← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: حين أعارتني جامعة القاهرة في العام الدراسي ١٩٦٥-١٩٦٦ لشقيقتها الجامعة الأردنية, حاضرتُ طلاب قسم اللغة العربية بها في تاريخ المدارس النحوية. ولما رجعت إلى المكتبة العربية الحديثة لم أجد فيها كتابا يُغنِي في هذا الموضوع غناء محمودا، وقد مضيت أحاضر الطلاب فيه محاولا -بقدر جهدي- أن أبلغ حاجتهم بترتيب مقدماته وتوفير الأسباب المعينة على صحة نتائجه، حتى استقامت لي هذه الصورة لمدارسنا النحوية على مرّ التاريخ. ولعل هذه أول مرة تُبحَث فيها المدارس النحوية بحثا جامعا، وهو بحث يرسم في إجمالٍ الجهود الخصبة لكل مدرسة, وكل شخصية نابهة فيها. وكان طبيعيا أن أبدأ بالمدرسة البصرية؛ لأنها هي التي وضعت أصول نحونا وقواعده ومكنت له من هذه الحياة المتصلة التي لا يزال يحياها إلى اليوم، وكل مدرسة سواها فإنما هي فرع لها وثمرة تالية من ثمارها. وقد تقدمت البحث فيها بتصحيح خطأ شاع وذاع قديما وحديثا، وهو ما ينسب إلى أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه من وضع بعض مبادئ النحو، وهي إنما بدأت توضع مع الجيل التالي عند ابن أبي إسحاق الحضرمي. وأوضحت الأسباب التي جعلت عقل البصرة أدق وأعمق من عقل الكوفة وأكثر استعدادا لتسجيل ظواهر النحو العربي ووضع قواعده وقوانينه. وقد ذهبت إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو المؤسس الحقيقي لمدرسة البصرة النحوية ولعلم النحو العربي بمعناه الدقيق، وصورت في تضاعيف ذلك إقامته لصرح النحو بكل ما يتصل به من نظرية العوامل والمعمولات, وبكل ما يسنده من سماع وتعليل وقياس سديد، مع بيان ما امتاز به من علم بأسرار العربية

стр. 2

وتذوق لخصائصها التركيبية. وخلفه على تراثه تلميذه سيبويه الذي تمثل آراءه النحوية تمثلا غريبا رائعا، نافذا منها إلى ما لا يكاد يحصى من الآراء, فإذا هو يسوي من ذلك "الكتاب" آيته الكبرى، وقد بلغ من إعجاب الأسلاف به أن سموه "قرآن النحو" وكأنما أحسوا فيه ضربا من الإعجاز، لا لتسجيله فيه أصول النحو وقواعده تسجيلا تاما فحسب، بل أيضا لأنه لم يكد يترك ظاهرة من ظواهر التعبير العربي إلا أتقنها, فقها وعلما وتحليلا. وحمل "الكتاب" عن سيبويه تلميذه الأخفش الأوسط، وأقرأه تلاميذ بصريين في مقدمتهم المازني, وتلاميذ كوفيين في مقدمتهم الكسائي، وكان لهِجا بالاعتراض على سيبويه والخليل، مما جعله ينفذ إلى كثير من الآراء، وخاصة أنه كان يفسح للغات الشاذة، هو بذلك يعد الإمام الحقيقي للكسائي وغيره من أئمة المدرسة الكوفية. وكان يعنى بالدفاع عن القراءات المشتملة على بعض الشذوذ والاحتجاج لها بأشعار العرب الفصحاء. وقد بينت في مواطن أخرى أن الفراء إمام المدرسة الكوفية بعد الكسائي, هو أول من تعرض للقراءات الشاذة بالإنكار العنيف، وتابعه في ذلك المازني وتلميذه المبرد آخر أئمة المدرسة البصرية النابهين. وأخذت أبحث في نشاط المدرسة الكوفية، ولاحظت أنه بدأ متأخرا عند الكسائي، وقد استطاع هو وتلميذه الفراء أن يستحدثا في الكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع في الرواية، ومن حيث بسط القياس وقبضه، ومن حيث وضع بعض المصطلحات الجديدة، ومن حيث رسم العوامل والمعمولات. وتوسع الفراء خاصة في تخطئة بعض العرب وإنكار بعض القراءات الشاذة، وكان ينفذ أحيانا إلى أحكام لا تسندها الشواهد والأمثلة، وهو يعد بحق إمام الكوفيين، فثعلب وغير ثعلب إنما كانوا شارحين لآرائه ومفسرين. ومضيت أبحث في المدرسة البغدادية وكانت قد ترامت عليها ظلال خدع كثيرة, وخاصة أن عَلَمَيها الفذين: أبا علي الفارسي وابن جني, كثيرا ما يَكْنيان عن البصريين في مصنفاتهما باسم "أصحابنا" مما جعل كثرة المعاصرين تظن

стр. 3

أنهما بصريان حقا، وهما إنما يصوران بذلك نزوعهما الشديد تلقاء البصريين، أما بعد ذلك فإنهما ينهجان النهج القويم للمدرسة البغدادية القائم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية، مع فتح الأبواب للاجتهاد والخلوص إلى الآراء المبتكرة. وقد تداول هذه المدرسة جيلان: جيل أول كانت تغلب عليه النزعة الكوفية، وهو الذي يدور في كتابات ابن جني باسم البغداديين، من أمثال ابن كيسان، ثم جيل ثانٍ خَلَفَ هذا الجيل كانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو ما يلقانا عند الزجاجي, ثم أبي علي الفارسي, وابن جني مؤصل علم التصريف وواضع قوانينه الكلية. وانتقلت أبحث في المدرسة الأندلسية، متتبعا نشاطها النحوي طوال العصور المتعاقبة، ولاحظت استظهار نحاتها منذ القرن الخامس الهجري لآراء أئمة النحو السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، مع الاجتهاد الواسع في الفروع ومع وفرة الاستنباطات وكثرة التعليلات والاحتجاجات. ولا نكاد ننتقل من جيل إلى جيل حتى تلقانا مجموعة من الأئمة، وكل إمام منهم يثير من الخواطر والآراء ما لم يسبقه إليه سابق من النحاة المجلين، حتى لنرى ابن مضاء القرطبي يريد أن يصوغ النحو صياغة جديدة تخلو من نظرية العوامل والمعمولات المذكورة والمقدرة ومن العلل والأقيسة المعقدة. وأكبر أئمتهم -على الإطلاق- ابن مالك, وقد رسمت في إجمالٍ آراءه ومنهجه، وعرضت لخالفيه من نحاة الأندلس وخاصة أبا حيان. وبحثت أخيرا في المدرسة المصرية، ملاحظا أنها كانت في أول نشأتها شديدة الاقتداء بالمدرسة البصرية، ثم أخذت تمزج -منذ القرن الرابع الهجري- بين آراء البصريين والكوفيين، وضمت سريعا إلى تلك الآراء آراء البغداديين، غير أنها لم تونق ولم تزدهر إلا منذ العصر الأيوبي، وسرعان ما تكامل ازدهارها في العصر المملوكي بما أتاحه لها ابن هشام من مَلَكاَته العقلية النادرة ومن إحاطته بآراء النحاة السالفين له, على اختلاف مدارسهم وأعصارهم وبلدانهم، ومن قدرته البارعة في مناقشة تلك الآراء، مع ما امتاز به من طرافة التحليل والاستنباط

стр. 4

وجمال العَرْض والأداء. وظلت الدراسات النحوية ناشطة بعده في مصر حتى العصر الحديث. ولم أتابع البحث في الجهود الخصبة التي بُذلت في عصرنا لتجديد النحو وتيسيره؛ لأنه إنما قصد بها إلى غايات تربوية في تعليم الناشئة، وهي حرية بكتاب مستقل. والله أسأل أن يلهمني السداد والإخلاص في الفكر والقول والعمل، وهو حسبي ونعم الوكيل. القاهرة في أول يناير سنة ١٩٦٨م. شوقي ضيف

стр. 5

القسم الأول: المدرسة البصرية الفصل الأول: البصرة واضعة النحو ١- أسباب وضع النحو: يمكن أن نرد أسباب وضع النحو العربي إلى بواعث مختلفة، منها الديني ومنها غير الديني، أما البواعث الدينية فترجع إلى الحرص الشديد على أداء نصوص الذكر الحكيم أداء فصيحا سليما إلى أبعد حدود السلامة والفصاحة، وخاصة بعد أن أخذ اللحن يشيع على الألسنة، وكان قد أخذ في الظهور منذ حياة الرسول ﷺ ، فقد روى بعض الرواة أنه سمع رجلا يلحن في كلامه فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" ١, ورووا أن أحد ولاة عمر بن الخطاب كتب إليه كتابا به بعض اللحن، فكتب إليه عمر: "أَنْ قَنِّعْ كاتبك سوطا"٢. غير أن اللحن في صدر الإسلام كان لا يزال قليلا بل نادرا، وكلما تقدمنا منحدرين مع الزمن اتسع شيوعه على الألسنة، وخاصة بعد تعرب الشعوب المغلوبة التي كانت تحتفظ ألسنتها بكثير من عاداتها اللغوية، مما فسح للتحريف في عربيتهم التي كانوا ينطقون بها، كما فسح اللحن وشيوعه. ونفس نازلة العرب في الأمصار الإسلامية أخذت سلائقهم تضعف لبعدهم عن ينابيع اللغة الفصيحة، حتى عند بلغائهم وخطبائهم المفوهين، ويكفي أن نضرب مثلا لذلك ما يروى عن الحجاج من أنه سأل يحيى بن يعمر هل يلحن في بعض نطقه؟ وسؤاله ذاته يدل على ما استقر في نفسه من أن اللحن أصبح بلاء عاما، وصارحه يحيى بأنه

стр. 6

يلحن في حرف من القرآن الكريم, إذ كان يقرأ قوله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ﴾ بضم أحبّ, والوجه أن تقرأ بالنصب خبرا لكان لا بالرفع١. وإذا كان الحجاج وهو في الذروة من الخطابة والبيان والفصاحة والبلاغة يلحن في حرف من القرآن، فمَنْ وراءه من العرب نازلة المدن الذين لا يرقون إلى منزلته البيانية كان لحنهم أكثر. وازداد اللحن فشوّا وانتشارا على ألسنة أبنائهم الذين لم ينشئوا في البادية مثلهم ولا تغذوا من ينابيعها الفصيحة، إنما نشئوا في الحاضرة واختلطوا بالأعاجم اختلاطا أدخل الضيم والوهن على ألسنتهم وفصاحتهم على نحو ما هو معروف عن الوليد بن عبد الملك وكثرة ما كان يجري على لسانه من لحن٢. وكان كثيرون من أبناء العرب وُلدوا لأمهات أجنبيات أو أعجميات، فكانوا يتأثرون بهن في نطقهن لبعض الحروف وفي تعبيرهن ببعض الأساليب الأعجمية٣. وكل ذلك جعل الحاجة تمس في وضوح إلى وضع رسوم يعرف بها الصواب من الخطأ في الكلام؛ خشية دخول اللحن وشيوعه في تلاوة آيات الذكر الحكيم. وانضمت إلى ذلك بواعث أخرى، بعضها قومي عربي، يرجع إلى أن العرب يعتزون بلغتهم اعتزازا شديدا، وهو اعتزاز جعلهم يخشون عليها من الفساد حين امتزجوا بالأعاجم، مما جعلهم يحرصون على رسم أوضاعها؛ خوفا عليها من الفناء والذوبان في اللغات الأعجمية. وبجانب ذلك كانت هناك بواعث اجتماعية ترجع إلى أن الشعوب المستعربة أحست الحاجة الشديدة لمن يرسم لها أوضاع العربية في إعرابها وتصريفها حتى تتمثّلها تمثلا مستقيما، وتتقن النطق بأساليبها نطقا سليما. وكل ذلك معناه أن بواعث متشابكة دفعت دفعا إلى التفكير في وضع النحو، ولا بد أن نضيف إلى ذلك رقيّ العقل العربي ونمو طاقته الذهنية نموا أعده للنهوض برصد الظواهر اللغوية وتسجيل الرسوم النحوية تسجيلا تطّرد فيه القواعد وتنتظم الأقيسة انتظاما يهيئ لنشوء علم النحو ووضع قوانينه الجامعة المشتقة من

стр. 7

الاستقصاء الدقيق للعبارات والتراكيب الفصيحة, ومن المعرفة التامة بخواصها وأوضاعها الإعرابية.

стр. 8

٢- صنيع أبي الأسود ١ الدؤلي وتلاميذه: لما كانت العلوم في الأمم لا تظهر فجأة، بل تأخذ في الظهور رويدا رويدا حتى تستوي على سوقها، كان ذلك مدعاة في كثير من الأمر لأن تغمض نشأة بعض العلوم, وأن يختلط على الناس واضعوها المبكرون. وهذا نفسه ما حدث فيمن نسبت إليهم الخطوات الأولى في وضع النحو العربي، وفي ذلك يقول السيرافي: اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون: أبو الأسود الدؤلي، وقيل: هو نصر٢ بن عاصم، وقيل: بل هو عبد الرحمن٣ بن هرمز، وأكثر الناس على أنه أبو الأسود الدؤلي٤. وتضطرب الروايات في وضع أبي الأسود للنحو، فمنها ما يجعل ذلك من عمله وحده، ومنها ما يصعد به إلى علي بن أبي طالب، إذ يروون عن أبي الأسود نفسه أنه دخل عليه وهو بالعراق, فرآه مطرقا مفكرا، فسأله فيم يفكر؟ فقال له: سمعت ببلدكم لحنا، فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية، وأتاه بعد أيام فألقى إليه

стр. 9

صحيفة فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل" ثم قال له: "اعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر". وتمضي هذه الرواية فتذكر أن أبا الأسود جمع لعلي أشياء وعرضها عليه، كان منها حروف النصب: إن وأن وليت ولعل وكأن، ولم يذكر أبو الأسود: لكن، فقال له علي: لم تركتها؟ فقال: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها، فزدها فيها١. ولهذه الرواية صور أخرى٢ تلتقي بها. ويقول القفطي المتوفى سنة ٦٤٦ للهجرة: "رأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الورّاقين جزءا فيه أبواب من النحو يُجمعون على أنها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي"٣. فالمسألة لم تقف عند سطور أو بعض أبواب نحوية تذكر مجملة، بل اتسعت لتصبح مقدمة أو رسالة صنّفها علي بن أبي طالب، وكأنه لم يكن مشغولا حين ذهب إلى العراق والكوفة بإعداد الجيوش لحرب معاوية, ولا كان مشغولا بحروب الخوارج، إنما كان مشغولا بالنحو ووضع رسومه وأصوله وفصوله. وطبائع الأشياء تنفي أن يكون قد وضع ذلك، ونفس الرواية السالفة وما أشبهها من الروايات تحمل في تضاعيفها ما يقطع بانتحالها لما يجري فيها من تعريفات وتقسيمات منطقية لا يعقل أن تصدر عن علي بن أبي طالب أو عن أحد من معاصريه، ولعل الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنحو الذي لا يتفق في شيء وأولية هذا العلم ونشأته الأولى. وقد تقف الروايات في الواضع الأول للنحو عند أبي الأسود، غير أنها تعود فتضطرب في السبب الذي جعله يرسمه وفي حاكم البصرة موطنه الذي بعثه على هذا الرسم والأبواب الأولى التي رسمها فيه. فمن قائل: إنه سمع قارئا يقرأ الآية الكريمة:

стр. 10

﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بكسر اللام في رسوله، فقال: ما ظننت أمر الناس يصل إلى هذا واستأذن زياد بن أبيه والي البصرة "٤٥-٥٣هـ", وقيل: بل استأذن ابنه عبيد الله واليها من بعده "٥٥-٦٤هـ" في أن يضع للناس رسم العربية. وقيل: بل وفد على زياد، فقال له: إني أرى العرب قد خالطت الأعاجم وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاما يعرفون -أو يقيمون- به كلامهم. وقيل: بل إن رجلا لحن أمام زياد أو أمام ابنه عبيد الله، فطلب زياد أو ابنه منه أن يرسم للناس العربية. وقيل: إنه رسمها حين سمع ابنته تقول: ما أحسنُ السماء وهي لا تريد الاستفهام وإنما تريد التعجب، فقال لها قولي: "ما أحسنَ السماءَ". وفي رواية أنه شكا فساد لسانها لابن أبي طالب، فوضع له بعض أبواب النحو وقال له: انحُ هذا النحو، ومن أجل ذلك سمي العلم باسم النحو. ويقول بعض الرواة: إنه وضع أبواب التعجب والفاعل والمفعول به وغير ذلك من الأبواب، ويقول آخرون: إنه وضع أبواب التعجب والاستفهام والعطف والنعت وإن وأخواتها. وقد يكون ذلك من صنع الشيعة، وكأنهم رأوا أن يضيفوا النحو إلى شيعي قديم، فارتفع به بعضهم إلى علي بن أبي طالب، ووقف به آخرون عند أبي الأسود صاحبه الذي كان يتشيع له، ويظهر أن نحلهم إياه وضع النحو قديم، إذ نجد ابن النديم يقول: إنه رأى عند بعض الوراقين أربعة أوراق عن أبي الأسود كتبها يحيى١ بن يعمر المتوفى سنة ١٢٩ للهجرة وفيها كلام في الفاعل والمفعول٢. وأقدم من ذلك ما جاء عند ابن سلام إذ يقول: "كان أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي، وإنما قال ذلك حين اضطرب لسان العرب وغلبت السليقة وكان سراة الناس يلحنون، فوضع باب الفاعل والمفعول والمضاف وحروف الجر والرفع والنصب والجزم"٣. وقد يُشرك بعض الرواة معه في هذا الصنيع تلميذيه نصر بن عاصم

стр. 11

وابن هرمز، إذ يقول الزبيدي: "أول من أصّل النحو وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدولي ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز، فوضعوا للنحو أبوابا وأصلوا له أصولا، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم, ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف"١. وكل ذلك من عبث الرواة الوضاعين المتزيدين، وهو عبث جاء من أن أبا الأسود نسب إليه حقا أنه وضع العربية, فظن بعض الرواة أنه وضع النحو، وهو إنما وضع أول نقط يحرر حركات أواخر الكلمات في القرآن الكريم بأمر من زياد بن أبيه أو ابنه عبيد الله, وقد اتخذ لذلك كاتبا فطنا حاذقا من بني عبد القيس، وقال له: إذا رأيتني قد فتحت شفتي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت شفتي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت شفتي فاجعل النقطة من تحت الحرف، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنة "تنوينا" فاجعل مكان النقطة نقطتين. وابتدأ أبو الأسود المصحف حتى أتى على آخره، بينما كان الكاتب يضع النقط بصبغ يخالف لونه لون المداد الذي كتبت به الآيات٢. وكان هذا الصنيع الخطير الذي سمي باسم رسم العربية سببا في أن يختلط الأمر فيما بعد على الرواة, فتظن طائفة منهم أن أبا الأسود رسم النحو وشيئا من أبوابه، وهو إنما رسم إعراب القرآن الكريم عن طريق نقط أواخر الكلمات فيه. وحمل هذا الصنيع عن أبي الأسود تلاميذه من قراء الذكر الحكيم, وفي مقدمتهم نصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى ين يعمر وعنبسة٣ الفيل وميمون٤ الأقرن، فكل هؤلاء "نقطوا المصحف وأُخذ عنهم النقط وحُفظ وضُبط وقُيِّد وعُمل به واتُّبع فيه سنتهم واقتُدي فيه بمذاهبهم"٥ وأضافوا إلى ذلك عملا جليلا هو اتخاذ نقط جديد للحروف المعجمة في المصاحف تمييزا لها

стр. 12

من الحروف المهملة، فقد ذكر الرواة أن الحجاج في ولايته على العرق "٧٤-٩٥هـ" أمر نصر بن عاصم أو يحيى بن يعمر بإعجام حروف المصحف لتمييز الحروف بعضها من بعض١. ويروى أن ابن عاصم كان أول من عشَّر المصاحف وخمَّسها، وبعبارة أخرى: كان أول من قسم آيات المصحف أقساما. وكل من ذكرناهم من تلاميذ أبي الأسود كانوا من قراء الذكر الحكيم، وكان يؤخذ عنهم النقطان جميعا؛ نقط الإعراب ونقط الإعجام. وكان ذلك عملا خطيرا حقا، فقد أحاطوا لفظ القرآن الكريم بسياج يمنع اللحن فيه، مما جعل بعض القدماء يظن أنهم وضعوا قواعد الإعراب أو أطرافا منها، وهم إنما رسموا في دقة نقط الإعراب لا قواعده، كما رسموا نقط الحروف المعجمة من مثل الباء التاء والثاء والنون.

стр. 13

٣- البصرة تضع النحو: رأينا البصرة تضع على يد أبي الأسود الدؤلي نقط الإعراب، وقد مضى الناس يأخذونه عن تلاميذه. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن ذلك كان باعثا لهم ولمعاصريهم على التساؤل عن أسباب هذا الإعراب, وتفسير ظواهره مما هيأ لبعض أنظار نحوية بسيطة. وكان طبيعيا بعد أن رسموا نقط الإعجام أن يضعوا له هذا الاسم وأن يضعوا لنقط أبي الأسود اسم نقط الإعراب تمييزا لهما بعضهما عن بعض، كما كان طبيعيا أيضا أن يطلقوا على علامات النقط الخاصة بالإعراب أسماء تفرق بينها، وقد اشتقوها من كلماته لكاتبه "فتحت شفتي وضممتهما وكسرتهما" فسموه على التوالي نقط الفتحة ونقط الضمة ونقط الكسرة. ولا بد أنهم لاحظوا اختلافا في إعراب الأسماء حسب مواضعها من الكلام،

стр. 14

فهي إذا ابتدأ بها المتكلم في العبارة لزمها الرفع إلا إذا تقدمتها إن وأخواتها، وإذا تلت فعلا كانت إما مرفوعة وإما منصوبة. ولا يبعد أن يكونوا قد وضعوا لذلك "مصطلحات المبتدأ والفاعل والمفعول"، ولا يبعد أيضا أن يكونوا لاحظوا اختلافا في كلمات اللغة وأن منها ما يقبل الحركات الثلاث: الضمة والكسرة والفتحة، وهو الأسماء المعربة، وأن منها ما يلزم حركة واحدة وقد يلزم السكون، وسموا الأولى معربة والثانية مبنية. كل ذلك من الممكن وقوعه، ولكن ليس بين أيدينا ما يثبته إثباتا قاطعا سوى ما تمدنا به طبائع الأشياء، فالأصل في كل علم أن تبدأ فيه نظرات متناثرة هنا وهناك، ثم يتاح له من يصوغ هذه النظرات صياغة علمية تقوم على اتخاذ القواعد وما يطوى فيها من أقيسة وعلل. وأول نحوي بصري حقيقي نجد عنده طلائع ذلك هو ابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧ للهجرة، وهو ليس من تلاميذ أبي الأسود، ولكنه من القراء، ومن الملاحظ أن جميع نحاة البصرة الذين خلفوه يسلكون في القراء، فتلميذاه عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء وتلميذا عيسى: الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب كل هؤلاء من القراء. ويكثر سيبويه في كتابه من التعرض للقراءات، وكأن ما كان بينها من خلافات في الإعراب هو الذي أضرم الرغبة في نفوس قراء البصرة كي يضعوا النحو وقواعده وأصوله، حتى يتبين القارئ مواقع الكلم في آي الذكر الحكيم من الإعراب المضبوط الدقيق. ومعروف أنه لكي يصاغ علم صياغة دقيقة لا بد له من اطراد قواعده, وأن تقوم على الاستقراء الدقيق، وأن يكفل لها التعليل وأن تصبح كل قاعدة أصلا مضبوطا تقاس عليه الجزئيات قياسا دقيقا. وكل ذلك نهض به ابن أبي إسحاق وتلاميذه البصريون، أما من حيث الاطراد في القواعد فقد تشددوا فيه تشددا جعلهم يطرحون الشاذ ولا يعولون عليه في قليل أو كثير، وكلما اصطدموا به خطئوه أو أولوه. وأما من حيث الاستقراء فقد اشترطوا صحة المادة التي يشتقون منها قواعدهم، ومن أجل ذلك رحلوا إلى أعماق نجد وبوادي الحجاز وتهامة يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التي لم تفسدها الحضارة، وبعبارة أخرى: رحلوا إلى القبائل المتبدية المحتفظة بملكة اللغة وسليقتها الصحيحة، وهي قبائل تميم وقيس وأسد

стр. 15

وطيئ وهذيل وبعض عشائر كنانة١. وأضافوا إلى هذا الينبوع الأساسي ينبوعا بدويا زحف إلى بلدتهم من بوادي نجد، وهو نفر من الأعراب الكاتبين قدم إلى البصرة واحترف تعليم شبابها الفصحى السليمة وأشعارها وأخبار أهلها. وفي الفهرست لابن النديم ثبت طويل بأسماء هؤلاء المعلمين٢ من الإعراب الذين وثَّقهم علماء البصرة وأخذوا عنهم كثيرا من المادة اللغوية والنحوية سجلوها في مصنفاتهم. وكان القرآن الكريم وقراءاته مددا لا ينضب لقواعدهم، وتوقف نفر منهم إزاء أحرف قليلة في القراءات لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وجدوها لا تطرد مع قواعدهم، بينما تطرد معها قراءات أخرى آثروها، وتوسع في وصف ذلك بعض المعاصرين، فقالوا: إنهم كانوا يردون بعض القراءات ويضعفونها، كأن ذلك كان ظاهرة عامة عند نحاة البصرة مع أنه لا يوجد في كتاب سيبويه نصوص صريحة مختلفة تشهد لهذه التهمة الكبيرة. وسنرى الأخفش الأوسط يسبق الكوفيين المتأخرين إلى التمسك بشواذ القراءات والاستدلال عليها من كلام العرب وأشعارهم. وفي الحق, إن بصريي القرن الثالث هم الذين طعنوا في بعض القراءات، وهي أمثلة قليلة لا يصح أن تتخذ منها ظاهرة ولا خاصة عامة، وقد كانوا يصفونها بالشذوذ ويؤولونها ما وجدوا إلى التأويل سبيلا. وكانوا لا يحتجون بالحديث النبوي ولا يتخذونه إماما لشواهدهم وأمثلتهم؛ لأنه روي بالمعنى إذ لم يكتب ولم يدون إلا في المائة الثانية للهجرة، ودخلت في روايته كثرة من الأعاجم، فكان طبيعيا أن لا يحتجوا بلفظه وما يجري فيه من إعراب، وتبعهم نحاة الكوفة، وفي ذلك يقول أبو حيان: إن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمرو والخليل بن أحمد وسيبويه من أئمة البصريين والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يحتجوا بالحديث، وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين٣. وأما من حيث القياس والتعليل فقد توسعوا فيهما, إذ طلبوا لكل قاعدة علة, ولم يكتفوا بالعلة التي هي مدار الحكم فقد التمسوا

стр. 16

عِلَلا وراءها. وقانون القياس عام، وظلاله مهيمنة على كل القواعد إلى أقصى حد، بحيث يصبح ما يخرج عليها شاذا، وبحيث تفتح الأبواب على مصاريعها ليقاس على القاعدة ما لم يسمع عن العرب ويحمل عليها حملا، فهي المعيار المحكم السديد. وعلى هذه الشاكلة شادت البصرة صرح النحو ورفعت أركانه، بينما كانت الكوفة مشغولة عن ذلك كله، على الأقل حتى منتصف القرن الثاني للهجرة، بقراءات الذكر الحكيم ورواية الشعر والأخبار, وقلما نظرت في قواعد النحو إلا ما سقط إلى بعض أساتذتها من نحاة البصرة إذ كانوا يتتلمذون لهم ويختلفون إلى مجالس محاضراتهم وإملاءاتهم. وكان القدماء يعرفون ذلك معرفة دقيقة, فنصوا عليه بعبارات مختلفة، من ذلك قول ابن سلام: "وكان لأهل البصرة في العربية قدمة, وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية"١, ويصرح ابن النديم في هذا المجال تصريحا أكثر وضوحا إذ يقول في حديثه عن نحاة الكوفة والبصرة: "إنما قدمنا البصريين أولا؛ لأن علم العربية عنهم أخذ"٢. وحاول بعض المستشرقين أن يصلوا بين نشوء النحو في البصرة والنحو السرياني واليوناني الهندي, غير أنه لا يمكن إثبات شيء من ذلك إثباتا علميا وخاصة أن النحو العربي يدور على نظرية العامل وهي لا توجد في أي نحو أجنبي، وكل ما يمكن أن يقال: إنه ربما عرف نحاة البصرة الأولون أن لبعض اللغات الأجنبية نحوا، فحاولوا أن يضعوا نحوا للعربية راجعين في ذلك إلى ملكاتهم العقلية التي كانت قد رقيت رقيا بعيدا بتأثير ما وقفوا عليه من الثقافات الأجنبية، وخاصة الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من المنطق، مما دعم عقولهم دعما قويا، وجعلها مستعدة لأن تستنبط قواعد النحو وعلله وأقيسته. ويظهر أنه كُفل للبصرة من الصلة بهذه الثقافات في القرن الثاني للهجرة ما لم يكفل للكوفة، فقد كانت مرفأ تجاريا للعراق على خليج العرب. فنزلتها

стр. 17

عناصر أجنبية كثيرة أعدت في سرعة لوصلها بثقافاتها المختلفة، وأيضا فإنها كانت أقرب من الكوفة إلى مدرسة جُنْدَيْسابور الفارسية التي كانت تدرس فيها الثقافات اليونانية والفارسية والهندية، مما جعل جداول من تلك الثقافات تصب فيها؛ ولذلك كان طبيعيا أن نجد بها أقدم المترجمين، ونقصد ماسرجويه الذي عهد إليه عمر بن عبد العزيز بترجمة كتيب في الطب، ولا نلبث أن نلتقي بابن المقفع الذي نشأ بها وتوفي سنة ١٤٣ للهجرة وكان يتقن الفارسية، ويحذق العربية فترجم إليها أروع ما في الفارسية من كنوز تاريخية وأدبية، كما ترجم كليلة ودمنة الهندية منها، وكذلك منطق أرسططاليس. وبذلك نفهم السر في أن عقل البصرة كان أدق وأعمق من عقل الكوفة وكان أكثر استعدادا لوضع العلوم، إذ سبقتها إلى الاتصال بالثقافات الأجنبية وبالفكر اليوناني وما وضعه أرسططاليس من المنطق وحدوده وأقيسته. ويمكن أن نلاحظ آثار ذلك في نشاط المباحث الدينية في البلدتين، فقد عُنيت الكوفة بالفقه بينما عُنيت البصرة بعلم الكلام، وحقا أشاع أبو حنيفة في الفقه القياس والرأي أو الاجتهاد، ولكن من يرجع إلى كتب الفقه الحنفي حتى في العصور المتأخرة يلاحظ أنه ينقصها دائما شيء من التعميم والتعريف ووضع القواعد الكلية, فباب البيع مثلا يفتح، ولا يصاغ له تعريف محدد، ولا تذكر له أركان وشروط، وإنما مسائل متناثرة يتوالى بعضها في إثر بعض. وهكذا دائما في الفقه الحنفي يغلب أن يفتح الباب على فروع دون أصول عقلية تضم شعبها الكثيرة. بينما علم الكلام يناقش مسائل كلية، وهي مسائل ميتافيزيقية، والمسألة تثار في ضوء تفكير فلسفي معقد، مما يدل على صلة المتكلمين العميقة بالفلسفة اليونانية، حتى لنرى الجاحظ يقول: "لا يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام, متمكنا في الصناعة, يصلح للرياسة حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة"١. فعقل كل من البلدتين كان مختلفا: عقل مصبوغ بالصبغة الفلسفية المنطقية،

стр. 18

وعقل لا يرتفع إلى هذه المنزلة إلا في حدود ضيقة؛ لذلك كان طبيعيا أن لا يصاغ الفقه الحنفي الكوفي صياغة علمية دقيقة، بينما يصاغ النحو في أدق صورة علمية ممكنة على نحو ما سنرى في كتاب سيبويه، وهي صياغة لم تستطع العصور التالية أن تضيف إليها إلا بعض تعريفات وبعض تسميات، أما الأصول وأما القواعد والضوابط والأسس فإنها ظلت قائمة كالأطواد الراسخة.

стр. 19

٤- أوائل النحاة: يعد ابن أبي إسحاق الحضرمي أول النحاة البصريين بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ويتبعه في هذه الأولية المبكرة جيل من تلاميذه في مقدمتهم عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب. وتذكر كتب طبقات النحاة طائفة ممن عنوا بالعربية من معاصري تلاميذه، لعل أشهرهم حماد١ بن سلمة بن دينار البصري، وكانت رواية الحديث تغلب عليه، غير أنه كان عالما بالنحو، ويروى أن يونس بن حبيب تتلمذ عليه وكذلك سيبويه، ولم ترو له كتب النحو أنظارا نحوية، ولذلك ينبغي أن نخرجه من دائرة النحاة الحقيقيين، ومثله معاصره الأخفش الأكبر٢ شيخ يونس وسيبويه جميعا، وكانت تغلب عليه رواية اللغة وليست له في النحو آراء موروثة، وقد أكثر سيبويه من الرواية اللغوية عنه في كتابه. أما الأربعة الأولون فتتردد أسماؤهم عند النحاة وتتردد لهم آراء تجعلهم خليقين بالوقوف قليلا عندهم، ونبدأ بابن أبي إسحاق الذي يعد بحق أستاذ المدرسة البصرية.

стр. 20

ابن ١ أبي إسحاق: هو عبد الله بن أبي إسحاق مولى آل الحضرمي المتوفى سنة ١١٧ للهجرة, وفيه يقول ابن سلام: "كان أول من بَعَجَ "فتق" النحو ومد القياس وشرح العلل". وبذلك يجعله الواضع الأول لعلم النحو، إذ يجعله أول من اشتق قواعده وأول من طرد فيها القياس، بحيث يحمل ما لم يسمع عن العرب على ما سمع عنهم، ويقول أبو الطيب اللغوي: "فرع عبد الله بن أبي إسحاق النحو وقام وتكلم في الهمز، حتى عُمل فيه كتاب مما أملاه". ويروى أن يونس بن حبيب سأله عن كلمة "السويق"، وهو الناعم من دقيق الحنطة، هل ينطقها أحد من العرب "الصويق" بالصاد؟ فأجابه: نعم قبيلة عمرو بن تميم تقولها، ثم قال له: وما تريد إلى هذا؟ عليك بباب من النحو يطرد وينقاس. وهو لم يُعْنَ بالقياس على قواعد النحو فحسب، بل عُني أيضا بالتعليل للقواعد تعليلا يمكِّن لها في ذهن تلاميذه. وجعله تمسكه الشديد بتلك القواعد المعللة والقياس عليها قياسا دقيقا بحيث لا يصح الخروج عليها, يخطئ كل من ينحرف في تعبيره عنها، وكان لذلك كثير التعرض للفرزدق لما كان يورد في أشعاره من بعض الشواذ النحوية، ويذكر الرواة أنه حين سمعه ينشد قوله في مديحه لبعض بني مروان: وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجرفُ٢ اعترضه؛ لرفعه قافية البيت وكان حقها النصب لأنها معطوفة -كما يتبادر- على كلمة "مسحتا" المنصوبة، أو بعبارة أدق: لأن القياس النحوي يحتم ذلك ويوجبه. ويظهر أن الفرزدق قصد إلى الاستئناف حتى لا يحدث في البيت إقواء يخالف به حركة الروي في القصيدة. وسمعه مرة يصف رحلته إلى الشام في

стр. 21

قصيدة مدح بها يزيد بن عبد الملك على هذا النمط: مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور١ على عمائمنا يلقى، وأرحلنا ... على زواحف تزجى، مخها رِير٢ فقال له: أسأت, إنما هو "مخها رير" مشيرا بذلك إلى قياس النحو في هذا التعبير؛ لأنه يتألف من مبتدأ وخبر. وما زال ينحي على الفرزدق باللائمة حتى جعل الشطر: على زواحف نزجيها محاسير وكانت مراجعته المستمرة له تغضبه، فهجاه بقصيدة يقول في تضاعيفها هذا البيت: فلو كان عبد الله مولى هجرته ... ولكن عبد الله مولى مواليا٣ وما كاد يسمعه منه حتى قال له: "أخطأت أخطأت، إنما هو مولى موالٍ" يريد أنه أخطأ في إجرائه كلمة موال المضافة مجرى الممنوع من الصرف، إذ جرها بالفتحة وكان ينبغي أن يصرفها قياسا على ما نطق به العرب في مثل جوار وغواش, إذ يحذفون الياء منونين في الجر والرفع٤. وواضح من كل هذه المحاورات بينه وبين الفرزدق مدى احتكامه للقياس وما ينبغي للقاعدة من الاطراد، بحيث لا يجوز للشاعر مهما كان فصيحا أن يخرج عليها. وكان لا يرى بأسا في أن يخالف أحيانا جمهور القراء في بعض قراءاتهم لآي الذكر الحكيم تمسكا بالقياس النحوي، ومن ذلك أنه كان يخالفهم في قراءة آية المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقد كانوا يقرءون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ بالرفع على الابتداء، بينما الخبر فعل أمر، وجعله ذلك يقرؤهما بالنصب٥ على المفعولية. وواضح أنه فتح لنحاة البصرة من بعده تلاميذه وغير تلاميذه بمراجعاته للفرزدق أن يخطئوا الشعراء الفصحاء لا من الإسلاميين مثل الفرزدق فحسب،

стр. 22

بل أيضا من الجاهليين على نحو ما سنرى عند تلميذه عيسى بن عمر. ولم يؤثر عنه كتاب في النحو، وكأنه كان يكتفي بمحاضراته وإملاءاته على تلاميذه، وكل ما أثر عنه كتاب في الهمز كما أسلفنا، ويبدو أنه عالج فيه مسألة رسمها حين توصل وحين تقطع وحين تسهل وحين تدخل على همزة أخرى وحين تتصل بحروف العلة، مما يتصل بالدقة في كتابة الذكر الحكيم, إذ كان من القراء النابهين في موطنه. عيسى ١ بن عمر الثقفي: بصري من موالي آل خالد بن الوليد، نزل في ثقيف فنُسب إليها، وهو أهم تلاميذ ابن أبي إسحاق، وقد مضى على هديه يطرد القياس ويعمّمه، ومن أقيسته ما حكاه سيبويه عنه من أنه كان يقيس النصب في كلمة "يا مطرا" في قول الأحوص: سلام الله يا مطرا عليها ... وليس عليك يا مطر السلام على النصب في كلمة "يا رجلا" وكأنه يجعل مطرا في تنوينها ونصبها كالنكرة غير المقصودة٢. وكان مثل ابن أبي إسحاق يطعن على العرب الفصحاء إذا خالفوا القياس، وكان يصعد في هذا الطعن حتى العصر الجاهلي، من ذلك تخطئته النابغة في قوله: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع٣ إذ جعل القافية مرفوعة، وحقها أن تنصب على الحال؛ لأن المبتدأ قبلها

стр. 23

تقدمه الخبر وهو الجار والمجرور، وكأنه النابغة ألغاهما لتقدمهما وجعل ناقعا الخبر١. ومن أقيسته في القراءات أنه كان يقرأ الآية الكريمة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ بنصب كلمة الطير، وكان يقول هو على النداء كما تقول: "يا زيد والحارث" ولما لم يكن القائل: "ويا الحارث" نصب الكلمة، لأن يا لا تدخل في النداء على المعرف بالألف واللام. ويروى أنه كان يخالف جمهور القراء في قراءة الآية الكريمة: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ إذ كان يقرؤها بنصب أطهر على الحال وجعل هن ضمير فصل. ويبدو أنه كان يلفظ في تقدير العومل المحذوفة، ومن ذلك ما رواه سيبويه عنه من أنه كان يلفظ قولهم:"ادخلوا الأول فالأول" برفع الكلمتين الأخيرتين على تقدير أنهما مرفوعتان بفعل مضارع محذوف تقديره: "ليدخل"٢. وكأنه لقن تلميذه الخليل والنحاة من بعده فكرة تقدير العوامل المحذوفة التي عمومها في كثير من العبارات. ووضع أصلا مهما يدل على دقة حسه اللغوي هو اختيار النصب في الألفاظ التي جاءت عن العرب في بعض العبارات مرفوعة ومنصوبة٣، وكأنه أحس في وضوح أن العرب تنزع إلى النصب أكثر مما تنزع إلى الرفع لخفته، فجعل النصب فوق الرفع وعده الأساس. وليس ذلك كل ما تحقق للنحو عنده من رقي، فقد خطا به خطوة كبيرة، إذ ألف فيه رسائل ومصنفات مختلفة، اشتهر منها لعصره مصنفان مهمان هما: "الجامع" و"الإكمال" وكأنه جمع مسائل النحو وقواعده في أولهما ثم رأى إكمال تلك القواعد والمسائل في الكتاب الثاني. وقد أقام قواعده في الجامع على الأكثر في كلام العرب وسمي ما شذ عن ذلك لغات، ويقال إن سيبويه لما أحضره ليقرأه على الخليل أنشد تنويها به وبالإكمال: بطل النحو جميعا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فيهما للناس شمس وقمر وزعم بعض القدماء أن الجامع هو أصل كتاب سيبويه زاد فيه وحشاه بأقوال الخليل، ولم يصل إلينا الكتاب للنناقش هذا الزعم ونتبين صحته أو فساده.

стр. 24

وواضح مما قدمنا أن عيسى ين عمر هو الذي مكَّن للنحو وقواعده التي اعتمدها تلميذه الخليل ومن تلاه من البصريين سواء في محاضراته وإملاءاته أو في مصنفاته. وقد توفي سنة ١٤٩ للهجرة, تاركا للخليل جهوده النحوية كي يتم صرح النحو, ويكمل تشييده. أبو عمرو ١ بن العلاء: اسمه كنيته، وفي بعض الروايات اسمه: زبان بن العلاء المازني التميمي، ولد سنة ٧٠ للهجرة بمكة ونشأ وعاش بالبصرة حتى توفي بها سنة ١٥٤ للهجرة، وقد تتلمذ لابن أبي إسحاق على نحو ما تتلمذ عيسى بن عمر، غير أن عيسى قصر عنايته أو كاد على النحو، أما أبو عمرو فعني بإقراء الناس القرآن في المسجد الجامع بالبصرة، وهو أحد قرائه السبعة المشهورين، كما عني بلغات العرب وغريبها وأشعارها وأيامها ووقائعها، وفي ذلك يقول الجاحظ عنه: "كان أعلم الناس بالغريب والعربية وبالقرآن والشعر وبأيام العرب وأيام الناس". فهو إلى أن يكون من اللغويين والقراء أقرب منه إلى أن يكون من النحاة، غير أنه نُقلت عنه بعض أنظار نحوية، جعلتنا نسلكه بين أوائلهم، خاصة أن ابن جني يقول: كان ممن نظروا في النحو والتصريف وتدربوا وقاسوا٢. ولكن لم يكن هذا هو الجانب الذي شغله، ولعل ذلك هو السبب في أن سيبويه لم يرو عنه ولا عن تلاميذه شيئا مهما له في النحو ومسائله، إنما روى عنه بعض الشواهد اللغوية, ولم يأخذها عنه مباشرة, إنما أخذها عن تلميذه يونس بن حبيب، وكأنه لم يلقه ولم يجلس إليه. وفي أخباره ما يدل على أنه كان يأخذ بالاطراد في القواعد ويتشدد في القياس, فقد قال له بعض معاصريه: "أخبرني عما وضعتَ مما سميته عربية أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقال له: كيف تصنع فيما خالفتك

стр. 25

فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات". ورُويت له في كتب النحاة بعض آراء نحوية قليلة، من ذلك أنه كان يرى أن المنصوب في قولهم: "حبذا محمدٌ رجلًا" تمييز لا حال١. وكان يترك صرف سبأ في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ وكأنه جعله اسما للقبيلة٢. والحق أنه لم يكن نحويا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، إنما كان لغويا وراويا ثقة من رواة الشعر القديم، إذ كان قد سمع عن العرب وأكثر من السماع. يونس ٣ بن حبيب: من موالي بني ضَبَّة، وقد لحق ابن أبي إسحاق وروى عنه، إذ وُلد سنة ٩٤ للهجرة، وعاش طويلا، إذ توفي سنة ١٨٢, ويظهر أنه اختلف إلى حلقات عيسى بن عمر، وقد لزم أبا عمرو بن العلاء، ورحل إلى البادية وسمع عن العرب كثيرا، مما جعله راويا كبيرا من رواة اللغة والغريب، ولعل ذلك ما جعله يصنف كتابا في اللغات. وكانت حلقته في البصرة تغص بالطلاب، وفي مقدمتهم أبو عبيدة اللغوي وسيبويه، واسمه يتردد في كتابه، ولكن غالبا في شواهد اللغة لا في الآراء النحوية، فسيبويه -على ما يبدو- لم يكن يعجب بتلك الآراء، وكان الخليل قد استولى عليه، فلم يكد يترك فيه بقية لغيره وخاصة في قواعد النحو وأقيسته، وبذلك غدا يونس في نحوه وما وضعه من أقيسة أمة وحده، وتنبه إلى ذلك القدماء، فقالوا: "كانت ليونس مذاهب وأقيسة تفرد بها". ونحن نسوق طائفة من آرائه التي تخالف آراء سيبويه وأستاذه الخليل، من ذلك أن الخليل كان يرى أن الزائد في مثل قطّع هو الحرف الأول، وكان يونس يرى أنه الحرف الثاني٤. وكان

стр. 26

الخليل يرى أن مفعول ننزع محذوف في الآية الكريمة: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ والتقدير: لننزعن الفريق الذين يقال فيهم: أيهم أشد، وقال يونس: جملة "أيهم أشد" هي المفعول١. وكان الخليل وسيبويه يريان أن تصغير قبائل: قُبَيْئل، وكان يونس يرى أن تصغيرها: قُبَيِّل٢. وكان سيبويه لا يرد المحذوف في التصغير, فمثل يضع تصغر على يُضَيْع، بينما كان يرده يونس فيقول في تصغير يضع: يُوَيْضع٣. وكان يذهب إلى أن تاء أخت وبنت ليست للتأنيث؛ لأن ما قبلها ساكن صحيح, ولأنها لا تبدل في الوقف هاء٤، كما كان يذهب إلى أن الشاعر في قوله: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل أراد: أو أنتم تنزلون، فعطف الجملة الاسمية على الجملة الشرطية، وكان الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن ذلك من باب العطف على التوهم٥. وعلى هذا النحو وقع يونس بعيدا عن تطور نظرية النحو على شاكلة ما انتهت إليه في الكتاب عند سيبويه، والنحاة الذين يوضعون بحق في تطورها هم ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، ثم الخليل بن أحمد وسيبويه على نحو ما سيتضح ذلك عما قليل.

стр. 27

الفصل الثاني: الخليل ١- نشاطه العقلي والعلمي: هو الخليل١ بن أحمد الفراهيدي البصري، عربي من أزدعمان، ولد سنة مائة للهجرة، وتوفي سنة مائة وخمس وسبعين، ومنشؤه ومرباه وحياته في البصرة، وقد أخذ يختلف منذ نعومة أظفاره إلى حلقات المحدثين والفقهاء وعلماء اللغة والنحو، وأكبّ إكبابا على حلقات أستاذيه عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، كما أكب على ما نُقل من علوم الشعوب المستعربة، وخاصة العلوم الرياضية، وكان صديقا لابن المقفع مواطنه، فقرأ كل ما ترجمه وخاصة منطق أرسططاليس، كما قرأ ما ترجمه غيره من علم الإيقاع الموسيقي عند اليونان، وحذق هذا العلم حذقا جعله يؤلف فيه كتابا كان الأصل الذي اعتمد عليه إسحاق الموصلي في تأليف كتابه الذي صنفه في النغم واللحون. وكان عقل الخليل من العقول الخصبة النادرة، فهو لا يلم بعلم حتى يلتهمه التهاما، بل حتى يستوعبه ويتمثله وينفذ منه إلى ما يفتح به أبوابه الموصده، وحقا ما قاله ابن المقفع فيه من أن عقله كان أكثر من علمه، وهو عقل جعله يتصل بكل علم ويحوز لنفسه منه كل ما يبتغي من ثراء في التفكير ودقة في الاستنباط،

стр. 28

دقة تذهل كل من يقف على وضعه لعروض الشعر ورفعه لصرح النحو ورسمه المنهج الذي ألف عليه معجم العين أول معجم في العربية. ولما أدركته الشهرة لم يستغلها لنفسه وتحقيق ما حققه بعض معاصريه من الثراء العريض، بل مضى مزدريا للشهرة وما قد يطوى فيها من مجد مادي، مكتفيا بكفاف العيش، وفي ذلك يقول النضر بن شميل أحد تلاميذه: "أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلس, وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال". وعلى هذا النحو كان يزدري الخليل متاع الحياة الدنيا الذي كان الناس يشغفون به من حوله، ومتاع واحد هو الذي كان يلتمسه ويسعى إليه ويلح في السعي، هو المتاع العقلي الذي جعله يتكلف الجهد العنيف الممضّ في فتح أبواب العلوم اللغوية التي طال على العلماء من قبله ومن حوله قَرْعها دون أن تنفتح لهم، حتى إذا مستها عصاه السحرية انفتحت أغلاقها وفارقتها طلاسمها، وذلت له وانقادت. وأول ما يلاحظ من ذلك اكتشافه علم العروض اكتشافا ليس له سابقة ولا تدانيه لاحقة، إذ استطاع أن يرسمه بكل أوزانه وحدوده وتفاعيله وتفاريعه، غير مبق لمن جاءوا بعده شيئا يضيفونه إليه. وهو يحمل في تضاعيفه ما يشهد بتمثله تمثلا رائعا للنغم وعلم الإيقاع ومواضعه, كما يحمل ما يشهد بإتقانه لنظريات العلوم الرياضية في عصره علما وفقها وتحليلا، وخاصة نظريتي المعادلات، والتباديل والتوافيق، فقد اشتق له تفاعيل خاصة، وأدارها في دوائر كدوائر المهندسين مستخدما إشارات من النقط والحلقات تصور ما يجري في التفعيلات من زحافات، كما تفسح لأجزائها في التقدم والتأخر، بحيث تجمع الأوزان العروضية التي عرفها العرب وما لا يحصى من أوزان جديدة لم يعرفوها ولا ألفوها، مما أتاح للعباسيين أن ينظموا على أوزان جديدة أهملها أسلافهم, ولم يودعوا فيها شيئا من منظوماتهم. ولم يستغل الخليل نظرية التباديل والتوافيق الرياضية في وضعه علم العروض فحسب، فقد استغلها أيضا في وضع منهج قويم لمعجم العين المشهور، إذ بناه على تقليب كل الصيغ الأصلية، بحيث تندرج فيه مع كل كلمة الكلمات الأخرى التي تجمع حروفها, وتختلف في ترتيبها بتقديم بعض منها على بعض،

стр. 29

فكتب مثلا يوضع معها: كبت، وتكب، وتبك، وبكت، وبتك. وبذلك حصر في المعجم جميع الكلمات التي يمكن أن تقع في العربية، مميزا دائما بين ما استعملته العرب منها وما أهملته ولم تنطق به، على نحو ما ميز في العروض بين الأوزان المستعملة والأخرى المهملة. ورأى أن يكون ترتيب الكلمات في المعجم على مخارج الحروف ومواقعها من الجهاز الصوتي وهو الحلق واللسان والفم والشفتان، بادئا بحرف العين وبه سماه. وهو صنيع يلتقي فيه بصنيع الهنود في ترتيبهم لحروف لغتهم السنسكريتية وربما عرف ذلك من بعض نازلتهم في موطنه، وهي في معجمه مرتبة على هذا النحو١: العين، الحاء، الهاء، الخاء، الغين، القاف، الكاف، الجيم، الشين، الضاد، الصاد، السين، الزاي، الطاء، الدال، التاء، الظاء، الذال، الثاء، الراء، اللام، النون، الفاء، الباء، الميم، الياء، الواو، الألف. وهو ترتيب أساسه كما ذكرنا آنفا مخارج الحروف ومدارجها، وهي عنده سبعة عشر مخرجا موزعة على الجوف والحلق وأول الفم ومناطق اللسان وحافته وطرفه والثنايا والشفة السفلى والشفتين. واتهم القدماء مادة هذا المعجم وقالوا: إنها ليست من عمله، وإنما هي من عمل تلميذه الليث بن رافع باسطين في ذلك أدلة قوية٢، غير أنهم اتفقوا على أنه هو الذي رسم منهجه له، لما لاحظوه من التقاء منهجه بمنهج علم العروض الذي رسمه، وقيام المنهجين جميعا على أساس نظرية التباديل والتوافيق الرياضية. ويظهر أنه عرف المباحث الصوتية عند الهنود وكانت قد نمت عندهم نموا واسعا٣، وأضاف على ضوئها مادة صوتية غزيرة, نقل منها تلميذه سيبويه في كتابه نقولا كثيرة، كما نقلت منها الكتب المتأخرة، وهي ترد إلى ثلاثة جوانب، أولها ذوق أصوات الحروف عن طريق فتح الفم بألف مهموزة يليها الحرف المذاق ساكنا، فيقال في الباء: أبْ وفي التاء: أتْ وهلم جرا٤. وبذلك يتضح صوت الحرف بالوقوف عليه ساكنا والمكث عنده قليلا، بخلاف ما

стр. 30

لو وُصِل بحرف بعده, فإننا حينئذ لا نتمكن من إشباع الصوت، إذ نتهيأ للنطق بصوت الحرف التالي له. وثاني هذه الجوانب وصف الأجراس الصوتية للحروف من همس وجهر وشدة ورخاوة واستعلاء واستفال، مما يتناثر في صحف كتاب سيبويه، وجعله ذلك يقف عند أصوات الحركات وما يداخلها من إمالة وروم وإشمام. والإمالة معروفة، والروم حركة مختلسة ضعيفة، أما الإشمام فهو أن تذيق الحرف الضمة أو الكسرة بحيث لا تكاد تُسمَع وإنما تُرَى في حركة الشفة، فهو أقل من الروم همسا وخفة. وأما الجانب الثالث فهو ما يحدث للصوت في بنية الكلمة من تغير يفضي إلى القلب أو الحذف أو الإعلال أو الإبدال أو الإدغام، وقد عرض على هذا الجانب مادة اللغة عرضا تدافعت سيوله وأمواجه تدافعا عند سيبويه. وجعله عمق نظره في هذه الجوانب الصوتية وخاصة الجانب الثاني, يحاول أن يصوغ شكل الأصوات صياغة دقيقة، مما جعله يدخل على النقط أو الإعجام علامات للروم والإشمام والتشديد والهمزة المتصلة والمنقطعة١، واخترع علامات الضبط التي لا نزال نستعملها إلى اليوم, إذ أخذ من حروف المد صورها مصغرة للدلالة عليها، فالضمة واو صغيرة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء متصلة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوقه٢. وكان له في النقط والشكل كتاب اتخذه الأسلاف إمامهم مددا متطاولة من الزمن. وما زال يوالي هذا النشاط العقلي والعلمي حتى توفي سنة ١٧٥ للهجرة.

стр. 31

٢- إقامته صرح النحو والتصريف: كان عقل الخليل عقلا فذا، كلما مس شيئا نظمه واستنبط قوانينه ودقائقه، وقد سلط هذا العقل على قوانين العربية في النحو والتصريف. فإذا هو يكتشفها اكتشافا دقيقا، وحقا لم يترك فيها كتابا جامعا، إنما ترك، إن

стр. 32

صح ما ذكره المترجمون له، كتابات فرعية كرسالة له في معنى الحروف, وثانية في جملة آلات الإعراب، وثالثة في العوامل, ويظن القفطي أنها منتحلة عليه، ورابعة لعلها من عمل غيره إذ تسمى "شرح صرف الخليل". ولكنه إذا كان لم يترك في النحو والتصريف كتابا كبيرا مأثورا يضم فروعهما وشعبهما الكثيرة, فإن تلميذه سيبويه سجل في كتابه كثيرا من بحوثه النحوية والصرفية، حتى كأنه كان موكلا بأن لا يترك له رأيا مهما يتصل بقواعد العِلْمين ومسائلهما إلا دوّنه حتى قال القدماء: إن كتابه من تصنيفه وتصنيف أستاذه الخليل وعبروا عن ذلك عبارات مختلفة من مثل قول ثعلب: "الأصول والمسائل في الكتاب للخليل", ويقول أبو الطيب اللغوي: "عقد سيبويه كتابه بلفظه ولفظ الخليل", ويقول السيرافي: "عامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل أستاذه، وكل ما قاله سيبويه, سألته أو قال من غير أن يذكر قائله فهو الخليل". وكل من يقرأ الكتاب يحس في وضوح بما قاله ثعلب من أن الأصول وأمهات المسائل النحوية والصرفية من عمل الخليل، وكأنه بالقياس إلى سيبويه كان الكنز الذي لا ينفد. وحقا سبقت الخليل في النحو والتصريف خطوات مهمة، وخاصة عند ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر، ولكن من الحق أيضا أنه هو الذي رفع قواعدهما وأركانهما وشاد صرحهما وبناءهما الضخم، بما رسم من مصطلحاتهما وضبط من قواعدهما، وبما شعب من فروعهما، يهتدي في ذلك ببصيرته النافذة التي أتاحت له وضع علم العروض وضعا تاما بحيث لم تستطع الأجيال التالية أن تضيف إلى صنيعه شيئا. وبالمثل تناول علمي النحو والتصريف ساذجين من أسلافه، وما زال بهما حتى استويا في صورتهما التي ثبتت على الزمن، ونستطيع أن نقول في إجمال: إن جمهور ما يصوره سيبويه في كتابه من أصول النحو والتصريف وقواعدهما إنما هو من صنيع أستاذه. ولا ينكر أحد ما لسيبويه من إكمال في العلمين وتتميم، ولكن المهم أن واضع تخطيطيهما وراسم لوحتيهما إنما هو الخليل، يتضح ذلك في محاوراته التي لا تكاد تنتهي مع تلميذه والتي تدور فيها مصطلحات النحو والصرف وأبوابهما، من مثل المبتدأ والخبر وكان وإن وأخواتهما والأفعال اللازمة والمتعدية إلى مفعول به واحد أو مفعولين أو مفاعيل، والفاعل

стр. 33

والمفاعيل على اختلاف صورها والحال والتمييز والتوابع والنداء والندبة والاستغاثة والترخيم والممنوع من الصرف، وتصريف الأفعال والمقصور والممدود, والمهموز والمضمرات, والمذكر والمؤنث, والمعرب والمبني. وهو الذي سمى علامات الإعراب في الأسماء باسم الرفع والنصب والخفض, وسمى حركات المبنيات باسم الضم والفتح والكسر, أما سكونها فسماه الوقف، وسمى الكسرة غير المنونة في مثل: مررت بعبد الله باسم الجر، كما سمى السكون الذي يقع في أواخر الأفعال المضارعة المجزومة باسم الجزم١، وكان يرى أن الألف والياء والواو في التثنية وجمع المذكر السالم هي نفس حروف الإعراب٢، كما كان يرى أن أسماء الأفعال مبنية ولا محل لها من الإعراب، مثلها في ذلك مثل ضمير الفصل٣. وأدته بحوثه الواسعة في بنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة إلى أن يقسم الكلمات إلى مجردة ومزيدة، ملاحظا أن المجردة لا تزيد على خمسة ولا تقل عن ثلاثة٤. ووضع للأبنية المجردة والمزيدة الميزان الصرفي المشهور، وهو شديد الصلة بميزان تفاعيله في العروض مما يؤكد أنه هو واضعه، وقد اتخذ فيه من تفعيلة الصيغة الثلاثية المجردة أصلا هو "فعل" وأضاف إليها لاما في وزن الرباعي المجرد مثل جعفر فوزنه فعلل, ولامين في وزن الخماسي المجرد مثل سفرجل فوزنه فعلَّل، أما الكلمات المزيدة فلاحظ أن حروف الزيادة فيها عشرة، وتجمعها حروف كلمة "سألتمونيها", وقد رأى أن تنطق في الميزان بلفظها؛ ليمتاز الأصلي من المزيد، فمثلا: أكرم وزنها أفعل, وتفضّل وزنها تفعّل, واقتطف وزنها افتعل, وانكسر وزنها انفعل, واستغفر وزنها استفعل، ومثلا: إكرام وزنها إفعال, واقتطاف وزنها افتعال, وانكسار وزنها انفعال, واستغفار وزنها استفعال, ومصباح وزنها مفعال. وإليه يرجع الفضل في وضع قوانين الإعلال والقلب، ويكفي أن نذكر لذلك ثلاثة أمثلة، أما أولها فصيغة اسم المفعول من الفعل الأجوف مثل مقول ومبيع, فقد كان يرى

стр. 34

أن واو مفعول الزائدة هي المحذوفة من الصيغتين؛ لأن الزائد أولى بالإعلال من الأصلي، وبذلك يكون وزن الكلمتين عنده "مَفْعُل" و"مَفْعِل", بينما يذهب بعض النحاة الذين خلفوه إلى أن عين صيغة اسم المفعول هي المحذوفة، وأن وزنهما لذلك: "مَفول"١. والمثال الثاني صيغة اسم الفاعل من الفعل الأجوف المهموز مثل جاءٍ من جاءَ، وكان يرى أنه حدث في الصيغة قلب، إذ قدمت ياء لفظة جائي على الهمزة، وذلك أن اسم الفاعل من الفعل الأجوف الثلاثي تقلب عينه همزة مثل سائل، فلو لم تقدم الياء لأدى ذلك إلى انقلابها همزة وأن تجتمع همزتان في كلمة واحدة وهو شيء تكرهه العرب في لغتها، ومن أجل ذلك قدر حدوث قلب في الصيغة، فأصبحت "جايئ": "جائي"، وأعدها ذلك لأن تعل إعلال كلمة قاضٍ، فأصبحت "جاءٍ" ودعم رأيه في هذا الإعلال والقلب بقياس كلمة جاءٍ على كلمة شاكٍ في قول طريف بن تميم العنبري: فتعرفوني أنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم فإنه قدم الكاف على الهمزة في الصيغة الأصلية لكلمة "شاك", إذ أصلها: "شائك", فأصبحت "شاكئ" ثم أعلها فأصبحت "شاكٍ" ووزنها إذن "فالع" لا فاعل٢. أما المثال الثالث فكلمة "أشياء" فإنها جاءت عن العرب ممنوعة من الصرف مع أنها جمع شيء, وصيغة جمعها وهي أفعال لا تمنع من الصرف، ومن أجل ذلك ذهب الخليل إلى أنه حدث فيها قلب، وأنها ليست على وزن أفعال كما يتبادر، فقد جُمعت "شَيْئاء" على وزن فعلاء الممنوع من الصرف مثل خضراء بعلة ألف التأنيث الممدودة، والكلمة إذن اسم جمع لا جمع، وحدث فيها قلب مكاني, إذ قدمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة على فائها، وبذلك أصبح وزنها "لفعاء" لا فعلاء وظلت ممنوعة من الصرف. واستدل الخليل على رأيه بأن الكلمة تجمع على "أشاوى" كما

стр. 35

تجمع صحراء على صحارى، وأصلها عنده "أشايا", فأبدلت الياء واوا١. وعلى هذا النحو من التحليل للقلب والإعلال في هذه الأمثلة, كان الخليل يحلل تحليلا واسعا عبارات اللغة، كما كان يحلل أدواتها وصيغها اللفظية تحليلا جعله يلتفت فيها إلى النحت, وأن من الممكن أن تكون الكلمة استُخلصت من كلمتين، من ذلك اسم الفعل "هلمّ" فإنه ذهب إلى أنه مركب من "ها" للتنبيه وفعل "لُمّ" أي: لُمَّ بنا، ثم كثر استعمال الصيغة فحذفت الألف من "ها" تخفيفا؛ لأن اللام بعدها وإن كانت متحركة فإنها في حكم الساكنة، وكأنها حذفت لالتقاء الساكنين فصارت "هلم"٢. ومن ذلك تحليله للفظة "مهما" الشرطية, فقد كان يرى أن أصلها "ما" ثم دخلت عليها "ما" التي تدخل على أخواتها الشرطيات مثل أينما، واستُقبح التكرار في "ما ما" فأبدلت الألف الأولى هاء؛ لأنها من مخرجها، وحسن اللفظ بها٣. ومن ذلك "لن" الناصبة للمضارع، فأصلها عنده: "لا أن", فحُذفت الهمزة تخفيفا لكثرة دوران الصيغة في الكلام على نحو حذفها في مثل: "خذ وكل ومر وسل" ثم حذفت الألف لسكونها وسكون النون بعدها، أو بعبارة أخرى: حذفت لالتقاء الساكنين٤. ومن ذلك تحليله لكلمة "ليس" فأصلها عنده: لا أيس، فطرحت الهمزة وألصقت اللام بالياء٥, ومن ذلك كلمة إذن فأصلها عنده إذ أن٦. وكان يمتاز بحس لغوي دقيق جعله يفقه أسرار العربية ودقائقها في العبارات والألفاظ فقها لعل أحدا من معاصريه لم يبلغه، ويتوقف سيبويه مرارا لينقل عنه مثل "إن هذه العبارة أو هذه الظاهرة تكرهها العرب" أو "إن هذه الصيغة جيدة في لسانهم، أو إنهم يميلون إلى هذا الأداء رغبة في التخفيف". ومن أروع الجوانب التي يتضح فيها ذوقه اللغوي المرهف أحاديثه الكثيرة التي نقلها عنه سيبويه في الإدغام والإعلال ومواضع قلب الواو ياء والياء واوا. ومما يصور مدى حسه اللغوي الحاد ملاحظته حكاية العرب لصوت الجندب بقولهم: "صَرَّ" وحكايتهم لصوت

стр. 36

البازي بقولهم: "صرصر", فقد قال: إنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا: صَرَّ, بينما توهموا في صوت البازي تقطيعا، فقالوا: "صرصر"١. وسنرى فيما يلي أمثلة كثيرة تصور حسه اللغوي المصفى, وملكاته العقلية التي لا يكاد يفوتها شيء.

стр. 37

٣- العوامل والمعمولات: كل من يقرأ كتاب سيبويه يرى رأي العين أن الخليل هو الذي ثبت أصول نظرية العوامل, ومد فروعها وأحكمها إحكاما بحيث أخذت صورتها التي ثبتت على مر العصور, فقد أرسى قواعدها العامة ذاهبا إلى أنه لا بد مع كل رفع لكلمة أو نصب أو خفض أو جزم من عامل يعمل في الأسماء والأفعال المعربة ومثلهما الأسماء المبنية. والعامل عادة لفظي مثل المبتدأ وعمله في الخبر الرفع، والفعل وعمله في الفاعل الرفع وفي المفعولات النصب. وقد يكون العامل معنويا على نحو ما نص تلميذه سيبويه من باب المبتدأ إذ جعله معمولا للابتداء. ومن العوامل أدوات وحروف، منها ما يجزم الفعل وهو لم وإِنْ وأخواتهما, ومنها ما ينصبه أو ينصب بعده وهو أن ولن وبابهما. ومنها ما ينصب ما بعده ويرفعه كالفعل وهو إنّ وأنّ ولكن وكأن وليت ولعل، يقول سيبويه: "زعم الخليل أن هذه الحروف عملت عملين: الرفع والنصب كما عملت كان الرفع والنصب حين قلت: كان أخاك زيد، إلا أنه ليس لك أن تقول: "كأن أخوك عبدَ الله" تريد: كأن عبد الله أخوك؛ لأنها لا تتصرف تصرف الأفعال ولا يضمر فيها المرفوع كما يضمر في كان، ومن ثم فرقوا بينهما كما فرقوا بين ليس وما, فلم يجروها مجراها. ولكن قيل: هي بمنزلة الأفعال فيما بعدها وليست بأفعال"١. وقال: إذا دخلت ما على إنّ هي وأخواتها كُفَّت عن العمل أو ألغي عملها ما عدا ليت؛ فإنه يجوز معها الإلغاء والعمل إذا وليتها ما٢. وفي ذلك ما يؤكد أنه صاحب فكرة الإلغاء والإعمال في العوامل لا في باب إن وحده، بل أيضا في باب ظن وأخواتها وغيره من الأبواب. وهو الذي فتح مباحث حروف الجر الزائدة التي تعمل عملا لفظيا فيما بعدها،

стр. 38

بينما ينبغي ملاحظة موقعه من الإعراب بالنسبة للعوامل التي تطلبه, يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ : إنما هو كفى الله بالرفع ولكنك لما أدخلت الباء عملت١. وكان يذهب إلى أن "إن" الجازمة تجزم جواب الشرط كما تجزم فعله, وكان يقول: إنها هي أم الباب الخاص بأدوات الجزاء الجازمة؛ لأنها لا تخرج عن بابها, بينما غيرها يفارق الباب مثل "من" فهي تأتي شرطية وتأتي استفهامية مثلا. ومعروف أن جواب الشرط إما أن يكون فعلا، وإذن لا يحتاج إلى رابط يربطه بما قبله، وإما أن يكون جملة اسمية وحينئذ لا بد له من الفاء، ولاحظ أن إذا الفجائية قد تسد مسدها في الربط على شاكلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ٢. وعرض سيبويه لما انجزم بالأمر في مثل: "ائتني آتك" وبالنهي في مثل: "لا تفعل يكن خيرا لك" وبالاستفهام في مثل: "ألا تأتيني أحدثْك" وبالتمني في مثل: "ألا ماء أشربْه" وبالعرض في مثل: "ألا تنزل تصب خيرا" ثم نقل عن الخليل أن كل هذه الصيغ فيها معنى إن الشرطية؛ لأن القائل إذا قال: "ائتني آتك" فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيان آتك، وهكذا الصيغ التالية. وجعل من ذلك قوله : ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ , فلما انقضت الآية قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بجزم المضارع٣. وهو صاحب فكرة تأويل المضارع المنصوب بأن مضمرة أو ظاهرة وإعرابه حسب مواقعه من العوامل، فمثل: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تقديره: وأمرنا للإسلام٤. والعوامل عنده تعمل ظاهرة ومحذوفة، وكثيرا ما يحذف المبتدأ العامل في الخبر؛ طلبا للإيجاز. ويكثر سيبويه من توجيه الخليل لبعض المرفوعات على أن مبتدأها محذوف، مثل: مررت به المسكين أي: هو المسكين، ومثل إنه -المسكين- أحمق، أي: هو المسكين أيضا٥. ومواضع حذف الفعل الناصب

стр. 39

للمفعول كثيرة، منها ما يجوز فيه الحذف والإضمار لقيام القرينة، ومنه عنده قول الشاعر: ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت١ إذ جعل تقديره: ألا ترونني رجلا هذه صفته، فحذف الفعل مدلولا عليه بالمعنى٢. وقد يحذف وجوبا على نحو ما هو معروف في التحذير والاختصاص ويجعل من مواضعه المدح كما في الاختصاص، وكذلك الذم، إذ نراه يعرض للآية الكريمة: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فقد جاءت كلمة ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بالنصب، ولو كانت معطوفة على ما قبلها لكان حقها الرفع، ويقول الخليل: إنها منصوبة بفعل محذوف قصدا للثناء والتعظيم, كأنه قيل: اذكر أهل ذاك واذكر المقيمين، ويقول: وهذا شبيه بقولهم "أي: في الاختصاص": إنا بني فلان نفعل كذا؛ لأنهم لا يريدون أن يخبروا من لا يدري بأنهم من بني فلان وإنما يذكرون ذلك افتخارا، ويعلق على قول أمية بن أبي عائذ: ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالى فيقول: إنه نصب شعثا بإضمار فعل لا يصح إظهاره؛ لأن ما قبله دل عليه، فوجب حذفه على ما يجري عليه تعبيرهم في الذم والمدح٣. ويقف بإزاء الآية الكريمة: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ويقول: إن خيرا مفعول به لفعل محذوف وجوبا لجريان التعبير مجرى المثل، كأنه قيل: ائتوا خيرا لكم، ويستطرد لقول القائل: "انتهِ يا فلان أمرا قاصدا", ويقولون: إن أمرا مفعول به لفعل محذوف على تقدير: وأت أمرا قاصدا٤. وعلى نحو ما يُحذف الفعل مع المفعول, يحذف مع المصادر كثيرا مثل: مرحبا وأهلا, كأنه بدل من: رحبت بلادك وأهلت، وحين مثل بذلك قال: إنه بمنزلة رجل رأيته سدّد سهما فقلت: القرطاس أي: أصبت القرطاس٥.

стр. 40

يريد: أن حذف الفعل مع المصادر أو المفاعيل المطلقة كحذفه مع المفعول به. وكان يذهب إلى أن مثل حَنَانيك ولبيك وسعديك مفعولات مطلقة لفعل محذوف، وقد صيغت على التثنية قصدا للتكثير، فمعنى حنانيك مثلا: تحنُّنا بعد تحنن١. وعلى نحو ما يحذف الفعل, تحذف أن المصدرية بعد اللام الداخلة على المضارع المنصوب هي أخواتها: حتى وأو والواو والفاء. وكان يطرد ذلك في إذن خلافا لجمهور النحاة بعده وفي مقدمتهم تلميذه سيبويه، إذ قالوا: إنها تنصب المضارع أحيانا بنفسها مثل أن ولن، وليست بمنزلة اللام وحتى٢. وتحذف حروف الجر أحيانا وهي تحذف قياسا مع أنّ وأنْ وصلتهما في مثل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقولك: "أرغب أن أراك" فالتقدير: شهد الله بأنه، وأرغب في أن أراك أو عن أن أراك. وكان الخليل يذهب إلى أنهما وصلتهما منصوبان على تقدير نزع الخافض٣. وسأله سيبويه عن قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فقال: إنما هو على حذف اللام كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، وأن وصلتها منصوبان على نزع الخافض٤. وعلى نحو ما تحذف العوامل تحذف المعمولات، فالخبر قد يحذف، ويكثر حذف المفعول به إذا قامت قرينة كآيات سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ومما يطرد فيه الحذف ضمير الشأن إذا كان اسما لإن وكأن ولكن وأن، قال سيبويه: "روى الخليل أن ناسا يقولون: إن بك زيدٌ مأخوذ، وقال: هذا على قوله: إنه بك زيد مأخوذ, وشبهه بما يجوز في الشعر نحو قول ابن صريم اليشكري: ويوما توافينا بوجه مقسم٥ ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم وقول الآخر: ووجه مشرق النحر ... كأن ثدياه حقان
следующие страницы →