٣٣٨ للهجرة, أكب على النحو ودراساته في موطنه، ثم رحل إلى العراق، فسمع الزجاج وغيره من أصحاب المبرد مثل ابن السراج، كما سمع أصحاب ثعلب وأوائل البغداديين. وعاد إلى موطنه يدرس كتاب سيبويه لطلابه، وطارت شهرته، فرحل إليه الطلاب من الأندلس وفي مقدمتهم -كما مر بنا في غير هذا الموضع- محمد بن يحيى الرباحي الذي حمل عنه كتاب سيبويه رواية، ودرسه لطلابه بقرطبة.
وظل نحاة الأندلس من بعده يتوارثون رواية نسخته المضبوطة الوثيقة, مثيرين لكنوز الكتاب ومفسرين معلقين. وبذلك كان للنحاس فضل بث دراسة كتاب سيبويه في الأندلس وما رافقها هناك من نهضة الدراسات النحوية. ومما عني به "تفسير أبيات سيبويه" ويقال: إنه لم يُسبق إلى مثله، وكل من جاء بعده استمد منه.
وفي بعض المراجع أن له كتاب "شرح سيبويه" مما يدل على أنه كان له على الكتاب شرح مفرد يذلله ويحل مشاكله. وعني بالقرآن الكريم، فكتب فيه كتبا مفيدة، منها كتاب معاني القرآن وكتاب إعراب القرآن، وهما كتابان قَيِّمان, ويقال: إنهما أغنيا عما صُنف قبلهما في معناهما. وله شروح على بعض دواوين الشعر والمعلقات والمفضليات. وصنف في النحو كتاب الكافي وهو مفقود, ومختصرا أسماه كتاب التفاحة في النحو نشره كوركيس عواد ببغداد، كما صنف كتابا في الاشتقاق. ويلفتنا بين مصنفاته التي روتها له كتب التراجم كتاب "المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين" مما يدل دلالة واضحة على أنه عني باستيعاب آراء المدرستين عناية جعلته يخصهما بالتأليف.
ومن يرجع إلى مختصره الذي سماه كتاب التفاحة في النحو والذي يقع في ست عشرة صحيفة, يجده يمزج في وضوح بين آراء البصريين والكوفيين، فهو في الصورة العامة للكتيب وعرض مسائله بصري، وهو في بعض آرائه وبعض المصطلحات كوفي، وقد يختار رأيا لقطرب أو للأخفش مخالفا جمهور البصريين. ومن أول ما يلقانا في الكتيب مخالفا لهم فيه, ذهابه إلى أن الأسماء الخمسة: أباك وأخواتها معربة بحروف العلة نفسها, متفقا في ذلك مع قطرب وهشام من الكوفيين والزجاجي
стр. 352
من البغداديين١. ولا يلبث أن يذهب إلى أن المثنى والجمع السالم يرفعان بالألف والواو وينصبان ويجران بالياء, لا نيابة عن حركات مقدرة، وهو رأي الكوفيين وقطرب والزجاج أستاذه والزجاجي٢. وذهب مع الكوفيين إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم لا مبني كما ذهب البصريون٣. واختار رأيهم في أن حتى ولام الجحود ولام كي وواو المعية -ويسميها واو الظرف- وأو وفاء السببية تنصب جميعها المضارع بدون تقدير أن٤. واستظهر غير مصطلح من مصطلحات الفراء والكوفيين، من ذلك تسمية النفي بالجحد٥ وتسمية نائب الفاعل باسم المفعول الذي لم يسم فاعله٦، وتسمية الصفة بالنعت٧، وتسمية التمييز بالتفسير٨.
وكان يذهب مع الكسائي إلى أن "ذو وذوو" لا تضافان إلى الضمير خلافا للجمهور لما جاء عن العرب في النثر من مثل قولهم: "إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه"٩. وذهب مع الأخفش إلى أن المضاف إليه مجرور بالإضافة لا بالمضاف كما ذهب سيبويه١٠. كما ذهب أيضا معه إلى أن "لا سيما" من أدوات الاستثناء، وأن ما بعدها في مثل: "لا سيما زيد" مرفوع أو مجرور١١. وجعل -مع ابن السراج- لا النافية من أدوات التعليق مع ظن وأخواتها مثل: "ظننت لا يقوم زيد"١٢. وكان يذهب إلى أن "مع" الساكنة العين في لغة ربيعة حرف١٣.
ولعل في ذلك كله ما يدل على أن مصر أخرجت نحويا بغدادي النزعة في
стр. 353
وقت مبكر، فهو يمزج بين النحو البصري والكوفي، وهو ينفذ إلى آراء جديدة. ومن أهم تلاميذه أبو بكر١ الإدفوي المتوفى في العصر الفاطمي سنة ٣٨٨ للهجرة، وهو منسوب إلى مدينة إدفو بصعيد مصر، وكان يروي عن أستاذه النحاس كل تصانيفه في النحو والقرآن، وعني بالتفسير فصنف فيه كتابا في مائة مجلد سماه "الاستغناء في تفسير القرآن" جمع فيه من علوم العربية ما لم يجتمع بغيره، ويظهر أن ضخامة الكتاب حالت من قديم دون الانتفاع به ومعرفة ما نثره فيه الإدفوي من آراء في العربية.
وأنبه تلامذة الإدفوي الحَوْفي، وهو علي٢ بن إبراهيم المتوفى سنة ٤٣٠ للهجرة، قرأ على الإدفوي وأخذ عنه وأكثر، وتصدر لإقراء النحو، وصنف فيه مصنفا كبيرا استوفى فيه العلل والأصول وصنف مصنفات أصغر منه اشتغل بها المصريون. وصنف في إعراب القرآن كتابا في عشرة مجلدات كان علماء موطنه يتنافسون في تحصيله، وصنف أيضا في تفسير القرآن وعلومه. ونرى ابن هشام يعرض لإعراب "ذلك" في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ويقول: إنها بدل أو عطف بيان, ويقول: جوز الفارسي كونها صفة، ورد ذلك الحوفي بأن الصفة لا تكون أعرف من الموصوف٣. وفي ذلك ما يشهد بأن الحوفي كان مطلعا على كتاب الحجة لأبي علي الفارسي، وأكبر الظن أنه اطلع على كتاباته الأخرى وكأن نحاة مصر في العصر الفاطمي من أمثال الحوفي كانوا يعنون بمعرفة آراء المدرسة البغدادية وأعلامها النابهين من أمثال الفارسي. وقد توقف ابن هشام مرارا في كتابه المغني بإزاء توجيهات الحوفي الإعرابية لبعض آي الذكر الحكيم، وأكبر الظن أنه نقلها جميعا عن كتابه الذي صنفه في إعراب القرآن، وهو تارة يرتضي توجيهه وتارة يرفضه، فمن ذلك استحسانه ما ذهب إليه في الآية الكريمة:
стр. 354
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ من أن ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مبتدأ وخبره محذوف تقديره: لهم١. ومن ذلك رفضه ما ذهب إليه الحوفي مع الفراء من أن جملة ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها بتقدير أن الأصل: ولأنفسهم ثم حذف المضاف، وقال ابن هشام: إن هذا تكلف والواو في الآية للاستئناف٢. وقد أنكر رأيه في أن الباء لها متعلق في قوله جل شأنه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ لأنها حرف جر زائد، وحروف الزيادة لا متعلق لها٣. ورد ابن هشام رأيه في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أن جواب الشرط هو ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ وما بعدها لأنها اسمية وهي لا تكون جوابا للشرط في النثر بدون فاء، إنما يختص ذلك بالشعر، أما الآية فجواب الشرط فيها محذوف٤. وارتضى رأيه في أن خبر الذين في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ محذوف دلت عليه الجملة وتقديره: مأجورون٥. وأنكر قوله: إن الباء من قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بناظرة لأنها جارة لما الاستفهامية والاستفهام له الصدر٦، كما أنكر ما ذهب إليه في الآية: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ من أن ﴿سَيَهْدِينِ﴾ جملة حالية، إنما هي اعتراضية٧. ورد إعرابه لقوله جل شأنه: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أن ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ مبتدأ, و ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ خبر، قائلا: الصواب أن ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف٨. وتلك هي كل مراجعات ابن هشام في كتابه "المغني" للحوفي في كتابه إعراب القرآن، وكأنه لم يجد وراءها ما يرده أو ينكره، مما يشهد للقفطي في قوله عنه: إنه كان عالما بالنحو, قَيِّما بعلل العربية أتم قيام.
وكان يعاصره الذاكر٩ النحوي المصري تلميذ ابن جني المتوفى سنة ٤٤٠ للهجرة, وكان يتصدر بمصر لإقراء العربية، وله تعليقات مفيدة في النحو، وهو إشارة
стр. 355
واضحة إلى أن كتب ابن جني عُرفت على الأقل منذ عصره بمصر.
ويلقانا في عصر المستنصر الفاطمي نحوي كبير هو ابن١ بابشاذ طاهر بن أحمد المتوفى سنة ٤٦٩ للهجرة، وقد رحل إلى بغداد وأخذ عن نحاتها وعلمائها، وبذلك اتصل مباشرة بنحو البغداديين، وعاد إلى موطنه فتصدّر للإقراء بجامع عمرو بن العاص مع إشرافه على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمي إلى الأطراف، وله في النحو تصانيف سارت -كما يقول القفطي- مسير الشمس، منها "المقدمة" في النحو وشرحها, وشرح الجمل للزجاجي أحد أئمة النحو البغدادي. وكانت له تعليقة كبيرة في النحو كتبها في غرفة بجامع عمرو انقطع فيها بأخرة للعبادة والنسك، ويقال: إنها كانت في نحو خمسة عشر مجلدا، وإنها ظلت تنتقل من تلميذ إلى تلميذ حتى نهاية القرن السادس، وكانوا يسمونها "تعليق الغرفة". ومن مصنفاته "شرح الأصول" لابن السراج وكتاب المحتسب بناه على عشرة أشياء: الاسم والفعل والحرف، والرفع والنصب والجر والجزم، والعامل والتابع والخط، وله عليه شروح، واختصره ابن عصفور. وتدور لابن بابشاذ في كتب النحو آراء مختلفة يتفق في طائفة منها مع الكوفيين والبغداديين والبصريين، مما يدل دلالة واضحة أنه كان يمزج بين كل تلك المذاهب، فمن ذلك أن البصريين كانوا يمنعون عمل إذن النصب في المضارع وهي مفصولة عنه بأي معمول له، وأجاز ذلك الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين, وتوسط ابن بابشاذ بين الطرفين المتعارضين فجوّز الفصل بالنداء والدعاء مثل: إذن يا زيد أحسنَ إليك وإذن -يغفر الله لك- يدخلَكَ الجنة٢. وكان يجيز -مع الكوفيين والأخفش- ترخيم الاسم الثلاثي المحرك الوسط مثل: حَكَم فيقال: يا حك٣. وكان يرى رأي ابن درستويه البصري القائل بأن المبتدأ في مثل: "ضربي العبد مسيئًا" لا خبر له٤. وذهب مع الفارسي والسيرافي إلى أن عامل المستثنى
стр. 356
ما قبل إلا معدى إليه بواسطتها١. واختار رأي الأخفش والفارسي في أن سمع قد تلحق بعلم فتنصب مفعولين مثل: "سمعت محمدا يتكلم"٢. وكان يرى أن لام التعريف العهدية خاصة بالأعيان بينما الجنسية خاصة بالأذهان٣. وكان يذهب إلى أن الكاف في أسماء الأفعال مثل "إليك" و"رويدك" و"مكانك" حرف خطاب وليست اسما مجرورا مع الحروف ومضافا إليه مع الظروف كما ذهب البصريون ولا فاعلا كما زعم الفراء ولا مفعولا كما زعم الكسائي٤.
وتصدر لإقراء النحو بعده تلميذه محمد٥ بن بركات المتوفى سنة ٥٢٠ للهجرة، ويذكر السيوطي في ترجمته أن من أساتذته أيضا محمد٦ بن مسعود الغزني المعروف بالزكي والعلاء بن أبي الفتح عثمان بن جني، أما الأول فاشتهر بكتاب له في النحو سماه البديع، يقول ابن هشام عنه: إنه كتاب خالف فيه أقوال النحويين في أمور كثيرة، ويذكر قولا من أقواله هو أن "الذي وأن المصدرية يتقارضان، فتقع الذي مصدرية كقول جميل:
أتقرح أكباد المحبين كالذي ... أرى كبدي من حب بثنة يقرح
وتقع أن بمعنى الذي كقولهم: "زيد أعقل من أن يكذب، أي: من الذي يكذب"٧. وأما العلاء فقد كان يروي كتب أبيه ابن جني. ومعنى ذلك أن ابن بركات تزوّد من كتابات ابن جني كما تزود من كتاب البديع لمحمد بن مسعود، وأيضا تزود من أستاذه ابن بابشاذ وخاصة من "تعليقة الغرفة" التي ورثها عنه. وكانت له تصانيف في النحو سقطت من يد الزمن.
واستوطن مصر لسنة خمسمائة كبير نحاة صقلية ولغوييها علي٨ بن جعفر
стр. 357
السعدي المعروف بابن القَطِّاع، وتصدر فيها لإقراء اللغة والنحو، ومن تصانيفه: كتاب تهذيب أفعال ابن القوطية وأبنية الأسماء وحواشٍ على الصحاح للجوهري، وما زال مقيما على الإفادة والتصنيف حتى توفي سنة ٥١٥ للهجرة.
وأكبر نحاة مصر لأواخر العصر الفاطمي ابن بري١ المصري المولد والمنشأ المقدسي الأصل، وقد لحق الدولة الأيوبية وامتدت به حياته حتى سنة ٥٨٢ للهجرة. وهو تلميذ ابن بركات وغيره من المصريين والقادمين على مصر من الأندلس وخاصة محمد٢ بن عبد الملك الشنتريني الذي قرأ عليه كتاب سيبويه، وكان للأندلسيين -كما مر بنا- عناية به منذ نقل لهم الرباحي صورة من نسخة النحاس المضبوطة الوثيقة، وتوفروا عليها بالدرس والشرح والتفسير. وعلى نحو ما كان ابن بري قيما بالنحو كان قيما باللغة وشواهدها، وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء الفاطمي: وظيفة أستاذه ابن بركات وابن بابشاذ من قبلهما. وتصدر لإقراء النحو واللغة بجامع عمرو، وطارت شهرته في الآفاق فقصده الطلاب من كل فج، وممن قصده وقرأ عليه كما أسلفنا عيسى الجزولي نحوي المغرب والأندلس، وقد ذكرنا أنه لما قرأ عليه كتاب الجمل للزجاجي أُثيرت مسائل جمعها في مقدمته المعروفة بالجزولية، وكان لا يسيغ أن يقول: هي من تصنيفي؛ لأنها من نتائج خواطر ابن بري وتلاميذه، وقد عني بها النحاة وشرحوها مرارا. واشتهر له في اللغة حواشيه على صحاح الجوهري وكانت في ستة مجلدات، وهي أحد المصادر الخمسة التي ألف منها ابن منظور معجمه الكبير لسان العرب كما يقول في مقدمته، واسمه يتردد فيه ترددا واسعا. ومن مصنفاته: جواب المسائل العشر التي استشكلها أبو نزار الحسن بن صافي النحوي٣ وأغاليط الفقهاء وحواش على درة الغواص في أوهام الخواص للحريري، وقد راجعه في أن التعبير بكلمة "صباحَ مساءٍ" على الإضافة يراد به الصباح وحده, بخلاف "صباحَ مساءَ" على التركيب، فإن ذلك يعنيهما معا،
стр. 358
وقال: إن هذا الفرق لم يقل به أحد, وإن السيرافي صرح بأن قولهم: يأتينا صباحَ مساءٍ وصباحَ مساءَ وصباحًا ومساءً معناهن واحد١. وكان يذهب إلى أن لولا تفيد التعليل في مثل: "لولا إحسانك لما شكرتك" وأن العرب لذلك جروا بها المضمر في مثل لولاي٢، وهو بذلك يتفق مع سيبويه كما مر بنا في أنها حين يليها المضمر تكون جارة. وذهب مذهب الكوفيين والأخفش في أن إذا الفجائية حرف وليست ظرفا٣، كما ذهب مذهب أبي علي الفارسي في أن "ما" قد تأتي زمانية في مثل: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم٤. ومعروف أن الفعل قد يأتي للمطاوعة، وهي أن يدل أحد الفعلين على تأثير ويدل الآخر على قبول فاعله لذلك التأثير مثل: علّمته فتعلّم، وهو حينئذ يتعدى إلى واحد كما في المثال، وذهب ابن بري إلى أنه قد يتعدى لاثنين نحو: "استخبرت الخبر فأخبرني الخبر", ومثل: "استعطيته كتابا فأعطاني كتابا", وقال ابن هشام: ما ذكره ابن بري ليس من باب المطاوعة وإنما هو من باب الطلب والإجابة٥.
وكان يعاصره عثمان٦ بن عيسى البَلَطِي الموصلي نحوي دمشق المتوفى سنة ٥٩٩ للهجرة، ولما ملك صلاح الدين مصر انتقل إليها فرتب له جاريا لإقراء النحو بجامعها، وكان يتعمق في دراسته ودراسة العَرُوض، ومن مصنفاته "النَّبْر" في العربية والعروض الكبير والعروض الصغير، ويقول السيوطي: إنه كان يخلط بين مذهبي الكوفة والبصرة.
ومن نحاة مصر في العصر الأيوبي سليمان٧ بن بنين الدقيقي تلميذ ابن بري المتوفى سنة ٦١٤ للهجرة، وله مصنفات كثيرة في النحو واللغة والأدب، منها: شرح على سيبويه سماه "لباب الألباب في شرح الكتاب", وكتاب الوضَّاح في شرح أبيات الإيضاح لأبي علي الفارسي، وكتاب إغراب العمل في شرح أبيات الجمل للزجاجي، وكتاب اتفاق المباني وافتراق المعاني في اللغة.
стр. 359
ونزل مصر يحيى١ بن معطي المغربي المتوفى سنة ٦٢٨ قرأ على الجزولي، ثم رحل إلى دمشق وأقرأ النحو بها مدة، ثم تركها إلى القاهرة واستقر بها وتصدر بالجامع العتيق لإقراء الطلاب النحو، وله مصنفات مختلفة منها ألفية في النحو كألفية ابن مالك، ومنها العقود والقوانين في النحو، ومنها الفصول وحواشٍ على أصول ابن السراج وشرح على الجمل. وكان يذهب إلى أن ما النافية قد تحذف في جواب القسم٢، وكان يرى أنه إذا اجتمع مع الفعل المبني للمجهول مصدر وظرف وجار ومجرور كان الجار والمجرور هما نائب الفاعل لا الظرف ولا المصدر، بينما كان يرى البصريون أن لك الخيار في إقامة أي الثلاثة نائبا للفاعل٣. وذهب إلى أن "أبا ويا وهيا" للمنادى البعيد وأي والهمزة للمنادى القريب٤. وكان يرى رأي الزمخشري وأستاذه الجزولي في أن علل البناء خمس: شبه الحرف، وتضمن معناه، والوقوع موقع المبني، ومناسبة المبني، والإضافة إلى المبني٥. ومما ذكره في كتابه الفصول أن أسماء الإشارة بنيت لشبهها بالحروف ولم يذكر ذلك غيره٦, وذكر في الفصول أيضا أن "دام" لا يجوز تقديم خبرها على اسمها٧.
وكان يعاصره ابن الرماح٨ علي بن عبد الصمد المتوفى سنة ٦٣٣ للهجرة، وقد تصدر لإقراء النحو وقراءات الذكر الحكيم، وله مجموع في النحو يتردد ذكره في الأشباه والنظائر للسيوطي، مع بعض ملاحظاته وآرائه، من ذلك قوله: إن العَلَم قد يَرِد معرفا بالألف واللام كالأجناس وذلك في باب نعم وبئس، إذ تقول مثلا: نعم العمر عمر بن الخطاب٩, وكان يقول: إن أم المتصلة تفترق عن أم المنقطعة من سبعة أوجه، ومما ذكره من هذه الأوجه أنها لا تقع إلا بعد استفهام
стр. 360
وما بعدها معطوف على ما قبلها، وتقتضي المعادلة، مثل: أضربت عليا أم نهرته؟ ١.
ومن نحاة العصر الأيوبي النابهين علي٢ بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣ للهجرة، وله شرحان على كتاب المفصل للزمخشري، وشرح على أحاجيه النحويه. واسمه يدور في كتاب الأشباه والنظائر. وله ملاحظ وآراء دقيقة كثيرة، من ذلك قوله: إن باب فعيلة تحذف منه التاء والياء في النسب مثل: حنيفة وحنفي, وكأنه لما تطرق إليه تغيير بحذف التاء حذفت معها الياء بينما فعيل مثل تميم لا يحذف منه في النسب شيء٣. وكان يقول: لا يدخل على المقسم به المضمر غير الباء٤، وشبه الحال بالمفعول به في مجيئها بعد الفاعل، وبالظرف في انقضاء مدتها مع فعلها، وبالصفة، وبالتمييز في تنكيرها وبالخبر في فائدتها٥, وكان يقول: حتى الجارة تختلف عن "إلى" في أنه لا يليها مضمر مثلها وأن فيها معنى الاستثناء وأنها لا تقع خبرا بخلاف إلى في مثل: "والأمر إليك"٦. واحتفظ السيوطي له بأجوبته عن عشر مسائل نحوية ولغوية أثارها أبو نزار الحسن بن صافي النحوي، وهي تدل على سعة معارفه النحوية٧. وكان يعاصره ابن الحاجب وسنخصه بكلمة أكثر طولا.
وتنشط الدراسات النحوية في عصر المماليك، بل تزدهر وتثمر ثمارا رائعة، ومن النحاة النابهين حينئذ بهاء الدين٨ بن النحاس الحلبي الأصل المتوفى سنة ٦٩٨ للهجرة، دخل مصر وأخذ عن شيوخها، ثم جلس لإفادة الطلاب، ولم يلبث أن أصبح شيخ الديار المصرية في علم العربية. وعليه تتلمذ أبو حيان حين نزوله مصر، وله مصنفات مختلفة من أهمها: شرح على المقرب لابن عصفور, وكان يرى أن فائدة العدل في مثل لفظة عمر الاختصار, فهي أخصر من عامر٩.
стр. 361
وأجمع النحاة أن مضافا إليه محذوف في مثل: "قطع الله يَدَ ورجلَ من قالها", واختلفوا من أي الكلمتين حُذف من يد أو رجل، واختار رأي سيبويه القائل بأن المضاف إليه المحذوف مع رجل لا يد١. وكان يقول: لا يثنى "بعض" ولا يجمع حملا على "كل" لأنه نقيض، وحكم النقيض أن يجري على نقيضه٢. وكان يختار مذهب سيبويه في أن عسى في مثل "عساي وعساك" خرجت عن بابها وعملت عمل لعل٣. وكان يقول: لا يضاف من ظروف المكان سوى حيث٤. وكان الجمهور يذهب إلى أن الحرف معناه في غيره, وذهب إلى أنه يدل على معنى في نفسه٥. وكان يرى رأي ابن عصفور في العطف على محل الجملة في التعليق بالنصب, مستدلين بقول كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
بعطف كلمة موجعات على جملة "ما البكا"٦. وكان يقول: إنما كُسرت النون في المثنى لسكونها وسكون الألف قبلها٧! وله تعليلات مختلفة ساق منها السيوطي أطرافا٨. وكان يذهب مع أستاذه ابن مالك إلى جواز مجيء المبتدأ مؤخرا نكرة مع جملة سابقة له مثل: "قصدك غلامه رجلٌ"٩ والأولى أن تكون رجل فاعلا مؤخرا. ونص على أن "لو ما" مثل لولا تماما يحذف بعدها الخبر ويذكر الجواب مثل: "لوما محمدٌ ما جئت"١٠.
وربما كان أنبه تلاميذ أبي حيان, ابن١١ أم قاسم الحسن بن قاسم المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة, وأم قاسم جدته لأبيه, نُسب إليها. وله شرح على المفصل للزمخشري وثانٍ على التسهيل وثالث على الألفية لابن مالك. وتحتفظ كتب النحو له بآراء مختلفة، من ذلك أنه كان يرى أن المحذوف في "إنا وأنا ولكنا" النون
стр. 362
الأولى لا الثانية لأنها اسم، والحروف أولى بالحذف من الاسم١. وكان يتصدى لأستاذه أبي حيان كثيرا، وخاصة حين يعارض ابن مالك، ونراه يحكي عبارته حينئذ بصيغة قيل٢، ومما عارضه فيه منحازا لابن مالك أن حرًى من أخوات كاد وليست اسما منونا بمعنى حقيق٣. وقد أنكر رأيه في جواز حذف العائد المتصل بليت في مثل: "جاء الذي ليته زيد"٤, وأكبر الظن أنه آن أن نفرد حديثا أكثر تفصيلا لأهم نحوي مصري ظهر في القرن السابع الهجري, وهو ابن الحاجب.
ابن ٥ الحاجب:
هو جمال الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر المتوفى سنة ٦٤٦ للهجرة، ولد في "إسنا" بصعيد مصر سنة ٥٧٠ ونشأ بالقاهرة، وأكب على الدرس والتحصيل حتى أصبح عَلَما في الفقه على مذهب مالك وفي الأصول والنحو. وكان أبوه حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي, فغلبت عليه النسبة إلى وظيفته. ورحل إلى دمشق، وأقبل الطلاب يفيدون من علمه الغزير هناك، ثم عاد إلى القاهرة فدرّس النحو بالمدرسة الفاضلية، ثم نزل الإسكندرية ولم تطل إقامته بها، إذ سرعان ما لبى نداء ربه. وله مصنفات كثيرة في الفقه المالكي والأصول والعروض، ولكن شهرته طبقت الخافقين بما صنفه في النحو، وأهم مصنفاته فيه الكافية وهي مطبوعة مرارا بشرح الرضي الإسترابادي وغيره، وشرح له الرضي أيضا الشافية، وهي في فن التصريف وشرحه مطبوع. وفي دار الكتب المصرية مخطوطة من أماليه النحوية في أكثر من ستمائة وخمسين صحيفة.
ولابن الحاجب آراء كثيرة اتفق فيها مع بعض النحاة وأخرى خالف فيها جمهورهم،
стр. 363
من ذلك ذهابه -مع الجمهور- إلى أن الإعراب لفظي لا معنوي١. وكان يرى أن الأسماء "قبل تركيبها في صيغ وعبارات" مبنية٢, وأن "ذان وتان" الإشاريتين وُضعتا للمثنى وليستا مثنيين حقيقيين، ومعنى ذلك أن ذان صيغة وضعت للرفع وذين صيغة أخرى وضعت للنصب والجر٣، ومثلها تان. وذهب جمهور النحاة إلى أن مثل "غلامي" مبني لإضافته إلى مبني، وخالفهم ابن الحاجب فعدّه معربا مقدرا إعرابه بدليل إعراب نحو: "غلامه وغلامك"٤. وذكر النحاة أن من مسوِّغات الابتداء بالنكرة أن يسبقها استفهام مثل: "أتلميذٌ في الفَصْل؟ " وقصر ابن الحاجب ذلك على همزة الاستفهام المعادلة بأم مثل: "أرجلٌ في الدار أم امرأة؟ "٥ واضطرب النحاة بإزاء قول الحكمي:
غيرُ مأسوفٍ على زمن ... ينقضي بالهم والحزن
فقال بعضهم: غير مبتدأ لا خبر له، وقال ابن جني, وتبعه ابن الحاجب: إن "غير" خبر مقدم محذوف مبتدؤه، إذ الأصل: زمن ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، ثم قدمت غير وما بعدها، ثم حذف زمن -وهو المبتدأ- دون صفته، فعاد الضمير المجرور بعلى على غير مذكور فأتى بالاسم الظاهر مكانه٦, ومما اتفق فيه مع أبي علي الفارسي جواز تذكير الفعل مع فاعله إذا كان جمع مؤنث سالما، فتقول: قال الزينبات وقالت٧. وكان يذهب -مع الزمخشري- إلى أن لام الابتداء هي التي تكون مع المبتدأ وحده في مثل: "لزيد قائم" ولقائم زيد، أما ما سوى ذلك فسمى اللام فيه لاما مؤكدة مثل: "إن محمدا لقائم"٨. وكان يذهب معه ومع الكوفيين في الفاعل السادّ مسد الخبر مع الوصف, أن يكون اسما ظاهرا
стр. 364
مثل: أقائم الزيدان؟ لا ضميرا مثل: أقائم أنتما؟ ١. وكان يذهب مذهبه ومذهب الكوفيين في أنه لو تلت "لو" أن المؤكدة كانت هي وما بعدها فاعلا بفعل مقدر تقديره: ثبت٢. وكان يذهب إلى أن "إلا" لا يوصف بها مثل غير إلا إذا كانت تالية لجمع منكر غير محصور مثل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومثل: "ما جاءني أحد إلا زيد" بخلاف: "له علي عشرة إلا درهما" فإنه يتعين حينئذ أن تكون إلا حرف استثناء٣. وكان يذهب في تخريج المسألة الزنبورية في رواية الكسائي: "فإذا هو إياها" مذهبا بعيدا، إذ يجعل كلمة إياها منصوبة على الحال من الضمير في الخبر المحذوف، والأصل: فإذا هو ثابت مثلها، ثم حُذف المضاف فانفصل الضمير وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة، قال ابن هشام: وهو وجه غريب٤. وكان يرى مع الزجاج أن المضاف إليه مجرور بتقدير حرف مثل: "اللام وفي ومن" لا بالمضاف كما ذهب سيبويه٥. وكان يزعم أن من العرب من يصرف سراويل وأنكر ابن مالك ذلك عليه٦. وكان يرى أن ما المصدرية قد تعمل عمل أختها أَنْ كما في الحديث: "كما تكونوا يولَّى عليكم" ٧, ومما انفرد به ذهابه إلى أن المفعول المطلق قد يكون جملة، وجعل من ذلك مقول القول في مثل: "قال زيد: عمرو منطلق" وذهب إلى أن المفعولين الثاني والثالث لأنبأ في مثل: "أنبأت زيدا عمرا فاضلا" مفعول مطلق لأنهما نفس النبأ، يقول ابن هشام: "وهذا الذي قاله لم يقله أحد ولا يقتضيه النظر الصحيح٨. وقد ذهب مع الزمخشري إلى أن ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ في قوله عز شأنه: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ مفعول مطلق لا مفعول به٩.
وكان ابن الحاجب دقيق النظر، فخاض في تعليلات كثيرة مستنبطا منها
стр. 365
ما لا يكاد يقف به عند حد، من ذلك تعليله بناء الاسم بشَبَهه للحرف من وجه واحد ومنعه من الصرف بشَبَهه للفعل من وجهين، يقول: لأن الشبه بالحرف يبعده عن الاسمية ويعقد صلة بينه وبين ما لا يجانسه، بينما الشبه بالفعل قريب؛ ولذلك لا بد من تعدد وجهه حتى يبتعد الاسم عن بابه، ويقول: إن صلة الحرف بالاسم كصلة الجماد بالإنسان, بينما صلة الفعل بالاسم كصلة الإنسان بالحيوان١. ويتساءل: لِمَ حُذف الموصوف وأُقيمت الصفة مقامه ولم يُفعل ذلك في الموصول؟ ويجيب بأن الصفة تدل على الذات التي دل عليها الموصوف بنفسها باعتبار التعريف والتنكير؛ لأنها تابعة للموصوف في ذلك، والموصول لا ينفك عن جعل الجملة التي معه في معنى اسم معرف، فلو حذف لكانت الجملة نكرة فيختل المعنى٢.
стр. 366
٣- ابن ١ هشام:
هو جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، وُلد بالقاهرة سنة ٧٠٨ للهجرة وبها توفي سنة ٧٦١, وقد طارت شهرته في العربية منذ حياته، فأقبل عليه الطلاب من كل فج يفيدون من علمه ومباحثه النحوية الدقيقة واستنباطاته الرائعة. ويقال: إنه لم يقرأ على أبي حيان سوى ديوان زهير، وكأنه ثمرة العلماء المصريين من أساتذته، وقد تحول يتعمق مذاهب النحاة، وتمثلها تمثلا غريبا نادرا، وهي مبثوثة في مصنفاته مع مناقشتها وبيان الضعيف منها والسديد، مع إثارته ما لا يحصى من الخواطر والآراء في كل ما يناقشه وكل ما يعرضه. وبلغ الإعجاب به لدى بعض معاصريه حدا
стр. 367
جعلهم يقولون: إنه أنحى من سيبويه! وخلّف في العربية مصنفات كثيرة، من أهمها: كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" وقد اختطّ له منهجا لم يسبق إليه، إذ لم يُقمه على أبواب النحو المعروفة، بل قسمه قسمين كبيرين؛ قسما أفرده للحروف والأدوات التي تشبه مفاتيح البيان في لغتنا، ومضى يوضّح وظائفها وطرق استخدامها مع عرض جميع الآراء المتصلة بها عرضا باهرا. أما القسم الثاني فتحدث فيه عن أحكام الجملة وأقسامها المتنوعة وأحكام الظرف والجار والمجرور وخصائص الأبواب النحوية وصور العبارات الغريبة, مع ما لا يكاد ينفد من ملاحظات وقواعد كلية تجسم أسرار العربية، وقد طبع هذا الكتاب مرارا، وطبع معه شرحان أو حاشيتان للأمير والدسوقي. ومن مصنفاته: "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" وهو مطبوع مرارا، وشرحه الشيخ خالد الأزهري باسم "التصريح على التوضيح" وكتب عليه حاشية الشيخ يس العليمي الحمصي، والحاشية والشرح مطبوعان معه. ولابن هشام بجانب هذين المصنفين شذور الذهب في معرفة كلام العرب، وهو مطبوع مرارا ومثله "قطر الندا وبل الصدا" و"الإعراب عن قواعد الإعراب". وله وراء ذلك مصنفات نحوية كثيرة لا تزال مخطوطة ومحفوظة على رفوف المكتبات المختلفة. وهو يمتاز فيها جميعا بوضوح عبارته مع الأداء الدقيق إلى أبعد حدود الدقة, مسهبا مطنبا أو موجزا مجملا.
ومنهجه في النحو هو منهج المدرسة البغدادية، فهو يوازن بين آراء البصريين والكوفيين ومن تلاهما من النحاة في أقطار العالم العربي، مختارا لنفسه منها ما يتمشّى مع مقاييسه مظهرا قدرة فائقة في التوجيه والتعليل والتخريج، وكثيرا ما يشتق لنفسه رأيا جديدا لم يسبق إليه، وخاصة في توجيهاته الإعرابية على نحو ما يتضح لقارئ كتابه المغني.
وهو في أغلب اختياراته يقف مع البصريين، من ذلك اختياره رأي سيبويه في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ١، وأن كان وأخواتها
стр. 368
تعمل الرفع في اسمها والنصب في خبرها١، وأن المفعول به منصوب بالفعل٢، وأن المضاف إليه مجرور بالمضاف لا بالإضافة ولا بمعنى اللام المحذوفة٣، وقد لا نبالغ إذا قلنا: إنه كان يجل سيبويه إجلالا بعيدا، كما كان يجل جمهور البصريين، وفي كل جانب من كتاباته نراه متحمسا لهم مدافعا عن آرائهم، من ذلك أنه كان يذهب مذهب يونس بن حبيب في أن تاء أخت وبنت ليست للتأنيث٤. وكان يرى رأي سيبويه وجمهور البصريين في أن المحذوف في مثل ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ نون الرفع لا نون الوقاية٥. وكان يرفض رأي الكوفيين القائل بأن أسماء الإشارة قد تحل محل أسماء الصلة، في مثل: "وهذا تحملين طليق" إذ يعرب الكوفيون هذا اسما موصولا بمعنى الذي٦، كما رفض رأيهم متشيعا للبصريين في أن الوصف يسد معه الفاعل مسد الخبر إذا لم يتقدمه نفي أو استفهام في مثل: "خبيرٌ بنو لهب"٧, وكان يحتم مع جمهور البصريين أن يكون الخبر مع الظرف والجار والمجرور محذوفا وتقديره: كائن أو مستقر, لا كان أو استقر٨. وكان يختار رأي سيبويه في أن المرفوع بعد لولا في مثل: "لولا محمد لهلك العرب" مبتدأ مرفوع بالابتداء، يقول: "وليس المرفوع بعد لولا فاعلا بفعل محذوف ولا بلولا، خلافا لزاعمي ذلك"٩ واختار رأيه في أن عسى في مثل عساك وعساه تجري مجرى لعل، ويوضح ذلك قائلا: إن في مثل هذا التعبير ثلاثة مذاهب: أحدها: أنها أجريت مجرى لعل في نصب الاسم ورفع الخبر كما أجريت لعل مجراها في اقتران خبرها بأن، قاله سيبويه، والثاني: أنها باقية على عملها عمل كان ولكن استعير ضمير النصب مكان ضمير الرفع، قاله الأخفش، ويورد ابن هشام عليه اعتراضين، كما يعترض على المذهب الثالث فيها، وهو مذهب المبرد وأبي علي الفارسي،
стр. 369
إذ ذهبا إلى أنها باقية على إعمالها عمل كان ولكن قلب الكلام فجعل المخبر عنه خبرا وبالعكس١, وواضح من اعتراضه على المذهبين الثاني والثالث أنه إنما يرتضي مذهب سيبويه. وكان يقف معه ضد الكسائي في أن زيدا في مثل: "هل زيدا رأيته؟ " منصوب على الاشتغال بفعل محذوف ولا يصح أن يكون مبتدأ٢، وأن حيث لا تضاف إلى المفرد قياسا٣، وأن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال والاستقبال, وقد تمسك الكسائي بإعماله وهو بمعنى الماضي في الآية الكريمة: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ وخرّج ذلك ابن هشام على حكاية الحال٤. ومما خالف فيه الكسائي أيضا متشيعا لسيبويه وجمهور البصريين أن معمول اسم الفعل لا يصح أن يتقدم عليه٥، وأن "إذن" الناصبة للمضارع لا بد أن تتصدر الجملة٦، وأن المضارع ينصب بأن مضمرة وجوبا بعد اللام وأو وحتى والفاء والواو٧. وكان يأخذ برأي سيبويه في أن "إذما" حرف شرط مثل إن الشرطية تماما خلافا للمبرد والفارسي القائلين بأنها ظرف زمان٨، وكذلك أخذ برأيه في أنه لا يجوز أن يقال: "هذا لك وأباك" بنصب أباك مفعولا معه؛ لعدم تقدم فعل في الجملة أو شبهه خلافا للفارسي٩. ومما كان يأخذ فيه برأي جمهور البصريين أن "زيد" في مثل: "إنْ زيد قام" فاعل لفعل محذوف لا مبتدأ خلافا للأخفش والكوفيين١٠، وأن الفاعل لا يصح أن يتقدم على فعله خلافا لأهل الكوفة١١.
وليس معنى ذلك أنه كان متعصبا لسيبويه وجمهور البصريين، وإنما معناه أنه كان يوافقهم في الكثرة الكثيرة من آرائهم النحوية، ولكن دون أن يوصد الأبواب أمام بعض آراء الكوفيين والبغداديين حين يراها جديرة بالاتباع، ومما كان يتابع فيه الكوفيين أن الفعل ماض ومضارع فقط وأن الأمر فرع من
стр. 370
المضارع المصحوب بلام الطلب في مثل: لتقم، حُذفت للتخفيف في مثل: قم واقعد وتبعها حرف المضارع، يقول: "وبقولهم أقول؛ لأن الأمر معنى حقه أن يؤدى بالحرف ولأنه أخو النهي ولم يدل عليه إلا بالحرف، ولأن الفعل إنما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصل وكونه أمرا أو خبرا خارج عن مقصوده"١. وكان سيبويه يذهب إلى أن "أبؤسا" في مثل: "عسى الغوير أبؤسا" خبر عسى، وذهب الكوفيون ومعهم ابن هشام إلى أن "أبؤسا" خبر لكان أو يكون محذوفة أي: يكون أبؤسا، والجملة خبر عسى٢. وذهب سيبويه إلى أن "كيف" تكون دائما ظرفا, وذهب الكوفيون وتابعهم ابن هشام إلى أنها تكون ظرفا أحيانا وأحيانا اسما غير ظرف، بدليل أنه يبدل منها بالرفع فيقال: كيف أنت؟ أصحيح أم سقيم؟ ولا يبدل المرفوع من المنصوب٣. وكان جمهور البصريين يمنع توكيد النكرة مطلقا وأجازه الأخفش والكوفيون إذا أفاد، وتابعهم ابن هشام، مصححا مثل: "اعتكفت أسبوعا كله"٤. ومما أخذ فيه برأي الكوفيين إنكار أن التفسيرية, محتجا بأنه إذا قيل: "كتبت إليه أن قم" لم يكن قم نفس كتبت. ولهذا لو جئت بأي مكان أن في المثال لم تجده مقبولا في الطبع٥. وكان يجوز مع الكوفيين منع صرف المنصرف في ضرورة الشعر٦، وكذلك مد المقصور كقول بعض الشعراء:
فلا فقر يدوم ولا غناء
بمد كلمة غِنى٧. وجوز أيضا مع الكوفيين عدا الفراء العطف على الضمير المتصل المخفوض بدون إعادة الخافض لقراءة حمزة وغيره: "تساءلون بِهِ وَالْأَرْحَامِ" بالخفض عطفا على الهاء المخفوضة بالباء٨، كما جوز معهم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول مستدلا بقراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّنَ لِكثِير من الْمشركينَ قَتْلُ أَوْلَادَهم شُرَكَائهم" بإضافة قتل إلى شركائهم, أو بعبارة أخرى: إضافة المصدر إلى فاعله مع الفصل بينهما بالمفعول به وهو كلمة "أولادَهم"٩.
стр. 371
وكان يأخذ برأي الفراء في أن "لو" قد تكون حرفا مصدريا بمنزلة أن المصدرية, إلا أنها لا تنصب المضارع، ويكثر وقوعها حينئذ بعد ود ويود مثل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ و ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ وقد تقع بدونهما كقول قتيلة:
ما كان ضرَّك لو مننت وربما ... مَنَّ الفتى وهو المغيظ المحنق
ويعرض لرأي جمهور البصريين في أنها في هذه المواضع شرطية وأن جوابها محذوف، ويقول: "لا خفاء بما في ذلك من التكلف"١.
وعلى نحو ما كان يختار ابن هشام لنفسه من المدرستين الكوفية والبصرية, كان يختار لنفسه أيضا من المدرستين البغدادية والأندلسية، ومما اختاره من آراء أبي علي الفارسي أن "حيث" قد تقع مفعولا به كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢ وأن قلما في مثل: "قلما يقوم زيد" لا تحتاج لفاعل؛ لأنها استُعملت استعمال ما النافية٣، وأن "ما" قد تأتي زمانية، يقول: "وهذا ظاهر في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم"٤. ووافق ابن جني في أن الجملة قد تبدل من المفرد كقول بعض الشعراء:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ؟
على تقدير أن جملة الاستفهام: "كيف يلتقيان" بدل من كلمتي "حاجة وأخرى" أي: إلى الله أشكو حاجتين تعذر التقائهما٥. وقد أكثر من مراجعة الزمخشري، ويكفي أن نذكر من ذلك ثلاثة أمثلة، أولها: رده ما ذهب إليه من أن "لن" تقتضي تأبيد النفي وتوكيده، يقول: "وكلاهما دعوى بلا دليل، ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ولكان ذكر الأبد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ تكرارا والأصل عدمه"٦. وثاني الأمثلة: ما ذهب إليه الزمخشري في الواو من أنها قد تأتي للإباحة مثل أو، وذلك في تعليقه بتفسيره على آية البقرة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
стр. 372
الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فقد ذكر عند الكلام على قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أن الواو تأتي للإباحة نحو: "جالس الحسن وابن سيرين", وأنه إنما جاء بتلك العبارة دفعا لتوهم إرادة الإباحة في قوله جل وعز: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يقول ابن هشام: "وقلده في ذلك صاحب الإيضاح البياني ولا تعرف هذه المقالة لنحوي"١. والمثال الثالث: يتصل بعطف الزمخشري كلمات وعبارات متباعدة في الذكر الحكيم بعضها على بعض، إذ ذهب في قوله عز شأنه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ إلى أن ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فيمن جر ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ عطف على ﴿السَّاعَةُ﴾ ، وهي في رأي ابن هشام مبتدأ حذف خبره. ومن ذلك ذهاب الزمخشري إلى أن الآية رقم ٣٨ في سورة الذاريات: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ معطوفة على الآية رقم ٢٠: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ , وفي رأي ابن هشام أنها معطوفة على كلمة ﴿فِيهَا﴾ في الآية السابقة لها رقم ٣٧: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٢. وليس معنى ذلك أنه كان يعارض دائما آراء الزمخشري, فقد كان يرتضي بل يستحسن كثيرا من آرائه، من ذلك ما ذهب إليه من أن "أنما" بالفتح تفيد الحصر مثل "إنما" وقد اجتمعتا، كما يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣. ويقف بإزاء إفادة أما التوكيد في مثل: "أما زيد فمنطلق" ويقول: قل من ذكره ولم أر من أحكم شرحه غير الزمخشري, فإنه قال: "فائدة: أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: زيد ذاهب, فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب؛ ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير مُدْل بفائدتين: بيان كونه توكيدا وأنه في معنى الشرط"٤. وقد استصوب رأيه في أن "قد" تأتي للتوقع, وقد تأتي للتحقيق مثل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ
стр. 373
عَلَيْهِ﴾ إذ دخلت لتوكيد العلم١.
وأكثر الأندلسيين دورانا في مصنفاته ابن عصفور وابن مالك وأبو حيان، ومما اختاره من آراء الأول أن "لَنْ" قد تأتي للدعاء، والحجة في ذلك قول الأعشى:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ ... ـت لكم خالدا خلود الجبال٢
وأن محل الجملة في التعليق النصب؛ ولذلك يعطف عليها بالنصب مثل: "عرفت من زيد وغير ذلك من الأمور" وكان ابن عصفور يستدل بقول كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعاتِ القلب حتى تولت
بنصب "موجعات" وعطفها على عبارة: "ما البكا" التي علق عنها فعل أدري٣. أما ابن مالك فهو صاحبه الذي عني بشرح مصنفاته مثل التسهيل والألفية، ومن يقرؤه في "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" يجده يتابعه في جمهور آرائه، وقلما خالفه، وقد حكى آراءه أو قل كثيرا منها في كتابه "المغني" وتارة يوافقه وتارة يخالفه، ومما وافقه فيه أن إلى قد تأتي بمعنى في كما في الآية الكريمة: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤, وأنه يمكن تخريج مسألة الزنبور: "فإذا هو إياها" على أن ضمير النصب استُعير في مكان ضمير الرفع، يقول: ويشهد له قراءة الحسن: "إياك تُعْبَدُ" ببناء الفعل للمفعول٥، وأن حتى إذا عطفت على مجرور أُعيد الخافض فرقا بينها وبين الجارة مثل: مررت بالقوم حتى بزيد إلا إذا تعين كونها للعطف مثل: "عجبت من القوم حتى بنيهم". قال ابن هشام: وهو قيد حسن٦، وأن "عن" الجارة قد تفيد الاستعانة مثل: "رميت عن القوس" أي: بالقوس٧، ويقول: "عبارة ابن مالك في قد حسنة, فإنه قال: إنها تدخل على ماض متوقع، ولم يقل: إنها تفيد التوقع ... وهذا هو الحق"٨, ويتابعه في أن كلا قد تأتي توكيدا لمعرفة مثل: "يا أشبه الناسِ كلِّ
стр. 374
الناس بالقمر" وأنها ليست حينئذ نعتا كما زعم أبو حيان١. وكان يعجب بقوله في كيف: "لم يقل أحد: إنها ظرف إذ ليست زمانا ولا مكانا، ولكنها لما كانت تفسَّر بقولك على أي حال؛ لكونها سؤالا عن الأحوال العامة سميت ظرفا؛ لأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليهما مجازا"٢, كما كان يعجب بقوله: إن لما ظرف بمعنى "إذ" لا بمعنى حين كما زعم الفارسي وابن جني٣. أما أبو حيان, فإنه كاد أن لا يوافقه في شيء، وكان كما أسلفنا يكثر من الخلاف على ابن مالك، وكأنما جعل ابن هشام نصب عينيه أن ينقض كل ما أورده عليه٤، وكذلك على الزمخشري٥.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن أهم نحوي مصري تعقبه في آرائه هو ابن الحاجب، وكثيرا ما يثبت عليه السهو والوهم والتعسف٦, وكثيرا ما يتوقف لنقض آرائه٧. وكتابه "المغني" في الواقع موسوعة كبرى لعرض آراء النحاة السابقين له في مختلف الأصقاع العربية، وهو ليس عرضا فقط بل هو مناقشة واسعة لتلك الآراء وتبين الصحيح منها والفاسد، مع كثرة الاستنباطات ومع اشتقاق الآراء المبتكرة غير المسبوقة، ويكفي أن نضرب لذلك بعض الأمثلة كذهابه إلى أن "عشر" في قولنا: اثني عشر حالة محل النون في اثنين، وهي بذلك ليست مضافة إلى ما قبلها ولا محل لها من الإعراب٨. ومن ذلك أن كان وأخواتها ما عدا ليس تدل على الحدث كما تدل على الزمان٩، وأن الحال كما تأتي مؤكدة لعاملها في مثل: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ تأتي مؤكدة لصاحبها مثل: "جاء القوم طرا", و ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ١٠. وأهم من الآراء المبتكرة وضعه للضوابط النحوية على نحو ما يتجلى في الأبواب الثاني والثالث والرابع والخامس من كتابه المغني، وقد بلغت حدا رائعا من
стр. 375
الدقة والسداد. ولا تقل عنها أهمية القواعد النحوية الكلية التي ضمنها الباب الثامن من هذا الكتاب، وهي مقتبسة في جملتها من قواعد علم الأصول، كقاعدة أن الشيء قد يعطى حكم ما أشبهه في معناه أو في لفظه أو فيهما. وقد عرضها في أربع وعشرين صورة جزئية١. ولعل في ذلك كله ما يصور من بعض الوجوه نشاط ابن هشام النحوي ومدى استيعابه لآراء النحاة السالفين, ومدى فطنته في استخلاص الآراء واستنباطها والحوار فيها كأدق ما يكون الحوار, مع النفوذ إلى القوانين النحوية الكلية العامة.
стр. 376
٤- نحاة متأخرون:
أخذت الدراسات النحوية تنشط في مصر نشاطا واسعا منذ عصر ابن هشام، كما أخذ يتكاثر واضعو الشروح والحواشي على مصنفات ابن هشام وابن مالك، وأول من نلقاه منهم ابن١ عَقيل عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى ٧٦٩ للهجرة، وهو يعد في تلامذة أبي حيان. وكان يعنى بالقراءات والتفسير والأصول والفقه، واشتغل بالقضاء فترة، ودرس للطلاب في غير مسجد بالقاهرة، وله شرح على التسهيل لابن مالك وشرحه على الألفية ذائع مشهور، وعني به كثيرون فكتبوا عليه حواشي، ومن أشهرها حاشية الخضري، وهي مطبوعة معه مرارا. ويمتاز هذا الشرح بوضوح العبارة وسهولتها وقربها من أذهان الناشئة، وهو يصور فيه آراء النحاة وخاصة حين يخالفهم ابن مالك، ويتصدى لابنه بدر الدين حين يخالف أباه في شروحه على مصنفاته: التسهيل وغيره، مثبتا عليه السهو والخطأ٢. ومر بنا أن ابن مالك كان يخالف البصريين وإمامهم سيبويه في آراء كثيرة، وقد
стр. 377
توقف ابن عقيل إزاء كثير من هذه الآراء, منحازا للبصريين وسيبويه، من ذلك ذهاب ابن مالك إلى أن الأسماء الخمسة مثل "أبوك" معربة بالحروف، بينما ذهب سيبويه إلى أنها معربة بحركات مقدرة على الواو والألف والياء، وبرأيه أخذ ابن عقيل ناعتا له بأنه هو الصحيح١. وكان ابن مالك يختار اتصال الضمير في مثل: كنته وخلتنيه، واختار سيبويه الانفصال، فتقول: كنت إياه وخلتني إياه، ويقول ابن عقيل: "مذهب سيبويه أرجح؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم"٢. ويعرض لآراء النحاة في رافع المبتدأ والخبر، ويختار رأي سيبويه وجمهور البصريين وما ذهبوا إليه من أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ، ويقول على هدي أستاذه أبي حيان: "وهذا الخلاف مما لا طائل فيه"٣. ويذكر رأي ابن مالك في أن عائد الصلة في مثل: "جاء الذي كلمت أمس" بدل من كلمته, ومثل: "الذي أنا معطيك كتاب واحد" بدل من معطيكه، ولا يلبث أن يقول: "كلام المصنف يقتضي أنه كثير وليس كذلك, بل الكثير حذفه من الفعل، وأما الوصف فالحذف منه قليل"٤. وعلى هذا النحو كثيرا ما يراجع ابن مالك. وكان كثيرا ما يقرن آراءه في الألفية بآرائه في التسهيل وغيره.
وممن نلقاه في القرن الثامن الهجري ابن الصائغ٥ محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٧٧٦ للهجرة، وقد ولي مدة قضاء العسكر وإفتاء دار العدل، ودرس للطلاب بالجامع الطولوني وغيره، وله في النحو مصنفات مختلفة، منها: التذكرة في عدة مجلدات وشرح على ألفية ابن مالك. ومما حكاه له السيوطي في الهمع من آراء, ذهابه إلى أنه يجوز خلو جملة الصلة من ضمير يعود على الموصول يربطها به إذا عُطف عليها بالفاء جملة مشتملة عليه مثل: "الذي يطير الذباب فيغصب زيد" لارتباطهما بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة٦. وكان يذهب في جملة "أبو من هو" في قولك: "عرفت زيدا أبو من هو" إلى أنها بدل اشتمال
стр. 378
من زيد، بينما ذهب ابن عصفور إلى أنها بدل كل من كل١. وذهب إلى أن "عوض" بُنيت على الضم مع أنها غير مضافة إلى جملة؛ حملا على نقيضتها "قط"٢. وكان يرى أن "زيتا" في مثل: "ادهنت زيتا" منصوبة على نزع الخافض بدليل قولك: "ادهنت بزيت", وأنه ينبغي أن يوقف على ما يماثل هذه الصيغة ويعرب تمييزا عند السماع مثل: "امتلأ الإناء ماءً" للزوم كلمة ماء التنكير ووجوب تأخيرها بإجماع٣.
ونمضي في القرن التاسع الهجري, فنلتقي بنحويين كثيرين، من أنبههم الدماميني٤ محمد بن أبي بكر بن عمر الإسكندري المتوفى سنة ٨٣٧ للهجرة، ناب في الحكم وتصدر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، وأقرأ بالإسكندرية، ودخل اليمن سنة ٨٢٠ وركب البحر إلى الهند، وظل بها إلى أن لبى نداء ربه. وله من التصانيف النحوية شرح على التسهيل لابن مالك, وشرح على مغني ابن هشام سماه "تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب" تحامل فيه تحاملا شديدا على ابن هشام، مما جعل الشمني الإسكندري المتوفى سنة ٨٧٢ للهجرة يتعقبه في حاشيته على المغني وقد سماها "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام", والحاشيتان جميعا مطبوعتان معا. ومن أمثلة تعقبه لابن هشام في مغنيه أنه ذهب في باب "أم" إلى أنها هي التي يتعين وقوعها بعد همزة التسوية لا "أو", فلا يقال: "سواء أكان كذا أو كذا" ولكن يقال: "سواء أكان كذا أم كذا" وكذلك "سواء كان كذا أم كذا" بدون همزة التسوية، ولاحظ الدماميني أن ذلك إنما يكون حين تتلو سواء الهمزة، وهي غير لازمة، فيجوز مجيء أو في مثل: "سواء عليَّ قمت أو قعدت", وفي قول الفقهاء: "سواء كان كذا أو كذا". وذكر ابن ابن هشام في باب "جَيْر" أنها حرف بمعنى نعم، لا اسم بمعنى حقا فتكون مصدرا, وراجعه الدماميني بأنها بمعنى حقا، وأنها بُنيت مثل ما التي بمعنى شيء، وعلة
стр. 379
بنائها موافقتها لجير الحرفية، ونقض عليه الشمني كلامه قائلا: إن ما إنما بنيت لمشابهتها الحرف في الوضع بخلاف جير, وأن من يقولون باسميتها لا يثبتون جير الحرفية. وعرض ابن هشام في باب "ما" إلى أنها تكون مصدرية زمانية, وأنها تدل على الزمان بالنيابة لا بذاتها مثل: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ أصله في تقريره: مدة دوامي حيا، واعترضه الدماميني وقال: إن "ما" لا تدل على الزمان أصلا لا بطريق الأصالة, ولا بطريق النيابة, وإنما يفهم الزمان في مثل الآية بقرينة. وكان يذهب إلى أن الإضافة في "يومئذ" ليست من إضافة أحد المترادفين للآخر، وإنما هي من إضافة الأعم للأخص مثل "شجرعنب"١ ومن غريب ما كان يذهب إليه أن جملة الصلة لها محل من الإعراب٢.
ومن نحاة النصف الثاني من القرن التاسع الهجري الكافيجي٣ محمد بن سليمان الرومي المتوفى سنة ٨٧٩ للهجرة، وُلد في بلاد الروم، ثم دخل الشام وبيت المقدس, واستقر في القاهرة ودرس في الشيخونية وغيرها، وكان لا يشق غباره في الفلسفة والمنطق والنحو، وأكثر تآليفه مختصرات وأجلها وأنفعها شرحه على قواعد الإعراب لابن هشام. ومما أحصى له السيوطي تلميذه من آراء أنه كان لا يسوِّغ الإخبار بجملة ندائية مثل: زيد يا أخاه, ولا مصدرة بلكن أو بل أو حتى٤. وكان يرى أن ﴿إِذًا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ليست إذًا المعهودة وإنما هي إذًا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في "يومئذ"٥. وكان يجوز خلافا لسيبويه العطف على معمولي عاملين مختلفين مطلقا مثل: "كان آكلا طعاما زيد وتمرا عمرو" ومثل
стр. 380
"لا في الدار زيد, والحجرة عمرو" على الرغم من أن مثل ذلك لم يأتِ عن العرب، وكان يحتج لرأيه "بأن جزئيات الكلام إذا أفادت المعنى المقصود منها على وجه الاستقامة, لا يُحتاج إلى النقل والسماع, وإلا لزم توقف تراكيب العلماء في تصانيفهم عليه"١.
ولمع حينئذ اسم الشيخ خالد٢ الأزهري المتوفى سنة ٩٠٥ للهجرة، وُلد بجرجا ونشأ بالقاهرة وأكب على علوم اللغة والنحو، ولازم الشمني وغيره، وأقرأ الطلاب في الأزهر فنُسب إليه، ومن مصنفاته النحوية "المقدمة الأزهرية في علم العربية" وشرح عليها وهما مطبوعان، وشرح على كتاب ابن هشام "الإعراب عن قواعد الإعراب" وشرح على الآجرومية وشرح على الألفية, وأهم شروحه "شرح التصريح على التوضيح" لابن مالك وهو مطبوع بمصر في مجلدين مرارا. ويقول في مقدمته: إنه مزج كلامه في شرحه بكلام ابن هشام, وإنه ذكر أوجه الخلاف في المسائل النحوية وعللها وما يطوى فيها من أدلة، وإنه أوضح ما شاب كلام ابن هشام أحيانا من تناقض وما خالف فيه ابن مالك مع النص دائما على ما انفرد به، وقد صورنا ذلك في حديثنا عن ابن هشام مثبتين كثيرا من المواضع التي نص فيها صاحب التصريح على آرائه. وهو عادة يفيض في بيان الخلاف وما يسنده من علل، كما أشرنا، ويكفي أن نمثل لذلك بمثال واحد هو تخفيف النون في قراءة نافع: "تأمرونِي وتحاجونِي" يقول: "الصحيح عند سيبويه أن المحذوف نون الرفع واختاره ابن مالك؛ لأن نون الرفع عُهد حذفها للجازم والناصب, ولتوالي الأمثال في نحو ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ , ولأن نون الرفع نائبة عن الضمة والضمة تحذف تخفيفا كما في قراءة أبي عمرو نحو "يأمركُمْ" ... وقيل: المحذوف نون الوقاية لا نون الرفع, وجزم ابن هشام به في الشذور، وهو مذهب الأخفش والمبرد وأبي علي وابن جني وأكثر المتأخرين واستدلوا له بأوجه، أحدها: أن نون الوقاية حصل بها التكرار والاستثقال, فكانت أولى بالحذف، وثانيها: أن نون الرفع علامة الإعراب, فالمحافظة عليها أولى, وثالثها: أن نون الرفع لعامل، فلو حُذفت للزم وجود مؤثر بلا أثر
стр. 381
مع إمكانه"١.
وكان يعاصره السيوطي، وسنخصه بكلمة أكثر تفصيلا، وربما كان أنبه نحوي أخرجته مصر في القرن العاشر الهجري الأشموني٢: نور الدين علي بن محمد بن عيسى المتوفى سنة ٩٢٩ للهجرة، أخذ عن الكافيجي وغيره من نحاة عصره في القاهرة، وكان عالما زاهدا متقشفا، يكب على النحو وتدريسه للطلاب. ومن أهم مصنفاته النحوية شرحه على الألفية الذي سماه "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" وقد تمثل فيه الشروح الكثيرة التي سبقته تمثلا منقطع النظير, كما تمثل كتابات النحاة المختلفين وتحول ذلك كله سيولا في شرحه. وعادة يعرض الآراء المختلفة وما يسندها من علل، وكثيرا ما يختار لنفسه الرأي الصحيح عنده مصرحا بذلك على نحو قوله في الإعرب: "في الاصطلاح فيه مذهبان, أحدهما: أنه لفظي واختاره الناظم ونسبه إلى المحققين وعرفه في التسهيل بقوله: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف، والثاني: أنه معنوي والحركات دلائل عليه واختاره الأعلم وكثيرون، وهو ظاهر مذهب سيبويه، وعرفوه بأنه تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا. والمذهب الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن المذهب الثاني يقتضي أن التغيير الأول "وهو الانتقال من الوقف إلى الرفع" ليس إعرابا؛ لأن العوامل لم تختلف بعد وليس كذلك"٣. وواضح هنا استمداده تعريف الإعراب من التسهيل؛ مصنف ابن مالك المعروف, وهو يكثر في شرحه كله من الاستمداد منه: استمداد التعاريف وآراء النحاة وبراهينهم على تلك الآراء. وقد يناقش المصنف في بعض ما ذكره فيه على نحو مناقشته له في أن المضارع حين يتصل بنون الإناث يصبح مبنيا بلا خلاف، يقول: "وليس كما قال, فقد ذهب قوم منهم ابن درستويه وابن طلحة والسهيلي إلى أنه معرب بإعراب مقدر منع من ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالفعل
стр. 382
الماضي"١. ويتوقف بإزاء اختيار المصنف للضمير المتصل في مثل: "كنته وخلتنيه", مخالفا بذلك سيبويه الذي كان يختار كما قدمنا الضمير المنفصل, فيقال: "كنت إياه وخلتني إياه"، قائلا: "وافق الناظم "للألفية" أي: ابن مالك في التسهيل سيبويه على اختيار الانفصال في باب خلتنيه؛ لأنه خبر مبتدأ في الأصل, وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته, فإنها خبر مبتدأ في الأصل ولكنه شبيه بهاء "ضربته" في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل. أما ما اختاره الناظم هنا فهو مختار الرماني وابن الطراوة"٢. وعلى هذا النحو لا يزال يقابل آراء ابن مالك في الألفية على آرائه في التسهيل وآراء النحاة المختلفين من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين، وكثيرا ما يفصح عن رأيه مبينا وجهة نظره.
وتظل الدراسات النحوية ناشطة في العصر العثماني، ويتكاثر الشراح وأصحاب الحواشي، ومن أشهرهم في القرن الحادي عشر الهجري الشنواني المتوفى سنة ١٠١٩ والدنوشري المتوفى سنة ١٠٢٥ والشيخ يس صاحب حاشية التصريح على التوضيح المتوفى سنة ١٠٦١. ويلقانا في القرن الثاني عشر الهجري الحفني المتوفى سنة ١١٧٨ ومحمد الأمير وله حاشية على المغني مطبوعة فرغ من تأليفها -كما قال في خاتمتها- سنة ١١٨٨. ولعل أكثر أصحاب الحواشي والشروح في هذا العصر شهرةً الصبان٣ محمد بن علي المتوفى سنة ١٢٠٦ للهجرة، وله مصنفات مختلفة في المنطق والعروض والبلاغة، وأهم مصنفاته حاشية على شرح الأشموني، وقد طبعت مرارا، ونراه يقول في فاتحتها: إنه سيلخص فيها زبد ما كتبه على هذا الشرح أعلام النحو السابقون مع تنبيهه على كثير مما وقع لهم من أسقام الأفهام وأوهام الأذهان، ومع جلبه فرائد من بنات فكره، تقر بها عين الناظر. وربما كان أكثر من عارضهم في حاشيته أستاذه الحفني، وكانت له هو الآخر حاشية على الأشموني، ويكنى دائما عنه بكلمة "البعض"٤. وهو يحمل مادة واسعة من خلافات النحاة يكمل
стр. 383
بها ما ذكره الأشموني في شرحه، كما يحمل مادة واسعة من الاعتراضات والأجوبة.
ونمضي إلى العصر الحديث، ويلقانا في فاتحته الشيخ محمد١ الدسوقي المتوفى سنة ١٢٣٠هـ/ ١٨١٥م, وكان يتصدر للإقراء في الأزهر، وله حاشية مطولة على المغني لابن هشام، وهي مطبوعة بمصر مرارا، وتضم بين دفتيها عتاد الشروح والحواشي التي وضعت على المغني منذ ألّفه صاحبه، وتضم أيضا مباحث لغوية وأصولية مختلفة. وللشيخ حسن٢ العطار المتوفى سنة ١٢٥٠هـ/ ١٨٣٤م حاشية مختصرة على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري طبعت بمصر مرارا. وربما كانت أهم الحواشي التي ألفت بمصر بعد ذلك حاشية الشيخ محمد الخضري الدمياطي على ابن عقيل وقد توفي سنة ١٨٧٠م، وهي تمتاز بالوضوح وغزارة المادة وخاصة في بيان الخلافات النحوية وفي عرض آراء النحاة المتأخرين وخلاصة ما حشدوه في حواشيهم وشروحهم من اعتراضات وأجوبة وحجج وأدلة. ومنذ أن أُنشئت دار العلوم في القرن الماضي يعم بمصر اتجاه جديد في تصنيف النحو تصنيفا يقصد به إلى تيسيره على الناشئة، وتلك وجهة أخرى غير وجهات المدارس التي حاولنا تصويرها في هذا الكتاب، ولعل من الخير أن نعود إلى الوراء ثانية لنترجم ترجمة موجزة للسيوطي, ونعرف تعريفا مختصرا بكتبه وآرائه النحوية.
السيوطي ٣:
هو جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد المتوفى سنة ٩١١ للهجرة، عكف على الدرس والتحصيل منذ نعومة أظفاره، ولم يلبث أن أخذ في التأليف والتدريس للطلاب في المدرستين الشيخونية والبيبرسية. وهو أغزر العلماء المصريين
стр. 384
في عصره تأليفا في جميع الميادين: في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والتراجم واللغة والنحو. ومن أنفس كتبه اللغوية كتابه "المزهر في علوم اللغة" وهو يضم مباحث واسعة في فقه العربية. وله في النحو مصنفات مختلفة، منها شرحه لمغني ابن هشام وشرحه لشواهده، وكتاب الاقتراح في أصول النحو، ألفه كما يقول في مقدمته على هدي كتاب الخصائص لابن جني، وقد لخص فيه جميع ما يتعلق بتلك الأصول، ورجع أيضا إلى كتابي "لمع الأدلة" و"الإغراب في جدل الإعراب" لابن الأنباري، وأخذ من الأول لبابه وأدخله في ثنايا كتابه, وضم خلاصة الثاني إلى مباحثه في العلة. وهو يتناول في الكتاب السماع والإجماع والقياس والاستصحاب والأدلة والتعارض والترجيح بين مذهبي البصريين والكوفيين، ويتضح في الأبواب الأخيرة أثر استضاءته بعلم أصول الفقه.
ومن مصنفاته في أصول النحو وقواعده الكلية كتاب الأشباه والنظائر المطبوع مثل سالفه بحيدر آباد في الهند، وهو في أربعة مجلدات، وفيه يطبق على العربية المنهج الذي اتخذه الفقهاء في مصنفاتهم للأشباه والنظائر في الفقه، ويصرح بذلك في مقدمته له. ونراه يستعرض أهم ما ألفه الفقهاء في هذا الموضوع, قائلا: إنه وضع كتابه في العربية على ضوء كتاب القاضي تاج الدين السبكي، ما عدا صدره فإنه استلهم فيه كتاب الزركشي، والكتابان جميعا في الأشباه والنظائر الفقهية. وكتاب السيوطي موزع على سبعة فنون: الأول: فن القواعد والأصول التي تُرَدّ إليها الجزئيات والفروع ... وهو -كما يقول- معظم الكتاب ومهمه، والثاني: فن الضوابط والاستثناءات والتقسيمات، والثالث: فن بناء المسائل بعضها على بعض، والفن الرابع: فن معرفة الجمع والفرق، والخامس: فن الألغاز والأحاجي والمطارحات، والسادس: فن المناظرات والمحاورات والفتاوى، والسابع: فن الأفراد والغرائب.
وله في قواعد النحو والتصريف كتاب "همع الهوامع شرح جمع الجوامع" وهو موسوعة ضخمة لآراء النحاة في تلك القواعد من بصريين وكوفيين وبغداديين وأندلسيين ومصريين، ومع كل رأي حججه وأدلته، جمعها من نحو مائة مصنف، لعل أهمها ارتشاف الضرب لأبي حيان. وهو يتعقب فيه آراء النحاة حتى عصره،
стр. 385
مستقصيا لها استقصاء دقيقا، على نحو ما يتضح من ذكرنا له الدائم في هوامش هذا الكتاب. ومن حين لآخر تلقانا آراؤه النحوية، وهي في جمهورها اختيارات من آراء سابقيه، من ذلك أنه كان يختار -وفاقا لأبي حيان- أن الأسماء قبل تركيبها في العبارات لا مبنية ولا معربة؛ لعدم الموجب لكل منهما١. وجاء عن العرب "وجدني" في وجدنني مع نون الإناث، واختلف النحاة أي النونين المحذوفة: نون الوقاية أو نون الإناث، وقال سيبويه: نون الإناث واختار قوله ابن مالك، وقال المبرد وابن جني وأبو حيان: نون الوقاية؛ لأن الأول ضمير فاعل فلا تحذف، واختار السيوطي رأيهم٢. وكان البصريون يمنعون تقديم الظرف والجار والمجرور المتعلقين بالصلة على الموصول، بينما كان الكوفيون -ومعهم السيوطي- يجيزون ذلك مطلقا٣. وقد صوّب رأي أستاذه الكافيجي في إعراب "بحسبك درهم" إذ كان يرى أن "بحسبك" خبر مقدم و"درهم" مبتدأ مؤخر٤. واختار رأي الكوفيين في أن المبتدأ والخبر مترافعان كل منهما يرفع صاحبه٥. وفي باب كاد يقول: "زعم قوم أن نفي كاد إثبات للخبر وإثباتها نفي له، وشاع ذلك على الألسنة ... والتحقيق أنها كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات, إلا أن معناها المقاربة لا وقوع الفعل, فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: كاد زيد يقوم معناه: قارب القيام ولم يقم, ومنه: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي: يقارب الإضاءة٦. وكان الجمهور يذهب في مثل: "لا أبا لك" إلى أن أبا مضافة إلى المجرور باللام الزائدة, وذهب الفارسي -وتبعه السيوطي- إلى أن أبا مفردة جاءت على لغة القصر والمجرور باللام هو الخبر، يقول: "وإنما اخترت رأي أبي علي لسلامته من التأويل والزيادة والحذف, وكلها خلاف الأصل"٧. ويقول في باب النداء: إن ابن مالك ذهب
стр. 386
إلى أن النداء بالهمزة قليل, ويذكر أنه وقف على أكثر من ثلاثمائة شاهد لها, وأنه لذلك أفردها بتأليف خاص١. ويعرض الآراء المختلفة في سبب بناء "الآن" ويختار أنها معربة بالنصب على الظرفية٢، كما يختار عدم بناء المضاف لبناء المضاف إليه في مثل يومئذ، متابعا في ذلك ابن مالك٣، ويتابع الشلوبين في أن الجملة المفسرة تكون ذات محل أو غير ذات محل حسب ما تفسره٤، كما يتابع الفارابي في أن رُبَّ تأتي للتقليل غالبا وللتكثير نادرا٥. وعلى هذا النحو لا يزال السيوطي يختار لنفسه من مذاهب النحويين ما يتجه عنده تعليله وما يراه أكثر سدادا. وهو بذلك يجري في اتجاه مدرسته التي كان أفرادها من المصريين لا يزالون يتخيرون من الآراء النحوية ما تستقيم حججه وبراهينه.
стр. 387
خاتمة:
هذا البحث موزع على ثلاثة أقسام، أما القسم الأول فخاص بمدرسة البصرة، وقد تحدثت فيه عن وضع البصرة للنحو، مصورا الأسباب التي دفعت إلى ذلك، وكيف أن جهود أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه إنما تقف عند أول نقط يحرِّر حركات أواخر الكلمات في الذكر الحكيم, وكذلك عند أول نقط للحروف المعجمة في المصاحف؛ تمييزا لها من الحروف المهملة.
وأول نحوي بصري بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة نجد عنده مقدمات واضحة لوضع قواعد النحو هو ابن أبي إسحاق الحضرمي، وخلفه تلاميذه البصريون يتقدمهم عيسى بن عمر، يتشددون في اطراد القواعد النحوية مع دعمها بالعلل والأقيسة، ومع الاستقراء الدقيق لقراءات القرآن الكريم مشتقين قواعدهم منها, ومما كان يجري على أفواه العرب الفصحاء في بوادي نجد والحجاز وتهامة. وكانت الكوفة حتى منتصف القرن الثاني الهجري مشغولة عن ذلك كله بترتيل القرآن ورواية الشعر والأخبار، ولم تكن قد بلغت من الرقي العقلي ما بلغته البصرة، مما أتاح لها وضع النحو وقواعده وأصوله وضعا نهائيا. وللخليل بن أحمد في ذلك القِدْح المعلَّى، فهو الذي أقام صرح النحو، وهو الذي شاد قواعده وأركانه بحيث لم يعد فيها أي أَمْت أو عوج أو انحراف, وهو الذي صاغ قوانين أبنيته واشتقاقاته وإعلالاته وإبدالاته، وهو الذي ضبط نظرية العوامل والمعمولات وبسط ظلالها على جميع الكلمات والعبارات وكل ما يتصل بها من تقديرات وتأويلات واحتمالات، وهو الذي أرسى قواعد السماع والتعليل والقياس، فلا بد أن يشتق كل قانون نحوي إما من استقراءات القراءات للذكر الحكيم, وإما من مشافهة البدو الخلص الذين لم تفسد سلائقهم ولا ألسنتهم، ولا بد لكل قانون من علة أو علل عقلية تسنده، ولا بد له من أن يقوم على القياس قياس, يجري على الكثرة المطردة من كلام العرب، ويتسع ليجري عليه كل ما ينشئ النحاة من صياغات
стр. 388
بقصد تمرين الناشئة. ويخلفه على هذه المادة النحوية العلمية الخصبة تلميذه سيبويه، ويعكف عليها محللا مستنبطا، وما يلبث أن يؤلف فيها "الكتاب" الذي أحاط فيه بأصول النحو وقواعده ودقائقه والذي لم يترك فيه ظاهرة من ظواهره إلا أتقنها علما وفقها وتحليلا، ولم يعن فيه عناية واسعة بالحدود والتعريفات، إنما عني بالتقسيمات والتفريعات، وكأنما كان يعنيه المنطق العملي بأكثر مما كان يعنيه المنطق النظري التجريدي. ولا نبالغ إذا قلنا: إنه هو الذي أعطى نظرية العوامل والمعمولات كل ما اتصفت به من حدة ومناهج صارمة في الحذف والتقدير. وكان لا يبارى في تحليل العبارات وبيان ما يداخلها من وفرة الاحتمالات الإعرابية. ووضع نصب عينيه استقراء كلام العرب الفصحاء والنقل عن القراء، بحيث لا يسجل شارة نحوية دون شاهد أو مثال، مع الإكثار من التعليلات لا للقواعد المطردة فحسب، بل أيضا للأمثلة الشاذة، ومع وصل ذلك كله دائما بالأقيسة المنطقية السديدة. وحمل الأخفش الأوسط تلميذه الكتاب عنه، وأخذ يقرئه تلاميذه من البصريين كما أقرأه الكسائي، وهو في تضاعيف ذلك يضيف مادة غزيرة من التعليلات، مع فتحه الأبواب للإدلاء بآراء نحوية جديدة. وبذلك أعد النحاة من بعده كي تكثر اجتهاداتهم، ولا شك في أنه هو الذي ألهم الكسائي إمام الكوفة أن ينفذ إلى مذهب نحوي مستقل يقابل مذهب المدرسة البصرية، يدل على ذلك أكبر الدلالة التقاؤه معه في كثير من الآراء النحوية، بل أيضا التقاؤه بعامة مع أئمة المدرسة الكوفية. وقد مضوا يتابعونه -باستثناء الفراء- في الاحتجاج للقراءات الشاذة بأقوال العرب, وما كانوا ينشدونه من أشعار. وفسح أيضا للأشعار النادرة الخارجة على مقاييس مدرسته، وخالف سيبويه والخليل في كثير من المسائل النحوية والصرفية، مع نثره لكثير من الآراء والمقترحات، مما يدل دلالة واضحة على خصب ملكاته. وأخذ عنه الكتاب قطرب والجرمي، ولهما في النحو آراء كثيرة تدل على بعد غورهما ودقتهما في التفكير والاستنباط. وأنبه منهما وأشهر المازني رفيق الجرمي ووارث حلقته، وله في النحو آراء طريفة، وهو الذي فصل التصريف عنه وصنف فيه مصنفات قيمة نظم فيها قواعده ومسائله، وجعله علما مستقلا بأبنيته وأقيسته وتمارينه. وخلفه تلميذه المبرد وهو آخر أئمة
стр. 389
المدرسة البصرية النابهين، وكان يكثر من التعليلات والأقيسة ونثر الآراء، كما كان ينكر بعض القراءات الشاذة مثل أستاذه المازني والفراء الكوفي من قبله. وربما كان أهم تلاميذه الزجاج وابن السراج، ولهما في المسائل النحوية خواطر ومقترحات كثيرة، وتلاهما السيرافي شارح كتاب سيبويه، وهو فيه يتسع في التعليلات والتأويلات والتخريجات، ويعد خاتمة نحاة البصرة المهمين.
والقسم الثاني من الكتاب خاص بمدرسة الكوفة، وقد بدأت البحث فيها بالحديث عن نشأة النحو الكوفي وطوابعه، ونقضتُ ما يقال من أن نشاط الدراسات النحوية في الكوفة بدأ مبكرا عند الرواسي, وأن معاذا الهراء الكوفي معاصره وضع علم الصرف، إذ لا شك في أن القول بذلك إنما هو ضرب من الوهم والبعد في الخيال، والصحيح أن هذا النشاط إنما بدأ بدءا حقيقيا مع الكسائي وتلميذه الفراء. فهما اللذان رسما حدود النحو الكوفي وفصوله ووضعا أسسه وأصوله، بحيث أصبح للكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع في الرواية والقياس, ومن حيث وضع مصطلحات جديدة وما يجري معها من عوامل ومعمولات. وبتوضيح هذه الطوابع المستقلة نقضت ما زعمه فايل من أنه لم تكن للكوفة مدرسة نحوية خاصة، كما نقضت ما توهمه بعض المعاصرين من بغدادية الفراء لما في ذلك من مخالفة لطبائع الأشياء، إذ لم تكن المدرسة البغدادية قد نشأت حتى عصره، وأيضا فإنه هو الذي أعطى النحو الكوفي صيغته النهائية، ولولاه ما استقام هذا النحو ولا وضع منهاجه ولا صححت حدوده ولا فصلت مصطلحاته. وقد ثبَّت الكسائي أستاذه الأسس الأولى للمدرسة، وكان يكثر من الخلاف على سيبويه والخليل فاسحا في قواعده للغات الشاذة ولغات البدو من أهل الحاضرة كما فسح لبعض القراءات الشاذة، وكان أحيانا يتجاوز السماع محتكما إلى حسه اللغوي. ودائما نجده يلتمس مخالفة المدرسة البصرية في التوجيهات الإعرابية. وكان ينهج نهجه تلاميذه وخاصة هشاما الضرير، وألمعيّهم الفراء، وهو -كما أسلفنا آنفا- الذي رسخ أصول النحو الكوفي وفروعه, وصاغ مصطلحاته ورفعها علما منصوبا، مع ما نثره من الخواطر التي لا تكاد تحصى في تفسير بعض الأدوات وفي العوامل والمعمولات، وهو لا يبارَى في تحليله لآي الذكر الحكيم وتوجيهاته لما يجري فيها
стр. 390
من إعراب. ومع أنه كان يتسع -على هدي أستاذه- في بسط ظلال السماع والقياس على الصيغ والعبارات نجده يتوقف أحيانا, وخاصة إزاء بعض القراءات الشاذة، بل إنه ليصوغ توقفه أحيانا في صورة إنكار عنيف، وهو بذلك يعد الملهم الحقيقي للبصريين الذين جاءوا من بعده وحملوا على بعض القراءات من مثل المازني والمبرد، وهي حملات لم يكن يراد بها -كما ظن بعض المعاصرين- الطعن على قراء الذكر الحكيم، إنما كان يراد بها التثبّت الدقيق إزاء ما رُسم في المصاحف. وأهم خالفي الفراء في إمامة المدرسة الكوفية ثعلب، وهو يعد شارحا لآراء إمامي المدرسة: الفراء والكسائي أكثر منه مستنبطا للآراء النحوية الجديدة. ومن أنبه تلاميذه أبو بكر بن الأنباري، وكان حاذقا فطنا, فدعم النحو الكوفي بكثير من العلل القويمة السديدة. وظل هذا النحو حيا وظل علمه خفَّاقا حتى العصور المتأخرة، على نحو ما يلقانا في القرن الثامن الهجري عند ابن آجروم الصنهاجي المغربي.
وأما القسم الثالث فيتناول ثلاث مدارس، أولها المدرسة البغدادية، وقد لاحظت أنه تداولها جيلان: أول، ثم ثانٍ، أما الجيل الأول فغلبت عليه النزعة الكوفية على نحو ما نجد عند ابن كيسان، وإلى هذا الجيل يرجع الفضل في دعم المدرسة الكوفية بالبراهين والأدلة والتعليلات البينة، مما ينقض زعم فايل من أن الاحتجاجات التي ساقها صاحب الإنصاف للكوفيين من عمل بصريين متأخرين، وهي من عمل البغداديين الأولين الذين نبهوا في النحو الكوفي، وصنفوا فيه محتالين له بالحجج والعلل، ثم درسوا النحو البصري، ومزجوا بين النحوين. وأما الجيل الثاني فكانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو ما يلقانا عند الزجاجي وأبي علي الفارسي وابن جني، ويكثر الأخيران من الحديث عن البصريين باسم "أصحابنا" مما جعل بعض المعاصرين أو قل: كثرتهم يظنون أنهما بصريان حقا، وهما بغداديان أصيلان، إذ كانا يمزجان -مثل الزجاجي وابن كيسان وأضرابهما- بين آراء المدرسة البصرية وآراء المدرسة الكوفية، نافذينِ مع ذلك إلى آراء جديدة كثيرة. وقد أوضحت هذه الأصول التي اعتنقها البغداديون عند ابن كيسان والزجاجي. وكان عقل أبي علي الفارسي خصبا إلى أبعد حد، وكأنه كان كنزا