مجرور بها١. ويتحدث عن نواصب المضارع وجوازمه٢، وكان يرى أن إذن تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة كما ذهب الخليل٣. ويتحدث عن أدوات الشرط وجزمها للفعلين ويفيض في صور الجزم ورفع الجواب أحيانا٤، ويتحدث عن جزم المضارع في جواب الأمر والنهي، ويعود إلى إنّ وأنْ ومواضعهما في الاستعمال. وكان يرى أن أما في مثل: أما زيد فذاهب, تفيد التوكيد والشرط وأن الجار والمجرور والظرف إذا ولياها في مثل: "أما في الدار فإن زيدا جالس", و"أما اليوم فإني ذاهب" عملت فيهما لما فيها من معنى الفعل، ومنع أن يكون العامل فيهما خبر إن؛ لأن معموله لا يتقدم بحال عليها٥.
والعوامل تعمل مذكورة ومحذوفة، ويكثر حذف الفعل وبقاء عمله، مما جعل سيبويه يفرد لذلك صحفا كثيرة، حاول فيها أن يستقصي صور حذفه استقصاء دقيقا، وهداه ذلك منذ بادئ الأمر إلى اكتشاف باب الاشتغال الذي يُشغَل فيه الفعل أو شبهه بضمير أو بملابسه عن العمل في الاسم مثل: "زيدا كلمته وزيدا مررت به وزيدا قرأت كتابه". وقد جعل زيدا في ذلك كله مفعولا به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور. ومضى يستقصي صور الباب موزعا الكلام فيها على ما يجب نصبه وما يختار فيه النصب وما يستوي فيه النصب والرفع وما يختار فيه الرفع وما يجب رفعه، أما وجوب النصب فبعد حروف التحضيض وحرف الشرط؛ لأنه لا يليها جميعا إلا الأفعال، لذلك يجب نصب ما بعدها على أنه مفعول لفعل محذوف مثل: "هلا زيدًا كلمته"، و"إن زيدًا كلمته كلمك"٦. ويختار النصب مع النهي والأمر, أما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فالخبر فيه مبني على الإضمار؛ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون خبريا لا طلبيا؛ ولذلك لم يجعل سيبويه فعل الأمر خبرا عن السارق، بل جعل الخبر محذوفا تقديره: في الفرائض أو فيما فرض عليكم٧. ويختار النصب أيضا إذا تلا الاسمُ همزةَ الاستفهام٨
стр. 72
أو ما ولا النافيتين١ مثل: "أزيدا لقيته", و"ما زيدا كلمته", وكذلك إذا عُطفت الجملة التي فيها الاسم الذي شُغل عنه الفعل على جملة فعلية مثل: "ضربت زيدا، وعمرا أكرمته", ومنه قوله جل وعز: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢. ويستوي النصب والرفع إذا عطفت جملة الاشتغال على جملة مصدَّرة بمبتدأ وخبرها فعل أو جملة فعلية مثل: "زيد أكرمته، وعبد الله لقيته", فعبد الله يرفع إن عطفت جملته على جملة المبتدأ والخبر وينصب إن عطفت على جملة الخبر لتناسب المعطوف والمعطوف عليه في الوجهين٣. ويُختار الرفع إذا تلا الاسم جملة خبرية موجبة مثل: "زيد لقيته"؛ لأننا لا نحتاج حينئذ إلى تقدير فعل محذوف٤، غير أن النصب جائز, ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ , وكذلك إذا فُصل بين حرف الاستفهام والاسم المشغول عنه الفعل بفاصل مثل: "أأنت عبدُ الله ضربته"٥. ويجب الرفع إذا توسط بين الاسم المشغول عنه الفعل وبين الفعل أداة شرط أو استفهام مثل: "زيد إن تكرمه يكرمك" و"زيد كم مرةً لقيته" و"عمرو هل رأيته", وكذلك إذا كان الفعل في موضع الصفة مثل: "ما شيء حميته بمستباح"؛ لأن جملة "حميته" صفة لشيء و"بمستباح" خبرها. ومما يجب رفعه أيضا أن يكون الفعل معه صلة لموصول مثل: "زيد الذي رأيته سأل عنك", وكذلك إن أبدلت منه أو وكدته مثل: "زيد أن تكرمه خير من أن تهينه" لأن ما بعد أن الناصبة للفعل يعد من صلتها٦. والرفع في كل ذلك إنما هو على الابتداء. وقال سيبويه: إن الاشتغال يكون في الأفعال الناقصة على نحو ما يكون في الأفعال التامة مثل: "أعبد الله كنت مثله، وزيدا لست مثله"٧. وذكر أن اسم الفاعل والمفعول وأسماء المبالغة تجري في هذا الباب مجرى الأفعال مثل: "أزيدا أنت ضاربه" و"أزيدا أنت ضرَّابه"٨. وحتَّم الرفع في مثل: "زيد أنت الضاربه"؛ لأن الألف واللام بمعنى
стр. 73
الذي، فضاربه من صلتها، فحكمها مع الاسم الذي شُغلت عنه حكم الفعل السالف في الصلة؛ ولذلك يجب الرفع١ على الابتداء.
ولم نعرض لكل صور الاشتغال عند سيبويه, إنما عرضنا لصوره المشهورة، وكأنما نثر كنانة اللغة بين يديه وجمع منها كل ما أراد من صور لا في هذا الباب وحده، بل أيضا في كل الأبواب التي يحذف معها الفعل. وقد استكمل صور حذفه مع المفعول به فيما وراء باب الاشتغال، من ذلك تصويره لحذفه في باب التحذير مثل: الأسدَ الأسدَ٢، وإياك، وإياك والأسدَ٣، وفي باب الاختصاص مثل: "إنا معشرَ العرب كرامٌ" وهو على تقدير: أعني٤. ويصور حذفه جوازا, إذا قامت قرينة مثل "مكةَ" لمن رأيته قاصدا الحج أي: تريد مكة٥. ويعرض لكثير من الصور السماعية التي يحذف فيها وجوبا مثل: "هذا ولا زعماتِك" أي: ولا أتوهم زعماتك٦، ومن ذلك قول العرب في بعض أمثالهم: "كليهما وتمرا" أي: أعطني كليهما وتمرا٧، وقول الله جل وعز: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: ائتوا خيرا لكم٨، وقولهم: "مرحبا وأهلا وسهلا" أي: أدركت مرحبا وأصبت أهلا ونزلت سهلا٩, وقولهم: "امرأً ونفسه"١٠ أي: دع امرأ ونفسه، وقولهم: "ما لك وزيدا" أي: وتناولك زيدا١١، وقولهم: "تربا وجندلا" أي: ألزمك الله أو أطعمك١٢.
وقد أكثر سيبويه من عقد الأبواب التي تصور حذف الفعل مع المفعول المطلق جوازا ووجوبا، وهو إنما يجب إذا جاء بدلا من فعله كقولهم في الدعاء له: "سقيا ورعيا" أي: سقاك الله ورعاك١٣, و"هنيئا" أي: لتهنأ١٤, وقولهم في الدعاء عليه: "ويلك وويحك"١٥، وقولهم: "حمدا وشكرا"١٦، وقولهم: "سبحان الله ومعاذ الله
стр. 74
وعَمْرَك الله"١. ومما اطرد فيه حذف الفعل قولهم: "ما أنت إلا سيرا", و"ما أنت إلا السيرَ" بالنصب, و"ما أنت إلا السيرَ السير"٢، وزعم سيبويه أنهم استخدموا في هذا الباب صفات مثل أقائما وقد قعد الناس٣ وأتميميا مرة وقيسيا أخرى أي: أتتحول تميميا مرة وقيسيا أخرى٤. ومما حذف معه الفعل المصادر المثناة مثل: لبيك وسعديك٥، وحقا في قولهم: "هذا عبد الله حقا"٦ وعُرْفا في قولهم: "علي ألف درهم عرفا"٧. ويحذف الفعل مع قطع النعت ونصبه في مثل: "الحمد لله الحميدَ" بالنصب٨، كما يحذف في باب النداء على نحو ما ذكرنا ذلك آنفا.
وليس الفعل التام وحده الذي يحذف، فكان الناقصة تحذف في مواضع منها قولهم: "الناس مجزيُّون بأعمالهم, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر" أي: إن كان الجزاء خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. وأجاز أن يقال: إن خير فخير, أي: إن كان في أعمالهم خير, فالذي يجزون به خير, هكذا قدر العبارة٩. ومن مواضع حذف كان قولهم: كيف أنت وزيدا وما أنت وزيدا, على تقدير: كيف تكون أنت وزيدا وما كنت وزيدا١٠، وإنما قدر كان في المثالين ليسبق المفعول معه فعل يعمل فيه النصب. ومن تلك "المواضع قولهم: "أما أنت منطلقا انطلقت معك"، على تقدير: أَنْ كنت منطلقا انطلقت١١، فحذفت كان وانفصل اسمها وعوض عنهما بلفظة ما.
ومما يطرد معه حذف العامل, الجار والمجرور إذا كانا في موضع الحال أو الصفة أو الخبر، إذ يقدرهما متعلقين بفعل استقر محذوفا، فإذا قلت: "في الدار زيد" كان ذلك على تقدير: استقر في الدار زيد١٢, ومثلهما الظرف. ويطرد مع لام التعليل التي ينصب بعدها المضارع وأخواتها مثل أو والواو والفاء حذف أن الناصبة له، والخليل كما مر بنا هو الذي نبه على هذا الحذف. وتضمر رُبَّ
стр. 75
بعد الواو في مثل قول القائل: "وبلدةٍ ليس بها أنيس"١. ويحذف المضاف ويظل عمله أو أثره كقولهم: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة", فبيضاء في موضع جر على تقدير إضمار كل، كأنك قلت: ولا كل بيضاء شحمة، ومن ذلك قول أبي داود:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونارٍ توقَّد بالليل نارا
فقد أراد: وكل نار، ومن هنا قال: إن لفظة نار مجرورة بكل أخرى مقدرة وليست معطوفة على امرئ، حتى لا تكون الجملة الثانية في البيت والمثل السالف معطوفة على عاملين مختلفين، فتكون شحمة معطوفة على "تمرة", و"نارا" معطوفة على "امرأ"٢. ويكثر حذف المبتدأ العامل في الخبر ما دامت هناك قرينة تدل عليه. وهو يضع في تضاعيف كلامه قاعدة عامة لعمل العوامل مضمرة، إذ يقول: "إذا عملت العرب شيئا مضمرا لم يخرج عن عمله مظهرا في الجر والنصب والرفع"٣, ويمثل للرفع بحذف المبتدأ في قولك: "الهلال" تريد: هذا الهلال. ومما يصح أن يدخل في حذف المبتدأ قول الله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ على تقدير: أمري طاعة وقول معروف٤، وقول العرب: "الناس مجزيون بأعمالهم, إن خيرا فخير, وإن شرا فشر" فقد قدر -كما مر بنا آنفا- في لفظة خير المرفوعة ومثلها شر المرفوعة أن يكونا خبرين لمبتدأين محذوفين على تقدير: فالذي يجزون به خير، وكذلك فالذي يجزون به شر٥. ومن حذف المبتدأ قولك: "إنْ جزعٌ وإن إجمالُ صبر" أي: فإما أمري جزع وإما أمري إجمال صبر٦، وقولهم في الخطاب: "مصاحب معان ومبرور مأجور" على تقدير: أنت مصاحب معان وأنت مبرور مأجور٧. وواضح من هذا التقدير أن سيبويه لم يكن يعدد الخبر، بل يجعل لكل خبر مبتدأ خاصا به. ومن حذف المبتدأ أيضا قول الله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ على تقدير: الأمر صبر جميل، ومثله قول بعض العرب: "من أنت
стр. 76
زيد" أي: "من أنت كلامك زيد"، فتركوا إظهار الرافع١، يريد: إظهار المبتدأ، وقول الله جل وعز: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ أي: ذاك بلاغ٢. ومما يطرد فيه حذف المبتدأ النعت المقطوع لمدح أو ذم أو ترحم مثل: مررت بمحمد الفاضلُ أو اللئيم أو المسكين٣. وكذلك أي الموصولة إذا أُضيفت وحُذف عائدها, أو بعبارة أخرى: المبتدأ بعدها مثل: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ على تقدير: هو أشد٤.
وعلى نحو ما اتسع سيبويه في الحديث عن حذف العوامل على هدي ما قاله أستاذه الخليل في ذلك, اتسع في الحديث عن حذف المعمولات، فمن ذلك الخبر بعد مرفوع لولا في مثل: "لولا عبدُ الله للقِيتُك"، ويفهم من كلامه فيها أن جوابها أغنى عن الخبر٥. وكذلك الخبر بعد لو في مثل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فقد جعل أن وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وقال: إن المبتدأ هنا لا يحتاج إلى خبر لاشتمال صلة لولا على المسند إليه والمسند٦. ويحذف الخبر في مثل: "كلُّ رجل وضيعتُه", و"أنت وشأنك" أي: مقرونان٧, وهو يحذف جوازا كلما وجدت قرينة، وجعل من ذلك ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ في أحد توجيهيه، إذ قال: من الممكن أن يكون الخبر هو المحذوف على تقدير: طاعة وقول معروف أمثل٨، وكان الخليل يقول بذلك كما مر بنا في غير هذا الموضع. ومن مواضع حذفه قولهم: "ما أنت إلا سيرا" أي: تسير سيرا، وخرَّج عليه كما أسلفنا الآية الكريمة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: فيما فرض عليكم حتى لا يكون الخبر طلبيا٩. ويحذف خبر إنّ مثل: إنّ ولدا أي: إن لنا ولدا، وخبر ليت مثل: "يا ليت أيام الصبا رواجعا"، أي: يا ليت لنا, وكذلك خبر لا النافية للجنس، وجعل منه: "ألا ماء باردا" أي: لنا١٠، وكذلك خبر لا العاملة عمل ليس مثل:
стр. 77
من صَدَّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح١
وتابع الخليل في أن اسم إن وأخواتها إذا كان ضمير شأن حذف كثيرا، وسبق أن صورنا ذلك في حديثنا عن الخليل. ولاحظ أن اسم "كان وليس" المضمر يكثر حذفه وعقد لذلك بابا٢ مثل: "كان الناس صنفان: صالح وطالح"، و"ليس كل وقت تلقى صاحبك" وجعل إضمار اسمهما واجبا في باب الاستثناء مثل: جاء القوم لا يكون محمدا، وليس محمدا٣. ويحذف المفعول به ضرورة في مثل: "زيد رأيت", وقياسا في باب ظن حين يلغى الفعل كما مر بنا في غير هذا الموضع. ويحذف التمييز في مثل: كم صمت؟ أي: كم يوما، وكثيرا ما يحذف عائد الصلة، وحتى المؤكد قد يحذف عنده وعند أستاذه الخليل، يقول: "سألته عن: مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما" ما موضع أنفسهما؟ فقال: الرفع على تقدير: هما صاحباي أنفسهما، ويجوز النصب على تقدير: أعنيهما أنفسهما٤, ويحذف البدل في مثل: ظننت ذاك، فقد جعل ذاك مفعولا مطلقا على تقدير: ظننت ذاك الظن٥. ويحذف المضاف ويحل المضاف إليه محله في مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية. ويخيل لمن يتابع سيبويه أن ليس في اللغة معمول لا يحذف، وحتى الجملة تحذف، ويطرد ذلك إذا اجتمع الجزاء والقَسَم في مثل: لئن فعلت ذلك لأكافئنك, فقد حذف جواب إن لدلالة جواب القسم عليه٦. وكان يقدر جواب الشرط محذوفا في مثل: إن قام زيد أقوم, ويقول: إن الفعل المضارع مؤخر في هذا المثال من تقديم, وإن الأصل: أقوم إن قام زيد، وحذف الجواب لدلالة أقوم عليه٧.
وأكثر سيبويه من تحليله للعبارات حتى تتّجه مع ما يراه لألفاظها من إعراب، من ذلك أن نراه يعرب المصدر حالا إذا اتجه ذلك في مثل: "ذهب به مشيا" أي: ماشيا، واشترط لذلك أن لا تدخله الألف واللام إلا ما جاء سماعا مثل: أرسلها
стр. 78
العراك أي: معتركة١، ويمثل له في موضع آخر بقولهم: "لقيته فجاءة ومفاجأة وعِيانا", و"كلمته مشافهة وأتيته ركضا وعدْوا ومشيا", و"أخذت ذلك عنه سمعا وسماعا", ثم يقول: "وليس كل مصدر وإن كان في القياس مثل ما مضى من هذا الباب يُوضَع هذا الموضع؛ لأن المصدر ههنا في موضع فاعل إذا كان حالا، ألا ترى أنه لا يحسن: أتانا سُرْعة, ولا أتانا رُجْلة" إذ المصدر في المثالين ليس في موضع فاعل٢. وجعله إحساسه الدقيق بأن الحال يقع فيها الفعل, أو بعبارة أخرى: تقيد بزمنه، فإنك إذا قلت: جاء محمد ضاحكا، كانت "ضاحكا" صفة له مقيدة بالفعل وزمنه، وجعله ذلك يقول: إنها حال مفعول فيها٣، وكأنها تقع بين النعت وظرف الزمان. وهذا نفسه هو الذي لفته إلى أن يقول: إن واو الجملة الحالية في مثل: "جاء زيد والشمس طالعة" قيد بمعنى إذ, أي: إنها تدل على الزمان٤. ومن تحليلاته الطريفة في باب الحال وقد تصوره مفعولا فيه, ما عرض له في الباب الذي عنونه بقوله: "هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفة ولا مصادر؛ لأنه حال يقع فيه الأمر فينتصب؛ لأنه مفعول فيه", يقول٥: "وذلك قولك: كلمته فاهُ إلى فِيّ, وبايعته يدا بيد, كأنه قال: كلمته مشافهة وبايعته نقدا، أي: كلمته في هذه الحال. وبعض العرب يقول: كلمته فوه إلى في كأنه يقول: كلمته وفوه إلى في, أي: كلمته وهذه حاله، فالرفع على قوله: كلمته وهذه حاله، والنصب على قوله: كلمته في هذه الحال فانتصب؛ لأنه حال وقع فيه الفعل، وأما يدا بيد فليس فيه إلا النصب؛ لأنه لا يحسن أن يقول: بايعته ويد بيد, ولم يرد أن يخبر أنه بايعه ويده في يده، ولكنه أراد أن يقول: بايعته بالتعجيل ولا يبالي أقريبا كان أم بعيدا. وإذا قال: كلمته فوه إلى في, فإنما يريد أن يخبر عن قربه منه وأنه شافهه ولم يكن بينهما أحد. ومثله من المصادر في أن تلزمه الإضافة وما بعده مما يجوز فيه الابتداء ويكون حالا, قولهم: رجع فلان عَوْدَه على بدئه, وانثنى فلان عوده على بدئه كأنه قال: انثنى عودا على بدء. ولا يستعمل في الكلام: رجع
стр. 79
عودا على بدء، ولكنه مُثِّل به. ومن رفع فوه إلى في, أجاز الرفع في قوله: رجع فلان عوده على بدئه. ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه الفعل, قولك: بعت الشاء شاة ودرهما، وقامرته درهما في درهم، وبعته داري ذراعا بدرهم، وبعت البر قَفِيزين بدرهم، وأخذت زكاة ماله درهما لكل أربعين درهما، وبينت له حسابه بابا بابا، وتصدقت بمالي درهما درهما. واعلم أن هذه الأشياء لا ينفرد منها شيء دون ما بعده؛ وذلك أنه لا يجوز أن تقول: كلمته فاه حتى تقول: إلى في؛ لأنك إنما تريد مشافهة، والمشافهة لا تكون إلا من اثنين، فإنما يصح المعنى إذا قلت: إلى في. ولا يجوز أن تقول: بايعته يدا؛ لأنك إنما تريد أن تقول: أخذ مني وأعطاني، فإنما يصح المعنى "بيد" لأنهما عملان. ولا يجوز أن تقول: انثنى عوده؛ لأنك لا تريد أنه لم يقطع ذهابه حتى وصله برجوع، وإنما أردت أنه رجع في حافرته أي: نقض مجيئه برجوع. وقد يكون أن ينقطع مجيئه ثم يرجع، فيقول: رجعت عودي على بدئي, أي: رجعت كما جئت، والمجيء موصول به الرجوع، فهو بدء والرجوع عود. ولا يجوز أن تقول: بعت داري ذراعا وأنت تريد بدرهم، فيرى المخاطب أن الدار كلها ذراع. ولا يجوز أن تقول: بعت شائي شاة شاة وأنت تريد بدرهم, فيرى المخاطب أنك بعتها الأول فالأول على الولاء. ولا يجوز أن تقول: بينت له حسابه بابا, فيرى المخاطب أنك إنما جعلت له حسابه بابا واحدا غير مفسر. ولا يجوز: تصدقت بمالي درهما فيرى المخاطب أنك تصدقت بدرهم واحد. وكذلك هذا وما أشبهه".
وواضح ما يحمله هذا التحليل من دقة الحس ودقة الفقه بأساليب العربية واستعمالاتها ودلالاتها، ومن هنا كان كتاب سيبويه لا يعلم العربية وقواعدها فحسب, بل يعلم أيضا أساليبها ودقائقها التعبيرية. وعلى نحو ما نراه في هذه الفقرة يتوقف في الكتاب مرارا لينص على ما لم يستعمله العرب ولا جرى على ألسنتهم. ودائما تلقانا في الكتاب مثل هذه التحليلات الرائعة، فهو لا يسجل القواعد فقط، وإنما يفكر في العبارات ويلاحظ ويتأمل ويستنبط خواصها ومعانيها بحسه الدقيق المرهف، ويكفي أن نقف عند أمثلة أخرى من باب فاء
стр. 80
السببية التي ينصب بعدها المضارع، وقد يأتي مرفوعا، يقول١:
"اعلم أن ما ينتصب في باب الفاء قد ينتصب على غير معنى واحد، وكل ذلك على إضمار أن، إلا أن المعاني مختلفة، كما أن "يعلم الله" يرتفع كما يرتفع: يذهب زيد، و"علم الله" ينتصب كما ينتصب: ذهب زيد، وفيهما معنى اليمين ... يقول: ما تأتيني فتحدثَني، فالنصب على وجهين من المعاني, أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني أي: لو أتيتني لحدثتني، وأما الآخر: فما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي: منك إتيان كثير ولا حديث منك، وإن شئت أشركت بين الأول والآخر فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: ما تأتيني فتحدثني "بالرفع" كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني، ومثل النصب قوله : ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ , ومثل الرفع قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ, وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ , وإن شئت رفعت "تحدثني" على وجه آخر, كأنك قلت: فأنت تحدثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجي ونكثر التأميلا
كأنه قال: فنحن نرجي، فهذا في موضع مبني على المبتدأ "المحذوف" ... وتقول: حسبته شتمني فأثبَ عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعا، ومعناه: أن لو شتمني لوثبت عليه. وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع؛ لأن هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعلُ".
ويدخل في هذا التحليل للعبارات وفرة الاحتمالات في إعرابها، من ذلك: "دخلوا الأولَ فالأولَ" جعله حالا مثل: دخلوا واحدا فواحدا، وجوز أن يقال: دخلوا الأولُ فالأول بالرفع, على أن الأول بدل من الضمير٢. ومن ذلك قولك: "إن زيدا منطلق العاقلَ اللبيب" فقد جوز فيه النصب نعتا لزيد، كما جوز الرفع على وجهين: أن يكون العاقل بدلا من الضمير العائد على زيد في منطلق، أو يكون خبرا لمبتدأ محذوف، وكأنه جواب على سؤال مقدر، كأنه قيل: من هو؟ فأجيب بأنه العاقل اللبيب٣. ومن ذلك نعت اسم لا النافية للجنس
стр. 81
مثل: لا رجل ظريفَ عندك، فقد جوز في النعت أن يكون مبنيا على الفتح غير منون مثل الاسم، وقال: لأنهم جعلوا الموصوف والوصف بمنزلة اسم واحد، وجوز أن يكون منصوبا منونا أي: لا رجل ظريفًا عندك، يقول: كأنهم جعلوا الاسم ولا بمنزلة اسم واحد١.
وهدتْه هذه التحليلات وما يماثلها إلى تبين حروف الجر الزائدة، وكلما التقى بها في تعبير نص عليها، من ذلك "من" الزائدة مع الاستفهام والنفي في المبتدأ أو الفاعل مثل: هل من طعام؟ أي: هل طعام؟ وما من طعام أي: وما طعام، ومثل: ما أتاني من رجل أي: ما أتاني رجل٢. ومن ذلك الباء الزائدة في حسبك مثل قولهم: بحسبك قولُ السوء، يقول: كأنهم قالوا: حسبُك قول السوء٣. وكما تدخل الباء على حسبك, تدخل على المبتدأ بعدها إن قدرت خبرا مقدما مثل: مررت برجل حسبك به من رجل، فبه هنا بمنزلة هو في رأيه ورأى أستاذه الخليل٤. ومن توجيهاته الطريفة أنه كان يقول: إن الواو في لغة "أكلوني البراغيث" حرف دال على الجماعة, كما أن التاء في قالتْ حرف دال على التأنيث٥. وكان يذهب مع أستاذه الخليل إلى أن كان قد تأتي زائدة, أي: ملغاة في مثل قول الشاعر:
فكيف إذا رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام
فقد زادت تبيينا لمعنى المضي٦. وكان يرى كذلك أنه تزاد أنْ توكيدا للقسم بين اليمين وفعل القسم وما بعدهما مثل: والله أنْ لو فعلتَ لفعلتُ، وأقسم أن لو جئتَ لجئتُ٧. وكان يسمي حروف الجر حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء٨، وعنده أن "إما" المكسورة المشددة مركبة من إنْ وما٩، وأن التنوين في جوار وغواش عوض عن الياء المحذوفة١٠.
стр. 82
وعلى هذا النحو لا تزال سيول من التحليلات حتى للحركات والحروف, تلقانا عند سيبويه. وفي كل مكان نراه يتوقف ليوجه النصب والرفع في تعبير جاءت كلمةٌ فيه على لسان العرب مرفوعة ومنصوبة، أو جاءت مرفوعة فحسب أو منصوبة.
стр. 83
٤- السماع والتعليل والقياس:
يجري سيبويه في السماع على الأساس الذي وضعته مدرسته، كما رأينا عند ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر والخليل, وهو النقل عن القراء وعلماء اللغة الموثقين والعرب الذين يوثق بفصاحتهم، واستن بمدرسته في قلة الاستشهاد بالحديث النبوي؛ لأنه رُوي بالمعنى لا باللفظ، ودخل في روايته كثيرون من الأعاجم الذين لا يؤمنون على اللحن.
ويقول ابن الجزري: إنه أخذ القراءة عن أبي عمرو بن العلاء، ويظهر -إن صح ذلك- أنه لم يأخذها عنه مباشرة، إنما أخذها عن بعض تلاميذه، إذ نراه في الكتاب لا يذكر له مسألة إلا من طريق الرواية عن بعض هؤلاء التلاميذ, وخاصة يونس بن حبيب، مما يدل على أنه لم يلقه. ونظن ظنا أنه حمل قراءة الذكر الحكيم عن هارون١ بن موسى النحوي الذي يتردد ذكره في الكتاب مع بعض القراءات التي يرويها، وكذلك عن أستاذه الخليل وغيره من أئمة القراءات في البصرة لعصره مثل يعقوب بن إسحاق الحضرمي وهو أحد أئمة القراءات العشر. وكان سيبويه يقول: "القراءة لا تخالف لأنها السنة"؛ ولذلك قلما يذكر القراءة التي تخالف القياس, بل عادة لا يعرض لها، ومما وقف عنده الآية الكريمة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وكان ابن عامر يقرأ "يكونَ" بالنصب، وهو بذلك يخالف القياس؛ لأن المضارع لا ينصب بعد الفاء مع الأمر، على نحو ما يقرر ذلك سيبويه، إلا إذا كان جوابا له، ولم يرد الله في رأيه أنه يقول للشيء كن فيكون، وإنما أراد أنه يقول للشيء كن فحسب، ثم أخبر أنه يكون، ومعنى ذلك
стр. 84
أن قوله: "فيكون" كلاما مستقلا لا مترتبا على الأمر. ومن هنا نرى سيبويه يذكر في الآية قراءة الجمهور بالرفع، ولا يعرض لقراءة ابن عامر١. ومن ذلك أن نراه لا يعرض لقراءة حمزة: "تساءلون به والأرحامِ" بخفض الأرحام وعطفها على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض, مع أنه يقرر أنه لا يصح أن يقال: مررت بك وزيد، بل لا بد من أن يقال: مررت بك وبزيد, أي: إنه لا بد في العطف على الضمير المجرور من إعادة حرف الجر٢.
ويتردد في الكتاب سماعه عن علماء اللغة الموثقين في موطنه, وفي مقدمتهم أستاذه الخليل، وله في الكتاب القدح المعلّى، ويليه يونس بن حبيب، وقد نقل عنه أكثر من مائتي مرة٣، ثم الأخفش الكبير ومجموع نقوله عنه سبعة وأربعون نقلا، ثم أبو عمرو بن العلاء، وقد روى عنه أربعا وأربعين رواية، ثم عيسى بن عمر، ومجموع نقوله عنه اثنتان وعشرون مرة، ثم ابن أبي إسحاق وقد نقل عنه أربع مرات, وهو لا ينقل عنه ولا عن أبي عمرو بن العلاء مباشرة. ويروي السيرافي عن أبي زيد أنه كان يقول: كلما قال سيبويه: "وأخبرني الثقة فأنا أخبرته" وتكررت الرواية في الكتاب عن هذا الثقة تسع مرات. ونقل أيضا عن الكوفيين بعض وجوه من القراءات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
وذكرنا آنفا أنه دخل بوادي نجد والحجاز, وأنه قيد كثيرا عن العرب، ويطفح الكتاب بما قيده عنهم شعرا ونثرا. وكان موقفه من العرب دائما أن يسجل الصورة الشائعة على ألسنتهم في التعبير معتمدا عليها في تقرير قواعده. ولم يكن يسجلها وحدها، بل كان يسجل دائما ما جاء شذوذا على ألسنتهم، وهو ينعته تارة بالضعف وتارة بالشذوذ أو القبح أو الغلط، يقصد بذلك إلى أنه يخالف القياس الذي ينبغي اتباعه، من ذلك قوله: "واعلم أن ناسا من العرب يغلطون, فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان"٤, وهو بذلك يقرر أن توكيد اسم إن والمعطوف عليه ينبغي أن يكونا جميعا منصوبين؛ لأنهما يتبعان منصوبا،
стр. 85
ومعروف أن الفاء لا يُنصَب المضارع بعدها إلا إذا كانت -كما قرر هو نفسه- جوابا لأمر أو نهي أو تمن أو استفهام أو نفي أو عرض أو تحضيض أو دعاء، فإن نصب معها في كلام ولم يكن جوابا لأحد هذه الثمانية كان ذلك شذوذا وضعفا إن جاء عن العرب في بعض أشعارهم، يقول: "وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر ... فمما نُصب في الشعر اضطرارا قول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا
وقال الأعشى, وأنشدناه يونس:
ثمت لا تجزونني عند ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
وهو ضعيف في الكلام"١. ويقول في باب التصغير: "من العرب من يقول في ناب: نويب، فيجئ بالواو لأن هذه الألف مبدلة من الواو أكثر، وهو غلط منهم"٢. وأساس الغلط عنده أن ما ثانيه حرف علة مقلوب عن الياء أو الواو يرد إلى أصله في التصغير، فناب تصغر على نُيَيب وباب على بويب. ولذا كان يرى أن نويبا غلط وأنه ينبغي أن تكون نُيَيبا. ويشير إلى العلة في إجراء هؤلاء العرب نابا على مثال باب، إذ الألف الزائدة في التصغير إذا كانت ثانية في اللفظة تقلب واوا، ولما كان ذلك يجري في كثير من الكلمات مثل كاتب وكويتب وشاعر وشويعر, ظنوا أن من حقهم أن يقلبوا ألف ناب في التصغير واوا. وعلى هذا النحو كان سيبويه يعرض سماعه على المقاييس النحوي، أو بعبارة أدق: كان يتخذ هذه المقاييس مما دار على ألسنة العرب كثيرا، وما خالفه ينحى عليه بكلمات تدل على مخالفته للذائع المشهور الذي استنبطت منه القواعد، وينعته بالغلط, يريد أن يثبت عليهم التوهم فيه.
وتكثر التعليلات في كتاب سيبويه كثرة مفرطة، سواء للقواعد المطردة أو للأمثلة الشاذة، يقول في فواتح كتابه: "وليس شيء يضطرون "العرب" إليه, إلا وهم يحاولون به وجها", فهو لا يعلل فقط لما كثر في ألسنتهم واستُنبطت على أساسه القواعد، بل يعلل أيضا لما يخرج على تلك القواعد، وكأنما لا يوجد أسلوب ولا توجد قاعدة بدون علة. ونحن لا نكاد نمضي في قراءته حتى
стр. 86
نجده يعلل لعدم جزم الأسماء، يقول: "وليس في الأسماء جزم لتمكنها وللحاق التنوين، فإذا ذهب التنوين لم يجمعوا على الاسم ذهابه وذهاب الحركة"١.
وواضح أنه لا يعلل لواقع الاسم فحسب، بل يعلل أيضا لما لا يجري في واقعه، مما جرى في الأفعال من بعض وجوه الإعراب. وبذلك وسَّع التعليل فشمل ما هو واقع وما لم يقع، في الأسماء وفي الأفعال جميعا، إذ لا يلبث أن يقف عند إعراب المضارع، وأنه يرفع، وينصب مع أدوات النصب، ويجزم مع أدوات الجزم، ويلاحظ أنه لا يجر، ويحاول التعليل لذلك فيقول: "وليس في الأفعال المضارعة جر, كما أنه ليس في الأسماء جزم؛ لأن المجرور داخل في المضاف إليه معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال"٢. ونراه يعلل لإعراب المضارع وتسميته باسمه بأنه يضارع أو يشابه اسم الفاعل في معناه ووقوعه موقعه, فإنك تقول: إن عبد الله ليفعل كما تقول: إن عبد الله لفاعل فيما تريد من المعنى. وأيضا فإنك تلحق به لام الابتداء، كما ألحقتها باسم الفاعل في نفس العبارتين المذكورتين، وهي لا تدخل إلا على الأسماء ويمتنع دخولها على الأفعال الماضية. وبهذا كله استحق المضارع أن يعرب, وأن يدخل على آخره الرفع والنصب والجزم٣. ونحس كأنه يستشعر أنه كان الواجب أن يكون آخر الماضي ساكنا، وكأن الأصل في الأفعال أن تكون ساكنة الآخر، ولا يلبث أن يعلل لفتح آخره بأن فيه بعض المضارعة؛ ولذلك كان يقع موقع اسم الفاعل والمضارع جميعا، إذ تقول: "هذا رجل ضرب محمدا" كما تقول: هذا رجل ضارب محمدا، وتقول: إن فعلَ فعلتُ كما تقول: إن يفعل أفعل. ولذلك فارق الماضي السكون إلى الفتح، ولم يعرب إعرابا كاملا مثل المضارع؛ لأن مضارعته ناقصة، إذ لا تدخل عليه لام الابتداء٤. ومعنى ذلك أن الأفعال ثلاثة أقسام: قسم منها ضارع الاسم مضارعة تامة فأعرب، وهو الفعل المضارع، وقسم ضارعها أو شابهها مشابهة ناقصة، فبني على الفتح وهو الماضي، وقسم ثالث بقي على أصله من السكون وهو فعل الأمر. ويلاحظ أن النون في الأسماء المثناة والمجموعة ليست عَلَم الإعراب،
стр. 87
بل علمه حروف اللين قبلها وهي: الألف والياء في المثنى والواو والياء في جمع المذكر السالم، أما النون فحرف يقابله تنوين الاسم المفرد؛ ولذلك كانت تحذف مثله في حالة الإضافة. ويقارن بين هذه النون وبين أختها في الأفعال الخمسة: يفعلان وتفعلان، ويفعلون وتفعلون، وتفعلين، ويقول: إن نون هذه الأفعال علم الرفع، أما حروف اللين قبلها فضمائر وليست علما للإعراب, كما هو الشأن في الأسماء المثناة والمجموعة، ويشرح ذلك شرحا معللا وافيا, قائلا١:
"واعلم أن التثنية إذا لحقت الأفعال المضارعة علامة للفاعلَين, لحقها ألف ونون ولم تكن الألف حرف الإعراب؛ لأنك لم ترد أن تثني يفعل هذا البناء، فتضم إليه يفعلا آخر، ولكنك إنما ألحقته هذا علامة للفاعلين. ولم تكن "يفعل" منونة ولا تلزمها الحركة لأنه يدركها الجزم والسكون، فيكون الأول حرف الإعراب والآخر كالتنوين. فلما كان حال يفعل في الواحد غير حال الاسم، وفي التثنية لم يكن بمنزلته, فجعلوا إعرابه في الرفع ثبات النون؛ لتكون له في التثنية علامة الرفع كما كان في الواحد إذ مُنع حرف الإعراب "يريد الضم", وجعلوا النون مكسورة كحالها في الاسم، ولم يجعلوها حرف إعراب "أي: حرفا يظهر عليه الإعراب" إذ كانت متحركة لا تثبت في الجزم. ولم يكونوا ليحذفوا الألف لأنها علامة الإضمار والتثنية في قول من قال: أكلوني البراغيث, وبمنزلة التاء في قلت وقالت، فأثبتوها في الرفع وحذفوها في الجزم، كما حذفوا الحركة في الواحد. ووافق النصبُ الجزمَ في الحذف، كما وافق النصب الجر في الأسماء؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، وليس للأسماء في الجزم نصيب، كما أنه ليس للفعل في الجر نصيب، وذلك قولك: هما يفعلان، ولن يفعلا, ولم يفعلا. وكذلك إذا لحقت الأفعال علامة للجمع لحقتها زائدتان، إلا أن الأولى واو مضموم ما قبلها لئلا يكون الجمع كالتثنية، ونونها مفتوحة بمنزلتها في الأسماء، كما فعلت ذلك في التثنية؛ لأنهما وقعتا في التثنية والجمع ههنا كما أنهما في الأسماء كذلك، وهو قولك: هم يفعلون ولم يفعلوا ولن يفعلوا. وكذلك إذا ألحقت التأنيث في المخاطبة, إلا أن الأولى ياء وتفتح النون لأن الزيادة
стр. 88
التي قبلها بمنزلة الزيادة التي في الجمع، وهي تكون في الأسماء في الجر والنصب، وذلك قولك: أنت تفعلين، ولم تفعلي, ولن تفعلي".
ويمضي سيبويه، فيعلل لدخول التنوين على الأسماء المتمكنة دون الأفعال المضارعة, فضلا عن غيرها من الأفعال، بسبب خفته وثقلها، يقول: "واعلم أن بعض الكلام أثقل من بعض، فالأفعال أثقل من الأسماء؛ لأن الأسماء هي الأول "يريد ما ذهب إليه من أن المصادر أصل الأفعال؛ ولذلك كانت الأسماء تتقدم الأفعال في الرتبة" وهي أشد تمكنا، فمن ثم لم يلحقها "أي: الأفعال" تنوين ولحقها الجزم والسكون، وإنما هي من الأسماء "أي: إنها مشتقة من المصادر" ألا ترى أن الفعل لا بد له من الاسم "أي: إنه تابع له، إذ لا يوجد فعل بدون فاعل" وإلا لم يكن كلاما، والاسم قد يستغني عن الفعل تقول: الله إلهنا، وعبد الله أخونا"١. ويلاحظ أن الاسم إذا أشبه المضارع في بنائه منعوه من التنوين والجر، فيجر بالفتحة، ويقول: "واعلم أن ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام, ووافقه في البناء أجري لفظه مجرى ما يستثقلون ومنعوه ما يكون لما يستخفون "أي: من الأسماء المتمكنة" فيكون في موضع الجر مفتوحا، استثقلوه حيث قارب الفعل في الكلام ووافقه في البناء وذلك نحو: أبيض وأسود وأحمر وأصفر، فهذا بناء أذهب وأعلم"٢. ويقول: إن الاسم يجر بالفتحة أيضا إذا نقل عن المضارع مثل يشكر علما على شخص. ويجعل التنوين مطردا في كل ما هو أشد تمكنا، ولذلك كان أكثر الكلام ينون إذا كان منكرا، وكذلك ينون المفرد ولا ينون الجمع الذي لا يكون له مثال في المفرد مثل مصابيح. وأيضا ينون الاسم المذكر؛ لأنه أخف عليهم من المؤنث؛ ولذلك حرموه التنوين، ويقول: جميع ما لا ينصرف إذا أُدخل عليه الألف واللام أو أُضيف انجرّ؛ لأنها أسماء أدخل عليها ما يدخل على المنصرف، وأدخل فيها المجرور كما يدخل في المنصرف ... وجميع ما يُترَك صرفه "تنوينه" مضارَع به الفعل؛ لأنه إنما فعل به ذلك لأنه ليس له تمكن غيره، كما أن الفعل ليس له تمكن الاسم٣.
стр. 89
وكل هذه التعليلات في الصفحات الأولى من الكتاب، إذ لم نتجاوز حتى الآن الصفحة السابعة فيه، وبذلك ثبّت سيبويه جذور التعليل في النحو والصرف ومدها في جميع قواعدهما ومسائلهما، فليس هناك شيء لا يعلل، بل لكل شيء علته يمسك بها في يمينه. وتنتشر هذه التعليلات في أكثر صفحات الكتاب، ويكفي أن نذكر منها أطرافا، فمن ذلك تعليله لاختصاص الاستفهام بالأفعال وأن الأصل فيها أن تدخل عليها لا على الأسماء لمشابهتها حروف الجزاء أو الشرط، ولأن جوابها يجزم أحيانا كما يجزم الأمر، وأدوات الشرط إنما يليها دائما الأفعال، يقول: "وحروف الاستفهام كذلك بُنيت للفعل إلا أنهم قد توسعوا فيها فابتدءوا بعدها الأسماء، والأصل غير ذلك, ألا ترى أنهم يقولون: هل زيد منطلق؟ وهل زيد في الدار؟ وكيف زيد آخذ؟ فإن قلت: كيف زيدا رأيت؟ وهل زيد يذهب؟ قبُح "لأنه ينبغي تقديم الفعل متى كان موجودا مع أداة الاستفهام" ولم يجز إلا في شعر؛ لأنه لما اجتمع الفعل والاسم حملوه على الأصل ... وإنما فعلوا هذا بالاستفهام لأنه كالأمر في أنه غير واجب, أنه يريد به من المخاطب أمرا لم يستقر عند السائل, ألا ترى أن جوابه جزم "أي: كما يكون جواب الأمر حين يستخدم حرف جزاء وشرطه"؛ فلهذا اختير النصب وكرهوا تقديم الاسم "أي: في مثل: هل زيدا أنت؟ " لأنها حروف ضارعت بما بعدها ما بعد حروف الجزاء، وجوابها كجوابه ... إذا قلت: أين عبدَ الله آته"١ أي: كما تقول: ائتني آتك. ومن أجل ذلك كله اختار في باب الاشتغال كما مر بنا نصب الاسم المشغول عنه بعد أدوات الاستفهام، حتى يكون بعدها فعل في التقدير. ويعلل لقصور الصفة المشبهة عن اسم الفاعل في قوة العمل بأنها ليست في معنى الفعل المضارع, لا في زمنه ولا في بنائه، إذ تدل على الثبوت، وهي لا تقابله في الحركات والسكنات مثل اسم الفاعل؛ ولذلك استحسن أن يكون ما بعدها معرفا باللام والألف, ومضافا إليها مثل: محمد حسن الوجه، حتى يبعد شبهها عن اسم الفاعل٢ الذي يجري مجرى المضارع في العمل. ويعلل لحذف التاء كثيرا في ترخيم المنادى بأنها تنقلب هاء في الوقف؛ ولذلك كان حذفها أولى، وأيضا فإن المنادي بمثل: "يا ضباعا" بدلا من: يا ضباعة
стр. 90
عادة يمد صوته، وكأنما جعلوا المدة التي تلحق المنادى المرخم بدلا منها١.
ويعلل لجزم المضارع في جواب الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض بأنهم جعلوه معلقا بما سبقه غير مستغن عنه، بالضبط كما يكون الشرط، فقولك: ائتني آتك هو كقولك: إن تأتني آتك، ولذلك جزموه كما جزموا جواب الشرط، وكأن هناك شرطا مقدرا٢. ويعلل لحذف الفعل في التحذير مع العطف أو كما يسميه هنا التثنية بقوله: "يقول: رأسك والحائط وهو يحذره، كأنه قال: اتق رأسك والحائط، وإنما حذفوا الفعل في هذه الأشياء حين ثنوا؛ لكثرتها في كلامهم واستغناء بما يرون من الحال, وبما جرى من الذكر"٣.
وعلى نحو ما يتسع سيبويه بالتعليل في النحو يتسع به في الصرف، وخاصة في باب القلب والإعلال، يقول في "أيْنق" جمع ناقة: كان القياس فيها أن تجمع على: أنوق، وإما أن يكونوا قدموا الواو على النون وأبدلوها ياء؛ وبذلك حدث فيها قلب وإعلال، وزنتها على هذا التحول: "أعفل", وإما أن يكونوا قد حذفوا الواو من "أنوق" وجعلوا الياء عوضا لها، وزنتها على هذا الأساس "أيفل"٤, ويذهب في لفظة "اطمأنّ" إلى أن أصلها: "طأمن" وحدث بها قلب, أو بعبارة أخرى: تقديم الميم على الهمزة٥. ويقول: إن قياس مصدر فعّل المضاعف الفِعّال، ولكن العرب عدلت عن ذلك البناء إلى التفعيل مثل: قطّع تقطيعا، ويعلل لذلك بقوله: "جعلوا التاء التي في أوله بدلا من العين الزائدة في فعّلت، وجعلوا الياء بمنزلة ألف الإفعال "مصدر أفعل مثل إكرام" فغيروا أوله كما غيروا آخره"٦.
وطبيعي أن يكثر القياس في كتاب سيبويه كثرة مفرطة؛ لأنه الأساس الذي يقوم عليه وضع القواعد النحوية والصرفية واطرادها، وهو يعتمد عنده في أكثر الأمر على الشائع في الاستعمال على ألسنة العرب، كما يقوم على المشابهة بين استعمالاتهم في الأبنية والعبارات المختلفة، فمن ذلك أن نراه يقيس حذف العائد في النعت على حذفه في الصلة, متمثلا بقول جرير:
стр. 91
أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح
يريد الهاء "أي: حميته", وقول الحارث بن كلدة:
فما أدري أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا
يريد: أصابوه ... يقول: "كما لم يكن النصب "أي: الضمير المنصوب" فيما أتممت به الاسم يعني الصلة" ويقول: إن حذفه في الصلة أحسن لأن الموصول والصلة بمنزلة اسم واحد فكرهوا طولها، أما في الصفة فحذفه حسن ولكنه لا يبلغ في الحسن مبلغ حذفه في الصلة؛ ولذلك جعل الحذف في الصلة الأصل وقاس عليه الحذف في الصفة، وضعف حذف العائد في الخبر؛ لأن الخبر غير المخبر عنه، وليس معه كشيء واحد، كما هو الحال في الصلة والصفة١.
ويقيس اسم الفاعل واسم المفعول وصيغ المبالغة على الفعل المضارع في العمل، ويرتب على ذلك أنه يجوز في المعمولات معها من التقديم والتأخير والإظهار والإضمار ما يجوز مع الفعل٢. ويضع قاعدة عامة للحال أنه دائما يأتي نكرة، ويرتب على ذلك أن المصدر إذا كان حالا منع القياس دخول الألف واللام عليه، فلا يقال: ذهب زيد المشيَ بالنصب على الحال، وإنما يقال: ذهب زيد ماشيًا٣، ونص على ما جاء من ذلك شذوذا عن العرب مثل: أرسلها العِرَاك، وقد أوله أستاذه الخليل على أن العرب تكلمت بمثل هذا الحال المعرف على نية طرح الألف واللام٤. ويقيس عمل إن وأخواتها على عمل الفعل المتعدي، غير أن المنصوب معها يتقدم على المرفوع، دلالة على أنها ليست أصلا في عمل الرفع والنصب٥. ونراه يقف عند استعمال ما النافية استعمال ليس في رفع اسمها ونصب خبرها في مثل: "ما زيد منطلقا" ثم يعقب بلغة تميم فيها وأنها لا تعملها، يقول: "وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أما وهل، وهو القياس لأنها ليست بفعل، وليس ما كليس، ولا يكون فيها إضمار, أما أهل الحجاز فيشبهونها بليس، إذ كان معناها كمعناها"٦.
стр. 92
وكأنه يرى نقصا في قياس الحجازيين لها على ليس, إذ لا يكفي أن تكون بمعناها، بل لا بد لما يعمل الرفع والنصب متواليين أن يكون فعلا يصح الإضمار فيه. ويقيس حذف الجزء الثاني من أربعة عشر ومعد يكرب في الترخيم على حذفه في النسب، ويقول: بل هو الأجدر أن يحذف في الترخيم، إذ يحذف فيه ما لا يحذف في النسب، فإنك تنسب إلى جعفر: جعفري، وإذا رخمته، حذفت الياء والراء فقلت: يا جعف١. ويقيس في باب الاشتغال حروف الاستفهام على حروف الجزاء، ويقيس عليها حروف النفي. وجعل الأمر والنهي في هذا الباب يضارعان حروف الجزاء أيضا، مع أنهما لا يكونان إلا بفعل٢. ويقيس المصدر على الفعل في عمله ومعناه٣، كما يقيس على المصدر ما جرى من الأسماء والصفات مجراه مثل جندلا، وهنيئا مريئا٤. ويقيس المكان المختص على المكان غير المختص في نصبه سماعا مثل: هو مني منزلةَ الشغاف ومناطَ الثريا٥. ويقيس البدل على التوكيد في إعرابه إعراب متبوعه٦. ويقيس التمييز بعد نعم في مثل: نعم رجلا عبد الله على قولك: حسبك به رجلا عبد الله، سواء في عمل ما قبله فيه أو في المعنى؛ لأنهما جميعا ثناء في استيجابهما المنزلة الرفيعة، ولأنهم إنما بدءوا فيهما بالإضمار على شريطة التفسير، وقد جمع بين: حسبك به رجلا, وويحه رجلا, ولله دره رجلا، فجميعها يوضح التمييز فيها جهة التعجب، وقاس على ويحه رجلا قولهم: "رُبَّه رجلا", فكل هذه العبارات تفسير لإضمار سابق٧.
والصرف عنده كله أقيسة، وقد أظهر في حصر أبنية الأفعال والأسماء المجردة والمزيدة وما يقابلها من التفاعيل ذكاء منقطع النظير, وخاصة أبنية الأسماء، إذ أورد لها ثلاثمائة مثال "تفعيلة" وثمانية٨. وهو في كل مثال يبحث عن نظائره في اللغة، فإن لم يجد لكلمة مثالا أو تفعيلة ردّها إلى مثال آخر قاسها عليه، من ذلك كلمة عِزْويت أي: قصير، فإنه لم يجد لها في اللغة نظيرا في صيغتها،
стр. 93
فأبى أن يضع لها مثالا على وزنها، وهو فِعْوِيل، وحملها أو بعبارة أخرى: قاسها على "فِعْلِيت" لوجود النظير في هذا المثال، وهو عفريت ونفريت١. وأساس ذلك عنده أن القاعدة لا توضع لمثال واحد شاذ، وإنما توضع لأمثلة كثيرة، وإذا وُجد مثال شاذ حُمل على غيره ودخل في قياسه. وإذا نطقوا كلمة على صيغتين وكانت إحداهما مقيسة والثانية شاذة, نص على ذلك في وضوح مؤثرا لبناء المقيسة على الشاذة، من ذلك كلمة ثور، فقد جمعها العرب على ثِوَرة جمعا قياسيا، كما تقول في كوز: كِوَزة وعود: عودة وزوج: زوجة, وجمعوها أيضا على ثِيَرة جمعا شاذا، يقول: "وقد قالوا: ثِوَرة وثِيَرة قلبوها حيث كانت بعد كسرة، واستثقلوا ذلك، كما استثقلوا أن تثبت في دِيَم، وهذا ليس بمطرد يعني: ثِيَرة"٢. وعنده أن جمع صائم صُوَّم لأنه واوي الأصل، ويقول: إنه سمع من العرب من يقول في جمعها: صُيَّم بالياء حملا لها وقياسا على عِصِيّ٣. ويقول: إنهم يجمعون حَلْقة على حَلَق شذوذا, محدثين فيها هذا النقص وتغيير حركة اللام كما صنعوا في النسب، إذ نسبوا ثقيفا قائلين: ثقفيّا بحذف الياء وفتح القاف، والقياس فيها عنده ثقيفي٤. ويقيس جمع مثل بازل وبُزُل وشارف شرف على جمع مثل صبور وصُبُر وغفور وغفر، وجعل علة القياس أن كلا من المثالين على أربعة أحرف, وبه حرف زائد هو الواو في مثل صبور والألف في مثل بازل٥. ويقول: إن القياس في جمع مثل مضروب: مضروبون, غير أنهم قد قالوا: مكسور ومكاسير وملعون وملاعين ومشئوم ومشائيم, شبّهوا هذه الألفاظ أو بعبارة أخرى: قاسوها على ما يكون من الأسماء على هذا الوزن مثل: بهلول وبهاليل٦. ويقول: إنهم قاسوا المصدر من سَخِط اللازم على المصدر من غضب المتعدي، فجعلوه سَخَطًا٧. ودائما يتشدد سيبويه في القياس، وقد يفضي به تشدده إلى أن يرفض القياس على بعض
стр. 94
ما جاء عن العرب كثيرا، ومن خير ما يوضح ذلك عنده النسبة إلى فَعِيل وفُعَيْل مثل ثَقِيف وهُذَيْل، فقد كثر عن العرب في هذين المثالين أن يصوغوهما على فَعَلِيّ وفُعَلِيّ فتقول: ثقفي وهذلي، ونحوهما: قُرَشي. ولم يرتض سيبويه أن يكون ذلك قياسا مطردا، إذ رأى أن حق مثل هذه الألفاظ إقرار الياء في النسب، كقولهم في حنيف: حنيفي، وبذلك منع أن يقاس على ما ورد عن العرب من ذلك، وإن كثر على ألسنتهم، فمثل سعيد ينبغي أن تكون النسبة إليه: سعيديا، وكأنه اتخذ من المثال النادر وهو حنيف أصلا للقياس، ورفض الكثير المستعمل لأن قياسه في رأيه ضعيف١.
وإذا كنا لاحظنا عند الخليل أنه فتح باب التمارين على قوانين النحو والصرف وقواعدهما، فإن سيبويه قد توسع في فتحه بكلتا يديه سعة شديدة, فإذا هو يصوغ في كل جانب من كتابه أمثلة توضح تلك القواعد والمقاييس، وحقا لا يتسع بذلك في النحو كما اتسع به في الصرف، فقد كان يسير في النحو بحذاء ما سمعه عن العرب وشيوخه وما ثقفه من قراءات الذكر الحكيم، وقلما عمد إلى وضع الأمثلة. أما في الصرف, فقد اتسع في ذلك اتساعا كبيرا، فمن ذلك أن نراه في الممنوع من الصرف يعرض أبنية كثيرة لم تُسمع عن العرب، يقول مثلا: "وإن سميت رجلا ضربوا, فيمن قال: أكلوني البراغيث "أي: من يعامل الواو معاملة تاء التأنيث" قلت: "هذا ضربونَ قد أقبل" تلحق النون كما تلحقها في أولي لو سميت بها رجلا من قوله : ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ , ومن قال: هذا مسلمون في اسم رجل قال: هذا ضربون ورأيت ضربين، وكذلك يضربون في هذا القول. فإن جعلت النون حرف الإعراب فيمن قال: هذا مسلمين "علما على شخص" قلت: هذا ضربين قد جاء"٢. وتكثر مثل هذه الأبنية المظنونة أو المقترحة في الصرف، حتى لنراه يعقد لها أحيانا فصولا برمتها، ومن خير ما يصور ذلك عنده "باب ما قيس من المعتل من بنات الياء والواو ولم يجئ في الكلام إلا نظيره من غير المعتل"٣, ويأخذ في عرض ذلك عرضا يطول حتى يشغل أكثر من أربع
стр. 95
صفحات طويلة، وكلها في صيغ من بنات أفكاره, يحاول أن يقيسها على صيغ معروفة. وعلى هذا النسق "باب ما قِيس من المضاعف الذي عينه ولامه من موضع واحد, ولم يجئ في الكلام إلا نظيره من غيره" ويستهله على هذا النحو: "تقول في فُعَل من رددت: رُدَد، كما أخرجت فِعَلا على الأصل؛ لأنه لا يكون فعلا، وتقول في فَعَلَان: رَدَدَان, وفُعَلَان: رُدَدَان يجري المصدر في هذا مجراه لو لم يكن بعده زيادة, ألا تراهم قالوا: خُشَشَاء، وتقول في فَعُلان: رَدّان, وفَعِلان: رَدّان أجريتهما على مجراهما وهما على ثلاثة أحرف ليس بعدها شيء كما فعلت ذلك بفعُل وفعِل، وتقول في فَعَلُول من رددت: رددود, وفَعَلِيل ردديد كما فعلت ذلك بفَعلان"١. وعلى هذا النحو لا يحيط سيبويه بأبنية اللغة وشاراتها النحوية فحسب، بل يمد بحثه فيهما إلى كل مظنون في التعبير وكل صيغة ممكنة، مع دعم كلامه بالأقيسة والعلل دعما لا يعلم به النحو والصرف فحسب، بل يعلم به أيضا العقل، ويرهف الحس اللغوي عند قارئه، إذ لا يزال يعرض عليه دقائق التعبير وخصائص الأبنية عرض من أتقنها علما وفقها وتحليلا. ويدل على ذلك من بعض الوجوه وقوفه عند المصادر التي جاءت على وزن فَعلان، إذ نراه يحس فيها دلالة على الاضطراب والحركة في أحداثها لتوالي الحركات في بنائها، يقول: "ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني, قولك: النَّزوان والنقزان والقَفَزان، وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع، ومثله العسلان والرتكان ... ومثل هذا الغليان؛ لأنه زعزعة وتحرك، ومثل ذلك: اللهبان ... والوهجان لأنه تحرك الحر وثئوره، فإنما هو بمنزلة الغليان"٢. وبهذا الحس المرهف وما سنده من ملكات عقلية باهرة رسم سيبويه أصول العربية وصاغ لها قوانينها الإعرابية والصرفية، وفيه يقول ابن جني: "لما كان النحويون بالعرب لاحقين وعلى سَمْتهم آخذين وبألفاظهم متحلِّين ولمعانيهم وقُصُودهم آمِّين, جاز لصاحب هذا العلم "سيبويه" الذي جمع شَعَاعه٣،
стр. 96
وشَرَع أوضاعه، ورسم أشكاله، ورسم أَغْفاله١, وخلج أشطانه٢، وبعج٣ أحضانه, وزم شوارده، وأفاء٤ فَوارده أن يرى فيه نحوا مما رأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا، لا سيما والقياس إليه مصغ، وله قابل، وعنه غير متثاقل"٥.
стр. 97
الفصل الرابع: الأخفش الأوسط وتلاميذه
١- الأخفش ١ الأوسط:
هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة، فارسي الأصل مثل سيبويه، وقد لزمه وتتلمذ له، وأخذ عنه كل ما عنده، وهو الذي روى عنه كتابه، بل كان الطريق الوحيدة إليه، إذ لا يعرف أحد سواه قرأه على سيبويه أو قرأه سيبويه عليه، ويروى عنه أنه كان يقول: "كنت أسأل سيبويه عما أشكل عليَّ منه, فإن تصعَّب الشيء منه قرأته عليه". وقد جلس بعده للطلاب يمليه ويشرحه ويبينه، وعنه أخذه تلاميذه البصريون من مثل الجرمي والمازني، وأخذه عنه علماء الكوفة وعلى رأسهم إمامهم الكسائي. ولما رأى اهتمام تلاميذه الكوفيين جميعا بالمسائل المتفرقة في النحو والصرف, صنع لهم كتاب المسائل الكبير، وله وراءه كتب أخرى سقطت من يد الزمن مثل كتاب الأوسط في النحو وكتاب المقاييس وكتاب الاشتقاق وكتاب المسائل الصغير. وكان يعنى بشرح الأشعار، وله فيها كتاب معاني الشعر، ويقال: إنه أول من أملى غريب كل بيت من الشعر تحته. وله في العروض والقوافي كتاب نوه به القدماء، ويقال: إنه زاد فيه على الخليل بحر المتدارك أو الخبب، ويظهر أنه إنما زاد اسمه فقط إذ نجد للخليل أشعارا على وزنه٢. ويقول الجاحظ: إنه كان ينشر في مصنفاته ضربا من
стр. 98
الغموض والعسر، حتى يلتمس منه الناس تفسيرها رغبة في التكسب بها١. وقد ترك البصرة إلى بغداد بأخرة من عمره. وما زال الطلاب يقبلون من كل حدب على دروسه وإملاءاته حتى توفي سنة ٢١١ للهجرة.
وهو أكبر أئمة النحو البصريين بعد سيبويه، وفي رأينا أنه هو الذي فتح أبواب الخلاف عليه، بل هو الذي أعد لتنشأ، فيما بعد، مدرسة الكوفة ثم المدارس المتأخرة المختلفة، فإنه كان عالما بلغات العرب، وكان ثاقب الذهن حاد الذكاء، فخالف أستاذه سيبويه في كثير من المسائل، وحمل ذلك عنه الكوفيون، ومضوا يتسعون فيه، فتكونت مدرستهم. ولا بد أن نلاحظ منذ الآن أن خلافاته وخلافات المدارس التالية، وكذلك خلافات البصريين التالين له، إنما هي خلافات في بعض الفروع، فإن النحو وأصوله وقواعده الأساسية تكونت نهائيا على يد سيبويه وأستاذه الخليل، وكأنهما لم يتركا للأجيال التالية سوى خلافات فرعية تتسع وتضيق حسب المدارس, وحسب النحاة.
ويبدو أن الأخفش عني بالحدود والتعريفات أكثر مما عني أستاذه سيبويه. ومن التعريفات التي روتها له كتب النحاة تعريفه الاسم, وكان سيبويه اكتفى بالتمثيل له قائلا: "والاسم رجل وفرس وحائط"٢ أما هو فقال: "الاسم: ما جاز فيه نفعني وضربني" يريد أنه ما جاز أن يُخبَر عنه٣. وعلى نحو ما عني بالتعريفات عني بالتعليلات، حتى تعليل ما لم يقع في اللغة، من ذلك تعليل امتناع الفعل المضارع من الخفض، وكان سيبويه يعلل لذلك بأن المجرور داخل في المضاف إليه, وأنه يعاقب التنوين, والمضارع لا ينون. ونرى الأخفش يتخذ من هذا التعليل موقفين: موقفا يشرحه فيه قائلا: "لا يدخل الأفعال الجر؛ لأنه لا يضاف إلى الفعل، والخفض لا يكون إلا بالإضافة، ولو أضيف إلى الفعل، والفعل لا يخلو من فاعل، وجب أن يقوم الفعل وفاعله مقام التنوين؛ لأن المضاف إليه يقوم مقام التنوين، وهو زيادة في المضاف كما أن التنوين زيادة. فلم يجز أن تقيم الفعل والفاعل مقام التنوين؛ لأن الاسم لا يحتمل زيادتين،
стр. 99
ولم يبلغ من قلة التنوين -وهو واحد- أن يقوما مقامه، كما لم يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين"١. والموقف الثاني هو محاولة الإدلاء بعلة جديدة, إذ يقول: "لم يدخل الأفعال جر؛ لأنها أدلة، وليست الأدلة بالشيء الذي تدل عليه. وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك فهو الشيء بعينه، وإنما يضاف إلى الشيء بعينه لا إلى ما يدل عليه، وليس يكون جر في شيء من الكلام إلا بالإضافة"٢. وهو يريد أن الفعل دليل على الفاعل والمفعول والحدث. والإضافة إنما تكون إلى هذه الأشياء لا إلى ما دل عليها مما يصور حركات الفاعلين. ويعلل لإضافة اسم الزمان إلى الفعل بقوله: "إنما أُضيفت أسماء الزمان إلى الأفعال؛ لأن الأزمنة كلها ظروف للأفعال والمصادر، والظروف أضعف الأسماء, فقووها بالإضافة إلى الأفعال"٣.
وقلنا آنفا: إنه هو الذي فتح للكوفيين أبواب الخلاف على سيبويه وأستاذه الخليل بما بسط من وجوهه، وقد تابعوه في كثير من هذه الوجوه بحيث يمكن أن يقال بحق: إنه الأستاذ الحقيقي للمدرسة الكوفية، لا لأن إمامها الكسائي والفراء تتلمذا له فحسب، بل أيضا لأنهما تابعاه في كثير من آرائه التي حاول بها نقض طائفة من آراء سيبويه والخليل، وقد مضيا هما وغيرهما من أعلام النحاة في الكوفة يتخذون من آرائه قَبَسا للاهتداء به فيما نفذوا إليه من آراء أعدت لقيام المدرسة الكوفية. وحسبنا أن نعرض مجموعة من آرائه التي وافقه فيها الكسائي والفراء والكوفيون لتتضح صحة ما نزعمه من أنه الإمام الحقيقي لهم ولمدرستهم. أما الكسائي فنراه يرى رأيه في أنه يجوز تأكيد عائد الصلة المحذوف والعطف عليه مثل: جاء الذي ضربت نفسَه أي: ضربته نفسه، ومثل: جاءني الذي كلمت وعمرا، أي: كلمته وعمرا٤. وكان يذهب مذهبه في أن من الجارة تزاد في الإيجاب مثل: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ , ﴿يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ , ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾
стр. 100
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١. وتابعه في إعمال إنّ إذا دخلتها ما الكافة جوازا مثل: إنما زيدا قائم٢، وفي أن من معاني لعل التعليل كما في الآية الكريمة: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٣, وفي أن لولا قد تأتي بمعنى هلا كما في آية الذكر الحكيم: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ٤, وفي أن كلمة "فيه" حذفت من قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٥.وكان يذهب مذهبه في أن الحال السادة مسد الخبر في مثل: "كلامي محمدا مسيئا" قد تأتي فعلا مثل: "رأي الناس محمدا يعطي الكثير"٦. ومضى في إثره يجيز في مثل ثالث ثلاثة أن تكون ثالث منونة وثلاثة منصوبة أي: متمم ثلاثة٧.
وتابعه الفراء في كثير من الآراء؛ من ذلك تأخير الخبر إذا كان المبتدأ مبدوءا بأنَّ المفتوحة مثل "أن العلم نور قول مشهور" قاسه الأخفش على مجيئه مؤخرا مع أن المصدرية في مثل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٨. ومن ذلك جواز ترخيم الاسم الثلاثي وكان يمنع ذلك سيبويه، فلا تقول في نداء الثلاثي مثل "حكم": يا حك بالترخيم، وخالفه الأخفش٩. ومن ذلك جواز دخول لام الابتداء على نعم وبئس في مثل: "إن محمدا لنعم الرجل"١٠. ومن ذلك أن إلا الاستثنائية قد تأتي عاطفة بمعنى الواو ومنزلتها في التشريك لفظا ومعنى، وجعلا منه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ , ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: ولا الذين ظلموا ولا من ظلم. وتأول الجمهور "إلا" في الآيتين على الاستثناء المنقطع١١. وتابع الفراءُ الأخفشَ أيضا في أنه يجوز العطف على معمولي عاملين مختلفين، في مثل:
стр. 101
"في الدار زيد والحجرة عمرو" بعطف الحجرة على الدار وعمرو على زيد١. وذهب مذهبه في أن المنادى المفرد العلم المرفوع إذا أُكِّد بمضاف جاز فيه النصب والرفع, إذ حكي عن بعض العرب: يا تميم كلُّكم, بالرفع٢. ومما تابعه فيه أن حاشا في الاستثناء لا تكون جارّة فقط كما ذهب سيبويه، بل قد تكون فعلا متعديا جامدا٣، وفاعلها حينئذ في رأي الأخفش ضمير مستكن فيها واجب الإضمار عائد على البعض المفهوم من الكلام, فمثل: قام القوم حاشا زيدا, تقديره: حاشا هو أي: بعضهم زيدا. وتبع الفراء الأخفش في أن عامل الرفع في المضارع هو تجرده من النواصب والجوازم٤.
وتنص كتب النحو كثيرا على أن الكوفيين تابعوا الأخفش في هذا الرأي أو ذاك، ومما تابعوه فيه أن اسم الموصول قد يُحذف إذا عُلم، كقول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
إذ كان يقدر: ومن يمدحه٥. وكان يجيز -وتابعه الكوفيون- في المبتدأ إذا كان اسم فاعل أن يغني فاعله عن الخبر بدون اعتماد على استفهام أو نفي، مثل: قائم الزيدان٦، وكذلك إذا كان اسم الفاعل اسما لإن, مثل: إن قائما الزيدان٧. وكان سيبويه لا يجيز إلغاء ظن وأخواتها إذا تلاها المفعولان، وجوز ذلك الأخفش وتابعه الكوفيون، مستدلين جميعا بقول بعض الشعراء:
إني رأيت ملاك الشيمة الأدب
وقول آخر:
وما إخال لدينا منك تنويل٨
وتبعه الكوفيون في أنه يجوز إقامة غير المفعول به من الظرف والجار والمجرور نائب فاعل مع وجوده في الجملة؛ لمجيء ذلك في قراءة أبي جعفر: "ليُجْزَى قومًا بما كانوا يكسبون", فقد نُصبت قوما وهي مفعول، وجُعل الجار والمجرور نائبًا للفاعل، إذ الفعل مبني للمجهول٩. ومما تابعوه فيه أن إذا الفجائية في مثل: "خرجت, فإذا محمدٌ بالباب" حرف١٠, وأن الظرف يرفع الاسم إذا تقدم عليه مثل
стр. 102
"أمامك زيد"١, وهما عند سيبويه خبر مقدم وزيد مبتدأ مؤخر. وتبعوه في أن الفعل الماضي يصح أن يأتي حالا بدون تقدم قد والواو عليه، وكان يستدل بالآية الكريمة: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ , ومثلها ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ ٢. ومما ذهبوا مذهبه فيه أن المرفوع بعد إن الشرطية وإذا في مثل ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ لا يعرب فاعلا لفعل محذوف كما ذهب سيبويه، وإنما يعرب مبتدأ٣. وجوزوا مثله توكيد النكرة إذا كانت محدودة مثل: صمت شهرا جميعه٤. وكان سيبويه يذهب إلى أن المصدر في مثل: أتيته ركضا, حال مؤولة بالمشتق أي: راكضا، وذهب الأخفش -وتبعه الكوفيون- إلى إعراب المصدر في مثل هذا الموضع مفعولا مطلقا، وكان يجعله معمولا لفعل مقدر من لفظه، وذلك الفعل هو الحال، فتقدير المثال الآنف: أتيته أركض ركضا٥. وكانوا يجوزون مثله ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر٦ وكذلك مد المقصور٧.
وهذه أطراف مما نجده منثورا في كتب النحو من متابعة الكوفيين والكسائي والفراء للأخفش في آرائه النحوية، فإذا قلنا: إنه يعد بحق الإمام الأول للمدرسة الكوفية لم نكن مبعدين ولا مغالين، وحتى ما اشتهرت به هذه المدرسة من قياسها على الشاذ أحيانا نجده واضحا في كثير من هذه الآراء التي أسلفناها. وأيضا ما اشتهر به جمهور هذه المدرسة من الاعتداد بالقراءات الشاذة على مقاييس سيبويه نجد أساسه عند الأخفش، فقد أخذ، كما مر بنا، بقراءة أبي جعفر: "ليُجْزَى قومًا بما كانوا يكسبون" مشتقا منها قاعدة جواز إقامة غير المفعول به مع وجوده نائب فاعل, مخالفا بذلك أستاذه٨. ومر بنا أن سيبويه لم يكن يجيز العطف على الضمير
стр. 103
المخفوض بدون إعادة الخافض، ومن أجل ذلك ضعَّف البصريون المتأخرون قراءة حمزة الآية الكريمة: "واتقوا الله الذي تساءلون به وَالْأَرْحَامِ" بالجر عطفا على الضمير المجرور بالياء، وأبى الأخفش -وتبعه جمهور الكوفيين- قاعدة سيبويه المذكورة، وجوز مثل هذا العطف، مستشهدا بقراءة حمزة للآية السالفة١. وقال سيبويه: لا يُفصَل بين المضاف والمضاف إليه إلا بالظرف وخص ذلك بالشعر، ومن هنا ضعّف بعض البصريين قراءة ابن عامر قوله تعالى: "وكذلك زُيِّنَ لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم" بنصب أولادهم وخفض شركائهم، وهو فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به لقتل، وجوز ذلك الأخفش -وتبعه الكوفيون- منشدا قول بعض الشعراء:
فزججتها بمزجة ... زجّ القلوصَ أبي مزاده٢
فقد فصل الشاعر بين زج وأبي مزاده بكلمة القلوص، وهي مفعول به لزج٣. ولعل من الغريب أن نجد بعض المعاصرين يكثرون من أن الكوفيين كانوا يختلفون مع البصريين في قبول بعض القراءات الشاذة وتوجيهها، بانين آراءهم في ذلك على هاتين الآيتين غالبا، وها هو الأخفش البصري يقبلهما، بل هو في رأينا الذي دفع الكوفيين إلى اتخاذ القراءات مصدرا للقواعد، مهما كانت شاذة. وبذلك لا يكون هناك شيء يتميز به النحو الكوفي من النحو البصري إلا نجد أصوله عند الأخفش، لا من حيث قبول القراءات الشاذة على مقاييس سيبويه والخليل فحسب, بل أيضا من حيث قبول بعض الأشعار الشاذة واتخاذها أصلا للقياس.
ونحن نعرض في إجمال لطائفة من آرائه الكثيرة التي خالف فيها سيبويه والخليل إمامي البصرة، فمن ذلك أنهما كانا يريان أن إعراب المثنى والجمع المذكر السالم إنما هو بحركات مقدرة في الألف والواو والياء، أي: إنها نابت عن حركات الرفع والنصب والجر، أما هو فكان يذهب إلى أن حروف اللين هذه دلائل
стр. 104
الإعراب لا حروف الإعراب١. وكان سيبويه والخليل يريان أن إعراب الأفعال الخمسة: يكتبان وتكتبان ويكتبون وتكتبون وتكتبين, إنما هو بالنون التالية لحرف اللين, أو بعبارة أخرى: لضمائر التثنية والجماعة والمخاطبة، أما هو فكان يرى أن إعرابها بحركات مقدرة على ما قبل تلك الضمائر٢. وهو أيضا رأي غير دقيق؛ لأن نون تلك الأفعال تسقط في حالتي النصب والجزم، ومن هنا كانت علما للرفع في المضارع. وكان سيبويه والخليل يذهبان إلى أن الأسماء الخمسة: أباك وأخواتها معربة بحركات مقدرة في حروف اللين: الواو والألف والياء، أما هو فكان يرى أنها معربة بحركات مقدرة على ما قبل تلك الحروف, تمشيا مع رأييه السالفين في إعراب المثنى والجمع والأفعال الخمسة٣. ومعروف أن ضمائر التثنية والجمع والمخاطبة التي تلحق بالأفعال الخمسة وكذلك ضمير النسوة في مثل: قلن, تعرب فواعل في رأي سيبويه والخليل، وكان الأخفش يذهب إلى أنها جميعا حروف والفاعل مستتر، وكأنما الذي دفعه إلى ذلك لغة أكلوني البراغيث، فقد رأى سيبويه يرتضي في أحد توجيهيه لتلك اللغة أن الضمير في أكلوني وما يماثلها حرف كالتاء المؤنثة في قالتْ، وجعلها في التوجيه الثاني الفاعل والمرفوع بعدها بدلا منها٤. وكان سيبويه يذهب إلى أن المحذوف في الأفعال الخمسة في مثل أتَعِداني هو نون الرفع، أما هو فكان يرى أن المحذوف نون الوقاية لأنها لا تدل على إعراب، فهي أولى بالحذف٥. وكان يذهب سيبويه إلى أن العامل في النعت هو العامل في المنعوت، وذهب الأخفش إلى أن العامل في النعت المنعوت نفسه, إذ يعرب بإعرابه٦. وذهب سيبويه إلى أن المضاف هو عامل الخفض في المضاف إليه، وقال الأخفش: بل العامل فيه الإضافة المعنوية٧. وكان سيبويه يرى أن عامل المفعول معه في مثل: "استوى الماء والخشبة" الفعل الذي قبله بتوسط الواو، وذهب الأخفش إلى أنه منصوب انتصاب الظرف؛ لأن أصل
стр. 105
هذا التعبير وما يماثله: استوى الماء مع الخشبة, فلما حذفت "مع" وكانت منتصبة على الظرفية أقيمت الواو مقامها وانتصب ما بعدها انتصاب "مع" التي وقعت الواو موقعها، إذ لا يصح انتصاب الحروف، كما انتصب ما بعد إلا الواقعة موقع غير في الاستثناء في مثل: قام القوم إلا زيدا، وكأنما كان الأصل: قام القوم غير زيد١. وكان سيبويه يذهب إلى أن العامل في الخبر هو المبتدأ, وذهب الأخفش إلى أن العامل فيه هو العامل في المبتدأ وهو الابتداء٢.
وكان سيبويه يرى -وتبعه الجمهور- أن جمع المؤنث السالم في حالة النصب معرب بالكسرة نيابة عن الفتحة, وأن الممنوع من الصرف في حالة الجر معرب بالفتحة نيابة عن الكسرة، وذهب الأخفش إلى أنهما جميعا في الحالتين مبنيان٣. ولا توجد علة واضحة لهذا البناء! وذهب سيبويه إلى أنه إذا ولي "لولا" ضمير متصل مثل: لولاي ولولاك ولولاه كانت جارة، وذهب الأخفش -وتبعه الفراء- إلى أن الضمير في هذه الأمثلة مبتدأ مرفوع، وكل ما في الأمر أن العرب أنابت فيها الضمير المخفوض عن الضمير المرفوع, أي: إنهم أنابوا مثل لولاك عن: لولا أنت. واستدل بأنهم أنابوا علامة الرفع عن علامة الجر في مثل: "ما أنا كأنت". وذهب الأخفش في قول ثانٍ إلى أن الضمائر في لولاي ولولاك ولولاه حروف حضور وخطاب وغيبة٤. وكان سيبويه لا يجيز دخول الواو على خبر كان وأخواتها إذا كان جملة، وكان الأخفش يجيز ذلك مثل: كان محمد ولا حُمْق عنده وليس شيء إلا وفيه نقص، وكان ينشد منه قول الشاعر:
ليس شيء إلا وفيه إذا ما ... قابلته عين البصير اعتبار
وقول الآخر:
ما كان من بشر إلا ومَيْتته ... محتومة لكن الآجال تختلف
стр. 106
وأوَّل الجمهور ذلك على حذف الخبر١. وكان سيبويه لا يجيز زيادة الواو في الكلام، وكان الأخفش يجيز ذلك وتبعه فيه الكوفيون، وكان يمثل لرأيه بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ﴾ , وأول الجمهور مثل ذلك على أن الواو عاطفة وجواب إذا ولما محذوف٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن ما في مثل: "ما أحسن السماء" وغيرها من صيغ التعجب نكرة تامة مبتدأ والجملة الفعلية بعدها خبر، وذهب الأخفش مذهبين في توجيه "ما"؛ أولهما: أنها اسم موصول وما بعدها صلة لا محل لها من الإعراب، والثاني: أنها نكرة موصوفة والجملة بعدها في موضع رفع نعت لها، وعليهما خبر المبتدأ محذوف تقديره: شيء عظيم ونحوه٣. ولم يكن سيبويه يجوِّز زيادة الباء في الخبر الموجب مثل: زيد بقائم أي: زيد قائم, وجوَّز ذلك الأخفش مستدلا بقوله تعالى: "وجزاء سَيِّئَةٍ بمثلها", وعند الجمهور أن الخبر محذوف تقديره: واقع٤.
وكان سيبويه -كما قدمنا- يرى أن لات تعمل عمل ليس, ويليها إما الاسم مرفوعا وإما الخبر منصوبا, وهو دائما الحين مثل: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ومع الرفع يكون الخبر محذوفا ومع النصب يكون اسمها محذوفا، وذهب الأخفش إلى أنها غير عاملة، وقال: إذا تلاها مرفوع أُعرب مبتدأ والخبر محذوف، وإذا تلاها منصوب أُعرب مفعولا به على تقدير فعل محذوف، وقدره في الآية الكريمة: ولات أرى حِينَ مَنَاصٍ٥. وذهب سيبويه إلى أن عسى في مثل: "عساي وعساك وعساه" أُجريت مجرى لعل في نصب الاسم ورفع الخبر كما أجريت لعل مجراها في جواز اقتران خبرها بأنْ في مثل: لعل محمدا أن يقوم، وذهب الأخفش إلى أن عسى في الأمثلة المذكورة لا تزال عاملة عمل كاد وأخواتها، أي: إنه لا يزال يليها اسمها المرفوع، وكل ما في الأمر أنه استُعير ضمير النصب لضمير الرفع، كما استُعير له ضمير الجر في لولاي ولولاه٦. وكان سيبويه يرى أن كيف ظرف دائما, فموضعها عنده النصب، وكان الأخفش يرى أنها ليست ظرفا، وإنما هي
стр. 107
اسم كبقية الأسماء المبنية، فهي في موضع رفع في مثل: كيف زيد؟ وفي موضع نصب في مثل: كيف كنت؟ ١. وذهب سيبويه إلى أن كلمة "فاه إلى في" في قولهم: "كلمته فاه إلى في" حال بمعنى مشافهةً، وذهب الأخفش إلى أن الكلمة منصوبة على نزع الخافض وأصلها: كلمته من فاه إلى في, فحذفت من٢. وكان سيبويه يذهب إلى أن كي المنصوب بعدها المضارع تنصبه بنفسها، فهي بمنزلة أن المصدرية معنى وعملا، وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر دائما وأن المضارع بعدها منصوب بأنْ مقدرة, بدليل ظهورها بعدها في قول الشاعر:
فقالت أكلَّ الناس أصبحتَ مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا٣
وكان سيبويه يرى أن مثل: دخلتُ الدارَ والمسجدَ منصوب على الظرفية؛ تشبيها للمكان المختص وهو الدار والمسجد بالمكان غير المختص، وذهب الأخفش إلى أن الفعل هنا ليس لازما وإنما هو متعد بنفسه، والدار مفعول به٤. وكان يعد "لا سيما" من أدوات الاستثناء، والجمهور على أن سي اسم لا النافية للجنس، وما بعدها في مثل: "لا سيما زيد" إما مجرور بإضافتها إليه واعتبار ما زائدة، وإما مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وما موصولة بمعنى الذي والتقدير: لا سي الذي هو زيد، وإما منصوب على التمييز٥. وكان يجيز تقديم الحال على الجملة المكونة من ظرف أو جار ومجرور ومبتدأ مثل: قائما في الدار زيد٦. وجوز توكيد متعاطفين إذا اتحد معنى عامليهما وإن اختلفا لفظا مثل: انطلق عمرو وذهب زيد كلاهما٧. وكان يعرب الجملة التالية لإلا في مثل: "ما مررت بأحد إلا محمد خير منه" نعتا، وهي عند الجمهور حال من أحد٨، وذهب إلى أن المنصوب بعد حبذا في "مثل: حبذا محمد رجلا" حال لا تمييز٩. وكان سيبويه يعرب "أي" في: يا أيها الناس, منادى مبنيا على الضم والناس صفة،
стр. 108
وذهب الأخفش بعيدا، إذ أعرب "أي" اسم موصول وجعل الناس خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة صلة، والتقدير: يا من هم الناس١. وكان يذهب إلى أن مذ ومنذ في مثل: مذ يومُ الخميس برفع يوم ومنذ يومان, ظرفان وهما خبران لما بعدهما, والجمهور على أنهما مبتدآن وما بعدهما خبر٢. وكان يرى أن ضمة غيرُ في مثل "ليس غيرُ" ليست ضمة بناء، وإنما هي ضمة إعراب، وكان يعربها اسم ليس والخبر محذوف٣.
ومن المؤكد أن كثيرا من الصور النحوية في التعبيرات والصيغ أثارها الأخفش لأول مرة، ونضرب لذلك مثلا ما ذهب إليه النحاة من أن الأفعال المؤثرة إذا وقعت من الفاعل بنفسه لم يجز أن تتعدى إلى ضميره، فلا يقال: كلمتُني أي: كلمت نفسي, ولا كلمتَك أي: كلمت أنت نفسك. وإنما لم يجز ذلك؛ لأن هذه الأفعال المتعدية إنما تقع على غير المتكلم, وأما أفعال الإنسان بنفسه فالأصل أن لا تتعدى مثل: قام وذهب وخرج وانطلق. واستثنى النحاة من هذه القاعدة باب ظن والفعلين: فقد وعدم، إذ جاء عن العرب: ظننتني وفقدتني وعدمتني، واستثنى النحاة أيضا الفعل ضرب، تقول: ما ضربني إلا أنا. وهذا الاستثناء جعل الأخفش يثير صورتين من التعبير في باب الاشتغال؛ لبيان حق المشغول عنه من النصب والرفع، وهما: "أزيدا لم يضربه إلا هو", و"أزيد لم يضرب إلا إياه" وحاول أن يضع قاعدة عامة بها ننصب ونرفع، وهي أننا نحمل المشغول عنه على الضمير الذي يمكن أن نستغني عنه بذكره، أما في المثال الأول فإننا لو جعلنا زيدا مكان الهاء في قولك: "أزيد لم يضربه إلا هو" استقام الكلام؛ لأن ضمير الفاعل ضمير منفصل، فكأننا قلنا: "أزيدا لم يضربه إلا عمرو" ولو حملناه على الضمير المتصل فرفعناه؛ صار تقدير العبارة: "أزيد لم يضربه" وهي عبارة فاسدة. وبالمثل "أزيد لم يضرب إلا إياه" ينبغي رفع زيد حملا على ضميره الذي في يضرب؛ لأننا إذا قلنا: "ألم يضرب زيد إلا إياه" استقام الكلام، ولو نصبنا زيدا حملا على إياه، فقلنا: "أزيدا لم يضرب إلا إياه" ثم حذفنا
стр. 109
الضمير الذي حملنا زيدا عليه وصار التقدير: "أزيدا لم يضرب"؛ اضطرب الكلام ولم يحصل المراد منه١. وتحليل الأخفش لهاتين العبارتين هو الذي ألهم ابن مضاء أن يضع قاعدة عامة لباب الاشتغال تريح الناشئة من معرفة الأحكام المعقدة في نصب المشغول عنه ورفعه، وهي تتلخص في أن الاسم المتقدم إذا عاد عليه ضمير منصوب أو ضمير متصل بمنصوب كان حقه النصب, وإن عاد عليه ضمير مرفوع أو متصل بمرفوع كان حقه الرفع٢.
ونستطيع أن نلاحظ من كل ما تقدم أن عقل الأخفش كان عقلا خصبا أمدّه بما لا يكاد يحصى من الآراء الجديدة التي خالف فيها ما سجله سيبويه في كتابه، وقد فسح للقياس على الأشعار الشاذة التي لا تطرد مع قوانين أستاذه النحوية، كما فسح للقراءات واحتج بها مهما خالفت قواعد النحو القياسية عند سيبويه. وعلى نحو ما كان يخالف سيبويه في كثير من مسائل النحو, كان يخالفه في كثير من مسائل الصرف. من ذلك أن الجمهور كان يمنع اشتقاق صيغة التعجب من غير الفعل الثلاثي، وجوّزها الأخفش من كل فعل مزيد مثل: ما أتقنه وما أخطأه، كما جوزها من العاهات، وتبعه في ذلك الكسائي مثل: ما أعوره٣. والقياس في جمع مثل فرزدق حذف الرابع فيقال: فرازق، وكان الأخفش -وتبعه الكوفيون- يجيز حذف الحرف الثالث، فيقال في فرزدق: فرادق٤. وكان سيبويه يذهب في نسب فَعُولة مثل حمولة إلى حذف التاء والواو فيقال: حَمُلِيّ، وذهب الأخفش إلى أن النسب إليه على لفظه فيقال: حمولي، لما سمع عن العرب من نسبتهم إلى أزد شنوءة: شنوئي٥. وكان سيبويه ينسب إلى مثل بنت بنوي كالنسب إلى مذكرها وهو ابن، وكان الأخفش يحذف التاء ويبقي ما قبلها على سكونه وما قبل الساكن على حركته، فيقول في بنت: "بِنْوي" بكسر الباء وسكون النون٦. وكان سيبويه ينسب إلى شاه: شاهي بإبقاء الألف
стр. 110
المبدلة في شاه، وكان الأخفش يرد الألف إلى أصلها الواوي فيقول: "شَوْهيّ"١. وكان الأخفش يخالفه أيضا في وزن بعض الكلمات المزيدة، من ذلك أن سيبويه كان يذهب إلى أن وزن هِجْرَع "الطويل" وهِبْلَع "الأكول" فِعْلَل، وذهب الأخفش إلى أن وزنهما هِفْعَل بزيادة الهاء فيهما قائلا: إن الأولى مشتقة من الجَرَع أي: المكان السهل, والثانية مشتقة من البَلْع٢. وبالمثل كان يخالفه هو وجمهور البصريين في مسائل من الإبدال والقلب والحذف، من ذلك بناء أُإِم، فالجمهور يبنيها "أيم"، بقلب الهمزة الثانية ياء لمناسبة حركتها، ومذهبه إبدالها واوا لمناسبة حركة ما قبلها فتقول: أوِم, وكان دائما يبدل الهمزة المكسورة بعد ضم واوا والمضمومة بعد الكسرة ياء٣. ومر بنا أن الخليل وسيبويه كانا يريان أن واو اسم المفعول في مثل: مقول ومبيع هي المحذوفة، فوزن الكلمتين عندهما مَفْعُل ومَفْعِل، وكان الأخفش يذهب إلى أن عين الصيغة هي المحذوفة، فوزن الكلمتين عنده مَفُول٤. وكان الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن الهاء في مثل إقامة وإرادة من أقمت وأردت عوض عن ألف إفعال الزائدة، إذ المصدر منها أصله: إقوامة وقُلبت الواو ألفا، وذهب الأخفش إلى أن الهاء عوض من عين إفعال، فالمحذوف في صيغة إفعالة مثل إرادة عينها، بينما كان يرى سيبويه والخليل أن العين بقيت وقلبت ألفا وحذفت الألف الزائدة؛ لأن الزائد هو الأولى بالحذف٥. وكان الخليل -وتبعه سيبويه- يرى أن وزن أشياء لَفْعاء كما مر بنا؛ ولذلك منعت من الصرف، وذهب الأخفش إلى أن كلمة شيء جمعت على أشيئاء كأفعلاء, ثم خففت فصارت أشياء على وزن أفْعاء٦.
وعلى هذا النحو كان الأخفش كثير الخلاف لسيبويه والقواعد النحوية