← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10546

المدارس النحوية

شوقي ضيف

Полный текст (396 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

البازي بقولهم: "صرصر", فقد قال: إنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا: صَرَّ, بينما توهموا في صوت البازي تقطيعا، فقالوا: "صرصر"١. وسنرى فيما يلي أمثلة كثيرة تصور حسه اللغوي المصفى, وملكاته العقلية التي لا يكاد يفوتها شيء.

стр. 37

٣- العوامل والمعمولات: كل من يقرأ كتاب سيبويه يرى رأي العين أن الخليل هو الذي ثبت أصول نظرية العوامل, ومد فروعها وأحكمها إحكاما بحيث أخذت صورتها التي ثبتت على مر العصور, فقد أرسى قواعدها العامة ذاهبا إلى أنه لا بد مع كل رفع لكلمة أو نصب أو خفض أو جزم من عامل يعمل في الأسماء والأفعال المعربة ومثلهما الأسماء المبنية. والعامل عادة لفظي مثل المبتدأ وعمله في الخبر الرفع، والفعل وعمله في الفاعل الرفع وفي المفعولات النصب. وقد يكون العامل معنويا على نحو ما نص تلميذه سيبويه من باب المبتدأ إذ جعله معمولا للابتداء. ومن العوامل أدوات وحروف، منها ما يجزم الفعل وهو لم وإِنْ وأخواتهما, ومنها ما ينصبه أو ينصب بعده وهو أن ولن وبابهما. ومنها ما ينصب ما بعده ويرفعه كالفعل وهو إنّ وأنّ ولكن وكأن وليت ولعل، يقول سيبويه: "زعم الخليل أن هذه الحروف عملت عملين: الرفع والنصب كما عملت كان الرفع والنصب حين قلت: كان أخاك زيد، إلا أنه ليس لك أن تقول: "كأن أخوك عبدَ الله" تريد: كأن عبد الله أخوك؛ لأنها لا تتصرف تصرف الأفعال ولا يضمر فيها المرفوع كما يضمر في كان، ومن ثم فرقوا بينهما كما فرقوا بين ليس وما, فلم يجروها مجراها. ولكن قيل: هي بمنزلة الأفعال فيما بعدها وليست بأفعال"١. وقال: إذا دخلت ما على إنّ هي وأخواتها كُفَّت عن العمل أو ألغي عملها ما عدا ليت؛ فإنه يجوز معها الإلغاء والعمل إذا وليتها ما٢. وفي ذلك ما يؤكد أنه صاحب فكرة الإلغاء والإعمال في العوامل لا في باب إن وحده، بل أيضا في باب ظن وأخواتها وغيره من الأبواب. وهو الذي فتح مباحث حروف الجر الزائدة التي تعمل عملا لفظيا فيما بعدها،

стр. 38

بينما ينبغي ملاحظة موقعه من الإعراب بالنسبة للعوامل التي تطلبه, يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ : إنما هو كفى الله بالرفع ولكنك لما أدخلت الباء عملت١. وكان يذهب إلى أن "إن" الجازمة تجزم جواب الشرط كما تجزم فعله, وكان يقول: إنها هي أم الباب الخاص بأدوات الجزاء الجازمة؛ لأنها لا تخرج عن بابها, بينما غيرها يفارق الباب مثل "من" فهي تأتي شرطية وتأتي استفهامية مثلا. ومعروف أن جواب الشرط إما أن يكون فعلا، وإذن لا يحتاج إلى رابط يربطه بما قبله، وإما أن يكون جملة اسمية وحينئذ لا بد له من الفاء، ولاحظ أن إذا الفجائية قد تسد مسدها في الربط على شاكلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ٢. وعرض سيبويه لما انجزم بالأمر في مثل: "ائتني آتك" وبالنهي في مثل: "لا تفعل يكن خيرا لك" وبالاستفهام في مثل: "ألا تأتيني أحدثْك" وبالتمني في مثل: "ألا ماء أشربْه" وبالعرض في مثل: "ألا تنزل تصب خيرا" ثم نقل عن الخليل أن كل هذه الصيغ فيها معنى إن الشرطية؛ لأن القائل إذا قال: "ائتني آتك" فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيان آتك، وهكذا الصيغ التالية. وجعل من ذلك قوله : ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ , فلما انقضت الآية قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بجزم المضارع٣. وهو صاحب فكرة تأويل المضارع المنصوب بأن مضمرة أو ظاهرة وإعرابه حسب مواقعه من العوامل، فمثل: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تقديره: وأمرنا للإسلام٤. والعوامل عنده تعمل ظاهرة ومحذوفة، وكثيرا ما يحذف المبتدأ العامل في الخبر؛ طلبا للإيجاز. ويكثر سيبويه من توجيه الخليل لبعض المرفوعات على أن مبتدأها محذوف، مثل: مررت به المسكين أي: هو المسكين، ومثل إنه -المسكين- أحمق، أي: هو المسكين أيضا٥. ومواضع حذف الفعل الناصب

стр. 39

للمفعول كثيرة، منها ما يجوز فيه الحذف والإضمار لقيام القرينة، ومنه عنده قول الشاعر: ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت١ إذ جعل تقديره: ألا ترونني رجلا هذه صفته، فحذف الفعل مدلولا عليه بالمعنى٢. وقد يحذف وجوبا على نحو ما هو معروف في التحذير والاختصاص ويجعل من مواضعه المدح كما في الاختصاص، وكذلك الذم، إذ نراه يعرض للآية الكريمة: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فقد جاءت كلمة ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بالنصب، ولو كانت معطوفة على ما قبلها لكان حقها الرفع، ويقول الخليل: إنها منصوبة بفعل محذوف قصدا للثناء والتعظيم, كأنه قيل: اذكر أهل ذاك واذكر المقيمين، ويقول: وهذا شبيه بقولهم "أي: في الاختصاص": إنا بني فلان نفعل كذا؛ لأنهم لا يريدون أن يخبروا من لا يدري بأنهم من بني فلان وإنما يذكرون ذلك افتخارا، ويعلق على قول أمية بن أبي عائذ: ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالى فيقول: إنه نصب شعثا بإضمار فعل لا يصح إظهاره؛ لأن ما قبله دل عليه، فوجب حذفه على ما يجري عليه تعبيرهم في الذم والمدح٣. ويقف بإزاء الآية الكريمة: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ويقول: إن خيرا مفعول به لفعل محذوف وجوبا لجريان التعبير مجرى المثل، كأنه قيل: ائتوا خيرا لكم، ويستطرد لقول القائل: "انتهِ يا فلان أمرا قاصدا", ويقولون: إن أمرا مفعول به لفعل محذوف على تقدير: وأت أمرا قاصدا٤. وعلى نحو ما يُحذف الفعل مع المفعول, يحذف مع المصادر كثيرا مثل: مرحبا وأهلا, كأنه بدل من: رحبت بلادك وأهلت، وحين مثل بذلك قال: إنه بمنزلة رجل رأيته سدّد سهما فقلت: القرطاس أي: أصبت القرطاس٥.

стр. 40

يريد: أن حذف الفعل مع المصادر أو المفاعيل المطلقة كحذفه مع المفعول به. وكان يذهب إلى أن مثل حَنَانيك ولبيك وسعديك مفعولات مطلقة لفعل محذوف، وقد صيغت على التثنية قصدا للتكثير، فمعنى حنانيك مثلا: تحنُّنا بعد تحنن١. وعلى نحو ما يحذف الفعل, تحذف أن المصدرية بعد اللام الداخلة على المضارع المنصوب هي أخواتها: حتى وأو والواو والفاء. وكان يطرد ذلك في إذن خلافا لجمهور النحاة بعده وفي مقدمتهم تلميذه سيبويه، إذ قالوا: إنها تنصب المضارع أحيانا بنفسها مثل أن ولن، وليست بمنزلة اللام وحتى٢. وتحذف حروف الجر أحيانا وهي تحذف قياسا مع أنّ وأنْ وصلتهما في مثل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقولك: "أرغب أن أراك" فالتقدير: شهد الله بأنه، وأرغب في أن أراك أو عن أن أراك. وكان الخليل يذهب إلى أنهما وصلتهما منصوبان على تقدير نزع الخافض٣. وسأله سيبويه عن قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فقال: إنما هو على حذف اللام كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، وأن وصلتها منصوبان على نزع الخافض٤. وعلى نحو ما تحذف العوامل تحذف المعمولات، فالخبر قد يحذف، ويكثر حذف المفعول به إذا قامت قرينة كآيات سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ومما يطرد فيه الحذف ضمير الشأن إذا كان اسما لإن وكأن ولكن وأن، قال سيبويه: "روى الخليل أن ناسا يقولون: إن بك زيدٌ مأخوذ، وقال: هذا على قوله: إنه بك زيد مأخوذ, وشبهه بما يجوز في الشعر نحو قول ابن صريم اليشكري: ويوما توافينا بوجه مقسم٥ ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم وقول الآخر: ووجه مشرق النحر ... كأن ثدياه حقان

стр. 41

لأنه لا يحسن ههنا إلا الإضمار، قال الخليل: وهذا يشبه قول من قال، وهو الفرزدق: فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكني زنجي عظيم المشافر وجوز الخليل في البيت أن يقال: ولكن زنجيا عظيم المشافر بالنصب، على أن يكون خبر لكن محذوفا وتقديره: لا يعرف قرابتي، وشبه ذلك بحذف الخبر في قوله : ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: طاعة وقول معروف أمثل ... وأما قول الأعشى: في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أنْ هالك كل من يحفى وينتعل فإن هذا على إضمار الهاء"١. وكان يذهب إلى أن الحذف في بيت الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم ليس على إضمار أنا مع المرفوعين في الشطر الثاني, أي: أنا لا حرج ولا محروم, وإنما هو على سبيل الحكاية, أي: فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا حرج ولا محروم٢. ومما خرّجه على الحكاية أيضا قولهم: "اضرب أيهم أفضل" بضم أي, كأنهم قالوا: اضرب الذي يقال له: أيهم أفضل٣، وبذلك يكون المفعول به محذوفا. وكان يذهب إلى أن المضاف قد يحذف ويقوم المضاف إليه مقامه، وجعل من ذلك قولهم: "له صوت صوت الحمار", فقد قال: إن كلمة صوت الحمار صفة لصوت بتقدير "مثل" أي: إنها حُذفت وأقيم المضاف إليه مقامها، وأصل التعبير: "له صوت مثل صوت الحمار"٤. ومما يتصل بالعوامل والمعمولات كثرة تحليله للعبارات, وكثرة تخريجه لها إذا اصطدمت بالقواعد, وكثرة إدلائه بوجوه مختلفة من الإعراب في لفظة واحدة،

стр. 42

فمن تحليله للعبارات تحليله لصيغة التعجب في مثل: "ما أحسن عبد الله", فقد ذكر أنه بمنزلة قولك: شيء أحسن عبد الله ودخل ما معنى التعجب، ويقول: إنه تمثيل ولم يتكلم العرب به١، ومن ثم قال النحاة: إن ما نكرة تامة بمعنى شيء وأعربوها مبتدأ، والجملة بعدها خبر. ومن ذلك قولهم: "هذا القول لا قولك" بنصب "قولك", فقد جعلها مفعولا مطلقا على الرغم من أنها مضافة وقابل بينها وبين قولهم في الاستفهام: "أجِدَّك لا تفعل كذا وكذا" يقول: كأنه قال: "أحقا لا تفعل كذا وكذا" وأصله من الجد، كأنه قال: "أجِدَّا" ويقول: إن عبارة جدك لا تتصرف ولا تفارق الإضافة، إذ هي في حكم الأمثال، مثلها: "لا قولك", فإنهم لو قالوا: "هذا القول لا قولا" لم يكن في هذا بيان؛ لأنه ليس كل قول باطلا، ومن أجل ذلك كان لا بد أن يحققوا القول عن طريق الإضافة إلى المخاطب٢. ومن ذلك تحليله للفظة "اللهم" في النداء، فقد كان يقول: إن الميم في آخرها بدل من يا٣ ولذلك لا يجمع بينهما. وكان لا يبارَى في تحليله للأدوات المبهمة وبيان اختلاف معانيها باختلاف مواقعها من الكلام، من ذلك ما قاله سيبويه من أنه سأله عن قول العرب: "أما إنه ذاهب وأما أنه منطلق" بكسر إن وفتحها في العبارتين، فقال: إذا قال القائل: "أما أنه منطلق" بالفتح فقد جعله كقولهم: "حقا أنه منطلق" ومعروف أن حقا مفعول مطلق وأنه منطلق فاعل مؤول. وقال الخليل: أما إذا قال القائل: "أما إنه منطلق" بالكسر فإنه بمنزلة قولهم: "ألا إنه منطلق"٤. وكان يسعفه في مثل هذا التحليل معرفته الواسعة بلغات العرب وحسه الدقيق في معرفة مواقع الكلام، من ذلك أن سيبويه سأله عن قوله : "وما يشعركم إِنَّهَا إذا جاءت لا يؤمنون" في قراءة من قرأ "إنها" بالكسر، فقال: ما منعها أن تكون كقولك: "ما يدريك أنه لا يفعل" فقال الخليل: لا يحسن ذلك في هذا الموضع، إنما قال : ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ثم ابتدأ فأوجب، فقال: "إِنَّهَا إذا جاءت لا يؤمنون" ولو قال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا﴾ بالفتح كان ذلك عذرا لهم. ولكن بعض القراء قرأها بالفتح، وذكر له

стр. 43

ذلك تلميذه، فقال: إنها حينئذ تكون بمعنى لعلها، إذ يستعمل بعض العرب أن المفتوحة بمعنى لعل، فيقولون: "ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا" أي: لعلك١. وكان كلما اصطدم مثال أو تعبير بقاعدة نحوية استظهرها حاول أن يجد له تأويلا، ولعل خير ما يصور ذلك "الحال", فقد وضع له قاعدة التنكير المعروفة، فلا بد أن يكون نكرة، ولا يصح أن يكون معرفا بالألف واللام ولا مضافا، فلا يقال: كلمته المستبشر تريد: كلمته مستبشرا، ولا يقال: كلمتهم مستبشريهم تريد كلمتهم مستبشرين. ولكن جاءت عبارات على لسان العرب معرفة ومضافة وموضعها حال، من ذلك: "أرسلها العِراك" أي: معتركة، و"مررت بهم الجمَّاء الغفير" أي: جما غفيرا. وخرَّج ذلك الخليل على أن العرب تكلمت بهذين الحرفين وما يماثلهما على نية طرح الألف واللام، وكأنهم قالوا في المثل الأخير: "مررت بهم قاطبة, ومررت بهم طُرًّا" أي: جميعًا. ومن ذلك: "مررت به وحده ومررت بهم وحدهم" وما جاء في لغة أهل الحجاز من قولهم: "مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم وكذلك إلى العشرة", و"مررت بهم قَضَّهم بقضيضهم". وخرج الخليل المثلين الأولين على معنى التفرد، فكأن القائل قال: "مررت به أو بهم منفردا ومنفردين". أما المثال الثالث فكأنه قال: "مررت بهم انقضاضا". وشبه مجيء الحال على هذا النحو بمجيء المصدر أو المفعول المطلق مضافا في مثل: سبحان الله ولبيك٢. وكان يستظهر القاعدة المعروفة في النعت وهو أنه يتبع المنعوت في التعريف والتنكير حتما، ولكن جاء عن العرب: "ما يحسن بالرجل خيرٍ منك أن يفعل ذلك" و"ما يحسن برجل مثلِك أن يفعل ذلك" و"مررت برجل غيرِك خيرٍ منك" وخرج الخليل المثال الأول على أن كلمة الرجل وإن كانت معرفة في الظاهر, فإنها نكرة في الحقيقة، إذ أريد بالرجل إلى الجنس، وكأن الألف واللام فيه ملغاتان؛ ولذلك نعت بالنكرة، أما المثالان الثاني والثالث فقد خرجهما على أن لفظتي مثلك وغيرك وإن كانتا مضافتين، نكرتان في واقع الأمر، إذ لا تفيدهما الإضافة تعريفا٣.

стр. 44

ولعله أول من فتح في الإعراب ما يمكن أن نسميه بالاحتمالات، إذ نراه يعرض في كثير من الأمثلة وجوها مختلفة لإعرابها، وتتضح آثار ذلك في مواضع من الكتاب، على نحو ما يلقانا في باب النعت، إذا كان في تعظيم أو مدح أو ذم، فقد كان يجيز فيه الإتباع لسابقه، والقطع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو مفعولا به لفعل محذوف١، ونقل عنه سيبويه في قولهم: "هذا رجلُ صدق معروف صلاحه" أنه يجوز في كلمة "معروف" أن تكون نعتا لرجل، وأن تكون حالا منصوبة كأن كلمة رجل نالها شيء من التعريف بإضافتها إلى صدق، وجوز أن تكون خبرا مقدما لكلمة "صلاحه"٢. ومن يقرأ توابع المنادى في سيبويه يلاحظ توا أنه هو الذي ردَّد الرفع والنصب في بعض أمثلة هذه التوابع كالنعت مثلا, فقد جوز فيه أن يقال: "يا زيد الطويلُ والطويلَ" بالضم والنصب، أي: حملا على ظاهر المنادى أو على محله. وكذلك الشأن في التوكيد مثل: "يا تميم أجمعون أو أجمعين"، ونكتفي بهذه القطعة من كلام سيبويه: قال الخليل: "إذا قلت: يا هذا وأنت تريد أن تقف عليه ثم تؤكده باسم يكون عطفا عليه, فأنت فيه بالخيار؛ إن شئت نصبت وإن شئت رفعت, وذلك قولك: يا هذا زيدٌ, وإن شئت قلت: زيدا، يصير كقولك: يا تميم أجمعون وأجمعين، وكذلك يا هذان: زيد وعمرو، وإن شئت قلت: زيدا وعمرا، فتُجري ما يكون عطفا "أي: تابعا" على الاسم مجرى ما يكون وصفا، نحو قولك: يا زيد الطويلُ ويا زيد الطويلَ"٣. وعلى هذا النحو, كان الخليل يُكثر من الاحتمالات في وجوه الإعراب للصيغ والألفاظ والعبارات كما كان يكثر من التأويل والتخريج حين يصطدم ببعض القواعد التي يستظهرها، وهو في تضاعيف ذلك يحلّل الألفاظ والكلام تحليلا يعينه على ما يريد من توجيه الإعراب ومن التأويل والتفسير، ومن طريف تفسيراته ما ذكره سيبويه من أنه سأله عن قوله جل وعز: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ , فإن ظاهر العبارة أن غير الله منصوبة بتأمروني، وفي ذلك فساد

стр. 45

واضح في المعنى، فأجابه بأن "غير" منصوبة بأعبد، وتأمروني غير عامل فيها، كقولك: هو يقول: ذاك بلغني، فبلغني لغو، وكذلك تأمروني، وكأنه قال: فيما تأمروني١. وسأله سيبويه عن قول الأعشى: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل لماذا رفع "أو تنزلون" وهي معطوفة على فعل مجزوم، فقال: كأنه توهم أنه قال في أول البيت: أتركبون فرفع، بالضبط كما جاء عند زهير من قوله: بدا لي أني لست مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا فقد عطف "سابق" بالجر على مدرك المنصوبة، كأنه توهم أن "مدرك" مجرورة؛ لأنه يكثر أن يأتي خبر ليس مجرورا بباء زائدة٢. وحمل على هذا الباب وقوع الفعل المجزوم في الآية الكريمة: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فإن معنى لولا أخرتني فأصدق، وإن أخرتني أصدق، واحد٣؛ ولذلك عطف الفعل بالجزم وكأنما سبقته أداة جازمة.

стр. 46

٤- السماع والتعليل والقياس: اعتمد الخليل في تأصيله لقواعد النحو وإقامة بنيانه على السماع والتعليل والقياس، والسماع عنده إنما يعني نبعين كبيرين؛ نبع النقل عن القراء للذكر الحكيم وكان هو نفسه من قرائه وحَمَلته، ونبع الأخذ عن أفواه العرب الخلص الذين يوثق بفصاحتهم، ومن أجل ذلك رحل إلى مواطنهم في الجزيرة يحدثهم ويشافههم ويأخذ عنهم الشعر واللغة، ويروى أن الكسائي سأله وقد بهره كثرة ما يحفظ: من أين أخذت علمك هذا؟ فأجابه: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة١.

стр. 47

وهذان النبعان وحدهما هما اللذان يدوران على لسانه فيما نقله عنه تلميذه سيبويه، ويظهر أنه هو الذي ثبّت فكرة عدم الاستشهاد بالحديث النبوي؛ لأن كثيرين من حملته كانوا من الأعاجم، وهم لا يوثق بهم في الفصاحة، واللحن يدخل على ألسنتهم. ونستطيع أن نعرف مدى المادة اللغوية والشعرية التي كان يحملها في صدره برجوعنا إلى كتاب سيبويه، فإن أكثر النقول فيه ترد إليه، ولا نجد سيبويه يُسَجِّل له قاعدة نحوية أو حكما نحويا إلا ويروي معهما سيلا من عبارات العرب وأشعارهم ينقله عن لسانه، وكأننا بإزاء منجم ضخم لا يزال يسيل بكلام العرب وأمثالهم وأبياتهم الشعرية. وكل بيت ومَثَل وكلمة إنما يراد به أن يكون دليلا على ما يستنبطه من أصول النحو وقواعده، فكل حكم نحوي وكل أصل لا يلقى إلقاء، وإنما يلقى ومعه برهانه من كلام العرب الموثوق به وأشعارهم. فالشواهد عند الخليل هي مدار القاعدة النحوية، وهي إنما تستنبط من الأمثلة الكثيرة، إذ لا بد لها من الاطراد على ألسنة العرب، فإن جاء ما يخالف القاعدة المستنبطة المحكمة كان شاذا، ولا بأس بأن يبحث له الخليل عن تأويل على نحو ما مر بنا آنفا. وليست المسألة عنده مسألة سماع وشواهد فحسب، فقد جعله استقراؤه للغة العرب تستقر في نفسه سليقتهم استقرارا مكنه من ضبط القواعد النحوية والصرفية ضبطا يبهر كل من يقرأ مراجعات سيبويه له، ويكفي أن نضرب لذلك مثلين، أما الأول فملاحظته أن إن الشرطية إذا وليها مضارع مجزوم لم يحسن دخول لام اليمين في الجواب، فلا يقال: إن تأتني لأكرمنك؛ لأن اللام تعوق إنْ عن العمل وقد ظهر عملها في فعل الشرط. أما إذا كان فعل الشرط التالي لها ماضيا, فإن عملها لا يكون حينئذ ظاهرا فيه؛ ولذلك يجوز دخول لام اليمين على جوابها، فيقال: إن أتيتني لأكرمنك. ويعلق الخليل على ذلك بشواهد من القرآن الكريم والشعر، من مثل الآية: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بخلاف قوله جل وعز: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ لأن إن عملت في فعل الشرط فوجب عملها في الجواب، ويستدل أيضا بقول زهير:

стр. 48

وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم فقد توقف عملها في الجواب؛ لأن فعل الشرط ماضٍ١. والمثل الثاني منع العلم من الصرف إذا كان على وزن فعلان مثلثة الفاء والنون فيه زائدة مثل: عثمان وغطفان، يقول سيبويه: "وسألته عن رجل يسمى دِهْقان فقال: إن سميته من التدهقن فهو مصروف ... وإن جعلته من الدَّهْق لم تصرفه ... وسألته عن رجل يسمى مُرَّانا فقال: أصرفه؛ لأن المران إنما سمي للينه فهو فُعَّال كما يسمى الحماض لحموضته وإنما المرانة اللين. وسألته عن رجل يسمى فَيْنانا فقال: مصروف لأنه فيعال، وإنما يريد أن يقول: لشعره فنون كأفنان الشجر. وسألته عن ديوان فقال بمنزلة قيراط؛ لأنه من دَوَّنت. وسألته عن رمان فقال: لا أصرفه وأحمله على الأكثر, إذ لم يكن له معنى يعرف. وسألته عن سعدان والمرجان فقال: لا أشك في أن هذه النون زائدة؛ لأنه ليس في الكلام مثل فعلال إلا مضعفا"٢.وواضح أنه يعتمد في أحكامه على محفوظاته في اللغة، وهي محفوظات كانت تعينه على معرفته الدقيقة بأصول الألفاظ واشتقاقاتها واستقرائه لمثيلاتها، وكأن اللغة أسلمت له قيادها كي يحكم آراءه ويضبط ما يشاء من قواعد الصرف والنحو جميعا. وكان يسند دائما ما يستنبطه من القواعد والأحكام بالعلل التي تصور دقته في فقه الأسرار اللغوية والتركيبية التي استقرت في دخائل العرب من قديم، وفي ذلك يقول الزبيدي: إنه "استنبط من علل النحو ما لم يستنبطه أحد وما لم يسبقه إلى مثله سابق" ولفت كثرة ما يورده في النحو من علل بعض معاصريه, فسأله: أعن العرب أخذت هذه العلل أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: "إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله, وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه, فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له "أخرى" فمثلي في ذلك مثل رجل

стр. 49

حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظام والأقسام, وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا؛ لعلة كذا وكذا ... وجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته للمعلول, فليأت بها"١. ونحن نسوق طائفة من تعليلاته التي تأخذ شكل سيول متلاحقة في كتاب سيبويه والكتب النحوية المختلفة، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن الإعراب أصل في الأسماء, وأن البناء أصل في الأفعال والحروف, وأن الطرفين لا يخرجان عن هذا الأصل إلا لعلة، أما الأسماء فإنها تبنى حين تعترضها علة شَبَهها بالحرف، ويعرب الفعل حين يشبه الاسم على نحو ما أُعرب المضارع لشَبَهه باسم الفاعل من حيث الحركات والسكون مثل أخرج ومخرج وأكتب وكاتب، وقد ظلت الحروف مبنية لأن شيئا منها لا يشبه الاسم٢. ويعلل لعدم دخول الألف واللام على المنادى، إذ لا يصح أن يقال: "يا الحارث" مثلا، بل لا بد أن يقال: "يا أيها الحارث" بتوسط أي، يقول: إن الألف واللام إنما منعهما أن يدخلا في النداء من قبل أن كل اسم في النداء مرفوع معرفة وذلك أن المتكلم إذا قال: "يا رجل" فمعناه كمعنى: "يا أيها الرجل" وصارت معرفة؛ لأنك أشرت إليه وقصدت قصده واكتفيت بهذا عن الألف واللام وصار كالأسماء التي هي للإشارة نحو هذا وما أشبه ذلك, وصار معرفة بغير ألف ولام؛ لأنك إنما قصدت قصد شيء بعينه، وصار هذا بدلا في النداء من الألف واللام واستغني به عنهما كما استغنيت بقولك: "اضرب" عن "لتضرب", وكما صار المجرور "بالكسرة" بدلا من التنوين "أي: في حالة الإضافة", وكما صارت الكاف في رأيتك بدلا من رأيت إياك. وإنما يدخلون الألف واللام ليعرفوك شيئا بعينه

стр. 50

قد رأيته أو سمعت به، فإذا قصدوا قصد الشيء بعينه دون غيره وعنوه لم يجعلوه واحدا من أمة, فقد استغنوا عن الألف واللام فمن ثم لم يدخلوهما في هذا "أي: في اسم الإشارة" ولا في النداء، ومما يدلك على أن: يا رجل معرفة, قولك: يا لكاع, تريد: يا لكعاء فصار هذا اسما ... كما صارت حذام ورقاش اسما للمرأة١. ويتوقف سيبويه في حديثه عن الندبة في مثل: وا زيداه ويا زيداه لينقل عن الخليل أنه لا يصح فيها أن يندب المنكر مثل رجل والمبهم مثل من وهذا مع تعليله لذلك, يقول: "وقال الخليل: إنما قبح وا رجلاه ويا رجلاه؛ لأنك أبهمت. ألا ترى أنك لو قلت: وا هذاه كان قبيحا؛ لأنك إذا ندبت فإنما ينبغي لك أن تتفجع بأعرف الأسماء وأن تخص فلا تبهم؛ لأن الندبة على البيان "أي: بيان الشخص أو الشيء المندوب؛ تفجعا عليه وحزنا" ... وإنما كرهوا ذلك أنه تفاحش عندهم ... أن يتفجعوا على غير معروف "يريد في مثل: وا رجلاه", فكذلك تفاحش عندهم في المبهم "يريد في مثل وا هذاه" لإبهامه؛ لأنك إذا ندبت تخبر أنك قد وقعت في عظيم وأصابك جسيم من الأمر فلا ينبغي لك أن تبهم، وكذلك "وا مَنْ في الداراه" في القبح؛ "لأن من مبهمة" وزعم أنه لا يستقبح: "وا من حفر زمزماه"؛ لأن هذا معروف بعينه، كأن التبيين في الندبة عذر للتفجع، فعلى هذا جرت الندبة في كلام العرب"٢. وكان الخليل لا يجيز العطف على الضمير المرفوع مستترا أو ظاهرا متصلا، فلا يقال: "أفعل وعبد الله" ولا "فعلت وعبد الله", بل لا بد في ذلك من توكيد الضمير أو الإتيان بفاصل مثل: "كنتم أنتم وأصحابكم" و"يكتبونه ومن معهم" و"ما كتبنا ولا زملاؤنا". يقول سيبويه: "وزعم الخليل أن هذا إنما قبح من قبل أن هذا الإضمار يبنى عليه الفعل، فاستقبحوا أن يشرك المظهر مضمرا يغير الفعل عن حاله إذا بعد منه، وإنما حسنت شركته المنصوب "في مثل كلمته ومحمدا"؛ لأنه لا يغير فيه الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يضمر "أي: إن الضمير المنصوب ليس كالجزء من الفعل بخلاف ضمير الرفع", فأشبه المظهر وصار منفصلا عندهم بمنزلة المظهر إذ كان الفعل لا يتغير عن حاله قبل أن تضمر فيه، وأما فعلت فإنهم قد غيروه عن حاله في الإظهار، وأسكنت فيه اللام، فكرهوا أن يشرك

стр. 51

المظهر مضمرا يبنى له الفعل غير بنائه في الإظهار حتى صار "أي: ضمير الرفع" كأنه شيء في كلمة لا يفارقها كألف أعطيت، فإن نعتّه "يريد أكّدته" حسُن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: "ذهبتَ أنت وزيد", وقال الله : ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ و ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وذلك أنك لما وصفته "يريد: أكدته" حسن الكلام حيث طولته ووكدته. فأنت وأخواتها تقوي المضمر وتصير عوضا من السكون والتغيير ومن ترك العلامة في مثل: ضربَ، وقال الله : ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا﴾ حسن لمكان لا "يريد: لوجود فاصل". ويمضي سيبويه فيقول: إنه لا يجوز العطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الخافض، فلا يجوز: مررت به ومحمد، بل لا بد من أن يقال: مررت به وبمحمد، وعلل لذلك بأن الضمير شبيه بالتنوين؛ لذلك لا يجوز العطف عليه حتى لو أُكِّد، فلا يجوز: مررت به هو ومحمد، وكأن اتصال الضمير المجرور بجارّه أشد من اتصال الفاعل المضمر بفعله. وعقب سيبويه على ذلك بأن هذا قول الخليل١. وقد جعلته هذه الدقة في التعليل يتنبه تنبها واسعا إلى مواقع الكلم في العبارات واستعمالاتها الدقيقة، ونضرب مثلا لذلك تفرقته الدقيقة بين قولك: "هو زيد معروفا" و"هذا عبد الله منطلقا" فمعروفا ومنطلقا كلاهما حال، ولكن الحال الأولى مؤكدة، ولا يأتي وراء هو في الصيغة الأولى إلا مثل هذه الحال المؤكدة مثل "هو الحق بينا ومعلوما" ومن أجل ذلك لا يصح أن تقول: "هو زيد منطلقا"؛ لأن الانطلاق لا يؤكد هوية الشخص وماهيته، فلا يصلح لأن يكون مؤكدا، كما تصلح الصفة العامة التي تفيد مدحا أو تهديدا وما إلى ذلك٢. وعلى نحو ما تسيل علل الخليل وتعليلاته في كتاب سيبويه تسيل أقيسته، ولا نغلو إذا قلنا: إنها كانت أهم مادة شاد بها بناء النحو الوطيد، ومما يصور قوتها عنده ودقتها حواره مع تلميذه، في رفع المنادى إذا كان مفردا ونصبه إذا كان مضافا أو نكرة غير مقصودة, وجواز نصب نعت المنادى المفرد ورفعه وتحتم النصب لنعت المنادى المضاف، وهو يجري على هذا النمط٣:

стр. 52

"زعم الخليل أنهم نصبوا المضاف نحو: يا عبدَ الله ويا أخانا والنكرة حين قالوا: يا رجلا صالحا حين طال الكلام كما نصبوا: هو قبلك وهو بعدك. ورفعوا المفرد كما رفعوا: قبل وبعد وموضعهما واحد، وذلك قولك: يا زيد ويا عمرو, وتركوا التنوين في المفرد كما تركوه في قبل. قلت: أرأيت قولهم: يا زيدُ الطويلَ, علام نصبوا الطويل؟ قال: نصب لأنه صفة لمنصوب، وقال: وإن شئت كان نصبا على أعني. فقلت: أرأيت الرفع على أي شيء هو, إذا قال: يا زيدُ الطويلُ؟ قال: هو صفة لمرفوع. قلت: ألستَ قد زعمتَ أن هذا المرفوع في موضع نصب؟ فلِمَ لا يكون كقوله: لقيته أمسِ الأحدث؟ قال: من قِبَل أن كل اسم مفرد في النداء مرفوع أبدا وليس كل اسم في موضع أمس يكون مجرورا، فلما اطرد الرفع في كل مفرد في النداء صار عندهم بمنزلة ما يرتفع بالابتداء أو بالفعل، فجعلوا وصفه إذا كان مفردا بمنزلته. قلت: أفرأيت قول العرب كلهم: أزيدُ أخا ورقاء إن كنت ثائرا ... فقد عرضت أحناء حمق فخاصم؟ لأي شيء لم يجز فيه الرفع كما جاز في الطويل "يريد عبارة: يا زيد الطويل السابقة" قال: لأن المنادى إذا وُصف بالمضاف فهو بمنزلته إذا كان في موضعه، ولو جاز هذا لقلت: يا أخونا، تريد أن تجعله في موضع المفرد، وهذا لحن، فالمضاف إذا وُصف به المنادى فهو بمنزلته إذا ناديته؛ لأنه وصف لمنادى في موضع نصب، كما انتصب حيث كان منادى؛ لأنه في موضع نصب ولم يكن فيه ما كان في "كلمة" الطويل لطوله. وقال الخليل: كأنهم لما أضافوا ردوه إلى الأصل كقولك: إن أمسك قد مضى". والقطعة زاخرة بالأقيسة القائمة على علة المشابهة، فالمنادى يشبه "قبل وبعد" ويأخذ لذلك حكمهما، فهو إذا كان مفردا رُفع وحُرم التنوين مثل قبل وبعد اللتين تبنيان على الضم في حال إفرادهما، وإذا طال إما بالإضافة أو لأنه نكرة غير مقصودة موصوفة نُصب كما تنصب قبل وبعد حين تضافان, فيقال: قبلك وبعدك. وإذا نُعت المنادى المفرد بمفرد, جاز في النعت النصب لأن محل هذا

стр. 53

المنادى المضموم لفظا النصب، ولك أن تقول: إنه نعت مقطوع بتقدير أعني. ويجوز في هذا النعت الرفع باعتبار لفظ المنادى، وساغ ذلك لاطراد الرفع في المنادى المفرد اطراده في المبتدأ والفاعل. أما إذا وُصف المنادى المفرد بنعت مضاف, فإنه يتحتم فيه النصب ولا يجوز الرفع؛ لأنه بمنزلته لو كان منادى، والمنادى المضاف حقه النصب، فلا يجوز فيه إلا اعتبار المحل المنصوب. ويلاحظ الخليل ملاحظة دقيقة في كلمة أمس, فإن أصلها النصب، وهي تبنى على الكسر إذا كانت مفردة، فإذا أضيفت رُدَّت إلى أصلها من النصب الذي يجري في الظروف. وكان يبني القياس على الكثرة المطردة من كلام العرب، مع نصه دائما على ما يخالفه، ومحاولته في أكثر الأحيان أن يجد له تأويلا، من ذلك أنه كان يرى أن القياس في عطف المعرف بالألف واللام على المنادى المرفوع أن يكون مرفوعا؛ لأنه لو كان هو المنادى لتقدمته أي, مثل: يا أيها الحارث ورُفع معها صفة لها؛ لأنها مبهمة يلزمها التفسير، فصارت هي والحارث بمنزلة اسم واحد كأنك قلت: يا حارث١، وبذلك يكون القياس في مثل: يا زيدُ والحارثُ الضم، يقول سيبويه: "قال الخليل: من قال: يا زيد والنضرَ فنصب, فإنما نصب لأن هذا كان من المواضع التي يُرَدّ فيها الشيء إلى أصله "أي: إذا كان المعطوف مضافا" فأما العرب فأكثر ما رأيناهم يقولون: يا زيد والنضرُ، وقرأ الأعرج: "يا جبال أوبي معه وَالطَّيْرُ" فرفع، ويقولون: يا عمرو والحارث، وقال الخليل: هو القياس كأنه قال: ويا حارث"٢. ومعروف أن الفعل لا يدخله التصغير، ولكن جاء عن العرب في فعل التعجب: "ما أُمَيْلحه" يقول سيبويه: "وسألته عن قول العرب: ما أميلحه، فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس لأن الفعل لا يحقر وإنما تحقر الأسماء؛ لأنها توصف بما يعظم ويهون، والأفعال لا توصف، فكرهوا أن تكون الأفعال كالأسماء لمخالفتها إياها في أشياء كثيرة، ولكنهم حقروا هذا اللفظ, وإنما يعنون الذي تصفه بالمِلْح، كأنك قلت: مُلَيِّح, شبهوه بالشيء الذي تلفظ به وأنت تعني شيئا آخر نحو قولك: يطؤهم الطريق

стр. 54

وصِيدَ عليه يومان، ونحو هذا كثير في الكلام. وليس شيء من الفعل ولا شيء مما سمي به الفعل يحقَّر إلا هذا وحده"١. ووجه المغايرة في قولهم: "يطؤهم الطريق" أن أصلها: يطؤهم أهل الطريق أي: إن بيوتهم على الطريق فمن جاز فيه رآهم، وأصل "صيد عليه يومان": صيد الصيد في يومين، فحذف "الصيد" وأقيم "يومين" مقامه. وعلى هذا النحو كان يسجل القياس والشاذ عليه، محاولا دائما أن يجد مخرجا لما شذ على الأقيسة، بل كثيرا ما كان يستمد من ذهنه الخصب قياسا له، من ذلك جمع وجوه مع ذكر شخصين، يقول سيبويه: "سألت الخليل عن "قولهم": ما أحسن وجوههما، فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا"٢. وواضح أنه قاس جمع الوجوه مع أنهما لاثنين على الضمير الذي يأتي للاثنين والجماعة. ومن ذلك ما رواه ابن جني من أنه سُئل عمن يقولون من العرب: "مررت بأخواك وضربت أخواك" معاملين الأسماء المثناة معاملة الأسماء المقصورة، فقال: هؤلاء قولهم على قياس الذين قالوا في ييئس: ياءس، أبدلوا الياء لانفتاح ما قبلها، وقال: ومثله قول العرب من أهل الحجاز: "يا تزن وهم يا تعدون، فروا من يوتزن ويوتعدون"٣. ومعنى ذلك أنه قاس النطق بالألف في المثنى في موضعي الجر والنصب بالياء على لغة من يبدلون الياء ألفا في بعض المواضع وكذلك من يبدلون الواو ألفا؛ لغرض الخفة والسهولة، وقد أخرج القياس مخرج التعليل. ومر بنا أنه في المنهج الذي رسم به العروض والمنهج الذي وضعه لمعجم العين, لاحظ في الأول النص على الأوزان المهملة كما لاحظ في الثاني النص على الكلمات غير المستعملة التي لم تجر على لسان العرب، وهذا نفسه يلاحَظ في بنائه للنحو وأقيسته فقد كان ينص على الشاذ كما أسلفنا آنفا، وكان ينص على المهمل من أساليب العرب، مما لا يدخل في أقيسة لغتهم، ومر بنا أنه كان ينكر مثل: "هو زيد منطلقًا" ويحمل كتاب سيبويه عنه مادة واسعة من مثل هذا الأسلوب الذي لم يسمع عمن يوثق بعربيتهم، وهي مادة غزيرة, ولكن يكفي أن نمثل لها، فمن ذلك

стр. 55

أن نراه يعرض للمندوب الموصوف في مثل "وا زيدُ الشاعرُ" فيقول: إنه لا يصح أن يقال: الشاعراه؛ لأن الشاعر ليس بمنادى، ولو جاز ذلك لجاز أن تقول: "وا زيدا أنت الفارس البطلاه"؛ لأن هذا غير نداء كما أن ذاك غير نداء, يقول: "وليس هذا مثل: وا أمير المؤمنيناه" ولا مثل: "وا عبدَ قيساه"؛ لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد منفرد، والمضاف إليه هو تمام الاسم، ولذلك تلحقه ألف الندبة وهاؤها١. ومن ذلك نصه على أن كلمة أُخَر وحدها هي التي تمنع من الصرف للوصفية والعدل دون أخواتها مثل الطُّوَل والوُسَط والكبر والصغر؛ لأنهن لا يكن صفة إلا وفيهن الألف واللام، بخلاف أخر فإنها تجيء صفة بدونهما، ونراه ينص على أنه لا يقال: نسوة صُغر ولا هؤلاء نسوة وسط ولا تقول: هؤلاء قوم أصاغر، فكل ذلك لم يأت في اللغة، أما أخر فقد خالفت هذا الأصل وجاءت صفة للمنكر غير مقترنة بالألف واللام، ومن ثم تركوا صرفها٢، ومن أجل ذلك قال النحاة بعده: إنها منعت من الصرف؛ لأنها معدولة عن الآخر ذات الألف واللام. وفي رأينا أن الخليل وتلميذه سيبويه هما اللذان فتحا باب التمارين غير العملية على مصاريعه، حيث نرى سيبويه يتوقف في كتابه مرارا ليسأله أستاذه عن تطبيق قاعدة في مثال لم يأت عن العرب. وعمم النحاة ذلك فيما بعد واتسعوا فيه إظهارا لمهارتهم وقد يكون بعض ذلك لمحاولة تدريب ناشئة النحاة على الدقة في التطبيق، فمن ذلك ما ذكره سيبويه من أنه سأل الخليل عن رجل سمي "أولو" من قوله : ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أو سمي "ذوو" من قولهم: ذوو عزة، وكيف يجري إعرابهما حسب مواقع الكلام، فقال: أقول: "هذا ذَوُون، وهذا أُولون" لأني لم أضف "أي: لم أتبعهما المضاف إليه" وإنما ذهبت النون في الإضافة٣. ومعروف أن كلمة قاضٍ تنون مصروفة هي وما على مثالها، ويقول سيبويه: "وسألته عن رجل يسمى "يرمي أو أرمي" فقال: أنونه؛ لأنه إذا صار اسما فهو بمنزلة قاضٍ إذا كان اسم امرأة"٤ وكأن مجيئه

стр. 56

دالا على أنثى أو علما عليها لا يمنع تنوينه ولا صرفه. ويكثر سيبويه كثرة مفرطة من نقل مثل هذه التمارين عن أستاذه في علم الصرف، ويكفي أن نضرب مثلا لذلك، يقول: "وسألته: كيف ينبغي له أن يقول: أفعلتُ في القياس من اليوم على من قال: أطولت وأجودت، فقال: أيمت, فتقلب الواو ههنا "ياء" كما قلبتها في أيام، وكذلك تقلبها في كل موضع تصح فيه ياء أيقنت، فإذا قلت: أُفْعِل ويُفْعِل ومُفْعَل قلت: أووِم، ويووَم، ومُووَم؛ لأن الياء لا يلزمها أن تكون بعدها ياء كفعَّلت من بعت، وقد تقع وحدها، فكما أجريت فيعلِت وفوْعلت مجرى بيطرت وصومعت كذلك جرى هذا مجرى أيقنت. وإذا قلت: أفعل من اليوم قلت: أيَّم كما قلت: أيام، فإذا كسرت على الجمع همزت فقلت: أيائم؛ لأنها اعتلت ههنا كما اعتلت في سيد، والياء قد تستثقل مع الواو"١. وواضح من كل ما قدمنا أن الخليل يعد بحق واضع النحو العربي في صورته المركبة، سواء من حيث عوامله ومعمولاته الظاهرة والمقدرة, أو من حيث ما يجري فيه من شواهد ومن علل وأقيسة، ونص على العبارات المهملة والأخرى الشاذة وإحداث ما سرى فيه من تمارين غير عملية يقصد بها إلى التمرين والتدريب، ومد ذلك في علم الصرف والفقه بأبنية الكَلِم واشتقاقاتها وتصريفاتها وصورها الممدودة والمقصورة والممالة والمصغرة والمنسوبة وما يداخلها من قلب وإعلال.

стр. 57

الفصل الثالث: سيبويه ١- نشاطه العلمي: اشتهر بلقبه سيبويه١، وهو لقب أعجمي يدل على أصله الفارسي، واسمه: عمرو بن عثمان بن قنبر، من موالي بني الحارث بن كعب، ولد بقرية من قرى شيراز تسمى البيضاء، وفيها أو في شيراز تلقن دروسه الأولى، وطمحت نفسه للاستزادة من الثقافة الدينية، فقدم البصرة وهو لا يزال غلاما ناشئا، والتحق بحلقات الفقهاء والمحدثين، ولزم حلقة حماد بن سلمة بن دينار المحدث المشهور حينئذ، وحدث أن لفته إلى أنه يلحن في نطقه ببعض الأحاديث النبوية، فصمّم على التزود أكبر زاد بشئون اللغة والنحو، ولزم حلقات النحويين واللغويين وفي مقدمتهم عيسى بن عمر والأخفش الكبير ويونس بن حبيب، واختص بالخليل بن أحمد، وأخذ منه كل ما عنده في الدراسات النحوية والصرفية، مستمليا ومدونا، واتبع في ذلك طريقتين: طريقة الاستملاء العادية، وطريقة السؤال والاستفسار، مع كتابة كل إجابة وكل رأي يدلى به وكل شاهد يرويه عن العرب، وبذلك احتفظ بكل نظراته النحوية والصرفية.

стр. 58

ولم تذكر كتب التراجم أنه رحل إلى البادية في طلب اللغة والسماع عن العرب ومشافهتهم، غير أن ما يتردد في كتابه من مثل قوله: "سمعنا بعض العرب يقول", و"سمعنا العرب تنشد هذا الشعر", و"سمعنا من العرب", وهو "كثير في جميع لغات العرب", و"عربي كثير", و"عربي جيد", و"قد سمعناهم", و"قال قوم من العرب ترضى عربيتهم", و"سمعنا من العرب من يوثق بعربيته" يدل -في رأينا- على أنه رحل إلى بوادي نجد والحجاز مثل أستاذه الخليل. والكتاب يفيض بسيول من أقوال العرب وأشعارهم، لا يرويها عن شيوخه، وهي بدورها تؤكد، بل تحتِّم, أنه رحل إلى ينابيع اللغة والنحو يستمد منها مادة وعتادا فصيحا صحيحا بشاراته في النطق وهيئاته. ولما توفي الخليل خلفه -على ما يظهر- في حلقته، إذ نجد كتب طبقات النحاة تنص على طائفة من تلاميذه مثل الأخفش الأوسط وقطرب، وأكبّ حينئذ على تصنيف الكتاب، وسرعان ما أخذ نجمه يتألق لا في البصرة دار النحو فحسب، بل أيضا في بغداد، ورحل إليها طامحا إلى الشهرة في حاضرة الدولة، وحدث أن التقى بالكسائي مقرئ الكوفة ومؤدب الأمين بن الرشيد، وكان ذلك في دار يحيى البرمكي، وقيل: بل في دار الرشيد، ويقال: إنه لقيه قبل الكسائي بعض أصحابه: الأحمر وهشام والفراء ليوهنوا منه. ولم يلبث صاحبهم أن تعرض له بالسؤال في المسألة الزنبورية، إذ قال له: كيف تقول: "قد كنت أظن أن العقرب أشدُّ لسعةً من الزنبور, فإذا هو هي أو فإذا هو إياها؟ " فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب. قال الكسائي: لحنت، العرب ترفع ذلك كله وتنصبه. فدفع سيبويه قوله، وطال بينهما الجدال، وكان بالباب نفر من عرب الحطمة النازلين ببغداد، ممن ليسوا في درجة عالية من الفصاحة، فطلب الكسائي سؤالهم، ولما سُئلوا تابعوه في رأيه. فانكسر سيبويه كما يقول الرواة، وإن كنا نتهم قولهم؛ لأن الحق كان في جانبه؛ لما يقتضيه القياس في هذا الموضع، ولأنه يطرد الرفع فيه في آي الذكر الحكيم من مثل: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ , ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ , ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ , وكأنها هي وما بعدها مبتدأ وخبر. أما النصب فيكون على الحالية

стр. 59

وتوجيهه ضعيف. وكان سيبويه ونحاة البصرة يهدرون ما يجري على لسان عرب الحُطَمة لما دخل على سلائقهم من ضعف بسبب إقامتهم في الحاضرة، بل لقد كانوا يهدرون ما جاء على ألسنة بعض البدو من لغات شاذة لا تجري مع القياس المستنبط من كثرة ما يدور على ألسنة الفصحاء كالجر بلعل والجزم بلن. ولا بد أن سيبويه شرح ذلك في حواره ومناظرته مع الكسائي، وإن كان الرواة للحادثة لم يدونوه. ويقال: إن يحيى البرمكي أجازه بعشرة آلاف درهم. ويظهر أنه لم تطب له الإقامة ببغداد فولى وجهه نحو موطنه، غير أن الموت عاجله في شيراز، وقيل: في همذان أو ساوة، واختلف الرواة في تاريخ وفاته، والأرجح أنه توفي سنة ١٨٠ للهجرة.

стр. 60

الكتاب: من المؤكد أن سيبويه بدأ تأليف الكتاب بعد وفاة الخليل، إذ نراه في بعض المواضع يعقب على ذكره لاسمه بكلمة "﵀". وقد حمله عنه تلميذه الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، وأذاعه في الناس باسم "الكتاب" عَلَما اختص به هذا المصنَّف وحده دون بقية المصنفات في عصره، بحيث كان يقال في البصرة: "قرأ فلان الكتاب" فيُعلم أنه كتاب سيبويه دون شك. وظل هذا الاسم خاصا به، دلالة على روعة تأليفه وإحكامه. ونرى كثيرين من النحاة وغيرهم ينوهون به تنويها عظيما، من ذلك قول أبي عثمان المازني تلميذ الأخفش: "من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحْيِ", ويقول الجاحظ: "أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك "الزيات وزير المعتصم" ففكرت في شيء أهديه إليه، فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، وقلت له: أردت أن أهدي إليك شيئا، ففكرت، فإذا كل شيء عندك، فلم أر أشرف من هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفراء، فقال ابن عبد الملك: والله ما أهديت إلي شيئا أحب إلي منه". ويقول أبو الطيب

стр. 61

اللغوي فيه وفي كتابه: "هو أعلم الناس بالنحو بعد الخليل، وألف كتابه الذي سماه الناس قرآن النحو". ويقول السيرافي: "وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله، ولم يلحق به من بعده". ويقول المبرد: "لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه". ويقول صاعد بن أحمد الأندلسي: "لا أعرف كتابا أُلِّف في علم من العلوم قديمها وحديثها، واشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب؛ أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب أرسططاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كل واحد من هذه لم يشذّ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له". ولعل أول ما يلاحظ على الكتاب أن سيبويه لم يضع له اسما يفرده به، وربما أعجلته وفاته عن تسميته كما أعجلته عن وضع مقدمة بين يديه وخاتمة ينتهي بها، فنحن نفاجأ في أول سطر فيه بهذا العنوان: "هذا باب علم ما الكلم من العربية" وفيه تحدث عن أقسام الكلمة, وأنها اسم وفعل وحرف. ونمضي معه إلى نهاية الكتاب، فنجد الحديث ينقطع عند بيان حذف بعض العرب لحروف في بعض الأبنية تخفيفا على اللسان، ومثَّل لذلك فيما مثَّل بقول بعضهم: "عَلْماءِ بنو فلان" بحذف اللام في على أي: على الماء بنو فلان. ونحس كأنه كانت لا تزال في نفسه بقية يريد أن يضيفها إلى الكتاب. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إنه لم يأخذ الفرصة الكافية كي ينقح الكتاب ويخرجه إخراجا نهائيا. وربما كان هذا هو السبب الحقيقي في أننا نجد عنده أحيانا شيئا من الاستطراد كأن يتحدث في بعض أبواب النحو عن مسائل صرفية، وكأن يتعرض لبعض صيغ ليست من الباب كتعرضه لبعض صيغ الحال في حديثه عن النعت، وقد يتحدث عن باب في موضعين على نحو ما صنع بجموع التكسير في الجزء الثاني من الكتاب. وينبغي أن لا نظن من ذلك أن الكتاب لم يُكْفَل له منهج سديد في التصنيف, فقد نسَّق سيبويه أبوابه وأحكمها إحكاما دقيقا، وخاصة إذا عرفنا أنه أول كتاب جامع في قواعد النحو والصرف. وقد جعله في قسمين كبيرين، أما

стр. 62

القسم الأول فخصّه بالنحو ومباحثه، وكاد لا يترك في هذه المباحث جانبا إلا استقصاه من جميع أطرافه في الجزء الأول من الكتاب وأوائل الجزء الثاني، حتى إذا فرغ من هذه المباحث انتقل يبسط في دقة القسم الثاني وما يخوض فيه من المباحث الصرفية, محيطا بكل تفاصيلها إحاطة تامة, واصلا لها بمادة صوتية واسعة من مثل الحديث عن الإمالة والوقف والروم والإشمام والإشباع وما إلى ذلك. وقد تحول ما ذكره من قواعد النحو والصرف إلى ما يشبه نجوما قطبية ثابتة, ظل النحاة بعده إلى اليوم يهتدون بأضوائها في مباحثهم ومصنفاتهم. ويمكن أن نقول بصفة عامة: إن الكثرة من المصطلحات النحوية والصرفية التي لا تزال شائعة على كل لسان في عصرنا, كان لكتابه الفضل الأول في إشاعتها وإذاعتها طوال العصور، وكأنه لم يترك للنحاة من بعده إلا ما لا خطر له، كما قال صاعد آنفا، كأن يميزوا بعض المصطلحات أو يضيفوا مصطلحات جديدة لغرض الدقة في التوضيح، فمن ذلك أنه عرض لأبواب التوابع عرضا واسعا، وجرت على لسانه كلمات النعت والبدل والتوكيد والعطف ويريد به عطف البيان، ولكنها جميعا يتداخل بعضها في بعض، بحيث يسميها أحيانا صفة, وقد يسمي عطف البيان نعتا١، وجعل التوكيد قسمين: قسما مكررا وقسما غير مكرر٢، وسماهما خالفوه التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي. وكان يسمي عطف النسق الشركة وحروفه مثل الواو حروف الإشراك٣. وقد لا يضع الاصطلاح الخاص المميز كأن نجده يقول: "هذا باب نظائر ضربته ضربة, ورميته رمية"٤, وسمى النحاة الباب بعده "اسم المرة". ويقول: "هذا باب ما عالجت به"٥, وسماه النحاة بعده "اسم الآلة" مثل المقص. ويقول: "هذا باب اشتقاقك الأسماء لمواضع بنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها"٦ مثل مجلس، وسمى النحاة بعده ذلك "باسم المكان المشتق". ومن مصطلحاته التي تركها الصرفيون مصطلح البيان والتبيين٧, وقد سموه باسم "فك

стр. 63

الإدغام". ويقول: "هذا باب الفاعلَين والمفعولين اللذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به وما كان نحو ذلك"١ مثل: كلمت وكلمني محمد, وسمى النحاة هذا الباب باسم "باب التنازع". ويقول: "هذا باب ما يكون فيه الاسم مبنيا على الفعل قُدِّم أو أُخِّر, وما يكون الفعل فيه مبنيا على الاسم"٢, وسمى النحاة الباب باسم "باب الاشتغال". ومن ذلك عنوانه في أول الكتاب: "هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية"٣ وهو ما سماه النحاة بعده باسم "أنواع الإعراب والبناء". وتلقانا في مواطن مختلفة من الكتاب ظلال من الغموض والإبهام، وقد يرجع ذلك في الكثير الأكثر إلى أن سيبويه كان يضع قوانين النحو والصرف وضعا مفصلا متشعبا لأول مرة، فطبيعي أن يتصعب عليه التعبير أحيانا وأن يداخله من حين إلى حين شيء من الإبهام والالتواء. وكثيرا ما يوجز في موضع يفتقر إلى شيء من البسط، ويصور ذلك من بعض الوجوه أن نجده يتحدث عن الحذف في الكلام وما قد يجري فيه حذف الفعل، ويمثل لذلك بقولهم: "حينئذ الآن" على تقدير: حينئذ اسمع الآن، كما يمثل بمثال ثانٍ هو قولهم: "ما أغفله عنك شيئا" وظل النحاة حتى عصر المبرد لا يدرون معنى العبارة, ولا يعرفون بالتالي موضع حذف الفعل حتى جاء الزجاج، فقال: إن العبارة تعليق على كلام تقدم، كأن قائلا قال: "زيد ليس بغافل عني", فأجابه صاحبه: "ما أغفله عنك, شيئا" على تقدير: انظر شيئا، يريد أن يقول له: تفقَّدْ أمرك ودع الشك عنك٤، وبذلك فُهمت العبارة واتضحت بعد أن كانت عند من سبقه من النحاة كأنها لغز من الألغاز. وهذا الغموض في جوانب من الكتاب كان سببا في أن يتناوله كثيرون من النحاة بالشرح والتفسير والتعليق وفي مقدمتهم تلميذه الأخفش وأصحابه من مثل الجَرْمي والمازني، وكلما تقدمنا مع الزمن تكاثرت شروحه وتفسيراته والتعليقات عليه، ومن أشهرها شرح السيرافي وشرح الرماني. وعُنُوا عناية واسعة بشرح شواهده

стр. 64

الشعرية ونسبة المجهول منها إلى من نظموه من العرب، وكان أول من عُنِيَ بذلك الجرمي، وفي ذلك يقول: "نظرت في كتاب سيبويه، فإذا منه ألف وخمسون بيتا، فأما الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتّها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها"١. وعني بعده كثيرون بشرح هذه الشواهد وفي مقدمتهم المبرد والزجاج والسيرافي. وكان سيبويه من الثقة بحيث لم يطعن أحد في شيء مما أنشده من الأشعار المجهولة القائل ولا تعلق عليه باتهام أو إنكار، وفي ذلك يقول صاحب الخزانة: "الشاهد المجهول ... إن صدر من ثقة يعتمد عليه قُبل وإلا فلا؛ ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أن فيها أبياتا عديدة جُهل قائلوها وما عِيب بها ناقلوها"٢.

стр. 65

٣- التعريفات والعوامل والمعمولات: يغلب على سيبويه أن يعنى في توضيح الباب الذي يتحدث عنه بذكر أمثلته التي تكشفه، يقول مثلا في باب التنازع بعد ذكر عنوانه السالف: "وهو قولك: ضربت وضربني زيد، وضربني وضربت زيدا؛ تحمل الاسم على الفعل الذي يليه, فالعامل في اللفظ أحد الفعلين, وأما في المعنى فقد يعلم أن الأول قد وقع, إلا أنه لا يعمل في اسم واحد رفع ونصب، وإنما كان الذي يليه أولى لقرب جواره". ويقول في باب الإمالة: "هذا باب ما تُمَال فيه الألفات، فالألف تمال إذا كان بعدها حرف مكسور، وذلك قولك: عابد وعالم ومساجد ومفاتيح وعذافر وهابيل"١. والكثرة الغالبة في أبواب الكتاب تجري على هذا النحو من تصويرها عن طريق التمثيل وذكر الشواهد، وقد يعمد إلى ذكر الأقسام المنطوي عليها الباب، كقوله في فاتحة كتابه: "الكلم: اسم وفعل وحرف, جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل", وقوله مقسما المنادى إلى منصوب ومرفوع: "هذا باب النداء، اعلم أن النداء كل اسم مضاف فيه فهو نصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره،

стр. 66

والمفرد رفع وهو في موضع اسم منصوب"١. وقوله في باب التصغير مصورا له في أمثلته أو صيغه: "هذا باب التصغير، اعلم أن التصغير إنما هو في الكلام على ثلاثة أمثلة؛ على فُعَيل وفُعَيعِل وفُعَيْعِيل"٢, ثم يذكر الأمثلة مثل جبيل وجعيفر ومصيبيح. وكأنه في كل ذلك آثر المنهج التحليلي الذي يعنى في تصوير الموضوع ببيان أقسامه وتفريعاته مباشرة. وقد يعمد إلى المنهج العقلي المجرد, فيحاول أن يحد بعض ما يتحدث عنه من أبواب عن طريق التعريف الكلي الجامع، من ذلك تعريفه للفعل في السطور الأولى من الكتاب إذ يقول: "وأما الفعل فأمثلة أُخذت من لفظ أحداث "مصادر" الأسماء وبُنيت لما مضى ولما يكون ولم يقع وما هو كائن لم ينقطع", وهو تعريف دقيق إذ جمع فيه بين دلالة الفعل على الحدث أي: المصدر ودلالته على الزمان الماضي والمستقبل والحاضر، وبذلك شمل التعريف أقسام الفعل الثلاثة: الماضي والأمر والمضارع. وتضمن التعريف مسألة دقيقة طال الجدل بعده فيها بين خالفيه من البصريين وبين الكوفيين، وهي مسألة أيهما هو الأصل: المصدر أو الفعل؟ أو بعبارة أخرى: أيهما اشتُق من صاحبه؟ وواضح من قول سيبويه: "أما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء" أن المصدر -في رأيه- هو الأصل, وأن الفعل مشتق منه. ورأى الكوفيون أن الفعل هو الأصل واشتق منه المصدر. ومن تعريفاته الجامعة تعريفه للمبتدأ بأنه "كل اسم ابتدئ به ليبنى عليه الكلام" ويعرف الترخيم بأنه "حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفا" ويقول: إنه لا يكون إلا في النداء. وكأنه هو الذي وضع في النحو فكرة التعريف للأبواب تعريفا جامعا يجمع قضاياها وجزئياتها المختلفة، وإن كان لم يتسع بذلك كما اتسع النحاة بعده. وتتداخل نظرية العوامل في كل أبواب الكتاب وفصوله النحوية، بل لا نغلو إذا قلنا: إنها دائما الأساس الذي يبني عليه حديثه في مباحث النحو، وهي تلقانا منذ السطور الأولى في الكتاب، فقد عقب على حديثه عن مجاري أواخر الكلم الثمانية، أو بعبارة أخرى: عن أنواع الإعراب والبناء للكلمات بقوله: "وإنما

стр. 67

ذكرت لك ثمانية مجارٍ؛ لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث فيه العامل وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل التي لكل عامل منها ضرب من اللفظ في الحرف, وذلك الحرف حرف الإعراب". فالعامل هو الذي يحدث الإعراب وعلاماته من الرفع والنصب والجر والسكون. وقد مضى يوزع الأبواب باعتبار العوامل، وبدأ بالفعل، ووزع الأبواب الأولى على لزومه وتعديه إلى مفعول واحد ومفعولين وثلاثة مفاعيل. ثم تحدث عما يعمل عمله من أسماء الفاعل والمفعول والمصادر, ونراه في الفعل المتعدي إلى مفعول واحد لا يقف عند المفعول به، بل يضيف إلى ذلك عمله في المصادر, أو بعبارة أخرى: المفاعيل المطلقة مثل ذهب الذهابَ الشديد وقعد القُرْفُصاء ورجع القهقرى، كما يضيف عمله في المفعول فيه, أو بعبارة أدق: في ظرفي الزمان والمكان١. ويذكر عمله في المجرور عن طريق الجار٢، ويلاحظ هنا أن حرف الجر الأصلي قد يحذف، وينصب المجرور على نزع الخافض مثل: نُبئت زيدا يقول كذا, أي: عن زيد. ويفرق بين مثل هذا الحرف المنوي تقديره وحرف الجر الزائد, فإنه إذا حذف من مثل: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أصبح لفظ الجلالة فاعلا، ولم تقدر باء محذوفة. ويعرض لصيغ المبني للمجهول إذا كان متعديا لمفعولين، ويقول: إن أولهما هو الذي ينوب عن الفاعل، مثل كسي عبد الله الثوب٣. ويتحدث عن عمل الفعل في الحال مفرقا بينه وبين المفعول٤، إذ الحال صفة للفاعل أو المفعول. ويقف عند كان وأخواتها: صار وما دام وليس وما كان نحوهن من الفعل، ويقول: إن المنصوب بعدها ليس مفعولا، وإنما هو خبر لها، وهي بذلك أفعال ناقصة، وقد تأتي تامة فتكتفي بفاعل كغيرها من الأفعال مثل كان الأمر أي: وقع, وأصبح محمد أي: دخل في الصباح، ويقول: إن ليس لا تأتي إلا ناقصة٥. ويتحدث عن عمل ما النافية عند الحجازيين عمل ليس مثل: "ما هذا بشرًا" ويذكر لات

стр. 68

وأنها تعمل أيضا عمل ليس، غير أنها لا تعمل إلا في الحين مع إضمار مرفوعها، وقد يرفع ما بعدها مع إضمار خبرها، ولكن الأول هو الذائع الشائع كما في الذكر الحكيم: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ في قراءة الجمهور بنصب ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ ١. ويمنع هنا أن تعطف جملة على معمولين لعاملين مختلفين، فلا يقال مثلا: "ما زيد بمنطلقٍ ولا قائمٍ عمرو" بجر قائم عطفا على منطلق ورفع عمرو عطفا على زيد٢, وهي صورة بينة الفساد. ويفتح بابا لبحث صورة التنازع المعروفة في مثل "قام ومضى المحمدون". وهنا تصل نظرية الفعل العامل الذروة، إذ يرفض سيبويه مثل هذا التعبير، ويحتم إعمال الفعل الثاني في كلمة "المحمدون" لقربه، ويضمر في الأول بحيث يقال: "قاموا ومضى المحمدون" حتى لا يكون الفاعل الواحد فاعلا لفعلين، فيجتمع بذلك مؤثران على أثر واحد. وكأنما العوامل النحوية تدخل في المؤثرات الحقيقية، وهو بعد في تصور خطر العامل النحوي، وقد جره كما جر النحاة بعده إلى أن يرفضوا الصورة الأولى التي جاءت فعلا عن العرب، ويضعوا مكانها هذه الصورة المقترحة٣. ويعقد بابا يصور فيه عمل اسم الفاعل واسم المفعول عمل الفعل، ويتحدث عن عمل صيغ المبالغة وأنها في ذلك تشاكل اسم الفاعل، وهي صيغ فَعُول ومِفْعَال وفَعَّال وفَعِل وفَعِيل٤، ويقول: إن مفعولها قد يتقدم عليها كما يتقدم على اسم الفاعل والفعل، وقد يفصل بينه وبينها الظرف والجار والمجرور. ثم يتحدث عن المصادر, وأنها تعمل عمل أفعالها مثل: "ضربًا زيدًا" أي: اضرب زيدا٥. ويفرد بابا لبيان الإعمال والإلغاء للأفعال في باب ظن وأخواتها، أما الإعمال فيتحتم إذا تقدم الفعل في مثل: "ظننت محمدا منطلقا"، وأما الإلغاء فيجوز إذا تأخر الفعل عن مفعوليه أو توسط مثل: "محمدا منطلقا ظننت"، و"محمدا ظننت منطلقا"، ويجوز الرفع في المفعولين على أنهما مبتدأ وخبر، وحينئذ يلغى عمل ظن٦. وينص على أن الفعل يعمل في البدل كما يعمل في المبدل منه مثل:

стр. 69

رأيت قومك أكثرهم، ويشبِّه عمله فيه بعمله في التوكيد مثل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ١. ويفتح فصلا لاسم الفاعل الذي يجري مجرى المضارع ويعمل عمله؛ لدلالته على الاستقبال مثل: "هذا ضارب زيدا غدا" فمعناه وعمله مثل: "هذا يضرب زيدا غدا"، ويذكر أن اسم الفاعل قد يضاف إلى ما بعده، وحينئذ تحذف نونه إذا كان مثنى أو مجموعا مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ﴾ ويشير هنا إلى أنه قد يفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور في الشعر٢. ويتحدث عن اسم الفاعل المعرف بالألف واللام وأن ما بعده ينصب مثل: "هذا الضارب زيدًا", وقد يضاف مثل: هذا الضاربُ الرجلِ, بكسر الرجل وجره بالإضافة، وكأن الألف واللام فيه على نية الانفصال٣. ويعقد بابا للمصادر التي تعمل عمل المضارع وتؤدي معناه مثل: عجبت من ضربٍ زيدٌ عمرًا٤. ويتحدث عن عمل الصفة المشبهة وأفعل التفضيل ويجعل المنصوب بعدهما في مثل: محمد حسن وجها و ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ مشبها بالمفعول به٥. ويفرد بابا لتعليق ظن وأخواتها عن العمل؛ إما لكون المفعول الأول اسم استفهام أو لأن المفعولين دخلت عليهما أداة الاستفهام أو لام الابتداء مثل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ومثل: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ ٦. ويعقد بابا لأسماء الفعل الدالة على الأمر والنهي مثل: "هلمَّ ورُوَيْدا" ويتبعها بأسماء الفعل المحولة عن أسماء المكان والزمان والجار والمجرور مثل: "مكانك وبعدك" إذا حذرت المخاطب شيئا خلفه, ومثل "عندك" بمعنى قف, و"وراءك" بمعنى تأخر, و"إليك" بمعنى تنحَّ. ويقول: إنها لا تتصرف تصرف الأفعال وكذلك لا تتصرف تصرف الأسماء فتكون مبتدأ أو فاعلا، وحكمها في العمل كحكم أفعالها فمثل "رويد" بمعنى أمهل تتعدى فيقال: رويد زيدا، بخلاف "صه" بمعنى اسكت. ويقول أيضا: إن الكاف في مثل رويدك زيدا حرف خطاب، وهي مجرورة في مثل: هلم لك٧. ويذهب

стр. 70

إلى أن الفعل يعمل في المفعول معه بواسطة الواو مثل استوى الماءُ والخشبةَ١، أما المفعول له فيعمل فيه الفعل مباشرة مثل: فعلت ذاك حِذارَ الشر٢. وعنده أن العامل في الجر المضاف أو حرف الجر الذي يصل به الفعل أو يوصله إليه٣. أما العامل في المبتدأ فالابتداء، وهو العامل المعنوي الوحيد الذي أثبته سيبويه٤. ويعمل المبتدأ فيما بعده عمل الفعل، أي: إنه هو العامل في الخبر وكل ما يكون بعده٥ من مثل الحال. ويفتح فصولا لإن وأخواتها, ذاكرا أنها عملت فيما بعدها النصب والرفع تشبها بالفعل، وكأنها بمنزلة كان للزوم المبتدأ والخبر لها، مما جعلها تعمل عمل كان معكوسا٦. ويتابع الخليل في الوقوف عند دخول ما عليها وجواز إلغاء عملها ويقول: إن إنّ حين تخفف تلغى وتدخلها اللام الفارقة بينها وبين إن العاملة مثل: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ . ويذكر أن بعض العرب يُعملها وهي مخففة فيقول: "إنْ عمرا لمنطلق"٧. ويقف عند صور التمييز مثل: "ما في السماء موضع كفٍّ سحابًا" و"لله دره رجلا", ورجلا في مثل: "نعم رجلا عبد الله" وعنده أن نعم وبئس فعلان وأن التمييز يعمل فيه ما قبله٨. وليست يا هي العاملة في النداء والندبة وما إليهما, وإنما العامل الفعل المحذوف, إذ التقدير في مثل: يا عبد الله, أدعو عبد الله٩، وكأن المنادى عنده بمنزلة المفعول به. وتعمل لا النافية للجنس عمل إنّ ويحذف التنوين من اسمها فيكون مبنيا على الفتح١٠. ويتحدث عن الاستثناء وأدواته، ويفهم من كلامه أن إلا هي العاملة في المستثنى بعدها، وقد يحمل كلامه على أنها توصِّل الفعل السابق للعمل فيما بعدها مثل واو المعية في باب المفعول معه١١. وعنده أن عدا في الاستثناء فعل دائما، أما حاشا فحرف يجر ما بعده دائما١٢. وكان يذهب إلى أن لولا إذا وليها ضمير مثل لولاك, كانت حرف جر وما بعدها

стр. 71

مجرور بها١. ويتحدث عن نواصب المضارع وجوازمه٢، وكان يرى أن إذن تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة كما ذهب الخليل٣. ويتحدث عن أدوات الشرط وجزمها للفعلين ويفيض في صور الجزم ورفع الجواب أحيانا٤، ويتحدث عن جزم المضارع في جواب الأمر والنهي، ويعود إلى إنّ وأنْ ومواضعهما في الاستعمال. وكان يرى أن أما في مثل: أما زيد فذاهب, تفيد التوكيد والشرط وأن الجار والمجرور والظرف إذا ولياها في مثل: "أما في الدار فإن زيدا جالس", و"أما اليوم فإني ذاهب" عملت فيهما لما فيها من معنى الفعل، ومنع أن يكون العامل فيهما خبر إن؛ لأن معموله لا يتقدم بحال عليها٥. والعوامل تعمل مذكورة ومحذوفة، ويكثر حذف الفعل وبقاء عمله، مما جعل سيبويه يفرد لذلك صحفا كثيرة، حاول فيها أن يستقصي صور حذفه استقصاء دقيقا، وهداه ذلك منذ بادئ الأمر إلى اكتشاف باب الاشتغال الذي يُشغَل فيه الفعل أو شبهه بضمير أو بملابسه عن العمل في الاسم مثل: "زيدا كلمته وزيدا مررت به وزيدا قرأت كتابه". وقد جعل زيدا في ذلك كله مفعولا به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور. ومضى يستقصي صور الباب موزعا الكلام فيها على ما يجب نصبه وما يختار فيه النصب وما يستوي فيه النصب والرفع وما يختار فيه الرفع وما يجب رفعه، أما وجوب النصب فبعد حروف التحضيض وحرف الشرط؛ لأنه لا يليها جميعا إلا الأفعال، لذلك يجب نصب ما بعدها على أنه مفعول لفعل محذوف مثل: "هلا زيدًا كلمته"، و"إن زيدًا كلمته كلمك"٦. ويختار النصب مع النهي والأمر, أما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فالخبر فيه مبني على الإضمار؛ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون خبريا لا طلبيا؛ ولذلك لم يجعل سيبويه فعل الأمر خبرا عن السارق، بل جعل الخبر محذوفا تقديره: في الفرائض أو فيما فرض عليكم٧. ويختار النصب أيضا إذا تلا الاسمُ همزةَ الاستفهام٨

стр. 72

أو ما ولا النافيتين١ مثل: "أزيدا لقيته", و"ما زيدا كلمته", وكذلك إذا عُطفت الجملة التي فيها الاسم الذي شُغل عنه الفعل على جملة فعلية مثل: "ضربت زيدا، وعمرا أكرمته", ومنه قوله جل وعز: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢. ويستوي النصب والرفع إذا عطفت جملة الاشتغال على جملة مصدَّرة بمبتدأ وخبرها فعل أو جملة فعلية مثل: "زيد أكرمته، وعبد الله لقيته", فعبد الله يرفع إن عطفت جملته على جملة المبتدأ والخبر وينصب إن عطفت على جملة الخبر لتناسب المعطوف والمعطوف عليه في الوجهين٣. ويُختار الرفع إذا تلا الاسم جملة خبرية موجبة مثل: "زيد لقيته"؛ لأننا لا نحتاج حينئذ إلى تقدير فعل محذوف٤، غير أن النصب جائز, ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ , وكذلك إذا فُصل بين حرف الاستفهام والاسم المشغول عنه الفعل بفاصل مثل: "أأنت عبدُ الله ضربته"٥. ويجب الرفع إذا توسط بين الاسم المشغول عنه الفعل وبين الفعل أداة شرط أو استفهام مثل: "زيد إن تكرمه يكرمك" و"زيد كم مرةً لقيته" و"عمرو هل رأيته", وكذلك إذا كان الفعل في موضع الصفة مثل: "ما شيء حميته بمستباح"؛ لأن جملة "حميته" صفة لشيء و"بمستباح" خبرها. ومما يجب رفعه أيضا أن يكون الفعل معه صلة لموصول مثل: "زيد الذي رأيته سأل عنك", وكذلك إن أبدلت منه أو وكدته مثل: "زيد أن تكرمه خير من أن تهينه" لأن ما بعد أن الناصبة للفعل يعد من صلتها٦. والرفع في كل ذلك إنما هو على الابتداء. وقال سيبويه: إن الاشتغال يكون في الأفعال الناقصة على نحو ما يكون في الأفعال التامة مثل: "أعبد الله كنت مثله، وزيدا لست مثله"٧. وذكر أن اسم الفاعل والمفعول وأسماء المبالغة تجري في هذا الباب مجرى الأفعال مثل: "أزيدا أنت ضاربه" و"أزيدا أنت ضرَّابه"٨. وحتَّم الرفع في مثل: "زيد أنت الضاربه"؛ لأن الألف واللام بمعنى

стр. 73

الذي، فضاربه من صلتها، فحكمها مع الاسم الذي شُغلت عنه حكم الفعل السالف في الصلة؛ ولذلك يجب الرفع١ على الابتداء. ولم نعرض لكل صور الاشتغال عند سيبويه, إنما عرضنا لصوره المشهورة، وكأنما نثر كنانة اللغة بين يديه وجمع منها كل ما أراد من صور لا في هذا الباب وحده، بل أيضا في كل الأبواب التي يحذف معها الفعل. وقد استكمل صور حذفه مع المفعول به فيما وراء باب الاشتغال، من ذلك تصويره لحذفه في باب التحذير مثل: الأسدَ الأسدَ٢، وإياك، وإياك والأسدَ٣، وفي باب الاختصاص مثل: "إنا معشرَ العرب كرامٌ" وهو على تقدير: أعني٤. ويصور حذفه جوازا, إذا قامت قرينة مثل "مكةَ" لمن رأيته قاصدا الحج أي: تريد مكة٥. ويعرض لكثير من الصور السماعية التي يحذف فيها وجوبا مثل: "هذا ولا زعماتِك" أي: ولا أتوهم زعماتك٦، ومن ذلك قول العرب في بعض أمثالهم: "كليهما وتمرا" أي: أعطني كليهما وتمرا٧، وقول الله جل وعز: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: ائتوا خيرا لكم٨، وقولهم: "مرحبا وأهلا وسهلا" أي: أدركت مرحبا وأصبت أهلا ونزلت سهلا٩, وقولهم: "امرأً ونفسه"١٠ أي: دع امرأ ونفسه، وقولهم: "ما لك وزيدا" أي: وتناولك زيدا١١، وقولهم: "تربا وجندلا" أي: ألزمك الله أو أطعمك١٢. وقد أكثر سيبويه من عقد الأبواب التي تصور حذف الفعل مع المفعول المطلق جوازا ووجوبا، وهو إنما يجب إذا جاء بدلا من فعله كقولهم في الدعاء له: "سقيا ورعيا" أي: سقاك الله ورعاك١٣, و"هنيئا" أي: لتهنأ١٤, وقولهم في الدعاء عليه: "ويلك وويحك"١٥، وقولهم: "حمدا وشكرا"١٦، وقولهم: "سبحان الله ومعاذ الله

стр. 74

وعَمْرَك الله"١. ومما اطرد فيه حذف الفعل قولهم: "ما أنت إلا سيرا", و"ما أنت إلا السيرَ" بالنصب, و"ما أنت إلا السيرَ السير"٢، وزعم سيبويه أنهم استخدموا في هذا الباب صفات مثل أقائما وقد قعد الناس٣ وأتميميا مرة وقيسيا أخرى أي: أتتحول تميميا مرة وقيسيا أخرى٤. ومما حذف معه الفعل المصادر المثناة مثل: لبيك وسعديك٥، وحقا في قولهم: "هذا عبد الله حقا"٦ وعُرْفا في قولهم: "علي ألف درهم عرفا"٧. ويحذف الفعل مع قطع النعت ونصبه في مثل: "الحمد لله الحميدَ" بالنصب٨، كما يحذف في باب النداء على نحو ما ذكرنا ذلك آنفا. وليس الفعل التام وحده الذي يحذف، فكان الناقصة تحذف في مواضع منها قولهم: "الناس مجزيُّون بأعمالهم, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر" أي: إن كان الجزاء خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. وأجاز أن يقال: إن خير فخير, أي: إن كان في أعمالهم خير, فالذي يجزون به خير, هكذا قدر العبارة٩. ومن مواضع حذف كان قولهم: كيف أنت وزيدا وما أنت وزيدا, على تقدير: كيف تكون أنت وزيدا وما كنت وزيدا١٠، وإنما قدر كان في المثالين ليسبق المفعول معه فعل يعمل فيه النصب. ومن تلك "المواضع قولهم: "أما أنت منطلقا انطلقت معك"، على تقدير: أَنْ كنت منطلقا انطلقت١١، فحذفت كان وانفصل اسمها وعوض عنهما بلفظة ما. ومما يطرد معه حذف العامل, الجار والمجرور إذا كانا في موضع الحال أو الصفة أو الخبر، إذ يقدرهما متعلقين بفعل استقر محذوفا، فإذا قلت: "في الدار زيد" كان ذلك على تقدير: استقر في الدار زيد١٢, ومثلهما الظرف. ويطرد مع لام التعليل التي ينصب بعدها المضارع وأخواتها مثل أو والواو والفاء حذف أن الناصبة له، والخليل كما مر بنا هو الذي نبه على هذا الحذف. وتضمر رُبَّ

стр. 75

بعد الواو في مثل قول القائل: "وبلدةٍ ليس بها أنيس"١. ويحذف المضاف ويظل عمله أو أثره كقولهم: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة", فبيضاء في موضع جر على تقدير إضمار كل، كأنك قلت: ولا كل بيضاء شحمة، ومن ذلك قول أبي داود: أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونارٍ توقَّد بالليل نارا فقد أراد: وكل نار، ومن هنا قال: إن لفظة نار مجرورة بكل أخرى مقدرة وليست معطوفة على امرئ، حتى لا تكون الجملة الثانية في البيت والمثل السالف معطوفة على عاملين مختلفين، فتكون شحمة معطوفة على "تمرة", و"نارا" معطوفة على "امرأ"٢. ويكثر حذف المبتدأ العامل في الخبر ما دامت هناك قرينة تدل عليه. وهو يضع في تضاعيف كلامه قاعدة عامة لعمل العوامل مضمرة، إذ يقول: "إذا عملت العرب شيئا مضمرا لم يخرج عن عمله مظهرا في الجر والنصب والرفع"٣, ويمثل للرفع بحذف المبتدأ في قولك: "الهلال" تريد: هذا الهلال. ومما يصح أن يدخل في حذف المبتدأ قول الله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ على تقدير: أمري طاعة وقول معروف٤، وقول العرب: "الناس مجزيون بأعمالهم, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر" فقد قدر -كما مر بنا آنفا- في لفظة خير المرفوعة ومثلها شر المرفوعة أن يكونا خبرين لمبتدأين محذوفين على تقدير: فالذي يجزون به خير، وكذلك فالذي يجزون به شر٥. ومن حذف المبتدأ قولك: "إنْ جزعٌ وإن إجمالُ صبر" أي: فإما أمري جزع وإما أمري إجمال صبر٦، وقولهم في الخطاب: "مصاحب معان ومبرور مأجور" على تقدير: أنت مصاحب معان وأنت مبرور مأجور٧. وواضح من هذا التقدير أن سيبويه لم يكن يعدد الخبر، بل يجعل لكل خبر مبتدأ خاصا به. ومن حذف المبتدأ أيضا قول الله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ على تقدير: الأمر صبر جميل، ومثله قول بعض العرب: "من أنت
следующие страницы →