← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10545

المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني

ابن جني

Полный текст (489 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بجعفر. وذا أكثر من أن أعده لك١, ولكن أضع لك رسمًا تستدل به إن شاء الله. قال أبو الفتح: يدل على زيادة الألف في مِعْزى أنهم يقولون في معناه: مَعَز ومَعْز ومَعِيز, فتذهب الألف في الاشتقاق٢، ويدل على أن الألف في آخر أرطى زائدة أنهم يقولون٢: أديم مأروط؛ إذا دُبِغ بالأرطى، فقد ذهبت الألف في الاشتقاق، فمِعْزى فعلى، وأرْطى فعلى٣ والألف في آخرهما للإلحاق؛ لأنهما بوزن "هِجْرَع وجَعْفر". ويدل على أنهما ليستا للتأنيث، أنهما منونتان، ولو كانتا للتأنيث لما نونتا على وجه. ألا ترى أن مثل "حُبْلى وسَكْرى وجُمادى" لا ينون أبدًا، وأيضًا فقد قالوا: أرْطاة، فألحقوا الألف علامة التأنيث، ولو كانت للتأنيث لم تلحقها الهاء؛ لئلا تجتمع في الاسم علامتا تأنيث، ألا ترى أنك لا تقول في حبلى: حبلاة, ولا في سكرى: سكراة، وأيضًا فإن معزى مذكر. قال الشاعر: ومِعْزًى هدبا يعلو ... قران الأرض سودانا فليست الألف فيه للتأنيث؛ لأنه مذكر، وكذلك قولهم: "سِعْلاة، وعِزْهاة, وجَلَعْباة, وصَلَخْداة"، الألف في أواخرها للإلحاق بمثل "هجرع وفرزدق" يدل على ذلك لحاق علامة التأنيث فيها, وحكى سيبويه: "بُهْمَاة"، وهذا حرف شاذ؛ لأنه أدخل الهاء على ألف فُعْلَى وألف فعلى لا تكون إلا للتأنيث.

стр. 37

والقول١ عندي في ذلك أن الذي أدخل الهاء في "بهماة" اعتقد في الألف أنها ليست للتأنيث، فإما أن يكون جعلها بمنزلة ألف قَبَعْثَرى زائدة لغير إلحاق ولا تأنيث، وإما أن يكون جعلها ملحقة للكلمة ببناء جُخْدَب على مذهب الأخفش. فإن قلت: فإنه يلزم على هذا أن تنون "بُهْمَى" بعد حذف الهاء أو قبل دخولها على قول من أدخل الهاء عليها؟ قيل: قد يجوز أن يكون الذي أدخل الهاء عليها فخالف الجمهور إذا حذفها، وافق الجميع على أن تكون للتأنيث، فيخالف إذا ألحق٢ الهاء، ويوافق إذا حذفها، أو يكون الذي قال: "بهماة" بناها في أول أحوالها على التأنيث كما قالوا: "عَرْقُوَة وقَمَحْدُوة والنهاية ومِذْرَوَان وثِنايان" فبنوا هذه الأشياء في أول أحوالها على التأنيث والتثنية، فكذلك بهماة تكون مبنية على التأنيث لا مذكر لها. وحكى أبو الحسن "شُكاعاة"، وحكى أبو زيد أنهم يقولون: "قَصْباءَة، وحلفاءة، وطرفاة" بالهاء والهمزة، وهذا من النادر الغريب، وحدثني أبو علي أن أبا الحسن حكى عنهم "أديم مَرْطِيّ" وليس في كثرة مَأْرُوط، فينبغي أن يكون أرطى على هذا القول أَفْعَلا وتُنَوَّن؛ لأنها نكرة بمنزلة "أفْكَل وأيْدَع" وتكون أرطاة على هذا أفْعَلَة مثل أرملة وإن لم تكن وصفا، وحكى بعضهم: أديم مُؤَرْطى، فهذا يحتمل عندي أمرين، أجودهما أن يكون مُفْعَلى بمنزلة مسلقى ومجعبى. ويحتمل أيضا أن يكون مُؤَفْعلا بمنزلة قول الراجز: فإنه أهل لأن يؤكرما

стр. 38

وإنما كان الوجه الأول أقيس؛ لأنك تجعل الهمزة فيه فاء وذلك أقيس؛ لأن مأروطا أفشى في اللغة من مرطي, وكلاهما جائز والأول الاختيار. في الأفعال: قال أبو عثمان: وقد تلحق الأفعال من الثلاثة بالأفعال من الأربعة كما فُعل ذلك في الأسماء١ من الثلاثة حين ألحقت بالأربعة، وسأذكر بعض ذلك إن شاء الله. فمن ذلك "قد حَوْقَلَ الرجل حوقلة، وجهور في كلامه جهورة, وبيطر الدابة بيطرة". قال أبو الفتح: اعلم أنهم أرادوا أن يتسعوا في الأفعال كما اتسعوا في الأسماء, فألحقوا الثلاثية بالرباعية، فالواو والياء في هذه الأفعال ونحوها لا تكون إلا زوائد؛ لأنهما لا يكونان أصولا في ذوات الأربعة إلا في التضعيف، وسيأتي في موضعه. "فحوقل نظير كوثر وجهور نظير جدول" وقد سمي بهما جميعا٢ قالوا: فلان بن حوقل وفلان بن جهور وكلاهما مصروف؛ لأن هذا بناء لا يختص بالفعل دون الاسم كما تصرف رجلا يسمى كَعْسبا, ذكر ذلك سيبويه, واحتج به على عيسى بن عمر؛ لأنه كان لا يصرف ضرب اسم رجل. قال سيبويه: وكَعْسَبَ فَعْلَلَ٣ من الكَعْسَبَة وهو ضرب من العدْو, ويجوز عندي أن يكون اشتقاق حوقل من الحَقْلَة, وهي ما بقي من نُفَايات التمر؛ لأن قولهم: قد حوقل الرجل معناه كَبِر وضَعُف, فصار كأنه لم يبق منه إلا نفايته، وقال الراجز٤:

стр. 39

يا قوم قد حوقلت أو دنوت ... وبعض حيقال الرجال الموت وهو قريب في المعنى من قولهم: شيخ قاحل؛ إذا كبر ويبس١, وليس على نظمه لأجل التقديم والتأخير في الحروف، ولكنه قريب٢ من لفظه, وقريب من معناه٣ وليس على نظمه٣، ولهذا نظائر في كلام العرب. ولو قلت: إن أكثر لغاتها على هذا المنهاج, لكان قولا. ونظير هذا قولهم: جبرت الشيء إذا قويته ومكنته. ثم قالوا: "بُرْج، والبروج: الحصون"، وهي تمنع من فيها وتُعِزه. وقالوا: "المُرَجَّب" للمعظم، وتعظيمك الشيء ومنعك منه وجبرك إياه قريب بعضه من بعض في المعنى، وليس جبرت على تأليف برج, ولا على تأليف المرجب؛ لأجل التقديم والتأخير. فالحروف واحدة، واللفظ متفق، والنظم مختلف، وهذا باب واسع يعم أكثر اللغة ويحتاج الناظر فيه، والباحث عنه إلى أن يكون لطيف النظر. ثم نعود لما كنا فيه. وقولهم٤: جَهْوَر في كلامه، هو من الجهارة وهو ارتفاع الصوت وظهوره، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٥ أي: عِيانًا, ومنه قولهم: "جهرت البئر" إذا أخرجت ما فيها من الحمأة, فأظهرته لمرآة العين، فالواو فيه زائدة. وقولهم: بَيْطَر الدابة: أصله من البَطْر وهو الشق في جلد أو غيره، ويقال٦: بطرتُ الجُرْح أبطُره وأبطِره بطْرا، ومنه سمي البَيْطار؛ لأنهم كثيرا ما يصفونه بالشق والنقب، ألا ترى إلى قول الشاعر:

стр. 40

اعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا أقب لم ينقب البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يقطع له عصبا حتى تصادف مالا أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا فمن هنا قيل: بيطر الدابة، وقالوا في هذا المعنى: "رجل١ بَيْطَر وبِيَطْر ومُبَيْطِر وبَيْطَار" فقد صح أن الياء في بيطر زائدة، وإنما أذكر في هذه المواضع مثل هذا الاشتقاق؛ لأن الحاجة تدعو إليه لتقوم الدلالة على زيادة الحروف المزيدة؛ لأنه موضع تبيين ذلك. قال أبو عثمان: فإذا أرادوا أن يلحقوا الثلاثة بالأربعة بزائدة في آخره, زادوا ياء في آخره, فأجروها مجرى الياء التي من نفس الحرف٢, وذلك قولهم: سلقيته وجعبيته، فهذا الذي ذكرت لك من الإلحاق في الثلاثة من الأسماء والأفعال ببنات الأربعة. قال٣ أبو الفتح٣: اعلم أن الياء في "سَلْقَيْتُ وجعبيت" هي أصل للألف في "سَلْقَى وجعبى". فإن قيل: وما الدليل على أن الياء الأصل دون الألف؟ قيل: ظهور الياء عند سكون لام الفعل، وذلك نحو: "سلقيت وجعبيت" فجرى ذلك مجرى "رميت وسعيت"؛ لأن السكون بعد٤ الحركة؛ ولذلك٥ قال أبو عثمان: زادوا في آخره ياء ولم يقل: زادوا ألفا. ولهذا أيضا مَثَّل بسلقيت ولم يُمَثِّل بسَلْقَى.

стр. 41

وقوله: وأجروها مجرى الياء التي من نفس الحرف: يريد به أن الياء التي في سلقيت -على أنها زائدة- تجري مجرى الياء التي في أمضيت, وكلاهما١ أصل غير زائد، ألا ترى أنك تقول: "سَلْقَى يُسَلْقِي سِلْقَاء فهو مُسَلْقٍ، كما تقول: أجرى يجري إجراء فهو مجرٍ". وأما قولهم في المصدر أيضا: "سَلْقاة وجعباة" فهو نظير "الضَّوْضاة والقَوْقاة" مصدر: "ضوضيت وقوقيت" ونظيرهما من الصحيح "الدحرجة والقلقلة والزلزلة"؛ لأن "سلقى" ملحق "بدحرج"، فلذلك جاء مصدره بمنزلة الدحرجة. وقالوا: "سلقيتُ سِلْقاء" كما قالوا: "دحرجتُ دِحْراجا" وقال الراجز: سَرْهَفْتُهُ ما شئت من سِرْهاف ولم يقولوا: أكرمته أَكرمة بوزن دَحرجة؛ لأن أكرمت ليس ملحقا بدحرجت. الإلحاق المطرد في الأسماء والأفعال: قال أبو عثمان: وهذا الإلحاق بالواو والياء والألف لا يقدم عليه إلا أن يُسمَع, فإذا سُمع قيل: أُلحق ذا بكذا بالواو والياء وليس بمطرد، فأما المطرد الذي لا ينكسر، فأن يكون موضع اللام من الثلاثة مكررا للإلحاق، مثل "مَهْدَد وقَرْدَد وسُؤْدُد وعُنْدُد"، والأفعال "جلبب يُجلبب جلببة". قال أبو الفتح: اعلم أن قوله: وهذا الإلحاق بالواو والياء والألف لا يقدم

стр. 42

عليه: يريد به الأسماء والأفعال جميعا لا أحد القبيلين، وإنما لم يطرد عنده؛ لأنه لم يكثر كثرة ما يكون إلحاقه بتكرير لامه نحو مَهْدَدٍ وجَلْبَبَ، فلما لم يكثر كثرته لم يقسه وسلم ما سمع منه, وهذا الذي عملوه هو القياس عندي؛ لأنك إذا أردت أن تلحق شيئا بشيء أكثر حروفا منه, فلا بد من زيادة تبلغه ذلك الغرض المطلوب. وينبغي أن تكون الزيادة عند انقضاء حروف١ الكلمة الأصول، ولا تجيء بالزوائد٢ قبل أن نستوفي ما له٣ من الأصول؛ لأنه كان يكون حكمك لو فعلت ذلك, حُكم من له دراهم فاحتاج إلى إنفاقها فتركها بحالها لم يعرض لها, وذهب يَدَّان غيرها فينفقه. فلما فني ما ادَّانه عاد على٤ ماله بالنفقة، فهذا ليس في حزامة من بدأ بإنفاق ماله. فلما فني ونفد دعته الضرورة إلى أن يدّان ويسأل الناس فهو حينئذ أعذر من الأول. وإنما مثلت هذا لينكشف القياس، ولم أتعد في هذا التمثيل ما جرت به عادة النحويين, ألا ترى أنهم يقولون: إن الإمالة إنما دخلت الكلام ليتجانس الصوتان. قالوا: ولو قلنا: عالم فلم نُمِل، لكان النطق بكسرة اللام بعد إشباع الفتحة بالألف كالنزول في حُدور من موضع عالٍ، فأملنا فتحة العين لتصير الألف بين الياء والألف، فتقرب بذلك من كسرة اللام, فيكون ذلك كالنزول من موضع غير مفرط العلو، وهذا أخف من الانكسار بعد إشباع الفتحة. فإن قلت: فهلّا قاسوا الإلحاق في مثل سلقى وجعبى؛ لأن الزيادة بعد

стр. 43

انقضاء الحروف الأصلية؟ فالجواب في ذلك أنهم إنما أرادوا أن يبلغوا بالثلاثة الأربعة، والأربعة كلها أصول، فلما لم يكن بد من الزيادة، كرروا الأصل فقالوا: جلبب، فكان تكرير الأصل إذا أريد الإلحاق بالأصل أشبه. ألا ترى أن جَلْبَبْتُ بوزن دَحْرَجْتُ, والجيم من الأصل، فكرروا الباء في جلببت؛ لأنها وإن كانت زيادة، فإنها تكرير أصلي والأصل أشبه بالأصل وإن كان مكررا، والياء في سلقيت -مع أنها زائدة- ليست من أصل١ القاف في شيء، فهذا الذي عندي في هذا. ومعنى قوله: إن باب "مهدد وجلبب" مطرد، وباب "كوثر وجهور" غير مطرد, يريد: أنك لو احتجت في شعر أو سجع أن تشتق٢ من ضَرَبَ اسما أو فعلا أو غير ذلك, لجاز٣ وكنت تقول: ضَرْبَبَ زيد عمرا وأنت تريد ضَرَبَ٣, وكنت تقول: هذا ضرببٌ قد٤ أقبل, إذا جعلته اسما، وكذلك ما٥ أشبه هذا ولم يكن يجوز لك٥ أن تقول: ضَوْرَبَ زيد عمرا، ولا: هذا رجلٌ ضوربٌ؛ لأن هذا الإلحاق لم يطرد اطراد الأول, فلا تقسه٦. وسألت أبا علي عن هذا الموضع في وقت القراءة بالشام والعراق جميعا، وأنا أثبت ما تحصّل من قوله فيه, فقال٧: لو اضطر شاعر الآن، لجاز أن

стр. 44

يبني من ضَرَبَ اسما وفعلا وصفة وما شاء من ذلك، فيقول: "ضَرْبَبَ زيدٌ عمرًا، ومررتُ برجل ضرببٍ، وضرببٌ أفضل من خَرْجَجٍ"؛ لأنه إلحاق مطرد، وكذلك كل مطرد من الإلحاق نحو: هذا "رجل ضَرَنْبًى"؛ لأن هذا الإلحاق مطرد، وليس لك أن تقول: هذا رجل "ضَيْرَبٌ، ولا: ضَوْرَبٌ"؛ لأن هذا لم يطرد في الإلحاق. فقلت له: أترتجل اللغة ارتجالا؟ فقال: نعم؛ لأن هذا الإلحاق لما اطرد صار كاطراد رفع الفاعل، ألا ترى أنك تقول: طاب الخُشْكَنانُ, فترفعه وإن لم تكن العرب لفظت بهذه الكلمة؛ لأنها أعجمية؟ قال: وإدخالهم الأعجمي في كلامهم كبنائك ما تبنيه من ضَرَبَ وغيره في١ القياس, وهذا من طريف ما علقته من أبي علي، وهذا لفظه أو معنى لفظه. الزيادة للإلحاق المطرد وغير المسموع للتدريب: قال أبو عثمان: فإذا سُئِلتَ: كيف تبني من ضَرَبَ مثل جَعْفَرٍ؟ قلت: ضَرْبَب، ومن علم قلت: عَلْمَم، ومن ظرُف قلت: ظَرْفَفٌ، وإن كان فعلا فكذلك, وتجريه مجرى دحرج في جميع أحواله. قال أبو الفتح: اعلم أن معنى٢ قول أهل التصريف: ابن لي من كذا مثل كذا, إنما معناه: فُكّ٣ صيغة هذه الكلمة٣ وصُغْ من حروفها مثل هذا الذي قد سئلت أن تبني مثله, بأن تضع الأصل بحذاء الأصل، والزائد بإزاء٤ الزائد، والمتحرك

стр. 45

بإزاء المتحرك، والساكن بإزاء الساكن، وتضم ما سألك أن تضمه، وتفتح ما سألك أن تفتحه، وتكسر ما سألك أن تكسره، فتحتذي المثال المطلوب. وذلك نحو قولك: ابنِ من خرج مثل هِجْرَع؟ فجوابه "خِرْجَج" ومثله١ من دخل: "دِخْلَل"، وإن كان في المثال المطلوب زائد جعلته فيما تبنيه أنت. وذلك قوله: ابن لي من ضرب مثل خَيْفَق؟ فجوابه: "ضَيْرَب"؛ لأنه في هذه المسألة كأنه قال لك: اجعل ثاني الحروف ياء زائدة فلم تعد ما سألك، وكأنه في المسألة الأولى قال لك: كرر اللام من خرج؟ فجوابه: خَرْجَجَ. فإن كان المبني منه معتل الحروف فأوجب عليك احتذاؤك المثال المقصود إعلالا بحركة أو سكون أو قلب أو حذف, ارتكبت ما أداك إليه السؤال, وسيمر بك تفصيل هذه الجملة في مواضعه. وإنما قدمت هذا لتجعله قاعدة تبني عليها، وإذا عرف الأصل قرب الفرع والله المعين. وقوله: وتجريه مجرى دحرج في جميع أحواله, يريد به: أنك تقول: ظَرْفَفَ يُظَرْفِفُ ظَرْفَفَةً فهو مُظَرْفِف وذلك مُظرفَف وتظهر ولا تدغم؛ لأنه ملحق, فلو أدغمت لزال البناء. قال أبو عثمان: فهذا الذي ذكرت لك أنه يطرد في الإلحاق والذي تقدم قبله من الملحق بالواو والياء ليس بمطرد إلا أن يسمع، ولكنك إن سئلت عن مثاله جعلتَ في جوابك زائدا بإزاء الزائد, وجعلتَ البناء كالبناء الذي سئلت عنه. قال أبو الفتح: قد تقدم قولنا في الفصل بين المطرد وغيره. وقوله: إن

стр. 46

سُئلتَ عن مثاله جعلتَ في جوابك زائدا بإزاء الزائد, يريد: أنك إذا مثّلته إما للرياضة وإما لتبيين الأصل من١ الزائد؛ لزمك أن تنطق بالزائد في المثال ليمتاز الأصل من غيره. وقوله: وجعلت البناء كالبناء الذي سئلت عنه, يريد به الآن: الصيغة ونظم الحروف في التقديم والتأخير والحركة والسكون، ولهذا٢ قلت في "كَوْثَر: إنه فَوْعَل, وفي صَيْرَف: إنه فَيْعَل, وفي جَهْوَر: إنه فَعْوَل". قال أبو عثمان٣: فإن قيل لك: ابن٣ من ضرب مثل جَدْوَل؟ قلت: ضَرْوَب, ومثل كَوْثَر: ضَوْرَب, ومثل جَيْئَل: ضَيْرَب، وإن كان فعلًا فكذلك. قال أبو الفتح: اعلم أنه ليس يريد أنك تقيس في الإلحاق على "جدول وكوثر وجيئل" قياسًا مطردًا؛ لأنه قد ذكر بديئًا أنه غير مطرد في بابه، وإنما يريد أنك لو مثلته من الضرب لقلت: "ضَوْرَبٌ وضَرْوَبٌ وضَيْرَبٌ"، كما أنك لو مثلته من الفعل لقلت: "فَوْعَلٌ وفَعْوَلٌ وفَيْعَلٌ"، فكأنه قال لك: ما مثال "كوثر وجدول وجيئل" من الضرب، كما يقول لك: ما مثال هذه الأشياء من الفعل. وقوله: وإن كان فعلًا فكذلك, يريد به: أنك لو مثلت "حوقل وجهْور وبيطر" من ضرب، لقلت: "ضَوْرَبَ وضَرْوَبَ وضَيْرَبَ" كما فعلت في الاسم؛ لأن التمثيل في القبيلين واحد.

стр. 47

إلحاق الرباعي بالخماسي من الأسماء: قال أبو عثمان: وقد يُبْلَغُ ببنات الأربعة الخمسة من الأسماء كما بُلغ بالثلاثة الأربعة كما ذكرت لك١, وسنبين كل شيء في موضعه إن شاء الله٢. فمما أُلحق من الأربعة بالخمسة: قَفَعْدَد ملحق بسفرجل وهَمَرْجل. قال أبو الفتح: اعلم أن القياس المطرد في إلحاق بنات الأربعة بالخمسة أن تكرر اللام كما فعلتَ ذلك في الثلاثة نحو: "مَهْدَد وقَرْدَد"؛ لأن محل الخمسة من الأربعة محل الأربعة من الثلاثة؛ فلذلك استويا في هذا المعنى. ولهذا بدأ أبو عثمان "بقفعدد" وترك "فَدَوْكَسا وسَمَيْدَعا" ونحوهما مما ليس إلحاقه بتكرير اللام، وسيأتيك إن شاء الله، ومثل٣ قَفَعْدَد سَبَهْلَل وصَمَعْدَد٤. قال أبو عثمان: وقد تلحق الثلاثة بالخمسة نحو: عَفَنْجَج وهو من الثلاثة، فالنون٥ وإحدى الجيمين زائدتان. قال أبو الفتح: اعلم أنك إذا استوفيت ثلاثة أحرف من الأصول ثم تكررت اللام؛ قضيت بزيادتها٦ وذلك نحو: "قَرْدَد وجَلْبَبَ" فالدال والباء الأخيرتان زائدتان٦؛ لأنهما٧ قد تكررتا. ولو كان في موضع الدال الأخيرة حرف غير

стр. 48

الدال, لكانت الكلمة رباعية وذلك نحو "قَرْدَسَ وقَرْدَحَ" لو كان هذا مما١ ينطق به. وكذلك لو كان في موضع الباء الأخيرة غير الباء، لكانت الكلمة رباعية نحو: "حَلْبَسَ وجَلْبَحَ" لاختلاف الحروف، ولو قالوا: "قَرَّدَ وجَلَّبَ" لكان ثلاثيا أيضا؛ لأن العين قد تكررت كما تكررت اللام، ومثله قطّع وكسّر، ولكن لو وجدت بعد الراء من قَرْدَدٍ، واللام من جَلْبَبَ، لفظ الفاء لكانت الكلمة رباعية؛ لأن الفاء لم تكرر في كلام العرب إلا في حرف واحد وهو: "مَرْمَرِيس" فلو قالوا: "قَرْقَر وجَلْجَب" لكان رباعيا, ولم تكن الفاء مكررة. ونظيره من كلامهم في الأسماء "قَرْقَل، وفَرْفَخ"، وفي الأفعال: "زَهْزَق، ودردب" ونظيرهما من ذوات الخمسة "صَهْصَلق، ودَرْدَبيس". وإذا كان الأمر على ما ذكرنا, فلا محالة أن إحدى الجيمين في عَفَنْجَج٢ زائدة؛ لأنها لام قد تكررت بعد حرفين أصليين لا محالة، وهما: العين والفاء. والنون أيضا زائدة؛ لأنها ثالثة ساكنة، والكلمة على خمسة أحرف، ومتى جاءت النون هكذا, فاقض عليها بأنها زائدة، وإن جهلت الاشتقاق؛ لأنها لم توجد فيما عرف اشتقاقه على هذا٣ السبيل إلا زائدة. ويريد أبو عثمان بقوله: إن إحدى الجيمين زائدة، أنها مكررة, لا أنها من حروف الزيادة العشرة؛ فقد صح من طريق القياس أن الكلمة ثلاثية، وأما من

стр. 49

طريق الاشتقاق فهي أيضا كذلك؛ لأن "العَفَنْجَج" هو الجافي، وقد قالوا: عَفَجَهُ بالعصا؛ إذا ضربه، والضرب بالعصا من الجفا. قال الراجز: فاحذر فلا تكتر كريا أعوجا ... علجا إذا ساق بنا عَفَنْجَجَا زيادة النون والألف: قال أبو عثمان: ومثل ذلك١ حَبَنْطى ودلنظى وسرندى, النون والألف زائدتان؛ لأنك تقول: حبط بطنه، ودلظه بيده وسرده، فهذا من الثلاثة, وقد ألحق بالخمسة كما ألحقت الأربعة بها، وهذا كثير، ولكن هذا موضع اختصار. قال أبو الفتح: قد أبان عن هذه الأمثلة بالاشتقاق الذي أورده؛ لأن معنى حبط بطنه: انتفخ، "والحبنطى" هو الكبير البطن. وقالوا: دلظه بمنكبه؛ إذا دفعه، "والدلنظى" هو الشديد الدفع، "والسرندى" الجريء من النمور. وقال: سرده؛ إذا مضى قدما، وجميع هذه الأمثلة٢ مفسر في فصل في آخر الكتاب على حدته إن شاء الله. قال أبو عثمان: وأكثر ما٣ يبلغ بنات٣ الثلاثة من الأفعال بالزيادات سبعة أحرف نحو مصدر اشهابّ واحمارّ، إذا قلت فيه٤: اشْهِيباب واحْمِيرار، وقد تبلغه مصادر الأربعة في "احْرِنْجُام" وما كان على وزنه من المصادر, ولا يجيء هذا العدد إلا في مصادر٥ الثلاثة والأربعة المزيدة٦ على ما ذكرت لك.

стр. 50

قال أبو الفتح: اعلم أن مصادر بنات الثلاثة إنما احتملت أن تبلغ سبعة أحرف لما أذكره لك، وذلك أنها أقل الأصول وأعدلها. فاحتملت كثرة الزيادات لتصرفها وتمكنها، وأيضا فإن الهمزة في أوائلها قد تسقط في الوصل, فكأنها إنما بلغت لذلك ستة أحرف. وإذا جاز أن يُبْلَغ بالفعل على ثقله ستة أحرف, فالمصدر الذي هو اسم جدير لخفته وتمكنه أن يزاد عليه حرف واحد. وأيضا فإن الزوائد وإن أطالت الكلمة, فعلى كل حال هي زوائد، والتقدير فيها الانفصال والانفكاك من الكلمة، وقد يحذف كثير منها في التحقير والتكسير, ولا سيما تحقير الترخيم، فكانت لذلك بمنزلة المنفصل من الكلمة, فاحتمل كثرتها في بنات الثلاثة لما ذكرت لك. ثم حُملتْ بنات الأربعة على بنات الثلاثة؛ لأنه قد جاء الفعل رباعيا كما جاء ثلاثيا, فلذلك بلغ بمصادر الرباعية سبعة أحرف، ولما كان جميع ما بلغ السبعة إنما هو مصادر ولم يكن لبنات الخمسة فعل لم يبلغ سبعة أحرف, على أنهم قد بلغوا السبعة بغير المصادر, قالوا: "مَتْيُوساء, ومَبْغُولاء، ومعيوراء، ومأتوناء, ومشيوخاء، ومكبوراء، ومصغوراء، ومعلوجاء، ومشيوحاء, وهَزَنْبَران، وعُرَيْقُصَان، ومَعْكُوكاء، وبَعْكُوكاء, وقَرَعْبَلانة, وعُقْرُبان". وهذا مما لا يُعَرَّج عليه لقلته ونزارته؛ ولذلك لم يذكره أبوعثمان وجميعه١ في آخره٢ زائدان زيدا معا٢ فجرتا لذلك مجرى الزائد الواحد, ألا ترى أنهما يحذفان في الترخيم جميعا كما تحذف الهاء من طلحة, والألف من حبلى.

стр. 51

قال أبو عثمان: وقد تزاد في بنات الخمسة حتى يكون عددها ستة بالزيادة ولا يبلغون بها١ السبعة مع الزيادة؛ لأن الخمسة عندهم غاية الأصول فلا تحتمل غاية الزيادات، فمما زِيدَ عليه٢ من الخمسة: "عَضْرَفُوط وعَنْدَلِيب وحَنْدَقُوق، ومثل قَبَعْثَرى"، زيدت الألف في آخره لغير التأنيث؛ لأنها منونة، ولو كانت غير منونة لكانت للتأنيث, فعلى هذا تجري بنات الخمسة بأصولها وزوائدها٣. قال أبو الفتح: اعلم أنهم إنما اجتنبوا تبليغ بنات الخمسة سبعة أحرف بالزيادة؛ لأن بنات الخمسة وإن كانت كلها أصولا, فقد تباعدت عن أعدل الأصول وأخفها وهو الثلاثي, فثقُلت لذلك. والزيادة٤ في الكلمة تزيدها ثقلا, فلم يجمعوا عليها ثقل الأصل وثقل الزيادة ولم يكن منها فعل فيبلغ بمصدره سبعة أحرف كما فُعل في اشْهِيباب٥ واحرنجام، فرُفض ذلك لذلك. فأما٦ قبعثرى: فتنوين ألفه يدل على أنها ليست للتأنيث، ألا ترى أن مثل حبلى، وسكرى, لما كانت ألفه للتأنيث لم تنون على وجه. فإن قلت: أتقول: إن ألفه للإلحاق؟ فالجواب: أنها ليست للإلحاق؛ لأن بنات الخمسة ليس وراءها شيء من الأصل فيلحق به، ولكنها زيادة لغير التأنيث بل لضرب من التوسع، ولا تكاد تجد بنات الخمسة قد لحقتها الزيادة من

стр. 52

آخرها غير هذا الحرف، وما لا حكم له لقلته, وقد قالوا: "ضَبَغْطَرى". فأما قولهم: "قَرَعْبَلانة" فكأن الذي شجعهم على إلحاق الألف والنون في آخرها وهي خماسية, أن الألف والنون في أنحاء كثيرة من كلامهم في تقدير الانفصال عندهم، حتى إنهم يُسقطون كثيرا من أحكامهما. ألا ترى أنهم يصغرون "زَعْفَرَانا زُعَيْفِرانا" كما يقولون: "عَقْرَب وعُقَيْرِب" ولو اعتدوا بالألف والنون لم يجز هذا. وقد أجروا الألف والنون الزائدتين أيضا مجرى الزيادة الواحدة، ألا تراهم١ قالوا في ترخيم "عثمان: يا عُثْمَ" كما قالوا في ترخيم "طلحة: يا طَلْحَ" فلما كانت الألف والنون عندهم في كثير من المواضع بمنزلة المنفصل من الكلمة، وبمنزلة الحرف الواحد المنفصل من الكلمة، اجترءوا على زيادتهما في آخر ذوات الخمسة في هذا الحرف الذي لا نظير له، وكذلك ما جاء نحو "مَعْيُورَاء" وبابه؛ لأنهم أجروا الألف والهمزة مجرى الحرف الواحد لما لم يفترقا, فأشبها الهاء. وإنما قلت: الزوائد في آخر ذوات الخمسة عندي؛ لأنها قد طالت وأفرط طولها فلا ينتهى إلى آخرها إلا وقد مُلَّتْ. ألا ترى أنهم يقولون في تحقير "سفرجل وتكسيره٢: سفيرج وسفارج" فيقفون دون الخامس لتراخيه وبعده، فلما كان الأمر كذلك لم يزيدوها طولا من آخرها. ألا ترى أن باب "عندليب، وعضرفوط" مما كانت الزيادة فيه قبل لامه الآخرة٣ أكثر من باب "قبعثرى، وضبغطرى" وكانت الزيادة في باب٤ "عندليب وعضرفوط" قبل الخامس أسوغ منها في قبعثرى"

стр. 53

بعد استيفاء حروف الكلمة والملال بطولها، فهذا ما أدى إليه النظر والله الموفق، ولم يكن سبيله أن يذكر حندقوقا مع بنات الخمسة؛ لأنه من ذوات الأربعة، وكذا قرأته على أبي علي ورأيته في غير نسخة. "الأفعال المبدوءة بهمزة وصل": قال أبو عثمان: واعلم أن الأفعال قد تسكن أوائلها ويلحقونها ألف الوصل، ولتلك الأفعال أبنية كثيرة سأخبرك عنها إن شاء الله. قال أبو الفتح: اعلم أن ألف الوصل همزة تلحق في أول الكلمة؛ توصلا إلى النطق بالساكن, وهربا من الابتداء به, إذ كان ذلك غير ممكن في الطاقة فضلا عن القياس. وليس لقول من جوّز الابتداء بالساكن من القدر ما يُتشاغل بإفساده، وإنما سبيله في هذا١ سبيل من شك في المشاهدات من السوفسطية٢ ومن ليس بكامل العقل. وهذه الهمزة إنما حركت لسكونها وسكون ما بعدها، وهي في الأصل زائدة٣ ساكنة. فإن قيل: أنت هربت من سكون النون في "انفعل", فكيف زدت عليها ساكنا آخر وهو الهمزة؟ قيل: هذه الهمزة وإن كانت ساكنة, فإنها إنما جيء بها قبل الساكن؛ لأنه٤ قد عُلم أنه إذا اجتمعت معه فلا بد من حذف أحدهما أو حركته, فالحركة والحذف لم يصلح واحد منهما في الحرف الساكن من الفعل لئلا تزول بنيته التي قد أريدت له من سكون أوله، فلم يبق إلا حذف الهمزة أو

стр. 54

حركتها فلم يجز حذفها؛ لأن ذلك كان يؤدي إلى ما منه هُرِب وهو الابتداء بالساكن, فلم يبق إلا حركة الهمزة فحركت, فانكسرت على ما يجب في الساكنين١ إذا التقيا. فإن كان٢ الحرف الذي بعد الساكن مفتوحا أو مكسورا فالهمزة مكسورة نحو "انطَلق" ألا ترى أن الطاء مفتوحة، وكذلك "اضرِبْ" ألا ترى أن الراء مكسورة, وكذلك اذهَب واركَب وما أشبه ذلك, فإن كان٢ الحرف الذي بعد الساكن مضموما ضُمّت همزة الوصل كراهية الخروج من الكسر إلى الضم اللازم, وليس بينهما حاجز إلا حرف ساكن، والساكن ضعيف فكأن لا حاجز بينهما، وذلك قولهم: "اقْتُل, استُخرج, انطُلق به". فإن قلت: فقد قالوا: "فَخِذ وكَبِد" وهو "يضرِب ويجلِس" فخرجوا من الكسر إلى الضم؟ فليس ذلك بشيء؛ لأن الضمة في حرف الإعراب غير لازمة والنصب والجر يزيلانها، وإنما يكره من هذا ما كان لازما. فأما حكاية بعضهم "زِئْبُر وضِئْبُل" -بضم الباء- فلا أصل لها ولا هي معروفة. فكذلك٣ حكاية بعضهم "إِصْبُع" -بكسر الهمزة وضم الباء- غير معرج عليها؛ لأنها لم يصح بها ثبت، ولو صحت لكانت من الشذوذ بحيث لا يقاس عليها. وحكى بعضهم: ما رأيته منذُ ستٌّ ومذُ يومانِ، وهذا كله إذا صحت به الرواية شاذ. وحكى بعضهم "اقتل" -بكسر الهمزة- فجاء به على الأصل واعتد الساكن حاجزا؛ لأنه وإن كان لا حركة فيه، فهو حرف على كل حال وهذا من الشاذ٤.

стр. 55

وإن كان له وُجَيه في القياس, فهو من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا. فإن قلت: فقد قالوا: "اغْزِي يا امرأةُ" فضموا الهمزة وإن كانت١ الزاي مكسورة. وقالوا: "امشُوا" فكسروا٢ الهمزة٣ والشين مضمومة. وهذان مطردان في بابهما، فإنه إنما جاز ذلك؛ لأن أصل الزاي أن تكون مضمومة وأصل الشين أن تكون مكسورة. ألا ترى أن أصل "اغْزِي: اغْزُوِي" بوزن "اقتُلي" وأصل "امشوا: امشِيُوا" بوزن اضربوا، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى الزاي, واستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الشين فسكنتا٤, وبعد كل واحدة منهما حرف ساكن فحذفتا لالتقاء الساكنين. فالكسرة في الزاي من اغزي عارضة كما أن الضمة في الشين من امشوا عارضة, فجاءت الهمزتان في أولهما على أصل بنائهما الذي كان يجب لهما. تسكين أوائل الأفعال: فإن قلت: ولِمَ سكنوا أوائل الأفعال حتى احتاجوا إلى همزة الوصل؟ قيل: إنما كان ذلك؛ لأن الأفعال موضوعة للتوهين والإعلال لتصرفها، وأنها لا تتقارّ على حال واحد؛ فلذلك كثر فيها الاعتلال، ألا تراهم أمالوا مثل "صار، وطاب" مع أن فيهما٥ حرفا مستعليا؛ لأنهما فعلان, ولم يجيزوا ذلك في "صالح، وخالد" لأنهما اسمان. فإن قلت: ما تنكر أن تكون الإمالة إنما حسنت في مثل صار وطاب؛

стр. 56

لأن ألفهما منقلبة١ عن ياء، وألف "صالح وخالد" ليست منقلبة عن ياء؟ قيل: يدل على أن الإمالة لم تجب من أجل٢ انقلاب الألف عن الياء، أنهم قد أمالوا "خَاِفَ" وأصل ألفه من الواو؛ لأنه من الخوف. فإن قيل: فما تُنكر أن تكون الإمالة في "خاف" إنما حدثت؛ لأن الواو كانت مكسورة في الأصل لأنها خَوِفَ؟ قيل: يدل على أنه لم تُمَلْ؛ لأن أصل حركة الواو الكسرة، أنهم قد أمالوا "طَاِبَ" وأصله "طَيَبَ" بالفتح٣, فأمالوا ولا كسر فيه. انكسار الحرف لا يجيز إمالته: وأيضا, فإن انكسار الحرف لا يجيز إمالته, وليس هذا مذكورا في الأسباب الستة الحادثة عنها الإمالة، وإنما تحدث الإمالة عن الكسرة إذا كانت قبل الحرف الممال أو بعده لا فيه، نحو "عماد، وهذا حاتم". فلما كانت الأفعال غير لازمة لموضع واحد ولا متقارة على سنن، تسلط عليهاالإعلال والتوهين فشجعهم ذلك على أن سكنوا أوائلها حتى احتاجوا إلى همزة الوصل، وهذا من أغلظ ما جرى على الأفعال. دخول همزة الوصل على فعل الأمر: فأما دخول هذه الهمزة في نحو "اضرب واقتل" وجميع ما كانت حروف المضارعة منه مفتوحة وما بعدها ساكن، فإنما وجب؛ لأن حرف المضارعة حُذف لئلا يلتبس الأمر بالخبر، فلما حذف الحرف لم يجز الابتداء بالساكن، فجيء بالهمزة فقالوا: "اقتل، واستخرج، وانطلق" ونحو ذلك.

стр. 57

ما بين الأسماء والأفعال من تقارب: فإن قلت: فإن الأسماء أيضا لا تتقارّ على حالة واحدة، وقد يدخلها الحذف والتحقير والتكسير والترخيم والنسب، وهذا كله مما يغير فيه الاسم عما١ كان عليه؟ قيل: إن الأسماء وإن كانت كما ذكرت، فهي -لقوتها وتمكنها, وأنها الأول وهي مستغنية عن الأفعال- أثبت من الأفعال، وهي في الصحة أقعد، والاعتلال منها أبعد، إلا أنه لما كان في الأسماء ما ذكرته من الحذف والتحقير والتكسير ونحوها، كان٢ بين الأسماء والأفعال تناسب وتقارب، ألا ترى أن الفعل ثانٍ للاسم، وهو وإن كان أضعف منه، فإنه أقوى من الحرف، وقد يكون الاسم خبرا كما يكون الفعل خبرا نحو قولك: "زيد أبوك" و"زيد قام"٣ وكل واحد منهما يلحقه الاشتقاق والتصريف. الأسماء العشرة المبدوءة بهمزة الوصل: فلما كان بين الاسم والفعل هذا التقارب، ولحق الاسم ذلك الاعتلال، اجترءوا على أسماء محصورة فأسكنوا أوائلها وألحقوها همزة الوصل، ولم يستنكر ذلك فيها مع ما ذكرنا٤، كما لم تستنكر إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ ٥ و ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ ٦, ونحو قول الشاعر:

стр. 58

على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما تصح والشيب وازع وكما وصفوا بالفعل في قولهم: "مررت برجل يأكل", والإضافة والوصف إنما أصلهما للأسماء. وتلك الأسماء: "ابن وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان واسم واست وايم، وقالوا: ابْنُم" يعنون الابن. قال الشاعر: وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما وقال الآخر: فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريق لا يمن الله ما اندري وهذه الأسماء كلها معتلة، أما ابن وابنة وابنم واثنان واثنتان واسم وايم واست, فمحذوفات اللامات١ يدل على ذلك٢ أن "ابنا" من البنوة واللام فيه واو؛ لأن مؤنثه بنت، والتاء إنما تبدل من الواو دون الياء في غالب الأمر، وكذلك "ابنة وابنم" مثله والميم زائدة وليست بدلا من لام الفعل على حد ما كانت الميم في "فم" بدلا من عين الفعل؛ لأنها لو كانت بدلا، لجرت مجرى اللام. فكانت اللام من أجل ذلك كأنها ثابتة؛ لأن الشيء إذا أبدل منه لم٣ يحذف وإنما جيء بشيء فوضع موضعه فجرى مجراه. ولو كانت الميم في "ابنم" بدلا من اللام، لكانت اللام في حكم الثابت، وبطل جواز دخول همزة الوصل في أول "ابنم"؛ لأن هذه الهمزة تعاقب اللام ولا تدخل من الأسماء إلا على المحذوفات ما خلا "امرأ" وسنذكره, ألا ترى أنك

стр. 59

تقول في النسب إلى ابن: ابْنِيّ، فتقر الهمزة ما دامت اللام محذوفة، فإن رددت اللام حذفت الهمزة؛ لأنها لا تجتمع مع اللام، وذلك قولهم: "بنوِيّ" واثنان واثنتان من ثنيت الشيء، فالمحذوف١ اللام وهي ياء لظهورها في ثَنَيْتُ, فأما من قال: "بِنْت وثِنْتان" فليست اللام عنده محذوفة، على حد قول من قال: "ابنة واثنتان", بل التاء في بنت وثنتان للإلحاق بمثل "حِلْس وضِرْس" والتاء فيهما بدل من لام الفعل وليست علامة للتأنيث كما تكون في "ابنة٢ واثنتان" لكون ما قبلها٣ في "بنت وثنتان" وعلامة التأنيث لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، وقال سيبويه: لو سميت رجلا "ببنت وأخت لصرفته"، ولو كانت التاء علامة للتأنيث لما استجازوا٤ صرفه، كما أنه لو سماه بثُبَة لما صرفه, قال سيبويه: لأنها بمنزلة التاء في عفريت, وسَنْبَتَة، ولكن هذه الصيغة والبدل لما لم يقع إلا في المؤنث، جرى مجرى علامة التأنيث، وقد بينت هذا في موضع آخر. والقول في "أخت وهَنْت" كالقول في "بنت" لا فصل بينهما٥, ومن ذهب إلى أن المحذوف من بنت "ياء" لانكسار الباء، وجب عليه أن يقول: إن المحذوف من "عِضَة" ياء، ولكان يجب أن تكون السين من سَنَة مضمومة؛ لأنه من الواو، وهذا تخليط فاحش، وقد حكي عن بعض متقدمي أهل العلم. أفلم ير إلى قول الراجز: هذا طريق يأزم المآزما ... وعِضَوَات تقطع اللهازما

стр. 60

فالساقط واو, وإن كان أولها مكسورا. وقال الآخر: قد حال دون دريسيه مُؤَوِّبة ... نسع لها بعضاه الأرض تهزيز فالساقط على هذا القول من عِضَة هاء، وعلى هذا قالوا: "بعير عاضه" إذا أكل العضاه، وليس هنا للياء١ مدخل, وقالوا في جميع "سنة: سنوات"، فالساقط واو كما ترى، وإن كانت السين مفتوحة. واسم: محذوف اللام لقولهم: "سميت وأسماء"، فهذا٢ بمنزلة "دميت ودماء", والمحذوف منه واو؛ لأنه من السمو والرفعة، وفيه لغات: "اسْم وسِم وسُم". وحدثنا أبو علي عن أحمد بن يحيى, عن ابن الأعرابي أنه يقال: "سمى" بوزن "هدى". وقال الراجز: وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سِمُهْ وقال الآخر: باسم الذي في كل سورة سُمُهْ بكسر السين وضمها. فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: فدع عنك ذكر اللهو واعمد لمدحة ... لخير معد كلها حيثما انتمى لأعظمها قدرا وأكرمها أبا ... وأحسنها وجها وأعلنها سُما ويروى سِما بكسر السين٣. فمن كسر السين فالألف عنده للوصل بمنزلة الألف في قول الراجز: يا دار عمرة من محتلها الجرعا

стр. 61

ولا يجوز أن تكون لام الفعل؛ لأنَّا لم نعلمهم قالوا: هذا "سِما" بوزن "رضا", وأما من ضم السين فقوله عندي يحتمل أمرين: أحدهما ما عليه الناس وهو أن تكون الألف للوصل١ بمنزلتها في قول من كسر السين، والوجه الآخر أن تكون٢ لام الفعل بمنزلة الألف في القافية التي قبلها وهي "انتمى" ويكون هذا التأويل على قول من قال: "هذا سما" بوزن "هدى", إلا أنه حذف اللام٣ لالتقاء الساكنين، "وايْم" محذوفة من "أيْمُن"؛ لأنها كثرت في القَسَم وعُرف موضعها وحذفت همزتها، وهي جمع يمين. وقال أبو النجم: يبري لها من أيمن وأشمل ويقولون: "أيمن الله، وايم الله، ومُ الله، ومِ الله" يريدون: "أيمن٤ الله٥", وقال قوم: "إن مُ الله، ومِ الله " محذوفة من قولهم: "مُنُ اللهِ" والأول هو الوجه. وكان أبو العباس ينكر أن يكون جمع يمين، قال: لوصلهم الألف، ولا يمتنع أن تحذف الهمزة لكثرة الاستعمال ومعرفة الموضع، وليس ذلك فيها بأكثر من قولهم: "مُ اللهِ ومِ اللهِ"٦. وأما است فمحذوفة اللام وهي هاء٧, ومما٨ يدل على ذلك قولهم في تحقيرها: سُتَيْهَة, وفي جمعها: أستاه, وقالوا: "رجل أسته وسُتْهُم"، وقد قالوا: "سَهٌ" في معناها فحذفوا العين، وهذا من الشاذ، ولم يأت من الأسماء ما حُذفت عينه إلا هذا الحرف.

стр. 62

وقولهم: "مذ"؛ لأنها محذوفة من منذ، جاء في الحديث: "العينان وكاء السَّهِ". قال الراجز١: ادع أحيحا باسمها لا تنسه ... إن أحيحا هي صئبان السه وأنشد أبو زيد: رقاب كالمواجن خاظيات ... وأستاه على الأكوار كوم ٢فأما قولهم: "امرؤ وامرأة" فإنما أسكنوا أولهما وإن كانا تامين غير محذوفين؛ لأنك أدخلت الألف واللام فقلت: "المرء والمرأة" ثم خففت الهمزة بأن حذفتها وألقيت حركتها على الراء فقلت: "جاءني المَرُ، ورأيت المَرَ, ومررت بالمَرِ٢". فلما كانت الراء التي هي عين الفعل قد تحرك بحركة الإعراب وكثرت هذه الكلمة في كلامهم حتى صارت عبارة عن كل ذكر وأنثى من الناس أعلوها؛ لكثرة استعمالهم إياها، فشبهوا الراء٣ في قولهم٤: "المَرُ، والمَرَ، والمَرِ، بالخاء في الأخِ والأخُ والأخَ" فأتبعوا عينها حركة لامها فقالوا: هذا٥ "امرُؤٌ، ورأيت امرَأً، ومررت بامرِئٍ" كما قالوا: "هذا أخوك، ورأيت أخاك، ومررت بأخيك".وألفه٦ وألف ابنم مكسورة على كل حال؛ لأن الضمة فيه عارضة للرفع غير لازمة، وليس كذلك "اقتُلْ" فلما اعتل هذا الاسم بإتباع

стр. 63

حركة عينه حركة لامه وكثر استعماله أسكنوا١ أوله وألحقوه همزة الوصل، وليس كذلك "ابْنُم"؛ لأنه لم يكثر كثرة امرئ، ولأنه لا همزة يُذهبها التخفيف فيه، فلامه محذوفة لا محالة. قال أبو العباس: ولم يلحقوها في "أب"، ولا٢ "أخ"؛ لأن في أولهما٣ همزة, فكرهوا اجتماع همزتين فتنقلب الثانية ياء، وهذا قولٌ كما تراه؛ لأنا قد رأيناهم قالوا: "دَمٌ, وغد، ويد، وهَنٌ" ونحو ذلك, فلم يلحقوه همزة الوصل مع أنه ليس في أوله همزة. ولكن القول عندي في ذلك: أن همزة الوصل قد عاقبت الأصل في قولهم: "ابْنِيّ وبَنَوِيّ" فكأنها٤ من الأصل، فمن ألحقها في هذه المحذوفات, فأشبهها بالفعل من قبل الاعتلال، ومن لم يلحقها فله أن يقول: إنها لو جاءت لكانت كالعوض من المحذوف فكأني عند إتياني بها أردت الحذف ثم أتيت بما يقوم مقام المحذوف فكأن لم أحذف، وهذا نقض ما قصدت له من الحذف. ألا ترى أنهم قالوا في النسب إلى يد: يَدَوِيّ؟ فتركوا عين الفعل محركة بعد الرد؛ لأنهم لو حذفوا الحركة عند رد اللام لكانت اللام كأنها لم ترد؛ لأنها قد عاقبت الحركة، فإذا حذفت الحركة بعد الرد كنت لحذفك٥ إياها كمن لم يرد, وصار ردك كلا رد. وهذا قول أبي علي فيما أخذته عنه وهو يشهد بصحة ما ذهب٦ إليه سيبويه في تبقية الحركة التي حدثت بعد الحذف إذا رد إلى الكلمة ما حُذف منها، وأبو الحسن يذهب إلى حذف ما وجب بالحذف عند

стр. 64

رد المحذوف، فيقول في النسب إلى يد: "يَدْيِيّ" وفي غد: "غَدْوِيّ" والقول قول سيبويه، ألا ترى أن الشاعر لما رد الحرف المحذوف بقّى الحركة التي أحدثها الحذف بحالها قبل الرد١ في قوله: يَدَيانِ بيضاوان عند محلم ... قد يمنعانك أن تضام وتضهدا فتحريكه٢ الدال بعد رد الياء دلالة على صحة ما ذهب إليه سيبويه من تبقية الحركة بعد الرد. قال أبو علي: فإن قيل: فما تصنع بقول الراجز: لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا ويقول الآخر: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغَدْوا بلاقع؟ ألا ترى أنه قد٣ رد اللام في غد, وحذف حركة العين؟ فهذا يشهد بصحة قول الأخفش: فالجواب: أن الذي قال: "غدوا" ليس من لغته أن يقول: "غد" فيحذف، بل الذي يقول: "غد" غير الذي يقول٤: "غدوا". وإنما شرحت لك٥ أحكام هذه الأسماء؛ لأن أبا عثمان لم يذكرها في الكتاب، فأردت أن أبينها لما اتصلت بهذا الموضع. "إسكان أوائل الأسماء وإدخال همزة الوصل عليها": ثم نرجع فنقول: إن هذه الأسماء لما أشبهت الأفعال بهذا الحذف٦ والتغيير, أُسكنت أوائلها ودخلتها همزة الوصل.

стр. 65

دخول همزة الوصل على مصادر الأفعال التي في أوائلها همزة الوصل: فأما إخادلهم الهمزة في مصادر الأفعال التي في أوائلها همزة الوصل نحو: "انطلق انطلاقا، واستخرج استخراجا" فإنه مطرد فيها؛ لأنها ثابتة في الأفعال، فجاءت في المصادر، وهذا نظير قولهم: "لذت لياذا" فأعلوا المصدر لاعتلال لذت. ويقولون: "لاوذت لِوَاذا" فيصححون١ المصدر لصحة الفعل، وهذا لا يدل على أن المصدر مشتق من الفعل وإن كان في الاعتلال محمولا عليه؛ لأنهم قد أعلوا "يقوم" لاعتلال "قام" وليس أحد يقول: إن "يقوم" مشتق من "قام" ولكن -لما كانت هذه الأمثلة كالشيء الواحد، ويقع بعضها موقع بعض فيغني غناءه ويسد مسده ووجب في بعضها اعتلال- أجروه على الجميع٢؛ لئلا يختلف الباب. قال أبو علي: ألا ترى أنهم لما حذفوا الهمزة من "يُكرم" أثبتوها في "إكرام", فكان ذلك كالعوض من حذفها؛ لأنها إذا ثبتت في بعض هذه الأمثلة كانت لذلك كالثابتة في الباقي. دخول همزة الوصل على الحروف: فهذا وجه دخول همزة الوصل في الأفعال والأسماء. فأما الحروف فلم تدخل هذه الهمزة٣ في شيء منها إلا في حرف واحد وهو لام التعريف, ولكنها فتحت للفرق بينها وبين هذه الداخلة على الأفعال والأسماء. وقد ذهب بعضهم إلى أن الألف واللام جميعا للتعريف بمنزلة "قد" في الأفعال, ولكن هذه الهمزة لما كثرت في الكلام وعرف موضعها -والهمزة مستثقلة-

стр. 66

حذفت في الوصل؛ لضرب من التخفيف, قالوا: والدليل على ذلك أن الشاعر إذا اضطُرّ فصلها من الكلمة كما يفصل "قد", من ذلك قوله: عجل لنا هذا وألحقنا بذل ... الشحم إنا قد مللناه بجل ففصلها١ في البيت الأول، ثم ردها في أول الكلمة بعد؛ لأنها مرت في البيت الأول، فكأنها لما تباعدت أُنسيها أو لم يعتد بها، وهذا أحد ما يدل عندي على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء فهو بيت كامل, وليس بنصف بيت على ما ذهب إليه أبو الحسن. ألا ترى أنه رد "ال" في أول البيت الثاني؛ لأن الأول بيت كامل. وقد قام بنفسه وتمت أجزاؤه، فاحتاج في ابتداء البيت الثاني إلى أن يعرف الكلمة التي في أوله, فلم يعتد بالحرف الذي قد كان فصله؛ لأنهما ليسا في بيت واحد. ولو كان هذان البيتان بيتًا واحدًا كما يقول من يخالف، لما احتاج إلى رد حرف التعريف، ألا ترى أن عبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات وجعل آخر المصراع الأول "أل", لم يُعِد الحرف في أول المصراع الثاني لما كانا مصراعين, ولم يكن كل واحد منهما بيتًا قائمًا برأسه؟ وذلك قوله: يا خليليّ اربعا واستخبرا الـ ... ـمنزل الدارس من أهل الحلال مثل سحق البرد عفَّى بعدك الـ ... ـقطر مغناه وتأويب الشمال ولقد يغنى به جيرانك الـ ... ـممسكو منك بأسباب الوصال تطرد هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتا على هذا الطراز إلا بيتا واحدا، وهو قوله: فانتجعنا الحارث الأعرج في ... جحفل كالليل خَطَّار العَوال٢

стр. 67

فهذا ما عندي في هذا، وقد كان أبو علي يحتج أيضا على أبي الحسن بشيء غير هذا, وليس هذا موضع ذكره؛ لئلا يعظم تشعب هذا الكتاب, وقوله: "الممسكو" أراد: "الممسكون" ولكن حذف النون لطول الاسم لا للإضافة، وعلى هذا ما أنشدوه من قول الشاعر: الحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم مِنْ ورائهم نَطَف وقرأ بعضهم: "والمقيمي الصلاةَ"١ بالنصب، وإنما٢ شُبِّهت الألف واللام في أوائل هذه الأسماء "بالذي" فحذفت النون منها, كما حذفت لطول الاسم من قول الشاعر: أبني كليب إن عميّ اللذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا وقال الأشهب بن رميلة: فإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد هم ساعد الدهر الذي يقتدى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حَرْد دماء الأساود يريد "الذين" كما أراد الأخطل "اللذان", وفي٣ قوله: "الممسكو" عندي شيء ليس في٣ قوله: الحافظو عورة العشيرة.... وذلك أن حرف التعريف في أول "الممسكو" في المصراع الأول، وبقية الكلمة في المصراع الثاني, والمصراع كثيرا ما يقوم بنفسه حتى يكاد يكون بيتا كاملا، وكثيرا ما تُقطع همزة الوصل في أول المصراع الثاني نحو قول الشاعر:

стр. 68

لتسمعن وشيكا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا وقد أجاز أبو الحسن الخَرْم في أول المصراع الثاني بخلاف قول الخليل، وجاء ذلك في الشعر. قال الراعي: وعاشرة وهو قد خافها ... فهو يبسبس أو ينقر وقال امرؤ القيس: وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخر فلما كانت هذه الأشياء التي من شأنها أن تأتي في أول البيت جائزة في أول المصراع، دل ذلك على أن المصراع يكاد يقوم بنفسه. وإذا كان كذلك أشبه البيت التام وتنزّل المصراعان لذلك منزلة البيتين، فلما كان أول "الممسكو" في المصراع١ الأول، وباقيه في المصراع الثاني، وهما كالبيتين المنفصلين، ازدادت الكلمة طولا، فازداد حذف النون جوازا، وليس "الحافظو" كذلك؛ لأن الكلمة بكمالها في المصراع الأول، فلم تطل طول "الممسكو"٢ وهذا فصل فيه طول٢، وكلا الاسمين إنما وجب فيه الحذف لطوله. وأقول: إن اتصال٣ الألف واللام بالاسم أشد من اتصال "قد وسوف" بالفعل. والدليل على ذلك أنهم يقولون: "مررت بالرجل" فيُوصلون عمل الباء إلى الاسم ولا يعتدون الألف واللام فاصلا. ولو كانتا فاصلا لم يجز فصلهما بين الجار والمجرور، "وقد، وسوف" ليسا كذلك؛ لأن "قد, وسوف" يجوز أن يفصل بينهما وبين الفعل للضرورة نحو قولهم: "قد زيدًا رأيتُ" و"سوف زيدًا أضربُ" والألف واللام لا يجوز أن يفصل بينهما وبين الاسم٤ [المعرف بهما] وإنما اشتد اتصال حرف التعريف بالاسم٤؛ لأنه في الأصل على حرف واحد وهو اللام،

стр. 69

ثم دخلت الألف لسكونها، والحرف إذا كان على حرف واحد لم يجز فصله. أداة التعريف والتنوين: ويدل أيضا عندي على شدة اتصال حرف١ التعريف أنه معاقب للتنوين، فكما أن التنوين لا يجوز فصله، كذلك لم يجز٢ فصل اللام. ويدل أيضا عندي على أن حرف٣ التعريف قياسه أن يكون على حرف واحد أنه نقيض التنوين، وذلك أن التنوين يدل على التنكير, واللام تدل على التعريف. فلما كان التنوين حرفا واحدا٤ كان قياس حرف التعريف أن يكون حرفا واحدا٤ وهم مما يُجرون الشيء مجرى نقيضه، كما يجرونه مجرى نظيره، ألا تراهم قالوا: "طويل" فجاءوا به على وزن "قصير", وكذلك "قائم وقاعد، ونهض وجلس, وخفيف وثقيل" وجروا بـ "ـكم" في الخبر؛ لأنها نقيضة "رُبَّ" ألا ترى أن "رب" للتقليل و"كم" للتكثير. وقالوا: "كثر ما تقولن", فألحقوا النون؛ لأنه نقيض "قَلَّما تقولن" وهذا ونحوه مطرد كثير في كلامهم. فمن هنا٥ اقتضى القياس أن يكون حرف التعريف٦ حرفا واحدا؛ لأنه نقيض التنوين الذي هو على٧ حرف واحد. فإن قلت: فقد قالوا في التخفيف "الَحْمَرُ" فجاءوا بالهمزة مع تحرك٨

стр. 70

اللام، فما تنكر أن تكون الهمزة لم تدخل لسكون اللام؟ قيل: إنما جاز هذا لاجتماع أشياء؛ منها: أن اللام أصلها السكون، وإنما تحركت لفتحة١ الهمزة في التخفيف, والأصل التحقيق والسكون, وإنما الحركة عارضة. ومنها أن هذه الهمزة قبل اللام قد اضطُروا إلى٢ إثباتها في بعض المواضع٢ في قولهم: آلرجل قال ذاك؟ إذا استفهمتَ؛ لئلا يلتبس الخبر بالاستفهام. ومنها: أنهم قالوا: "يا ألله اغفر لي" بقطع الهمزة؛ لأن باب النداء باب تغيير عن الأصول. ومنها: أنها مفتوحة وسائر همزات الوصل غيرها مكسورة أو مضمومة، فأشبهت من هنا همزة القطع نحو: "أَحْمَد، وأَفْكَل". فلما اجتمعت فيها هذه الأشياء, شابهت الأصل, فأقرت مع تحرك ما بعدها في قولهم: "الَحْمَرُ". وإذا كان أبو الحسن قد أجاز: "اسَلْ زيدَا" فأقر الهمزة مع تحرك السين للتخفيف؛ لأن الحركة عنده غير لازمة وإن كانت الهمزة لم تثبت في أوله في غير هذا الموضع ثبات همزة حرف التعريف، فقولهم: "الحمر" أسوغ لما ذكرنا، فهذا قول. وقد قالوا: "لَحْمَر" أيضا بلا همزة قبل اللام. فإن جاز لمحتج أن يحتج على ثبات الهمزة وأنها من الأصل؛ لقولهم: "الحمر" وإقرارهم الهمزة عند تحرك اللام, جاز لآخر أيضا أن يحتج على أنها إنما دخلت لسكون ما بعدها بقولهم: "لحمر" وحذفهم الهمزة لتحرك ما بعدها. فقد ثبت أن حرف التعريف إنما هو اللام, وأن الهمزة إنما دخلت لسكون

стр. 71

اللام. ولولا أنني أكره الإطالة وكثرة التشعب لما اقتصرت على ما أوردته١, ولوصلت بعض الكلام ببعض، فكان يكون أضعاف هذا, وفي بعض ما أذكره مقنع إن شاء الله. فهذه أحكام همزة الوصل ومواقعها من الأفعال والأسماء والحروف, وقد أتى أبو عثمان على تمثيل ما تدخل فيه من الماضي، وأنا أذكره مثالا فمثالا وأُتبع كل واحد منها ما عندي. انْفَعَلَ وزيادة همزة الوصل والنون في أوله: قال أبو عثمان: أما النون فتلحق أولا فتلزمها ألف الوصل في الابتداء, ويكون الحرف على انفعل نحو: "انطلق، وانمحى الكتاب, وانصرح الحق٢, وما أشبه ذلك مما هو على انفعل. قال أبو الفتح: اعلم أن مثال انفعل لا يكون متعديا البتة٣، وإنما جاء في كلام العرب للمطاوعة. ومعنى المطاوعة أن تريد من الشيء أمرا ما٤ فتبلغه إما بأن يفعل ما تريده إذا٥ كان مما٦ يصح منه الفعل، وإما أن يصير إلى مثل٧ حال الفاعل الذي يصح منه الفعل, وإن كان مما لا يصح منه الفعل. فأما ما يُطاوِع بأن يفعل هو فعلا بنفسه فنحو قولك: "أطلقته فانطلق، وصرفته فانصرف"، ألا ترى أنه هو الذي فعل الانطلاق، والانصراف بنفسه

стр. 72

عند إرادتك إياهما منه، أو بعثك إياه عليهما. فأما ما تبلغ منه مرادك بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل فنحو قولك: "قطعتُ الحبلَ فانقطع، وكسرتُ الحبَّ فانكسر"؛ ألا ترى أن الحب والحبل لا يصح منهما الفعل؛ لأنه لا قدرة لهما، وإنما أردت ذلك منهما فبلغته بما أحدثته أنت فيهما، لا أنهما توليا الفعل؛ لأن الفعل لا يصح من مثلهما، إلا أنهما قد صارا إلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل، وذلك أن الفعل١ صار حادثا فيهما كما كان حادثا في الفاعلين على الحقيقة، فأما قول الشاعر: ولا يَدِي في حميت السمن تندخل فهو من أدخلته، ونظيره أطلقته فانطلق، وهو من باب القطع الحبل؛ لأن اليد لا تكون فاعلة، إنما هي آلة يفعل بها، كما يقال: "سمعت بأذني، ونظرت بعيني" وإنما الفاعل هو الجملة, لا العضو وحده. واعلم أن انفعل إنما أصله من الثلاثة ثم تلحقه الزيادتان٢ من أوله نحو: "قطعته فانقطع، وسرحته فانسرح", ولا يكاد يكون فَعَلَ منه إلا متعديا حتى يمكن المطاوعة والانفعال، ألا ترى أن قطعت متعد وكذلك كسرت وقلعت، وقد جاء فَعَلَ منه غير متعد، أنشدني أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش٣ أُراه قال قرأته عليه: وكم منزل لولاي طحت كما هَوَى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي٤ وإنما هو٥ مطاوع هَوَى: إذا سقط، وهَوَى غير متعد كما ترى، وقد

стр. 73

جاء في هذه القصيدة مُنْغَوٍ، قال أبو علي: إنما بنى من هَوَى وغَوَى مُنْفَعِلًا لضرورة الشعر، وعلى هذا قالوا: "شويت اللحم فانشوى", وقد قالوا: "اشتوى" وليس في كثرة انشوى. القلب والإدغام في بعض الكلام دون بعض: فإن قال قائل: ولِمَ جاز الإدغام في امَّحى الكتاب١؟ وهلا بينت النون فقيل: "انمحى" كما قالوا: "شاة٢ زَنْماء وزُنْم" وكما قالوا: "أنملة وأنمار" ونحو ذلك؟ قيل: قد كان القياس في زنماء وزنم وأنملة٣ وأنمار ونحوها أن تدغم النون في الميم؛ لأنها ساكنة قبل الميم ولكن لم يجز ذلك لئلا يلتبس الأصول بعضها ببعض. فلو قالوا: "زَمَّاء وزُمّ" لالتبس بباب زممت الناقة، ولو قالوا: "أُمَّلَة" لالتبس بباب أملت٤ و٥ لو قالوا: "أمّار" لالتبس بباب أمرت٥ كما بينوا في نحو "منية وأنْوَك وقَنْوَاء وقَنو" لئلا يلتبس مُنْيَة بباب مَيّ، وأنوك بفوْعل, أو فعْول من باب ما فاؤه همزة وعينه واو، وقنواء وقنو٦ بباب قَوّ وقُوّة, فرُفض الإدغام في هذا ونحوه مخافة الالتباس ولم يخافوا في "امحى الكتاب" أن يلتبس بشيء؛ لأنه ليس في كلام العرب شيء على افّعل بتشديد الفاء؛ ولهذا ما٧ قال الخليل في انفعل من وجلت: اوّجَلَ، وقالوا من "رأيتُ: ارَّأى" ومن "لَحِزَ: الَّحَزَ"؛ لأنه ليس في الكلام افَّعَل، ولم يأت في٨ كلامهم نون

стр. 74

ساكنة قبل راء ولا لام نحو: "قِنْر وعِنْل"؛ لأنه إن أظهره١ ثقل جدا وإن ادّغمه التبس بغيره، ومن أجل ذلك امتنعوا أن يبنوا مثل عَنْسَل وعَنْبَس من شرب وعلم و٢ ما كان مثلهما٢ مما عينه راء أو لام؛ لأنه إن بيّن فقال: "شَنْرَب, وعنلم" ثقُل جدا، وإن ادّغم فقال: "شرّب وعلم" التبس بفَعّل. فسألت أبا علي عن هذا، فقلت: ألا ترى أنّا لو بنينا من باع "فَيْعَلا، أو فَوْعَلا, أو فَعْوَلا، أو فَعَّلَ" لقلنا: "بَيَّعَ", فهلا لم يجز أن تبني مثل هذا لئلا يلتبس مثال بمثال كما٣ امتنعنا أن نقول٣ في مثل عَنْسَل من ضرب "ضَرَّبَ" مخافة الالتباس؟ فقال: إن للياء والواو من التصرف وانقلاب إحداهما إلى الأخرى ما ليس للنون، فاحتمل ذلك لذلك, والقول عندي كما ذكر. افْتَعَلَ وزيادة همزة الوصل والتاء فيه: قال أبو عثمان: وتلحق التاء ثانية ويكون الفعل على افتعل ويُسكَّن أول٤ حرف منه٤, فتلزمه ألف الوصل في الابتداء وذلك نحو: "اجْتَرَحَ، واكتسب، واستبق القوم" ولا تلحق التاء ثانية والتي٥ قبلها من نفس الحرف إلا في٦ هذا المثال وحده في الأفعال.

стр. 75

قال أبو الفتح: اعلم أن افْتَعَلْتُ قد تأتي في معنى انْفَعَلْتُ للمطاوعة وذلك قولهم: "شويته فانشوى" وقالوا في معناه: "اشتوى", وقالوا: "غممته فاغتم وانغم" وتأتي بمعنى تفاعل نحو: "اجتور القوم" أي: تجاوروا، واعتونوا، أي: تعاونوا. وتأتي بمعنى فعلتُ نحو١: قرأت وتقرأت٢ واقترأت، وقروت الأرض واقتريتها, وتكون "افتعلتُ" متعدية وغير متعدية. فأما المتعدي فنحو "اقتطعت الأرض واكتسبت المال" وغير المتعدي نحو قولهم: "اصطلح القوم، واختصموا"، ولا يكون انفعل متعديا أبدا. حكم بناء انفعل وافتعل: قال أبو على: حكم افتعل، وانفعل ألا يبنيا إلا مما كان فَعَلَ منه متعديا, هذا في الأمر العام. يريد أن اقتطع من قطع وكذلك "حويت، واحتويت"، وقد جاء في الشعر، قال الراجز: حتى إذا اشتال سهيل في السحر كشعلة القابس ترمي بالشرر فهذا من شال يشول، وهو غير متعد بدلالة قول الراجز: تراه تحت الفنن الوريق يشول بالمحجن كالمحروق ولو كان متعديا لقال: "يشول المحجن", وأنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو عبيدة:
следующие страницы →