← Адаб

Адаб · id 10543

فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق المقال الصحفي

محمود أدهم

Полный текст (353 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

باستدراج كاتب عمود آخر لكي يرد عليه، ويدلي بدلوه بشأن موقف أو قضية هامة آثارها. ٤٤- ويتبعه -حتما- أسلوب الرد على مقال الكاتب الزميل مؤيدا أو معارضا، أو نصف مؤيد، أو معارضا لبعض ما جاء في هذا المقال وليس جميع ما جاء فيه. ٤٥- الأسلوب "الحكمي" بفتح الحاء والكاف، والذي يقوم فيه المحرر بدور الحكم أو القاضي النزيه والموضوعي والمحايد بين موقفين أو اتجاهين أو وجهتي نظر بشأن قضية أدبية أو اجتماعية أو سياسية هامة بحيث يعرض -في نزاهة- لوجهتي النظر ويقدم رأيه ومبررات أو "حيثيات" الحكم أو الوقوف إلى جانب طرف ضد آخر. ٤٦- طريقة تقسيم الموضوع إلى عناصر.. يستقل كل عنصر منها بفقرة قصيرة مكونة من عدة جمل أو عبارات بحيث تبدأ بكلمة مجموعة ببنط أكبر أو بكرة سوداء أو بكرتين أو بمربع، بحيث يسهل على القارئ تتبع هذه العناصر والوقوف عند كل عنصر منها على حدة لالتقاط أنفساه واستيعاب ما جاء به قبل أن يبدأ قراءة العنصر التالي الذي تعبر عنه الفقرة التالية. ٤٧- الطريقة التي يغلب عليها طابع "الاعتراف".. أي: اعتراف المحرر بعمل قام به أما وهو غير مطمئن إليه، أو على غير رغبته أو هواه، أو رغما عنه.. بحيث يبدو وكأنه يشكو إلى صديق عزيز أو أصدقاء أعزاء ما قدمت يداه. ٤٩- الطريقة التي يركز فيها كاتب العمود على دعوة القراء إلى موقف ما أو دعوتهم إلى القيام بعمل معين بهدف تحسين حال مرفق من المرافق المتصلة بهم أو القيام بجهد ذاتي لاتمام مشروع ما دون اعتماد على السلطات، أو إلى موقف معارض لطائفة من طوائف التجار أو المهنيين.. وغيرها. ٥٠- طريقة "السوط" وفيها يقوم المحرر بالهجوم الساخن والملتهب والسريع الذي يستمر مقالا واحدا.. على وضع من الأوضاع غير السليمة، أو على جانب من جوانب السلب أو الثغرات القائمة، بحيث يحدث هذا الهجوم مثل فرقعة "الكرباج"

стр. 177

ولكنها ليست فرقعة في الهواء، وإنما فرقعة سريعة وموجعة ومؤثرة١. ثالثا: في تحرير خاتمة العمود أو نهايته على الرغم من أهمية "النهاية" أو "الخاتمة" بالنسبة لمواد وفنون وأنماط التحرير الصحفي الأخرى عامة، وللمقالات المطولة خاصة، إلا أن الموقف يختلف بشأن نهاية مقال العمود أو العمود المقالي، وحيث نجد أنفسنا أمام أكثر من صورة تتصل جميعها بتحرير هذه "الوحدة الفنية التحريرية النهائية" ما هي هذه الصورة؟ وما هي أهم معالمها؟ أ- فحيث يكون المقال قصيرا جدا، ويتكون من مجرد عدة عبارات أو جمل على النحو الذي نشهده في أعمدة عديدة يصعب أن توجد نهاية، بل يصعب رصد مثل هذه التقسيمات إلى وحدات فنية أصلا. ب- وأما المقالات الأكثر طولا من النوع السابق -دون أن تقفز فوق حدود المساحة المحددة للعمود نفسه- فإن محررها يستخدم أحيانا بعض النهايات ولكنها تكون في أغلبها ذات ثلاثة أنواع هي: - النهاية المستترة أي: التي لا تظهر كوحدة متميزة وإنما مختلطة ومستترة خلف سطور المقال النهائية. - نهاية الدعوة إلى موقف أو عمل التي تمثل السطور الأخيرة من العمود. - النهاية المؤكدة.. التي تكرر وتركز على بعض ما جاء في النص على سبيل تأكيده وتثبيته في كلمات قليلة جدا ومركزة للغاية. جـ- وأما المقالات التي درج كتابها على أن تكون أكثر طولا -وإن كانت في حدود الأعمدة أيضا- وحيث تشغل عمود الصفحة كلها أحيانا، أو أكثر سطور هذا العمود

стр. 178

-كأعمدة جلال الدين الحمامصي ومحسن محمد وكامل زهيري- فمن السهل رصد هذه الوحدات الفنية بين سطورها وكلماتها.. ومن السهولة أيضا تتبع نهاياتها وأنواعها.. حيث تكون بالإضافة إلى الأنواع الثلاثة السابقة: - النهاية الإنشائية: والمكونة من عبارات إنشائية وشاعرية رقيقة تهدف إلى إحداث قدر من التأثير المعنوي على القراء وتسمى أيضا نهاية "العبارة القوية أو المتفجرة". - النهاية المبرزة للفكرة الأساسية من المقال. - النهاية التوقعية أو التنبؤية: التي يتوقع فيها الكاتب نتيجة معينة قياسا إلى مقدمات معينة. - النهاية الاستدراجية: التي يقوم المحرر فيها باستدراج محرر آخر أو مسئول للرد عليه. - النهاية المختلطة: فقد تكون مبرزة وإنشائية، أو مؤكدة واستدراجية وهكذا. رابعا: إضافات تحريرية على أننا في نهاية حديثنا عن العمود الصحفي، أو مقال العمود وتحريره، إنما نتوقف قليلا عند عدد من الإضافات والملاحظات التحريرية الهامة، تلك التي ترتبط به وبمحرره وبأساليب تحريره عن قرب، نقول عنها باختصار شديد جدا: ١- أنه إذا كنا قد قدمنا عددا من الأساليب والأفكار التحريرية الخاصة بالأعمدة المختلفة فإن هذا الذي قدمناه ليس بأكثر من عدد من الأمثلة والنماذج، بعضها عادي، وبعضها طيب المستوى، ولكننا قدمناها هنا لتؤدي دور المثال "التدريبي"، وقد تقدم فائدة في شحذ الأذهان، وتحريك العقول، والمساعدة على تنمية القدرات المختلفة المتصلة بهذا المجال، دون أن نقول إننا قدمنا حصرا لهذه الأساليب أو الأفكار أو أحطنا بها جميعا؛ لأنها عمل إبداعي ابتكاري بالدرجة الأولى، أي: لا يمكن تقنينه تقنينا كاملا، أو حصره حصرا دقيقا.

стр. 179

٢- ومن ثم فإننا نقول إننا سوف نعود -بإذن الله- إلى مثل هذا التناول لأفكار هذه المقالات.. ولغيرها، عندما تتاح لنا فرصة تقديمها، وتقديم الاتجاهات الجديدة في تحريرها في غير هذا الموضع بإذن الله. ٣- أن من أهم الأمور، ومما يتصل بتحرير هذا النمط المقالي، أن يحصر الكاتب نفسه ويحدد فكره ملتزما بطابع العمود الصحفي، وبمساحته؛ لأنه لا يكتب هنا مقالة قائدة موقعة أو مقالا صحفيا عاديا أو مقالا تحليليا مما لا يرتبط بطابع معين أو مساحة محددة، وإنما يكتب مقالا له طابعه ومساحته وأهدافه وفلسفته، وجميعها ترتبط ببعضها وتنبثق عن حاجة القراء السريعة، وإيقاع العصر اللاهث والمواءمة بين ذلك كله، وبين أغراض هذا المقال وأفكاره. ٤- على أنه في جميع الأحوال، ومهما كان طابع المقال، أو كان مجاله، أو الحقل الذي يضرب فيه، أو الموضوع الذي يتناوله، فإن تحريره عامة، ولغته خاصة ينبغي أن تتصف بهذه الخصائص: - ما يتصل بمقدرة المحرر اللغوية "صحة اللغة". - ما يتصل بقدرته التعبيرية وبلاغته الصحفية "جمال الأسلوب وحسن اختيار الألفاظ". - ما يتصل بالربط بين الفكرة التحريرية ونوعية الموضوع ومادته.. أي: تقديم الأسلوب والطريقة التحريرية المناسبة للموضوع الذي يتناوله المحرر وعلى طريقة "لكل مقام مقال". - ما يتصل بعنصر التنوع في طرق التحرير من يوم ليوم وأسبوع لأسبوع. - ما يتصل بذاتية المحرر، وأهمية إبراز فكره وقراءاته ومرئياته وشخصيته وأسلوبه الخاص. - وضوح الكلمات وسهولة العبارة وقصرها ودقتها وإيجازها غير المخل والمتجه إلى الهدف مباشرة.

стр. 180

- روح الفكاهة والسخرية والأسلوب التهكمي.. خاصة إذا كان طابع المقال يسمح بذلك. - الاستعانة بآيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والحكم المأثورة، والأمثال السائرة والاستشهاد بأقوال كبار الساسة وقادة الرأي والفكر. - والاختلاف والتنوع هنا لا يعنيان ألا يكون لمحرر العمود أسلوبه الخاص، أو طريقته التي يعرف بها والتي لا تختلط بأساليب أو طرق غيره من الكتاب، وإنما يقصد بهما -الاختلاف والتنوع- أن يتما داخل هذا الإطار "الذاتي"، وبالتفاعل الكامل معه فأنا أغير طريقة كتابتي من يوم لآخر أو من أسبوع لأسبوع دون أن أبتعد تماما عن ملامح كتابتي الخاصة، وأسلوب الذاتي الذي عرفت به، وأعرف به أيضا. - وإذا كان البعض يحب أن يختتم عموده ببعض الكلمات، أو بعبارة متميزة من عنده أو عند غيره تكون قصيرة وساخنة ولاذعة، أو مثل "وخز" الدبوس أو "إبر النحل" فإنه ينبغي حسن اختيارها لتحقق الهدف من وجودها، وألا تكون كثيرة العدد، وإلى الحد الذي يجعلها تحتل مساحة أكبر من مساحة المادة الأساسية المقالية نفسها، كما أن في الفصل بينها وبين هذه المادة بعض ما يساعد على قراءتها ويربط بينها وبين أذهان القراء.. وهكذا. - وأن تكون اللغة الغالبة هي لغة الصديق، وأن يكون هذا الصديق هو الذي يتحدث دائما إلى صديق آخر، بل وصديق عزيز أيضا، وليس مجرد قارئ وحسب. على أن النماذج التحريرية التي سوف نقدمها، سوف تزيد الأمر وضوحا، وتجعله أقرب إلى الأذهان.

стр. 181

تدريب عملي "٦": ١- اختر عشرة من العنوانات الثابتة التي تصلح لترتفع فوق مقالات عمودية عامة. ٢- في حدود ثلاثين سطرا اكتب مقالة قصيرة تنتهي بهذه العبارة "وكان هذا هو أغرب خطاب وصلني في حياتي". ٣- وفي حدود نفس هذا العدد من السطور اكتب مقالة قصيرة بعنوان "رجل في ذاكرتي". ٤- تناول خمسة من كتاب الأعمدة في صحافة بلدك بالدراسة, محددا أهم خصائص أعمدتهم من خلال دراسة تطبيقية على صفحات الجرائد الوطنية لمدة شهر.

стр. 182

المبحث السابع: اليوميات مدخل ... المبحث السابع: اليوميات عندما تذكر كلمة "المقال الصحفي".. على اتساع معناه وتشعب أنواعه، يتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر عدة أنواع بعينها من هذه المقالات في مقدمتها "المثال الصحفي العام، ويليه "المقال العمودي".. بينما تأتي "اليوميات" ثالثا.. أو ثالثة هذه الأنواع.. وبعدها تأتي أنواع المقالات الصحفية الأخرى١. واليوميات أو "مقال اليوميات الصحفية" هو الصورة الثالثة، الظاهرة، والمسيطرة على صحافة اليوم.. بعد المقال العام، والمقال العمودي، بل إنها من أكثر مظاهر "المقالات الجديدة" منذ عرفت صحافة القرن التاسع عشر هذه المادة على المستوى الصحفي لا الأدبي، مرتبطة بخصائصها المميزة التي جعلت الفرق ظاهرا، والمسافة ملحوظة بينها وبين مقالات العصور الوسطى، أو تلك السابقة عليها.. وكان من أبرز هذه الخصائص: - ظهور شخصية الكاتب. - كثرة الموضوعات وتعددها وتفرعها واتساع دائرتها. - ازدياد طولها. - نظم نشرها.

стр. 183

وعندما واجهت هذه المقالات في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الكثرة من المعالم الصحفية الجديدة بكل مطالب القراء، واختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم وأذواقهم ومشاربهم، وبداية طابع السرعة الذي تسبب -بعد ذلك- في ظهور المقال العمودي.. عندما واجهت مقالات القرن التاسع عشر هذه الملامح المتعاقبة، والتي كانت تأخذ مكانها الذي يتضاعف باستمرار فوق صفحات الجرائد.. كان لا بد لها ولكتابها من مواكبة هذا التطور الحادث نفسه. فالقارئ لم تعد تجذبه تلك الدراسات الطويلة والرسائل الجادة تماما والموضوعات العلمية الكاملة، أو تلك التي تتصف بالجفاف، والقراء أنفسهم قد تضاعفوا وأصبحت هناك طبقات جديدة عديدة منهم، ومدرسة الخبر والإيقاع السريع والأسلوب التلغرافي تزيد من سيطرتها على الصفحات، وتتأثر بها حتى أكثر الصحف جدية، أو تلك المحافظة والتقليدية.. وبين هذا وذاك، يدرك رجال الصحف من "العقلاء" أنه لا بد من تقديم غذاء الفكر والروح معا، أو في أسلوب آخر عمل نوع من التوازن المنشود بين المادة الإخبارية والمادة المقالية ولكنها -حتما- ليست أية مقالات، وحيث لا تقدم مقالات العصور الوسطى، أو القرن التاسع عشر نفسها ما يمكن أن يؤيد هذا التوازن أو يساعد على إحلاله، أو يدعم "فن المقال" في مواجهة فن الخبر. أقول.. كان لا بد من نوع جديد من المقالات.. يرضي متطلبات الصحافة الجديدة فكرا وأسلوبا وموضوعا ويقع في صميم صحافة المقالة فنا وشكلا، ويطعم نفسه ببعض معالم مدرسة الخبر، أو فن الخبر، ثم -في النهاية- يتوجه بذلك كله إلى مجموع القراء الذي يحاول أن يرضي كل أذواقهم، وأن يجذب إليه أكبر عدد ممكن منهم. ومن هنا ظهر فن اليوميات الصحفية.. بل وأطلق عليه أكثر من اسم بعضها تأخذ كثيرا من هذه الخصائص التي تمثل بدورها مزيجا من شكل وأساليب بعض المقالات القديمة، وطابع وموضوع وأفكار وأساليب المقالات الحديثة نفسها.. ولعل أشهر هذه الأسماء " العلمية" التي تطلق عليه هي: - المقال المتعدد الفقرات. - المقال الذاي المتنوع "مقال المنوعات الذاتي". - مقال التجربة الخاصة. - مقال الخواطر والتأملات.

стр. 184

وذلك فضلا عن الاسم الشهير الذي أصبح يعرف به وهو: "اليوميات الصحفية". - ولقد أسفر ذلك الوضع العجيب، وفي واقع الأمر عن عدة نتائج كان من بينها: - أن محرر هذا النوع من المقالات قد أصبح يقف موقفا صعبا وذلك مثل الكثرة من محرري المقالات. - فهو مطالب -من جهة- بأن يجمع على النحو السابق بين الشكل والأسلوب والموضوع القديم والجديد معا، في إطار مقال واحد. - وهو مطالب أيضا بأن يبذل جهدا مضاعفا من أجل اجتذاب اهتمامات القراء التي أصبحت تجذبها بالدرجة الأولى وانعكاسا للأوضاع الراهنة القلقة.. المقالات السياسية والعسكرية وغيرها. وقد عبر عن ذلك كاتب بقوله: "فقد توارت المقالة الشخصية أو الذاتية في الظل؛ لأن اهتمام القراء في العالم كله أصبح منصبا على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة التي تؤثر بدورها على حياتهم الخاصة ومستقبل أبنائهم، ولم يعد لديهم الوقت في هذا العصر الصاخب اللاهث لكي يشاركوا كاتب المقالة تأملاته المتأنية التي تثيرها انفعالاته الذاتية"١. - ولكن الواقع نفسه يقول إن هذا الذي يحمل بذور الخطر كان يحمل أيضا بذور القوة والمنعة لهذه المقالات وكتابها.. ولكن كيف؟ أن الكثرة من القراء قليلة الصبر، قلقة, وأن العصر نفسه الذي يحمل الضجيج والتلوث وصخب المشكلات السياسية، والاقتصادية، الذي يكاد يصم الآذان ويطحن أحشاء الناس والذي جعلهم يبذلون اهتمامهم بالمقالات التي تتناول ذلك كله، وتحاول أن تقدم حلولا لها جعلهم في نفس الوقت يحاولون الهرب من كل ذلك، أو يهربون فعلا لكي يلتقط كل منهم أنفاسه مع مقالة عمود، أو مقالة من هذا النوع الذي يعيش فيه مع

стр. 185

فكر الكاتب وخواطره وحتى أحلامه أيضا، فتكون هذه كلها "راحة" له، وشعبا -بكسر الشين- يستظل بظله وفي مغانيه، وينسى فيه همومه ومطالبه الملحة، وعجزه عن تحقيقها, تماما كما يفعل مع تحقيق صحفي من تحقيقات الرحلات أو التحقيقات العامة المشوقة، أو مع قصة من قصص الخيال أو الخيال العلمي وهكذا.. وقد زاد من ذلك الإحساس ومن "هروب" القراء من مقالات السياسة والمشكلات وضجرهم بها، وضيقهم أيضا ومن ثم انصرافهم عنها إلى غيرها خاصة مقالات الأعمدة واليوميات أن كتاب السياسة والاقتصاد في العالم العربي عامة يواجهون ضغوطا شديدة, ومناخا غير مشجع وظروفا لا تمكنهم من النجاح، أو تقديم الحلول النافعة فعلا، فإن وجدوا، وإن قدموا فإنهم يصرخون في واد، أو ينفخون في "القربة المقطعة"١ أو يؤذنون في "مالطة" ومن هنا قل وجود الكاتب السياسي، بل وجد من يكتب في السياسة؛ لأنه عليه -بحكم وظيفته- أن يكتب.. ومن هنا أيضا هرب بعض هؤلاء إلى مثل هذه المقالات.. إلى حيث يجدون أنفسهم وذواتهم، ويجدهم القراء أيضا. - ولكن ذلك كله، قد ألقى على كتاب مقالات الأعمدة واليوميات مسئولية مضاعفة، بل وألقى على كاهل الصحف والمجلات نفسها بمثل هذه المسئولية، بحثا عن المحرر النابه المثقف الموهوب صاحب القلم المتميز من بين أبنائها من الذين يمكنهم تحرير هذا النوع من أنواع المقالات -اليوميات- وعندما لم تجده بحثت عنه ضمن كبار الأدباء والمثقفين ومشاهير الفنانين ورجال الجامعات وقامت بـ"توظيفهم" ضمن أفراد أسرة تحريرها، أو رتبت ونظمت قيامهم بهذا العمل من خارج أسرتها.. وخذ عندك -مثلا- هذه الأسماء التي قامت بكتابة "يوميات الأخبار" في وقت من الأوقات: "عباس محمود العقاد, توفيق الحكيم, د. طه حسين، سلامة موسى، محمد ذكي عبد القادر، د. سعيد عبده، إبراهيم المصري، أحمد بهاء الدين، كمل الشناوي ... إلخ".

стр. 186

وخذ عندك أيضا هذه الأسماء التي قامت بكتابة هذا النوع من المقالات في صحيفة الأهرام تحت عنوان "مفكرة الأهرام" في وقت من الأوقات, وحيث كان من بينهم "توفيق الحكيم, د. زكي نجيب محمود، د. رشاد رشدي، د. يوسف إدريس، عبد الرحمن الشرقاوي، د. الحسين فوزي، ثروت أباظة، نجيب محفوظ.. إلخ"١. بل إننا -في واقع الأمر- وعندما نمعن النظر في هذه المقالات وكتابها بالنسبة للصحف العربية عامة لا نجد كاتبا كبيرا واحدا، لم يقم بمثل هذا العمل على صفحات جرائد بلده الوطنية.. وكان من أبرز هؤلاء الكتاب الذين أثروا صحافة بلادهم بمقالات يومياتهم، أو الذين يواصلون إثراءها بها حتى الآن وعلى سبيل المثال لا الحصر من القدامى والحاليين: "أحمد السباعي، حمد الجاسر، علي الطنطاوي، محمد جابر الأنصاري، سعيد فريحة، غسان التويني، محمد حسين زيدان، حمزة شحاته، سليم اللوزي، أحمد محمد جمال، ناصر الدين النشاشيبي، بسام فريحة، محمود الكايد، نبيل الخوري، وليد أبو ظهر، عبد الله نعمة، أحمد الجار الله".. وغيرهم.. كما برزت في هذا المجال عدة كاتبات عربيات خاصة في السنوات الأخيرة نذكر منهن على سبيل المثال لا الحصر: "أمينة السعيد، مي شاهين، جاذبية صدقي، زينب صادق، حسن شاه الهاكع، نوال المساعيد، خيرية السقاف، فوزية صالح البكر، حصة التويجري" ... وغيرهن.

стр. 187

تعريفه: والآن ننتقل إلى تقديم عدد من تعريفات هذا النوع من أنواع المقالات الصحفية؛ لأنها -على الرغم من ندرتها- تقدم مزيدا من الضوء عليها، وتعتبر بمثابة مدخل طبيعي إلى التعريف الكامل بها وبأهم خصائصها وملامحها المميزة.. ما هي هذه التعريفات؟ - "أهم أفكار الكاتب وخواطره وهمومه التي تجمعت خلال أسبوع أو أكثر بكتبها في إطار ذاتي يفصح عن طريقته في التفكير وثقافته وتجاربه وأسلوبه في التعبير

стр. 188

بحيث يقدم بواسطته للقراء وجبة فكرية طيبة تنشر في موعد محدد ومكان واحد وتحت عنوان يشترك فيه مع غيره في الصحيفة اليومية، أو هو وحده في المجلة"١. - "يقترب فن اليوميات الصحفية من روح فن العمود الصحفي من حيث التعبير عن خوالج النفس وروح المذهب الذي يعتنقه الكاتب ونظرته إلى الحياة، حيث يشجل في هذا الفن المقالي خواطره المتناثرة التي تؤثر في القارئ، وهي خواطر تتصل بصلات من العاطفة أو الخيال، ذلك أن فن اليوميات يتضمن خاطرا يلحق خاطرا ويتبعه لا لأن بينهما علاقة منطقية كالتي تأتي بالنتيجة وراء سببها، بل لأن هذين الخاطرين مرتبطان في خيال الكاتب أو يتصلان بعاطفته كما يذهب إلى ذلك تشارلتن"٢. - ومن حديث لـ"أحمد رشدي صالح" نستنتج منه أن هذا المقال هو الذي يضع القارئ "وجها لوجه أمام عقل الكاتب وقلبه، فكره وخياله، منطقه وعواطفه، خبرته وطلاقته بل يجوز أن نقبل الأنا في هذا الجنس من المقال"٣ ومن هنا هو كذلك "يفرض على كاتبه أن ينوع أفكاره وموضوعاته وبالتالي فهذا المقال لا يتقيد بالتخصص وإنما هو يتقيد بالمرونة في اختيار الموضوعات وطرحها"٤. - وفي مذكرة سابقة لنا وردت هذه التعريفات مقال اليوميات، حاولنا خلالها أن نجمع بين أكثر من اتجاه يتناولها، وكانت أبرز هذه التعريفات الخاصة بنا هي:٥ - "أفكار الكاتب الشهير المنبثقة عن معايشته لمجتمعه بمن فيه وما فيه والمعبرة عن خبراته وقراءاته واتصالاته يعرضها بطريقة تنم عن شخصيته وتعبر عن أسلوبه الخاص وتنشر دوريا في صحيفة أو مجلة تحت عنوان ثابت وفي مكان ثابت وحجم يفوق حجم العمود الصحفي أكثر من مرة". - "الأفكار والآراء والخواطر والمواقف والصور التي يحتفظ بها الكاتب ليتناولها

стр. 189

في الوقت المناسب بطريقة تحمل طابعه في التفكير وأسلوبه في التعبير تنشر وفق نظام متبع في صحيفة أو مجلة وفي حجم متوسط". - "الطريقة الفنية التي ينقل بها كاتب مرموق مرئياته ووجهات نظره وانطباعاته وإحساساته إلى جمهوره القارئ عن طريق صحيفة أو مجلة بصفة دورية وتحت عنوان ثابت وفي مكان ثابت أيضا". - "المقال متنوع الموضوعات متوسط الطول الذي تنشره الصحيفة يوميا لكاتب مختلف بحيث يحمل أفكاره وخواطره وتجاربه إلى قرائه في طابع ينم عن شخصيته وأسلوبه الخاص".

стр. 190

وظائفه: وإذا كنا قد تحدثنا في فصل سابق عن الفائدة التي تؤديها المقالات بشكل عام، والوظيفة التي تقوم بها خدمة للقراء، والصحيفة، والمحرر نفسه، وكذا للمجتمع الذي تتوجه إليه، فإننا نركز هنا على عدد من هذه الوظائف "النوعية" التي ترتبط بهذه المقالات نفسها عن قرب، ومن هنا فإننا نقول باختصار شديد: - إن باستطاعة هذه المقالات -في مجموعها وليس مقالة واحدة منها- أن تؤدي جميع وظائف الصحافة مجتمعة. - فإذا شئنا "التخصيص" نقول إنها تؤدي أكثر من غيرها وظائف التفسير والتوضيح والتوجيه والإرشاد، والتثقيف، والتعليم، وتنمية المجتمع والإمتاع والمؤانسة. - ولكن بالإضافة إلى ذلك كله، ومن زاوية المجتمع أيضا، فإننا من خلال معايشة الأساتذة الزملاء من كتابه، والقراء أيضا، وكذا من خلال المادة الموجودة فوق الصفحات نستطيع القول بأن هناك مجموعة من الوظائف الأخرى التي يؤديها على سبيل التخصيص نفسه ومنها على سبيل المثال لا الحصر هذه كلها: ١- اعطاء "جرعة" ثقافية أكبر من تلك التي تقدمها أنواع المقالات الأخرى وذلك من حيث المضمون ومن حيث التنوع أيضا.

стр. 191

٢- إعطاء قدر كبير من المتعة الذهنية أكبر من ذلك الذي تقدمه أنواع المقالات الأخرى. ٣- المساهمة في تخفيف وطأة عصر القلق والحضارة السريعة وإيقاع العصر اللاهث، وما جلبته الحضارة من تأثيرات على أعصاب الإنسان وراحته تجعله في حاجة ملحة وشديدة إلى أن يلتقط أنفساه, ويستريح من عناء يومه, ويسند رأسه عند مقالة إبداعية ممتعة يجد فيها طمأنينته أو هدوءه المنشود أو فردوسه الأرضي المفقود. ٤- تقديم لون مغاير تماما للون الإخباري الذي أصبح يذكر الإنسان دائما بأزماته اليومية، ومعاناته في الحصول على حاجياته ومتطلباته، وصراعه مع غيره من الناس من أجل الحصول على الكسب المادي أو المعنوي، أو الوظيفة، أو المسكن الملائم -خاصة في دول العالم الفقيرة أو غير الثرية- وكذا تقديم لون مغاير للجانب الإخباري الآخر -والهام جدا من وجهة نظر صحافة الخبر- المتمثل في أخبار الحروب والحوادث الهامة والكوارث الطبيعية وغيرها من مادة تفوح منها رائحة الدم، وحيث تزيد أهمية الخبر، بزيادة أعداد الذين أدركتهم الوفاة، أو المصابين.. مما دفع ببعض القراء إلى مقاطعة الصحف في بعض الأيام؛ لأن أكثر ما فيها يثير "النكد" من وجهة نظره.. المقال هنا ومن هذا النوع بالذات يقدم المادة الهادئة التي تشرح صدر القارئ، وتقر بها عينه، بل والتي تعيده إلى مشاعره الحقيقية، الإنسانية، بعيدا عن تلك التي تثيرها "الأخبار الدموية" من دوافع شريرة، وأحقاد دفينة. ٥- ما يمكن أن يقدمه الكاتب للقارئ من إيجابيات عديدة تصل بجمال الفكرة وجمال العرض، وجمال الأسلوب وما يثيره هذا في نفسه من صور ومعان عديدة تدفعه إلى سلوك إنساني متطور, وتحقق سروره وسعادته لفترة من الوقت, ولعل ذلك يتصل بجانب الفكر والعاطفة و"الأنا" في هذه المقالات التي قلنا إنها تمثل -بالإضافة إلى بعض الأعمدة- لونا من الأدب الصحفي الخالص, ولعل ذلك أيضا ما يجعل من تحريرها "فنا" متميزا. ٦- تنمية حاسة "التذوق" عند القراء، والسمو بنظرتهم الجمالية إلى الأشياء. ٧- تشجيع القارئ ودفعه إلى التفكير وأعمال ملكاته الكامنة، انطلاقا مما

стр. 192

تثيره أفكار الكاتب، والمجالات المتعددة التي يطرقها. ٨- تدريب القارئ وتعويده تنظيم أفكاره، وحسن التعبير عنها انطلاقا من الفكر المنظم لكاتبه. ٩- المساهمة الإيجابية في تكوين شخصية الصحيفة وارتباطها بمقالات معينة لكتاب يرتبطون في ذهن القارئ بها وحتى المساهمة في تعرف القارئ على شكلها عند الموزع أو في وسيلة المواصلات. ١٠- مساعدة القارئ على قضاء وقت فراغ مفيد وبطريقة إيجابية. ١١- تنمية المشاعر والحواس الإنسانية والارتقاء بها عند القراء، وما يمتد إليه ذلك من تأثير. - إعطاء فرصة أكبر لتكوين الرأي العام والمساهمة في دعم المجتمع الديموقراطي بواسطة الكلمة الصادقة والحرة والشريفة أيضا. - مساعدة الصحيفة على مواجهة المنافسة الحادة بينها وبين الصحف الأخرى، وحيث يكون لكتابها -الذين يحق لها أن تفتخر بهم وبوجودهم ضمن أعضاء أسرتها- دورهم الكبير في ذلك انطلاقا من شهرتهم الكبيرة، وجذبهم لأعداد غير قليلة من القراء وقيامهم بالمواءمة بين صحافتي الرأي والخبر ودورهم القيادي نفسه.

стр. 193

أنواعه: وإذا كان من المفروض أن هذا المقال يتركز في يوميات الكاتب المقسمة إلى فقرات كل منها تتحدث عن يوم من الأيام، مما يعني تركيزه على نوع واحد هو "اليوميات المختلطة والمتنوعة".. كما سنشير إلى ذلك فإن من الواضح أنه قد أصبحت هناك اتجاهات عديدة تضاف -من جهة- إلى هذا النوع الأساسي القاعدي كما أنها من جهة أخرى تمثل مضمونا تختلف مادته من فقرة لأخرى، ومن مقالة لثانية، ومن كاتب لكاتب, ومن هنا وسواء اتخذ المقال بشكل الفقرات العديدة المرتبطة أو غير المرتبطة بأيام الأسبوع، أو كان نهرا في حد ذاته, فإن من الملاحظ أن هذه المقالات يمكن تقسيمها "موضوعيا"، أو طبقا لمضمونها الغالب عليها إلى هذه الأنواع كلها:

стр. 194

١- المقال الذي يتصل بخواطر المحرر وتأملاته وانطباعاته عن الناس والحياة والمجتمع والسلوكيات, وهو ما يصدق عليه هنا بحق تعبير "مقال الخواطر والتأملات" وهو من أقربها إلى المقالات الأدبية، بل إن تعبيرنا الذي ذكرناه في كتبنا السابقة، وكتابنا هذا "الأدب الصحفي" ليصدق عليه أولا قبل أن يصدق على غيره من أنواع المقالات الأخرى، وكثيرا ما يكون كاتبه من خارج أسرة الصحيفة، إذا لم يكن هناك من يقدر على كتابته من أعضاء هذه الأسرة وإن كنا نشك في ذلك؛ لأن بعض الصحف يحرص على أن يكون مثل هذا الكاتب أو الأديب الموهوب ضمن أعضاء أسرتها، بل ومجلس إدارتها أحيانا١, كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ٢- المقال في الاتجاه الديني ويقوم بتحريره "المحرر الديني" أو أحد الكتاب بالصحيفة أو المجلة أو من خارج أسرتها ويربط فيها بين الدين والحياة، أو الدين والمجتمع، كما يتناول المسائل الدينية المختلفة والعبادات وأمور الشريعة الغراء، والاتجاهات الدينية, وما إلى ذلك كله تناولا بسيطا يختلف عن تناوله لها عندما يكتب في مجلة أو جريدة متخصصة وهكذا. ٣- مقال "الاعترافات": وهو يركز على ذكريات الكاتب ومذكراته, وعلى ما مر به من تجارب وخبرات, وكذا على أمور فرحه وحزنه ولقاءاته ومواقفه، بشرط أن يكون كاتب هذا المقال من النجوم في صحيفته ومجتمعه معا، وأكثر شهرة من غيره من الكتاب، بل أكثر شهرة من غيره من كتاب هذه المقالة نفسها, وأن يعرف أيضا كيف يقول ما عنده بالأسلوب الذي يجذب القراء نحوه, وقد ألمحنا -عند حديثنا عن تاريخ فن المقال- إلى أن مقال "الاعترافات" له أصل في الأدب العربي وفي الآداب العالمية، خاصة بالنسبة لذلك الفن الأدبي الذي يعرف باسم "الترجمة الشخصية". ولا نريد هنا -طبعا- أن نقول إن هذا المقال يتناول ترجمة شخصية لكاتبه، ولكن نريد أن نقول إنه يأخذ كثيرا من خصائص وملامح هذا الفن الأدبي, خاصة ما يتصل بـ"روح المقال" وحسن اختيار الوقائع، وصدق التعبير وعرض الطبائع الإنسانية وكثرة المعلومات ونقل الصور والمشاهد العديدة التي يفصل بينها وبين القراء مسافات بعيدة زمنية وجغرافية معا وهكذا.

стр. 195

٤- المقال النقدي: ولكن النقد هنا لا يطغى عليه المعنى العلمي١ الذي يركز على تطور الأنواع الأدبية كما نادى بذلك أول من نادى الفرنسي "فردينان برونتير" وهي النظرية التي حاربها جمهور النقاد والأدباء أنفسهم بعد ذلك, وليس هو أيضا النقد التاريخي٢ الذي يهدف إلى "تفسير الظواهر الأدبية والمؤلفات وشخصيات الكاتب فهو يعنى بالفهم والتفهيم أكثر من عنايته بالحكم والمفاضلة"٣, وليس هو كذلك النقد اللغوي الذي يعنى بصحة اللغة وجمال الأسلوب وصدق التعبير وإتقان الكتابة وأحكام الصنعة, أو في أسلوب آخر إن المقال النقدي لا يشمل هنا النقد بمعناه الضيق الذي يعني فقط: "تحليل القطع الأدبية وتقدير ما لها من قيمة فنية"٤, أو الحكم على البرنامج أو مجموع البرامج أو الفيلم أو المسرحية أو الكتاب أو الدراسة، وإظهار ما له، وما عليه، وما يتفرع عن ذلك كله من ملاحظات وآراء وأحكام ونتائج مختلفة, وإنما يعنى النقد هنا أكثر من ذلك كله، ويضيف إلى هذه المفاهيم السابقة، نقد كل ما يقع تحت سمع وبصر الكاتب من شخصيات وأفكار وآراء واتجاهات ومواقف ومشاهد ولوائح وقوانين وأحزاب وما إليها. فالهجوم على فريق رياضي بمناسبة نتائجه السيئة هو نقد، وليس ضروريا أن يتم ذلك بمعرفة المحرر أو الناقد الرياضي، وبيان ما للائحة العاملين الجديدة من مزايا وما بها من ثغرات هو نقد أيضا، والهجوم على بعض رؤساء الأحياء غير النظيفة والدعوة إلى مكافأة غيرهم هو نقد أيضا, وهكذا تتسع الدائرة، ويصبح الكاتب بحق، لسان مجتمعه المؤيد والمعارض معا. ٥- المقال الفكاهي: وهو من أبرز أنواع مقالات اليوميات الصحفية وأقربها إلى قلوب القراء، وصحيح أنه مقال قريب الشبه جدا بالمقال السابق "النقدي" وإلى حد اعتبار بعض المؤلفين لهما على أنهما نوعية واحدة، ولكننا -في واقع الأمر- نميل إلى الفصل بين النقد "الجاد" للائحة أو قانون أو حزب أو كتاب، حتى وإن ارتفع صوت ناقده وإن وردت خلال مقاله عدة كلمات ساخرة, نميل إلى الفصل

стр. 196

بين هذا النقد وبين ذلك النوع الذي تطغى فيه الفكاهة على ما عداها، وتكون هي النغمة السائدة، والمرتفعة من أول المقال إلى آخره, ومن هنا فإطلاق تعبير "المقال الكاريكاتوري" يصح أيضا على هذا النوع، وحيث يكون لكاتبه أن يفعل كما يفعل الرسام الكاريكاتوري، أي: لا يكتفي بإظهار العيوب ووضع يد القراء عليها، وإنما يقوم بتوضيحها وإبرازها وتجسيمها والمبالغة فيها والتهويل من شأنها أيضا, وذلك على النحو الذي وضعه رائد هذا الفن الأدبي الصحفي -معا- الأديب الصحفي "الجاحظ" وعلى نحو ما فعله من كتاب الجيل السابق "عبد العزيز البشري، فكري أباظة، أحمد حافظ عوض" وعلى نحو ما يفعل من كتاب الجيل الحالي: "أحمد بهجت, محمود السعدني, محمود عفيفي, عباس الأسواني, أحمد رجب, فايز حلاوة" وغيرهم. ٦- المقال القصصي: وهو ليس بالمعنى المفهوم، وإنما بعض الأحداث التي عاشها الكاتب والوقائع التي عاصرها، والمشاهد التي رآها، تمر من خلال فكره، أو بوتقته الخاصة لتنصهر فيها ثم تتحول بمقدرة فائقة إلى مقال قصصي يضيف إليه الكاتب كثير من عندياته، أو في أسلوب آخر إنها رصد الحياة بمن فيها وما فيها يضعها الكاتب الصحفي -الأديب- في قالب قصصي بعد أن يضيف إليها كل ذلك, ولا أقول يضيف الخيال، إلا بقدر، ودون أن يسرف في ذلك، دون أن يتجاهل ما يتصل بعناصر الطرافة والتشويش, ولقد كان من أبرز من كتبوا هذا المقال على مستوى الصحافة العربية "د. طه حسين, توفيق الحكيم, المازني, حمزة شحاته, أحمد السباعي" وغيرهم, وواضح أنه لا يقدر على كتابته، ولا يستطيع أيضا إلا من يملك حسا أدبيا وقلما يمكنه التعبير الجيد, ولذلك فإن ما قلناه عن انتساب كتاب مقال "الخواطر والتأملات" إلى الأدب يصدق أيضا على هؤلاء. ٧- مقال "الصورة القلمية" وقريب من المقال السابق -القصصي- ذلك اللون الإبداعي الذي يقوم فيه صاحبه برسم صورة ليست بالفرشاة والألوان، أو بواسطة آلة التصوير، أو بالضوء وإنما يقوم برسم صورة قلمية هي في أغلب الأحوال صورة الشخصيات عرفها وتعامل معها وخبرها أيضا خلال رحلة حياته، وما تزال في ذاكرته تعيش إن كانت قديمة، أو تقوم وتمشي وتتحدث وتجادل وتنشط وتلهو إن كانت حديثة، ولكنها في جميع الأحوال قائمة في ذهنه بمنظرها وهيئتها وملابسها وأفعالها وأقوالها, ومن هنا ولأن القراء يقبلون على هذا النوع من أنواع

стр. 197

المقالات، فإن كتابه يستجيبون لهم ويحدثونهم عن مثل هذه الموضوعات على طريقة الصورة القلمية التي يقومون برسمها لها, وإذا كانت كلمة الصورة تستعمل عادة: "للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي وتطلق أحيانا مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات"١ فإننا لا نقوم هنا برسم صورة أدبية كاملة كما يفعل الشاعر أو كاتب القصة مثلا, وإنما ننقل بقلمنا صورة واقعية في أغلبها لأشخاص عاشوا بيننا وعشنا بينهم وذلك من مثل: "صديق قديم له من أيام الطفولة يتحدث عنه، صديق جامعي يسأل أين هو الآن, صديق من أيام القرية كانت له هوايات غريبة, مأذون القرية وقصصه، العمدة، موظف البريد بالقرية الذي ضبط وهو يفتح خطابات أهلها, خفير القرية العجوز الذي حاول منع القطار من المرور بالقرية؛ لأنه أخذ ابنه إلى المدينة ولم يعد به فمات تحت عجلاته، أول شخص قابله في الجامعة وصار صديقا بعد ذلك، بعض الوجوه التي لا ينساها والتي التقى بها خلال حياته الجامعية، بعض الشخصيات التي عرفها أثناء عمله الصحفي، الوجوه التي لا ينساها خلال رحلة خارجية كبيرة له".. إلخ، وقد تميز بهذا اللون من الكتابات الأساتذة: "محمود تيمور، أحمد الصاوي محمد، محمد زكي عبد القادر، ثروت أباطة، أحمد بهجت "وغيرهم. ٨- مقال الرحلات: كثيرة هي الرحلات الداخلية والخارجية التي يقوم بها المحررون وكتاب المقالات, ثم يعود كل منهم وفي جعبته الكثير من الصور والمشاهد التي تستحق التناول, ولكن -أيهما- لا يكتب هنا لونا من ألوان "أدب الرحلات"٢ بنوعيه الخرافي الذي عرفه الأدب المصري القديم كقصة "الملاح الغريق" أو الأدب العربي كسيرة "سيف بن ذي يزن" وكذا رحلات "بديع الزمان الهمذاني" في مقاماته، أو رحلات " السندباد البحري" التي وردت في قصص "ألف ليلة وليلة", ومعناه "هزار أفسان" أي: "الخرافات الألف", كما لا يكتب أيضا عن أدب الرحلات الواقعي القديم الذي ورد في حكايات الرحالة القدماء منذ أيام حرخوف وسنوحي وسفن حتشبسوت ثم المغامرين أيام الإمبراطورية الرومانية, أو الذين كتبوا بعناية يصفون البلاد المختلفة كالمؤرخ هيرودوت وككتاب بوزانايس "جولة في بلاد الأغريق" الذي يعود إلى نهاية القرن الثاني بعد الميلاد "والذي ترك بصماته واضحة على أدب الرحلات

стр. 198

حتى يومنا هذا"١, والذي برع فيه الرحالة العرب من أمثال: "ابن جبير، الحموي، الاصطخري، أبو دلف، المسعودي، ابن بطوطة" وغيرهم من الجوابين، والرحالة ورجال الجغرافية الوصفية. لا يكتب المحرر أو الكاتب هنا مثل هذا اللون، كما لا يكتب أيضا تحقيقا صحفيا من تحقيقات الرحلات -وإن اختلطت هذه بتلك, ولاعتبارها ذات مصدر أو معين واحد- وإنما يقوم بكتابة مقال رحلات وصفي يتحدث فيه حديثا ذاتيا عن الصور والمشاهد التي رآها, وانطباعاته عنها وكيف رآها ويضفي عليها الكثير من طابعه الخاص وأسلوبه الخاص ورؤيته الخاصة التي قد تختلف عن رؤية الآخرين لها، كما يحاول أن يقترب من قارئ الصحيفة، وليس كتاب أدب الرحلات كلما أمكنه ذلك، دون إخلال بالجوانب الذاتية نفسها، وقد برع في هذه المقالات "أحمد عبد الرحيم، بشارة تقلا، محمد حسين هيكل، محمد ثابت، أمين الريحاني، أحمد الصاوي محمد، أنيس منصور، محمد زكي عبد القادر، حمد الجاسر, جاذبية صدقي، حسين فوزي" وغيرهم. ٩- مقال الغد: ويطلق عليه أيضا "مقال المستقبل" حيث يكون الاتجاه الغالب عليه هو التبشير بما يقدمه العلم من فرص كبيرة للانطلاق والتقدم وحل مشكلات الإنسان, وما يتصل بمسائل التعليم والتنمية ورحلات الفضاء، وما ينتظر الإنسان خلالها ووجود نظام اقتصادي عالمي، وما يتصل بالقضاء على الجوع والفقر، والجهل والمرض, وإلى غير هذه الأمور التي تجذب جميع القراء الذين أصبحوا يتأثرون بما يحدث في هذه المجالات كلها في ظلال تقدم وسائل الاتصال, وإمكانية الحصول على الوسائل المتقدمة بالنسبة لدول كثيرة كانت تعتبر في عداد الدول النامية, ثم أمكنها استغلال مواردها وثرواتها الطبيعية التي حباها الله بها, مما جعلها على استعداد كبير لتقبل جوانب التقدم العلمي والتكنولوجي والإفادة منها, خاصة والأنباء تحمل إلينا صور التقدم المختلفة والتطورات الهائلة التي تحدث كل يوم، وتكون هي مجال هذه النوعية من المقالات التي أصبح لها كتابها من المعروفين في دولهم وفي العالم كله, وبعد أن كانت كتاباتهم تنزوي على استحياء بعض الزوايا أو الأركان

стр. 199

الخاصة، إذ بها تقفز إلى الأعمدة، ثم إلى مقالات اليوميات نفسها، انعكاسا لأثرها وأهمية مادتها وإقبال القراء عليها. ١٠- المقال التاريخي: إذا كان التاريخ يصبح خبرا في بعض الأحيان، عندما يبرز الجديد الذي يتصل بحدث قديم، أو عندما يكشف النقاب عن سر تاريخي، أو عند وقوع كشف أثري تكون له نتائجه الجديدة، وحيث يتحقق هنا عنصر "الجدة"١, حتى وإن كان الخبر يتصل بموضوع قديم أو "على سبيل استكمال جوانب بعض الأخبار التي جدت بشأنها بعض الوقائع والظروف الجديدة، أو عندما يحدث ذلك الجديد الذي يتصل بموضوع قديم"٢, إذا كان التاريخ يصبح خبرا في مثل هذه الأحوال، فإنه يصبح مقالا كذلك, ومن هنا نقول إن هناك من كتاب اليوميات من يبدي اهتماما كبيرا بالجانب التاريخي, وإلى درجة التخصص في بعض الأحيان, حيث يمكنه هنا أن يحول كل مقال إلى ورقة بحث مختصر، أو كل عدة مقالات إلى مبحث تاريخي يقدم الجديد الذي يغير بعض المفاهيم التاريخية السائدة، أو يتناول موضوعا قديما من زاوية جديدة، أو يطالب بإعادة بحث بعض الوقائع التاريخية المشكوك في صحتها, كما قد يكون لبعض الكتاب اهتمامات تاريخية خاصة تتيح له أن يتناول من آن لآخر بعض الموضوعات المتصلة بها على هذا النحو. ولعل كاتب هذا المقال -في النهاية- وهو يهتم بالماضي عن طريق الاستقصاء والبحث والدرس والاهتمام بالتجارب والأحداث والوقائع والشخصيات الماضية، يختلف كثيرا عن كاتب المقال السابق الذي يعمل في مجال الغد، وفي محيط المستقبل. ١١- المقال المختلط أو المتنوع: ولا يعني تأخير ثبته ضمن هذه القائمة حتى الآن أنه أقل من غيره من المقالات أهمية, أو أخف أثرا في نفوس وعقول القراء، بل العكس من ذلك هو الصحيح؛ وذلك لأنه فضلا عن مسايرته للاتجاه العام الرئيسي لهذه المقالات، ومواكبته للفلسفة التي تقوم عليها، وتعبيره الوظيفي الكامل عن مفهوم "مقال الفقرات" وأيضا "اليوميات".. فضلا عن ذلك كله، ومما

стр. 200

يجعله الأقرب إلى طابع وطبيعة هذه النوعية، فإن في تنوع مجالاته، واهتمامه وأخذه من بعض المقالات السابقة بطرف يتمثل في فقرة معينة، ثم بطرف آخر في إطار مقال آخر.. وهكذا.. في ذلك ما فيه من جوانب إيجابية عديدة تتمثل في زيادة فائدته، وتعدد جوانب منفعته، ونجاحه في جذب أكبر عدد ممكن من القراء إليه، من متنوعي الثقافات والاهتمامات، الذين يجذبهم تعدد فقراته وتنوعها, وذلك بالإضافة إلى سهولة كتابته -نوعا ما- عن المقالات ذات الاتجاه الواحد, تلك التي قد لا تجيد كتابتها بالطريقة المطلوبة والأسلوب الذي يقبل عليه القراء، ويحقق الهدف منها غير قلة من الكتاب قد لا تتوافر للصحيفة، وقد لا تتوافر على مستوى بعض البلاد التي ما تزال صحافتها تحاول إثبات وجودها، وأدبها أيضا. من هنا، نعود إلى القول والتأكيد، بأن هذا المقال "المتنوع" هو الأصل والأساس، وكلما وجد الكاتب الذي يجيد اختيار المواد المتنوعة الجذابة والمفيدة، ثم التعبير عنها بصدق وقوة، كلما كان ذلك أقرب إلى طبائع الأشياء، وإلى النجاح نفسه للكاتب والصحيفة معا, خاصة إذا ندر وجود من يقوم بتحرير الأنواع السابقة، وعلى النحو الذي تناولناها به. على أن التنوع هنا لا يرتبط بشكل معين، أو بحجم ثابت لكل فقرة، فقد تطول فقرة وقد تقصر أخرى، وقد يتضاعف طول إحدى الفقرات حتى لتستغرق أكثر طول المقال نفسه، بحيث لا تكون هناك مساحة لغير سطور قليلة تكتب فيها بعض الخواطر أو المأثورات أو الطرائف أو التوقيعات, إلى غير ذلك كله من مادة مختصرة تماما. وإذا كانت السطور القادمة سوف تزيد من وضوح ما يتصل بمضمون هذه النوعيات، وبعد حديثنا عما يتصل بشكل مقال اليوميات -بإذن الله- فإننا نتوقف هنا عند عدد من الملاحظات السريعة التي تتصل بهذه النوعيات نفسها عن قرب، ما هي؟. - أهمية الإشارة إلى أن هذه الأنواع نفسها تتبع "التقسيم الموضوعي" الذي فضلناه هنا على غيره من التقسيمات، بينما سنلم -بإذن الله- بأهم معالم التقسيمات الأخرى، خلال الفقرات القادمة، خاصة ما يتصل منها بالجانب الشكلي.

стр. 201

- أن هذه هي أبرز الأنواع التي وجدناها تسيطر على أفكار الكتاب العرب والأجانب المقالية لا سيما ما يتصل منها بالمقال متعدد الفقرات متنوع الموضوعات، ولكننا لا نقول بأنها جميع الأنواع إذ إن هناك أيضا بعض الأنواع الأخرى الأقل نشرا، لا سيما "مقال المناسبات". والمقال في الاتجاه الاقتصادي، ولا أقصد بالأخير -طبعا- المقال الذي ينشره المحرر الاقتصادي، أو أحد رجال الاقتصاد من آن لآخر، وعندما تكون هناك حاجة إليه، ولكن أقصد المقال الذي يدور داخل "اليوميات" نفسها. - أن من الممكن جدا، وهو اتجاه قائم ومطروق ومنتشر تقسيم هذا المقال نفسه -باتجاهه وموضوعه الواحد- إلى فقرات متعددة، مما يقترب به من الشكل العادي والأساسي والغالب على هذه النوعية، أقول، مع الاحتفاظ له بهذه الوحدة الموضوعية، وحيث يصدق عليه هنا هذا التصنيف، كل الصدق.

стр. 202

خصائصه: وعلى طريق التعريف الكامل بهذا المقال، وماهيته وأنواعه وأشكاله وأساليب تحريره نواصل حديثنا، حيث نقترب هذه المرة، من أهم معالمه كما تتضح ليس من أقوال كتابه فقط، وإنما من خلال من أمكننا أن نضع عليه أيدينا من تلك الخصائص البارزة، أو التي برزت وكانت لصيقة بهذه المادة نفسها على صفحات الجرائد والمجلات عربية وأجنبية، وذلك بالإضافة إلى شتات السطور القليلة التي تحدثت عنه في بطون المراجع المختلفة، على أننا -ومن أجل مزيد من التركيز والوضح- نقسم هذه الخصائص إلى: أولا: الخصائص العامة وهي خصائص عديدة ارتبطت بهذه النوعية من أنواع المقالات منذ فترة طويلة، حتى أصبحت علما عليها، بل صارت تمثل نوعا من "التقاليد الصحفية" المرتبطة بها، تماما كما ترتبط تقاليد أخرى بنوعية أخرى من أنواع المقالات، وعموما فإن من أبرز هذه الخصائص العامة: ١- أن يتتابع نشر المقال يوميا وأن تحافظ الصحيفة اليومية على هذا "الثبات" نفسه لأطول فترة ممكنة، وطالما أن الصحيفة نفسها تواصل صدورها

стр. 203

اليومي, ونفس الحال بالنسبة للصحف الأسبوعية، والمجلات، أي: أن تحافظ هذه وتلك على ثبات النشر الأسبوعي ومداومته. ٢- أن يختلف كاتب المقال من يوم لآخر، وخلال الأسبوع، أو خلال فترة معينة تنظم بدقة بمعرفة القائمين على أمر الصحيفة اليومية الذين يكون عليهم مراعاة أكثر من نقطة هامة من بينها: - الحرص على قيام حد أدنى من التنوع بين أفكار واتجاهات واهتمامات وتخصص كتابه بحيث تبدو المقالات في مجموعها هي تمثل هذا الخليط المثمر والإيجابي, والذي يفيد منه القراء على اختلاف مشاربهم وأذواقهم كل الفائدة، وهو هنا تنوع يقوم بين الموضوعات السابقة نفسها. - ارتباط أيام معينة، باتجاهات معينة، وأبرزها بالطبع يوم الجمعة وارتباطه بالمقال الديني الإسلامي. ٣- الحرص على أن يكون هذا المقال في شكل "يوميات محرر" أو أوراق أو صفحات من مفكرته أو مذكراته, وحيث تبدو المقالات في مجموعها -وفي النهاية- وكأنها يوميات الصحيفة أو المجلة ذاتهما. ٤- ضرورة اختيار مكان هام لنشر هذا المقال على صفحات الجريدة أو المجلة، وهذا المكان في أغلب الأحوال -وبالنسبة للأولى- يقع على إحدى الصفحات اليسارية التي تتجه إليها العين مباشرة -الصفحات الفردية- وهي في الغالب الصفحات الثالثة أو الخامسة أو السابعة, كما أن هناك اتجاه له نفس القوة ينشرها على الصفحة الأخيرة. ٥- ويكمل اختيار هذا المكان الهام، ويؤيده أيضا، ثبات نشر المقال على نفس المكان من نفس الصفحة أيضا, وهو نفس الحال تقريبا بالنسبة للمجلات التي تحرص على أن تكتب مثل هذه المقالات. ٦- ثم يضيف إليه ويؤكده في أذهان القراء على اختلافهم ثبات عنوانه اليومي الذي يعتبر أحد المعالم الرئيسية لهذا الفن، وهو هنا عنوان اللافتة أو العنوان الاسمي كما سبق وأن أشرنا.

стр. 204

٧- واسم الكاتب، وضرورة إبرازه، فضلا عن شهرته في مجالات الفكر عامة، والصحافة والأدب والفن والنقد والدين والسياسة خاصة، ووضع ذلك كله في مكان "القلب"، أو عند نقطة التوازن التي تتجه إليها عين القارئ، واعتبار هذا الاسم وطريقة نشره وثباتها، ذلك كله يعتبر أيضا من الخصائص الهامة المرتبطة بمقال اليوميات. ثانيا: من حيث الشكل في بساطة شديدة وللدارسين والمتدربين ومن هم في بداية الطريق أولا، وحتى نقلل من حدة الخوف والحذر والتردد التي يمكن أن يشعر بها بعض هؤلاء خلال مراحل الكتابة الأولى, وفي بساطة شديدة نقول وكملاحظة أولى إن مقال اليوميات الصحفية، والخواطر والتأملات والفقرات، شديد الصلة، قوي الشبه بالمقال العمودي السابق, وحيث يعتبر في أغلب أنواعه المسيطرة, وتبعا لمفهومه وفلسفته وكما لاحظنا فوق الصفحات نفسها, يعتبر إطارا شكليا يتضمن صورة تحريرية من هذه الصور التي نفصل الحديث عنها في موضع آخر: - أكثر من عمود واحد مركب يقع كل منها في حجم العمود العادي, وحيث تمثل كل فقرة منه عمودا من الأعمدة السابقة ذات موضوعات متعددة أو ذات موضوع واحد "الشكل الأساسي الغالب". - تفصيل للمقال العمودي الذي يتضمن أكثر من فقرة وأكثر من فكرة أيضا دون وجود فواصل بينها. - تناول مسهب لمادة العمود نفسها بموضوعه الواحد وفكرته الواحدة من أكثر من زاوية جديدة، فالعمود مركز ومختصر، ومادتنا هذه يقوم كاتبها بما يتطلبه الإسهاب والإطناب في حدود المعقول والمقبول، والمرتبط بخصائص المادة الصحفية نفسها وبمراعاة حدودها، ومن هنا وإضافة إلى ذلك فإننا نقول بوجود أكثر من شكل، وأكثر من إطار لعل من أبرزها ما تتحدث عنه السطور القادمة: ١- من المفروض أن يكون الأصل في هذا المقال أنه نوع واحد فقط يقسم فيه كاتبه مقاله العام أصلا والمتنوع أساسا إلى عدة فقرات تستقل كل فقرة منها بما يتصل بيوم من الأيام وحيث الصلة قوية، والرابطة قائمة بين هذا النوع

стр. 205

وبين مقال الاعترافات أو المذكرات الشخصية التي تكتب يوميا، وصحيح أن أكثر الكتاب -في هذه الحالة- لا يقسمون المقال إلى سبعة أقسام أو فقرات تمثل أيام الأسبوع، بعد أن كانوا يفعلون ذلك، وإنما يختصرونها إلى ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة أيام فقط, ولكن هذه المقالات على الرغم من ذلك، كانت -وما تزال- الأقرب إلى طابع هذا المقال وطبيعته ومن ثم إلى نوعيته الواحدة العامة كما ينبغي أن تكون، ومن هنا، واستنادا إلى ذلك، فإننا ما نزال ننظر إلى المقالات التي تأخذ هذا الشكل على أنها النوع الأول الأصلي والأساسي في مقالات اليوميات. ولكن لأسباب عديدة من بينها: "الرغبة في التجديد, دخول عامل التخصيص, الاستعانة بالصف الثاني من الكتاب وندرة وجود الصف الأول, الحرص على أن يكون لكل طابعه الخاص المميز حتى وإن كان على حساب الشكل الأساسي لهذا المقال, عدم وضوح الفارق بينه وبين نوعيات أخرى من المقالات خاصة الصحفي العام والتحليلي" لهذه الأسباب وغيرها، وجدنا أنفسنا أمام أنواع عدة من مقالات اليوميات، والخواطر والتأملات كان من أبرزها -من حيث الشكل أو الإطار هنا, إضافة إلى هذا المقال القياسي الأساسي نفسه- تلك التي تعبر عنها الاتجاهات "التقسيمية" التحريرية أيضا، الآتية: ٢- المقال المقسم إلى فقرات متعددة عامة، وليس إلى أيام أو في إطار أيام: وهو الشبيه الأول بالنوع السابق، وأقرب الأنواع إليه بل يكاد لا يختلف عنه في شيء مطلقا سوى أنه لا يأخذ شكل اليوميات ولا ينتظم في إطارها، ومن ثم فإن فقراته لا تسيطر عليها "روح" اليوميات ولا ترتفع فوقها كأصله المقالي وكعنوانات فقرات تلك الأيام التي يتحدث الكاتب عما وقع خلالها فتكون على سبيل المثال: "السبت, الاثنين, الخميس" مثلا، وإنما ترتفع فوقها عنوانات فقرات عادية كالتي نراها مصاحبة للمواد الأخرى، أو بديلاتها، ومن ثم فإن الإطار التحريري لهذا المقال، لا يعتمد أيضا على عنصر الزمن، أو اليومية أو "المفكرة" أو "الأجندة" وإنما على عمومية الموضوع فقط ومن هنا أطلق عليه عن جدارة تعبير "مقال الفقرات"، في مقابل مقال "الفترة الواحدة" وهو العمود الصحفي القصير جدا. ٣- المقال المقسم إلى فقرات متعددة ذات موضوع واحد: وهو شبيه بالمقالين

стр. 206

السابقين شكلا، أو من حيث نظامه الكتابي، وتقسيمه إلى فقرات ولكنه في نفس الوقت: - لا يعتمد الأيام كأسلوب للتقسيم. - وفقراته غير متعددة أو متنوعة الموضوعات. أي: إنه مقال من المقالات ذات الموضوع الواحد، ولكن هذا الموضوع نفسه يقسم إلى عناصر يستقل كل عنصر منها بفقرة خاصة به, وحيث يتضح الشبه الكبير بينه وبين "المقال الصحفي العام" إلا أن هناك أكثر من فارق "بسيط بينهما" أولها التزامه بطابع الفقرات، ثم ثبات مكان نشره وموعد النشر في أغلب الأحوال، وكذا انتظامه, وقبلها جميعها تأتي طبيعة موضوعاته التي تسمح بأن يعبر الكاتب عن خصوصياته، وانفعالاته وأحاسيسه وما يتصل بذلك من أساليب تحرير وليس كذلك المقال الصحفي العام.. وهكذا. فإذا أردنا بعد ذلك أن نقدم مقالا يوضح الفارق بين هذا النوع والنوعين السابقين لقلنا: - في المقال الأول "مقال اليوميات الصحفي الأساسي والقياسي" يكتب المحرر عن أربعة مواقف أو مشاهد حدثت بالنسبة له خلال أربعة أيام: الموقف الأول وقع في اليوم الأول، السبت، وهو يتصل بمعارضته لبعض جوانب لائحة للعاملين صدرت أخيرا, ويكتب عن خلاصة لقاء تم بينه وبين عدد من الذين تؤثر سلبيات هذه اللائحة على مستقبلهم، والموقف الثاني وقع في اليوم الثاني، الأحد، ويتحدث فيه عن خطاب وصله من مصري يعمل بدولة الكويت ويتحدث عن تجربة جديدة شاهدها في رحلة له إلى فرنسا, ويتمنى تنفيذها عندنا, والموقف الثالث وقع في اليوم الرابع الثلاثاء عندما دعي فجأة للحديث خلال ندوة سكانية ويصف ما فعل، والموقف الرابع في اليوم السادس، الخميس، ويتناول ملاحظة عابرة له عندما لاحظ -مثلا- أن جميع وزراء الزراعة خلال فترة طويلة هم من أبناء محافظة الفيوم, أو من الذين "خدموا" بها خلال فترة من فترات حياتهم، وقد لاحظ ذلك خلال حديث له مع وزير الزراعة الحالي.. وهكذا، وحيث يرتب المقال في فقرات يرتفع فوق كل منها يوم من هذه الأيام. - وفي المقال الثاني يكتب عن أربعة موضوعات مختلفة هي بالتتابع: "ذكرياته

стр. 207

في هذا اليوم عندما وقف بعرفة وهو يؤدي فريضة الحج, جار له وصل أخيرا هربا من جحيم الحرب في القطر اللبناني بين "ميليشيات" الدروز والكتائب, أول إصدار شعري لشاعر جديد يبشر بالخير وينتظر منه الكثير, انفعالات بعض أفراد أسرته أثناء مشاهدة مباراة كرة قدم بالتليفزيون" وهكذا وحيث يرتب المقال في فقرات يرتفع فوق كل منهما عنوان يستمد من نفس الموضوع, موضوع الفقرة التالية له. - وفي المقال الثالث يكتب المحرر عن أربعة موضوعات أو مشاهد أو صور أو لقاءات تتصل جميعها برحلة قام بها إلى بلد عربي -أو أي بلد آخر- وعاد منها أخيرا، حيث كان عضوا في وفد صحفي "رسمي" يمثل صحافة بلاده في زيارة لهذا البلد ردا على زيارة وفد صحافته, فإذا كانت الزيارة -مثلا- من جانب الوفد الصحفي المصري إلى دولة "الإمارات العربية المتحدة" فإن موضوعاته مثلا سوف تكون "حديث طائر: عن طائرة طيران الخليج والرحلة وما حدث خلالها, حفل الفروسية: عن حفل أقيم لهم بناد للفروسية, مدينة العين: عن زيارة لهذه المدينة وعيونها ومتحفها وجامعتها, لقاء مع زايد: عن استقبال رئيس الدولة للوفد وما دار خلال اللقاء" وهكذا أو أي شكل آخر، أو مشاهد أخرى ترتبط بهذه الزيارة، ويستقل كل منها بفقرة كاملة على أنه ليس ضروريا أن يتم هذا الارتباط بين موضوعات الفقرات على هذا النحو القوي والمباشر، فيمكن أن يكون أقل ارتباطا، أو يرتبط بالزيارة نفسها عن بعد وهكذا. ٤- المقال الذي يتخذ طريقة أمس واليوم وغدا: وهو نوع آخر من أنواع مقال "اليوميات" لا يتخذ طريقة الفكرة العادية، ولا تتتابع فقراته -زمنيا- وفق تتابع أيام الأسبوع وعلى النحو السابق، وإنما يوضع المقال في إطار زمني آخر هو إطار "أمس, اليوم, غدا" وحيث يتكون هنا من ثلاث فقرات فقط تلك التي تتحدث عن مشهد أو لقاء أو حادث وقع بالأمس، والأمس هنا يعني الماضي القريب في مجموعه، ويجوز أن يكون الماضي البعيد أيضا، أي: إن التاريخ يدخل ضمن هذا المجال أيضا, ثم عن آخر يكون قد وقع في نفس يوم كتابة المقال، أي: إن هذه الفقرة تكون حالية في معظم المقالات، ذاتية في أكثرها أيضا، أو -في أسلوب آخر- تكون فقرة حالية ساخنة، تذكر بالمادة الإخبارية، يقوم الكاتب نفسه بوصفه أحد شهودها -شهود العيان هنا- أو أحد صناعها بتقديمها

стр. 208

إلى القراء, فإذا لم تكن تمثل هذه التجربة الخاصة، فهي حالية فقط وإن غلب عليها الطابع الإخباري.. وأما الفقرة الثالثة -فقرة الغد- فتتناول حدثا أو نتيجة أو واقعة من تلك التي "ينتظر" أن تقوم أو تتم, ولكن الغد هنا لا يعني "اليوم التالي" بمفهومه الضيق، وإنما يعني المستقبل كله. ٥- مقال الفقرات الموضوعية الثابتة: وهو مقال فقرات عادي، ولكنه من جهة أخرى ثابت الموضوع دوريا، أو خلال فترة نشره، بمعنى أن موضوعات فقراته تكون واحدة تقريبا، وتجري وفق نظام واحد أيضا -في الغالب- من أسبوع لأسبوع, وقد ظهر داخل هذه الدائرة، أو انبثق عنها عدة اتجاهات أخرى ترتبط به، تقسم هذه الفقرات إلى تقسيمات نوعية ومن ذلك مثلا: - فهناك كاتب يقسمها إلى: "خبر ومعنى, لقاء, حكاية قصيرة, قالوا". - وهناك من يقسمها إلى: "سياسة, أدب, رياضة, دين". - وهناك من يقسمها إلى: "زائر الأسبوع, كتاب, موقف, أقوال". - وهناك من يقسمها إلى: "مكان وتاريخ, ذكرى, رسالة, مأثورات". - وهناك من يقسمها إلى: "مصري, عربي, إسلامي, عالمي". - وهناك من يقسمها إلى: "سياسة, فن, نقد, خطاب من قارئ". إلى آخر هذه التقسيمات كلها التي يكاد يلتزم فيها الكاتب بموضوعاتها من أسبوع لأسبوع أو دوريا وفق النظام المتبع، وليس ضروريا بالطبع أن يذكر ذلك في بداية كل فقرة مقالية. ٦- المقال غير المقسم إلى فقرات أو مقال الوحدة الواحدة: وهو -كما يؤخذ من اسمه- لا يرتبط بالفقرات، ولا يجري وفق تقسيم معين، بل لا يقوم محرره بتقسيمه أصلا، ولا كذلك مخرج الصفحة أو سكرتير التحرير، وإنما يجري على نسق واحد، وينساب -كنهر- دون عوائق أو سدود، ودون عنوانات فقرات أيضا، من أول المقال حتى آخره، أي: إنه يأخذ شكل المقال العادي، أو الفصل العادي من فصول الكتاب أو المبحث العادي دون تقسيمات أخرى رئيسية أو فرعية يقول هؤلاء -كتابه- عنها أنها تقطعه وتمزق أوصاله ومن ثم تشتت فكر

стр. 209

القارئ وتبعثره، فضلا عن دلالتها القوية على "قصر نفس" وقلة صبر كتابها, وهي أقوال مردودة أو يمكن الرد عليها دون شك, خاصة بما يرتبط بـ"شخصية" هذا المقال، وفلسفته واتجاهاته الأساسية والغرض منه، وطبيعته. ولعل هذا المقال -بعد ذلك كله- يكون أقرب هذه النوعية نفسها إلى "المقال الصحفي العام" وذلك باستثناء ما يتصل بثبات مكانه ووقت نشره وكاتبه وما يتصل بعنصر الذاتية, وما إلى ذلك من أمور يقع بشأنها الخلاف بينهما. ٧- مقال الفقرة الواحدة الطويلة والفقرة القصيرة: وهو تطوير للمقال السابق، أو أنه يكون عبارة عن واحدة واحدة، تتمثل في فقرة واحدة طويلة، تكون من فقرات قصار دون أن يفصل بينها فاصل ما, ولو فاصل زخرفي أو طباعي أو "موتيف" أو نحو ذلك، وإنما تنساب فقراته وجمله وعباراته كنفس النهر المتدفق, ولمسافة بعيدة، هي أكثر المساحة المتاحة أو المخصصة لنشر المقال, ولكن يوجد في نهايته مساحة أخرى صغيرة تقع في حوالي خمس أو سدس مساحة المادة السابقة -المقال الأساسي- وتشغلها إحدى هذه الصور العديدة، أو غيرها: - آية قرآنية كريمة تصور واقعا نعيشه أبلغ تصوير. - حديث نبوي شريف يتناول وضعا نلمسه ونحسه. - مثل عربي سائر ينعكس على صورة أو ظاهرة حالية. - بيت شعر لا ينساه ويردده المحرر كثيرا. - أقوال لبعض الزعماء، أو الحكماء أو رجال الفكر من التي ذكرت خلال الأسبوع أو في الماضي تكاد تصدق مع موضوع المقال الذي يعلوها، وتسايره هي أيضا. - مختصر خطاب من قارئ موجه إلى الكاتب يطرح فكرة أو شكاية أو نقدا. - رد أو عدة ردود موجهة إلى بعض القراء. - بعض الطرائف والنوادر التي يعرفها أو عاشها حديثا.

стр. 210

- بعض التوقعيات أو الحكم الخاصة التي أملتها تجاربه وأفرزتها خبراته وممارساته. - بعض الخواطر السريعة إلى قارئ مجهول أو قارئة مجهولة. - سطور قليلة مما قرأه في كتاب صدر حديثا. - بعض الأخبار القصيرة جدا والهامة للغاية التي نمت إلى علمه والتي تعتبر في حكم الأسرار مع الاهتمام بجاذبية صياغتها وملاءمتها للمادة المقالية. - قصة قصيرة جدا أو أقصوصة هو نفسه كاتبها. - حوار قصير يجري بينه وبين قارئ أو مستمع في حدود نفس المساحة. - ما يتصل بالتراث والكشف عنه والحفاظ عليه. - بعض التعبيرات الخاصة به والتي يطلقها على مفاهيم أو ظواهر أو أسماء معروفة إلى غير هذه اللمحات والخواطر والتوقيعات والمواد كلها. ثالثا: من زاوية المضمون وعندما يريد كاتب من الكتاب، أو صحيفة، أو مجلة أن يحققوا لمقالات اليوميات فرص النجاح فإن ذلك، فضلا عن توفير الكاتب الجيد نفسه، والمكان المميز، والنظام الدقيق، وما يتيحه ذلك كله من أبعاد يمر ذلك -حتما- بالعمل على توفير المضمون الجيد لتلك المقالات, وهذا المضمون الجيد يعني أكثر من عامل، أو عنصر هام, بعضها عوامل أو عناصر عامة، وبعضها نوعية، تتصل بأنواع المقالات نفسها, وهذه وتلك تتحدث عنها السطور القادمة: - الخصائص العامة لمضمون مقال اليوميات: ونعني الاهتمام بهذه الخصائص والعمل على توفيرها كعناصر أساسية ترتبط بمقالات هذا المحرر أو الكاتب في مجموعها, ومن ثم ترتبط بمقالات الكتاب كلهم, في مجموعها أيضا, وأهم هذه العناصر أو العوامل أو الخصائص: ١- الفكرة الجديدة: التي يجب أن تختلف عن أفكار نفس الكاتب من أسبوع لأسبوع، أو خلال الفترة الدورية التي يقوم فيها بالكتابة، وتنشر له الصحيفة أو المجلة مقاله، إلا ما كان منها متصلا بنفس المقالة التي تنشر مجزأة أو في حلقات, وحتى هذه أيضا، فإن الفكرة الجديدة المرتبطة بكل جزء أو بكل حلقة, تضاعف من

стр. 211

فرص نجاح المقال نفسه, ومن ثم فإن اختلاف أفكار الكاتب الواحد، وتكراره يعني اختلاف أفكار الكتاب في مجموعهم, وهي الصورة "المثلى" المطلوبة والتي تطبع مقالات الصحيفة أو المجلة بطابع الجدة، والتجديد، والخصوبة، والتدفق فضلا عما تعكسه من مواهب الكتاب، ومقدرتهم، وظهور ذلك على الورق نفسه. على أنه يقفز هنا أكثر من سؤال من بينها: - هل يمكن أن يتناول المحرر أو الكاتب فكرة جديدة أسبوعيا؟ والإجابة نعم، بل وأكثر من فكرة جديدة, وإلا لما استحق أن يكون من كتاب هذا المقال، ولما تعرض لكتابته أصلا، وذلك من وجهة نظرنا على الأقل. - وسؤال آخر: هل كل كاتب يفعلها؟ ونقول: من المفروض أن يتم ذلك، ثم إننا نتناول ما ينبغي أن يكون دون اهتمام كامل بما هو كائن, وحيث تختلف إمكانيات وقدرات ومواهب، ومن ثم تختلف أفكار الكتاب، أو تختلف مقدرتهم في الحصول عليها وتناولها. - وسؤال ثالث: وما العمل إذا لم يجد الكاتب فكرة جديدة كل أسبوع؟ والإجابة أن الحل بسيط، وهو تناول الفكرة القديمة من زاوية جديدة، وحيث يقدم له ذلك عشرات الزوايا وليس زاوية واحدة فقط١. ٢- التنوع: والتنوع هنا لا يعني تنوع الأفكار, وإنما تنوع الموضوعات التي يتناولها المحرر، وحيث تؤثر هذه -كل الأثر- في اختلاف المضمون وتنوعه من فقرة إلى فقرة ومن مقال إلى مقال، ومن أسبوع لأسبوع, وهكذا وحيث يتحقق بهذا التنوع جانب أساسي من جوانب "الفلسفة" التي تقوم عليها هذه المقالات، وهو تناولها لمختلف الثقافات والاتجاهات والمواقف، سعيا وراء جذب "عامة القراء" وعلى اختلاف أذواق القراء ومشاربهم ومواقفهم, والارتفاع بمستوياتهم "جميعا" وتحقيق أهداف بالنسبة إلى "كل" القراء. ٣- المعاصرة: ولها في فكر كتابه وينبغي أن يكون لها أيضا أكثر من مفهوم متشعب ومتسع بحيث تعني تلاحم هذه العوامل وتشابكها معا:

стр. 212

أ- مواكبة الاهتمامات الحالية للقراء في مجموعهم، داخلية وخارجية. ب- متابعة الاتجاهات والآراء والمذاهب والمواقف الجديدة وتقديمها للقراء. جـ- الاهتمام بعنصر الشخصيات الجديدة التي تظهر على الساحة. د- إبراز الجوانب الجديدة في الموضوعات القديمة أو المعروفة. ٤- الثراء: ومعناه ألا يكون المضمون خفيفا، ظاهريا أو قشريا، وإنما يتضمن من المعلومات الجادة، والمتنوعة والدقيقة، ومن الأفكار والآراء والأقوال، والدلائل والاستشهادات، والأحداث والوقائع والتفاصيل, يتضمن من هذه كلها الكثير والوفير والخصب, والذي يعكس ثقافة كاتبه وأحيانا "موسوعيته" وحيث يحس القارئ في نهاية المقال أنه قام برحلة فكرية أفاد منها الشيء الكثير من الثقافة، والمتعة، وأطلعته على العديد من الأفكار، وأثارت المتنوع من القضايا، ووضعت يده على أشياء لم يكن على معرفة بها وساعدته على اكتشاف عوالم جديدة، فضلا عن قضاء وقت مفيد, وبما يبرر ما بذله في قراءتها من وقت وجهد، بما يبرر المساحة التي شغلتها من حيز الصفحة. ٥- الجاذبية: وصحيح أن هذا العنصر يمكن أن يتحقق بواسطة اللغة والأسلوب، كما يتحقق أيضا بواسطة "الإخراج الصحفي" ولكن ما نقصده هنا هو جاذبية المضمون وتفاعلها مع العناصر السابقة، واللاحقة أيضا وحيث تعني هذه الجاذبية عدة أمور من بينها مثلا: أ- جاذبية "الفكرة" والتي تتحقق بحسن اختيار الأفكار التي تجذب إلى موضوعها أكبر عدد ممكن من القراء على اختلافهم وتنوعهم. ب- غرابة موضوع المقال بالنسبة لغالبية القراء. جـ- طرافة المضمون بحيث يقبل على قراءته الكبير والصغير والفتى والفتاة بل والأطفال أيضا. د- كثرة القضايا والمواقف الساخنة والملتهبة أيضا التي يمكن أن يثيرها المقال. هـ- الشخصيات الهامة التي يتناولها خاصة ما يتصل منها بعنصر الشهرة أو النجومية كالحديث عن نجوم العلم أو الفن أو الأدب أو الرياضة وغيرهم.

стр. 213

و محلية الموضوع واقترابه من القارئ في سكناه أو عمله "عنصر المكان". ٦- التقاليد: عنصر أخلاقي، يتصل بضمير الكاتب ودوره في مجتمعه، ومعناه في بساطة أن يكون المضمون العام للمقال مما يؤكد المثل العليا، ويدعم التقاليد ويؤيد ويبرز السلوكيات الإيجابية ويدافع عن الحق والعدل، ويدعو إلى العمل ويحض على الخير ويحث على الفضيلة بنفس القدر، الذي يهاجم به الحقد والأثرة والأنانية والتفرق والتمزق، ويحمل فيه على الشر والسلوكيات المريضة, ويقف في مواجهة الخنوع والسلبية والرذيلة.. وهكذا. ٧- بين الموضوعية والذاتية: ومقال اليوميات الصحفي، مثله في ذلك مثل فنون صحفية تحريرية أخرى كثيرة، في مقدمتها "فن التحقيق الصحفي" ينبغي أن يجمع فيه كاتبه وخلال مضمونه بين طرفي نقيضين، أو قطبين أحدهما سالب والآخر موجب, هذان هما: الموضوعية والذاتية, ومن هنا وبينما يجب وينبغي عليه أيضا أن يكون موضوعيا في نظرته إلى الأمور والمشكلات والمواقف والقضايا، وهو يتابعها، ويقرأ عنها، ويستمع إلى أصحابها ويناقشهم, وما إلى ذلك كله نجد أن عليه في نفس الوقت ألا يهمل رأيه الخاص، أو يتجاهل ذاتيته وإيجابيته، أو يلقي بأحاسيسه وعواطفه وانفعالاته أدراج الرياح, لا سيما في المجالات التي تتطلب ذلك، وفي الأنواع التي تكون الذاتية "زيتها ووقودها" الذي به تشتعل وتتوهج وتضيء أيضا، خاصة ما يتصل منها بمقالات: "الخواطر والتأملات, الصورة القلمية, الاعترافات" بل إننا هنا لسنا من القائلين -بالنسبة لهذه المقالات بالذات- بأن على محررها أو كاتبها أن يترك آراءه الخاصة عند باب غرفة التحرير، أو يخلعها كما تخلع المعاطف وأغطية الرءوس وتترك العصا وربما السلاح أيضا عند أبواب الاحتفالات, أو اللقاءات الهامة حتى إذا ما انتهى من حضور الحفل -الكتابة هنا- عادت إليه هذه الأدوات أو الأردية كلها, أقول إن من الواجب أن تعطي لكاتب هذه الأنواع من مقالات اليوميات التي تمثل "الأدب الصحفي" حرية أكبر في التعبير عن نفسه وأحاسيسه وعواطفه, دون إلغاء أو تأييد لإلغاء ما هو شخصي ليس فقط لأن: "اهتمامات الصحفي ولو كانت خاصة قد تتصل باهتمامات القراء أنفسهم"١ وإنما لأن كاتبه

стр. 214

حتى وإن كانت المادة الإخبارية هي ميدان عمله الأساسي أو القديم, إلا أنه عندما يجلس إلى كتابة هذا النوع من المقالات فإن عواطفه وأحاسيسه تقدم وتكاد تسيطر عليه, كما أن أكثر كتابه يتميز بطابع الفنان الذي يريد التعبير -في صدق- عن مشاعره، فضلا عن الكتاب الأدباء أصلا, وجميعهم يقدمون للقارئ ما يرى فيه نفسه وما يتحدث بلسانه، وما يضع يده على مواطن المتعة والراحة النفسية, وكم نحن في حاجة إلى أمثالهم, حتى وإن كان بعضهم يغلب "الأنا" ويقدمه. على أنني أقول إن من الملاحظ أن الكثرة من هؤلاء الكتاب -والحمد لله- تعرف جيدا، وتقوم أيضا بالربط الوثيق بين "الأنا" وبين اهتمامات القراء ومصالحهم وتحاول تحقيق التوازن بينهما. ٨- وخصائص عديدة: وهناك عدة خصائص وعوامل وعناصر نجاح أخرى ينبغي أن تتوافر في هذه المقالات، نجملها هنا في الآتي: أ- أن يكون الطابع السائد والنغمة الطاغية على هذا المضمون هو طابع مقال اليوميات ونغمته وليس طابع مقال آخر غيره، وبالتالي ليس الطابع الإخباري أو النغمة الإخبارية، كما أنه ليس الطابع التقريري وما إلى ذلك كله. ب- أن يتناسب المضمون مع المساحة المتاحة لنشر هذه المقال، ومن ثم يقع نفس التناسب بين فقراته، من فقرة إلى أخرى. جـ- أن يكون المضمون نفسه مما يتصف بالوضوح والإشراق وليس الغموض أو الإهام. د- أن يحدث التوازن المطلوب بين "الإضافات المشوقة والمثيرة"١ التي تتصف بها عادة المادة الصحفية، وبين الإبقاء على قدر محترم وبارز ومفيد من المضمون المقالي, أو في تعبير آخر، أن يحدث هذا القدر من التوازن بين فكر الكاتب وتعبيره، وبين شكل المقال ومضمونه, علما بأن هذه الإضافات المشوقة, وهذا التعبير هنا هو بقلم الكاتب نفسه وليس بقلم أحد غيره. هـ- وعندما يتعرض الكاتب لبعض المسائل العلمية، أو الحقائق المقررة والثابتة،

стр. 215

أو يقدم على دعم مقاله بواسطة الرقم، وإلى غير هذه الأمور، فإن الدقة تمثل ضرورة لا بد منها ومطلبا لا محيد عنه, وهي هنا لا تتعارض -بحال من الأحوال- مع ذاتيته، أو تعبيره الخاص، أو طابع الجاذبية، بشرط أن يحسن المواءمة بين هذه الأمور كلها. - الخصائص النوعية لمضمون مقال اليوميات: أي إنها مجموعة العوامل والعناصر التي ينبغي أن يتصف بها كل مقال من المقالات السابقة، والتي ترتبط به قبل ارتباطها بغيره من النوعيات الأخرى، كما يكون توافرها في نوع ما أكثر منه في نوع آخر، ومن هنا، ومن خلال المادة المنشورة فوق الصفحات نفسها فإننا نتتبع هذه الخصائص من مقال يوميات إلى مقال يوميات آخر, وذلك بالإضافة إلى ما سبق، وحيث نجد: ١- بالنسبة لخصائص مقال "الخواطر والتأملات" نستطيع أن نقول: إنها ليست كل خاطرة تترى على ذهن الكاتب، أو تقفز إليه، وليس كل تأمل أيضا يكون جديرا بالتناول, وإنما ينبغي أن تتوافر في هذه الخواطر والتأملات، وكذا في مضمون مقالها نفسه عدة أمور من بينها: - البعد عن الخواطر والتأملات الفلسفية أو ذات الطابع الفلسفي. - البعد ما أمكن عن هموم الكاتب الخاصة باستثناء ما يمكن أن يكون له انعكاساته على هموم القراء، أو ما يحس الكاتب أن له أثرا في ذواتهم. - عدم الإغراق في الجانب الذاتي إلى أقصى حد، وكما يحدث في حالة كتابته لمؤلف أدبي يعلن عن خياله وأحلامه ما دام المقصود بالكتابة هو النشر الصحفي. - البعد عن المضمون الرمزي الذي لا يسهل إدراكه بالنسبة لكثرة من القراء. ٢- وبالنسبة للمقال الديني فإن على كاتبه أن يلتفت إلى تحقيق عدة أمور من بينها: - الاهتمام بالموضوعات والقضايا ذات الأهمية عند جموع القراء، وخاصة تلك التي تثير نوعا من الجدل بينهم استنادا إلى وقائع وقضايا حديثة طغت على سطح مجتمعهم. - ولكنه الجدل بالحق، والذي يفتح باب الحوار الإيجابي الهادف والبناء في أمور الدين.
следующие страницы →