فيه مذهب الكوفيين أن إِنَّ وأخواتها لا تعمل في الخبر، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها عليه، وكان يحتج لذلك بأنها أضعف من الأفعال فلا تعمل عملها١. وكأن يأخذ برأي الكوفيين والبغداديين جميعا في أن النكرة لا يجوز أن تبدل من المعرفة إلا إذا وُصفت مثل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ محتجا بأنها إن لم توصف لم تُفِد أي فائدة مثل: "مررت بزيد برجل"٢. ومن آرائه التي كان يتابع فيها سيبويه أن "أَنَّ" المفتوحة وما بعدها لا تؤول بمصدر وإنما تؤول بالحديث بخلاف أن الناصبة للمضارع فإنها تؤول معه بمصدر٣. وكان ينكر أن مفعولي ظن وأخواتها أصلهما مبتدأ وخبر٤، وكان يذهب إلى أن مهما قد تأتي حرفا كقول زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفَى على الناس تعلم
مستدلا بأنها في البيت لا محل لها لأن "تكن" معها اسمها وخبرها٥. وذهب إلى أن "لا" العاطفة إنما تقع بين متعاندين مثل: "جاء رجل لا امرأة"، بخلاف: "جاء رجل لا زيد" لصدق اسم الرجل عليه٦، كما ذهب إلى أن الاستفهام التقريري في مثل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ خبر موجب٧. وكان يرى أنه يحسن عطف الاسم على الفعل مثل: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ويقبح العكس أي: عطف الفعل على الاسم٨, وذهب إلى أن لا الناهية في مثل: لا تضربْ هي النافية والفعل مجزوم بلام مقدرة٩، وهو تكلف واضح، كما ذهب إلى أن أصل "الذي" ذو بمعنى صاحب، يقول السيوطي: "قدر لذلك تقديرات في غاية التعسف والتكلف"١٠.
وعيسى١١ الجزولي المتوفى سنة ٦٠٧, مغربي من قبيلة جزولة البربرية، حج
стр. 317
فلزم ابن بري نحوي مصر وعاد فنزل الأندلس وتصدَّر للإقراء بالمرية وغيرها من مدن الأندلس وتتلمذ عليه هناك جماعة منهم الشلوبين. وله المقدمة المشهورة في النحو وهي حواشٍ على كتاب الجمل للزجاجي أفادها من مباحث كانت تثار في مجلس أستاذه ابن بري، ومن أجل ذلك كان لا ينسبها إلى نفسه. وكان يذهب مع ابن السراج البصري إلى أنه لا يجوز تقدم المفعول به على الفاعل إذا حصل لبس مثل: "كلم موسى عيسى"١. وذهب مع أبي علي الفارسي وابن طاهر إلى أن نون المثنى والجمع المذكر عوض عن الحركة والتنوين في المفرد٢. وكان يرى أنه يجب أن يتحول المفعول الأول إلى نائب فاعل ولا تصح نيابة المفعول الثاني٣، كما كان يرى أنه يصح حذف نون الوقاية في من وعن، فيقال: "منِي وعنِي" بالتخفيف٤.
أما ابن٥ خروف فهو علي بن يوسف بن خروف القرطبي المتوفى سنة ٦٠٩ للهجرة، كان إماما في العربية, أخذ النحو عن ابن طاهر وأقرأه في موطنه، ورحل عنه إلى المغرب، وأخذ يطوف في البلدان العربية حتى ألقى عصاه بحلب. واشتهر بمناظراته في العربية مع السهيلي، وبشرحه لكتاب سيبويه وكتاب الجمل للزجاجي. وله اختيارات كثيرة وخاصة من مذاهب البصريين. من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "ما" تأتي معرفة تامة ونقله عن سيبويه، وبذلك كان يجعلها فاعلا لنعم في مثل: "دققته دقا نِعمَّا" والتقدير: نعم الدق٦. وكان يذهب مذهب سيبويه وأستاذه ابن طاهر وابن الباذش في أنه لا يجوز حذف أحد مفاعيل أعلم وأرى بدون دليل٧. وذهب مذهب سيبويه والمبرد في أن نباتا في مثل: "أنبت الزرع نباتا" منصوب بفعل المصدر الجاري عليه وهو نبت مضمرا والفعل الظاهر دليل عليه٨. وكان يذهب مذهب المبرد في أن لام المستغاث زائدة بدليل صحة إسقاطها فتقول: "يا لزيد لعمرو" و"يا زيد لعمرو"٩.
стр. 318
وذهب مذهب السيرافي في أن "كان" إذا بُنيت للمجهول حُذف اسمها وخبرها وأُقيم مقام مرفوعها ضمير مصدرها١، واختار رأيه في أن "ماذا" في مثل: "انظر ماذا صنعت؟ " اسم موصول بمعنى الذي٢. وتبع الكوفيين وأستاذه ابن طاهر في أن ناصب الظرف في مثل: "زيد عندك" هو المبتدأ لا عامل محذوف٣. وكان يذهب إلى أن "أما" التي بمعنى حقا في مثل: "أما أنه شاعر" حرف٤، وجوز أن تكون الجملة التعجبية صلة للموصول مثل: "جاء الذي ما أكرمه"٥. وكان يرى أن عامل الحال في الجملة الاسمية المبتدأ نحو: "هو علي شاعرا"٦ وأن موضع ما خلا في مثل: "قام القوم ما خلا محمدا" نصب على الاستثناء مثل غير٧، وأنه يجوز في "لا سيما زيد" أن تكون ما نكرة موصوفة، وزيد خبرا لمبتدأ محذوف والجملة صفة٨ لها، كما يجوز في التمييز التالي لكأين في مثل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ أن يكون منصوبا أو مجرورا بمن كما في الآية أو بغيرها٩.
أما الشلوبين١٠ فهو عمر بن محمد المكنى بأبي علي المتوفى سنة ٦٤٥ للهجرة, تلميذ السهيلي والجزولي. كان إمام عصره في العربية غير مدافع، أقرأ نحو ستين سنة، وبرع في تلاميذه جِلَّة من النحاة، وله تعليق على كتاب سيبويه وشرحان على الجزولية ومصنف في النحو سماه التوطئة. وهو مثل أسلافه تارة يقف مع سيبويه والبصريين وتارة يقف مع النحاة الآخرين من موطنه وغير موطنه. ونراه يحتجّ لرأي سيبويه في أن النكرة أصل والمعرفة فرع قائلا: إنه نظر إلى حال الوجود إذ الأجناس هي الأُوَل ثم الأنواع١١، أو بعبارة أخرى: النكرات تكون أولا ثم تكون المعارف. وكان يأخذ برأي الرماني في أن خبر المبتدأ بعد لولا إذا كان
стр. 319
كونا عاما حذف، وإذا كان كونا خاصا وجب ذكره كما جاء في الأثر: "لولا قومكِ حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة"١. وكان يذهب مذهب يونس في أن ما بعد إلا في مثل: "محمد إلا قائم" يجوز فيه النصب مطلقا٢. واختار رأي الأعلم الشنتمري في أن إياها في مثل: "فإذا هو إياها" مفعول مطلق على نحو ما مر بنا من توجيه الشنتمري٣، كما اختار رأي ابن خروف في أن "ما خلا" الاستثنائية موضعها نصب على الاستثناء لا حال كما ذهب السيرافي٤. وله آراء كثيرة انفرد بها، من ذلك أن إذ في مثل: "فبينما العسر إذ دارت مياسير" ظرف زمان وعاملها محذوف يدل عليه الكلام٥. وكان يذهب إلى أن عيونا في مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ليست تمييزا، وإنما هي حال٦. وذهب إلى أن "لو" لا تفيد الامتناع بوجه٧، وأن مثل ميل وفرسخ ليس ظرفا مبهما لأن المبهم ما ليست له حدود محصورة٨. وكان يرى أن الجملة المفسرة محلها محل الجملة التي تفسرها؛ لأنها عطف بيان منها أو بدل٩، كما كان يرى أن أصل ليس وما لنفي الحال ما لم يكن الخبر مخصوصا بزمان, فإنهما يكونان حينئذ بحسبه من المضي والحال والاستقبال مثل: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ , ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١٠.
وابن١١ هشام الخضراوي هو أبو عبد الله محمد بن يحيى الخزرجي الأندلسي المتوفى بتونس سنة ٦٤٦ تلميذ ابن خروف، كان إماما مقدما في العربية عاكفا على تعليمها. وله شرح على إيضاح الفارسي وشرح على أبياته، وصنف فصل المقال في أبنية الأفعال، كما صنف النقض على الممتع لابن عصفور. وله آراء نحوية مختلفة في المغني والهمع يتفق في طائفة منها مع البصريين أو الكوفيين أو سابقيه
стр. 320
من الأندلسيين وفي طائفة أخرى يستقل عنهم جميعا، فمن ذلك استظهاره أن تكون "حتى" الناصبة للمضارع مرادفة أحيانا لإلا، أخذا من قول سيبويه في تفسير "والله لا أفعل إلا أن تفعل": المعنى: حتى أن تفعل١. ومن ذلك موافقته الكوفيين في تثنية المركب المزجي مثل بعلبك وجمعه٢. وكان يتفق مع الشلوبين في أن "لو" الشرطية لا تدل على امتناع الشرط ولا امتناع الجواب، إنما تدل على التعليق في الماضي كما دلت "إن" على التعليق في المستقبل٣. وكان يذهب إلى أن لو التي للتمني في مثل: "لو تأتيني فتحدثني" ليست شرطية، وإنما هي قسم برأسها ولا تحتاج إلى جواب كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت٤. وذهب إلى أن "حتى العاطفة" يتحتم أن يكون معطوفها ظاهرا لا مضمرا كما أن ذلك شرط مجرورها٥. وكان يرى أن ما في "لا سيما" زائدة لازمة لا تحذف ألبتة٦. وحري بنا الآن أن نخص نحويين كبيرين هما ابن مضاء وابن عصفور بكلمتين أكثر تفصيلا.
ابن ٧ مضاء:
هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي المتوفى سنة ٥٩٢ للهجرة، أخذ عن ابن الرماك كتاب سيبويه، وكان حجة في الفقه الظاهري والحديث النبوي، فولاه الموحدون قضاء فاس، ثم ولوه قضاء الجماعة، وكان طبيعيا أن يحمل حملتهم على أصحاب المذاهب الفقهية: المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية لما ملئوا به كتبهم من فروع، بل لقد تحولوا بحملتهم إلى ما يشبه ثورة عنيفة. فإذا هم يأمرون بإحراق كثير من تلك الكتب وحمل الناس في دولتهم بالمغرب والأندلس على المذهب الظاهري الذي يرفض
стр. 321
القياس وما يتصل به من علل ويكتفي بالظاهر من القرآن والحديث. وقد استلهم ابن مضاء هذه الثورة لا في حملة على الفقه والفقهاء، وإنما في حملة على النحو والنحاة من حوله، إذ وجد مادة العربية تتضخم بتقديرات وتأويلات وتعليلات وأقيسة وشعب وفروع وآراء لا حصر لها ولا غناء حقيقيا في تتبعها أو على الأقل في تتبع الكثير منها، فمضى يهاجمها في ثلاثة كتب، هي: "المشرق في النحو" و"تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان" وكتاب "الرد على النحاة" وهو -وحده- الذي بقي من آثاره. وفيه١ يهاجم نظرية العامل التي عقّدت النحو وأكثرت فيه من التقديرات والمباحث التي لا طائل وراءها في رأيه، والمتكلم في الحقيقة كما لاحظ ابن جني٢ هو الذي يعمل الرفع والنصب والجر في الكلام. ويفصّل القول فيما أدخلته هذه النظرية على النحو من عقد التقديرات على نحو ما هو معروف في العوامل المحذوفة مما يبعد الصيغ عن وجهها الطبيعي، ويدفع إلى تمحلات لا داعي لها كتقدير أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا أخبارا أو صلات أو أحوالا يتعلقان بعامل محذوف ولا حذف هنا ولا عامل -في رأيه- ولا عمل. ولا يلبث أن ينكر أن يكون في قام من قولك: "زيد قام" ضمير مستتر فاعل فهي فعل ولا فاعل له، كما لاحظ ذلك من قبله الكسائي في مثل "كلمني وكلمت محمدا", فقد ذهب كما مر بنا في غير هذا الموضع إلى أن فاعل كلمني محذوف ولا فاعل لها، غير أن ابن مضاء يتسع بذلك كما في المثال السابق. ويذهب إلى أن ضمائر التثنية والجمع في مثل: "قاما وقاموا وقمن ويقومون" ليست ضمائر, بل هي علامات تدل على التثنية والجمع، وهو في ذلك يستضيء برأي الأخفش الذي عرضنا له فيما أسلفنا من الحديث. ولكي يوضح فساد نظرية العامل وأنها دفعت النحاة أحيانا إلى رفض بعض أساليب العرب ووضع أساليب مكانها لا يعرفها العرب الجاهليون والإسلاميون, دَرَسَ باب التنازع دراسة مفصلة موضحا ما جلبه فيه النحاة من صيغ معقدة عسرة لم ينطق بها العرب ولا وقعت في أوهامهم، واستضاء في ذلك بما مر بنا عند الجرمي من منعه التنازع في الأفعال التي تتعدى
стр. 322
إلى مفعولين أو ثلاثة، لما في ذلك من تكلف لصيغ لم تأت عن العرب. وبنفس الصورة درس باب الاشتغال مستلهما في بيان أحكام النصب والرفع فيه تحليل الأخفش لبعض صيغه على نحو ما مر بنا في حديثنا عنه. وكذلك درس باب فاء السببية وواو المعية اللتين ينصب بعدهما المضارع مصورا تعسف النحاة في التأويل والتقدير، ومستلهما رأي الجرمي الذي أنكر إضمار أن معهما كما استلهم مذهبه الظاهري الذي يرفض ما وراء ظاهر النصوص من تقديرات وتأويلات. ويتسع في استلهام هذا المذهب، فإذا هو يهاجم -مستضيئا بابن جني في إنكاره علة العلة١- العلل الثواني والثوالث، كالتعليل لعمل إن النصب والرفع، ولماذا لم تنصب الثاني وترفع الأول كالفعل، مما ليس فيه نفع ولا فائدة في ضبط الألسنة، كما يهاجم الأقيسة النحوية وما حُشد منها في جميع أبواب النحو، مما يبعد تصوره ويصعب فهمه ولا يفيد في النطق السليم بالعربية أي فائدة في رأيه. وبالمثل يهاجم القياس ملاحظا تارة ضعفه وتارة فساده، كما يهاجم التمارين غير العملية مما عرضنا له عند سيبويه والخليل كقول النحاة: "ابْنِ من البيع على مثال فُعْل" ذاهبين إلى أنه يصح أن يقال: بوع أو بيع قياسا على مثل موقن في قلب الياء واوا أو على مثل بيض وغيد بقلب الضمة كسرة. وكل ذلك -في رأيه- فضول ينبغي أن يبرَّأ منها النحو ويخلَّص تخليصا، حتى لا يكون فيه عسر ولا صعوبة.
ابن ٢ عصفور:
هو أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن عصفور الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة ٦٦٣ للهجرة, حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، وهو تلميذ الشلوبين، تصدر لإقراء النحو بعدة بلاد في موطنه. وله في النحو والتصريف مصنفات مختلفة، منها المقرَّب والممتع في التصريف ومختصر المحتسب لابن جني، وكان له ثلاثة شروح على الجمل للزجاجي. وله آراء كثيرة تدور في
стр. 323
كتب النحاة، منها ما يقف فيه مع سيبويه والبصريين, ومنها ما يقف فيه مع الكوفيين أو البغداديين، ومنها ما يستقل به. فمما يقف فيه مع الأولين أنه كان يرى رأي سيبويه في أن لام المستغاث في مثل: "يا لزيد" متعلقة بفعل النداء المحذوف لا بيا كما ذهب إلى ذلك ابن جني ولا زائدة كما ذهب إلى ذلك المبرد١. وكذلك كان يختار رأيه في أن ما بعد لولا مبتدأ لا فاعل بإضمار فعل كما ذهب الكسائي٢. وكان يذهب مذهب الأخفش في أن "إن" يجوز فيها الكسر والفتح إذا تلت مذ ومنذ مثل: "ما رحلت إلى هذا البلد مذ أو منذ أن الله خلقني"٣, وكذلك في أنه يجوز نصب زيد على الاشتغال بعد إذا الفجائية في مثل: "خرجت فإذا زيد قد كلمه عمرو"٤. وكان يرى رأي الزجاج في أن إذا الفجائية ظرف زمان٥. واختار رأي الجرمي والمازني في أن إعراب المثنى والجمع المذكر السالم ببقاء الألف والواو رفعا وانقلابهما ياء نصبا وجرا٦. واختار رأي ابن السراج في أنه يجوز حذف مفعولي ظن دون قرينة وكذلك أخواتها, مستدلا بمثل قوله عز شأنه: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ أي: يعلم، وقوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٧. واختار رأي السيرافي أن الحائط في مثل: "رأسَك والحائط" معطوفة على رأسك لا منصوبة بفعل آخر مضمر كما ذهب ابن طاهر وابن خروف٨. وكان يرى رأي أبي علي الفارسي في أن الفعل لا ينصب أكثر من حال واحدة لصاحب واحد, فلا يصح عندهما: "نظرت إلى محمد جالسا قارئا"٩. واختار رأي الكوفيين في عد "هَبْ" من أخوات ظن١٠, وفي أنه تجوز الحكاية لكلام المتكلم لا بعد قال فقط, بل أيضا بعد كل فعل يلتقي بها في معناها كناديت ودعوت مثل: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ١١. واختار رأي ابن السيد السالف في
стр. 324
"ما" وأنها تقع صفة للتعظيم مثل: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ ١. وله وراء ذلك آراء انفرد بها كثيرة، منها أنَ أَنْ تأتي مفسرة بعد صريح القول مثل: "قلت لهم أَنْ أنصتوا"٢ كما تأتي لربط الجواب بالقسم في مثل:
أما والله أَنْ لو كنت حرا ... وما بالحر أنت ولا العتيق٣
وكان يرى اختيار المصدر نائبا للفاعل إذا اجتمع مع الظرف أو المجرور, مستدلا بمثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٤ كما كان يرى لزوم "من" مع كأين مثل ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ فلا يصح مثل: "وكأين رجلا أقدم" كما نص على ذلك سيبويه٥. وكان يرى أنه لا يصح الاستثناء في العدد فلا يقال: "له علي ألف إلا خمسين" معتلا بأن أسماء العدد نصوص, فلا يجوز أن ترد إلا على ما وُضعت له٦. وذهب إلى أن "لكن" في مثل: "ما قام زيد ولكن عمرو" هي العاطفة والواو زائدة لازمة٧ كما ذهب إلى أن جملة "ما خلا" ونظائرها في الاستثناء مستأنفة، وليست حالا كما ذهب السيرافي، ولا منصوبة على الاستثناء كما ذهب ابن خروف٨. وجوز أن يكون المحذوف في مثل "عمرك" و"أيمن الله" المبتدأ لا الخبر٩ كما جوز الفصل بالظرف بين "إذن" ومنصوبها مثل "إذن غدا أكرمَك"١٠. وكان يرى أن "ماذا" في مثل: "انظر ماذا صنعت" لا يصح أن تكون مفعولا لانظر كما ذهب السيرافي وابن خروف والفارسي لأن الاستفهام له الصدر، إنما "ما" اسم استفهام مبتدأ و"ذا" اسم موصول خبر وجملة صنعت صلة١١. ورأى أن ﴿عُيُونًا﴾ في مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ تمييز لا حال١٢. وكان يذهب إلى أن القسم إذا أجيب بماض متصرف مثبت فإن كان قريبا من الحال جيء باللام وقد معا مثل: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ وإن كان بعيدا جيء باللام
стр. 325
وحدها١. وكان يذهب إلى أن الكاف والياء المتصلتين بكأن في مثل: "كأني وكأنك بالدنيا لم تكن" زائدتان وكافتان لكأن عن العمل والباء زائدة في المبتدأ٢. وقد يبعد في رأيه كقوله بأن الفاء في ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ في قوله جل وعز شأنه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ هي الفاء الداخلة على ضرب المحذوفة وأن فاء ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ حذفت ليكون على المحذوف دليل ببقاء بعضه. وليس هذا الرأي بشيء كما قال ابن هشام؛ لأن لفظ الفاءين واحد فكيف يحصل الدليل؟ ٣. وكان يختار مع كثيرين من موطنه أن "غير" منصوبة في الاستثناء انتصاب التالي لإلا، لا انتصاب الحال كما ذهب إلى ذلك أبو علي الفارسي٤.
стр. 326
٣- ابن ١ مالك:
هو جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني المتوفى بدمشق سنة ٦٧٢ للهجرة, إمام النحاة واللغويين لعصره, أخذ العربية عن غير عالم في موطنه، واستمع إلى الشلوبين، ورحل إلى المشرق حوالي سنة ٦٣٠, ولقي ابن الحاجب وأخذ عنه واستقر بحلب، وفيها تتلمذ لابن يعيش، وتصدر بها مدة للإقراء, ثم تركها إلى دمشق، واستوطنها متوليا بها مشيخة المدرسة العادلية حيث المجمع العلمي العربي الآن. وكان أمة لا في الاطلاع على كتب النحاة وآرائهم فقط بل أيضا في اللغة وأشعار العرب التي يُستشهَد بها في النحو، وكذلك
стр. 327
كان أمة في القراءات، ورواية الحديث النبوي. وجعله ذلك يكثر من الاستشهاد بالقرآن في مصنفاته، فإن لم يكن فيه الشاهد عدل إلى الحديث، فإن لم يجد فيه ما يريده من الشواهد عدل إلى أشعار العرب. وهو يعد أول من استكثر من رواية الحديث في النحو، وحقا كان يستشهد به من قبله في مصنفاتهما ابن خروف والسهيلي، بل كان يستشهد به أحيانا أبو علي الفارسي وابن جني وابن بري المصري، ولكنه هو الذي توسع في الاستشهاد به. وكان نظم الشعر سهلا عليه، مما جعله يخلف فيه منظومات مختلفة في النحو والصرف، منها ألفيته المشهورة، وهي في ألف بيت، والكافية الشافية، وهي في ثلاثة آلاف بيت، ومنها المؤصل في نظم المفصل للزمخشري، وتحفة المودود في المقصور والممدود، وخلف مصنفات كثيرة في العربية، منها شرح الكافية، والتسهيل وشرحه، وشرح الجزولية، وإعراب مشكل صحيح البخاري، وعمدة الحافظ وعدة اللافظ وشرحه، وإيجاز التعريف في علم التصريف، والمقدمة الأسدية صنّفها لابنه تقي الدين الأسد، والفوائد في النحو. وقد بلغت مصنفاته نحو ثلاثين مصنفا بين منظوم ومنثور.
ولابن مالك اختيارات كثيرة من مذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين وسابقيه من الأندلسيين غير آراء اجتهادية ينفرد بها، فمما اختاره من مذاهب البصريين ما ذهب إليه سيبويه من أن نون الرفع مع المضارع المجموع هي المحذوفة في مثل: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ ١ وكذلك ما ذهب إليه سيبويه من أن الفعل عسى في قولك: "عسيت أن تفعل" مضمن معنى قاربت، وبذلك يكون محل "أن تفعل" النصب على المفعولية٢. وكان يرى رأي يونس في أن إما الثانية في مثل: "قام إما زيد وإما عمرو" غير عاطفة، إنما العاطف الواو السابقة لها٣, وكذلك في أن "الذي" قد تأتي حرفا مصدريا مثل ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم٤. وكان يذهب مذهب المبرد في أنه يجوز دخول لام الابتداء على معمول الخبر المقدم عليه إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا مثل: "إن محمدًا لبك واثق" وجوزا
стр. 328
معا: "إن محمدا لبك لواثق" بدخول اللام على الخبر ومعموله جميعا١. وكذلك اختار رأي المبرد في أن إذا الفجائية ظرف مكان٢. وأكثر من اختيار آراء الأخفش، من ذلك مسألتان في باب كان وأخواتها، أما أولاهما فدخول الواو على أخبارها إذا كانت جملة تشبيها لها بالجملة الحالية, مستدلين بقول بعض الشعراء:
وكانوا أناسا ينفحون فأصبحوا ... وأكثر ما يعطونه النظر الشزر
وذهب الجمهور إلى أن "أصبحوا" في البيت تامة والجملة حالية. وأما المسألة الثانية فدخول الواو على خبر ليس وكان المنفية إذا كان جملة وتاليا لإلا, كقول أحد الشعراء:
ليس شيء إلا وفيه إذا ما ... قابلته عين البصير اعتبار
وقول آخر:
ما كان من بشر إلا وميتته ... محتومة لكنِ الآجالُ تختلف
وأنكر ذلك الجمهور ذاهبين إلى أن الخبر حذف ضرورة أو أن الواو زائدة٣. وكان يأخذ برأي الأخفش في أن "من" الجارة تأتي زائدة مطلقا، وخرج عليها قوله جل شأنه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٤, وأخذ برأيه في أن اسم عسى أخت كاد قد يأتي بصورة المنصوب المتصل مثل: عساني وعساك وعساه وهو في محل رفع نيابة عن المرفوع الذي حل محله٥، وأيضا أخذ برأيه في أن الحال لا تجيء من المضاف إليه إلا إذا كان جزءا من المضاف أو مثل جزئه على شاكلة قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ , وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ لأنه لو استُغني عن المضاف وقيل: ونزعنا ما فيهم إخوانا, واتبع إبراهيم حنيفا لاطرد السياق والكلام٦. ومر بنا في غير هذا الموضع أن الكوفيين تابعوا الأخفش في مسائل كثيرة، ونرى ابن مالك يتابعهم في الأخذ
стр. 329
برأيه في غير مسألة، من ذلك حذف الموصول الاسمي، كقول حسان:
أَمَنْ يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
على تقدير: ومن يمدحه١. ومن ذلك جواز منع الاسم من الصرف في ضرورة الشعر٢, وجواز إقامة غير المفعول به من الظرف والجار والمجرور والمصدر نائب فاعل مع وجوده كما جاء في قراءة أبي جعفر: "ليُجزَى قومًا بما كانوا يكسبون"٣, ومجيء إذ الظرفية مفعولا به مثل: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ وبدلا منه مثل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ والجمهور لا يثبتون ذلك٤، ومجيء أو العاطفة بمعنى الواو أي: لمطلق الجمع مثل: "لنفسي تُقَاها أو عليها فُُجُورها" أي: وعليها، ومثل قول جرير في عبد الملك بن مروان:
جاء الخلافة أو كانت له قدرا
وقال ابن مالك: من أحسن شواهده الحديث: "اسكنْ حراءُ، فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد" ٥.
وفي كثير من المسائل التي ينفرد بها الكوفيون نراه يختار رأيهم، من ذلك ما ذهبوا إليه من أن مذ ومنذ، إذا وليهما اسم مرفوع مثل: "ما رأيته مذ أو منذ شهران"، ظرفان مضافان لجملة حذف فعلها وبقي فاعلها والأصل: مذ كان شهران، وكان المبرد وابن السراج والفارسي يذهبون إلى أنهما مبتدآن وما بعدهما خبر، وذهب الأخفش والزجاج والزجاجي إلى أنهما ظرفان مخبر بهما عما بعدهما٦. ومن ذلك اختياره رأيهم في جواز أن يوضع المفرد والمثنى والجمع موضع الآخر مثل قول امرئ القيس: "بها العينان تنهلّ" أي: تنهلان، وقولهم: "لبيك" أي: تلبية مكررة, وقولهم: "شابت مفارقه" وليس للشخص سوى مفرق واحد، ومثل: عظيم المناكب وغليظ الحواجب والوجنات٧. واختار رأيهم في أنه إذا وقع بعد الجار والمجرور مرفوع وتقدمهما نفى أو استفهام أو موصوف أو موصول أو
стр. 330
صاحب خبر أو حال كان فاعلا للجار والمجرور لنيابتهما عن الفعل المقدر باستقرار في مثل: "ما في الدار أحد"١. ومما أخذ برأيهم فيه دخول الفاء على الخبر إذا كان أمرا مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وأوّل ذلك جمهور٢ البصريين مع حذف الخبر، والتقدير: مما يتلى عليكم أي حكم ذلك. واختار رأيهم في أن إياه في مثل: رأيته إياه توكيد لا بدل٣، وأن "هب" من أخوات ظن٤, وأن عسى فعل ناقص في مثل: "عسى محمد أن يقوم" وجملة أن يقوم بدل اشتمال سد مسد الجزأين كما في: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٥، وأنه يجوز بناء الظروف المبهمة مثل حين وزمن ومدة ووقت إذا أضيفت إلى الجمل الاسمية لمجيء ذلك كثيرا في الشعر مثل:
كريم على حين الكرام قليل٦
كما يجوز نصب المضارع مع فاء السببية في جواب الرجاء بدليل ورود ذلك في القرآن الكريم مثل: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ , ومثل: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ في قراءة من نصب فيهما٧. وكان يتابع الكسائي ومن أخذ برأيه من البصريين أمثال المازني والمبرد في جواز تقديم التمييز على عامله لوروده في قول بعض الشعراء:
وما كاد نفسًا بالفراق تطيب
غير أنه اشترط أن يكون الفعل متصرفا, فلا يقال في التعجب: "ما رجلا أحسن زيدا"٨. واستضاء برأيه في أن الفاعل محذوف مع الفعل الأول في صورة التنازع: كلمني وكلمت زيدا، فذهب إلى أن المرفوع محذوف مع أفعال الاستثناء "ليس ولا يكون وما خلا" وهو كلمة بعض مضافة إلى ضمير من تقدم في مثل: "قام القوم ليس زيدا"٩. وكان يذهب مذهب الفراء في أن "دام" أخت كان لا تتصرف١٠, وأن لو مصدرية في مثل: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ ومثل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ١١.
واختار آراء البغداديين في كثير من المسائل، من ذلك رأي الزجاجي في أن
стр. 331
"سوى" مثل غير في المعنى والتصرف فتكون فاعلا في مثل: جاءني سواك، ومفعولا في مثل: رأيت سواك, وبدلا أو منصوبة على الاستثناء في مثل: ما جاءني أحد سواك، وكان سيبويه والجمهور يذهبون إلى أنها ظرف مكان ملازم للنصب١. وذهب مذهب الفارسي في أن "غير الاستثنائية" في مثل: قام القوم غير زيد منصوبة على الحالية٢، وأن ما تأتي زمانية كما في قوله عز شأنه: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم٣، وأن من معاني الباء الجارة التبعيض مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ٤. وكان يأخذ برأي ابن جني في أنه لا سبب لبناء الاسم سوى شبهه بالحرف٥، وأن "إلا" قد تأتي زائدة، وحمل عليه قول أحد الشعراء:
أرى الدهر إلا مَنْجَنُونا بأهله ... وما صاحب الحاجات إلا معذبا٦
واختار رأيه في أن الجملة قد تبدل من المفرد، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ ... الآية﴾ قائلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ وما بعدها بدل من ﴿مَا﴾ وصلتها٧.
وكان أحيانا يأخذ برأي أسلافه من الأندلسيين، من ذلك أخذه برأي ابن السيد في منع أن يكون عطف البيان تابعا لمضمر٨، وبرأي ابن الطراوة في أن هذا العطف لا يكون بلفظ الأول، وتخريج مثل: "وترى كل أمة جَاثِيَةً كُلَّ أمة تُدْعَى إلى كتابها" على البدلية٩. وكان يرى رأي الشلوبين ومن سبقه مثل الرماني في أن خبر المبتدأ بعد لولا إذا كان كونا عاما كالوجود والحصول وجب حذفه مثل: "لولا علي لسافرت", أما إذا كان كونا مقيدا مثل السفر ونحوه وجب ذكره كقولك: "لولا علي مسافر لزرتك"١٠. وكان يذهب مذهب ابن عصفور في
стр. 332
أن ﴿عُيُونًا﴾ في مثل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ تمييز لا حال كما ذهب الشلوبين١، وفي أن ﴿كَأَيِّنْ﴾ كما تأتي للتكثير في مثل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ تأتي للاستفهام كما جاء في قول أبيّ بن كعب لعبد الله بن مسعود: "كأيِّنْ تقرأ سورة الأحزاب آية؟ فقال: ثلاثا وسبعين"٢.
ولابن مالك وراء هذه الاختيارات من مذاهب النحاة السابقين آراء كثيرة ينفرد بها، من ذلك أنه كان يرى أن علامات الإعراب جزء من ماهية الكلمات المعربة، بينما كان يرى الجمهور أنها زائدة عليها٣، وكان يرى أن "ذان وتان واللذان واللتان" مثناة حقيقة، وأنها لذلك معربة لا مبنية٤. وذهب إلى أن قراءة ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إنما هي على لغة بلحارث بن كعب في إجراء المثنى بالألف دائما٥. وجوز تثنية اسم الجمع والجمع المكسر مستدلا بمثل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ ، ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ ٦ كما جوز حذف عائد الموصول قياسا على حذفه في الخبر، وجعل منه ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ أي: به٧، وجوز الإخبار عن اسم عين بظرف الزمان بشرط الفائدة مثل: الليلة الهلالَ والبلح شهرين٨. وكان يذهب إلى أن "أم" المنقطعة تعطف المفردات مثل "بل" مستدلا بقول بعض العرب: "إن هناك لإبلا أم شاء"٩، وأن "حرى" في مثل: "حرى أن يفعل" من أخوات كاد١٠، وأن "أو" العاطفة تأتي للتقسيم مثل "الكلمة: اسم أو فعل أو حرف"١١, وأن "من" الداخلة على "عن" في قولك: "قعدت من عن يمينه" زائدة١٢، وأن الفاء تدخل في جواب لما مثل: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وذهب الجمهور في الآية إلى أن الجواب محذوف, أي: انقسموا قسمين فمنهم مقتصد١٣. وكان يرى أن "إذ" قد تقع للاستقبال مستدلا بقوله جل
стр. 333
شأنه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ١, وأن إلى قد تأتي بمعنى في مثل: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢ , وأن من معاني "عن" الاستعانة مثل: "رميت عن القوس"٣، وأن زيدا في قولك: "بحسبك زيد" مبتدأ مؤخر٤، وأن على تأتي بمعنى مع مثل: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٥, وأن الكاف تأتي للتعليل مثل: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ٦, وأن ذا زائدة في مثل: "ماذا صنعت؟ "٧, وأن مثل: "بادئ بدْء" و"أيادي سبأ" حالات مبنية٨. وكان يمنع إبدال المضمر من الظاهر ويعرب "إياه" في مثل: "رأيت زيدا إياه" توكيدا لا بدلا٩. وذهب إلى أن الجملة الحالية قد تخلو من الواو والضمير معا مثل: "رأيت القمح القدح بدرهمين" أي: منه١٠. وكان يرى أن "مثل" إذا كانت مضافة إلى معرفة وحذفت جاز في المعرفة أن تكون صفة نحو: "مررت برجل زهير", وحالا نحو: "هذا زيد زهيرا"١١, وكان يذهب إلى أن لكن في مثل: "ما قام زيد ولكن عمرو" غير عاطفة، والواو عاطفة لجملة حُذف بعضها على جملة صُرِّح بجميعها، والتقدير: ولكن قام عمرو١٢. وكان الجمهور يذهب في مثل قول شاعر:
وزججن الحواجب والعيونا
وقول آخر:
علفتها تبنا وماء باردا
إلى أنه من عطف الجمل بإضمار فعل مناسب مثل: كحلن في الشطر الأول وسقيتها في الشطر الثاني، وذهب ابن مالك إلى أنه من عطف المفردات لما يجمع بين العامل المذكور والمحذوف من معنى مشترك هو التحسين في الأول والطعام في الثاني١٣. وكان الجمهور يرى أن رفع المضارع بعد لم الجازمة في قول بعض الشعراء:
لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار١٤
стр. 334
ضرورة، وذهب ابن مالك إلى أنه لغة١، وذكر أن المضارع قد يجزم بعد لعل عند سقوط فاء السببية، مستدلا بقول أحد الشعراء:
لعل التفاتا منك نحوي مقدر ... يمل بك من بعد القساوة للرحم٢
وهو دائما على هذا النحو يذكر الشاذ ولا يقيس عليه كما يصنع الكوفيون, ولا يعمد إلى تأويله كما يصنع البصريون كثيرا. وكان رائده دائما السماع, فهو لا يدلي بحكم دون سماع يسنده. وكان عقله دقيقا ولم يستغله في تمثل آراء السالفين من النحاة واستنباط الآراء الجديدة فحسب، بل استغله أيضا في تحرير مباحث النحو وأبوابه ومصطلحاته وتذليل مشاكله وصعابه.
стр. 335
٤- أندلسيون متأخرون:
ظلت الأندلس تتابع نشاطها النحوي في القرن السابع الهجري، على الرغم من الخطوب التي تتابعت عليها، إذ ما زال الإسبانيون المغيرون من الشمال يقتطعون منها مدينة إثر مدينة، حتى لم يعد للعرب إلا رُقْعة ضيقة هي إمارة غرناطة التي ظلت صامدة لهم نحو قرنين ونصف. وظل يضطرم بها -وخاصة في الحقب الأولى- غير قليل من النشاط النحوي، ثم لم تلبث أن توقفت آلته الكبيرة بسبب هجرة النحاة إلى المغرب والمشرق, واضطراب شئون هذه الإمارة الصغيرة.
ويلقانا في القرن السابع الهجري كثيرون من تلامذة الشلوبين، ونكتفي بالحديث عن أهمهم، وهم: ابن الحاج وابن الضائع وابن أبي الربيع، أما ابن الحاج١ فهو أبو العباس أحمد بن محمد الأزدي المتوفى سنة ٦٥١ وقد اشتهر بشروحه على كتاب سيبويه وإيضاح الفارسي وكتاب سر الصناعة لابن جني، وإيراداته على كتاب المقرَّب لابن عصفور, ومنها نقده عليه ما ذكره من مجيء "لو" للتعليق
стр. 336
في المستقبل، قال: ولهذا لا تقول: "لو يقوم زيد فعمرو منطلق" كما تقول ذلك مع إن الشرطية١. وكان يحتج لرأي المبرد في أن "كان" حرف وليست فعلا قائلا: إنها لا تدل على حَدَث بل دخلت على اسمها وخبرها لتفيد معنى المضي في الخبر٢. وكان يذهب إلى أن اسم الإشارة لا ينوب عن الرابط لجملته الخبرية إلا إذا كان المبتدأ اسما موصولا أو موصوفا والإشارة للبعيد، مثل ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ٣. وكان لا يشترط تقدم الفاعل على المفعول في حالة اللبس مثل: "ضرب موسى عيسى" ذاهبا إلى أن الذي التزم فاعلية الأول إنما هو بعض المتأخرين غير ملتفتين إلى أن الإلباس واقع في العربية بدليل أسماء الأجناس والمشتركات٤.
وابن٥ الضائع هو أبو الحسن علي بن محمد الكتامي الأبدي المتوفى سنة ٦٨٠، وفيه يقول السيوطي: "له في مشكلات كتاب سيبويه عجائب.. أملى على إيضاح الفارسي، ورد اعتراضات ابن الطراوة عليه واعتراضاته على سيبويه ... ورد على ابن عصفور معظم اختياراته. وله شرح الجمل وشرح كتاب سيبويه جمع فيه بين شرحي السيرافي وابن خروف باختصار". ونراه يرد على ابن عصفور ما ذهب إليه من أن لام المستغاث لأجله في مثل: "يا لزيد لعمرو" متعلقة بفعل محذوف تقديره: أدعوك لعمرو حتى لا تتعلق بالفعل النائبة عنه يا؛ لأنه مسلط على المستغاث باللام، والعامل الواحد في رأيه لا يصل بحرف واحد مرتين. وأجاب ابن الضائع بأنهما مختلفتان معنى، ولذلك يصح اتصاله بهما، كما في نحو: "وهبت لك دينارا لترضى"٦. ورد على ابن عصفور أيضا في ذهابه إلى أن تثنية الضمير "بهما" في قوله عز شأنه: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ شاذة، قائلا: إن ﴿أَوْ﴾ في الآية للتنويع, وحكمها حكم الواو في وجوب المطابقة٧.
стр. 337
ومما وافقه فيه أن لام المستغاث في مثل: "يا لزيد" متعلقة بفعل النداء المحذوف, مثلها مثل لام المستغاث لأجله في رأيه١. وكان يوافق السهيلي في وجوب التعاند في معطوفي لا مثل: جاءني رجل لا امرأة٢. ووافق ابن هشام الخضراوي في أن لو التي للتمني في مثل: "لو تأتيني فتحدثني" لا تحتاج إلى جواب كجواب لو الشرطية٣. واختار رأي أستاذه الشلوبين في أن إلا في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ بمعنى غير, التي يُرَاد بها البدل والعِوَض٤.
وابن٥ أبي الربيع هو عبيد الله بن أحمد الأموي الإشبيلي المتوفى سنة ٦٨٨, هاجر من إشبيلية حين استولى عليها الإسبان إلى سبتة، وأقرأ بها النحو دهره، وله شرح على سيبويه وشرح على إيضاح الفارسي وشرح على الجمل للزجاجي في عشر مجلدات. وكان يذهب إلى أن "ليت" إذا اقترنت بما جاز دخولها على الأفعال، فيقال: "ليتما قام زيد"٦, ورتب على ذلك أن مثل: "ليتما زيدا أكلمه" "زيدا" فيه منصوب على الاشتغال، والجمهور يجعل زيدا اسما لليت؛ لأن ما لا تلغي عملها٧. وذهب إلى أن ﴿عُيُونًا﴾ في: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ بدل من الأرض٨، كما ذهب إلى أن "لكن" مقترنة بالواو تعطف الجمل بعضها على بعض مثل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ٩.
وممن يلقانا من تلاميذ ابن عصفور الصفار١٠ وهو قاسم بن علي، وله شرح على سيبويه يرد فيه كثيرا على الشلوبين، وكان يذهب إلى جواز عطف الخبر على الإنشاء والعكس مستدلا بمثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عطفا على قوله عز شأنه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ
стр. 338
الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١. ونلتقي في نهاية القرن السابع الهجري بأبي جعفر٢ أحمد بن إبراهيم بن الزبير المتوفى سنة ٧١٠, يقول السيوطي: "وبه أبقى الله ما بأيدي الطلبة في الأندلس من العربية" وله تصنيف على كتاب سيبويه. وبه تخرج أكبر نحوي ظهر في الأندلس بعد ابن مالك، وهو أبو حيان, وبه نختم حديثنا عن نشاط النحو في هذا الفردوس العربي المفقود.
أبو حيان ٣:
هو أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي الأندلسي المتوفى ٧٤٥ تلميذ أبي جعفر بن الزبير وابن الضائع في النحو. وأكب بجانب ذلك على التفسير والحديث والقراءات والتاريخ، حتى أتقن ذلك كله وبرع فيه. وقد رحل عن موطنه شابا، متنقلا في شمال إفريقية، إلى أن ألقى عصا ترحاله بالقاهرة سنة ٦٧٩ ولزم بهاء الدين بن النحاس تلميذ ابن مالك وأخذ عنه كتبه. وتنقل في بلاد عدة في الشام والسودان والحجاز، وعُهد إليه بتدريس النحو في جامع الحاكم بالقاهرة سنة ٧٠٤ كما عهد إليه بتدريس التفسير في قبة السلطان المنصور سنة ٧١٠ وتولى منصب الإقراء بجامع الأقمر الفاطمي. وكان يقول: خير الكتب النحوية المتقدمة كتاب سيبويه, وأحسن ما وضعه المتأخرون كتاب التسهيل لابن مالك وكتاب الممتع في التصريف لابن عصفور. وقد تخرج به جيل من النحاة المصريين أمثال ابن عقيل وابن أم قاسم، وكان يعنى في دروسه بكتب النحاة الثلاثة السالفين، ويتضح ذلك مما أملاه عليها من شروح وفي مقدمتها كتاب سيبويه، وكتاب الممتع في التصريف، وكتاب المقرب في النحو لابن عصفور. وله ثلاثة
стр. 339
شروح على التسهيل لابن مالك مطولة ومختصرة، ومنهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك. وله وراء ذلك مصنفات في النحو مستقلة, أهمها: الارتشاف وهو في ستة مجلدات، ومختصره وهو في مجلدين، ويقول السيوطي في البغية: "لم يؤلَّف في العربية أعظم من هذين الكتابين ولا أجمع ولا أحصى للخلاف, وعليهما اعتمدت في كتابي جمع الجوامع". وكان ظاهري المذهب، وانتقل بأخرة إلى مذهب الشافعي، وظل المذهب الظاهري عالقا بنفسه حتى ليروى عنه أنه كان يقول: "محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من عَلِقَ بذهنه".
وقد وصل تعلقه بمذهب الظاهر بينه وبين ابن مضاء، وحقا لم يدعُ إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، ولكنه دعا مرارا وتكرارا إلى إلغاء ما يتعلق به النحاة من كثرة التعليل للظواهر اللغوية والنحوية وجلب التمارين غير العملية، ونقل السيوطي في الهمع تعرضه لذلك في غير موضع، وأول ما يلقانا في هذا الجانب تعليقه على خلاف البصريين والكوفيين في الإعراب, وهل هو أصل في الأسماء فرع في الأفعال, أو لا؟ فقد قال: "هذا من الخلاف الذي ليس فيه كبير منفعة"١. وعلق على تعليلهم لامتناع الجر من الفعل والجزم من الاسم ولحوق تاء التأنيث الساكنة للماضي دون أخويه بأن تعليل أمثال ذلك من الوضعيات ينبغي أن يمنع لأنه يؤدي إلى تسلسل السؤال، يقول: إنما يسأل عما كان يجب قياسا فامتنع٢. ويعرض لاختلافهم في معنى الصرف ويقول: إنه "خلاف لا طائل تحته"٣ كما يعرض لتعليلهم ضم التاء في مثل: "كلمت" للمتكلم وفتحها للمخاطب وكسرها للمخاطبة، يقول: "هذه التعاليل لا يحتاج إليها؛ لأنها تعليل وضعيات، والوضعيات لا تعلل"٤. ويقف بإزاء تعليلاتهم لتسكين الماضي وعدم فتحه حين يسند إلى التاء والنون ونا، قائلا: "الأولى الإضراب عن هذه التعاليل"٥ كما يقف عند اختلافهم في همزة أل التعريفية وهل هي همزة قطع أو وصل قائلا: "وهذا الخلاف
стр. 340
لا يجدي شيئا ولا ينبغي أن يُتشاغَل به"١. ويعقب على وجوه الخلاف السبعة في رافع المضارع بقوله: "لا فائدة لهذا الخلاف؛ لأنه لا ينشأ عنه حكم تطبيقي" كما يعقب على اختلاف البصريين والكوفيين في أيهما -الفعل أو المصدر- أصل الاشتقاق قائلا: "هذا الخلاف لا يجدي كبير منفعة"٢. ومرت بنا دعوة ابن مضاء إلى إلغاء القياس مستضيئا بإلغاء المذهب الظاهري له، وقد مضى أبو حيان في إثره يقدم السماع على القياس وخاصة إذا تعارضا، على نحو ما يتضح في بعض القراءات المخالفة للقياس من مثل العطف على الضمير المتصل المجرور بدون إعادة الخافض، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول٣. وكان يعارض الكوفيين ومن يتابعهم أحيانا مثل ابن مالك في القياس على الشاذ والنادر قائلا: إن ذلك يفضي إلى التباس الدلالات وصور التعبير٤. ونقل عنه السيوطي تقيده بالسماع وعدم القياس عليه في مواضع مختلفة من الهمع٥. ومع اهتمامه بالسماع كان يخالف ابن مالك في الاعتماد على الحديث في الاستشهاد؛ لأنه روي بالمعنى، ورواه أعاجم كثيرون يفشو اللحن على ألسنتهم٦.
ودائما نراه يتعبَّد لسيبويه وجمهور البصريين، مما جعله يقف في صف مقابل لابن مالك وما انتهجه لنفسه من متابعة الكوفيين كثيرا في آرائهم على نحو ما مر بنا آنفا. وليس معنى ذلك أنه رفض جميع آراء الكوفيين، فقد كان يختار من حين إلى حين بعض آرائهم، من ذلك ما ذهبوا إليه، وتابعهم فيه ابن جني، من أن عامل الرفع في المبتدأ الخبر وعامل الرفع في الخبر المبتدأ فهما مترافعان٧، وكذلك
стр. 341
ما ذهبوا إليه مع الأخفش من أن الفعل الماضي يقع حالا بدون "قد" بدون تقدير لها كما جاء في الذكر الحكيم: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ١. وجعله تفسيره للقرآن الكريم في كتابه "المحيط" يتعقب الزمخشري كثيرا، من ذلك قراءة الآية: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ بتنوين ﴿كَلَّا﴾ على أنها مصدر من الكل بمعنى الإعياء أو الثقل, أي: "حملوا كَلًّا", وجوز الزمخشري أن تكون ﴿كَلَّا﴾ في القراءة هي نفسها حرف الردع ونُون كما نونت "سلاسلا" في آية: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ ورد ذلك أبو حيان قائلا: إن ذلك إنما صح في "سلاسلا"؛ لأنه اسم أصله التنوين فرُجع به إلى أصله للتناسب، أو على لغة من يصرف ما لا ينصرف٢. ومن ذلك توجيه الزمخشري لقراءة المضارع بالغيبة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ والقراءة المشهورة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ فقد جعل التقدير في القراءة الأولى: ولا يحسبنهم، والذين فاعل. وتصدى له أبو حيان قائلا: إن ذلك يستلزم عود الضمير على المؤخر، وكأنه فاته أن هذا المؤخر مقدم في الرتبة٣. وكان يأخذ برأي الأعلم الشنتمري في أن الإعراب معنوي لا لفظي٤، ونصر ابن الطراوة في أن بناء "سحر" لتضمنها معنى حرف التعريف مثل أمس٥، وكذلك نصر السهيلي في أنه لا بد من تعاند معطوفي لا مثل: "جاءني رجل لا امرأة"٦. وكان ابن الباذش يجوز في مثل: "الهندان هما يفعلان" تذكير المضارع، فيقال: "يفعلان" حملا على لفظ هما، ورد أبو حيان رأيه في جواز تذكير المضارع؛ لأن الأصل رد الأشياء إلى أصولها, وأيضا لأن السماع بالتاء في مثل قول عمر بن أبي ربيعة: "لعلهما أن تبغيا لك حاجة"٧. وكان ابن عصفور وتلميذه ابن الضائع يذهبان إلى أن "كلما" في مثل: "كلما استدعيتك فإن زرتني فعبدي حر" مرفوعة بالابتداء وأن جملتي الشرط والجواب خبر، ودفع قولهما أبو حيان بأنه لم تأت "كلما" في الذكر الحكيم
стр. 342
إلا منصوبة مثل: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ وكذلك هي في الأشعار١.
وأكثر من كان يتصدى له أبو حيان ويخالفه في آرائه ابنُ مالك، فمن ذلك أنه كان يضعِّف رأيه في أن الإعراب جزء من ماهية الكلمة, ذاهبا مع الجمهور إلى أنه زائد على ماهيتها٢. وذهب ابن مالك إلى أن الفعل الماضي قد يدل على الاستقبال في مواضع، هي: بعد همزة التسوية مثل: "سواء علي أسافرت أم لم تسافر" وبعد أداة التحضيض مثل: "هلا ذاكرت"، وبعد كلما مثل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ﴾ وبعد حيث مثل: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ , وبعد الصلة مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ , وإذا وقع صفة لنكرة عامة كحديث: "نَضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها, فأداها كما سمعها" أي: يسمع. وأنكر أبو حيان هذه الدلالة للماضي، وقال: الذي نذهب إليه فيها جميعا الحمل على المضي لإبقاء اللفظ على موضعه، أما معنى الاستقبال فقد جاء من خارج, أو بعبارة أخرى: من قرينة خارجية٣. وكان ابن مالك يذهب إلى أن الباء قد تزاد مع الحال, مستدلا بقول أحد الشعراء:
فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها
وقول آخر:
كائنْ دعيت إلى بأساء داهمة ... فما انبعثت بمزءُود ولا وَكِل
وخالفه أبو حيان، وخرّج البيتين على أن التقدير: بحاجة خائبة وبشخص مزءود أي: مذعور، ويريد بالمزءود نفسه على حد قولهم: "رأيت به أسدا"٤. وكان ان مالك يجوز حذف الضمير العائد في الصلة إذا تعين الحرف, قياسا على الجملة الخبرية كقولك: "الذي سرت يوم الجمعة" أي: فيه. ورد ذلك أبو حيان قائلا: إنه لا ينبغي أن تقاس الصلة على جملة الخبر, ولا أن يُذهب إلى ذلك إلا بسماع ثابت عن العرب٥. وكان ابن مالك يذهب إلى أن حذف نون يكون
стр. 343
المجزومة في قولهم: "لم يَكُ" للتخفيف، ورد أبو حيان هذا التعليل ذاهبا إلى أن العلة هي كثرة الاستعمال مع شبه النون بحروف العلة١. وذهب ابن مالك إلى أن "كل" قد تأتي توكيدا مع إضافتها إلى اسم ظاهر حال محل الضمير مثل:
كم قد ذكرتكِ لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر
وخالفه أبو حيان ذاهبا إلى أن "كل الناس" في البيت نعت لا توكيد٢. ومر بنا أن ابن مالك كان يجوز -تبعا للأخفش- مجيء الحال مع المضاف إليه بشرط أن يكون المضاف جزءا منه أو مثل جزئه نحو: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ , ورد ذلك أبو حيان وقال: إن ﴿إِخْوَانًا﴾ منصوبة على المدح و ﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿مِلَّةَ﴾ أو من الضمير في اتبع, محتجا بأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها وعامل المضاف إليه اللام المقدرة أو الإضافة, وكلاهما لا يصلح أن يعمل في الحال٣. ومر بنا أيضا أن ابن مالك كان يجوز -تبعا لابن جني والزمخشري- أن تبدل الجملة من المفرد كقول بعض الشعراء:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ
فكيف يلتقيان في رأيهم بدل من حاجة وأخرى، كأن الشاعر قال: أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما، وقال ابن مالك: ومنه: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ ... ﴾ فإن وما بعدها بدل من ﴿مَا﴾ وصلتها. ورد ذلك أبو حيان قائلا: إن البدلين جميعا استئناف٤.
وله وراء ما قدمنا اجتهادات وتخريجات وآراء مختلفة ينفرد بها، من ذلك أنه كان يذهب إلى أن "أن المصدرية" لا توصل بالأمر، وأن "أن" الموصولة به في بعض العبارات مثل: "كتبت إليه أن قُمْ" تفسيرية، أما ما حكاه سيبويه من قولهم: "كتبت إليه بأن قم" فالباء فيه زائدة٥. وكان يذهب إلى أن اللام في مثل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ هي لام الابتداء مفيدة لمعنى التوكيد, ويجوز أن يكون قبلها قسم مقدر أو لا يكون٦. وكان ينكر مجيء "ما" نكرة
стр. 344
موصوفة، أما قولهم: "مررت بما معجبٍ لك" فما فيه زائدة١. وكان سيبويه يذهب إلى أن قول بعض العرب: "ما أنت وزيدًا؟ " و"كيف أنت وزيدًا؟ " على تقدير كان محذوفة, أي: ما كنت وزيدا؟ وكيف تكون وزيدا؟ وذهب الفارسي وغيره من النحاة إلى أن كان المقدرة تامة، وذهب أبو حيان إلى أنها الناقصة، فما خبرها وكذلك كيف٢. ومعروف أن الجملة الموصوف بها يربطها دائما بموصوفها ضمير إما مذكور, وإما مقدر مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ على تقدير: فيه محذوفة أربع مرات، وذهب أبو حيان مذهبا بعيدا قائلا: إن الأولى أن لا يقدر في الآية ضمير بل يقدر أن الأصل: واتقوا يوما يوم لا تجزى بإبدال يوم الثانية من يوم الأولى، ثم حذف المضاف، وهو تخريج ظاهر التكلف٣. واختلف البصريون والكوفيون في ألفاظ العدد المعدولة على وزن فُعَال ومَفْعَل، فوقف بها البصريون عند أُحَاد ومَوْحَد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع وخماس ومخمس وعشار وعشر؛ لمجيئها سماعا, وقاس عليها الكوفيون: سداس ومسدس وسباع ومسبع وثمان ومثمن وتساع ومتسع، وقال أبو حيان: الصحيح أن البناءين مسموعان من واحد إلى عشرة على نحو ما حكى ذلك أبو عمرو الشيباني وغيره٤. وكان جمهور النحاة يجيز ترخيم العلم المركب تركيب مزج مطلقا ومنع أكثر الكوفيين ترخيم ما آخره "ويه" مثل سيبويه، وذهب أبو حيان إلى أنه لا يجوز ترخيم هذا العلم بحال٥, وكان جمهور النحاة يذهب إلى أن المنصوب في مثل: أنت الرجل علما أو أدبا أو حلما, وأنت زهير شعرا, وأنت حاتم جودا, ويوسف حسنا حال، وذهب أبو حيان إلى أنه تمييز٦. وذهب الجمهور إلى أن "نعم" في مثل: "نعم, هذه أطلالهم" للتذكير، بينما ذهب أبو حيان إلى أنها تصديق لما بعدها وقُدمت، قال: والتقديم أولى من ادعاء معنى لم يثبت لها٧.
стр. 345
الفصل الثالث: المدرسة المصرية
١- النشاط النحوي في مصر:
كان طبيعيا أن تنشط دراسات النحو في مصر مبكرة مع العناية بضبط القرآن الكريم وقراءاته، مما دفع إلى نشوء طبقة من المؤدِّبين على غرار ما حدث بالأندلس، كانوا يعلِّمون الشباب في الفسطاط والإسكندرية مبادئ العربية حتى يحسنوا تلاوة الذكر الحكيم، وأسهم في ذلك معهم غير عالم ممن كانت تجذبهم مصر إليها, ومن أقدمهم عبد الرحمن١ بن هرمز تلميذ أبي الأسود الدؤلي المتوفى بالإسكندرية سنة ١١٧ للهجرة، وقد عرضنا له في أوائل حديثنا عن نشوء مدرسة البصرة، وقلنا: إنه ممن أذاع نَقْط الإعراب ونَقْط الإعجام في المصحف، وإنه كان من جِلَّة القراء، وكان قد أخذ القراءة عن عبد الله بن العباس وأبي هريرة, وعنه أخذها نافع بن أبي نعيم مقرئ أهل المدينة وأحد القراء السبعة المشهورين. ومن أنبه القراء الذين خلفوه بمصر وأشهرهم ورش: عثمان٢ بن سعيد القبطي الأصل المتوفى في سنة ١٩٧ للهجرة، رحل إلى المدينة وأخذ عن نافع قراءته سنة ١٥٥ ثم عاد إلى الفسطاط، فانتهت إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية، وكان ماهرا في العربية، وحمل عنه قراءته كثيرون أذاعوها لا في مصر وحدها، بل أيضا في الأندلس وفي المغرب, ولا تزال شائعة به إلى اليوم.
وأول نحوي حمل بمصر راية النحو بمعناه الدقيق وَلَّاد٣ بن محمد التميمي
стр. 346
البصري الأصل الناشئ بالفسطاط، وقد رحل إلى العراق، فلقي الخليل بن أحمد وأخذ عنه ولازمه، وسمع منه الكثير، وعاد إلى مصر ومعه كتبه التي استفادها في العربية من إملاءات الخليل، وأخذ يحاضر فيها الطلاب، ويقول الزبيدي: "إنه لم يكن بمصر كبير شيء من كتب النحو واللغة قبله". وكان يعاصره أبو الحسن١ الأعز الذي تتلمذ على الكسائي. وبذلك اتصلت الدراسات النحوية بمصر في زمن مبكر بإمامي المدرستين الكوفية والبصرية.
وتلت هذه الطبقة طبقة ثانية لمع فيها اسم الدِّينَوري أحمد٢ بن جعفر الذي رحل من موطنه دينور إلى البصرة في طلب النحو، فأخذ عن المازني وحمل عنه كتاب سيبويه، ودخل إلى بغداد فأصهر إلى ثعلب، غير أنه كان يترك حلقته إلى حلقة المبرد، ثم قدم مصر واستقر بها يعلِّم النحو، وصنف لطلابه المصريين كتابا سماه "المهذب" ذكر في صدره اختلاف الكوفيين والبصريين، غير أنه لما أمعن فيه عوَّل على مذهب البصريين وخاصة على كتابات الأخفش الأوسط، وصنف في ضمائر القرآن مصنفا نوّه به القدماء, وقد توفي سنة ٢٨٩ للهجرة.
وكان يعاصره محمد٣ بن ولاد بن محمد التميمي المتوفى سنة ٢٩٨, وقد عكف مثل أبيه ولاد على دراسة العربية وبدأ بأخذ كل ما عند الدينوري ومعاصريه من النحاة المصريين أمثال محمود٤ بن حسان، ثم رحل إلى بغداد، وقرأ كتاب سيبويه على المبرد. وعاد إلى موطنه فتصدر لإقراء النحو وصنف فيه كتابا سماه "المنمَّق" حمله عنه المصريون، وانتقلت نسخته من كتاب سيبويه إلى ابنه أبي العباس.
стр. 347
ونزل في سنة ٢٨٧ بمصر نحوي بصري من تلاميذ المبرد هو علي١ بن سليمان الأخفش الصغير وظل بها حتى سنة ٣٠٠ للهجرة يعلم النحو واللغة، وله تصانيف مختلفة فيهما، من أهمها شرحه على كتاب سيبويه، وكان يتعصب للمبرد والبصريين في تصانيفه.
وما نكاد نمضي في القرن الرابع الهجري لعصر الدولة الإخشيدية حتى تظهر طائفة من النحاة النابهين, في مقدمتهم كُراع النمل وأبو العباس أحمد بن ولاد. وكراع٢ النمل هو علي بن الحسن الهُنائي الأزدي، عاش حتى سنة ٣٢٠ وقد رحل إلى بغداد، وأخذ عن النحويين البصريين والكوفيين. وكان يمزج في مصنفاته بين آرائهما وكان إلى آراء البصريين أميل، وصنف في اللغة كتبا مختلفة، من أهمها "المنضد" ويقال: إنه لقب بكراع النمل لقصره.
وأنبه منه وأشهر أبو العباس٣ أحمد بن محمد بن ولاد المتوفى سنة ٣٣٢ للهجرة. وَرِثَ العناية بالنحو والإكباب على درسه عن أبيه وجده السالفين، وإليه صارت نسخة أبيه من كتاب سيبويه التي أخذها عن المبرد كما أسلفنا، وقد رحل إلى العراق وتتلمذ للزجاج البصري، وكان يعجب به لذكائه وبصره بمسائل النحو وقدرته على الاستنباط. وعاد إلى موطنه وظل يفيد الطلاب ويصنف في اللغة والنحو إلى وفاته. وعنه أخذ المنذر بن سعيد قاضي قضاة الأندلس معجم "العين" المنسوب للخليل. ويقال: إن بعض أمراء مصر جَمَعَ بينه وبين أبي جعفر النحاس للمناظرة، فقال له النحاس: كيف تبني مثال "افْعَلَوْت" من رميت؟ فقال أبو العباس: "ارْمَيَيْت" فخطأه النحاس قائلا: ليس في كلام العرب افعلوت ولا افْعَلَيْت. فقال أبو العباس: إنما سألتني أن أمثل
стр. 348
لك بناء ففعلت. قال الزبيدي: "وأحسن أبو العباس في قياسه حين قلب الواو ياء؛ لأن الواو تنقلب في المضارعة ياء؛ ولذلك تقول: ارمييت ولا تقول: ارميوت ... وتبع أبو العباس سُنَّة الأخفش سعيد بن مسعدة, فإنه كان يبني من الأمثلة ما لا مثال له"١.
ومن مصنفاته المطبوعة كتاب المقصور والممدود على حروف المعجم, وهو كتاب نفيس في بابه. وله كتاب "الانتصار لسيبويه من المبرد" ومنه مخطوطة بدار الكتب المصرية, وفيه يتعقب المبرد في كتابه الذي تتبع به كلام سيبويه وسماه "مسائل الغلط" وكان قد كتبه في حداثته مما جعله يعتذر منه٢. وقد نقض عليه ابن ولاد كل ما أورده على الإمام النحوي الكبير، وفي كتاب الرد على النحاة لابن مضاء بعض أمثلة من نقضه٣. وله آراء نحوية مختلفة، كان يتابع فيها أحيانا الكوفيين على الرغم من إعجابه الشديد بسيبويه وأئمة البصريين، من ذلك تجويزهم أن يجري المقصور مثل مصطفى في جمعه جمعا سالما مجرى المنقوص، فيضم فيه ما قبل الواو في مثل: مصطفُون ويكسر ما قبل الياء في مثل: مصطفِين وقاضين، وكان يقول: إن ذلك لغة لبعض العرب٤. وكان يجوز مع أستاذه الزجاج أن تدخل لام الابتداء على معمول الخبر المقدم إذا كان مفعولا به مثل: "إن زيدا لطعامَك آكل"٥. وكان يذهب -وتبعه أبو علي الفارسي- إلى أن نون المثنى والجمع السالم عوض عن الحركة والتنوين في المفرد معا٦. وذهب -وتبعه ابن مالك- إلى أن "من" مع اسم التفضيل في مثل: "زيد أفضل من عمرو" للمجاوزة لا الابتداء كما ذهب سيبويه، كأنه قيل: جاوز زيد عمرا في الفضل٧. وكان سيبويه يذهب إلى أن قولهم: "لاهِ أبوك" أصله: لله أبوك؛ فحذفت لام الجر، ولام التعريف، وبنيت لاه لتضمنها لها مع
стр. 349
حذفها كما بُنيت أمس لتضمنها معنى لام التعريف. وذهب ابن ولاد إلى أن أصل "لاهِ أبوك": آلله أبوك, حذفت الهمزة النائبة عن واو القسم وقالوا: للهِي وخففت الألف١. وكان يذهب إلى أن صيغة المبالغة "فَعِيل" تعمل عمل اسم الفاعل, فتنصب المفعول به مثل: شِرِّيب الماءَ٢.
стр. 350
٢- في اتجاه المدرسة البغدادية:
رأينا النابهين من النحاة المصريين يرحلون إلى البصرة وبغداد طوال الفرنين الثاني والثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة، وكانت المدرسة البصرية وأساتذتها غالبا وجهتهم في بغداد، وخير من يصور ذلك أبو العباس بن ولاد تلميذ الزجاج صاحب المبرد، وبلغ من بصريته أن عني بتأليف كتاب الانتصار لسيبويه، وكأنه يؤمن بأن غلطا لا يمكن أن يعلق بقلمه. وفي نفس هذه الحقبة كانت قد أخذت تظهر مدرسة بغداد ممثلة في أئمتها الأولين من أمثال ابن كيسان وابن شُقَير وابن الخياط الذين كانوا ينزعون في أول حياتهم نزعة كوفية، ثم مزجوا بين النحوين الكوفي والبصري مع استمرار ميلهم الواضح لنحو الكوفيين.
وإذا كان أبو العباس بن ولاد لم يلتفت إلى هذه النزعة النحوية الجديدة, فإن رفيقه ومواطنه أبا جعفر النحاس لم يقع بعيدا عنها، وقد اختلف مثله إلى أصحاب المبرد وفي مقدمتهم الزجاج. ولكن يظهر أنه اختلف أيضا إلى أصحاب ثعلب، بل ينص القدماء على أنه كان يختلف إلى ابن الأنباري، ولا نشك أنه اختلف أيضا إلى حلقات ابن كيسان وابن شقير وأضرابهما من أوائل البغداديين لما سنرى عنده عما قليل من مزج بين آراء البصريين والكوفيين. وبذلك يلتحم نحو المدرسة المصرية بنحو المدرسة البغدادية مع نشأتها المبكرة.
وأبو١ جعفر النحاس هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المتوفى سنة
стр. 351
٣٣٨ للهجرة, أكب على النحو ودراساته في موطنه، ثم رحل إلى العراق، فسمع الزجاج وغيره من أصحاب المبرد مثل ابن السراج، كما سمع أصحاب ثعلب وأوائل البغداديين. وعاد إلى موطنه يدرس كتاب سيبويه لطلابه، وطارت شهرته، فرحل إليه الطلاب من الأندلس وفي مقدمتهم -كما مر بنا في غير هذا الموضع- محمد بن يحيى الرباحي الذي حمل عنه كتاب سيبويه رواية، ودرسه لطلابه بقرطبة.
وظل نحاة الأندلس من بعده يتوارثون رواية نسخته المضبوطة الوثيقة, مثيرين لكنوز الكتاب ومفسرين معلقين. وبذلك كان للنحاس فضل بث دراسة كتاب سيبويه في الأندلس وما رافقها هناك من نهضة الدراسات النحوية. ومما عني به "تفسير أبيات سيبويه" ويقال: إنه لم يُسبق إلى مثله، وكل من جاء بعده استمد منه.
وفي بعض المراجع أن له كتاب "شرح سيبويه" مما يدل على أنه كان له على الكتاب شرح مفرد يذلله ويحل مشاكله. وعني بالقرآن الكريم، فكتب فيه كتبا مفيدة، منها كتاب معاني القرآن وكتاب إعراب القرآن، وهما كتابان قَيِّمان, ويقال: إنهما أغنيا عما صُنف قبلهما في معناهما. وله شروح على بعض دواوين الشعر والمعلقات والمفضليات. وصنف في النحو كتاب الكافي وهو مفقود, ومختصرا أسماه كتاب التفاحة في النحو نشره كوركيس عواد ببغداد، كما صنف كتابا في الاشتقاق. ويلفتنا بين مصنفاته التي روتها له كتب التراجم كتاب "المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين" مما يدل دلالة واضحة على أنه عني باستيعاب آراء المدرستين عناية جعلته يخصهما بالتأليف.
ومن يرجع إلى مختصره الذي سماه كتاب التفاحة في النحو والذي يقع في ست عشرة صحيفة, يجده يمزج في وضوح بين آراء البصريين والكوفيين، فهو في الصورة العامة للكتيب وعرض مسائله بصري، وهو في بعض آرائه وبعض المصطلحات كوفي، وقد يختار رأيا لقطرب أو للأخفش مخالفا جمهور البصريين. ومن أول ما يلقانا في الكتيب مخالفا لهم فيه, ذهابه إلى أن الأسماء الخمسة: أباك وأخواتها معربة بحروف العلة نفسها, متفقا في ذلك مع قطرب وهشام من الكوفيين والزجاجي
стр. 352
من البغداديين١. ولا يلبث أن يذهب إلى أن المثنى والجمع السالم يرفعان بالألف والواو وينصبان ويجران بالياء, لا نيابة عن حركات مقدرة، وهو رأي الكوفيين وقطرب والزجاج أستاذه والزجاجي٢. وذهب مع الكوفيين إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم لا مبني كما ذهب البصريون٣. واختار رأيهم في أن حتى ولام الجحود ولام كي وواو المعية -ويسميها واو الظرف- وأو وفاء السببية تنصب جميعها المضارع بدون تقدير أن٤. واستظهر غير مصطلح من مصطلحات الفراء والكوفيين، من ذلك تسمية النفي بالجحد٥ وتسمية نائب الفاعل باسم المفعول الذي لم يسم فاعله٦، وتسمية الصفة بالنعت٧، وتسمية التمييز بالتفسير٨.
وكان يذهب مع الكسائي إلى أن "ذو وذوو" لا تضافان إلى الضمير خلافا للجمهور لما جاء عن العرب في النثر من مثل قولهم: "إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه"٩. وذهب مع الأخفش إلى أن المضاف إليه مجرور بالإضافة لا بالمضاف كما ذهب سيبويه١٠. كما ذهب أيضا معه إلى أن "لا سيما" من أدوات الاستثناء، وأن ما بعدها في مثل: "لا سيما زيد" مرفوع أو مجرور١١. وجعل -مع ابن السراج- لا النافية من أدوات التعليق مع ظن وأخواتها مثل: "ظننت لا يقوم زيد"١٢. وكان يذهب إلى أن "مع" الساكنة العين في لغة ربيعة حرف١٣.
ولعل في ذلك كله ما يدل على أن مصر أخرجت نحويا بغدادي النزعة في
стр. 353
وقت مبكر، فهو يمزج بين النحو البصري والكوفي، وهو ينفذ إلى آراء جديدة. ومن أهم تلاميذه أبو بكر١ الإدفوي المتوفى في العصر الفاطمي سنة ٣٨٨ للهجرة، وهو منسوب إلى مدينة إدفو بصعيد مصر، وكان يروي عن أستاذه النحاس كل تصانيفه في النحو والقرآن، وعني بالتفسير فصنف فيه كتابا في مائة مجلد سماه "الاستغناء في تفسير القرآن" جمع فيه من علوم العربية ما لم يجتمع بغيره، ويظهر أن ضخامة الكتاب حالت من قديم دون الانتفاع به ومعرفة ما نثره فيه الإدفوي من آراء في العربية.
وأنبه تلامذة الإدفوي الحَوْفي، وهو علي٢ بن إبراهيم المتوفى سنة ٤٣٠ للهجرة، قرأ على الإدفوي وأخذ عنه وأكثر، وتصدر لإقراء النحو، وصنف فيه مصنفا كبيرا استوفى فيه العلل والأصول وصنف مصنفات أصغر منه اشتغل بها المصريون. وصنف في إعراب القرآن كتابا في عشرة مجلدات كان علماء موطنه يتنافسون في تحصيله، وصنف أيضا في تفسير القرآن وعلومه. ونرى ابن هشام يعرض لإعراب "ذلك" في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ويقول: إنها بدل أو عطف بيان, ويقول: جوز الفارسي كونها صفة، ورد ذلك الحوفي بأن الصفة لا تكون أعرف من الموصوف٣. وفي ذلك ما يشهد بأن الحوفي كان مطلعا على كتاب الحجة لأبي علي الفارسي، وأكبر الظن أنه اطلع على كتاباته الأخرى وكأن نحاة مصر في العصر الفاطمي من أمثال الحوفي كانوا يعنون بمعرفة آراء المدرسة البغدادية وأعلامها النابهين من أمثال الفارسي. وقد توقف ابن هشام مرارا في كتابه المغني بإزاء توجيهات الحوفي الإعرابية لبعض آي الذكر الحكيم، وأكبر الظن أنه نقلها جميعا عن كتابه الذي صنفه في إعراب القرآن، وهو تارة يرتضي توجيهه وتارة يرفضه، فمن ذلك استحسانه ما ذهب إليه في الآية الكريمة:
стр. 354
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ من أن ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مبتدأ وخبره محذوف تقديره: لهم١. ومن ذلك رفضه ما ذهب إليه الحوفي مع الفراء من أن جملة ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها بتقدير أن الأصل: ولأنفسهم ثم حذف المضاف، وقال ابن هشام: إن هذا تكلف والواو في الآية للاستئناف٢. وقد أنكر رأيه في أن الباء لها متعلق في قوله جل شأنه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ لأنها حرف جر زائد، وحروف الزيادة لا متعلق لها٣. ورد ابن هشام رأيه في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أن جواب الشرط هو ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ وما بعدها لأنها اسمية وهي لا تكون جوابا للشرط في النثر بدون فاء، إنما يختص ذلك بالشعر، أما الآية فجواب الشرط فيها محذوف٤. وارتضى رأيه في أن خبر الذين في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ محذوف دلت عليه الجملة وتقديره: مأجورون٥. وأنكر قوله: إن الباء من قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بناظرة لأنها جارة لما الاستفهامية والاستفهام له الصدر٦، كما أنكر ما ذهب إليه في الآية: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ من أن ﴿سَيَهْدِينِ﴾ جملة حالية، إنما هي اعتراضية٧. ورد إعرابه لقوله جل شأنه: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أن ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ مبتدأ, و ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ خبر، قائلا: الصواب أن ﴿ظُلُمَاتٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف٨. وتلك هي كل مراجعات ابن هشام في كتابه "المغني" للحوفي في كتابه إعراب القرآن، وكأنه لم يجد وراءها ما يرده أو ينكره، مما يشهد للقفطي في قوله عنه: إنه كان عالما بالنحو, قَيِّما بعلل العربية أتم قيام.
وكان يعاصره الذاكر٩ النحوي المصري تلميذ ابن جني المتوفى سنة ٤٤٠ للهجرة, وكان يتصدر بمصر لإقراء العربية، وله تعليقات مفيدة في النحو، وهو إشارة
стр. 355
واضحة إلى أن كتب ابن جني عُرفت على الأقل منذ عصره بمصر.
ويلقانا في عصر المستنصر الفاطمي نحوي كبير هو ابن١ بابشاذ طاهر بن أحمد المتوفى سنة ٤٦٩ للهجرة، وقد رحل إلى بغداد وأخذ عن نحاتها وعلمائها، وبذلك اتصل مباشرة بنحو البغداديين، وعاد إلى موطنه فتصدّر للإقراء بجامع عمرو بن العاص مع إشرافه على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمي إلى الأطراف، وله في النحو تصانيف سارت -كما يقول القفطي- مسير الشمس، منها "المقدمة" في النحو وشرحها, وشرح الجمل للزجاجي أحد أئمة النحو البغدادي. وكانت له تعليقة كبيرة في النحو كتبها في غرفة بجامع عمرو انقطع فيها بأخرة للعبادة والنسك، ويقال: إنها كانت في نحو خمسة عشر مجلدا، وإنها ظلت تنتقل من تلميذ إلى تلميذ حتى نهاية القرن السادس، وكانوا يسمونها "تعليق الغرفة". ومن مصنفاته "شرح الأصول" لابن السراج وكتاب المحتسب بناه على عشرة أشياء: الاسم والفعل والحرف، والرفع والنصب والجر والجزم، والعامل والتابع والخط، وله عليه شروح، واختصره ابن عصفور. وتدور لابن بابشاذ في كتب النحو آراء مختلفة يتفق في طائفة منها مع الكوفيين والبغداديين والبصريين، مما يدل دلالة واضحة أنه كان يمزج بين كل تلك المذاهب، فمن ذلك أن البصريين كانوا يمنعون عمل إذن النصب في المضارع وهي مفصولة عنه بأي معمول له، وأجاز ذلك الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين, وتوسط ابن بابشاذ بين الطرفين المتعارضين فجوّز الفصل بالنداء والدعاء مثل: إذن يا زيد أحسنَ إليك وإذن -يغفر الله لك- يدخلَكَ الجنة٢. وكان يجيز -مع الكوفيين والأخفش- ترخيم الاسم الثلاثي المحرك الوسط مثل: حَكَم فيقال: يا حك٣. وكان يرى رأي ابن درستويه البصري القائل بأن المبتدأ في مثل: "ضربي العبد مسيئًا" لا خبر له٤. وذهب مع الفارسي والسيرافي إلى أن عامل المستثنى