رأيا"١.
تذكر:
"الصحافة في يد الكاتب الصحفي العظيم ترتفع إلى مقام الأدب, بحيث تهدف في أخبارها ومقالاتها وسائر رسائلها إلى الإنسانية فلا تدعو إلى البغض ولا تحرك حوافز الحرب, ولا تقول بتعصب عنصري أو ديني ولا تغري القراء بمخاطبة غرائزهم السفلى"٢.
стр. 113
المبحث الخامس: مقال التفسير
"أ"
نوع آخر هام من أنواع المقالات الصحفية عامة، ومقالات المجلات خاصة، من مثل هذه التي أنتجتها نفس الظروف التي أدت إلى وجود مقال التعليق -السابق- ولا سيما:
- اختصار معظم الأخبار وتركيزها حتى تستوعب الصفحة أو الصحيفة عددا كبيرا منها، أكبر عدد ممكن.
- الواقع الذي يسود عالم اليوم بما فيه من شحن معنوي واضطراب وقلق ومنافسة وحروب محلية وإقليمية واقتصادية وسباق تسلح في الأرض والبحر والجو ومحاولة السيطرة على الشعوب بأساليب جديدة تبدأ بالسيطرة على العقول، وحتى المقدرات والثروات.
- سلبية أجهزة المنظمات الدولية والإقليمية.
- غموض بعض الأخبار السياسية الواردة من الخارج أو المتسربة إلى الداخل بطريقة ما عن عمد أو عن غير عمد.
- الأمية السياسية التي يعيشها المواطن في بلدان كثيرة.
- انحسار المد الثقافي وانتشار معلومات وكتب "البرشامة" غير المؤثرة في إيجابية كاملة على فكر الإنسان وتطوره، أو المؤثرة تأثيرا عكسيا سلبيا.
- قيام ثورة الاتصالات والمعلومات بما تستطيع تقديمه من إمكانية التغطية الكافية والمؤثرة.
стр. 114
ومن هنا ظهر هذا النوع من المقالات، بل كان ظهوره سابقا على "مقال التعليق" حيث يعتبر الأخير تطويرا له، وإضافة إليه ومن هنا يصح القول بأن التفسير والتعليق هما مقالان شقيقان يقف الأول منهما -مقال التفسير- عند حدود الشرح والتوضيح الموضوعي لجوانب الخبر الخافية على معظم القراء ولا يتجاوزها إلا قليلا، ولكنه شرح وإضافة تفوق جوانب الشرح والإضافة التي تصاحب مقال التعليق، كل ذلك بينما يختصر المقال الأخير -التعليق- جانب الشرح الإضافة ولكنه في الوقت نفسه يضيف إليها جانب الرأي بصفة أساسية، وما يتبعه أو يتطلبه من مناقشات وحوار، وهذا في الواقع هو الخلاف الأساسي الذي يكون أكثر وضوحا وبروزا من جوانب الخلاف الأخرى بين المقالين الشقيقين.
"ب"
وربما كان هذا هو السبب في أن أكثر المراجع العربية قد تجاهل هذا الفن من فنون المقال، أو هذا "النمط المقالي"، حيث تذوب الحدود أحيانا بينه وبين شقيقه المطور له، وإلى حد اختلاطهما ومن هنا أيضا فإن بعض الزملاء يعتبر التعليق تفسيرا والتفسير تعليقا، طالما أن نسبة الشرح إلى الرأي غير محددة تماما، وغير مقننة كما نفعل بالنسبة للعلوم الأخرى، وطالما أن الأهداف واحدة -إلا قليلا- وأن الإطار بل والمساحة نفسها تكاد تكون واحدة.
ولهؤلاء أقول: مهلا، فإن هناك الخلافات الأخرى العديدة، حتى وإن نبع بعضها أو تفرع عن الخلاف السابق نفسه: "التركيز على الشرح والتفسير أولا في مقال التفسير وإضافة الرأي في مقال التعليق"، ومن قال إن كل شقيق لا بد وأن يتشابه مع شقيقه في كل شيء؟ ومن قال إن اختلاف الألوان وامتزاجها يمنع -علميا- من ترشيحها وتحليلها وفصلها؟
أريد أن أقول إن هناك عدة فروق أخرى في الملامح والمعالم والصور والأساليب تجعل من كل منهما فنا قائما بذاته وله كيانه الخاص، ومن بينها مثلا:
- أن أهداف ووظائف مقال التعليق أكثر تطورا وشمولية وفائدة للقراء والمجتمع.
- أن الأثر الإذاعي والتليفزيوني أكثر وضوحا في مقال التعليق أيضا.
стр. 115
- أن مقال التفسير يتطلب من محرره قدرا كبيرا من الثقافة العامة والموسوعية في أحيان كثيرة، وحتى إذا كان متخصصا فلا بد من إضافة هذا القدر إلى مجال تخصصه، بينما يتطلب مقال التعليق قدرة على رصد جوانب الإيجاب والسلب وعلى المناقشة الواعية وطرح الأراء والدفاع عنها والوصول إلى نتائج محددة تكون في صالح القراء والوطن كله.
- ولعل ذلك هو السبب في أن بعض كبار الكتاب الصحفيين الأجانب يحلو له أن يطلق على محرر مقال التفسير أنه رجل "نظري"، وعلى محرر مقال التعليق أنه رجل "عملي" ويضيف بعض هؤلاء إلى ذلك قولهم١ إن الأول يهدف إلى الجانب الفكري والثقافي أولا، بينما يهدف الثاني إلى تغيير الاتجاهات والآراء والمواقف والسلوكيات ونقل القراء من حالة إلى حالة.
- ولزيادة الوضوح والدلالة أقول إأن الفارق بين الكاتبين يمثل الفارق بين طبيبين، كلاهما طبيب ويحمل نفس الدرجة العلمية وعضو بنفس النقابة ويعمل في نفس التخصص, ولكن الأول يعنى أول ما يعنى ويهتم بادئ ذي بدء بقصة المرض وتطوراته ودقائق ذلك ويعطي للمريض معلومات مفيدة وقيمة عن نوعية هذا المرض نفسه وقد يضيف إليه تجارب مع مرضى آخرين ومشاهداته في عدد من المستشفيات العالمية وأقوال كبار الأطباء عنه، وما إلى ذلك كله، ويتوقف عند هذا الحد، أما زميله الطبيب الثاني -ويمثل هنا كاتب مقال التعليق- فهو يقدم معلومات معقولة وذات قدر طيب ولكنه سرعان من ينتقل إلى تشخيص الداء ووصف الدواء الذي يساعد على شفاء المريض والانتقال من حالة إلى حالة مغايرة.
- أن مقال التعليق ينشر بشكل ثابت في كثير من الأحوال وتحت عنوان ثابت في أغلبها أيضا، وليس كذلك مقال التفسير.
"جـ"
قياسا على ذلك، وتأكيدا له، فإن التفسير يتضمن بعض هذه الصور أو جميعها أو يقوم كاتبه بإلقاء أكثر من ضوء، هي:
стр. 116
- ضوء وصفي: يتناول المناخ أو "الجو العام" الذي وقع فيه الحدث والمكان أو الأماكن المتصلة به بما يمكن تقديمه من وصف لجغرافية المكان نفسه واقتصادياته وعوامل القوة أو الضعف فيه.
- ضوء معلوماتتي: يركز على استكمال شامل لمختلف جوانب الأهمية المتصلة بهذا الخبر بعناصره وتطوراته المختلفة، كما يكون من حقه الاستعانة بالبيانات والإحصائيات المفيدة, ويجوز استخدام الرسوم التوضيحية والبيانية والخرائط المختلفة.
- ضوء إنساني: بالاهتمام بالتعرف الكامل على شخصيات أبطاله وتصرفاتهم واتجاهاتهم ومواقفهم السابقةو وهل هم من الحزبيين أو المستقلين أو المعارضين وربط ذلك كله بمادة الخبر أو الرأي أو الموقف ونتائجه.
- ضوء تاريخي: يقدم قصة الحدث أمس واليوم وأبرز التطورات المتصلة به.
- ضوء استشهادي: يقدم الأمثلة والنماذج والمواقف والتجارب المماثلة في البلد نفسه أو البلاد الأخرى, على أن يكون ذلك كله في إطار تفسيري كامل أو في أسلوب آخر يكون التفسير هو الأصل والأساس في إلقاء هذه الأضواء, والخيط العام الذي ترتبط به أو تشد هذه الجوانب نفسها إليه، بوصفها "الأركان الخمسة" التي يتكون منها مقال التفسير.
وصحيح أن بعض الزملاء يقول بقيام عدة أركان أو أعمدة أخرى، مثل جانب "تحليل الأسباب والدوافع الكامنة وراء الحدث"١، أو توقع النتائج المحتملة أو محاولة استكشافها وذلك جائز في أحيان قليلة، ولكنه ليس واجبا على المحرر أو شرطا قائما، أي: إن ذلك يجوز ولا يجب وإلا تداخلت المقالات وذابت الحدود، خاصة بين مقال التفسير وبين المقال الافتتاحي والمقال التحليلي, بل بينه وبين شقيقه المطور نفسه -مقال التعليق- وحتى لا تتطور مثل هذه التجاوزات فنجد أنفسنا في النهاية ونحن لا نعرف ما لفن من الفنون وما لفن آخر، وهكذا.
стр. 117
"د"
إضافات عديدة تساهم في تحديد صورة "مقال التفسير" بأبرز ملامحه القائمة فوق الصفحات نفسها، وتحاول أن تقترب -مرة أخرى- من أهم خصائصه:
- فمن المؤكد أن عنصر الاختيار هنا قائم أيضا وأساسه الذي يقوم عليه تلك القاعدة الصحفية التحريرية التي تقول: ليست كل الأخبار تتطلب تفسيرا، وإنما المهمة وغير المكتملة والغامضة.
- ومن أجل ذلك فالتفسير -أو مقال التفسير- مقال غير منتظم النشر أو الصدور وإنما يكون ذلك في الأوقات التي تطلبه والأخبار والآراء التي تحتاجه فقط.
- ويقبل هذا النوع الاستعانة ببعض الكتاب المتخصصين في مجالاتهم المتصلة بالأخبار المتخصصة وكذلك بالمصاحفين، وحيث يحمل هذا المقال اسم كاتبه ويدل عليه في أغلب الأحوال.
- ومقال التفسير تحكمه عدة اعتبارات أخرى في مقدمتها طابع الصحيفة أو المجلة، وطبيعة قرائها ونظام المجتمع، والاتجاهات السائدة فيه، والمحصول اليومي من الأنباء الهامة التي يلف الغموض بعض جوانبها وحاجتها إلى الشرح الموضوعي الذي يقدم في الوقت المناسب ليؤدي أثره، وبالنسبة للنقطة الأخيرة نقول إنه ليس من المعقول -مثلا- أن يكتب مقال تفسيري لنظام جديد من نظم الانتخابات كالقائمة النسبية أو المطلقة، بعد الانتهاء منها، وهكذا إلا إذا كان تفسيرا للنتائج نفسها.
- على أن من الأهمية هنا الإشارة إلى جانب "تفسير النتائج" ووضعها في دائرة الضوء الذي يقربها إلى القراء ويجعلها أكثر وضوحا، وليس تفسير الوقائع والأحداث والآراء فقط، دون أن يتعدى ذلك حدود التفسير ووظائفه.
- وإذا كانت أجهزة المعلومات الحديثة تفيد الصحيفة والكاتب في حالة مقال التعليق، فإنها تقدم له هنا فائدة مضاعفة، حيث إن لب هذا العمل وجوهره وأساسه معلوماتي بالدرجة الأولى.
كما أن المعلومات الهامة والمتنوعة هي طريق كاتبه إلى عقل القارئ وإلى اصطناع
стр. 118
أساليبه المختلفة، ونشير هنا بالذات إلى أجهزة مثل "الذاكرة الأليكترونية, جهاز المعلومات المرئية, بنوك المعلومات"، وذلك إلى جانب الأجهزة التقليدية التي تعمل في إطار مراكز المعلومات والتوثيق والمكتبة الصحفية، وما إلى ذلك كله.
- وأخيرا قد يسأل سائل ما دام للمقال التفسيري كل هذه الخصائص في الشرح والتفسير، ألا يعتبر فنا "مكررا" وصورة أخرى للنوع السابق من المقال الافتتاحي الذي أطلقنا عليه تعبير "المقال الافتتاحي الشارح المفسر".
والحقيقة أنهما ينتميان معا إلى نفس المدرسة "التفسيرية"، وهي من أهم مدارس المقال الصحفي، وأساس عملها ونتاجها واضح ومعروف، ولكنهما على الرغم من هذا الانتماء "المضموني" إلا أن هناك -بعد ذلك- أكثر من فارق هام بينهما يمكن للدارس والمتدرب أن يتبينه بسهولة، ومن بين هذه الفروق على سبيل المثال لا الحصر:
- أن المقال التفسيري لا يمثل رأي الصحيفة وموقفها دائما وفي جميع الأحوال كما هو الحال في المقال الافتتاحي الشارح المفسر.
- أن المقال التفسيري يوقع باسم كاتبه على عكس الثاني.
- أن التفسيري غير مرتبط تماما ولفترة طويلة بالنشر اليومي، وبعامل الثبات الزماني والمكاني وما يتصل بالمساحة في أغلب الأحوال كما هو شأن الافتتاحي الشارح المفسر.
- أن من الممكن أن تنشر الصحيفة في العدد الواحد أكثر من مقال تفسيري واحد متشابه، بينما وصل العدد في بعض المجلات إلى خمسة مقالات تفسيرية إلى جانب المقال الافتتاحي أو جانب مقالين افتتاحيين كما هو الحال بالنسبة لصحافة المجلة في بعض الأحوال، وهو ما لا يحدث بالنسبة للصحف اليومية إلا في أحوال نادرة -نشر افتتاحيتين- وإن حدث أحيانا بالنسبة لبعض الصحف الأسبوعية لاقترابها من طابع المجلات.
- أن الصحف لا تعقد اجتماعات خاصة بالمقالات التفسيرية، بينما تعقدها بشأن الافتتاحية.
стр. 119
- أن مقال التفسير أكثر طولا وأكبر مساحة في أغلب الأحوال من الافتتاحي الشارح المفسر.
- أن مقال التفسير قد يقوم بكتابته أحيانا بعض المتخصصين من خارج أسرة الصحيفة أو المجلة وليس كذلك الافتتاحي، ولا ينبغي أن يكون.
- أن العائد المعنوي يصل أولا بمحرر التفسير ويعود عليه نجاحا أو فشلا، وأما بالنسبة للمقال الثاني فهو يعود إلى وسيلة النشر ذاتها، بالإيجاب والسلب معا.
إلى غير هذه كلها من فروق واختلافات.
"هـ"
لا نترك هذا النوع من المقالات دون أن نشير إلى بعض ملاحظاتنا عليه بالنسبة لعدد من الصحف العربية، خلال الفترة الأخيرة، مشفوعة بعدد من نتائج دراسة لنا على صحف: "الأهرام، الأخبار، مايو، الاتحاد، الخليج، السياسة، الرأي العام، الراية، الرياض، الشرق الأوسط"، وهي التي أسفر عنها الاختيار العشوائي لعشر صحف، وذلك خلال أربعة شهور من عام ١٩٨٠ هي: "يناير، إبريل، يوليو، أكتوبر"،
- أن أكثرها نشرا لهذه النوعية من المقالات هي على التوالي: "الشرق الأوسط, الأهرام, السياسة"، وأقلها صحيفة "الراية"، وكانت الأرقام المسجلة هي ١٨٥ مقالا تفسيريا بالنسبة للأولى، ١٨١ للثانية، ١٥٧ للثالثة و٩٢ بالنسبة للأخيرة.
- أن أغلب هذه الصحف -خاصة الشرق الأوسط- كانت تستعين بعدد من الكتاب "المتعاونين" من خارج أسرة تحريرها، وكانوا بالنسبة لهذه الصحيفة بالذات من الكتاب العرب بالصحف والمجلات العربية الأخرى.
- أن صحيفة "الأهرام" كانت أكثرها استعانة بالكتاب المتخصصين وكانت نسبة كبيرة من هؤلاء من رجال القانون وأساتذة الجامعات وتأتي بعدها صحيفة "الاتحاد" ثم "الرأي العام".
- أن بعض هذه الصحف كان يستعين في بعض الأحيان بتفسيرات وكالات الأنباء
стр. 120
والصحف والمجلات الأجنبية وقد برز في هذا الاتجاه صحف: "السياسة, الرأي العام".
- أن أكثر هذه الصحف كانت تتبع أسلوب التحرير والنشر التقليدي الذي درجت عليه الصحف العربية في مجموعها، والذي يتبع المدرسة الكلاسيكية التي تقول بالفصل الكامل بين الأخبار ومقالات التفسير التي تتناولها، بل كثيرا ما كانت هذه المقالات في صفحات مختلفة، وأحيانا بعد نشر الخبر بيوم أو يومين.
- أن أغلبها كان ينشرها على صفحة الرأي أو الافتتاحيات.
- أن التفسير الموضوعي تماما، المحايد حيادا "مطلقا" أوشك على الاختفاء من هذه الصفحات، حيث كانت نسبة كبيرة جدا منها تعكس اتجاها حكوميا أو رسميا أو حزبيا، وقد ظهر ذلك بوضوح خاصة على صفحات "مايو, الخليج".
- أن بعض مقالات التفسير كانت في أحيان كثيرة ضعيفة "البنية" ضحلة المضمون، تبدو قلقة مترددة وغير ثابتة وإلى حد أن أكثر شطورها كانت مجرد ترديد للخبر أو حقائقه، مضافا إليه تصريحا لشخصية كبيرة بعكس ما رأيناه في عدد من الصحف والمجلات الأجنبية.
- أن تفسيرات صحف: "الشرق الأوسط، الأخبار، الأهرام" كانت أكثرها تنوعا في الموضوعات التي تناولتها، وأن أغلب هذه الموضوعات بصفة عامة كانت هي:
- الموضوعات السياسية.
- الموضوعات الاقتصادية.
- الموضوعات العلمية.
- أن الموضوعات العشرة الأولى التي تفوقت على غيرها في اهتمامات المقالات التفسيرية لهذه الصحف كانت هي على وجه التحديد:
"أحداث إيران التي أسفرت عن سقوط الشاه وحكم الإمام الخميني والموقف داخل إيران والعلاقات العربية الإيرانية عامة والخليجية الإيرانية خاصة، حرب الخليج، العلاقات المصرية الإسرائيلية، مجلس التعاون الخليجي، الأحداث
стр. 121
اللبنانية، حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية وأحداثها ونتائجها، اجتماعات الأوبك والأوابك وما يتصل بأسعار البتروك، خطط التنمية العربية، العلاقات العراقية السورية الفلسطينية الليبية، العلاقات العربية الليبية".
"ز"
لا نترك هذا الموضوع أيضا دون إشارة إلى أهم اتجهات وأساليب تحرير هذا المقال الصحفي الهام، والأكثر أهمية من كثير من المقالات بالنسبة للقراء العرب، ومن هنا، وبعد العنوان الثابت الذي تكون قد اختارته له الصحيفة أو المجلة -إذا كانت تسير على هذا النحو- وكذا بعد العنوان المتغير المختصر جدا، الجذاب والواضح إلى أقصى درجة، يكون على محرره الخبير والمثقف والأقرب إلى الموسوعية، وعن طريق الإفادة من مصادر المعلومات المتاحة، يكون عليه أن يختار بين أحد هذه الأساليب أو بين أكثر من أسلوب منها وهي:
أ- أسلوب التناول المعلوماتي: أقدم أساليب كتابة مقال التفسير وأشهرها وأكثرها سهولة، ويقوم على أساس إضافة معلومات إخبارية جديدة وقديمة تؤدي بدورها إلى وضوح الخبر وتساعد على فهمه وهو هنا يشبه أسلوب "الترقيع أو سد الثغرات" عن طريق المعلومات وحدها، وعلى الرغم من قدمه وسهولته ومع توافر أجهزة المعلومات الحديثة، إلا أنه أسلوب أقل إيجابية مما هو مطلوب في مثل الأحوال والظروف الدولية أو الداخلية الهامة، حيث يذكر بأسلوب "الاستكمال" العادي لفنون التحرير الأخرى.
ب- أسلوب التناول التاريخي: وهو أقرب أساليب كتابة التفسير الصحفي -أو مقال التفسير- إلى الأسلوب السابق، ويختلف عنه في تركيزه الشديد على "قصة الحدث" وتطوراته التاريخية وقد يتطرق إلى قصة صناعه "دولة جديدة، حزب، شخصيات, عصابات دولية ... إلخ" أو في أسلوب آخر، أنه يفسر الأحداث ويعلق عليها تعليقا "تاريخيا" أو من زاوية "التفسير التاريخي للأحداث".
جـ- أسلوب التناول المقارن: ويستند فيه محرر هذا النوع من المقالات إلى عقد مقارنة بين الحدث الذي يقوم بتفسيره وبين حدث آخر، أو بين أكثر من حدث
стр. 122
مشابه أو مختلف بحيث تساعد هذه المقارنة على شرح وتفسير وتوضيح الحدث الأول موضوع هذا التفسير أو يراه القراء من خلال "الضوء المقارن".
د- أسلوب التناول اللغوي: ويقوم أصحاب هذا الاتجاه بتتبع كلمات الخبر أو الواقعة أو الموقف أو الرأي تفسيره كلمة كلمة، بل وحرفا حرفا، وذلك من حيث إن المادة التي يقوم بتفسيرها -الخبر مثلا- هو رسالة إعلامية ذات نسيج لغوي، وهذا النسيج يتكون من خيوط عديدة ويمكن عن طريق الإمساك بها وتتبعها أن نصل إلى حقيقة كل شيء ولكنه بالطبع ليس أي تتبع للكلمات بهدف تعداها أو إعرابها أو الإعجاب بلغة محررها، وإنما التتبع من أجل الغوص وراء الكلمات والسطور وخلفها وتحتها وبين السطور نفسها، حتى نصل إلى سرها الكامن ونقدمه للقراء، أو أن سئت فقل إنه وضع للنقاط فوق الحروف مما يزيل من حالات اللبس والغموض التي تكتنفها، وهذا الاتجاه قوي وسائد ولكنه يحتاج إلى خبرة كبيرة وثقافة عريضة باللغة وأساليبها إلى جانب الثقافة العامة والتمرس بهذا العمل الهام.
هـ- أسلوب التناول المختلط: وهو الذي يخلط فيه محرره بين أكثر من أسلوب من الأساليب السابقة بغية إعطاء فرص متزايدة للتفسير المتنوع، المشرق والجذاب، ولكن هذه الطريقة الأخيرة تحكمها عدة اعتبارات، وإلا كانت نتيجتها عكس الاتجاه المأمول، أما هذه الاعتبارات فهي:
- أن يكون له ما يبرر قيامه.
- أن يكون طول المقال مما يسمح بذلك.
- أن تكون المساحة المتاحة مما يسمح بهذا الخلط أيضا.
- ألا يكون بين أكثر من أسلوبين في أغلب الأحوال، حتى لا يحدث التعارض وتقع التجاوزات التي تشتت ذهن القارئ.
وهكذا نجد أن الخلط بين الأسلوبين المعلوماتي واللغوي أو التاريخي والمقارن يمكن أن يعتبر خلطا معقولا عندما يكون هناك ما يبرر قيامه: "جفاف المادة، تشابك الأحداث بكثرة, غموض وإبهام نتائج عديدة وإلى حد يفوق الحد العادي".. إلخ.. لكن الخلط بين المعلوماتي واللغوي والتاريخي معا، صعب في حدود المساحة المحدودة، والاستعداد الذهني لعدد كبير من القراء.
стр. 123
ومن هنا يكون على المحرر أن يفكر مرة ومرة قبل اتباع هذا الأسلوب، حيث يجب أولا أن يكون قادرا على صهر هذه الأساليب التي يختارها في مزيج يمكن أن يحقق ما يهدف إليه من تنوع وجاذبية.
ز- الأساليب الإبداعية: ويطلق عليها البعض "الأساليب غير الفنية" لأنها ترتبط ارتباطا أساسيا بطريقة ما، أو شكل معين، بل يتمرد كتابها ومحرروها على الطرق والأشكال والأنماط والقوالب المختلفة، ونحن نرى أنها أكثر "فنا" وأكثر استخداما للمواهب، وقدرات المحررين الابتكارية، وحسهم الإبداعي، كما أن "التمرد" على القوالب والأساليب والأشكال الموجودة هو طبيعة الفن وسمة الفنان المبدع الذي يستطيع أن يبتكر لنفسه، ولمقاله القالب الجديد غير المعروف أو المعهود، وما دامت الكتابة في حد ذاتها عملية ابتكارية بالدرجة الأولى، وما دام التحرير الصحفي له جانبه الإبداعي الذي نعترف به ونقدره١، فإن هذه الأساليب الإبداعية تقف عندنا على نفس الأهمية من الأساليب السابقة، بشرط:
- أن تكون ملائمة للمادة نفسها.
- أن تسفر عن مادة واضحة ومفهومة تعرف طريقها إلى عقل القراء.
- ألا يطغى جانب أسلوب التعبير على جانب المضمون أو الفكرة الأساسية وتلك الأفكار المتفرعة عنها.
وهذه الأساليب كثيرة ومتعددة، ويستحدث الكتاب المبدعون منها الشيء الكثير.
تذكر:
"لا تكتب مقالة من أجل هدف شخصي، ولكن على المحررين أن يضعوا نصب أعينهم أن الحياد التام في معالجة المسائل العامة والأحداث الهامة، ليس مرغوبا تماما كما أنه غير محتمل"٢.
стр. 124
المبحث السادس: المقال العمودي أو العمود الصحفي
مدخل
...
المبحث السادي: المقال العمودي أو العمود الصحفي ١
- مدخل:
وتتعدد فنون المقال الصحفي، ويعرف له أكثر من شكل، وأكثر من نمط، وهي مع تعددها وكثرة أنواعها وتكرار أنماطها تبدو وكأنها:
- تتلاءم مع طبيعة العصر وخصائصه، وتواكب متطلباته وإيقاعه السريع أيضا.
- ومع ظروف القراء وتأثيراتها على مقدرتهم الاستيعابية والتركيزية، ودرجة صبرهم على القراءة.
- وكثرة أنشطته، وزخم مشكلاته وامتلاء صفحته بالأحداث والوقائع.
- وتعدد الأفكار والاتجاهات والأساليب التحريرية.
ومن هنا، ولأن العصر نفسه هو عصر السرعة والاختزال والقصد إلى الهدف من أقصر طريق، عصر "المايكرو" و"المختصرات" و"البرشام" والقارئ المتسرع المتعجل اللاهث وراء أي شيء، أو وراء لا شيء.
ولأنه أيضا عصر "الأثير" و"الأسلاك الساخنة"، ومراكب الفضاء، والصواريخ تماما كما أنه عصر القصة القصيرة، والأقصوصة، والأغنية السريعة، وحيث لا وقت للروايات أو الملاحم أو الحوليات أو أغنيات الطرب وأحاديث السمار في ضوء القمر، ولياليه الطويلة.
стр. 125
ولأنه -في النهاية- العصر الذي تقوم فيه الصحف -أو ينبغي أن تقوم فيه- بالأدوار السابقة في مجموعها، بدءا بالدور الإعلامي الإخباري، ومرورا بالدور التفسيري، وحتى دور الإمتاع والمؤانسة.
لأن العصر هو عصر ذلك كله، فقد كان على الصحف أن تتحول إلى الأخبار الصغيرة والمتوسطة وإلى أسلوبها التلغرافي الذي يعد الكلمات عدا، أو يزنها بميزان حساس، تماما كما كان عليها وحتى يمكنها أن تحافظ على وجودها نفسه، على كيانها ذاته، وإلا أصبحت غريبة او شبه غريبة، أو تعيش بمعزل عن هذا الطابع اللاهث السريع، كان عليها أن تقدم "صياغة عصرية مناسبة" أو أكثر مناسبة، للمادة المقالية، وعلى طريقة "ما قل ودل" أو كما يقول البلغاء "دلالة قليل على كثير".
وحيث جاءت هذه الصياغة الجديدة في شكل "المقال المختصر" بفتح التاء والصاد ذلك الذي أطلقت عليه عدة أسماء من بينها أو أهمها: "المقال القصير، المقال العمودي، مقال العمود، العمود الصحفي" ... إلخ.
стр. 126
- تعريف:
وبعد هذه الإشارة السريعة إلى الفلسفة التي تكمن وراء الحاجة إليه أو الدافع إلى وجوده ونشره، فإننا نتوقف قليلا عند بعض التعريفات الدالة عليه، من تلك التي قدمها نظريون أو تطبيقيون، أو ما توصلنا إليه عبر دراساتنا الخاصة، لتكون هي نفسها -بالإضافة إلى المادة المنشورة فوق الصفحات- بمثابة دليلنا العملي الذي يقودنا إلى خصائص هذا النوع من أنواع المقالات ماذا تقول هذه التعريفات؟ أن العمود الصحفي هو:
- "إذا قلنا إن المقال الصحفي العادي هو المائدة الحافلة بألوان الطعام فإن العمود هو الطبق الرئيسي فيها، وأحيانا يكون مثل "السندويتش" الذي يتناوله الإنسان وهو في طريقه إلى عمله، أو يجلس إلى مكتبة أو يشاهد المباراة في الملعب، ولكنه يجب أن يكون مليئا بالفيتامينات شهيا ولذيذ الطعم وحلو المذاق أيضا"١.
стр. 127
- "أصغر المقالات الصحفية حجما ومن أكثرها أهمية، وهي تعبر عن كاتبها وتعكس شخصيته واهتمامه وثقافته وتؤدي دورا إعلاميا وصحفيا لا سبيل إلى إنكاره"١.
- "حديث شخصي يومي أو أسبوعي لكاتب بعينه يوقعه باسمه وتحت عنوان ثابت مثل "نحو النور" للأستاذ محمد زكي عبد القادر و"ما قل ودل" للأستاذ أحمد الصاوي محمد و"فكرة" للأستاذ علي أمين, ويمكن أن نطلق على العمود النبذة اليومية أو الأسبوعية أو الكلمة الشخصية أو كلمة المحرر"٢.
- "فكرة أو رأي أو حل لمشكلة تنشر في عمود أو جزء من عمود وغالبا ما لا يتغير كاتبه وفيه تظهر ذاتيته وحاسته الصحفية التي عرف بها لدى القراء.."٣.
- "أنه المادة الصحفية التي تتسم دائما بطابع صاحبها أو محررها في أسلوب التفكير وأسلوب التعبير ولا تتجاوز في مساحتها عمودا صحفيا على أكثر تقدير، وتنشر بانتظام تحت عنوان ثابت وتوقيع ثابت هو توقيع المحرر"٤.
- "كلمة صاحبه في نطاق سياسة الجريدة"٥.
стр. 128
من قصته:
أ- وكما رأينا على صفحات سابقة من أن فن المقال الحديث له مقوماته وجذوره القديمة، والقديمة جدا في بعض الأحيان، فإننا نرى هنا أن هذه الجذور نفسها مصرية أو عربية هي أقرب إلى شكل "المقال العمودي" وإلى جوهره، لا سيما من حيث قصرها وتعدد موضوعاتها، بل من حيث أسلوبها القوي والبليغ أيضا، وإذا كنا قد أشرنا في هذا المقام إلى الحكم والمواعظ المصرية القديمة التي قدمها "كاجمني" أو
стр. 129
"بتاح حتب" أو غيرهما، وإذا كنا قد أشرنا كذلك إلى النقوش الموجودة على شواهد القبور في مصر أيضا وفي جنوب شبه الجزيرة العربية، وعند الرومان واليونان ثم إلى بعض الفنون والكتاب العرب، فإننا نركز هنا -عند الأخيرين- على بعض الفنون التي تعتبر من مقدمات العمود الصحفي وأصوله القديمة الأدبية الطابع، ومن أهمها هنا:
- الرسائل القصيرة جدا والموجزة للغاية ولكنها على قصرها وإيجازها كانت متعددة الأغراض والمجالات، بل حاول بعض كتابها الخوض في نفس مجالات أو موضوعات القصيدة الشعرية كالمديح والوصف والرثاء والهجاء والحماسة والاعتذار والتشوق والغزل والاستعطاف وغيرها.
- بعض قطع الأدب المترجم عن الهندية والفارسية إلى العربية وصور تقليده العربية والتي أطلق المؤرخون عليها اسم "الأدب التعليمي"، وحيث كانت النصائح والحكم والأمثال والقصص القصيرة جدا -الأقصوصة- المضروبة للتمثيل.
- كتابة "التوقيعات" التي تتجه إلى تحديد الهدف والقصد من أقصر طريق وبأسلوب بليغ استنادا إلى القاعدة التي تقول: "خير الكلام ما قل ودل"، وهي نفس القاعدة التي تتضمن الفلسفة القائمة من وراء مقال العمود.
ب- وقد عاد الاهتمام بالعمود في الصحافة المصرية منذ نهاية القرن الماضي، وكان هذا الاهتمام يخمد في فترات، ثم يرتفع ويزداد في فترات أخرى، وحيث ازدهر على يد عدد من الكتاب الموهوبين في نهاية القرن الماضي، والعشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الحالي نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر:
"إبراهيم المويلحي، محمد المويلحي، أحمد حافظ عوض، أمين الرافعي، أنطون الجميل، المازني، طه حسين، سلامة موسى، عبد القادر حمزة، محمد أبو شادي، حسن صبحي" وغيرهم.
ويلاحظ أن الطابع الأدبي الذاتي كان يغلب عليه دائما كما كان بعضه يتخذ له عنوانا ثابتا يحمل تعبيرا أدبيا، مثل: "ألوان، كلمة، أهازيج، خواطر، زهور، كلمة حب، ورد وشوك، أبيض وأسود، في الصميم، دنيا، لله والحرية،
стр. 130
بسم الله، من الجعبة، تلك الأيام، آمال وآلام ... ".
جـ- ولكن من المؤكد أن الطفرة الكبيرة في مقالات الأعمدة هي تلك التي حدثت بعد الأربعينات، وحيث تعددت أشكالها وموضوعاتها ومضامينها وكتابها، وتنوعت صورها وأساليب كتابتها، وحيث شهدت هذه الفترة ظهور واستمرار أبرز الأعمدة، وأشهر كتابها أيضا, وكان من بينهم أو في مقدمتهم هؤلاء جميعا:
стр. 131
أنواعه:
ومع كثرة مقالات الأعمدة وتعدد موضوعاتها وأشكالها وكتابها ومواقعها، بحيث أصبحت ظاهرة تحريرية صحفية تستحق الدراسة والبحث، كان لا بد من تقسيمها إلى عدة أنواع، تسهيلا على القراء والدارسين، وحيث ظهرت هنا عدة اتجاهات نتوقف عندها بعد الإشارة إلى هذه الملاحظات:
- فبادئ ذي بدء نقول إن العمود الذي نقصده هنا ليس هو العمود الإخباري، أو عمود المعلومات أو العمود الاستكمالي "الطقس، البورصة، العملات، في مثل هذا اليوم، في الصحيفة من ٥٠ سنة ... إلخ" فجميعها تخرج عن مجال دراستنا وإنما
стр. 132
نقصد المقال القصير الذي يأخذ في أغلب الأحوال الشكل العمودي المنتظم، ويكون مضمونه مادة مقالية، أو مادة رأي على أي شكل من الأشكال.
- ومعنى ذلك، أنه ليست كل مادة تأخذ شكل العمود، أو تكون داخل إطار معين مما يمكن اعتباره عمودا مقاليا، هو مجال تناولنا خلال هذه السطور.
- وبالمثل -وإذا نظرنا إلى الصورة من زاوية أخرى- فإننا نقول إن بعض الأعمدة قد تكتب باتساع عمودين ممتدين مثلا، أو تأخذ شكلا عرضيا، أو تكون داخل إطار مربع أو دائري، وهكذا، إن العبرة هنا بالحجم والمادة وطرق التناول والنشر والأسلوب، وليس بنشره على عمود كضرورة حتمية.
- ومعنى ذلك -مثلا- أن مقالات كثيرة تنشرها صحف عديدة في شكل وإطار العمود أو "النهر" ولكنها ليست من الأعمدة في شيء، بينما نجد أن "صندوق الدنيا: أحمد بهجت, وجهة نظر: كتاب مختلفون" وتنشرهما صحيفة الأهرام هما من أبرز: الأعمدة، وإن أخذ شكلا مخالفا أقرب إلى المربع منه إلى العمود الطولي، وهكذا.
أما أهم هذه الاتجاهات التي تقسمها إلى أنواع فهي:
- الاتجاه الأول: والذي يقسمها من زاوية ثبات المكان والكاتب الواحد والتوقيع الصريح من عدمه، وحيث نجد وفقا لهذا الاتجاه أننا أمام أكثر من نوع من أنواع الأعمدة هي:
١- العمود الموقع الثابت: وهو أبرز الأنواع وأكثرها سيطرة على الصفحات، كما أنه الأصل والأساس أيضا في هذا النوع من المقالات، وغيره يعتبر اتجاهات جديدة أنتجتها الظروف والأحوال وهو يومي ثابت وربما لعدة سنوات وربما لربع قرن أو أكثر، وهو يوقع باسم صاحبه، كما أنه ثابت المكان والشكل والطول تقريبا وفي أغلب الأيام باستثناء ما يدور بالنسبة للعدد السبوعي، حيث تحرص بعض الصحف وبعض الكتاب على الإبقاء عليه كما هو، أو يتغير شكله قليلا، ويكون لنفس الكاتب أو يأخذ مكانه عمود آخر، أو لا يأخذ على الإطلاق وتحل مكانه مادة أخرى تتناسب مع طابع العدد الأسبوعي نفسه، كما أن بعض الكتاب -بالنسبة للعدد اليومي- قد يوقعه بالأحرف الأولى، أو بالرمز وهكذا.
стр. 133
٢- العمود الموقع غير ثابت المحرر: وهو عمود ثابت المكان والحجم في أغلب الأحوال ولكن لا يكتبه محرر واحد طوال الأسبوع والشهر والسنة كما هو الحال في العمود السابق، وإنما يتتابع على كتابته أكثر من محرر حسب نظام أو ترتيب يسمح بذلك، كان يتتابع على كتابته سبعة من المحرريين كل أسبوع أو عشرة كل عشرة أيام أو أكثر من هذا العدد -وصل عند بعض الصحف إلى ثلاثين محررا أي: إن كل محرر يكتب مرة واحدة شهريا- بحيث يعرف كل منهم موعد تقديمه المحدد بدقة والمسجل وفق نظام دقيق، كما أن هناك اتجاه آخر يترك ذلك لجهود المحررين وإمكانياتهم مع قيام نوع من التنسيق بينهم، حتى لا يظفر أحدهم بنصيب الأسد ويفوز هو بكتابته أكثر الأيام، وفي العادة يوقع هذا العمود باسم محرره ورمزا في أحيان قليلة، ولكن كاتبه يكون في أغلب الأحوال -ولا أقول جميعها- أقل مستوى وشهرة و"نجومية" وصلة بالقراء من كاتب العمود السابق، وهو فرصة كبيرة للتدريب على الكتابة، فقد يبرز أحد كتابه ويصبح كاتبا للعمود اليومي السابق.
٣- العمود غير ثابت النشر: وهو عمود تقتضي كتابته بعض الظروف التي تطفو على سطح الحياة الاجتماعية أو السياسية أو حتى الصحفية نفسها، ومن ثم يقوم بكتابته رئيس التحرير أو نائبه أو مديره أو محرر مرموق يتناول هذا الظرف الطارئ أو العامل الساخن أو الاتجاه الذي يقفز فجأة إلى مستوى الأحداث الهامة، ومن هنا فهو غير ثابت المكان لا يعمل له المخرج حسابا يوميا أو أسبوعيا، وليست له مساحة محددة، تماما كما أن كتابه يتغيرون، وقد تمر عدة أيام، وقد يمر أسبوع كامل، وقد يمر أكثر من أسبوع دون كتابته، ولكن قد تجد هيئة التحرير نفسها أمام ضرورة تقتضي نشر أحد هذه الأعمدة في يوم، وآخر في يوم ثان، وثالث وهكذا، أي: إن الأحداث وحدها هي التي تقرر نظام النشر وطريقته ولكنها هنا ليست الأحداث الساخنة أو الملتهبة فقط، فقد يصدر كتاب جديد يجد فيه محرر ما يهدد المجتمع أو قيمه أو عمده فيسرع بكتابة عمود يحذر من تداوله ويطلب إيقاف توزيعه، كما قد يكتب آخر لافتا النظر إلى مخالفة ارتكبها سائق المترو -مثلا- ويجد في تكرارها ضررا يهدد أمن وسلامة الركاب، كما قد يكتب ثالث يطلب التبرع لعلاج بطل رياضي، وهكذا دونما نظام ثابت أو ترتيب، أو مساحة محددة بدقة، وحيث يمكن لكل من يعرف كيف يكتب، أن يشارك بجهده وقلمه في هذا المجال.
٤- العمود الأسبوعي الثابت: وهو خاص بالصحف الأسبوعية، أو الطبعات
стр. 134
الأسبوعية للصحف اليومية وهو صورة من النوع الأول من هذه الأعمدة "العمود الموقع الثابت"، باستثناء النشر الأسبوعي بدلا من النشر اليومي، أما أهم ملامحه وخصائصه فتتشابه إلى حد كبير مع ملامح وخصائص هذا العمود الثابت الموقع نفسه، أي: إنه يكون ثابت المكان والمحرر والحجم والاتجاه في أغلب الأحوال وأعمها.
- الاتجاه الثاني: وهو لا يهتم كثيرا بتقسيمها -الأعمدة الصحفية- من زاوية الثبات أو التوقيع أو المكان، وإنما يقسمها إلى نوعين كبيرين أساسيين:
- النوع الأول: هو الأعمدة العامة التي تتناول كل ما يطرق باب فكر المحرر "العام"، أو ما يقفز إلى ذهنه، أو ما يداعب مخيلته، أو ما يقابله، وما يقبل -بالتالي- على قراءته جميع قراء الصحيفة اليومية أو الأسبوعية أو المجلة، دون حصر أو استثناء، وتمثل هذا النوع هنا، جميع الأعمدة السابقة التي تحدثنا عنها عند تناولنا للاتجاه الأول، وحيث يكون معظمها ذاتي الطابع أو يغلب عليه الطابع الذاتي في التفكير والتعبير، ويقترب فيه المحرر اقترابا شديدا من القارئ، كما ستوضح ذلك السطور القادمة بإذن الله، وحيث تنتسب إلى هذا النوع أغلب وأشهر الأعمدة التي تظهر فوق صفحات الجرائد والمجلات العربية والأجنبية.
على أن الذاتية هنا لا تعني أن يكون الكاتب "غير موضوعي" أو غير دقيق، أو يخاطب القراء من عل، أو من برج عاجي، فالأصل فيه هو الالتصاق الكامل بهم وبما يداعب أحلامهم أو يقض مضاجعهم.
- النوع الثاني: هو الأعمدة المتخصصة، تلك التي تنشر على الأجزاء والملازم والصفحات والأبواب والزوايا والأركان الخاصة، وحيث نستطيع أن نميز من بينها ومن أكثر ما تنشره الصحف العربية من أعمدة:
- أعمدة في السياسة الخارجية ومن أبرزها ما ينشر على صفحاتها في صحف: "الجمهورية المصرية: محمد العزبي, الأهرام: كتاب مختلفون من أبرزهم سلامة أحمد سلامة وجورج عزيز وحمدي فؤاد".
- أعمدة فنية وثقافية ومن بينها: "للنقد فقط - الأخبار: عبد الفتاح البارودي، قراءات وجولة الفكر - أخبار اليوم: كمال عبد الرءوف ونعمان عاشور، زووم -
стр. 135
السياسة: بدون، حديث الفن: الرأي العام، بلال عبد الله" إلخ.
- أعمدة دينية مثل: "قرآن وسنة - الجمهورية المصرية: د. عبد الجليل شلبي".
- أعمدة رياضية مثل: "خواطر رياضية - الأهرام: نجيب المستكاوي، نحو الهدف - الأخبار: عبد المجيد نعمان، تليكس - الجمهورية: محمود معروف، عمود الزميل عبد الرحمن فهمي، الجمهورية أيضا، بدون عنوان ثابت".. إلخ.
وذلك إلى جانب الأعمدة العلمية والطبية والزراعية والسياحية وغيرها من أعمدة عديدة تزخر بها صحفنا, وحيث يصدق على معظمها أغلب الملامح والخصائص التي تصدق على الأعمدة الثابتة الموقعة، وذلك باستثناء:
- موضوعها الخاص أو المتخصص وما يرتبط به من مضمون ولغة ومادة كلية.
- ارتباطها بجزء أو ملزمة أو ملحق أو ركن أو باب من حيث المساحة والموقع ووقت النشر.
- أنها أكثر موضوعية من الأعمدة السابقة في مجموعها.
стр. 136
خصائصه:
ولمقالات الأعمدة، أو الأعمدة الصحفية، أو المقالات القصيرة، بأنواعها، خصائصها الفريدة التي تميزها عن أنواع المقالات الأخرى التي سبق تناولها بين دفتي هذا الكتاب، أو التي لم يسبق تناولها على صفحاته, وعموما وعلى طريقي النظرية والتطبيق -معا- فإنه يمكننا أن نميز بين نوعين كبيرين من الخصائص، ينقسمان بدورهما إلى عدة أنواع صغيرة متميزة أنهما:
أولا: الخصائص العامة المشتركة وأهمها
أ- من حيث الشكل والحجم: تأخذ جميعها وفي أغلب الأحوال شكل العمود، وفي أحيان قليلة شكل المربع الصغير أو المستطيل، ولكن حجمها يتناسب مع حجم العمود, سطر واحد، وهي في جميع الأحوال أصغر أنواع المقالات حجما وعددا في
стр. 137
سطورها، وقد تبلغ عدة سطور قليلة جدا، تذكر بحجم "التقاريظ" و"التوقيعات" الصغيرة للغاية التي عرفها الأدب العربي والتي أشرنا إليها سابقا, غير أن ذلك لا يعني أن هذه الأعمدة لنفس الكتاب -نصف كلمة مثلا لأحمد رجب بصحيفة الأخبار القاهرية- تأخذ حجما صغيرا، عبارة واحدة مثلا في جميع الأوقات، وإنما تتضاعف العبارات وتتكون من عدة فقرات أحيانا داخل نفس المساحة اليومية، ثم تطول الأعمدة أحيانا لتصل إلى حجم العمود الكامل بطول الصفحة -من القلب لمحسن محمد ومن ثقب الباب لكامل زهيري: صحيفة الجمهورية -على أنه لا ينبغي الإكثار من ذلك الحجم، تماما كما لا ينبغي أن يزيد عن هذا الطول إلا في أحوال نادرة للغاية وشاذة أيضا، ولا حكم عليها.
على أن من أهم من نطالب به هو تثبيت حجم العمود بقدر الإمكان، ليحقق طابعه الخاص الذي يعرف به، ويتناسب مع طبيعته كأسلوب نشر، وكذا ليحقق الغاية من وجوده ونشره.
ب- من حيث ثبات النشر وانتظامه: ومن أبرز الخصائص الدالة على طابع الأعمدة الصحفية، ثبات نشرها على نظام أو ترتيب أو حال واحد، فإذا كانت يومية لكاتب واحد فينبغي مداومة النشر اليومي والإصرار على ذلك لأطول فترة ممكنة، وحتى في حالة سفر المحرر إلى الخارج، أو مرضه -لا قدر الله- فمن الواجب أن يقوم هو نفسه بمعالجة هذا الوضع، عن طريق كتابة عدة أعمدة بصفة "احتياطية"، أو عمل رصيد، أو مؤجلات "أعمدة مؤجلة" أو بذل الجهد من أجل وصول رسائله التي تحمل أعمدته -إلى جانب المواد التحريرية والمصورة الأخرى- إلى مقر صحيفته أو مجلته وذلك عن طريق البريد العادي، أو الراديو أو التليفون أو التليكس أو أجهزة النقل والاتصال الحديثة والخطوط الساخنة.
وهذا الكلام يصدق أيضا، إذا كان المحرر يقوم بكتابة عموده بصفة دورية، أو يقوم بكتابة عمود متخصص، فثبات موعد النشر وما يتصل به من ثبات موعد الكتابة وتقديم العمود المختص، من أهم أسباب اقتراب القراء منه، وتعرفهم عليه وارتباطهم به، ثم نجاحه في نهاية الأمر.
جـ- من حيث مكان النشر:
باستثناء العمود غير ثابت النشر، فإن القاعدة هي ثبات الأعمدة في أماكنها
стр. 138
المحددة على الصفحات لأطول فترة ممكنة، قبل أن تنتقل إلى مكان آخر، وفي هذه الحالة الأخيرة، فإنها يجب أن تثبت في مكانها الجديد، لأطول فترة ممكنة أيضا، تلك هي القاعدة الأساسية، ولكن هناك بعض الأحوال التي تتغير فيها أوضاع أو أماكن أو مواقع الأعمدة، ومن ذلك مثلا:
١- عندما تفسح مواد الصفحة كلها ومن بينها الأعمدة مكانها لمادة ساخنة وهامة جدا هي هنا خطاب رئيس البلاد أو رئيس الوزراء في مناسبة هامة، أو ما يقترب من أهمية هاتين المادتين.
وحيث يجري زحزحة هذه المواد إلى صفحة أخرى، أو تأجيل نشر العمود إلى اليوم أو الأسبوع التالي.
٢- عند عمل "ماكيت" جديد للعدد أو الصفحات.
٣- ما يتصل بعدد أسبوعي يجري نشر نفس العمود عليه، حيث يتغير موقعه من معالم عن ذلك الذي يحتله بالنسبة للعدد اليومي.
إلى غير ذلك كله، وحيث تتضح الغاية من ذلك في ارتباط القراء به، واعتباره من معالم الصفحة، ومعالم تكوين شخصية الصحيفة كلها، التي ينبغي أن تكون محددة ثابتة ومعروفة بالنسبة للقراء.
د- من حيث الموضوع:
لا يمكن -مهما حاولنا- أن نقوم بحصر موضوعات الأعمدة الصحفية العامة، أو ثبتها بين دفتي هذا الكتاب، ذلك لأن من الصحيح أن الحياة بكل ما فيها ومن فيها هي موضوع كتابها ومحرريها، ومن هنا تبدو أهمية التجديد في اختيار موضوعاتها وأفكارها المتغيرة من عمود لآخر، خاصة بالنسبة للأعمدة الثابتة اليومية، التي يواجه كتابها أو يكون عليهم أن يواجهوا "الموقف الصعب" المتمثل في تجديد الأفكار والموضوعات والمضامين والأساليب, ولن يستطيع كاتب أن يتغلب على هذا الموقف، أو يقفز فوق حاجز الرتابة والروتينية إلا إذا كان على المستوى المنشود، فكرا وموهبة وثقافة، وما إلى ذلك كله من أمور نناقشها خلال فترة قادمة بإذن الله، على أننا نريد التنبيه والتأكيد هنا على أهمية طرح القضايا الهامة والمشكلات التي تؤرق الوطن والمواطن،
стр. 139
والكشف عن جوانب السلب، وتسليط الأضواء على الإيجابيات الموجودة بالمجتمع، والمطالبة بإحقاق الحق، وتأييد الخير، ومواجهة النزعات المريضة، ورفض الأحقاد، والوقوف في وجه التعصب الأعمى، والدعوة إلى الانتماء للوطن ودعم قيم المجتمع، وأركانه وعمده، والحث على الفضيلة، ومحاربة الإثم والعدوان والرذيلة، والتبشير بالأفكار الجديدة المفيدة والناجحة، وبذر بدور المحبة والتعاون والتكافل، وإذكاء روح العمل المتحمس ونبذ الرتابة والتكاسل, كما أن من المهم تسليط الأضواء على أصحاب السلوك الإيجابي والمتميز، في مجالات العمل والإنتاج، والفن والرياضة، والطب والاقتصاد، دون نسيان لتقديم التجارب الثرية، والممارسات الناجحة، خاصة تجربة المحرر، وما يمكن أن يفيد القراء منها.
وذلك كله، بالإضافة إلى تناول ما يتصل بالقراء أنفسهم، ومكالماتهم، ومقابلاتهم وخطاباتهم كما يدخل ضمن هذه الموضوعات أيضا تناول قراءات المحرر، ورحلاته ومشاهداته والعروض المسرحية أو السينمائية التي شهدها، وبرامج الإذاعة والتليفزيون، وأحاديث الأصدقاء، والمقابلات الهامة والنوادر والطرائف وما إلى ذلك كله مما ذكرنا ومما لم نذكر.
على أنه قد ثبت أن موضوعات بعينها يقبل عليها القراء أكثر من غيرها، وتستقطب هي أنظارهم, وفي مقدمتها هذه كلها:
١- الرد على خطابات القراء، ونشرها ما يستحق منها.
٢- ما يتصل بتبرع القراء لعلاج مريض أو سداد دين أو بناء مسجد.. إلخ.
٣- تقديم كتاب جديد مثير يكون قد وصل إلى يدي المحرر قبل غيره.
٤- مشكلة إنسانية يتعرض لها شخص له قيمته في مجتمعه.
٥- ما يتصل بالأدباء والفنانين ونجوم المجتمع.
٦- حادثة يرويها المحرر كشاهد عيان لها.
٧- تجربة خاصة ذاتية للمحرر النجم مع أسرته أو أصدقائه.
٨- المصريون والعرب خارج بلادهم.
٩- الشباب الجامعي ومشكلاته.
١٠- الآثار المصرية القديمة.
١١- السياحة وما يتصل بالفنادق والطيران والمطارات.
стр. 140
١٢- الطفولة.
١٣- البطولة والأبطال.
١٤- فنون الجيل الماضي وأفلامه وأغانيه.
١٥- نشاط المرأة الاجتماعي.
١٦- العصاميون.
١٧- نوادر الظرفاء.
١٨- الجانب الإنساني في الأحداث اليومية الهامة.
١٩- صناع الأحداث اليومية الكبرى.
٢٠- ضحكات القدر ومفارقاته.
٢١- الطقس وتقلباته وتأثيراتها على المحرر ومجتمعه الصغير.
٢٢- الخدمات العامة.
٢٣- مغالاة العمال في أجورهم.
٢٤- المرافق العامة وأحوالها.
٢٥- المرور وأوجه القصور فيه والأفكار الجديدة المتصلة به.
٢٦- الغلاء ونوادره ورخص الأسعار في السابق.
٢٧- ارتفاع أسعار اللحوم.
٢٨- الغريب في برامج التليفزيون.
٢٩- البريد وأحواله.
٣٠- المصايف والمشاتي.
٣١- الأعياد والمناسبات القومية وتجربة المحرر خلالها.
٣٢- المسائل والمشكلات التموينية.
٣٣- تنظيم الأسرة.
٣٤- الأندية الرياضية والمنافسة بينها.
٣٥- خطبة الجمعة.
٣٦- المساجد الجديدة.
٣٧- موسم الحج وذكرياته.
٣٨- الشئون الأفريقية.
٣٩- نضال الشعب الفلسطيني.
٤٠- العلاج والمستشفيات.
٤١- تلوث الهواء والماء.
стр. 141
٤٢- أزمة الإسكان.
٤٣- الأمم المتحدة.
٤٤- الجامعة العربية.
٤٥- التنظيمات الشعبية.
٤٦- المؤتمرات الهامة خاصة تلك التي يشارك المحرر في نشاطها.
٤٧- الندوات السياسية والفنية والثقافية.
٤٨- قضايا اللغة العربية.
٤٩- حالة الشوارع في العاصمة والمدن.
٥٠- العطلات الأسبوعية وكيف قضاها المحرر.
٥١- الكتب التي أهديت إليه.
٥٢- حفلات الزواج والقران والخطوبة التي دعي إلى حضورها.
٥٣- الشكاوى التي تصل إليه خاصة ما يتصل منها بالأوضاع الوظيفية.
٥٤- الضيوف الأجانب الذين يقومون بزيارته.
٥٥- أوضاع الصحافة في بلده والبلاد الأخرى.
٥٦- ما يتصل بأول العام الدراسي والاستعداد له من جانب الوزارة والأسرة.
٥٧- تفاصيل مكالمة تليفونية هامة جرت بينه وبين قارئ أو نجم أو شخصية رسمية مرموقة.
٥٨- المخترعات الجديدة، وفائدتها للجنس البشري.
٥٩- عجائب عالم الحيوان والطيور والحشرات.
٦٠- ما يتصل بالعادات والتقاليد الأصيلة وما يطلق عليه "أخلاق القرية".
٦١- اعترافات المحرر التي تتضمن بعض ذكرياته الجاة أو الفكهة.
٦٢- الأمثال الشعبية التي يعرفها وقصة معرفتها وانعكاساتها وظلالها الحالية.
٦٣- الحياة النيابية في بلده والبلاد الأخرى.
٦٤- القضايا الغريبة وأحكام القضاء فيها.
٦٥- الذين ينتقلون إلى رحمة الله من البارزين والنجوم وأصدقاء المحرر.
٦٦- الضجيج وآثاره.
٦٧- سفاراتنا في الخارج.
٦٨- انقطاع التيار الكهربائي.
٦٩- عدم وصول المياه إلى الأدوار العليا.
٧٠- الصحف الإقليمية.
стр. 142
٧١- الفنون الشعبية.
٧٢- المعارض الفنية.
٧٣- أسعار العلاج والدواء.
٧٤- الجمارك.
٧٥- العلاقة بين الرجل والمرأة في جانبيها الإيجابي والسلبي.
٧٦- المصارف والبنوك.
٧٧- الادخار.
٧٨- القصص والأساطير الشعبية.
٧٩- التدخين ومضاره.
٨٠- نظافة الأحياء السكنية.
٨١- المناسبات الهامة عند المحرر وخواطره بشأنها.
٨٢- تجربة خاصة مرة بالمحرر أمس أو في الأسبوع الماضي.
٨٣- إعلانات الصحف والطرائف والغرائب والمتناقضات التي يمكن أن تحتوي عليها.
٨٤- زيارة المحرر لقريته أو مهبط رأسه وانعكاسات ذلك على أحاسيسه وذكرياته.
٨٥- السن وأثره وتأثيره وخواطر المحرر بشأنه.
٨٦- بين المحرر وأولاده.
٨٧- حوار قصير بينه وبين محرر صديق لعمود آخر.
٨٨- عرض لكتاب على أكثر من عمود يمثل كل عمود حلقة منه.
٨٩- الحوادث الهامة التي تكتب الصحف والمجلات عنها.
٩٠- انطباعات المحرر عن بلد صديق.
٩١- رغيف العيش وحالته وصناعته.
٩٢- نصائح المحرر وتوجيهاته إلى الشباب.
٩٣- الدروس التي تتناول حب الوطن والانتماء إليه والذود عنه والعمل من أجله.
٩٤- صوم رمضان وذكريات المحرر وخواطره بشأنه.
٩٥- الإعلان عن مواطن أو أرملة أو طالب يطلب عونا ماديا أو مساعدة الأطباء.
٩٦- آيات قرآنية لها دلالاتها وانعكاساتها عند المحرر.
٩٧- مرور وقت معين على صدور الصحيفة، أو ظهور العمود وخواطره في هذا الصدد.
٩٨- العلاقة بين الآباء والأبناء سابقا والآن.
٩٩- الدعوة إلى التآلف والتراحم والود والحب.
١٠٠- النقابات والاتحادات والجمعيات.
стр. 143
١٠١- الريف أو البادية وما فيهما.
١٠٢- الدعوة إلى الاستمتاع بالحياة.
١٠٣- نبذ الاتجاهات والتيارات والعادات الوافدة والغريبة عن مجتمعاتنا.
١٠٤- نوادر الأدب العربي.
١٠٥- عمل المرأة اليوم بين التأييد والمعارضة.
١٠٦- القضايا العربية السياسية الحالية والساخنة.
١٠٧- الإعلام العربي.
١٠٨- هموم الكتاب الخاصة وما يتصل بمشكلات النشر والتوزيع.
١٠٩- الهدايا الرمزية التي تصل إلى الكاتب والذين يقدمونها.
١١٠- الأزياء خاصة ما يتصل منها بتقليد الزي الأوروبي.
هـ- من حيث المحرر "محرر العمود الصحفي":
ولكن.. إذا كانت هذه وغيرها هي أهم وأبرز موضوعات الأعمدة الصحفية، فإن المهم هنا ليس هو الموضوع في حد ذاته، وإنما يتوافر لهذا العنصر ما يمكن أن يتوافر له من فرص النجاح بانطلاقه من عدة قواعد أساسية، والتحامه بما توصل إليه، وهي تلك التي يمكن تحديدها بـ:
- ليس المهم هو الموضوع فقط، وإنما الموضوع الجديد والهام والساخن والجذاب والمفيد.
- وهذا بدوره يتوقف مقدار ما يصيبه من نجاح على:
- طريقة التناول.
- المضمون الإيجابي والثري الخصب.
- الوصول إلى عقل القارئ وقلبه وأحاسيسه.
- الأسلوب المشرق والجذاب الذي يجمع بين كل ذلك.
هذه "الأسس الفنية" لتحرير مقال العمود "العام" تعتمد أولا وأخيرا، وبصفة أساسية تماما على "العنصر البشري" الذي يمثله هنا محرره القادر والواعي والمثقف والموهوب والذي يمكنه عن طريق ذلك كله.
стр. 144
- التوصل إلى الموضوع الهام الذي يجتذب فكر القراء ويحصل على عنايتهم وكلفهم به، ثم إنه هنا ليس موضوعا واحدا، وإنما الموضوع اليومي أو الأسبوعي.
- المقدرة على اقتناص الأفكار الجديدة الخاصة به، من عمود إلى عمود، ومن يوم ليوم ونحن -كإعلاميين- نعرف تماما قيمة الأفكار الجديدة في العمل الإعلامي عامة، الصحفي خاصة, وحيث إنها -الأفكار الجديدة- "هي الأصل والأساس في كل عمل إعلامي ناجح"١ وإنها أيضا تعني: "الموضوع الجديد الذي يطرقه الإعلامي أو المادة أو البذرة أو الخميرة أو العنصر الأساسي الذي يقيم عليه جميع العناصر الأخرى تلك التي يقيم عليها بناءه الإعلامي ويشد إليها أركان عمله وتمثل هي جوهر هذا العمل ولبه وصميمه الذي تمتد منه خيوط نسيجه وتتشابك وتتصل"٢.
وهذا وإذا كنا نقول -مثلا- أن على محرر التقرير، أو التحقيق الصحفي، أو الحديث، أو غيرها من "الأنماط والفنون التحريرية".. إذا كان على محررها أن يبذل مسعاه من أجل الحصول على الأفكار الجديدة التي يجري تنفيذها في صورة هذه المواد نفسها، فإنه يكون على محرر مقال العمود هنا -خاصة المقال العمودي اليومي- أن يبذل مزيدا من الجهد، وأن يقدح ذهنه بصورة مضاعفة؛ لأن ظروف النشر اليومي تجعله يخوض كل يوم تجربة صعبة، أو يقف موقفا لا يحسد عليه، من أجل العثور على فكرة جديدة:
- تختلف عن الأفكار السائدة على صفحات الجريدة نفسها.
- وتختلف عن الأفكار المطروقة على أعمدة الصحف والمجلات الأخرى أو هكذا ينبغي أن يكون.
- وتختلف عن فكرته هو نفسه التي تناولها في عمود الأمس, وحتى إذا كانت تعتبر امتداد لها، فإن تناولها تناولا جديدا، أو من زاوية جديدة يكون هو الأجدر والأفضل".
стр. 145
وإذا كان الأمر يختلف بالنسبة لكتاب الأعمدة الأخرى، خاصة الأسبوعية أو غير الثابتة، فإن الذي لا خلاف عليه -ولا يمكن أن ينشأ- هو جدة الفكرة المطروحة وجدارتها وخصوبتها.
- المقدرة على تغطية موضوع الفكرة، التغطية المناسبة التي تحقق في كفاءة ومقدرة وبأسلوب إعلامي ناجح وإيجابي أيضا:
- جذب القارئ إلى العمود وصاحبه.
- ربطه به يوميا أو أسبوعيا.
- ارتباطه بالصحيفة في نهاية الأمر.
- الوصول إلى الأهداف الأخرى المنشودة من وراء تحرير ونشر المقال.
أقول: ولن يستطيع محرر مقال العمود "العام" أن يصل بفكره وقلمه إلى تحقيق هذه الأهداف إلا إذا توافرت فيه عدة "صفات" و"خصائص" و"مقومات" أساسية لا بد من توافرها، وإلا إذا حرص على أن يكون ممثلا أمينا لما تتحدث عنه السطور والكلمات التالية: