النوعية من المقالات، وإلا فعليه أن يترك كتابتها إلى غيره من كتب الافتتاحيات، لتكون له ذاتيته في أنواع المقالات الأخرى، وذلك باستثناء ما يفعله من أسلوبه الخاص، وصياغته المغايرة لصياغة الآخرين.
- وبالمثل ينبغي أن يترك المحرر كتابة المقال الافتتاحي إلى غيره، إذا لم يكن مقتنعا بموضوعه الاقتناع "الوظيفي" الذي يشجع على الكتابة ويدفع إليها، أو إذا لم يكن يعلم عنه ما ينبغي أن يعلم، وليس عنده الوقت المتاح لذلك، أما إذا لم يتمكن من توفير الأدلة والشواهد الكافية لمادته المقالية فله أيضا أن يتخذ الموقف السابق، حتى تتوافر لديه الأدلة جميعها، أو يقترح موضوعا آخر، أو يقوم رئيس التحرير بالاقتراح، أو بتكليف آخر بتحريره.
стр. 72
محرره:
ومع تعقد الحياة وتشابكها وكثرة ألوان النشاط السياسي والعام، ومع تعدد المذاهب السياسية والاجتماعية والفكرية والفلسفية، وامتزاج ذلك كله وتفاعله مع الدور الإعلامي التوجيهي القيادي الصحفي، ورغبة الصحافة في أن تقوم بمسئولياتها المتعددة في هذا السبيل، مع كل هذه الأمور الهامة، وبالنظر إلى أهمية المقال الافتتاحي "القائد"، وتقديمه على غيره من المقالات، ووقوفه في الموقع "الاستراتيجي" المناسب لدوره وطبيعته، مع كل ذلك:
أ- أصبح من الضروري عقد الاجتماع الخاص به والذي سبقت الإشارة إليه "مجلس تحرير الافتتاحيات".
ب- لم يعد في إمكان، أو باستطاعة رئيس تحرير واحد، أو رئيس التحرير وحده أن يقوم دون غيره بتحرير الافتتاحيات على مدى أسبوع كامل، بل على مدى صدور الصحيفة، أو خلال فترة رئاسة تحريره على الأقل، وذلك بالإضافة إلى ألوان كتاباته الأخرى، وإلى قيامه بمسئوليات هذا العمل المتعددة والحساسة أيضا.
جـ- أصبح من الضروري أيضا، وقياسا على ذلك، أن يقوم أعضاء "مجلس الافتتاحيات" بالتعاون في كتابته، كأن يقوم أحدهم بكتابته يوما، والثاني في اليوم الذي يليه وهكذا، كما تجري الاستعانة بمحررين آخرين -من غير أعضاء
стр. 73
هذا المجلس- للقيام بمهمة تحرير الافتتاحيات ذات الموضوعات الخاصة، من مثل تلك التي تتصل بالمسائل "العسكرية، القانونية، البرلمانية، الدينية، الرياضية، وغيرها".
كل ذلك في حدود سياسة الصحيفة أو المجلة، وانطلاقا من قاعدة التعبير عن رأيها وموقفها في الأمور التي تتناولها الافتتاحية.
- ومن هنا، وتأسيسا على ذلك كله، وبالإضافة إلى ما ورد خلال سطور الفقرات السابقة عن محرر الافتتاحيات، فإننا نضيف هنا هذه الخصائص العشر التي ينبغي أن تتوافر فيه، أو في المحرر الزميل الذي يصلح -قبل غيره- للقيام بهذا العمل التحريري القياسي الحساس والبعيد الأثر، ولا يعني ذلك -بالطبع- أنها جميع الخصائص أو الشروط، وإنما أهمها وأبرزها أنها باختصار شديد:
١- الفهم الكامل والإدراك المتميز لجوانب السياسة الوطنية داخلية وخارجية ومعرفة أحدث الاتجاهات الخاصة بها وما يكمن خلفها من فلسفات.
٢- الفهم الكامل والواعي لسياسة الصحيفة وأبعادها وكل ما يتصل بها من قواعد وأساسيات.
٣- الانتماء الكامل والواضح والصريح والقوي الأسس بالوطن الذي تصدر فيه الصحيفة وما يستتبع هذا أو يسفر عنه من تقدير لظروفه، واستيعاب لأحواله وانصهار في بوتقته، وما يتصل بذلك كله من معرفة بدينه وتاريخه وتراثه ولغته وحضارته، واستعداد كامل للدفاع عنها دفاعا يقوم على الحق والصدق مع النفس وتحمل مسئولية هذا الانتماء وما يفرضه من مرئيات ومواقف تنطلق من صالح الوطن وتصب فيه أيضا.
٤- المعايشة الصحفية الكاملة للأحداث اليومية من خلال رؤية ومنظار محرر الافتتاحية.
٥- القدرة على تصيد الأفكار الصحفية المقالية الهامة والقائدة، وتغطيتها بالمادة المناسبة والتعبير عنها في وضوح أو في تعبير آخر، وبامتزاج وظيفي بين النقطتين السابقتين، أن يملك "حضورا ذهنيا" طيبا في مجال كتابة المقال الافتتاحي.
стр. 74
٦- أن يمتلك قدرا لا بأس به من الحاسة النقدية التحليلية التي تتيح له تغطية جوانب الشرح والتفسير والربط والمناقشة، والعرض والتحليل والنقد والمقارنة بين سطور مقالة.
٧- الثقافة العامة المتنوعة في مجالات متعددة هي مجالات الاهتمام الجماهيري، مع تركيز على مجال تخصصه أو حقله الذي يعمل به، وإلى حد تقديمه على غيره من الزملاء في مجال هذا الحقل أو التخصص.
٨- أن تكون له مصادره المتنوعة والجديرة بالعودة إليها، وأن يعرف كيف يحصل منها أو يستخرج المادة والمعلومات التي تقدم فائدة أساسية لمقالة، وأن يعرف أيضا كيف يوظفها لخدمة هذا المقال، من بشرية ومعلوماتية ومكتبية ووثائقية.
٩- أن يكون مستعدا وعن طيب خاطر وعن اقتناع أيضا لإخفاء ذاته وإبراز كيان صحيفته من خلال اهتمامه الكامل بتحرير مقال لا يوقعه باسمه، وربما بأكثر مما لو كان موقعا بهذا الاسم.
١٠- الشجاعة في إبداء الرأي، وقوة الشخصية، والإيجابية الفعالة التي تنعكس على سطور المقال ولمساته ولغته، حيث إن ذلك يختصر الطريق إلى التأثير، والتأثير القوي.
وربما من أجل ذلك كله كان وجود "مجلس تحرير الافتتاحيات"، وربما من أجل ذلك أيضا كانت عناية الصحف والمجلات العالمية بكتابها، فهم في أغلب الأحوال، وبالنسبة لجرائد الرأي والتوجيه والإرشاد، في مرتبة أكبر من مرتبة المحرر العادي بعضهم في مرتبة "المحرر" المسئول، أي: يكون رأسه برأس رئيس التحرير نفسه، دون أن يحتل هذا المنصب، أو يكون قد احتله في فترة سابقة، ومن هنا كان كتابه -قبل غيرهم- في درجة قادة الفكر والرأي في كل أمة، وتاريخ الصحافة، والأسماء العديدة التي تولت كتابته شاهدة بنفسها على صحة ذلك، وذلك بالطبع باستثناء ما يحدث في الصحف التي يتولى رئيس التحرير فيها كتابة الافتتاحية، أو تلك التي لا تكتبها أصلا.
стр. 75
تحريره:
- عن الوحدة التحريرية الأولى التي تمثلها "العنوانات" فقد ثبت أن هناك
أكثر من اتجاه تتبعها الصحف والمجلات -بأنواعها- عربية وعالمية، وهذه الاتجاهات هي:
١- وجود عنوان ثابت: قائم لا يتغير وهو مثل: "الافتتاحية، كلمة اليوم، كلمة الاتحاد، الزمان تقول، كلمة المحرر، كلمة التحرير، كل صباح.. إلخ"، والاكتفاء بهذا العنوان الثابت الذي يمثل اسما تعود عليه القراء، وعلى مكانه وحجمه وشكله أيضا، وهو في الغالب "مصغر" للافتة الصحيفة وشعارها١.
٢- ولكن بعض الصحف والمجلات الأخرى، ترى عدم الاكتفاء بهذا العنوان الثابت "اللافتة"، حتى وإن تعوده القراء أو ألفوه، ومن هنا وزيادة في الاهتمام بموضوعه وجذبهم إليه، فإنها تضيف إلى هذا العنوان السابق عنوانا آخر "متغير" يتغير من يوم إلى يوم بالنسبة للصحف اليومية، أو من أسبوع لأسبوع بالنسبة للصحف الأسبوعية وصحافة المجلة، ويكون دالا على مقال اليوم كل الدلالة بحيث لا يصلح لأن يكون عنوانا لمقال غيره مثلا.
٣- وهناك صحف ثالثة قليلة العدد -بل نادرة- لا تكتب الاسم أو اللافتة أو هذا العنوان الأول الثابت على الإطلاق، وإنما تكتب الثاني فقط.
٤- وهناك اتجاه رابع نادر أيضا، حيث لا تكتب صحفه العنوان الأول الثابت نفسه، وإنما تضع بدلا منه "شعار الصحيفة"، أو الرسم الرمزي الدال عليها، والذي ألفه قراؤها، تماما كما ألفوا منها هذا الاتجاه، وقد تضيف إليه بعض الملامح الزخرفية البسيطة، أو لونا من الألوان، أو تخفف لونه عن ذلك الموجود باللافتة الأصلية، ثم تكتب العنوان غير الثابت.
٥- وإذا كانت الصحف السابقة تضع شعار الصحيفة وعليه اسمها فإن صحفا نادرة للغاية تضح هذا الشعار بدون اسم على الإطلاق، أي: تكون اللافتة مجرد شعار فقط، يوجد فوق عنوان المقال المتغير، وهكذا.
стр. 76
على أن أهم ما يجب اتباعه في جميع الأحوال:
أ- بالنسبة للعنوان الثابت أن يكون في كلمة أو كلمتين واضحتين تماما دالتين على الصحيفة أو المجلة أو هيئة التحرير، ويمكن أن يكون من ثلاث كلمات في أحوال قليلة خاصة عندما يكون اسم الصحيفة مركبا من كلمتين وذلك مثل: "كلمة اللسان العربي - مرآة الحال تقول ... إلخ"،
ب- وأما العنوان المتغير بتغير المقالات الافتتاحية، فهو أقصر العنوانات المعروفة في عدد كلماته، كلمة واحدة أو كلمتان أو ثلاث على سطر واحد، أو أربع أو خمس أو ست على سطرين ولا ينبغي أن يزيد عدد كلماته عن ذلك وإلا عد ذلك على محرره وليس له، ثم الدلالة الكاملة على موضوع المقال ومضمونه، والوضوح التام والكلمات المشرقة الجذابة الصحيحة لغة.
ذلك كله أهم ما يمكن أن يقال عن تحرير هذه الوحدة الأولى، ثم ماذا؟
- عن الوحدة التحريرية الثانية التي يمثلها هنا: "جوهر المقال, صلبه, مادته الرئيسية" نقول وبالإضافة إلى ما ورد خلال الفقرات والنبذ السابقة:
- لقد مر الوقت الذي كانت المقالة الافتتاحية منه تشغل صفحة كاملة، وربما أكثر من صفحة خاصة بالنسبة للصحف النصفية الصادرة في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن.
- ومع عصر السرعة والاختصار والتركيز أصبح حجم الافتتاحية أقل من ذلك بكثير، وهي تشغل في أغلب الأحوال ما بين ربع عمود وعمود واحد طولا، وبالجمع على سطر واحد من البنط العادي، وبحساب مثل هذه المساحة ونسبتها في حالة الجمع بأكبر من بنط ٩، أو بنط ١٢ "أقلها في حوالي ربع عمود وأطولها في حوالي عمود واحد وذلك في معظمها وبالنسبة للظروف والأحوال العادية".
- يستثنى من ذلك بعض الصحف الأسبوعية، والحزبية، التي تجعل من مقال رئيس تحريرها بمثابة افتتاحية لها، وهو الاتجاه الذي سبق أن أشرنا إلى تعارضه مع فلسفة الافتتاحيات وبالمثل ليستثنى من ذلك بعض مقالات المجلات، فهما في أحيان كثيرة أكثر طولا عن الحد المشار إليه -من نصف عمود إلى عمود كامل- وهو
стр. 77
نفس الحال بالنسبة لافتتاحيات بعض الدوريات المتخصصة.
وعموما، وفي أغلب الأحوال، وفي ضوء النقاط السابقة في مجموعها، فإن أكثر صور وأشكال تحرير هذه المقالات الأساسية والرئيسية تتم على النحو التالي:
فالمقال الافتتاحي، في أغلب الأحوال -وباستثناء بعض الاتجاهات- التي أشرنا إليها سابقا- يمثل:
- وحدة واحدة مستقلة لها كيانها المادي والمحدد فوق الصفحات تحريرا وشكلا.
- لا تسمح -في الأغلب- بالتقسيم الواضح والدقيق والمحدد تحديدا تاما إلى مقدمة وجوهر أو صلب، وخاتمة، كالتقسيم التقليدي.
- فإذا سمحت بذلك، فهي المقالات الطويلة التي سبقت الإشارة إليها -بعض الصحف الأسبوعية والحزبية والمجلات- أو أن يتم ذلك باختصار شديد وتركيز أشد يتناسبان مع طابع هذا المقال وطبيعته أي: إن المقدمة هنا تنقسم إلى قسمين يفصل بينهما خط وهمي التمهيد والبداية، ثم تأتي الوحدة التالية -الصلب- تليها الخاتمة، هذا إذا رأى محرر أن يستعين بهذا التقسيم التقليدي، على أن من المهم هنا الانسياب في سهولة ويسر من التمهيد إلى البداية وحتى نهاية المقال، دون وضع قيود أو أسيجة تفصل بينهما، حيث تجدنا نعود مرة أخرى إلى الاتجاه الأساسي "تذويب" و"مزج" هذه الوحدات بعضها ببعض، وكما هو الحال بالنسبة لأغلب المقالات باستثناء الأعمدة ومقالة الفقرات.
- ومن هنا، ومن دراساتنا لأفكار الزملاء والأساتذة الذين يتولون هذا العمل بعدد من الصحف المصرية والعربية، ومما هو منشور فوق الصفحات نفسها عربية وأجنبية، ومن خلال رؤية بعض الكتاب أيضا، فإننا نستطيع أن نصل إلى "دليل" لكتابة مادة الافتتاحيات يستند إلى رؤية معملية وتطبيقية، ويتأسس على المقدمات السابقة في مجموعها، بالإضافة إلى مراعاة الجانبين التعليمي والتدريبي؛ لأنهما الأكثر أهمية خلال هذه الصفحات، وليس للزملاء من الممارسين فعلا، أو أصحاب "الباع الطويل" والقلم المجرب في هذا العمل.
وهذا الدليل أيضا ينبثق من وحدة المقال الافتتاحي المستقلة، ومن هنا فهو يقول:
стр. 78
- في البداية لا بد أن تسأل نفسك سؤالا: هل أنت الشخص الجدير بكتابة هذه الافتتاحية؟ وهل أنت أكثر الأشخاص جدارة بهذا العمل؟
- وفي حالة الرد بالإيجاب، يتفرع سؤال آخر يقول: هل أنت مقتنع بتوجيه رئيس التحرير أو رئيس مجلس الإدارة، وبمرئيات الزملاء من أعضاء "مجلس تحرير الافتتاحيات" وذلك بشأن:
- الموضوع الذي تم اختياره للتناول.
- الموقف الذي يرى هؤلاء اتخاذه "التأييد بدرجاته، المعارضة بدرجاتها الدعوة، الهجوم, الثناء.. إلخ".
- طبيعة المعالجة.
- في حالة الرد بالنفي يكون عليك أن تعلن عن ذلك بكل وضوح، وأن تشرح وجهة نظرك بكل صراحة، فربما تمكنت من إقناع الآخرين بها، وكانت هي جوهر التناول وإلا فالاعتذار عن عدم الكتابة هو الواجب المهني الذي يريح ضميرك الصحفي.
- وأما في حالة الرد بالإيجاب، فإن عليك أن تزيد من استنادك وتشبثك بركائز أساسية هي:
أ- سياسة الصحيفة أو المجلة.
ب- إنكارك لذاتك من أجل الصالح العام لوسيلة النشر.
جـ- فهمك الكامل والتام لموضوع مقالك.
د- مقدرتك الكتابية وما يتصل بها من طابع معالجتك وتفاعلك مع موضوعك وصياغتك وأسلوبك الخاص.
هـ- توقعك لطبيعة القراء الذين يمكن أن يشدهم مثل هذا الموضوع.
- وبمراعاة الفروق القائمة بين كاتب وكاتب ومحرر ومحرر، وبالنظر إلى أن المقدرة على الكتابة غير واحدة، ودون أن نبخس المواهب حقها في التصرف والقفز فوق الحدود والأسيجة، نقول إن نوعية المقال -النوعيات السابقة- هي التي تتدخل إلى حد
стр. 79
كبير في طريقة المعالجة، وفي شكل المقال ومضمونه أيضا ولكن كيف؟
- دعونا في البداية نتفق على أن أفضل "مدخل" وأن أحسن "استهلال" هو ذلك الذي يقدم الخبر الهام الساخن أو الموقف الناشب الذي سوف تتناوله، أو تعالجه خلال هذا المقال, لماذا؟
- فهو مدخل هام وجذاب.
- وهو يوجه القارئ مباشرة إلى موضوعه دون إثارة لملله أو تبرمه.
- وهو يساعد العنوان المتغير على ذلك في حالة وجوده.
- فإذا لم يكن هذا العنوان موجودا قام المدخل بدوره.
- وهو يعيد إلى الأذهان هذا الخبر، أو الموقف أو القضية أو الرأي، فيطالعه مرة أخرى من سبقت له قراءته أو الاستماع إليه، بما يؤكده ذلك من معان متصلة به.
- أو يطلع القراء الجدد عليه ممن لم تسبق لهم مطالعته أو الاستماع إليه.
ولأن البساطة تصل بسرعة إلى عقول القراء وأفهامهم، فإن العرض البسيط لموضوع المقال من خلال هذا المدخل، وفي سطور وعبارات وكلمات قليلة، بسيطة واضحة، وبدون لف أو دوران أو اصطناع لغريب أو رمز، هذه هي أفضل طرق كتابته أيضا، ولا بأس هنا من آية قرآنية كريمة أو حديث شريف، أو قول مأثور أو حكمة خالدة تكون "مدخلا إلى المداخل" أو تمهيدا له تشد القارئ بكل الصدق وتجذبه نحوها بقوة، ولكنها -في جميع الأحوال- يجب أن تكون مناسبة للغرض، صحيحة ودقيقة، خاصة بالنسبة لآيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأقوال السلف الصالح.
- ولأن نوعية المقال هي التي سوف تتدخل هنا تماما فإن أمامك بعد هذا التمهيد الموضوعي المناسب القوي والدال:
أ- إذا كان مقالك هو الافتتاحي الشارح المفسر: فإن الأمر لا يتطلب أكثر من التركيز الشديد على جوانب شرح ما طرحته في هذا التمهيد شرحا وافيا يجعله واضحا للعيان مفهوما من القراء، وتفسيره التفسير الذي "يحل" عقدته ويكشف عما خفي بين
стр. 80
سطوره وكلماته ويضع النقط على الحروف بشأنه، وهكذا من أول المقال إلى آخره. والذي سوف يكون في هذه الحالة مركبا من فقرتين: الأولى تمثل البداية أو التمهيد -وهي موجودة في جميع أنواع هذه المقالات- والثانية هي الأكثر طولا، والتي تستغرق المساحة المتاحة كلها ومضمونها هنا هو الشرح والتفسير.
ب- وأما المقال النزالي: فهو يتكون كذلك من فقرتين أساسيتين: الأولى التمهيدية ولكنها هنا تكون أكثر طولا منها في المقالة السابقة، لماذا؟ لأنها في الواقع تتكون من الفقرة الأولى التقليدية مضافا إليها سطورا تركز على ضرورة الرد وأهمية "النزال"، وتمهد له، ثم الفقرة الثانية، فقرة النزال نفسه، وحيث تفنيد الرأي وكشفه وتعريته ومقارعة الحجة بالحجة، في لغة يغلب عليها طابع السخونة والعنف في أكثر الأحوال وفي ذلك يقول أحد المؤلفين: "في هذا المقال نجد نزالا وصراعا وقتالا وطعنا وصدا لهذا الطعن، وفي العادة يكون المقال شديد اللهجة عنيفا إلى أقصى حدود العنف، ويطلق الفرنسيون على النقد النزالي مقال المبارزة، وإذن فلا بد من مهاجمة كاتب آخر في هذا اللون من المقال"١، على أننا لسنا مع المؤلف نفسه أو مع غيره من الكتاب الذين يتبعون ما يشير إليه قائلا: "وكثيرا ما يذهب المقال النزالي إلى السباب، ومن حق الكاتب المنازل أن يهزأ من الشخص الذي ينازله وأن يسخر من أفكاره وأن يهزه هزا عنيفا يفقده شخصيته بين الناس ولكن بدون هلهلة أي: بدون بذاءات"٢. أقول لسنا معه؛ لأن للنزال أصوله وقواعده التي تحكمها التقاليد الصحفية، ومبادئ الزمالة والشرف والأخلاقيات، فضلا عن أن المقالات الافتتاحية تركز على الآراء والأفكار والمواقف والقضايا، وليس الأشخاص، كما أنه لا خصومة بين كاتبها -الممثل للصحيفة- وبين كاتب المقال الذي ينازل، أو من المفروض أن يكون ذلك هو الأصل، ثم أية هلهلة للكاتب أكثر من تلك التي تهزه هزا عنيفا يفقده شخصيته بين الناس؟ إن ذلك كله يذهب بالموضوعية أدراج الرياح فضلا عن أن اختلاف الرأي لا يعني هز الآخرين بعنف والعمل على إضعاف شخصياتهم، تماما كما أنه لا يفسد للود قضية.
وعموما فإن للنزال أسلحته عن طريق تقديم التجارب المماثلة والشواهد العديدة والاستدلالات المنطقية ومحاولة الإقناع عن طريق المناقشة الواعية التي تصل إلى
стр. 81
النتائج المطلوبة -إثبات فساد الرأي الآخر وعدم صحة الموقف أو الاتجاه الذي نازله -وإن كان لا بد من لغة فهي الجادة العنيفة أحيانا مع بعض جوانب السخرية والتهكم في الحدود المعقولة ودون أن يفقد الكاتب احترامه أو تفقد الافتتاحية تقديرها في أنظار القراء، وهي لسان حال الصحيفة وكلمة هيئتها.
جـ- وأما المقال الافتتاحي المستكشف أو المتنبئ: ففقرته الأولى تقليدية، أو هي فقرة عرضية تقدم المادة التي سوف تتناولها الفترة التالية بالشرح والتفسير والتحليل، وحتى هنا والأمر يشبه النوع الأول من هذه المقالات ولكن بأسلوب أكثر تركيزا واختصارا ثم -بعد ذلك- تأتي الفقرة التالية التي تصل، استنادا إلى ما سبق، وتأسيسا عليه. ومن خلال الفقرتين السابقتين، إلى ما يمكن أن يستشفه الكاتب، أو يستخلصه أو يتوقعه أو يستكشفه من نتائج وخلاصة وتطورات يرى أن بالإمكان وقوعها.
وفي أسلوب آخر إن هذا المقال يشبه المعادلة، أو القضية المنطقية التي تتكون من مقدمات وشواهد وتصل إلى نتائج، ولكن هذه النتائج هنا قد لا تكون منطقية بحال من الأحوال، من وجهة نظر القراء، أو الجمهور نفسه، وإنما يتوصل إليها الكاتب بحاسته الخاصة وملكة التوقع عنده من خلال الرؤية الخاصة والتحليل السليم، كل ذلك دون أن يفقد اهتمام القارئ الذي يربطه إليه بطول الفقرات الثلاث السابقة وذلك يعني:
- مزيدا من التركيز على موضوعه وعدم "الشرود" أو الخروج عليه حتى لا يشرد القارئ بذهنه فتختلط الأمور وتضيع الحقائق وتذوب الحدود أيضا.
- مزيدا من الوضوح والجاذبية.
- مخاطبة القارئ من نفس مستواه دون مغالاة أو تقعر أو اتخاذ أسلوب الحكم والمواعظ، أو التعالي عليه بأي شكل من الأشكال.
د- وعن المقال الافتتاحي ثنائي أو ثلاثي الموضوع نضيف إلى ما سبق أن قلناه عنه:
- أنه يمثل أكثر من مقال افتتاحي واحد تكتب في تركيز.
стр. 82
- أن من الضروري والمهم الاختلاف بين مضمون كل منها.
- على نفس المستوى يقف الاختلاف بين أساليب التحرير.
- ووضع عنوانات لكل منها تقترب من طابع عنوانات الفقرات هو تصرف إيجابي.
- وتناسب أطوال كل منها -وبحسب أنه فقرة مقالية أو مقالا صغير- هو عمل مطلوب.
- ولكن حجمه أو طوله -في مجموعه- والمساحة التي يحتلها تلقي على محرره مسئولية مضاعفة في الإمساك بحبل انتباه القارئ وشده إليه والارتباط به كله، بجميع فقراته وسطوره وعباراته.
- وهذا يعني مزيدا من جاذبية الصياغة، ووضوح التعبير، وتماسك نسيج العبارة، وثبات فكرتها.
هـ- والمقال الافتتاحي المقارن: يتكون عن فقرة البداية، يليها فقرة تركز على التمهيد للمقارنة ماذا تعنيه هنا؟ وما هي أهميتها؟ ثم الفقرة النهائية الأكبر حجما، والتي تكون ميدانا لهذه المقارنة بين الفكرة والفكرة والرقم الرقم والنتيجة والنتيجة، والبعد والبعد، والانعكاسات وغيرها وهكذا، ومن الواضح أن الكاتب الذي يملك مقدرة نقدية تحليلية وحسا يؤثر الموازنة، يكون أكثر من غيره نجاحا في تحرير هذا اللون من المقالات، على أنه ينبغي أن يلتفت إلى:
- أهمية التركيز على إقناع القارئ.
- الشواهد الجديدة، والقديمة معها.
- الاستدلالات المنطقية والواضحة والتي تنال ثقة القارئ.
- البراعة في عرض مادته المقارنة وفي التوجه بها واستخدامها الاستخدام الوظيفي الأمثل فهي هنا "سلاحه" الذي يواجه به الآراء والمواقف والاتجاهات الأخرى.
- الاهتمام بالموضوعية الكاملة، والبعد عن الهوى وعن الأمور الذاتية.
стр. 83
- ذكر الحسنات والسيئات معا، والجميع بين جوانب الصواب والخطأ في إطار واحد أي: ذكر ما للآخرين وما عليهم.
وبمثل هذا يكسب المقال الافتتاحي النقدي احترام قارئه، والصحيفة أيضا.
و ومقال الدعوى إلى موقف أو عمل ما: يركز على عدد من الفقرات السابقة، خاصة الفقرة الأولى التمهيدية، أو المدخل الهام أو الجذاب، وقد يشرح ويفسر في فقرة ثانية، أو يستكشف أو يتوقع أو يقارن في فقرة أخرى أو يجمع بين هذه الأساليب في فقرة واحدة مركزة تركيزا كاملا، أو في فقرتين، ثم تأتي الفقرة الأهم، وهي هنا تمثل جوهر المقال ونتيجته معا، حيث يقوم بالدعوة إلى عمل ما، أو موقف من المواقف أو تصرف من التصرفات أو اتخاذ إجراء معين، أو تصحيح وضع قائم، أو إحلال أو إبدال لمشروع دون آخر، أو مكافأة أو عقاب مسئول أو عدة مسئولين وهكذا، وعلى هذ النحو، في لغة قوية، صادقة وبكل موضوعية ممكنة، موضحا أن ذلك لمصلحة الوطن أو المواطن وليس من أجل الثواب أو العقاب في حد ذاته، أي: أن يهتم هنا بالتركيز على:
- عرض الحالة شواهدها وصورها.
- الموقف الذي يدعو إليه.
- الأسباب الكامنة وراء ذلك مباشرة وغير مباشرة.
- وقد يضيف النتائج التي يمكن أن تتحدد من وراء هذه الدعوة، وبتأثيرها.
ز- المقال الافتتاحي التحذيري: وتشبه كتابته طريقة كتابة المثال المستكشف أو المتنبئ وكذا طريقة كتابة المقال السابق، مع إضافة فقرة تحذيرية إلى المقال الأول -المستكشف- يركز فيها على جانب التحذير والتنبيه إلى الخطر القادم حتى يمكن تلافيه والحيلولة دون وقوعه، أو على الأقل التخفيف من حدته وحدة نتائجه المؤثرة على مصائر الناس ومصالح الجماهير.
جـ- المقال الافتتاحي العام: وهو كما قلنا، أكبرها مساحة وأكثر طولا، وقد يتضمن جميع الفقرات السابقة مركزة أو غير مركزة بما يضاعف من مسئولية كتابه ومحرريه، ومجال إظهار الثقافات والممارسات فيه متسع للقيادات التي تستطيع أن تقدم
стр. 84
هذا اللون، وهي قلة بالطبع ولكنها قلة مؤثرة وفعالة، وهم دائما من مرتبة رؤساء التحرير، على أن أهم ما يراعيه محرر هذا المقال المحوري الشامل:
- توزيع نقاط الأهمية والارتكاز والثقل على جوانب المقال كلها أو فقراته جميعها وليس في المقدمة أو التمهيد أو الصلب فقط.
- تقديم المعلومات الجديدة والأرقام التي تثري العمل وتدعمه دون حشوها حشوا يزحم فكر القارئ أو يجهده.
- تنوع أساليب تحريره من فقرة لأخرى.
- الاستعانة بعنوانات الفقرات كلما وجد إلى ذلك سبيلا، أو بما يمكن أن يقوم مقامها من رسوم زخرفية أو وحدات طباعية.
- بساطة التعبير وسهولته وانسياب عباراته وفقراته.
- مخاطبة عقل القارئ أولا، ثم إحساساته بعد ذلك انطلاقا من معرفة كاملة بنوعية قرائه ومستوياتهم الفكرية الرفيعة والمؤثرة.
- عدم إطلاق الأحكام أو تقرير النتائج الكاملة.
стр. 85
جولة عربية:
لا نترك هذا المجال -الحديث عن المقال الافتتاحي- دون أن نقوم برحلة سريعة على صفحات الجرائد العربية، نتوقف فيها عند عدد من أهم معالم هذا النوع من أنواع المقالات، كما تبدو فوق الصفحات والأنهر نفسها، ويكون دليلنا إليها تلك الكلمات السابقة التي تناولت -نظريا- أبرز هذه المعالم والخصائص، ماذا تقول هذه الرحلة ونتائجها والتي أجريناها على صفحات ١٤ جريدة عربية خلال النصف الأخير من يوليو، والنصف الأول من أغسطس ١٩٨٣؟ وذلك وفق الترتيب الأبجدي لهذه الصحف:
١- "أخبار اليوم - مصرية":
عرفت صحيفة "أخبار اليوم" الأسبوعية القاهرية الكبرى منذ صدورها -في ١١ نوفمبر- عدة أساليب لكتابة هذه المقالة كان من أبرزها الأسلوب الذي يجمع
стр. 86
بين مقالين أحدهما "الموقف السياسي" وكان أشهر من كتبه صاحبها أستاذنا "مصطفى أمين"، وقد اتبع الاتجاه غير التقليدي في كتابته وهو الذي يوقع فيه صاحب الجريدة ورئيس تحريرها الافتتاحية باسمه، كما اشتهر إلى جانب هذا المقال مقال آخر هو الأقرب إلى الطابع العام لهذه المقالات وكان يكتب باسمه: "أنوار كشافة"، ويوقع باسم "أخبار اليوم" أو "رئيس التحرير" كمنصب متبعا الاتجاه الأساسي والكلاسيكي أيضا، خلال هذه الجولة الأخيرة يمثل "الموقف السياسي" افتتاحية الصحيفة، وبينما اختفى "أنوار كشافة"، نجد أن الافتتاحية البديلة توقع باسم رئيس التحرير "الزميل إبراهيم سعده" وتنشر على مساحة عمودين على سطر واحد باتساع العمود الأول والثاني من الصفحة الثامنة داخل إطار أسود زخرفي ثقيل، وقد جاءت أهم موضوعاتها مما يتصل بالسياسة الداخلية وإلى حد اقترابها من الطابع "شبه الرسمي" بوصفها إحدى الصحف "القومية"١ و"الموقف السياسي" عنوانه أو اسمه الثابت المكون من الكلمتين، ثم عنوانه المتغير الدال على موضوع المقال وطابعه، ويسود كتابته الطريقة التحليلية في أحيان كثيرة، إلى جانب التناول التاريخي والمقارن، كما يمزج الكاتب أحيانا بين الطرق الثلاث، وهي عموما مقالة "طويلة" تعتبر أكثر طولا من غيرها من المقالات الافتتاحية العادية التي تنشرها الصحف العربية في الأحوال العادية، ومن هنا فقد تتناول أحيانا أكثر من موضوع، كا يجري إخراجها بطريقة تتيح عمل "وقفات" ومعالم تبرز سطورها عامة أشبه بعنوانات الفقرات، كما يستخدم سكرتير التحرير "بنطا" متغيرا بين فقرة وأخرى لتسهيل قراءتها وأحيانا تجمع ببنط واحد ثقيل أكبر من بنط المتن العادي.
٢- "الاتحاد - الإمارات العربية المتحدة":
لصحيفة "الاتحاد" افتتاحيتها التي لعبت دورا مرموقا على المسرح السياسي بهذه الدولة منذ تأسست الصحيفة -١٩٦٩- فهي تنشر الآن -خلال هذه الجولة- على الركن العلوي لنصف الصفحة الأول أسفل العنوانات الرئيسية، وذلك تحت عنوان
стр. 87
واحد ثابت هو: "كلمة الاتحاد"، الكلمة الأولى أبيض على أسود والثانية تمثل رسما مصغرا للافتة الصحيفة ورسمها "التحتي" بزيادة في درجة احمرار حبره، والافتتاحية متوسطة الطول تجمع على عمودين داخل إطار أسود رقيق في جانبين من جوانبه، سميك في الجانبين المواجهين وتأخذ في الغالب شكلا مستطيلا أو مربعا في بعض الأحوال، تدور موضوعاتها حول سياسة الدولة داخلية وخارجية، وتتصدى لتأييد ودعم الاتحاد، كما أن من أهم موضوعاتها الموضوعات الخليجية بصفة عامة والتغيير الملحوظ الذي يأخذ مكانه في الدولة بصفة خاصة، وهي أشد تعبيرا من الصحيفة الأولى عن الاتجاه الرسمي، بل لعلها أكثر افتتاحيات صحف الدولة تعبيرا عن هذا الاتجاه، كما أنها لا توقع بأي توقيع.
وبالإضافة إلى "كلمة الاتحاد" فقد لوحظ كذلك وجود عمود على النصف الأول من النهر الأخير للصفحة السابعة داخل إطار مستطيلي مماثل في سمك أعمدته للإطار الأول، ويحمل اسم "مع الأحداث"، ويوقع باسم المحرر، ويمكن اعتباره افتتاحية ثانية للصحيفة، وهو يركز على بعض الموضوعات الداخلية خاصة "العمالةالأجنبية, التعليم, الصحة, الزراعة ... إلخ" كما يحاول أن يربط بين هذه الموضوعات في إطار دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب موضوعات أخرى عديدة.
وقد كانت السمة الغالبة على افتتاحيات هذه الصحيفة هي "الشرح والتفسير" كما وجدت قلة منها تدعو إلى موقف أو عمل، وذلك خلال فترة هذه الدولة، كما أن أسلوب تناولها طيب وتعبيرها عن سياسة الصحيفة والدولة قوي النبرة واضح المعالم، وهي خاصة تعود إلى طبيعة انتمائها وأيام صدورها الأولى والتي حافظت عليها حتى اليوم.
٣- "الأخبار - مصرية":
و"كلمة اليوم" هي افتتاحية صحيفة "الأخبار" الشعبية القاهرية، وقد تغير موقعها أكثر من مرة منذ صدور الصحيفة عام ١٩٥٢، حتى استقرت أخيرا على العمودين الأول والثاني من نصف الصفحة الخامسة العلوي، وهي نفسها صفحة "الرأي للشعب" وهي ذات موضوعات سياسية عالمية وعربية متعددة، إلى جانب اهتمامها الكبير بموضوعات السياسة الداخلية وتلك التي تستقطب أنظار رجل الشارع العادي، والكلمتان تكتبان فوق كرتين تمثلان الكرة الأرضية مقسومة إلى قسمين وهما شعار
стр. 88
الدار - دار أخبار اليوم- كما أن للافتتاحية عنوان آخر غير ثابت، يتغير بتغير الموضوعات، كما أنها لا توقع بأي توقيع.
٤- "الأنوار - لبنانية":
تتخذ هذه الصحيفة أحد أشكال "الاتجاه الثاني" في كتابة الافتتاحيات، حيث تكتفي بنشر المقالة التي يكتبها الآن وفي أغلب الأوقات "رفيق خوري" باعتبارها افتتاحية للصحيفة، وهو ما سوف نشاهده بالنسبة لصحف نادرة، وتشغل هذه المقالة في أغلب الأوقات أكثر مساحة العمود الأخير من الصفحة الأولى، وهي بدون عنوان لافتة ثابت وإنما تستبدله بشعارها الذي يوجد تحت لافتتها الرئيسية، كما أن لك مقالة عنوانها المتغير الذي ينشر على سطر أو أكثر متناولة موضوعات السياسة اللبنانية أولا ثم الشرق أوسطية ثانيا، والعالمية، وتوجد داخل إطار بطول الصفحة وباتساع العمود الذي يشغلها، كما أنها موقعة باسم كاتبها.
٥- "الأهرام - مصرية":
وهي واحدة من الصحف الأولى التي بلغت عنايتها بالافتتاحيات مبلغا كبيرا منذ تحولت إلى صحيفة يومية في ٣ يناير ١٨٨١، وقد تناولت افتتاحيات الأهرام منذ ذلك التاريخ جميع المسائل الداخلية والخارجية التي تهم القارئ المصري والقارئ العربي في مصر، وقد استمرت على هذه الحال بعد الاحتلال وفي أوائل القرن الحالي، يشهد على ذلك كله مؤرخها الذي يقول في هذا المجال: "فهي تهاجم في مقالاتها الافتتاحية أعوان الاحتلال من المصريين ثم تحمل على حضور المستشار ووكيل الاشغال الإنجليز بين مجلس النظار وتعلن مبتهجة إقالة الخديو عباس لحكومة مصطفى فهمي وتعقب على تعيين رياض بمدح الخديو وتذكر مأثرته الوطنية باختيار حكومة شعبية يرضى عنها الناس وتترصد في كل أخطاء الإنجليز وتصرفاتهم ... إلخ"١.
وتنشر الأهرام اليوم افتتاحياتها في الأعم الأغلب على العموديين الأول والثاني من ربع الصفحة السابعة العلوي مجموعة على سطر واحد -وهي نفس صفحة المقالات أو الافتتاحيات- وذلك تحت عنوان ثابت هو: "رأي الأهرام" يشبه كثيرا "شكل"
стр. 89
عنوان افتتاحية صحيفة "الاتحاد" باستثناء استخدام الأخيرة للون الأحمر، كما أن للافتتاحية بالإضافة إلى عنوانها الثابت عنوان يومي متغير يختلف بما يناسب مادتها، وهي كذلك متوسطة الطول متنوعة في أساليب تحريرها قوية في مادتها، وهي غير موقعة بأي توقيع، وتوجد داخل إطار يقع بين المربع والمستطيل وهو زخرفي يتكون من وحدات صغيرة مستطيلة سوداء تكون إطارا ثقيلا "متقطعا".
وأغلب موضوعات الافتتاحية تتناول الموضوعات السياسية العربية والمصرية، كما أن للسياسة الداخلية نصيب كبير من اهتمامها، ولا يعني ذلك أنها لا تتناول الأحداث الخارجية، وإنما يعني أن اهتمامها بها قد قل عن ذي قبل، كما أن بعض الافتتاحيات تكاد تعكس "اتجاها رسميا" بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
كذلك فإن من الملاحظ أن للعدد الأسبوعي للصحيفة -والصادر كل يوم جمعة- افتتاحيته التي تنشر على الصفحة الثالثة أو الخامسة في إطار شبه مربع ويغلب عليه الطابع التحليلي وأحيانا يكون في بنط أصغر وحروف خفيفة، كما يلاحظ لجوء الصحيفة أخيرا إلى كتابة المقالات الثلاثية التي تصل بينها عنوانات مختلفة.
٦- "الثورة - عراقية":
تحرص على نشر افتتاحية طويلة على العمودين الأولين, وقد يكون لها امتدادها بقية على صفحة داخلية هي في الغالب ص١١، وهي بدون عنوان ثابت على الإطلاق وموقعة باسم الصحيفة "كليشيه" الثورة، وأغلب مواد الافتتاحيات خلال هذه الجولة تتصل بالحرب العراقية الإيرانية والأوضاع الداخلية في إيران تحت نظام "الخميني" وعن الجبهة العراقية، والعلاقات الإيرانية العربية، وهي افتتاحيات ذات لهجة حماسية خطابية عالية تتماشى مع طابع الظروف السائدة، كما أن نغمتها الرسمية والتزامها الوطني مرتفعان أيضا، والافتتاحيات بعد ذلك تنشر داخل إطار مادي يتغير حجمه بتغير حجم الافتتاحية نفسها.
٧- الجزيرة - سعودية":
من أكثر الصحف الخليجية عامة، والسعودية خاصة ثباتا على نشر الافتتاحيات خلال السنوات الأخيرة كما أنها من أكثرها ثباتا على "الطابع الكلاسيكي" المتمسك بتقاليد الافتتاحية في التحرير والنشر، كفن مقالي صحفي، وقد رأيناها في فترة الجولة تواصل نشرها باتساع العمودين الأخيرين من الصفحة الثالثة وبطول يتفوق على نصف
стр. 90
العمود -صفحة، كما أن لافتتاحية الجزيرة عنوان ثابت هو: "كلمة الجزيرة" ويليه عنوان يتناسب مع مضمون المقال الذي يقع داخل إطار طولي ثنائي الأضلاع أحدهما -الداخلي- رقيق شعري أسود، والثاني رمادي سميك، والمقال يهتم- في أكثره بموضوعات السياسة الداخلية، خاصة خطط التنمية المختلفة، وأحوال التعليم والصحة والزراعة، وبالميزانيات، كما أن لبعض المقالات اتجاهاتها العربية عامة والخليجية خاصة، والسياسة الخارجية هي موضوع وارد أيضا, وتركز أغلب المقالات على أسلوب "الشرح والتفسير"، كما أن بعضها يعتمد الأسلوب المقارن وأسلوب الدعوة إلى موقف أو عمل ما، وهو يوقع باسم "الجزيرة".
٨- الجمهورية - مصرية":
انتقلت الافتتاحية من مكان لآخر مع كل "تطوير" تدخله إحدى الإدارات الجديدة على "ماكيت" العدد العادي حتى استقرت أخيرا على النصف العلوي من العمود الأول للصفحة الثانية وهي صفحة "أخبار العالم العربي" بالنسبة للعدد العادي, وحيث نجد أن الافتتاحية تحمل عنوانا ثابتا هو: "الجمهورية تقول". والكلمتان موزعتان على سطرين تحملهما "شبكة" صغيرة وهو باتساع سطر واحد يفصل بينه وبين المادة المجاورة فاصل طولي، وعموما فالمقال الافتتاحي في صحيفة الجمهورية القاهرية موضوعاته عربية كثيرة، وداخلية أيضا، وبعدهما تأتي الموضوعات العالمية وهو يعتمد كل الاتجاهات التحريرية السابقة الإشارة إليها خاصة أسلوب الشرح والتفسير وكذا الأسلوب النزالي، والدعوة إلى موقف وحيث أخذ هنا كثيرا شكل "التحذير" مما يمكن أن يحدث مستقبلا، وهو متوسط الطول في أغلب الأحوال وكثيرا ما يقل عن الحجم العادي ويصبح في حدود ثلاثين سطرا وأحيانا أقل, وهذا المقال لا يوقع بأي توقيع.
٩- "الجمهورية - عراقية" ١:
تكاد معظم افتتاحياتها تتشابه في كثير من ملامحها مع ملامح شقيقتها "الثورة" حيث تنشر افتتاحيتها باتساع حوالي عمود ونصف عمود على يمين النصف السفلى للصفحة الأولى، وهي طويلة جدا، ولها بقية على الصفحات الداخلية خاصة
стр. 91
ص٥، وليس لها عنوان ثابت؛ ولأنهما يصدران من خندق واحد -خلال فترة هذه الجولة- فقد كانت موضوعاتهما متشابهة إلى حد كبير إلا أن أسلوب أكثر مقالاتها أقل حماسية وخطابية وإن وصل إلى نفس النتائج النزالية والمقارنة كذلك يحيط بها إطار طولى "ملتف" ويوقع المقال باسم الصحيفة أيضا وعلى طريقته "الكليشيه".
١٠- "السياسة - كويتية":
تتبع أيضا -في صراحة- الاتجاه الثاني. فمقال رئيس التحرير "أحمد الجار الله" بمثابة افتتاحية لها، ولا تخفي الصحيفة ذلك، وإنما تنشر هذا المقال على يسار النصف العلوي من الصفحة الأولى تحت العنوان الرئيسي الثابت -اللافتة- باسم "الافتتاحية" كما تحتفظ ببعض المعالم الأساسية الأخرى الخاصة به كالمكان الثابت والمساحة شبه الثابتة في أكثر الأحوال، ولمقال رئيس التحرير هذا أو "الافتتاحية" عنوان آخر يتناسب مع مادته وموضوعاته عربية عامة وكويتية خليجية خاصة، وتأتي موضوعات السياسة الخارجية ثالثة ومحررها يحاول بذل جهد طيب من أجل تطوير أساليب تحريرها ولكننا نأخذ عليها التوقيع باسم رئيس التحرير.
١١- "الشرق الأوسط - سعودية":
تتبع منذ فترة ليست بالقصيرة الاتجاه الجديد "ثنائي الموضوع" في أغلب الأحوال حيث تقوم بنشر افتتاحيتين لا افتتاحية واحدة، داخل إطار واحد، على الصفحة "٩" أو "١١" وهي أيضا صفحة الرأي "والترويسة" والكاركاتير, وتفصل بين المقالين بخط عرضي يختلف من عدد لآخر والافتتاحيتان -في أغلب الأحوال- أحدهما عربية، والأخرى خارجية أو عالمية، والافتتاحيتان تنشران تحت عنوان ثابت واحد هو: "رأي الشرق الأوسط" وبعد ذلك يكون لكل منهما عنوانه الخاص الذي علوه، وفي أغلب الأحوال يختلف أسلوب تحرير كل مقالة عن الأخرى ولكن يبرز من بين الأساليب الأسلوب النزالي، وأسلوب الدعوة إلى موقف أو عمل ولكنها دعو تتم بطريقة هادئة حتى وإن جمعت إليها "التحذير"، و"التنبيه" إلى خطر ما، والافتتاحيتان لا توقعان أي توقيع, وتبدو خلال سطورهما "حرفية" المحرر وتجربته الطيبة.
стр. 92
١٢- "الصحافة - سودانية":
لجريدة "الصحافة" افتتاحية قوية تنشرها بصفة غير منتظمة وذلك على العمودين الأخيرين من نصف الصفحة السفلي الأيسر وباتساع سطر واحد على عمودين وهي تحمل عنوانا ثابتا هو "كلمة الصحافة" وآخر للمادة نفسها وموضوعاتها سودانية في البداية عربية ثانيا عالمية في المحل الثالث، ويغلب على افتتاحياتها طابع التحليل الهادئ والمتزن كما أن الدعوة إلى موقف سوداني أو عربي تمثل طابعا عاما تتصف به, وهي متوسطة الطول مجموعة بحروف ثقيلة يحيط بها إطار مزدوج على هيئة مستطيل، وتوقع الافتتاحية بكلمة "الصحافة".
١٣- "العرب - قطرية":
استقرت صحيفة "العرب على نشر افتتاحية، ولكن أهم الملاحظات أنها تنشرها الآن على صفحتها الأخيرة، بل على العمود الأخير منها مما يبرر في رأيها تسميتها بـ"آخر عمود" نفس اسم عمود الزميل "إبراهيم سعدة" على الصفحة الثانية من أخبار اليوم وإن كان الاسم في العرب يعبر تعبيرا صحيحا عن موقع المقالة، ولكنه في نفس الوقت يخالف طابع "الافتتاحيات" التقليدي وعموما فإن آخر عمود تكتب باللون الأحمر خطا، وتمثل لافتة يتبعها عنوان متغير، واتجاهاتها قطرية وعربية وعالمية، وهي في حجم العمود في أغلب الأوقات, ويحيط بها إطار أسود مقسم أو في "شرط" سميكة، وتوقع باسم "العرب".
١٤- "العمل - تونسية":
تتبع جريدة "العمل" التونسية النصفية والتي أسسها الرئيس التونسي "الحبيب بورقيبة" نفس أسلوب صحيفة "السياسة" الكويتية, وبعض الصحف الحزبية في الوطن العربي مثل "الأحرار" في مصر, أي: إنها لا تنشر مقالة افتتاحية بأسلوب النشر التقليدي المعبر عن رأي الصحيفة، الغفل من التوقيع باسم المحرر، وإنما تعتبر أن محرر مقالها الرئيسي يعبر برأيه واسمه عن الصحيفة والحزب معا, وذلك في مقالتها التي تنشرها على العمود الأول من الصفحة الأولى وبطوله، ويجري توقيعها باسم محررها، وهي تحمل اسم "رسالة العمل" وتكون في أغلب الأحوال معبرة عن مواقف الحزب الذي تنطق باسمه وهو هنا "الحزب
стр. 93
الاشتراكي الدستوري" كما أن اهتمامها بالمسائل الداخلية واضح وقوي، وهي لا تغفل كذلك الأحداث العربية أحيانا، والعالمية في أوقات قليلة وأما عن أسلوب تحريرها فيغلب عليه الطابع التفسيري الذي يلقى بالأضواء الكشافة حول الخبر مجال المقال، والذي يقع داخل إطار طولي رقيق بحجم العمود وعرضه.
تدريب عملي " ٤ ":
- قم بدراسة تطبيقية للمقالات الافتتاحية التي تنشرها إحدى صحف بلدك خلال فترة شهر، واكتب تقريرا عنها مع تركيز خاص على أهم الخصائص والملامح المتصلة بها.
- قم بدراسة مقارنة للمقالات الافتتاحية التي تنشرها صحيفة عربية وطنية تصدر في بلدك وصحيفة عربية تصدر في بلد آخر, مع عناية خاصة بـ:
نوعيات المقالات الرئيسية -أهم اتجاهاتها- أهم خصائصها في التحرير والنشر.
- قم بمحاولة لكتابة ثلاثة مقالات افتتاحية مختلفة الطابع والنوعية، على أن تختار موضوعاتها من الموضوعات المحلية الهامة، وذلك استنادا إلى ما درسته مما يتصل بهذا الموضوع.
стр. 94
المبحث الثالث: المقال القائد الموقع
عند تناولنا للمقال الافتتاحي، قلنا إن فلسفته وإن طابعه وإن ظروف تحريره ونشره قد أدت إلى وجود عدد من الاتجاهات التحريرية من بينها الاتجاه الثاني بتعدد أشكاله وأساليبه، وكذا الاتجاه الثالث الذي يقوم عليه "الافتتاحيات البديلة"، وقد رفضنا هذا الاتجاه نحو اعتباره افتتاحية كاملة لمخالفته لهذه الفلسفة، التي نحرص على اتباعها وثبات التقاليد المرتبطة بها.
والآن نقول إن هذه النوعية من المقالات التي يكتبها رؤساء التحرير في معظم الأحوال وأعمها، بل في "أغلبيتها الساحقة"، هي التي يطلق عليها عن حق وصدق تعبير: "المقالات القائدة الموقعة".
- فهي قائدة؛ لأنها تقود أفكار وتدفع بهم إلى الفهم الكامل لما تتناوله، أو تقودهم نحو اتجاه فكري أو سياسي معين؛ ولأن كاتبها من قادة الفكر الصحفي في حدود الجريدة أو المجلة التي تنشر هذا المقال.
- وهي موقعة لأن اسم كاتبها -وهو هنا اسم رئيس التحرير- يتذيلها، وحيث لا توقع كما هو الحال بالنسبة للمقالات الافتتاحية رمزا أو نقطا أو باسم الصحيفة أو لا توقع على الإطلاق وإنما يشهد التوقيع بالاسم واللقب على طبيعتها الخاصة.
وإذن وعلى الرغم من أهمية هذه المقالات، والتي تكاد تلي أهمية المقالات الافتتاحية تماما، بل على الرغم من كوننا نرى أن بعضها يكون مقروءا أكثر من المقالات الافتتاحية نفسها بما يتوافر لها من عنوان حالي وساخن وجذاب، واسم رئيس التحرير وتصدر الصفحة الأولى وتفنن المخرج في إبرازها، كل ذلك إلى جانب حالية موضوعاتها وسخونتها وحيث تكون في أحيان كثيرة بداية إشارة لقضية هامة
стр. 95
أو هجوما على وضع خطير، أو تبشيرا باتجاه يفيد الجماهير، أو تناولا لمؤتمر أو مباحثات أو معاهدة أو اجتماعات لها وزنها وتأثيراتها، على الرغم من ذلك كله فإننا هنا نضعها في مكانها الصحيح، وحيث إنها مقالات قائدة نعم، موقعه باسم رئيس التحرير نعم، ولكنها ليست "افتتاحيات" بحال من الأحوال.
ومعنى ذلك أن هناك أكثر من هدف، وأكثر من وظيفة تقوم أمثال هذه المقالات بأدائها تماما كما أن هناك أكثر من دافع لوجودها ونشرها، ومن بينها على سبيل المثال:
١- أن دورها الأول ووظيفتها الأساسية هي القيام بمهمة "الافتتاحية" بالنسبة للصحف والمجلات التي لا تنشر الافتتاحيات، والتي درجت على ذلك، لسبب من الأسباب.
٢- فأما بالنسبة للصحف والمجلات التي درجت على نشر الافتتاحيات يوميا وبانتظام، فإنه يمثل في أيام نشره دور "الافتتاحية الثانية للصحيفة".
٣- وهو يعطي فرصة أخرى لعرض وجهة نظر ثانية أو رأي آخر أو موقف جديد، مما يضاعف من بروز جانب الرأي في الصحيفة، ويعمل على استقطاب أنظار وفكر قراء جدد لهم أهميتهم ومستوياتهم الفكرية المرتفعة.
٤- وهو يقدم لرئيس التحرير فرصة للتعريف بمرئياته ونظرته الخاصة إلى الأحداث دون تأثر كامل بسياسة الصحيفة أو خطتها العامة، وحيث يكون هذا المقال في أحيان كثيرة ممثلا للرباط القائم بين رئيس التحرير ككاتب، وبين قرائه، ومن هنا -ووسط مشاغل هؤلاء التي قد لا تتيح لهم كتابة أنواع المقالات الأخرى- نجد حرص رؤساء التحرير البالغ على كتابته كلما أتيحت لهم الفرصة إلى ذلك.
٥- وهو أيضا يقدم لرئيس التحرير فرصة الدفاع عن آرائه، ورد الهجوم الذي يكون قد تعرض إليه من كاتب آخر، أو صحيفة أخرى، أو حزب معارض، مع ملاحظة أن هذا الهجوم والرد لا يتناولان الأمور الشخصية، حيث لا يجوز ذلك، وإنما المسائل السياسية واهتمامات الجماهير وحركتها بشكل عام.
٦- وهو يخدم المسار الديمقراطي ويدعمه بما يقدمه من أفكار وما يعرضه من
стр. 96
آراء، وما يتناوله من أمور، خاصة بالنسبة للصحف الحكومية أو الرسمية، أو صحف البلاد النامية، وحيث تكون المقالة الافتتاحية في أغلب الأحوال موجهة، بشرط أن يستخدم رئيس التحرير حقه الكامل في الإعلان عن أفكاره وآرائه، وحيث تصطدم الآراء وتتعارض، وتأتلف وتتفرع بما يخدم التجربة الديموقراطية ويدعم حق المواطن في أن يعرف ما يدور في مجتمعه.
٧- وبعضها قد يؤدي وظيفة "منطاد الاختبار" أو بالوناته التي تطلق في الجو، وهي هنا لقياس مدى استجابة القراء، وانعكاساتهم بشأن قرار ينوي المسئولون اتخاذه، أو قانون يزمع هؤلاء إصداره، أو إجراء هام يفكر ولاة الأمر فيه، ويريدون معرفة نظرة الناس إليه وواضح أن ذلك يتم بالنسبة لصحف البلاد النامية، التي قد تحقق مثل هذه الاتجاهات بعض النتائج المستهدفة في أوساطها المتواضعة المستوى "سياسيا".
٨- المشاركة الإيجابية والفعالة والسريعة في قضايا الوطن بالفكر المستنير والرأي المخلص والقيام بدور رقابي متميز، من الصحيفة، على الأجهزة التنفيذية المختلفة وقراراتها وإجراءاتها المتصلة بمصالح الجماهير.
٩- التمهيد لحملة صحفية ما تقوم بها الصحيفة أو المجلة تأييدا وتعضيدا لقانون أو موقف أو قضية أو اتجاه، أو هجوما عليها أو على وضع من الأوضاع غير السوية، أو على جانب من الجوانب التي تهدد راحة الناس، أو وحدة المجتمع، على أن الأمر لا يقتصر على التمهيد لأمثال هذه الحملات فقط، وإنما المشاركة في مسيرتها، وربما كتابة "مقال الختام" بالنسبة لهذه الحملة.
١٠- على ألا ننسى في هذا المجال أن هذا المقال، كغيره من المقالات الصحفية، يقوم بالوظائف الهامة التي تقوم بها المقالات في مجموعها من أمثال: "الإعلام، الشرح والتفسير، التوجيه والإرشاد، التثقيف، التعليم، التنمية،" إلى آخر هذه الوظائف التي أشرنا إليها أكثر من مرة.
على أن لهذا المقال بعض الخصائص والملامح المميزة، والتي تتصل به أولا، وتدل عليه قبل أن تدل على غيره، حتى وإن شاركته فيها بعض أنواع المقالات الأخرى، ومن بينها:
стр. 97
- الجدة التامة والملاءمة للأحداث والقضايا الساخنة داخلية وخارجية.
- أنه مقال سياسي بالدرجة الأولى، وإن تناول من المسائل الداخلية ما يتناوله، إلا أن هذه أيضا يكون اتصالها وثيقا بالسياسة الداخلية، وربما يكون لها انعكاساتها وأبعادها الخارجية.
- من المفروض أن تكون حرية كاتبه كاملة، في التعبير عن ذاته ومرئياته ورؤيته الخاصة، ومن الطبيعي أن يستخدم هو هذا الحق، وأن يتمسك به تماما "بالنسبة للقضايا والمسائل العامة".
- ولكن الحرية هنا تقابلها "مسئوليته" الاجتماعية، ككاتب مرموق، أو كرئيس تحرير، أو كقائد فكر ومن هنا فإنه مثل محرر المقال الافتتاحي, يجب عليه أن يفكر مرتين:
أ- مرة في مسئوليته تجاه القراء والمجتمع بما يمكن أن يحدثه من تأثيرات وردود أفعال.
ب- ومرة في اسمه الذي رفعه القراء إلى هذه الدرجة، ومن السهولة بمكان، أن يهبط به هو نفسه -في حالات فقدانه لثقة الجماهير- إلى القاع، أو إلى أن يكون محررا عاديا مثل عشرات ومئات المحررين الآخرين.
- بل إن بالإمكان إضافة بعد آخر ينبغي أن يفكر فيه، وهو مصلحة الصحيفة واسمها وتاريخها والعاملين بها, قبل أن يقدم على عمل غير مسئول، حتى وإن اتصف بالشجاعة والإقدام.
- أن نشره قد يتم يوميا في الأوقات الساخنة, أو أوقات وقوع الأحداث الكبرى الهامة والخطيرة بحيث يتناول كل يوم حدثا من هذه الأحداث أو جانبا من حدث منها, كما أن النشر قد يكون من يوم لآخر، أو في حدود كل ثلاثة أو أربعة أيام، وربما ينقضي وقت طويل دون نشر مثل هذا المقال.
- أن من الممكن نشره على حلقات، خاصة إذا اتصل بمثل هذه الموضوعات أو بحملة صحفية كبيرة.
стр. 98
- المكان شبه الثابت في أغلب الأحوال، وهو على الصفحة الأولى من الصحيفة ما لم تشغلها أنباء في غاية الأهمية، وحتى في هذه الحالة فإن بعض كتابه يصر على موقفه وينال مبتغاه وهو النشر على "ص١".
- الطول المتوسط في أغلب الأحوال، وإن أخذ أحيانا شكلا عرضيا بحيث يشغل نصف الصفحة العلوي مثلا، أو شكل العمود في أحيان أخرى.
وبدون ذكر الأسماء، فمن الممكن القول إن أغلب رؤساء تحرير الصحف العربية يمارسون كتابة هذا اللون، خاصة عندما لا يكتبون العمود، أو أي مقال آخر وحيث يكون هو الجسر الذي يعبره رئيس التحرير إلى عقول قرائه, وفكر مجتمعه ولذلك فمن الممكن أن نطلق عليه اسم: "مقال رئيس التحرير أو من هم في مثل مستواه" في مواجهة المقال الافتتاحي الذي هو "مقال الصحيفة" أو "مقال هيئة التحرير" أو "مقال أسرة التحرير" وهكذا.
وذلك كله -في واقع الأمر- هو ما يدفعنا هنا، لكي نشير إلى بعض خصائص محرره، بالإضافة إلى إشاراتنا السابقة عنه، وذلك على النحو الذي اتبعناه بالنسبة لأغلب أنواع المقالات السابقة، أن من المفروض أن يكون محرره "١٠ نقاط فقط".
١- من أكثر المحررين ثقافة شمولية وموسوعية متكاملة، مع تركيز خاص على الجانب السياسي الخارجي والداخلي.
٢- أكثرهم علما بمجريات الأمور في بلده وما يتصل بأحوال سياستها الخارجية والداخلية، وما يمتد إليه ذلك من دراية بجوهر ومسببات ودلالات القرارات والإجراءات التي تتصل بهذه الأمور، وإلى حد معرفته بما لا يعرفه غيره منها، وبما يمكن اعتباره من الأسرار التي لا تعرفها إلا القلة القليلة جدا من أبناء البلد.
٣- من أكثر المحررين معرفة بأهم المصادر في بلده، خاصة تلك التي تعتبر في قمة السلطة السياسية أو التنفيذية أو التشريعية، وبكل من يتدخل بشكل أو بآخر في صنع القرار السياسي الخارجي والداخلي الهام.
٤- أن تكون صلته قوية للغاية بهؤلاء ومن هم دونهم مستوى، وأن يكون محل ثقتهم وتقديرهم.
стр. 99
٥- أن يكون رصيده من الثقة في نفوس قرائه وزملائه في العمل كبيرا.
٦- أن يكون على صلة ودية وإعلامية معا بأهم مصادر الأخبار الخارجية، وهؤلاء الذين يمكنهم تقديم المعلومات والمرئيات ووجهات النظر والتحليلات والتفسيرات وتطورات الأخبار المستمرة, لا سيما "قيادات وكالات الأنباء الخارجية العاملة في بلده أو التي تشترك فيها صحيفته، المراسلون الأجانب والعرب، بعض رؤساء التحرير وكبار الكتاب الخارجيين من العرب والأجانب، رؤساء تحرير الصحف الأجنبية الذين يتصادف وجودهم في بلده، المراسلون المتجولون العرب والأجانب، الصحفيون الذين يحضرون لتغطية الأحداث الهامة والساخنة التي تقع ببلده، بعض الزعماء والقادة والوزراء ممن لهم صلة قوية ببلده ورجاله وأحداثها، السفراء الأجانب والعرب، المستشارون الصحفيون والثقافيون بالسفارات الأجنبية والعربية ببلده، المحللون والمعلقون السياسيون بالإذاعة والتليفزيون الخاص ببلده أو الذين يراسلون الإذاعات العربية والأجنبية.... إلخ.
٧- ولكننا نقول هنا إن الصلة القوية لا تكفي وحدها للتعامل مع المصادر الأجنبية، وإنما ينبغي أن تكون في إطار قوي من الدراية بأساليب هؤلاء والخبرة بطرق التعامل معهم والمعرفة الكافية باتجاهاتهم، واليقظة هنا، والحيطة والحذر أيضا هي أمور واجبة تحتمها طبيعة عمله عامة، وتحريره لهذا المقال خاصة، وذلك في ضوء واقع المادة الأجنبية التي يمكن أن يقدمها هؤلاء وتكون متاحة لها، بما يمكن أن يكون مدسوسا عليها أو ممتزجا بها، أو تكون هي ستارا له من مادة تضر بمصالح الوطن والمواطن.
٨- أن يكون لرأيه اعتباره، ولوجهة نظره تقديرها في بلده، وبين أوساط صناع القرار، بل لماذا لا نقول إنه هو نفسه يكون من صناع القرار؟ أو الأحداث في هذا البلد؟ والأمثلة والنماذج المشرقة عديدة، على مستوى صحافتنا المصرية أو صحافتنا العربية أو الصحافة العالمية.
٩- أن يكون على درجة عالية من الخبرة بأساليب التحرير والبيان الصحفي، له قلمه المعروف وأسلوبه المتميز، ودرجة سيطرته الكافية على لغته العربية، وعلى لغة أجنبية أو أكثر، بحيث يتيح له ذلك كله ألوان القراءة والاستماع والمتابعة والمناقشة، ثم التعبير الصحيح والواضح، بما يتصل به من "بلاغة صحفية".
стр. 100
١٠- أن يكون على درجة عالية من الخبرة بالعمل الصحفي، وما يتصل به من أمور فنية ومهنية، وأن يجيد القيام بدور رئيس الفريق، أو الموجه له، لأن إعداد هذا المقال -في أحوال كثيرة- يتطلب تعاونا كبيرا بينه وبين الآخرين، وجانبا هاما من جوانب عمل الفريق، خاصة بالنسبة للصحف الأجنبية.
ولكن: ماذا عن أساليب تحرير هذا النوع الهام من أنواع المقالات الصحفية، الذي قلنا إنه يلي المقال الافتتاحي أهمية؟ بل وربما تعنى به بعض الصحف أكثر من عنايتها بالمقال الافتتاحي نفسه بوصفه "مقال رئيس التحرير ومن هم في مستواه"، في أغلب الأحوال وأعمها، أو باعتباره افتتاحية الصحف التي ليست لها افتتاحية؟
ذلك أنه على الرغم من أن حصيلة كتاب هذا النوع من أنواع المقالات من التجارب والخبرات والممارسات تضعهم على درجة عالية من المهارة والكفاءة، والتي تجعل من أساليب تحريرها أساليب إبداعية بالدرجة الأولى، تعكس هذه الإمكانيات كلها، وتجعل باستطاعتهم التغيير والتعديل والتبديل والوصول إلى أساليب جديدة أو متجددة، وإلى أفكار كتابية فريدة، على الرغم من ذلك فقد أمكنني حصر عدد من هذه الأساليب نفسها، مما يتبعه عدد من الكتاب العرب والأجانب:
- أما عن العنوان فإن أشهر اتجاهات تحريره من حيث الشكل والمضمون واللغة -معا- فهي:
- الاتجاه الأول الذي يتبعه بعض رؤساء التحرير أو من هم في مستواهم من كتابة عنوان ثابت لا يتغير، يكتبون تحته مقالاتهم القائدة الموقعة، يليه عنوان خاص بالمقالة نفسها يتغير من مقالة لأخرى، ولا يعني هذا أن مقالنا القائد يكتب يوميا مثله في ذلك مثل المقال الافتتاحي، ولكنه حين يكتب فإنه يكون تحت هذا العنوان الثابت والآخر المتغير بتغير المقالة.
- والاتجاه الثاني الذي يكتفى فيه بالعنوان الأول الثابت الشمولي الذي يرتفع فوق هذه المقالات حين نشرها.
- والاتجاه الثالث لا يكون للمقال فيه عنوانه الثابت، وإنما المتغير من مقال إلى مقال، الدال على مضمونه ومحتواه ومادته، ولعل هذا الاتجاه الأخير يكون من أكثرها استخداما.
стр. 101
ولكنه في جميع الأحوال، العنوان القصير الواضح، والأكثر جاذبية ولفتا لأنظار القراء من غيره من عنوانات المقالات، والذي يظهر فيه شخصية كاتبه وأسلوبه في التعبير، كما دلت الدراسات على أن أكثر أنواع هذه العنوانات استخداما هي: "العنوانات المتغيرة هنا".
- العنوان الاستفهامي.
- العنوان المبرز لفكرة أو زاوية.
- العنوان الوصفي.
- العنوان الإنشائي أو المثير.
- عنوان الجملة المقتبسة.
- عنوان الآية القرآنية أو الحديث الشريف أو الحكمة أو القول المأثور.
- فإذا كان طول المقال يسمح، والمساحة المتاحة تتسع، فإنه يلي العنوان الثابت وحده أو الثابت والمتغير مقدمة قصيرة، تعتبر بمثابة مدخل أو تمهيد لمادة المقال أو موضوعه الأساسي وهذه المقدمة هي في أغلب الأحوال تشبه -من حيث النوعية- أنواع العنوانات السابقة، ولكن يتقدمها جميعها "المقدمة الخبرية" أو "الإخبارية" التي تربط القارئ بالخبر الأساسي الذي يدور حول المقال، وتقيم جسرا بينه وبين فكرته الأساسية كما قد تكون أيضا "مقدمة المختصر" التي تقدم أهم وقائع واتجاهات وأفكار الموضوع الأساسي الذي سوف يتناوله المقال، أو الفقرات والسطور التالية لها، وهناك -ثالثا- "المقدمة الساخنة"، وهي تصلح لبعض المقالات ذات الطابع الهجومي، مع ملاحظة هامة، تلك هي أن مقدمة بعض المقالات قد تكون مختصرة إلى أقصى حد، بحيث لا يلحظها القارئ، وهو أسلوب من الأساليب الفنية المتبعة، والتي تتلاءم مع بعض اتجاهات كتابات المادة نفسها خاصة "المقال الحواري".
وأما عن مادة المقال ووقائعه وشواهده فإن أبرز الأطر والقوالب الفنية التي يتبعها كتابهو والتي تشبه في أحيان كثيرة قوالب تحرير المقال الصحفي العام، فهي:
١- قالب العرض.
٢- قالب الوصف.
٣- قالب الضوء الخلفي.
стр. 102
٤- قالب الضوء التركيزي على فكرة أو جانب.
٥- القالب التاريخي.
٦- قالب الفقرات القصيرة "المدخنة".
٧- قال الأنموذج الآخر "ما هنالك".
٨- القالب الهجومي.
٩- قالب الحملة "حملة الكاتب الواحد".
١٠- القالب المقارن.
١١- القالب الحواري.
١٢- قالب السؤال والجواب.
١٣- القالب النقدي.
١٤- القالب المختلط.
١٥- القوالب الإبداعية والابتكارية "كثيرة ومتعددة ومتجددة أيضا".
"ماذا تعني هذه القوالب في مجموعها وما هي أبرز ملامح كل منها؟ ".
- وأما عن النتيجة أو الخاتمة من المقال، فما قيل عن المقدمة يقال عنها أيضا، أي: إن كتابتها من عدم كتابتها مسألة تتصل بحجم المقال، والمساحة المتاحة لنشره ورغبة الكاتب ورؤيته الخاصة, وفي حالة وجود مثل هذه النهاية فهي تكون في أحيان كثيرة إحدى هذه النهايات:
- النهاية المبرزة للفكرة الأساسية من المقال.
- النهاية التذكيرية بجانب هام من جوانبه.
- نهاية التصريح الهام المؤيد لأفكار المقال الأساسية.
- نهاية الدعوة إلى موقف أو عمل ما.
- النهاية الإنشائية "نهاية العبارة القوية أو المتفجرة".
- النهاية المستترة, أو الممتزجة مع سطور المقال الأخيرة.
стр. 103
تدريب عملي " ٥ ":
- ادرس المقالات القائدة الموقعة في صحف ومجلات بلدك لمدة شهر, وحاول أن تحدد أهم ملامح تحرير عنواناتها ومادتها التحريرية.
- يعتبر مقال الكاتب إحسان عبد القدوس في مجلة أكتوبر المصرية من أفضل المقالات التي تتبع "القالب الحواري" ادرس هذا المقال لفترة ثلاثة شهور مستخلصا النتائج الهامة مع تركيز خاص على: الأفكار الأساسية, طبيعة الحوار ولغته, جانب الخاتمة.
- أجب بطريقة تطبيقية كلما أمكن ذلك: "وهكذا تقع أهم الفروق بين المقال الافتتاحي والمقال القائد الموقع".
стр. 104
المبحث الرابع: مقال التعليق
"أ"
ولأن الإعلام بفنونه وأجناسه وأطره وأشكاله يتجدد باستمرار، ويتطور دائمًا ولا يبقى على حاله طويلًا، فقد جدت فنون عديدة، واستحدثت أنماط جديدة وأصبح هناك واقع إعلامي اتصالي عام، وصحفي خاص، وتحريري على وجه الدقة تبرز فيه فنون وأطر مختلفة عن تلك التي عرفتها وسائل النشر السابقة على معرفة الطباعة، أو تلك التي كانت معروفة منذ قرن أن نصف قرن من الزمان, تدفع إليها وتؤكدها الحاجة الصحفية المتزايدة إلى تقديم أكثر "عصرية"، وأكثر انسجامًا مع واقع "القارئ الجديد" ومع المرحلة الصحفية نفسها, ولا بأس هنا من أن يكون لوسائل الإعلام في مجموعها دورها المتنافس ثم المتكامل، والذي تتأثر فيه فنون إذاعية وتليفزيونية بأخرى صحفية والعكس صحيح أيضًا.
هكذا جاءت نشأة "مقال التعليق الصحفي" من خلال حاجة الصحيفة المتزايدة إلى تقديم ما هو أكثر من مجرد الخبر العادي، الذي يكون القارئ قد استمع إليه في إذاعة الأمس, وتكرر على أذنه في نشرة الصباح قبل أن تصل إلى يديه -بطريقة ما- صحيفته, وحتى إذا لم يكن قد استمع إليه أو شاهده في نشرة الأنباء المصورة، فإن دائرة الأخبار المسرعة وتزاحمها الكبير، وكثرة الأحداث وتلاحمها، وتشابكها وإلى حد الغموض أحيانًا، وإلى حد توجيه الأخبار وجهات معينة أو تصنيعها، أو "دس" ألوان الأخبار المغرضة والمريضة بين أعمدتها، كل ذلك جعل الحاجة ماسة في عالم اليوم اللاهث القلق المستغل المتصارع إلى استعانة المحرر الصحفي ببعض الأساليب الإذاعية والتليفزيونية -على طريق التكامل بين هذه الأجهزة- ومن بينها هذا النوع من المقالات الصحفية.
"ب"
ومعنى ذلك أن "مقال التعليق الصحفي" يحقق عدة وظائف هامة من وظائف
стр. 105
الصحافة الحديثة بوصفها مدرسة للشعب أو الشعوب عامة، وأهم هذه الوظائف العمل على تكوين رأي عام واع، والمساهمة في دعم المجتمع الديموقراطي، وتحقيق الفهم العام والمشترك لقضايا الوطن الداخلية والخارجية، وذلك فضلا عن الوظائف التقليدية للمقال، وعن طريقها أيضا وهي هنا "الإعلام، الشرح والتفسير، التوجيه والإرشاد، التثقيف، تنمية المجتمع، مواجهة الدعاية المضادة لأجهزة إعلام العدو.. إلخ".
وفي أسلوب جديد لتوضيح ماهية هذا النوع من المقالات نقول إنه -عمليا وتطبيقيا- يعني:
- اختيار خبر هام جدا وساخن للغاية وما يزال في قمة سخونته.
- ولكن الأهمية والسخونة وحدهما لا يكفيان وإنما يشعر المحرر المسئول بحاسته الصحفية والإخبارية والجماهيرية -معا- أن هذا الخبر على الرغم من أهميته وسخونته:
- تكتنفه ظلال من الشك في بعض جوانبه أو فيه كله.
- أحداثه متشابكة ومتلاحمة بحيث يصعب متابعتها.
- له مقدماته وجذوره التي أدت إلى صورته الحالية الساخنة.
- يتطلب رأيا لمحرر أو وجهة نظر لكاتب متخصص تفسره وتبرز جوانب الإيجاب والسلب فيه.
- تتصل به معلومات أساسية وهامة تزيده وضوحا واكتمالا, ولكن المساحة المتاحة خلال هذه الطبعة أو طبعات أخرى لم تمكن من إضافتها إليه.
- التعليق عليه سوف يقوم بتكراره ويقدم جوانب أهميته من زوايا جديدة تستقطب أضعاف قرائه، أو قراء هذا الخبر في صورته الإخبارية البحتة.
- استكمال معقول لأبرز المعلومات المتصلة به دون إسراف في ذلك أو إسهاب.
- الكشف عما يمكن أن يكون مستترا وراء الخبر من أهداف أو اتجاهات مغرضة
стр. 106
أو مريضة خاصة إذا كان الخبر قادما من وكالة أنباء معادية، أو لها مواقف سابقة تؤخذ عليها.
- ابداء الرأي في وقائع الخبر وتفصيلاته ونتائجه واحتمالات تطوراته الحالية والمستقبلة, والتحرز في ذلك واتخاذ جوانب الحيطة بقدر الإمكان خاصة بالنسبة للأحداث الهامة أو الاستشهاد بكلمات كبار المسئولين أو تصريحاتهم أو تعليقاتهم.
- إبراز أسلوب كاتبه في التفكير وطرح الرأي ومناقشته ومقارعة الحجة بالحجة وتقديم الشواهد والأمثلة المؤيدة لوجهة نظره.
- اهتمام أكبر بالإجابة على أداتي الاستفهام: "كيف - لماذا؟ " من خلال وجهة نظر الكاتب.
"جـ"
أنتجت الحياة الحديثة بكل صخبها وضجيجها ومطامع دولها وألوان تسليحها, ونزاع أممها، أنتجت هذا اللون المقالي الصحفي الإذاعي أصلا، ومع تعدد الصور والمشاهد المتشابكة والمريرة والمستعصية على فهم كثير من القراء، أصبح هذا المقال وعلى حد تعبير القائل: "من أهم واجبات الصحافة حتى يستنير القراء, ويقفوا على حقيقة مجريات الأمور"١، وكان لا بد -تبعا لهذا الاهتمام- أن تتعدد أساليب كتابه وأن تتنوع اتجاهاتهم وأن يدخل إليها التجديد والابتكار من أجل جذب القراء إلى هذه المادة الهامة, إذ ما فائدة خبر لا يستطيع القارئ العادي أن يفهمه تماما, وأن يدرك جوانبه وأبعاده لا سيما بعد ظهور أساليب وكالات الأنباء واتجاهات بعضها الاستعمارية، ووضعها "السم في العسل" كما يقولون، إلى جانب تيارات "الأنباء الموجهة" والمفبركة وغير الدقيقة "المصنعة وغير الحقيقية".
على أنه مهما تعددت الأساليب والاتجاهات فإن على كاتب مقال التعليق٢ أن يضع نصب عينيه وأن يتذكر جيدا:
стр. 107
- أن أساس نجاحه الأول يقوم على قدرته في مجال تنفيذ عنصر "الاختيار" ونعني به هنا اختيار ما ينبغي التعليق عليه، وما يستحق، وما يستأهل، وفي ذلك يقول القائل: "إن اختيار الخبر الذي يحتاج إلى تحليل أو تعليق أصعب بكثير من جمع الخبر نفسه"١.
- أنه إذا كان عدد من المحررين يقول إن مقال التعليق قد يكون -في بعض الأوقات- أهم من الخبر الأساسي الذي يتناوله، فإن هذا القول يعتبر على جانب كبير من الصواب وذلك من أجل:
- أنه يعيد نشر الخبر فيطالعه من لم تسبق له رؤيته، مثله في ذلك مثل مقالات أخرى كثيرة.
- فإذا كانت قد سبقت رؤيته بالنسبة لبعض القراء، ففي إعادة قراءته فائدة أيضا.
- أنه يكون أكثر أهمية بالنسبة لظروف وأحوال القارئ العربي.
- أنه يوسع من دائرة الفائدة المتحققة من خلال قيام التعليق بوظائف عديدة سبق ذكرها.
- أنه يلفت نظر المحررين الآخرين إلى أهمية تناول الخبر في أشكال وأطر فنية أخرى.
- ومعنى ذلك كله مسئولية مضاعفة بالنسبة لكتاب مقالات التعليق العرب.
- أن على كاتبه أن يذكر أنه ليس مخبرا، وأنه لا يعظ، ولا يصدر تعليمات إلى القراء ومن ثم فإن الهدف هو الفهم الكامل والواضح للأخبار وما وراء الأخبار.
- أن على كاتبه ألا يتوقف عند حد تقديم المعلومات المفسرة والموضحة، وإنما يخلط بين الخبر، وبين هذه المعلومات من جانب وبين الرأي من جانب آخر، وإلا أصبح مقاله تفسيرا وليس تعليقا مما سيرد ذكره بعد قليل.
стр. 108
- أي: إن من حقه أن يوافق وأن يعترض، موافقة كاملة أو منقوصة، أو اعتراضا يرتكز إلى وقائع وحقائق، كما أن من حقه أن يفند الخبر تفنيدا كاملا يحول بينه وبين التسلل إلى عقول القراء.
- أن عليه أن يعرف أن مهمة مقال التعليق الأولي هي: "تنوير القارئ" وما يتصل بذلك من توجيهه الوجهة السليمة، ومساعدته على تلمس الطريق، وتوضيح معالمه خاصة عندما في مجال السياسة الخارجية.
- أن يبذل المحرر عنايته لمراعاة "صالح المجتمع" ومثله وقيمه وتقاليده وكذا "الأيديولوجيات" التي تسود مجتمعه.
- كل ذلك بمراعاة أن تكون "المناقشة" والمناقشة وحدها هي الخيط الأساسي الذي يربط به مقاله من أوله إلى آخره، وأن يكون الرأي هو العنصر الأساسي الذي يرتبط به هذا الخيط ارتباطا شديدا.
"د"
وللطلاب والمتدربين والمعلقين والمحررين الجدد في بلاط صاحب الجلالة, وبالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه، نقول إن تحرير مقال التعليق يمر بعدة خطوات -على طريق التعريف به- هي:
١- فرز المحصول اليومي المتجمع للأخبار الهامة فرزا دقيقا يلمح أبعاد أهميتها وجوانب خطورتها، ثم تصفيتها إلى عدد قليل جدا من الأخبار الجديرة بالتناول.
٢- اختيار خبرين منها يكون في حاجة إلى مثل هذا التعليق، ووضع محرر كبير في الصورة بالنسبة لاختيار أحدهما للتعليق عليه، كرئيس أو مدير التحرير أو نائب رئيس التحرير أو محرر خبير ممارس, أما إذا كان أحد هؤلاء هو الذي يقوم بتصفية الأخبار واختيار الصالح منها, فإنه يركز هنا على خبر واحد فقط لا جدال في أهميته، ويشك في صحته أو صحة جزء منه وتكون له مقدماته ونتائجه الخطيرة.
٣- وبعد الاتفاق على اختيار الخبر يقوم المحرر بقراءته مرة أخرى قراءة هادئة متأنية ودقيقة، بحيث تمتزج عنده وتختلط في فكره بأخبار ووقائع سابقة مماثلة أو
стр. 109
من نفس المصدر أو الحقل ولها نفس الصفات والرائحة والخصائص أيضا.
٤- ولا بأس خلال هذه الخطوة من الاستعانة بما ذكرته مصادر أخرى مثل الصحف أو وكالات الأنباء أو الإذاعات، كلها أو بعضها مع أهمية التنوع بينها، حيث يقوم المحرر وهو على نفس الدرجة من اليقظة والوعي بعقد مقارنة سريعة بين أبرز سمات هذا الخبر نفسه وأهم ملامحه كما جاءت في هذه الوسائل وحيث يقوده ذلك، وهو في دائرة الشك المعلنة عن إيجابيته، يقوده إلى:
- أهم جوانب الاتفاق والاختلاف ودرجات ذلك شدة أو ضعفا.
- معناها الظاهر ومعناها المستتر.
- ما يمكن أن تتضمنه من جوانب خافية أخرى.
- أسباب ذلك.
٥- ويساعده على ذلك، إلى جانب خبرته وممارسته وحسه التاريخي والصحفي وفهمه لطرق وأساليب التعامل مع هذه المصادر -خاصة وكالات الأنباء- يساعده مقال سابق لمعلق كبير، أو تقرير هام قام بتوزيعه المكتب الصحفي لإحدى السفارات أو وقائع مؤتمر صحفي يكون قد حضره، أو خطاب يتصل بموضوعه، أو كتاب جديد يتناول هذه النقطة، يساعده ذلك كله في تبين الصحيح من الفاسد والصادق من الكاذب والصالح من الطالح، وتبين أسبابه أيضا.
٦- على أن من الأهمية هنا، أن تمتد نظرة المحرر إلى الصحف والمجلات الأخرى التي يمكن أن تسبق بتناوله ليرى موقفها منه، ويخلط بين هذه المواقف وبين اتجاهات هذه الصحف والمجلات وبين النتائج التي توصلت إليها، حيث يكون لذلك أثره في تقرير نتائجه هو، استنادا إلى المقدمات السابقة.
٧- على أن يمتد ذلك كله إلى توقفه عند كلمات بعينها، وأفكار دون أخرى، ونتيجة قبل نتيجة، ليسأل نفسه دائما عن السبب، سبب النجاح أو الفشل أو قلة الأصوات أو مقاطعة الانتخابات أو انسحاب المرشح أو قيام المظاهرة أو اندلاع الحريق أو اللجوء إلى العنف أو سفر الوزير المفاجئ أو اجتماع الوزارة على غير موعد أو إلغاء الاحتفال أو الاجتماع، وما إلى ذلك كله.
стр. 110
٨- وبينما يفعل المحرر ذلك كله، وبينما يستعين بهذه الأفكار والمقارنات والشواهد ويتوقف عندها طويلا ويفكر فيها مرة ومرة في ضوء تفكير الآخرين، وجوهر الخبر وكلماته -معا- بينما يفعل كل ذلك يمكنه من آن لآخر.
- تسجيل مشروع العنوان غير الثابت، إن كان التعليق يكتب بصفة يومية.
- تسجيل أهم العناصر -باختصار شديد وفي كلمات- التي سوف يتناولها.
- أهم وأبرز جوانب التعليق "ما يمكن أن يسأل القراء عن حقيقته.
- النتيجة الأساسية وما يمكن أن تسفر عنها من نتائج أقل أثرا وقيمه.
٩- حتى إذا أتم ذلك كله، كان عليه أن يقوم لكتابة تعليقه، وقد يستعين هنا بخبر قديم أو رأي أو تحليل سابق، يطلبه من مركز المعلومات، ثم وبعد كتابة العنوان الدال المعبر، وهو هنا يكاد يتركز في العنوانات التالية: "الاستفهامي, الوصفي, الجملة المقتبسة, المباشر, الرد المباشر".
- يقوم بذكر مختصر للخبر يطلع القراء عليه ويذكرهم به.
- ينتقل إلى أهم فكرة استطاع أن يضع يده عليها.
- يبين مصدر الشك فيها أو الغموض في بعض جوانبها، أو فيها كلها.
- يوضح دلالات هذا الشك وأسبابه من وجهة نظره وما الذي أراده واضعوه على هذا النحو.
- يشير إلى معنى ذلك، وما الذي يمكن أن يسفر عنه من نتائج عاجلة أو سريعة أو مستقبلية على المدى البعيد أو القصير، مباشرة أو غير مباشرة.
- يركز على النتيجة النهائية والدلالة الأساسية والأولى, وما يمكن أن ينبثق أو يتفرع عنها.
١٠- على ألا ينسى -خلال ذلك كله- القواعد التحريرية الهامة التي تتناسب وطابع هذا المقال وطبيعة قراءه وصفحته، ودواعي نشره أيضا وهي:
- المناقشة الهادئة الرزينة والأسلوب المقنع.