اللام. ولولا أنني أكره الإطالة وكثرة التشعب لما اقتصرت على ما أوردته١, ولوصلت بعض الكلام ببعض، فكان يكون أضعاف هذا, وفي بعض ما أذكره مقنع إن شاء الله. فهذه أحكام همزة الوصل ومواقعها من الأفعال والأسماء والحروف, وقد أتى أبو عثمان على تمثيل ما تدخل فيه من الماضي، وأنا أذكره مثالا فمثالا وأُتبع كل واحد منها ما عندي.
انْفَعَلَ وزيادة همزة الوصل والنون في أوله:
قال أبو عثمان: أما النون فتلحق أولا فتلزمها ألف الوصل في الابتداء, ويكون الحرف على انفعل نحو: "انطلق، وانمحى الكتاب, وانصرح الحق٢, وما أشبه ذلك مما هو على انفعل.
قال أبو الفتح: اعلم أن مثال انفعل لا يكون متعديا البتة٣، وإنما جاء في كلام العرب للمطاوعة. ومعنى المطاوعة أن تريد من الشيء أمرا ما٤ فتبلغه إما بأن يفعل ما تريده إذا٥ كان مما٦ يصح منه الفعل، وإما أن يصير إلى مثل٧ حال الفاعل الذي يصح منه الفعل, وإن كان مما لا يصح منه الفعل.
فأما ما يُطاوِع بأن يفعل هو فعلا بنفسه فنحو قولك: "أطلقته فانطلق، وصرفته فانصرف"، ألا ترى أنه هو الذي فعل الانطلاق، والانصراف بنفسه
стр. 72
عند إرادتك إياهما منه، أو بعثك إياه عليهما. فأما ما تبلغ منه مرادك بأن يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل فنحو قولك: "قطعتُ الحبلَ فانقطع، وكسرتُ الحبَّ فانكسر"؛ ألا ترى أن الحب والحبل لا يصح منهما الفعل؛ لأنه لا قدرة لهما، وإنما أردت ذلك منهما فبلغته بما أحدثته أنت فيهما، لا أنهما توليا الفعل؛ لأن الفعل لا يصح من مثلهما، إلا أنهما قد صارا إلى مثل حال الفاعل الذي يصح منه الفعل، وذلك أن الفعل١ صار حادثا فيهما كما كان حادثا في الفاعلين على الحقيقة، فأما قول الشاعر:
ولا يَدِي في حميت السمن تندخل
فهو من أدخلته، ونظيره أطلقته فانطلق، وهو من باب القطع الحبل؛ لأن اليد لا تكون فاعلة، إنما هي آلة يفعل بها، كما يقال: "سمعت بأذني، ونظرت بعيني" وإنما الفاعل هو الجملة, لا العضو وحده.
واعلم أن انفعل إنما أصله من الثلاثة ثم تلحقه الزيادتان٢ من أوله نحو: "قطعته فانقطع، وسرحته فانسرح", ولا يكاد يكون فَعَلَ منه إلا متعديا حتى يمكن المطاوعة والانفعال، ألا ترى أن قطعت متعد وكذلك كسرت وقلعت، وقد جاء فَعَلَ منه غير متعد، أنشدني أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش٣ أُراه قال قرأته عليه:
وكم منزل لولاي طحت كما هَوَى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي٤
وإنما هو٥ مطاوع هَوَى: إذا سقط، وهَوَى غير متعد كما ترى، وقد
стр. 73
جاء في هذه القصيدة مُنْغَوٍ، قال أبو علي: إنما بنى من هَوَى وغَوَى مُنْفَعِلًا لضرورة الشعر، وعلى هذا قالوا: "شويت اللحم فانشوى", وقد قالوا: "اشتوى" وليس في كثرة انشوى.
القلب والإدغام في بعض الكلام دون بعض:
فإن قال قائل: ولِمَ جاز الإدغام في امَّحى الكتاب١؟ وهلا بينت النون فقيل: "انمحى" كما قالوا: "شاة٢ زَنْماء وزُنْم" وكما قالوا: "أنملة وأنمار" ونحو ذلك؟ قيل: قد كان القياس في زنماء وزنم وأنملة٣ وأنمار ونحوها أن تدغم النون في الميم؛ لأنها ساكنة قبل الميم ولكن لم يجز ذلك لئلا يلتبس الأصول بعضها ببعض. فلو قالوا: "زَمَّاء وزُمّ" لالتبس بباب زممت الناقة، ولو قالوا: "أُمَّلَة" لالتبس بباب أملت٤ و٥ لو قالوا: "أمّار" لالتبس بباب أمرت٥ كما بينوا في نحو "منية وأنْوَك وقَنْوَاء وقَنو" لئلا يلتبس مُنْيَة بباب مَيّ، وأنوك بفوْعل, أو فعْول من باب ما فاؤه همزة وعينه واو، وقنواء وقنو٦ بباب قَوّ وقُوّة, فرُفض الإدغام في هذا ونحوه مخافة الالتباس ولم يخافوا في "امحى الكتاب" أن يلتبس بشيء؛ لأنه ليس في كلام العرب شيء على افّعل بتشديد الفاء؛ ولهذا ما٧ قال الخليل في انفعل من وجلت: اوّجَلَ، وقالوا من "رأيتُ: ارَّأى" ومن "لَحِزَ: الَّحَزَ"؛ لأنه ليس في الكلام افَّعَل، ولم يأت في٨ كلامهم نون
стр. 74
ساكنة قبل راء ولا لام نحو: "قِنْر وعِنْل"؛ لأنه إن أظهره١ ثقل جدا وإن ادّغمه التبس بغيره، ومن أجل ذلك امتنعوا أن يبنوا مثل عَنْسَل وعَنْبَس من شرب وعلم و٢ ما كان مثلهما٢ مما عينه راء أو لام؛ لأنه إن بيّن فقال: "شَنْرَب, وعنلم" ثقُل جدا، وإن ادّغم فقال: "شرّب وعلم" التبس بفَعّل.
فسألت أبا علي عن هذا، فقلت: ألا ترى أنّا لو بنينا من باع "فَيْعَلا، أو فَوْعَلا, أو فَعْوَلا، أو فَعَّلَ" لقلنا: "بَيَّعَ", فهلا لم يجز أن تبني مثل هذا لئلا يلتبس مثال بمثال كما٣ امتنعنا أن نقول٣ في مثل عَنْسَل من ضرب "ضَرَّبَ" مخافة الالتباس؟
فقال: إن للياء والواو من التصرف وانقلاب إحداهما إلى الأخرى ما ليس للنون، فاحتمل ذلك لذلك, والقول عندي كما ذكر.
افْتَعَلَ وزيادة همزة الوصل والتاء فيه:
قال أبو عثمان: وتلحق التاء ثانية ويكون الفعل على افتعل ويُسكَّن أول٤ حرف منه٤, فتلزمه ألف الوصل في الابتداء وذلك نحو: "اجْتَرَحَ، واكتسب، واستبق القوم" ولا تلحق التاء ثانية والتي٥ قبلها من نفس الحرف إلا في٦ هذا المثال وحده في الأفعال.
стр. 75
قال أبو الفتح: اعلم أن افْتَعَلْتُ قد تأتي في معنى انْفَعَلْتُ للمطاوعة وذلك قولهم: "شويته فانشوى" وقالوا في معناه: "اشتوى", وقالوا: "غممته فاغتم وانغم" وتأتي بمعنى تفاعل نحو: "اجتور القوم" أي: تجاوروا، واعتونوا، أي: تعاونوا. وتأتي بمعنى فعلتُ نحو١: قرأت وتقرأت٢ واقترأت، وقروت الأرض واقتريتها, وتكون "افتعلتُ" متعدية وغير متعدية. فأما المتعدي فنحو "اقتطعت الأرض واكتسبت المال" وغير المتعدي نحو قولهم: "اصطلح القوم، واختصموا"، ولا يكون انفعل متعديا أبدا.
حكم بناء انفعل وافتعل:
قال أبو على: حكم افتعل، وانفعل ألا يبنيا إلا مما كان فَعَلَ منه متعديا, هذا في الأمر العام. يريد أن اقتطع من قطع وكذلك "حويت، واحتويت"، وقد جاء في الشعر، قال الراجز:
حتى إذا اشتال سهيل في السحر
كشعلة القابس ترمي بالشرر
فهذا من شال يشول، وهو غير متعد بدلالة قول الراجز:
تراه تحت الفنن الوريق
يشول بالمحجن كالمحروق
ولو كان متعديا لقال: "يشول المحجن", وأنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو عبيدة:
стр. 76
بدا منك غش طالما قد كتمته ... كما اكتتمت داء١ ابنها أم مُدَّوِي٢
فمُدَّوٍ مُفْتَعِل، وأصله٣ من الدَّوّ، والأصل٣: مُدْتَوٍ، وهذا يفسر في موضعه، فأجاز أبو علي في مفتعل هذا٤ ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من قول المرأة التي قال لها ابنها: "أأدَّوِي" أي: أآكل الدواية، وهو ما خثُر من الدسم على اللبن، فقالت٥ مجيبة: اللجام بمكان كذا وكذا، فكتمت قول ابنها وأخفته عمن جاء يخطبه إليها، وكأن الشاعر جاء بهذا على استعارة هذا المَثَل الذي للمرأة، وخبر هذه المرأة مشهور عندهم.
وأجاز أيضًا أن يكون "مُدَّوٍ" هذا مما حكاه أبو زيد من قولهم: "أَدْوَأْتَ يا فلان" ومن قولهم: "داء الرجل يداء من الداء"، فبنى مفتعلًا منه للحاجة إلى القافية وقلب الهمزة ياء ضرورة كما قال الآخر:
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهرواج
وهو من وَجَأْتُ، وكان قياسه ألا يجعلها كياء "قاضي".
وأجاز فيه أيضًا أن يكون مما حكاه أبو زيد من قولهم: "رجل دَوًى, ورجلان دَوَيَانِ، ورجال أدْواء" وهو بمعنى السقيم.
قال أبو علي: ويكون بناؤه مفتعلًا منه، مثل قوله: "اشتال ومنغوي"٦، وقوله: ولا تلحق التاء ثانية والتي قبلها من نفس الحرف إلا هذا المثال وحده من٧ الأفعال، قد قيد به جزءا من كلامهم وأمِنتَ معه أن ترى التاء ثانية زائدة بعد فاء الفعل أبدا إلا في هذا المثال وما تصرف منه.
стр. 77
اسْتَفْعَلَ وزيادة الهمزة والسين والتاء في أوله:
قال أبو عثمان: وتلحق السين أولا والتاء ثانية وتكون السين ساكنة فتلزمها ألف الوصل ويكون الفعل على استفعل، ولا تلحق السين أولا إلا في استفعل، ولا التاء ثانية وقبلها زائد إلا في هذا.
قال١ أبو الفتح١: اعلم أن استفعلت يجيء على ضربين: متعد وغير متعد. فالمتعدي نحو "استحسنت الشيء واستقبحته", وغير المتعدي نحو "استقدمت واستأخرت".
ويكون فَعل منهما متعديا وغير متعد؛ فالمتعدي نحو "عَلِمَ واستعلم، وعَصَمَ واستعصم", وغير المتعدي نحو "حسُن واستحسن، وقبُح واستقبح".
ويقع "استفعل" في الكلام لمعانٍ:
منها الطلب نحو "استعتبته" أي: طلبت٢ إليه العتبى٢ ٣, واستعفيته أي: طلبت منه الإعفاء٣.
ويكون استفعلت للشيء تصيبه على هيئة ما، نحو "استعظمته" أي: أصبته عظيما، و"استكرمته" أي: أصبته كريما.
وقد تأتي استفعلت بمعنى فَعَلْتُ منها٤ نحو "مر واستمر، وقر واستقر".
стр. 78
وقد تأتي للتنقل من حال إلى حال نحو "استنوق الجمل، واستتيست الشاة".
وقوله: ولا تلحق السين أولا إلا في استفعل١, ولا التاء ثانية وقبلها زائد٢ إلا في هذا. قد حصر به أيضا قطعة من الأمثلة كنحو ما فعل في المثال الذي قبله.
افْعَالَلْتُ وزيادة الهمزة والألف واللام فيه:
قال أبو عثمان: وتلحق الألف ثالثة وتلحق اللام الزيادة من موضعها ويسكن أول حرف فيلزمه ألف الوصل في الابتداء, ويكون الحرف على "افعاللت" ويجري على مثال "استفعلت" إلا أن الإدغام يدركه فتسكن اللام الأولى للإدغام, ولا تضاعف اللام والألف ثالثة إلا في هذا المثال، وذلك نحو "احْمارَرْتُ, واصفاررت، وابياضضت, واسواددت".
قال أبو الفتح: اعلم أن مثال "افعاللت" أكثر ما صِيغَ للألوان، وذلك قولهم: "اشْهَابَبْتُ، واسواددت، وادهاممت, وابياضضت", وقد قالوا: "امْلاسّ واضْرابّ" وليسا من اللون, وغير ذلك.
قال سيبويه: ولا يكون متعديا, ليس في الكلام "افعاللْتُهُ".
وقوله: وتلحق اللام الزيادة من موضعها, يريد به٣: أنك إذا قلت: "ابياضضت" فإنما كررت الضاد بعينها, ولم تأت بلفظ آخر.
ويريد بموضعها: من لفظها.
стр. 79
وقوله: ويجري على مثال استفعلتُ١ يريد به أن حركاته وسكونه على مثال حركات استفعلت١ وسكونه. ألا ترى أنك تقول: "ابياضضت ابيضاضا", فيكون بوزن٢ استخرجت استخراجا, وإن كان ليس على بنائه, كما أن انفعل بوزن افتعل في الحركة والسكون, وإن لم يكن على بنائه.
وقوله: إلا أن الإدغام يدركه فتسكن اللام الأولى للإدغام, يريد به: أن اللامين في ابياضضت من موضع واحد, فيكره اجتماع مِثْلَين متحركين٣, فيُسكَّن الأول منهما ويدغم في الذي بعده كما فعلوه في شدّ وردّ, وذلك ابياضّ واشهابّ، وإنما يلحقه هذا الإدغام إذا تحرك الآخر، فإن سكن زال المستكره من اجتماع مثلين متحركين٣، فرجعت اللام الأولى إلى الحركة نحو "ابياضصت" وليس كذلك "استخرجت"؛ لأن في آخر "استخرجت" حرفين مختلفين وهما الراء والجيم فلم يجب لذلك ادغام. فأما قولهم: "اقْعَنْسَسَ" وتحريكهم المثلين، فإنه إنما جاز ذلك؛ لأنه ملحق باحرنجم، وستراه في موضعه إن شاء الله. وقد ضَبَطَ أيضا بقوله: ولا تضاعف اللام، والألف ثالثة إلا في هذا المثال, جزءا من الكلام.
فإن قال قائل: فقد قالوا: "اسحارّ" لضرب من النبت فكرروا اللام, وهذا ينقض ما جاء به؟ فالجواب: أن أبا عثمان إنما أراد: أنه لا تضاعف اللام، والأولى متحركة وفي أول الكلمة همزة الوصل لتكون الألف لذلك ثالثة، وليس كذلك "اسحارّ"؛ لأن الراء الأولى لا أصل لها في الحركة وإنما هي ساكنة، ألا ترى أن سيبويه قال في ترخيم اسحارّ؛ اسم رجل على قول من قال: يا حارِ:
стр. 80
يا اسحارّ بفتح الراء١، قال: لأنه لا يعرف لها حركة في الأصل ففتحها؛ لمجاورتها الألف كما قالوا٢: الآن ففتحوا لمجاورة الألف، ولم يجزها مجرى مُشْهاب؛ لأن الباء الأولى عنده متحركة في الأصل، ونظير اسحارّ "حَمارَّة٣، وزعارَّة، وعبالة، وزرافة، وصبارة".
افْعَلَلْتُ وزيادة الهمزة واللام فيه:
قال أبو عثمان: وتلحق اللام زائدة فيسكن أول حرف, فتلزمه ألف الوصل٤ في الابتداء ويكون الفعل٥ على افعللت, فيجري مجرى افتعلتُ إلا في الإدغام، فإنه يدركه كما أدرك "اشْهابَبْتُ" حين قلت: "اشْهابّ الفرس" وذلك نحو "احمرَرْتُ، واصفررت، وابيضضت".
قال أبو الفتح: اعلم أن "افعللت" إنما هي مقصورة من "افعالَلْتُ" لطول الكلمة، ومعناها كمعناها.
قال سيبويه: وليس شيء يقال فيه: "افعاللتُ" إلا يقال فيه: "افعللتُ" ولا٦ شيء يقال فيه: "افعللت" إلا يقال فيه: "افعاللت", إلا أنه قد تَقِلّ إحدى اللغتين في الشيء وتكثر في الأخرى، إلا أن طرح الألف من "اخْضَرَّ, واحمر، واصفر، وابيض, واسود" أكثر، وإثبات الألف في "اشْهَابّ،
стр. 81
وادْهامّ، واكْمَاتَّ" أكثر، وقد قالوا: ارْقَدَّ في العدْو، وارْعَوَى، واقْتَوَى إذا خدم، وكله افْعَلَّ، ولم أسمعهم قالوا في شيء من هذا: "افْعَالَلْتُ".
وقوله: فيجري مجرى افتعلتُ, يريد به أيضا: الحركة والسكون، ولو قال: فيجري مجرى انفعلتُ لكان صوابا، كما أنه لو قال في "افعاللتُ"١: إنه يجري مجرى "افْعَوْعَلْتُ" لكان صوابا؛ لأن الوزن واحد وإن اختلفت الأمثلة.
"وافْعَلَّ" أيضا لا يتعدى، كما أن "افْعَالَّ" كذلك، والإدغام واجب فيه، كما أن "افعال" كذلك٢, لا فرق٢ بينهما في هذه المواضع.
تضعيف العين وزيادة واو بين العينين:
قال أبو عثمان: وتضاعف العين وتزاد واو بين العينين، ويسكن أول حرف، فيكون الفعل٣ على مثال "افعَوْعَلْتُ" وتلزمه ألف الوصل في الابتداء، وذلك نحو: "اغْدَوْدَنَ".
قال أبو الفتح: اعلم أن "افعوعل" معناها المبالغة نحو خشُن "واخشوشن, وأعشب واعشوشب" ويجيء على ضربين: متعد، وغير متعد.
فالمتعدي نحو "احْلَوْلَيْتُ الشيء". قال الشاعر:
فلما أتى عامان بعد انفصاله ... عن الضرع واحْلَوْلَى دماثا يرودها
وقال الآخر:
стр. 82
واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العرضي تركضه ... أم الفوارس بالديداء والربعه
وقرأت, أو سمعت يقرأ على ابن مقسم, عن ثعلب:
فلو كنت تعطي حين تسأل سامحت ... لك النفس واحْلَوْلَاك كل خليل
أجل لا ولكن أنت ألأم من مشى ... وأسأل من صماء ذات صليل
وغير المتعدي نحو "اغْدَوْدَنَ النبت" إذا طال، "واغرورقت عيناه بالدمع".
وهذه الواو في "افعوعلت" زائدة في موضع الإلف المزيدة١ من "افعاللتُ", إلا أن التكرير في "افعاللتُ"٢ من موضع اللام وهو في "افعوعلت"٢ من موضع العين، وحجزت الواو بين العينين، فلم يلزم إدغام، واجتمعت٣ اللامان في "افعاللت وافعللت" فلزم٤ الإدغام.
افْعَوَّل وزيادة الواو ثالثة مضاعفة:
قال أبو عثمان: وتلحق الواو ثالثة مضاعفة فيكون الحرف على مثال: "افْعَوَّلْتُ" وتلزم ألف الوصل في الابتداء، وذلك نحو: "اعْلَوَّطَ المهر".
قال أبو الفتح: اعلم أن "افعولتُ" يكون أيضا على ضربين: "متعد، وغير متعد", فالمتعدي نحو "اعلوطت المهر"، وغير المتعدي قولهم: "اخرَوَّطَ السفر" إذا امتد، و"اجلوذ" مثله، قال الشاعر:
ألا حبذا حبذا حبذا ... حبيب تحملت فيه الأذى
ويا حبذا برد أنيابه ... إذا أظلم الليل واجلَوَّذَا
стр. 83
ما أُلحق بالأربعة من الفعل:
قال أبو عثمان: ومما١ لحقته الزوائد١ من بنات الثلاثة من الفعل وأُلحق ببنات الأربعة حتى جرى مجراها، وحتى صار بمنزلة ما هو من نفس الحرف: "جَلْبَبْتُ وشَمْلَلْتُ".
قال أبو الفتح: اعلم أن هذا الضرب يجيء متعديا نحو: "جلببتُهُ جَلْبَبَة، وصعررته صعررة". قال الراجز:
سودا كحب الفُلْفُلِ المُصَعْرَرِ
ولم أسمع هذا النحو غير متعد. ويريد بقوله: "جرى مجراها" أنك تقول: "جلبب يجلبب جلببة فهو مُجلبِب، وشملل يشملل شمللة فهو مُشملَل", فيجري ذلك مجرى "دحرج يدحرج دحرجة فهو مدحرج", وتُظهر الباء واللام الأوليين ولا تدغمهما؛ لأن الحرف ملحق بدحرج. فلو قلت: "شَمَلّ أو جَلَبّ" فأدغمت وحولت الحركة, لكنت قد نقضت ما له قصدت من الإلحاق، ولم تأت بالبناء المقصود، وصارت الباء واللام الأخيرتان بمنزلة الجيم من "دَحْرَجَ"٢ وهذا يعني بقوله: وصار بمنزلة ما هو من نفس الحرف، والذي هو من نفس الحرف الجيم من "دحرج"٢, وهذا الإلحاق هو المطرد الذي ذكره٣ في أول الكتاب.
стр. 84
ما ألحق بالأربعة بالواو والياء:
قال أبو عثمان: ومثل ذلك مما أُلحق بالأربعة بالواو والياء: "حَوْقَلْتُ حَوْقَلَةً, وصومعت صومعة، وبيطرت بيطرة".
قال أبو الفتح: اعلم أن "فَوْعَلْتُ" أيضا: متعد وغير متعد. فالمتعدي "صومعته صومعة" وغير المتعدي "حوقلت حوقلة" و"فَيْعلتُ" مثله. فالمتعدي "بيطر الدابة بيطرة", وغير المتعدي "بيقر بيقرة فهو مبيقر": إذا خرج من الشأم إلى العراق، قال امرؤ القيس:
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
وبيعر أيضا: إذا عدا منكسا رأسه.
وجاءت أحرف على "مُفَيْعِل" وهو "مُبَيْقِر، ومبيطر، ومسيطر، ومهينم، ومهيمن", وكل هذه جارية١ على الفعل؛ يقال: "بيقر، وبيطر، وسيطر، وهينم، وهيمن".
وقوله٢: ومثل ذلك, يريد: أن "فَوْعلت، وفَيْعلت" ملحق بدحرجت؛ لأنك تقول فيه: "صَوْمَعَ صَوْمَعَةً فهو مُصَوْمِع، وبيطر بيطرة فهو مبيطر", فجرى ذلك مجرى "دحرج دحرجة فهو مدحرج".
قال أبو عثمان: ومثله "فَعْوَلْتُ" نحو: "جَهْوَرْتُ جهورةً، وهرولت هرولة".
стр. 85
قال أبو الفتح١: قوله: ومثله، يريد به: أن مثل: "بيطرت وحرقلت: جهورت"٢ في أن٢ هذا إلحاق غير مطرد، كما أن ذلك كذلك، ويجوز٣ أن تكون الهاء في "مثله" راجعة إلى باب "جلببت وشمللت"؛ لأنه على وزنه، والأشبه في هذا أن تكون راجعة إلى باب فَوْعلت وفَيْعلت؛ لأنه أوقع.
وفَعْوَلت هذه متعد وغير متعد، فالمتعدي "دَهْوَرْتُ المتاع دَهْوَرَةً", وغير المتعدي "هرولت هرولة".
قال أبو عثمان: ومثله: "قَلْسَيْتُهُ قَلْساةً، وجعبيته جعباة٤، وسلقيته سلقاة".
قال أبو الفتح٥: قوله: ومثله، نظير قوله: ومثله في الفصل قبله، تحتمل "الهاء" وجهين من التأويل، وهو على ضربين: متعد، وغير متعد. فالمتعدي نحو: "قلسيته قلساة"، وغير المتعدي نحو: "عنظيت، وحنظيت، وخنظيت، وخنذيت".
قال أبو عثمان: وتلحق النون ثالثة في هذا، وتكون الزيادة من موضع اللام٦, ويكون آخره أيضا ياء زائدة٦ ويسكن أوله, فتلزمه ألف الوصل
стр. 86
ويكون الحرف على "افْعَنْلَلْتُ، وافْعَنْلَيْتُ" نحو: "اقْعَنْسس، واسْلَنْقيت".
قال أبو الفتح: إنما سوّى بين "اقعنسس, واسلنقيت"؛ لأجل النون الثالثة فيهما، ولأن في آخر كل واحد منهما زيادة وإن كانت في "اقعنسس" لامًا مكررة, وفي "اسلنقيت" ياء مزيدة, وأنهما قد اشتركا في زيادتهما, وأنهما ملحقان.
ولا يكون "افْعَنْللت" متعديا أبدا؛ لأنه نظير "انْفَعَلت", ألا ترى أن فيه نونا وهمزة وصل, كما أن "انفعلت" كذلك.
و"افعَنْليت" على ضربين: متعد، وغير متعد.
فالمتعدي نحو قول الراجز:
قد جعل النعاس يَغْرَنْدِينِي
أدفعه عني ويَسْرَنْدِينِي
وغير المتعدي نحو قولهم: "احْرَنْبى الديك، وابرنتى الرجل".
قال أبو عثمان: وهذا فُعِل به كما فُعِل ببنات الأربعة نحو: "احرنجم واخرنطم" ولم يزيدوا هذه النون إلا فيما كانت الزيادة منه في موضع اللام, أو كانت الياء١ في آخره١ زائدة؛ لأن النون هنا تقع بين حرفين من نفس الحرف, كما تقع في "احرنجم" كذلك، فكذلك جميع ما ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة.
стр. 87
قال أبو الفتح: قوله: وهذا فعل به كما فعل ببنات الأربعة نحو: "احرنجم" يريد به: أنهم أرادوا أن يبلغوا ببنات الثلاثة بناء بنات الأربعة, بزيادة هذه النون في هذا الموضع.
فلما كانت النون في "احْرَنْجَمَ"١ ثالثة ساكنة, كانت في "اقعنسس" كذلك، ولما كان بعدها في احرنجم١ حرفان, جعلوا بعدها في اقعنسس سينين؛ إحداهما زائدة ليُلحَق البناء بالبناء، وكذلك زادوا في اسْلَنْقيت ياء مكان السين الأخيرة؛ لأنهما كلتاهما زائدتان.
فهذا٢ معنى قوله: ولم يزيدوا هذه النون إلا فيما كانت الزيادة منه في موضع اللام, أو كانت الياء أخيرة٣ زائدة.
وهذا أحد ما يدل على أن إلحاق بنات الثلاثة ببنات الأربعة من موضع اللام فيما لا زيادة فيه، نحو: "جلببت، وصعررت" هو القياس. ألا ترى أن "اقعنسس" كذلك؟
وكأن الياء في باب "افعَنْليتُ" داخلة على اللام المكررة وأن الموضع للام دون الياء، كما أن "سلقيت" داخل على "جلببت".
وقوله: لأن النون هنا تقع بين حرفين من نفس الحرف, كما تقع في "احرنجم" كذلك، يريد به أن يريك: لِمَ صارت الزيادة في "اقعنسس" من موضع اللام؟
وتفسير هذا: أنه لما كانت النون في "احرنجم" واقعة بين الراء
стр. 88
والجيم، وكلتاهما١ من الأصل٢, أرادوا أن يقع في "اقعنسس" ثالثة بين حرفين من الأصل٢ وهما العين والسين الأولى، فلما مضت العين واللام، دعت الضرورة إلى تكرير اللام أو الزيادة بعدها.
ومن هنا لم يجئ في كلامهم نحو "افْعَنْوَنْتُ" ولا "افْعَنْليتُ" ولا "افْعَيْنَلت"٣ ولا شيء من ذلك؛ كراهة أن تقع النون بين حرفين أحدهما أصل والآخر زائد, فتخالف حكم "احرنجمت".
فإن قلت: فهلا جاء في كلامهم نحو "انفَنْعلت" أو "ايفَنْعلت", فجعلوا الزيادة قبل الفاء وكانت النون إذًا واقعة بين حرفين من الأصل, كما ذكر أبو عثمان أنه هو الذي اضطُر إلى أن كانت الزيادة بتكرير اللام أو بالزيادة بعدها؟
فالجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم إنما أرادوا إلحاق بنات الثلاثة ببنات الأربعة ولم نرهم في غير هذا الموضع ألحقوا الثلاثة في الفعل بالأربعة من أولها, إنما هو من آخرها نحو: "جلببت" أو وسطها نحو: "جهْورت وبيْطرت", ولا تجيء الزيادة للإلحاق في أول بنات الثلاثة٤.
وأيضا, فإن الزيادة في الكلمة توهين لها؛ لأنه قد دخل فيها ما ليس منها، وآخر الكلمة بالتوهين أحق من أولها، ألا ترى إلى كثرة باب عطشان، وأنك لا تكاد تجد "لانقحل" نظيرا إلا "انْزَهْوا" فيما علمت.
стр. 89
وأيضا فإن النون في "احرنجم" بين العين واللام، ولو قالوا: "انْفَنْعلت"١ لكانت٢ النون بين الفاء والعين، وهذا غير ما قصدوا إليه٣ فلما لم يمكن٤ إلحاق ذوات الثلاثة بذوات الأربعة من أولها, ولا من أوسطها كانت من آخرها.
وقوله: فكذلك٥ جميع ما ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة، يريد به٦ أنه إنما٧ يأتي الملحق بالأربعة على هذه الأنحاء التي أولها "جلببت" وآخرها "اسلنقيت" ولم يأت شيء من الأفعال أُلحق بذوات الأربعة غير هذه الأمثلة المذكورة٨, إلا أنهم قد قالوا: "اكْوَأَلَّ" فألحقوه بـ "اطمأنّ" وقالوا: "رَهْيأ، وتَرَهْيأ، وتَمَخْرق٩، وتمندل، وتمنطق، وتمدرع، وتمسكن" فألحقوها بالأربعة وهي شاذة.
زيادة همزة الوصل وتضعيف اللام:
قال أبو عثمان: وتلحق ألف الوصل في أول الأفعال من بنات الأربعة وتضاعف اللام, فيكون الحرف على "افْعَلَلَّ" نحو: "اطمأنَنْتُ واقشعررت" ويدركهما١٠ الإدغام كما أدرك باب "احمررت" وما كان نحوه من الثلاثة.
стр. 90
قال أبو الفتح: اعلم أن أصل "افْعَلَلَّ افْعَلَّلَ", فعلى هذا ينبغي أن يكون أصل "اطمأنَّ: اطمأْنَنَ" فكرهوا اجتماع مثلين متحركين، فأسكنوا الأول ونقلوا حركته إلى ما قبله, ثم أدغمت اللام الثانية في اللام الثالثة, فصار "اطمأنّ" كما ترى.
ويدل على أن "اطمأنّ"١ أصله: "اطمأنَنَ" وأنهم إنما فعلوا ذلك كراهة اجتماع مثلين متحركين, أنه إذا سكن الآخر منهما عاد البناء إلى أصله، ألا ترى أنك تقول: "اطمأننتُ" فتبين النون الأولى لما سكنت النون الآخرة٢، فجرى ذلك٣ مجرى "شدّ وضنّ" ثم تَسكُن اللام فتظهر العين فتقول: "شَدَدْتُ وضَنَنْتُ".
وكذلك "احمرّ" أصله: "احْمَرَرَ" بإظهار الراءين، ثم تنكَّبوا الجمع بين مثلين متحركين, فأسكنوا الراء الأولى وأدغموها في التي بعدها, فصارت "احْمَرَّ", ألا ترى أنك إذا أسكنت اللام الآخرة٤ ظهرت الأولى, وذلك نحو٥ قولك: "احمرَرْتُ واصفرَرْتُ"؟
فإن قيل: فهلا٦ قالوا: "اطمأنن واحمرر" بالإظهار كما قالوا: "جلبب واقعنسس"؟ فالجواب: أنهم إنما بينوا جلبب ونحوه؛ لأنه ملحَق بدحرج, وبينوا اقعنسس؛ لأنه ملحق باحرنجم، فلما أرادوا مثالا لا يكون إلا متحركا لاختلاف حرفيه بينوا؛ ليدلوا على أنه ملحق به٧.
стр. 91
فأما "اطمأنّ، واحمرّ" وما كان نحوهما، فإنهم إنما أدغموها؛ لأنها غير ملحقة بشيء، ألا ترى أنه ليس في الكلام١ فعل مثل "اسْفَرْجَلَ" فيُلحَق اطمأن به! هذا مستحيل؛ لأنه لا يكون فعل خماسي أبدا.
وليس في الكلام مثل "ادْحَرَجَ", فيلحق احمرّ به فيظهر, فمن هنا وجب الإدغام. ولا يكون "افْعَلَّلَ" متعديا في كلام العرب البتة.
بعض مزيد الثلاثي ومزيد الرباعي:
قال أبو عثمان: وللأفعال أبنية سوى ما ذكرت لك في الثلاثة والأربعة، فمن ذلك: "فَعَّلْتُ وتفعَّلت وفاعلت وتفاعلنا٢", ومن الأربعة: "تدحرجت وتدحرجنا".
قال أبو الفتح: اعلم أن فعّلت أكثر ما يكون لتكرير الفعل نحو: قطّعت وكسّرت. إنما تخبر أن هذا فعل وقع منك شيئا بعد شيء على تطاول الزمان.
وقد تجيء لا يراد بها ذلك، نحو "صبّحت المنزل ومسّيته، وكلّمت زيدا" وهي على ضربين: متعد، وغير متعد، فالمتعدي٣ نحو "كسّرت وقطّعت", وغير المتعدي نحو "سبّحت وهلّلت", وأما "تَفَعّلت" فهو مطاوع "فَعَّلت"٣ نحو "كسّرته فتكسّر، وقطّعته فتقطّع" وهو نظير "فعلتُهُ فانفعَلَ" نحو "قطعته فانقطع" إلا أن هذا يكون على ضربين: متعد، وغير متعد، فالمتعدي نحو قوله عز وجل٤: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٥
стр. 92
و"تَتَلَقَّفُ ما يأفكون"١, وغير المتعدي نحو "تحَوَّب، وتَأَثَّم".
وانْفَعَلَ لا يكون متعديا أبدا.
وأما "فاعلت" فأكثر ما يجيء من اثنين، نحو: "ضاربت زيدا"، و"شاتمت عمرا"٢, وقد يكون من الواحد نحو "طارقت النعل، وعاقب الأميرُ اللصَ", ولا تكاد تراه إلا متعديا.
فأما٣ "تفاعلنا" فيكون متعديا وغير متعد. فالمتعدي نحو "تقاضيته، وتجارينا الحديث", وغير المتعدي نحو: "تغافل وتعاقل".
والفصل بين ضَارَبَ وتَضَارَبَ ونحوهما, أنك إذا قلت: "ضاربت زيدا", فقد وصل إليك منه مثل ما وصل إليه منك وقد نصبته فكأن٤ الفعل لك دونه.
وأنت إذا قلت: تضارب زيد وعمرو، فإنما٥ تعطف بالواو، ولا تقول: تضارب زيد عمرا، والمعنى في قولك: "ضارب زيد عمرا، وتضارب زيد وعمرو" واحد.
وإنما يجوز أن تقول: "تفاعلته فتعديه٦ إلى مفعول, إذا لم يكن المفعول فاعلا في المعنى, نحو "تقاضيته الدين٧، وتناسيت الحديث", فالفعل في نحو هذا لك وحدك.
стр. 93
ولا تقول: "تخاصمت زيدا"؛ لأنه منكما جميعا، وقد أنشدوا بيت امرئ القيس:
لعوبٍ تناساني إذا قمت سربالي
فتعدي تَفَاعَلَ إليك؛ لأن الفعل هنا لها دونك، ومعناه: تنسيني، فجرى مجرى "تقاضاني الدين".
وأما "تفعلَلْتُ" فإنها١ مطاوعة "فعللْتُهُ", وذلك قولك" "دحرجته فتدحرج" وهي نظير "فعّلته فتفعّل" وقلما توجد متعدية.
"الفرق في المضارع بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول من المواضي التي تجاوزت ثلاثة أحرف":
قال أبو عثمان: وليس بين "يُفْعَلُ" منها و"يَفْعَلُ" بعد ضمة أول حرف وفتحته إلا كسرة الحرف الذي يلي آخر الحرف وفتحته، وذلك نحو: "يَستخرِج ويُستخرَج، ويَنطلِق ويُنطلَق به" إلا ما كان على "يَتَفَاعَلُ", فإنه لما كان مفتوحا في "يَفعَل" تركوه في "يُفعَل" بحاله٢ نحو: "يَتغافل، ويُتغافَل عنه" كما فُعل ذلك في غير الزائد نحو "يَسمع، ويُسمع".
قال أبو الفتح: اعلم أن جميع الأفعال التي تُجاوز مواضيها ثلاثة أحرف، لا يكون الحرف الذي قبل الطرف من المضارع فيها إلا مكسورا نحو "أَكرمَ يُكرِم، وانطلق ينطلق، واستخرج يستخرج، واغدودنَ يغدودِن، واحرنجم يحرنجِم" إلا ما كان ماضيه على "تَفَاعَلَ" وما كان على وزنه نحو "تَفَعْلَلَ، وتَفَوْعَلَ، وتَفَيْعَلَ، وتَفَعْوَلَ،
стр. 94
وتَفَعَّلَ"١, فإن ما قبل طرفه في المضارع يكون مفتوحا نحو "تدحرج يتدحرَج، وتصومع يتصومع، وتفيهق يتفيهق، وتقطع يتقطع، وتغافل يتغافل".
وإنما ذكر أبو عثمان من هذا كله "تَفَاعَلَ" وحدها؛ لأنه أراد هذا المثال وما كان مثله في حركته وسكونه وزيادة التاء في أوله.
وقد كان القياس أن يكسروه لتخالف حركة العين في المضارع حركتها في الماضي, كما قالوا: "ضَرَبَ يَضْرِبُ, وركِب يركَب". وكأنهم إنما هربوا إلى الفتح؛ لأنهم لو قالوا: "يتغافل" لأشبه آخره آخر المصادر نحو: التغافل والتعالم", ولو كسروه لأشبه آخر الجمع نحو: "تتافل وتناضب" جمع "تَتْفُل وتَنْضُب"، فأرادوا أن يباعدوا بين الفعل وبين المصدر والجمع.
فأما قولهم في اسم الفاعل: مُتغافِل، فإنما كسروا الفاء على ما يجب فيها؛ لأنه قد أُمن٢ فيه شَبَه الجمع؛ لأنه مصروف، والجمع إذا كان على بناء مَفاعِل فهو غير مصروف، فقد وقع الفصل، وأيضا فإنهم لو قالوا: "مُتغافَل" ففتحوا الفاء؛ لالتبس اسم الفاعل باسم المفعول.
وهذا مأمون في الفعل؛ لأنك إذا قلت: "يَتغافَل", فقد عُلم بفتحة حرف المضارعة أنه للفاعل, وإذا ضممت فقلت: "يُتغافَل" فقد عُلم أنه للمفعول، فالفصل واقع، وحمل باقي الأفعال التي على وزن تفاعل عليه.
стр. 95
وكأن أبا عثمان إنما ذكره وحده دون غيره لهذا المعنى، ألا ترى أنهم لو قالوا: "يتدحرَج" فكسروا الراء لم يكن يشبه مصدرا ولا جمعا، فالباب في هذا لـ "تفاعل", وغيره داخل عليه.
فإذا صرت إلى بناء الفعل للمفعول وهو الذي يسمى "باب ما لم يسم فاعله", انفتح ما قبل الطرف في جميع المضارع؛ لأن ما قبل الطرف لا يكون في الماضي إلا مكسورا، ففُتح في المضارع؛ لأن هذا لا يختلف في جميع الأفعال١ التي لم يسم فاعلوها، وذلك قولك٢: "أُكرِم يُكرَم، وانطُلِق به يُنطلَق، وتُغُوفل عنه يُتغافَل"، فجرى ذلك مجرى "شَرِب يَشرِب" لما كُسر الماضي فُتح المضارع.
وإنما جاء أبو عثمان بيَسمَع ويُسمَع؛ ليريك أن لباب "يَتغافل ويُتغافل عنه" نظيرا ثلاثيا بغير٣ زيادة. فأما يَسمع، فإنما وجبت الفتحة فيه من قِبَلِ أن ماضيه مكسور العين وهو سمع وليس من قبل حرف الحلق، ألا ترى أنك تقول: "ركب يركب، وشرب يشرب" فتفتح العين من المضارع ولا حرف حلق فيه؟ وكذلك ما لم يسم فاعله وهو "سُمع يُسمع", فجرى مجرى "ضُرب يُضرب".
قال أبو عثمان: وإنما كتبت لك في صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة؛ لتعلم كيف مذاهب العرب فيما بَنَتْ من الأسماء والأفعال، فإذا سُئلت عن مسألة فانظر: هل بنت العرب مثالها؟ فإن كانت بنت، فابنِ مثل ما بنتْ،
стр. 96
وإن كان الذي سُئلتَ عنه ليس من أبنية العرب فلا تَبْنِهِ؛ لأنك إنما تريد أمثلتهم وعليها تقيس.
قال أبو الفتح: اعلم أنه لوّح في هذا الفصل بخلاف أبي الحسن، وسيأتي به١ بعد هذا, وأقول فيه بما يقتضيه ولا قوة إلا بالله.
مسائل التصريف ذات البال في المهموز, وما فيه الواو والياء:
قال أبو عثمان: واعلم٢ أن الهمزة وبنات الواو والياء فيهن مسائل التصريف, فانظر كيف صنعت العرب في الياءات والواوات والهمزات اللواتي هن فاءات الفعل وعيناته ولاماته، وما ألحق باللامات من الياءات, وكيف أجروهن وكيف ألزموهن الحذف والتغيير والإبدال حتى يسهل عليك النظر إن شاء الله.
وسأضع لك من كل شيء من هذا الباب رسمًا تقيس عليه ما كان مثله، فإنه ليس شيء من غامض مسائله, إلا وفي ظاهره ما يبين لك مجرى غامضه ولا قوة إلا بالله.
قال أبو الفتح: اعلم أنه إنما٣ أتبع هذا الفصل الذي قبله ليريك كيف ينبغي أن تعمل فيما يرد عليك مما يسأل عن بنائه، يقول: فلا تعد ما رأيتهم عملوه في نظير ما تبنيه ولا تتجاوزه٤. فهذا قريب من قوله: "فإن٥ كانت بَنَتْ فابنِ مثل ما بَنَتْ، وإن كان الذي سئلت عنه ليس من أبنية العرب فلا تبنه".
стр. 97
وقوله: واعلم أن الهمزة وبنات الواو والياء فيهن مسائل التصريف, ومسائل التصريف في الهمزة وبنات الواو والياء وغيرها من الصحيح أيضا. وإنما أراد أن المسائل إذا بُنيت من الهمزة أو الواو أو الياء كانت صعبة مشكلة؛ لما يعرض فيها من التغيير والحذف. فكأنه١ حذر من السهو فيها، ونبه على صعوبتها وإشكالها ليقع التحرز منها.
стр. 98
حروف الزيادة:
قال أبو عثمان:
باب ما تجعله زائدا من حروف الزيادة:
قال أبو الفتح: حكي أن أبا١ العباس سأل أبا عثمان عن حروف الزيادة، فأنشده:
هَوِيتُ السمانَ فشيبنني ... وما كنت قدما هَوِيتُ السمانَا
فقال له: الجواب؟ فقال له أبو عثمان: قد٢ أجبتك في الشعر٣ دَفْعَتين، يريد: "هويت السمان" ويجمعها أيضا في اللفظ: "اليومَ تنساهُ" وقيل أيضا: "سألتمونيها" وهي عشرة أحرف: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، والنون، والتاء، والهاء، والسين، واللام.
وقول أبي عثمان: "باب ما تجعله زائدا من حروف الزيادة"، يريد به: أن حروف الزيادة ليست في كل موضع تكون زائدة٤، ولو كانت في كل
стр. 99
موضع تكون زائدة١؛ لما احتاج إلى تحديد المواضع، ولحدّد الحروف وحدها.
وقال: إذا رأيت شيئا من هذه الحروف العشرة في كلمة٢ فاقض بزيادته ولا تتوقف، وهذا خطأ لا يقوله أحد، ألا ترى أن "أوى، ووأى" إنما هما٣ مركبان من همزة وواو وياء، وليس فيهما حرف زائد البتة, وإن كنا نعلم أن الهمزة، والواو، والياء من حروف الزيادة في غير هذا الموضع.
ولكن ينبغي أن تُعرَف مواقع الزيادة وكيف تكون وكيف وقعت في كلامهم بالأدلة الواضحة. وسنأتي على ذلك إن شاء الله تعالى٤.
الهمزة التي في أول الكلمة:
قال أبو عثمان: اعلم أن الهمزة إذا كانت أولا, وكان الشيء الذي هي فيه عدده أربعة أحرف بها فصاعدا٥, فهي زائدة، إلا أن يجيء أمر يوضح أنها من نفس الحرف٦, وذلك نحو "أفْكَل وأَيْدَع".
قال أبو الفتح: اعلم أنه قد تحجّر في هذا الفصل قسطا كبيرا من اللغة، عرّف أمر الهمزة فيه، فأمن معه أن تكون الهمزة في أول ما عدته أربعة أحرف بها, إلا زائدة إلا أن يجيء أمر يوضح أنها من نفس الحرف.
стр. 100
ألا ترى أنك لو سمعت في كلامهم مثل "أجْرَك، وأجْبَك" لقضيت بأن الهمزة زائدة بهذا الذي قد صدّره أبو عثمان، ولم تحتَجْ فيه إلى الاشتقاق؟ وقوله: "وكان الشيء الذي هي فيه عدده أربعة أحرف بها فهي زائدة"، يريد به: أنه إذا جاءت ثلاثة أحرف لا١ يُشَكّ في أنها من الأصول وفي أولها همزة, قضيت بزيادة الهمزة.
فأما إن كان في الكلمة حرف يجوز أن يكون زائدا، أو وقع فيها تكرير، لم تقض بزيادة الهمزة إلا بدليل. وإذا كان الأمر كذلك، فللسائل أن يقول: ما الدليل على أن الياء في أيْدَع فاء, وما تنكر أن تكون زائدة، وتجعل الهمزة أصلا ويكون وزن الكلمة "فَيْعَلًا"؟
فالجواب في ذلك: أن حمل الهمزة على الزيادة أولى من حمل الياء عليها؛ وذلك أن زيادة الهمزة في أول الكلمة أكثر وأوسع٢ من زيادة الياء ثانية، ألا ترى أن باب "أحمر وأصفر" أكثر من باب "خَيْفَق وصَيْرَف"؟ فبهذا الدليل ثبتت٣ زيادة الهمزة في أيدع.
وقد حكى بعضهم: "يَدَّعْتُهُ تَيْدِيعا" فهذه دلالة قاطعة على كون الياء فاء. ومن ذلك قولهم٤: "أَوْلَقٌ وأَيْصَرٌ" لا يقضى بزيادة الهمزة فيهما لأجل الواو والياء فيهما، فيحتاج إلى الاشتقاق، وسنذكرهما في موضعهما إن شاء الله٥.
فأما٦ التكرير، فقال سيبويه: "لو جاء في الكلام شيء نحو: "أكْلَل،
стр. 101
وأيْقَق" فسميت به رجلا صرفته؛ لأنه لو كان "أفْعَلَ" لم يكن الحرف الأول إلا ساكنا مدغما. يريد بذلك: أنه لو كانت الهمزة زائدة لوجب أن يقال: "أكَلّ وأيَقّ" كما قالوا: "أصَمّ وأيَلّ". يقول: فيجب أن تكون الهمزة من الأصل، ويكون وزن الكلمة "فَعْلَلا، أو فَيْعَلا".
الياء في أول الكلمة:
قال أبو عثمان: وكذلك الياء تجري مجرى الهمزة أولا نحو "يَرْمَع ويَعْمَل, للناقة التي يعمل عليها١"؟
قال أبو الفتح: يقول: إن حكم الياء إذا وقعت هذا الموقع حكم الهمزة، لا فصل بين الياء والهمزة فيه.
لِمَ قضي بزيادة الهمزة والياء في أول الكلمة؟:
قال أبو عثمان: وإنما كان هذا زائدا وإن لم يشتق٢ منه ما يذهب فيه؛ لكثرة ما تبين لك من هذا المثال مما٣ يشتق منه٤ ما يذهب فيه، نحو: "أحمر، وأسود، وأبيض", وذاك٥ أكثر من أن٦ أعده لك.
قال أبو الفتح: يقول: إنك إنما قضيت بزيادة الهمزة والياء إذا وقعتا في هذا الموضع وإن لم تعرف الاشتقاق؛ لأنك لا تشتق شيئا على هذا المثال وفي أوله همزة أو ياء إلا أصبتهما فيهما زائدتين، ألا ترى أن أبيض من البياض، وأسود
стр. 102
من السواد، وأحمر من الحمرة، وأخضر من الخضرة، وكذلك جميع ما يرد من هذا النحو، فإنما يحمل ما يجعل على ما يعرف، ويقاس الغائب بالشاهد.
فأما "يرمع" فيجوز عندي أن يكون من قولهم: "تَرَمَّعَ أنف فلان" إذا اضطرب وتحرك. واليَرْمَع: حجارة خَوَّارة ليس١ لها ثبات ولا صلابة، وهي هَشَّة، والهشاشة والخَوَر قريب من الاختلاج والاضطراب، ألا ترى أنهما جميعا بضد الثبات والرزانة؟
وأما٢ اليَعْمَلَة فهي: الناقة التي يُعمَل عليها في السير، فقد تبين أيضا بالاشتقاق زيادة الياء فيهما، فيكون٣ هذا مضافا إلى القياس الأول.
وقوله: وذلك أكثر من أن٤ أعده لك, يريد: أنه أكثر من أن يعد في هذا الكتاب؛ لأن التمثيل لا يُحتاج فيه إلى جميع٥ اللغة، أو يكون أراد أنه لا يحيط بهذا٦ الباب لسعته٦، والتأويل الأول عندي أشبه؛ لأنه ليس فيه اعتراف منه بالتقصير في اللغة.
النون والتاء في أول الكلمة، لا تعدان زائدتين إلا بثبت:
قال أبو عثمان: فأما٧ النون والتاء, فإذا كانتا أولا وكانتا على مثال الأسماء مع ما٨ هما فيه, فلا تجعلهما زائدتين إلا بثَبَت، نحو: "نَهْشَل ونَهْصَر ونهسر وتوءم".
стр. 103
قال أبو الفتح: اعلم أن النون والتاء لم تكثر زيادتهما في الكلام كثرة زيادة الياء، والواو، والهمزة؛ فلذلك احتجتَ إلى أن تنظر إلى المثال الذي هما فيه، فإن كانتا فيه واقعتين موقع حرف من الأصل، قضيت١ بأنهما من الأصل، وإن لم تكونا واقعتين١ موقع حرف من الأصل، قضيت بزيادتهما.
ألا ترى أن النون في نهشل, والتاء في توءم، بإزاء الجيم في جعفر؟ فلهذا قضيت بأنهما من الأصل. والاشتقاق يدل على أن النون في "نهشل" والتاء في "توءم" أصلان, وذلك قولهم: "نَهْشَلَتِ المرأةُ" إذا أسنَّتْ، و"نهشلت: فعلَلَتْ"، فالنون في نهشل: فاء، بمنزلتها في نهشلتْ, وليس في كلامهم نَفْعَلَتْ.
وأما توءم، فيدل فيه على زيادة الواو وأن٢ التاء أصل، قولهم في الجمع٣: "تُؤَام, وتُؤَام: فُعَال"فالتاء فاء، والهمزة عين. وإنما كُتبت الهمزة في تؤام واوا لانضمام ما قبلها، وكذلك إن خففت فأبدلتها واوا خالصة، فليست هذه الواو هي٤ التي كانت في توءم، إنما هي همزة مخففة كما تقول في تخفيف "جُؤَن: جُوَن".
وشيء آخر يدل على أن الواو في توءم هي الزائدة دون التاء، وهو أن فَرْعلا في الكلام أكثر من تَفْعل, ألا ترى أن باب "كوثر, وجوهر، وقوصرة، وحوقل, وكوكب" أكثر من باب "تَأْلَب"؟ فحمله على الأكثر هو القياس.
وشيء آخر يدل عليه أيضا، وهو قولهم: "أتأمت المرأة" إذا ولدت التوءم.
стр. 104
فأما تألب، فالتاء فيه١ زائدة؛ لأنه من "أَلَبَ يَأْلِبُ"٢: إذا جَمَعَ وهو الجمار، فهذا ثبت. قال سيبويه: ألب الحمار يألب٢ وهو طرده طريدته.
وقوله: وكانتا على مثال الأسماء مع ما هما فيه، يريد به: كان٣ الاسم الذي هما فيه بهما على مثال الأسماء, أي: على أحد أمثلة الرباعي الذي لا زيادة فيه, وهي: "فَعْلَل، وفِعْلِل، وفُعْلُل، وفِعْلَل، وفِعَلّ، وفُعْلَل" على مذهب أبي الحسن، وعلى أحد الأمثلة الخماسية.
زيادة النون والتاء في أول الكلمة:
قال أبو عثمان: وإذا جاءتك على٤ مثال لا يكون للأسماء, فهما زائدتان لمجيئهما على غير الأصول، وذلك نحو: "نَرْجِس، وتُرْتَب"؛ لأنه ليس في الكلام مثل جَعْفِر٥ ولا جُعْفَر، اسمين.
قال أبو الفتح: إنما قضي بزيادة النون والتاء في "نرجس، وترتب"؛ لأنهما لم يقعا موقع حرف من الأصل، كما قضي بزيادة النون من "كَنَهْبُل"؛ لأنه ليس في الكلام مثل "سفرجُل" بضم الجيم.
وشيء آخر يدل على زيادة التاء في ترتب, وهو أنه٦ الشيء الراتب الثابت, يقال: "رتب يرتُب"، قال طفيل:
стр. 105
وقد كان حيانا عدوين في الذي ... خلا فعلى ما كان في الدهر فارتُبِي
وكذلك "تنضب وتتفل"؛ لأنه ليس في الكلام مثل جَعْفُر، وقد قالوا: "تُتْفُل" بضم التاء، ومثاله١ "تُفْعُل".
والتاء أيضا٢ -وإن كانت بإزاء جيم جرهم٣؛ لأنها قد ثبتت في قول من فسح التاء فقال: "تتفل"- زائدة، فهي أيضا في قول من ضمها زائدة. ومحال أن تكون ثم زائدة هنا أصلا٤؛ لأن اللفظ واحد والمعنى واحد.
ويدل أيضا على زيادة التاء في تُتْفُل أنه ليس في الكلام اسم٥ على "فُفْعُل", ولا "فُنْعُل".
وكذلك تُدْرَأ؛ لأنه من درأت، ولأنه ليس في الكلام أيضا مثل جُعفر.
الهمزة غير أول, لا تجعل زائدة إلا بثبت:
قال أبو عثمان: وإذا وجدت الهمزة غير أول, فلا تجعلها زائدة إلا بثبت؛ لأنها لم تكن زائدة غير أول.
قال أبو الفتح: قد زِيدت الهمزة غير أول في أحرف معلومة، وهي: شمْأل وشأْمَل بمعنى الشمال، وإنما هو من شَمَلَتِ الريح.
وسألت أبا علي عن "شمْأل وشأْمَل" فقلت: ما تنكر أن تكون الهمزة
стр. 106
فيهما غير زائدة وإن كانت من معنى شَمَلَتْ، كما تقول في١ "دَمِث ودِمَثْر، وسَبِط وسِبَطْر": إن أحدهما٢ بمعنى الآخر وليس من أصله؛ لأن دمثا ثلاثي ودمثرا رباعي, فقل كذلك في شمأل وشأمل٣؟
فقال: إن الهمزة قد زِيدتْ غير أول في جُرانِض ونِئْدِلان بمعنى نَيْدُلان وأحرف غير هذه, فكأن٤ أبا علي رأى حمله على هذا مع الاشتقاق أولى من أن يجعله أصلًا رباعيًّا. والنَّيْدُلان هو الذي يسمى الكابوس عند العامة.
قال الراجز:
نِفْرِجَة القلب قليل النيل ... يُلْقَى عليه النَّيْدُلان بالليل
والجرائض هو الجمل الضخم، وقد قالوا في معناه: جِرْواض, فالهمزة زائدة إذًا.
وحُطائِط: فُعائِل؛ لأنه٥ من حططتُ؛ لأنه الصغير.
وقالوا في "تابَل: تَأْبَل"، فالهمزة زائدة.
وحكي أن العجاج كان يهمز العألم والخأتم٦؛ أبدل الألف همزة وكذلك "تَأْبَل".
فالهمزة في هذه الأحرف الثلاثة زائدة؛ لأنها بَدَل من زائد, ومثالها: فأعل. وقد قالوا: رِئْبال للأسد، فهمزوا.
وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز عن أبي زيد: وتقول: "رَهْيَأْتُ
стр. 107
أمري رَهْيَأةً" إذا لم تُحكمه, وقد رهيأ الرجل، وذلك أن يحمل حملا فلا يشده بالحبال فهو يميل.
وسألت أبا علي عن مثال: رَهْيَأَ, فقال: "فَعْيَلَ"؛ لأن الهمزة ليست بزائدة، وموضع الياء هو١ موضع زيادة الياء، والواو في حِذْيَم وجَدْوَل, فكأن٢ أبا علي حمله على فَعْيَلَ، وإن كان هذا البناء ليس في أبنية الأفعال ولا٣ الأسماء هربا من زيادة الهمزة غير أول، ولأنه٤ رأى الياء في رهيأ في موضع الواو من جَهْوَرَ وسَرْوَلَ٥.
ولهذا المثال٦ نظائر في الشذوذ, منها قولهم: "قد اكْرَألّ الرجل" إذا قَصُر فالواو زائدة، ومثاله "افْرَعَلّ"٧. وقد قالوا: "بينهما مُهْوأنَ من الأرض" وهو عند "مُفْوَعَلّ" وهو في الأسماء نظير اكوأل في الأفعال.
ونظيره في الشذوذ قولهم: "تقلْنس" في معنى تقلّس، ومثاله "تَفَعْنَلَ"٨. ونظير هذا في الشذوذ قولهم: "تَمَدْرَعَ وتَمَسْكَنَ" إنما هما من الشاذ٩ ومثالهما "تَمَفْعَلَ"، ألا ترى أن أبا عثمان قال: إن اللغة الجيدة عندهم: "تدرّع وتسكّن"؟
ومن هنا حمل أهل التصريف قولهم: "مُغْفُور" على أنه "فُعْلُول"،
стр. 108
ولم يجعلوه "مُفْعُولا"؛ لأنهم قد قالوا: خرجوا يَتَمَغْفَرون، فيتمغفرون عندهم يَتَفَعْلَلون، ولم يجعلوه يَتَمَفْعَلُون؛ لقلة تَمَفْعَلَ، وكثرة تَفَعْمَلَ.
ومن هنا أيضا كانت الميم في "مَعدّ" أصلا؛ لقولهم: تمعدد، وتمعدد: تفعل، ولم يحمل على تَمَفْعَلَ، على أن قوما قد جعلوا مُغْفُورا مُفْعُولا كمُعْلُوق، وإنما هذا لقلة١ المعرفة بهذا الشاذ٢, والقياس ما أنبأتك به أولا. قال أبو علي: إنما قلنا: "مُعْلوقا" مُفْعُول؛ لأنهم قد قالوا في معناه: مِعْلاق، فمعلاق مِفْعَال ليس غير.
قال: وأما مُغْرود فحمله على فُعْلول أولى؛ لأن فُعْلولا أكثر من مُفْعول.
وقالوا: تَمَنْدَلَ بالمنديل، وهو تَمَفْعَلَ، والجيدة: تَنَدَّلَ.
وقالوا: قَلْنسته وهي٣ فَعْنلته، وقالوا: قَلْسيته وهي٤ القياس.
وقالوا: تَأْبلت القِدْرَ بالهمز, والهمزة زائدة؛ لأنها بدل من ألف تابَلْت الزائدة.
وحُكي عنهم: "مَرْحَبَكَ الله ومَسْهَلَك، وكان يُسَمَّى محمدا تم تَمَسْلم" أي: صار يسمى مُسْلِما، وهذا كله شاذ.
وقد قال بعضهم: إن "مَذْحِج" جماعة قبائل شتى مَذْحَجَتْ أي: اجتمعت. فإن كان هذا ثبتا في اللغة فلا بد من أن تكون الميم زائدة، وتكون الكلمة مَفْعَلَتْ؛ لأنهم قالوا: "مَذْحِج"، فإن جعلت الميم أصلا كان وزن
стр. 109
الكلمة فَعْلِلًا, وهذا خطأ؛ لأنه ليس في الكلام اسم مثل جَعْفِر، فثبت أنه مَفْعِل مثل مَنْبِج.
ولهذا لم يصرف "نرجِس" اسم رجل؛ لأنه ليس في الأصول مثل جَعْفِر، وقضي أن النون زائدة مثلها في نَضْرِب.
وجاء في الحديث: "فإذا سحابة تَرَهْيَأُ" فهذا تَفَعْيَلُ، والياء فيه زائدة؛ لأنها من موضع الواو من تَرَهْوَكَ، وكأن "ترهيأ مطاوع رهيأته فترهيأ".
وقد قالوا: تشيْطن الرجل وتشيَّط بمعنى واحد، فينبغي أن يكونا لغتين، ولا يجوز أن تجعل تشيطن تفعْلن؛ لأنه ليس في الكلام تَفَعْلَنَ، وتشيطن أقوى من تشيط؛ لقولهم: شاطن وشَطْن، وأرض شَطُون، وهذا كله من البُعْد، والشيطان مبعد مقصى١, ومن هنا١ قيل: لعنه الله، أي: أبعده الله٢ وأقصاه.
وفسروا بيت الشماخ:
ذعرت به القَطَا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
أي: البعيد. فمن هنا قيل له: شيطان؛ لأن الله قد أبعده. فلهذا كان الوجه في شيطان أن يكون فَيْعَالا بمنزلة الغَيْدَاق والقَيَّام, ومن أخذه من تشيّط جعله "فَعْلان". ووجه الاشتقاق فيه من تشيط، أنهم قد قالوا: غضب فاستشاط أي: احتدّ والْتهَبَ في الغضب وتشيط بمعناه. وهذا المعنى موجود في الشيطان؛ لأن الالتهاب في الغضب مشبه بالجنون والتخبط، قال الله تبارك٣
стр. 110
وتعالى: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ١, وهذا واضح لا خفاء به.
وإنما ذكرت هذه الأمثلة الشاذة٢؛ لأُونس بها ما ذهب إليه أبو علي من أن "رهْيأ: فَعْيل" وإن كان هذا من الشواذ في أمثلة الفعل. وقد قالوا: "امرأة٣ ضَهْيَأ" مقصور٣، قال أبو علي: فالهمزة٤ زائدة دون الياء لقولهم٥: ضَهْياء في معناها, وضهياء: فَعْلاء٦ مثل حمراء، والألفان في آخرهما زائدتان٦ لا محالة.
ووجدت بخط أبي العباس محمد بن يزيد -رحمه الله٧- يقال: "امرأة ضهياء" إذا لم يكن لها ثديان، مثل الجَدَّاء, و"الضَّهْراء" التي لا تحيض ولا ثدي لها. وحكى أحمد بن يحيى قال: الضهراء: الأرض التي لا تنبت. والضهياء: التي لا ثدي لها. وقال بعضهم: الضهياء٨: التي تحيض وهي حُبْلى.
فأما قولهم: بَلْأص الرجل، فالهمزة فيه ينبغي أن تكون أصلا حتى تقوم دلالة على زيادتها، والذي رآه أبو علي من أن الياء في رهيأ٩ زائدة دون الهمزة مذهب سديد.
فإن قال قائل: هلا جعل الهمزة زائدة وجعل الياء أصلا، فكانت١٠ الكلمة على هذا فَعْلَأ١١ في أمره دون فَعْيَلَ، وإن كان هذان بناءين مفقودين