← Акыда

Акыда · id 10547

المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها

د. غالب بن علي عواجي

Полный текст (650 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول المجلد الثاني الباب العاشر: العلمانية مدخل ... الباب العاشر: العلمانية تمهيد: لم تقم العلمانية في أساسها على كتاب الله تعالى ولا على سنة رسوله ﷺ , ولا على حب الدين، وهذا أمر مسلَّم به, فماذ ننتظر منها بعد ذلك؟ إنها مذهب هدَّام من المذاهب السيئة التي أنتجتها العقلية الأوربية في مقابل الأديان، ولا يزال أتباعها يصولون ويجولون ويقدِّمونها في أثواب برَّاقة مغرية، وفي حقيقتها السُّم في العسل، وقد اجتذبت كثيرًا من شباب المسلمين، خصوصًا من كانت له صلة مباشرة بالعلم الغربي, ومن قلَّت معرفته بدينه الإسلامي, أو قلَّت معرفته بحقيقة هذا المذهب العلماني الهدَّام, وما يبيته من مؤامرت على العقيدة والأخلاق وسائر جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية، بل والسياسة، وغيرها، وستشمل دارسة هذا المذهب الفصول الآتية: تمهيد: الفصل الأول: حقيقة التسمية. الفصل الثاني: التعريف الصريح للعلمانية. الفصل الثالث: نشأة العلمانية وموقف دعاتها من الدين, وبيان الأدوار التي مَرَّت بها.

стр. 2

الفصل الرابع: الرد على من زعم أنه لا مقافاة بين العلمانية وبين الدين. الفصل الخامس: أسباب قيام العلمانية في أوربا. الفصل السادس: هل العالم الإسلامي في حاجة إلى العلمانية, وأسباب ذلك. الفصل السابع: انتشار العلمانية في ديار المسلمين, وبيان أسباب ذلك. الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين. الفصل التاسع: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين. تعقيب على ما سبق.

стр. 3

الفصل الأول: حقيقة التسمية يجب البدء أولًا ببيان حقيقة التسمية، وبيان صحَّة نسبتها إلى العلم، فهل هي كذلك؟ لقد انخدع الناس بتمسية العلمانية بهذا الاسم، ولا يزال أنصارها يتبجَّحون بها, ويتطاولون بتعاليمها, مغتَّرين بها؛ حيث وجدت لها سوقًا رائجة لدى فئات ممن قلَّت معرفتهم, أو كانت لهم أهدافٌ شريرةٌ ضد الدين لعزله عن قيادة البشر, أو التحاكم إليه لإحلال تعاليم عبدة الأوثان وأصحاب الأحقاد محلَّه. وحين أطلقت هذه التسمية في أوربا كان يُقْصَد بها عندهم حسب ترجمتها الصحيحة: فصلُ الدين عن السياسة، أو الفصل الكامل بينه وبين الحياة الاجتماعية، على أساس أنه لا يجتمع العلم مع الدين بزعمهم، وقد كذبوا في ذلك وقلبوا الحقيقة، فإن الدين والعلم حميمان يكمل أحدهما الآخر ويقويه، أما نسبتهم مذهبهم إلى العلم, فإن الحقيقة تدل على أنه لا علاقة بين العلم وبين هذه الفكرة الضالّة، بل إن تسميتها علمانية إنما هو بسب سوء الترجمة من معناها الغربيّ الذي هو الابتعاد عن الدين، أو من باب الخداع والتضليل؛ إذ كان الأولى أن تكون ترجمتها وتسميتها أيضًا هي "اللادينية"؛ لأن مفهومها الأصليّ هو هذا, وليس نسبة إلى العلم. وما أقوى التشابه بين تسميتهم العلمانية بهذ الاسم نسبة إلى العلم,

стр. 4

وبين تسميتهم الاشتراكية بهذا الاسم كذلك, كلاهما تمسُّح بالعلم وهو بريء منهما، وكلاهما خداع الناس وتضليل. وبعض الباحثين ذهب إلى أن "علمانية" -بكسر العين وسكون اللام- معناها: العلم الذي هو ضد الجهل، وأما "علمانية" -بفتح العين وسكون اللام- فمعناها: العالم أو الدنيا في مقابل الآخرة، وتأتي علمانية أيضًا بمعنى دهريّ تفسير لكلمة "لاتيك" الفرنسية, وهو تعبير نشره اليهود في فرنسا فيما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر الميلاديين١.

стр. 5

الفصل الثاني: التعريف الصريح للعلمانية الواقع أن دارس العلمانية سيلاحظ تعريفات كثيرة، إلّا أن أصدق تلك التعريفات وأقربها إلى حقيقة العلمانية, هو أن العلمانية مذهب هدَّام يُرَاد به فصل الدين عن الحياة كلها وإبعاده عنها, أو هي إقامة الحياة على غير دين, إمَّا بإبعاده قهرًا, ومحاربته علنًا كالشيوعية، وإمَّا بالسماح به وبضده من الإلحاد, كما هو الحال في الدول الغربية التي تسمِّي هذا الصنيع حرية وديمقراطية, أو تدين شخصي، بينما هو حرب للتدين، ذلك أن حصر الدين في نطاق فردي بعيدًا عن حكم المجتمع وإصلاط شئونه هو مجتمع لا ديني؛ لأنه أقام حياته الاجتماعية والثقافية وسائر معاملاته على إقصاء الدين١. وهو حال الحضارة الغربية الجديدة ونظامها، وهذا هو الواقع الصحيح، ولا عبرة بمراوغتهم في زعمهم أنهم يرعون التدين، فإنها مجرد خداع للمتدينين، فإن تسميتهم لهذا الإلحاد علمًا هو من باب فرحهم بمعرفتهم ظاهرًا من الحياة الدنيا، وأين هو من العلم الحقيقيّ الذي يوصِّل صاحبه إلى معرفته ربه ودينه, وإلى السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 6

الفصل الثالث: نشأة العلمانية وموقف دعاتها من الدين, وبيان الأدوار التي مرَّت بها لقد قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي رِدَّة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين, تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمرًا شخصيًّا لا شأن للدولة به, إلّا ما يتعلق بحباية الضرائب للكنيسة، ولعلَّ هذا كان خداعًا لأهل الدين, ثم اشتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطوَّرت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدمًا ما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقلَّ كل فريق بسلطته. حتى إذا جاء القرن التاسع عشر، وهي المرحلة الثالثة؛ إذ بالعلمانيين يتجهون اتجاهًا منافيًا لكل مظاهر الدين والتدين، وأحلَّوا الجانب المادّي محل الدين، وبدأ الصراع يشتد بين العلمانيين اليساريين الناشئين وبين رجال الدين الكنسي المتقهقر، إلى أن أُقْصِيَ الدين تمامًا، ولم يعد للإيمان بالغيب أيّ مكانة في النفوس؛ إذ حلَّ محله الإيمان بالمادي المجرد المحسوس١.

стр. 7

ورغم وضوح الإلحاد في المذهب العلماني, فقد ظهر من يزعم زورًا وكذبًا أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين، وأخذ بعض الجاهلين والمتجاهلين يرددون هذا الفكر المغالط كالاشتراكيين تمامًا، على أنه لا ينبغي أن يغيب عن ذهن القارئ أن حرب الغرب للدين وأهله إنما جاءهم من دين محرَّف معادٍ لكل مفهوم للحياة الجديدة؛ لأن النصرانية التي جاء بها المسيح ﵇ قد اندثرت وحرِّفت وضاع إنجيله بعد رفعه بفترة قصيرة، فتزعَّم الديانة بولس اليهودي الحاقد، فجاءت خرافية مصادمة للعقل والمنطق والواقع، ومن هنا وجد أقطاب العلمانية أن الدِّين -وهو تعميم خاطئ- لا يمكن أن يساير حضارتهم الناشئة، وأن رجال دينهم طغاة الكنيسة لا يمكن أن يتركوهم وشأنهم -وهو ما حدث بالفعل, وعلى إثر ذلك قامت المعركة بين الدين وأقطاب العلمانية، ونشط العلمانيون في بسط نفوذهم، وساعدتهم على ذلك عامَّة الشعوب الأوربية التي أذاقتها الكنيسة الذل والهون والالتزام بدين لا يقبله عقل أو منطق، فوجدوا في الالتجاء إلى رجال الفكر العلمانيين خير وسيلة للخروج عن أوضاعهم. وإذا كان القارئ يرى أن للغرب حجَّتهم في رفض ذلك الدين البولسيّ الجاهلي، فإنه سيرى حتمًا أن انتشار العلمانية في بلاد المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال، ولا سبب له إلّا قوة الدعاية العلمانية, وجهل كثير من المسلمين بدينهم, وجهلهمم كذلك بما تبيته العلمانية للدين وأهله, واتِّبَاعًا للدعايات البراقة.

стр. 8

الأدوار التي مرت به العلمانية في نشأتها: وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرَّت في تطورها بأدوار هي كما يلي: الدور الأول: وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسمِّي هذا الدور بعصر التنوير, أو بداية عصر النهضة الأوربية, ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين إثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانًا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الاكتشافات العلمية هناك, ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الاكتشافات وجهًا لوجه. الدور الثاني: ظهور العلمانية الهادئة, وتغلُّب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تَمَّ عزل الدين عن الدولة, وانحصرات مفاهيهم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط, بعيدة عن الحياة الاجتماعية كلها. الدور الثالث: وفيه اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحلَّ الإلحاد المادي محل الدين تمامًا١. ثم برزت الرأسمالية من الروافد المقوية للإلحاد العلماني، فاكتمل تطويق الدين ورجاله, واعتبر الدين عدوًا للحضارة، وصار محلَّ سخرية الجميع في ردِّ فعل عارم يريد أن يكتسح كل شيء أمامه مما كان موجودًا؛ ليفسح الطريق أمام الوضع الجديد المتمرِّد على كل الأوضاع التي قبله.

стр. 9

الفصل الرابع: الردّ على من زعم أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين ما أكثر المغالطات التي توجَّه إلى خلط المفاهيم, إما على جهل بالحقائق, وإما عن معرفة وطوية مبيتة شريرة. ومن العجيب حقًّا أن يتبجَّح منشئوا العلمانية بأنها حرب على الأديان, وتذويب للمجتمعات في بوتقة اللادينية, ثم يأتي بعد ذلك من يحاول تغطية هذا المفهوم الواضح فيدَّعي التوافق بينهما, بحجَّة أن العلمانية والدين يجتمعان في الحثِّ على نبذ التأخّر -حسب مفهومهم, وعلى الحثِّ على العلم والاكتشافات والتجارب، والدعوة إلى الحرية، أو أن العلمانية تخدم جوانب إنسانية, بينما الدين يخدم جوانب إلهية ... إلخ. ترهاتهم، ولنا أن نقول للمغالطين: إن العلمانية لم تظهر في الأساس إلّا بسبب الخلافات الشديدة بين دينهم وبين علمانيتهم، وإلّا فما الذي أذكى الخصومة بين الدين والعلمانية عندهم؟ نعم, إن الدين الصحيح يدعو إلى نبذ التأخُّر والأخذ بالعلم ومعرفة الاكتشافات والبحث والتجارب, ويدعو إلى الحرية، لكنه لا يجعل تلك الأمور بديلًا عن الخضوع للتعاليم الربانية, أو الاستغناء عنها وإحلال المخترعات محل الإله ، بل يحكم على كل من يعتقد ذلك بالإلحاد ومحاربة الدين علنًا، وهو ما سلكته العلمانية بالنسبة لنبذها للدين.

стр. 10

والدين الصحيح لا يفصل السياسة والحكم بما أنزل الله تعالى، ولا يجعل قضية التدين قضية شخصية مزاجية، ولا يبيح الاختلاط ولا السفور, وإعلان الحرب على القيم والأخلاق, بينما العلمانية لم تقم في الأساس إلّا على تكريس البعد عن الدين -النصراني- وإباحة الشهوات بكل أشكالها, فأيّ وفاق بينهما؟! كذلك فإن الدين لا يبيح لأي شخص أن يشرِّع للناس من دون الله تعالى، ولا أن يتحاكموا إلى غير شرع الله تعالى, وهذا بخلاف العلمانية، كما أن التوافق بين شيئين في بعض الجوانب لا يجعلها متماثلين حتمًا. أما هل يوجد وفاق بين الإسلام بخصوصياته وبين العلمانية؟ فإنها إذا كانت العلمانية لا تتوافق مع بعض المذاهب الوضعية الجاهلية وتقف ضد نفوذها، أفيمكن أن تتوافق مع الإسلام بخصوصه، إن الذين يتصورون ذلك لا يحترمون عقولهم ولا مشاعر الآخرين, أليس الإسلام هو العدو اللدود لجميع الجاهليات مهما اختلفت أسماؤها في حزم وصرامة دون أي تحفظ, لا يختلف في ذلك مسلمان؟ وكيف تتفق العلمانية القامئة على الشرك بالله والكفر به ورفض التحاكم إلى شرعه ، وبين الإسلام القائم على عبادة الله وحده لا شريك له ذلًّا وخضوعًا وحكمًا في كل شيء.

стр. 11

لقد قامت العلمانية من أوِّل يوم على محاربة الدين وعدم التحاكم إليه، وعلى الخضوع لغير الله تعالى, إما الطبيعة وإما في عبادة بعضهم بعضًا, بعد أن ابتعدوا عن الدين وعن الخضوع لرب العالمين, وأشركوا معه سبحانه فئة من البشر يسمونهم بالمشرِّعين أو القانونيين، ويقدمون كل ما يقرره هؤلاء, وينفرون عن ذكر الشريعة الإلهية والرسل والرسالات؛ لأنها بزعمهم لا تقدم الحلول الناجحة كالتي اخترعوها. متناسين هذه الفوضى الفكرية والأخلاقية والاقتصادية.. إلخ، الفوضى التي تعيشها المجتمعات العلمانية ونقضها اليوم ما أثبتته بالأمس: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ١. ولعل الذي حمل بعض القائلين بأن العلمانية لا تحارب الدين ما يرونه من عدم تعرُّض العلمانيين لسائر أهل العبادات بخلاف النظام الشيوعيّ، ولكن يجب أن تعرف أن أساس العلمانية لا ديني، ولعل تركهم لأهل العبادات إنما هي خطة أو فترة مؤقتة.

стр. 12

الفصل الخامس: أسباب قيام العلمانية في أورب ا ١ لقد نشأت العلمانية في أوربا البلد المضياف لشتَّى الانحرافات والمذاهب الفكرية الضالَّة لأسباب عديدة، نذكر منها بعض الأسباب فيما يلي: ١- السبب الأول: هو الظروف القاسية التي عاشتها أوربا قرونًا طويلة تحت سيطرة طغاة الحكام وطغاة رجال الدين الكنسي, الذين وصلوا في الطغيان وضروب الخرافات إلى ما لا يتصوره العقل من التجبُّر والتناقض, والظلم الفادح, واستعباد الناس وإذلالتهم, والفقر المدقع, ومحاربة كل فكر يخالف ما هم عليه. ٢- لقد أفاق العلمانيون الجدد على دين لا يقبله العقل ولا يقره المنطق، وعلى جرائم خلقية من جنس وبذخ ودعارة لا حدود لها بين رجال الكنسسية أنفسهم -رهبانها وراهباتها- وقد ذكر ول دبورانت: "إن سجلات الأديرة احتوت على عشرين مجلدًا من المحاكمات بسبب الاتصال الجنسي بين رجال الكنيسة وراهباتها"، واستمع للمزيد من إذاعة لندن في بيانها لمثل هذه الأمور بين فترة وأخرى تسمع العجب. ٣- ظهور أشنع الخرافات الهابطة مثل: صكوك الغفران, والعشاء الرباني, والتثليث, وغير ذلك مما تحدثنا عنه في دراسة النصرانية في مادة الأديان.

стр. 13

٤- اتصال بعض الأوربيين بالمسلمين ومخالطتهم لهم في الجامعات لهم في الجامعات الإسلامية بالأندلس, واطلاعهم على حال المسلمين من حرية وعدالة اجتماعية، فتنبَّهوا لواقعهم. ٥- ما كان يمارسه رجال الدين الكنسي من سوء المعاملة لمن خالفهم في قول أو فعل, وما كانوا يفرضونه من ضرائب باهظة, وتسخير مشينن للناس التابعين لهم تحت تسمية نظام السخرة، وما كان يتميِّع به رجال الكنيسة من امتيازات لا حدود لها, وحياة الترف والبذخ التي كانوا يعيشونها على حساب الفقراء والمعدمين. وعن فساد رجال الكنيسة تقول القديسة -كما يسمونها- "كاترين السينائية": "إنك أينما وليت وجهك سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو غيرهم من رجال الدين, أو الطوائف الدينية المختلفة, أو الأخبار من الطبقات الدنيا أو العليا, سواء أكانوا صغارًا في السن أو كبارًا, لم تر إلّا شرًّا ورذيلة تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة, إنهم كلهم ضيقوا العقل شرهون, اتخذوا بطونهم إلهًا لهم يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة؛ حيث يتمرغون في الأقذار, ويقضون حياتهم في الفسق والفجور"١. ومن الأدلة على ضيق أفق رجال الدين النصراني موقفهم المشين من العلم، وقد وصف "نورليان" ذلك فقال: "إن أساس كل علم عندهم هو الكتاب المقدَّس وتقاليد الكنيسة، فالكتاب المقدَّس يحتوي على العرفان

стр. 14

على المقدار الذي قدر للبشر أن ينالوه، فجميع ما جاء في الكتب السماوية من وصف السماء والأرض وتاريخ الأمم, ما يجب أن نعتقد تسليمه مهما عارض العقل أو خالف شاهد الحس، فعلى الناس أن يؤمنوا به أولًًا, ثم يجتهدوا ثانيًا في حمل أنفسهم على فهمه، أي: على تسليمه أيضًا"١. لقد أفاق المفكرون على هذا الغبن الفاحش والفساد العريض والظم الذي لا يردعه رادع باسم الدين والتقرب إلى الله تعالى بطاعة الرهبان والخضوع لهم. فإذا بهم يطلقون الصرخات الحارة, والنداءات المخلصة للشعوب أن يفيقوا من تنويم الدين النصراني لهم, وأن ينفضوا عنهم غبار الجهل المتراكم بسببه. فانفجر الناس وكأنهم البراكين الثائرة, وأخذوا ينادون بإقصاء الدين ومن يمثله عن طريقهم, وخرجوا وكأنَّهم طلاب ثأر موتورين، وحصل بعد ذلك ما حصل من الحروب الخفية والظاهرة بين رجال الكنيسة وبين المفكرين ومن تبعهم، وإذا بالأرواح تزهق, والضحايا تتوالى وتزداد، وحلَّ كابوس مخيف على أوربا, وليل داج أسفر بعد ذلك كله عن انتصار المارد الجديد, ودحض الكنيسة وترهتها, وتمريغ أنوف رجال الدين في الوحل، وابتلى الله الظالمين بالظالمين، وتنفَّست أوربا الصعداء، وإذا العداء بين الفريقين ملتهبًا لا يقر له قرار, ومن هنا أدار رجال الفكر ظهورهم للدين

стр. 15

ورجاله، واتجهوا إلى عقولهم، وإلى نبش شتَّى الفلسفات القديمة لبناء مذهبهم اللاديني الجديد، وتبنَّوا كل فكر إلّا فكرًا يتصل بالدين وأهله. وإذا طلبت كلمة الإنصاف, فإن الجواب أنَّ كل ما فعله المفكِّرون من محاربة الدين ومن يمثله قد يكون أمرًا منطقيًّا تمامًا, ولهم حجتهم فيما فعلوه تجاه الدين القائم على رءوسهم؛ لأنه دين باطل، ومن يمثلونه كانوا يمثلون الطغيان بكل معانيه، ولكنهم أقاموا باطلًا على أنقاض باطل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم لا يخرجون عن المسئولية تمامًا؛ لأنه كان يجب عليهم أن يبحثوا عن الدين السليم الذي يتفق مع فطرهم وعقولهم، وسيجدونه في متناول أيديهم، وسيجدون أنه الدين الذي يريحهم من ظلم وخرافات النصرانية البولسية المحرَّفة وطغاتها، ويتفق مع العقول، ويحثَّهم على إكمال مخترعاتهم, ويبارك جهودهم. إنه الدين الإسلامي الذي يحارب الظلم والخرافات, وينير الطريق لأتباعه ويسعدهم في الدنيا والآخرة, ويحثهم على العلم والتعلم واحترام العلماء وتجاربهم، ولو اتجه العلمانيون إليه لكانوا في راحة وسعادة بدلًا عن الشقاء الجديد الذي انتقلوا إليه، والذي تمثَّل في ظلم وطغيان الشيوعية والرأسمالية, وخدع الديمقراطية والعنصريات القومية والوطنية, وغيرها من المذاهب التي تخبَّط العلمانيون في ظلماتها، ولا يزالون, لبعدهم عن الطريق الصحيح الذي كان يجب عليهم أن يسلكوه؛ إذ أن الظلم لا يرتفع بالظلم، والجهل لا يرتفع بالجهل، فكان انقلابهم من قبضة رجال الدين

стр. 16

النصراني, وإطلاق سيقانهم للريح هربًا منهم دون أن يلووا على شيء, أشبه ما يكون يهرب عبد آبق من سيده الظالم ليقع في يد آخر أظلم منه وأطغى. وما تعيشه شعوب العلمانية اليوم من فوضى أخلاقية وظلم اجتماعي واستعلاء بعضهم على البعض الآخر، إنما هو دليل واضح على فساد تلك النقلة العلجة على أيدي المفكرين الغرييين، وهذا ما شهد به عقلاء الغرب والشرق على حدٍّ سواء, في انتقاداتهم لأوضاعهم الاجتماعية وحضارتهم القائمة على تأليه المادة وعبادتها. ٦- وإذا كان طغيان، رجال الكنسية وحماقاتهم هو السبب الأكبر في نشأة العلمانية، فإن هذ لم يكن هو السبب الوحيد، بل انضافت إليه أسباب أخرى لا تقلّ أهمية عن كل ما تقدَّم، وتمثَّل ذلك كما عرفت في تلك المواقف المخزية لرجال الدين الجامدين القساة ضد أصحاب العلم التجريبي, وما وصلوا إليه من اكتشافات جديرة بالاحترام والقبول, لولا أن هؤلاء قابلوهم بأنواع الاضطهاد والتعذيب، وكان لرجال الكنيسة صولات وجولات مع كل المفكرين، حيث أذاقوهم من التعذيب ما لا يعلمه إلا الله وحده, بعد أن نصبت لهم محاكم التفتيش التي استعملت من أنواع التعذيب بالمخالفين الذين أطلق عليهم رجال الدين لقب "الهراطقة" ما لا يتصوره العقل، حيث "كانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض, بها غرف خاصة للتعذيب, وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري, وكان الزبانية يبدأون بسحق عظام الأرجل, ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيًّا حتى يهشم الجسم

стр. 17

كله, ويخرج من الجانب الآخر كتلة كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى, منها آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، يلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيمزقه إربًا إربًا، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب, ثم تشد فتقطعه قطعة قطعة، وتعزر في أثداء النساء حتى تتقطع كذلك، وصور أخرى تتقزز منها النفوس وتشمئز لذكرها"١. وهكذا ظلَّ رجال الدين يطاردون العلم والعلماء خوفًا على مناصبهم أن تذهب بها فكرة أدراج الرياح. ولم يكن لأولئك الرجال من سعة الأفق ما يحملهم على تفهم اكتشافات وآراء المفكرين, ومقابلة الرأي بالرأي, والحجة بالحجة، بل قابلوا ذلك بالعنف الذي تحوّل لصالح المفكِّرين ونظرياتهم, وألهب قلوب الجماهير النصرانية في كل مكان. ٧- الثورة الهائجة لتي قامت في فرنسا على تعاليم الكنيسة الظالمة بعد أن ذاق الفرنسيون ألوان الحرمان والجوع والشقاء, وبعد أن تبيِّن لهم أن كل أسباب تلك المصائب هم طبقة النبلاء الأشراف وطبقة رجال الدين، فخاضوا ثورتهم المشهورة التي أسفرت عن انتصار الشعب وسحق رجال الدين, وكل ما يتصل بالدين انتقامًا لما أسلفه رجال الدين نحوهم، وكانت سببًا من الأسباب القوية التي

стр. 18

أدت إلى قيام العلمانية، حيث تعتبر تلك الثورة هي الفاتحة والمشجِّع الأوّل لقيام العلمانية وإخفات أصوات طغاة الكنيسة، وكذا المناداة بإقامة الحكم على اللادينية, وعلى القوانين التي يصنعونها بدلًا عن قوانين الكنيسة وفلسفتها، وذاق رجال الكنيسة وبال أمرهم على أيدي زعماء هذه الثورة الذين كانوا من أعدى أعداء الدين والقيم والأخلاق, وكل ما يتصل بالدين وبالله . ولقد استفاد زعماء الثورة العلمانية من مواقف رجال الدين الذين حاولوا عبثًا تخويف الجماهير الغاضبة وكبح جحاحهم وإرجاعهم إلى حظيرة الكنيسة، ولكن كان غليان قلوب الجماهير فوق تصورات البابوات، فقد شبَّ الشعب عن الطوق, وأبصروا بأمِّ أعينهم الغبن الفاحش الذي حلَّ بهم على أيدي البابوات. ٨- وانضاف إلى تلك الأسباب سبب آخر تمثَّل في الكيد اليهودي المندَّس ضمن الجماهير الهائجة في الميدان، فد اخترعوا مخططات لضرب الناس بعضهم بالبعض الآخر, وإشاعة الفوضى العارمة التي تسفك فيها الدماء بدون رقابة ولا تحقيق, إذا كانوا ينظرون إلى المسيحيين وإلى الدين المسيحي على أنه هو العدو الحقيقي الذي يحول بينهم وبين وصولهم إلى قمة العزة والكرامة, وملك اليهود العالم، كما أكدته الماسونية اليهودية. لذلك كانوا هم المحرِّك الفعال والداعم لهيجان الجماهير على رجال

стр. 19

الدين, ثم حوَّلوهم إلى الهيجان على الدين المسيحي نفسه، وقد أسفرت المعركة عن سحق رجال الدين الكنسي, وعن مطاردة الدين وعدم السماح له بالاستقرار في أي مكان من أجهزة الدولة الناشئة. ٩- ثم جاء الإلحاد في ثورته العارمة ليضيف سببًا جديدًا لقيام العلمانية في أروبا، فساعد على زيادة النار اشتعالًا، والطين بلة, في موجة إلحادية قوية تمالأ عليها الملاحدة في شكل نظريات تبرهن على عدم وجود الله أصلًا, وأن الأشياء إنما وجدت بطبيعتها، وأن التدين إنما هو من صنع الإنسان وخيالاته, وليس من قوة إلهية خارجة عن البشر, وقد شكلت هذه الظاهرة مع ظاهرة الغضب الجماهيري كمَّاشة قوية على أعناق رجال الدين, وعلى الدين نفسه، مما أتاح فرصة سانحة لقيام العلمانية وسائر المذاهب في أوربا بقسميها الشرقي والغربي. وأودُّ هنا أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن دراسة حال أوربا قبل مجيء روَّاد الفكر والحرية, وبيان ما وصل إليه طغاة الكنيسة في الانحراف والخروج بالدين النصراني إلى الوثنيات على يد بولس وأتباعه, قد تمَّت دراسة كل ذلك في مادة الأديان، فارجع إليه إن شئت، وإنما الغرض هنا هو التنبيه إلى بيان السبب وراء ظهور العلمانية بإيجاز، ثم دراسة هذا المذهب بعد أن أصبح دينًا للقائمين عليه.

стр. 20

الفصل السادس: هل العالم الإسلامي في حاجة إلى العلمانية؟ وأسباب ذلك ؟ مما لا يصح أن يختلف فيه اثنان أن العالم الإسلامي ليس بحاجة إلى العلمانية بجميع صورها وأشكالها، وذلك لأمور كثيرة، من أهمها: ١- كمال الدين الإسلامي: وقد شهد بذلك أصدق القائلين ورب العالمين، عالم الغيب والشهادة، فقد قال في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١. وقال النبي ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلّا هالك" ٢. فالإسلام دين كامل ونعمة تامَّة, رضيه الله لأمَّة محمد ﷺ , وقد اتضح بما لا شك فيه حتى عند أعداء الإسلام أن هذا الدين هو الدين الصحيح, والمنهج السليم لسعادة وتحقيق آمالهم في الحياة السعيدة والأمن والأمان، قال الفيلسوف "برناردشو": "إني أعتقد أن رجلًا كمحمد لو تسلَّم زمام الحكم المطلق في العالم أجمع لتمَّ له النجاح في حكمه, ولقاده إلى الخير, ولحل مشاكله على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة"٣.

стр. 21

وقد جرَّبه المسلمون حينما كانوا يطبِّقونه قولًا وفعلًا، فكانوا سادة العالم, والمنقذين للبشرية من الجهل والخرافات والظلم, والتوجه الحقّ لعبادة فاطر السماوات والأرض, ونبذ عبادة من عداه، ولهذا ولغيره فإنَّه لا يوجد أدنى مبرر لأيّ مسلم أن يعرض عنه, ويتخذ العلمانية اللادينية الجاهلية عقيدة ومنهجًا له إلّا من سَفِهَ نفسه، ومن المؤسف أن يتكاثر السفهاء ممن ينتمون إلى الإسلام للتهافت على موائد العلمانية القذرة, وأن يزجُّوا بأنفسهم في الظلمات بعد أن وصلوا إلى النور, وأن ينحدروا إلى الهاوية بعد أن وصوا إلى قمَّة الأمان، وكأنهم لم يسمعوا بأنين أصحاب الحضارات الجاهلية, والظلم الفادح الذي يتجرَّعون غصصه, والخوف الشديد الذي يعيشونه, فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا, وكأنهم لم ينتفعوا بما جرَّبه غيرهم من طلب العزِّ بغير الإسلام, وما وصولوا إليه من الذل والحقارة. ومن كمال الإسلام أنه لم يدع أي أمر يحتاج الناس إليه إلّا وبيَّنَه أتمَّ بيان وأوضح حكم, سواء أكان ذلك في الاعتقادات أو في المعاملات, ويطول الكلام لو أردنا أن نستقصي أمثلة ذلك، بل يحتاج إلى دراسة خاصة، كما يلاحظ القارئ الكريم من خلال جهود علماء المسلمين قديمًا وحديثًا في بيانهم لكل ذلك على هدى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , تجد ذلك الشمول في الإسلام لجميع جوانب الحياة عقيدةً وسلوكًا في كلِّ ما يتعلق بحياة الناس الدينية والدنيوية، وعلى سبيل المثال, انظر بيانه للشرك وأقسامه، والتوحيد وأقسامه، وتثبيت المراقبة الذاتية في قلب كل مسلم، والحثّ على الإخلاص

стр. 22

في كل شأن, وحسن المعاملة وتثبيت الفضائل, والتنفير عن الرذائل, والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، والتكافل الاجتماعي الحقيقي, والمساواة بين الناس. فلم يخلُ أي جانب من جوانب الأعمال القلبية والحسّية من وقوف الإسلام عنده, وبيانه بصورة واضحة ترغيبًا وترهيبًا. تجد فيه التنفير عن الرياء والغلظة والحسد والنفاق والكبر وسوء الظن والكذب والبهتان والغيبة والنميمة وشهادة الزور والغش وقذف المحصنات الغافلات وظلم النفس وظلم الآخرين وعدم الرفق بالإنسان أو الحيوان, وتحريم غمط الناس وإخلاف الوعد.... إلى آخر الصفات, فتنشأ في النفس المراقبة الذاتية لله تعالى, التي ينتج عنها الإخلاص الذي هو مصدر كل خير, وينتج عنها الخوف من الله تعالى، بينما هذه الصفات مفقودة في العلمانية، وفاقد الشيء لا يعطيه. ولهذا نجد أن الجرائم في العالم العلماني منتشرة بشكل مخيف, دون أن تجد لها الأحكام الرادعة في غياب الخوف من الله تعالى وعدم مراقبته، فلا تجد فيها الدعوة إلى التواصل والتراحم والعطف على الضعفاء والمساكين وصلة الرحم وحسن الجوار, والمعاملة بالتي هي أحسن، كما يظهر فيه النقص الواضح في قضايا المعاملات, سواء كانت في البيوع أو النواحي الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية, وسائر المعاملات، فلا يوجد ذلك الإحساس الطيب بين الفرد ونفسه, وبينه وبين قرابته، وبينه وبين سائر المجتمع، وعلى هذا

стр. 23

فإننا نقول وبكل تأكيد واطمئنان: إنه لا توجد أي حاجة أو مبرر للالتفات إلى الجاهلية العلمانية وقوانينها البشرية القائمة على التناقض والاضطراب، بل ليس فيها ما يغري بها عند أصحاب العقول والهمم الرفيعة طلاب الحق والمعرفة. ٢- لأنها لا تتفق مع الإسلام، وقد سبق الرد على زعم وجود التوافق بينهما. ٣- ولأنها لا تصل إلى بلد إلّا وأنتجت من الشقاء والفوضى في الحكم والأخلاق والقيم وسائر السلوك ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ٤- ولقد ثبت فشلها في إسعاد المجتمعات التي ابتليت بها، فلماذ يجربها من ليس في حاجة إلى شيء من تعاليمها، ولماذا يدخل نفسه في شقاء لا مبرر له، والعاقل من اتَّعظ بغيره. ٥- ولأن المسلم لا يجوز له الشك في صحة تعاليم الإسلام الحنيف، ولا أن يفضِّل القوانين الوضعية على الشريعة الإسلامية. ٦- ولأن وجودها في أوربا وفي سائر المجتمعات الجاهلية كان له ما يبرره لفساد الحال فيها كما تقدَّم، بخلاف الأوطان الإسلامية التي أشرقت تعاليم الإسلام بها. ٧- ولأن عقيدة الإسلام واضحة تمام الوضوح في بيان أمر الألوهية والنبوات, وكل ما يتعلق بأمر البشر والتشريع، فالله تعالى واحد لا شريك له

стр. 24

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١ والأنبياء بشر أرسلهم الله بأنباء الله تعالى ولا شركاء له، والبشر كلهم عبيد الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ٢, والتشريع كله لله تعالى, الذي لا محاباة فيه ولا مجاملة على حساب أحد, كما هو حال القوانين الوضعية. ٨- ليس في الإسلام حجر على أن شخص أن يتصل بربه مباشرة وبلا واسطة؛ إذ الكل عبيد له سبحانه، أقربهم إليه أتقاهم له، بخلاف ما كانت عليه الكنيسة؛ إذ لا وصول فيها إلى الله تعالى إلّا من خلال رجال الدين, الرهبان والقسس الذين هم نواب عن المسيح الرب, ويمثلونه -بزعمهم, مما أثار ثائرة المفكرين الغيورين على مستقبل حياتهم وحياة أبنائهم. ٩- ليس في الإسلام رجال دين ورجال دنيا، أو رجال تشريع وقانون، أو رجال طبقات مسخرة، وغير ذلك من أوضاع الجاهلية، فالناس في الإسلام كلهم في درجة واحدة في الأصل والتكليف, لا يتفاضلون إلّا بعلمهم وعملهم الصالح، فلا مزية بينهم إلّا في هذا الميدان، وبالتالي فلا يوجد فيه ما يبرر وجود تلك العداوات والعنصريات التي توجد في النظم الجاهلية العنصرية.

стр. 25

١٠- الإسلام يحترم العلم ويحثّ على طلبه بكل الوسائل, كما يحترم العلماء ويثني عليهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢، وميدان العلم في الإسلام فسيحٌ يشمل كل جوانب المعرفة، سواء ما يتعلق منها بالدين ومعرفته, أو بالأمور الدنيوية ومعرفتها؛ من طب وزراعة وتجارة وصناعة وغير ذلك، بينما في الديانة النصرانية لا علم إلّا ما أشار إليه الكتاب المقدَّس، ولا حقَّ إلّا ما تفوَّه به رجال الدين مهما كان الأمر، ومن هنا كان العلم عند المسلمين يدعو إلى الإيمان, بخلاف ما عند النصاري ورجال العلمانية المحاربين للدين باسم العلم. ومن الغريب أن تجد في العالم الغربي اللاديني أن الذين ينادون بالعلمانية اللادينية هم أنفسهم الذين يساعدون الاتجاه الديني عند النصاري في دعم التنصير والاستشراق، وهم الذين يمدون الكنائس بالأموال السخيّة في سبيل نشر الفكر الغربي، بينما العلمانية في البلاد الإسلامية أُرِيَد لها أن تقوم على قطع كل صلة للمسلم بدينه؛ إذ كانت القسمة هكذا, إمَّا أن تكون شخصًا علمانيًّا مثقفًا متطورًا، وإما أن تكون دينيًّا جامدًا متخلفًا، ومن هنا نشأ بغض الدين الإسلامي في قلوب الحمقى ممن ركن إلى هذه الخدع الإجرامية الغربية النصرانية، فلماذا لم يظهر هذا التمايز اليوم بصراحة في الغرب

стр. 26

النصراني الذي تسلل إلى زعامته كبار المنصِّرين، والذي اتخذ من التنصير والاستشراق ستارًا كثيفًا, بسط نفوذه في العالم الإسلامي. لماذ أصبح المندهشون من الحضارة الغربية وهم ينتسبون إلى الإسلام يستحي أحدهم أن يقول: أنا متطور ومثقف ومسلم في آنٍ واحد، وديني هو الدين الذي دعا إلى العلم, وعزَّز القائمين عليه وأكرمهم غاية الإكرام. وفي كل ما تقدَّم وغيره عظة لكل عاقل؛ إذ يزداد المؤمن إيمانًا بدينه وبنبيه ﷺ , ويعرف أهداف العلمانية وما تسعي إليه من حرب الإسلام والمسلمين وسائر السلوك الحسن.

стр. 27

الفصل السابع: انتشار العلمانية في ديار المسلمين, وبيان أسباب ذلك عرفت مما سبق أن المسلمين ليس بهم حاجة إلى العلمانية، ومع ذلك فقد انتشرت العلمانية في ديار المسملين انتشارًا قويًّا، وأوجد لها أعداء الإسلام عملاء من أهل كل بلد, ينوبون عنهم في نشرها بالحيل أحيانًا, وبالقوة أحيانًا أخرى، وكان هؤلاء النواب أشدّ من ملاحدة الغرب شراسة وإلحادًا، وأشد جرأة وتعسفًا لأبناء جنسهم في إرغامهم على قبول اللاديينة, وربُّوا عليها أجيالهم، وأصبحت في كثير من البلدان أمرًا مسلَّمًا به، وحلَّت محل الإسلام في كل ناحية, مع التظاهر عند البعض بالتزام الإسلام. والأمثلة لا تخفى على القارئ، فقد أصبحت تركيا دولة علمانية لا دينية على يد المجرم "أتاتورك", الذي قطع كل صلة لتركيا بالإسلام والمسلمين, والذي كان علي يديه إسقاط آخر خليفة مسلم في الدولة العثمانية، وإسقاط الدستور الإسلامي, واستبداله بالقانون المدني السويسري، وقانون الجزاء الإيطالي، والقانون التجاري الألماني، وغيرها من القوانين الوضعية الجاهلية، وتعهَّد بإخماد كل حركة إسلامية، وربط تركيا مباشرة بالدول الغريبة، وكان من نتائج ذلك أن تمزَّق المسلمون ولم تعد لهم جامعة تجمعهم ولا رابطة تربطهم، وهو ما تحقَّق لأعداء المسلمين من المستعمرين، ولا يزال حكام تركيا يتزلفون إلى الغرب، ولم تكن تركيا وحدها هي الضحية، بل كانت كل الدول الإسلامية التي كانت خاضعة للاستعمار الإنجليزي أو

стр. 28

الفرنسي، أو غيرهما، دخلتها العلمنية من أوسع الأبواب، وأدخلت تلك الدول كله في ظلمات العلمانية، وأُقْصِيَ عنها التشريع الإسلامي بالقوة, مثل ما حصل في الهند على يد البريطانيين، وفي تونس على يد الفرنسيين, وقويت العلمانية كذلك في مصر, وأصبح لها كُتَّاب يدافعون عنها، بعضهم كان ينتسب إلى الأزهر مثل: "علي عبد الرازق" و"خالد محمد خالد" الذي يقال: إنه رجع عن ذلك. ولا تزال الدول الإسلامية في مَدٍّ وجزر في تقبُّل العلمانية أو ردِّها، وإن كانت الأكثرية قد انخدعت ببريق العلمانية ومنجزاتها الحضارية المزعومة، بل لقد أصبح الكثير من الزعماء يراهن على بقائه في الزعامة في تزلفه لأقطاب العلمانية اللادينية في الشرق أو في الغرب، وبما يقدمه من خدمات في استيراد العلمانية ومحاربة الشرعية الإسلامية وممثليها، ولا يكتفون بهذا الإجرام، بل يضيفون إليه أن الشعوب هي التي تطلب ذلك، والساسة يذبحون الشعوب بأيدي الشعوب، ويتم كل ذلك دون أن تعلم الشعوب شيئًا عمَّا يجري في الخفاء وارء الكواليس في الشرق أو في الغرب, مع أنَّ كل عمل إنما ينفذ باسم الشعب، وأين الشعب, وأين ما يجري وراء الكواليس. الأسباب التي أدَّت إلى انتشار العلمانية في بعض ديار المسلمين: مما لا شك فيه أن انتشار العلمانية اللادينية أو غيرها من المذاهب الباطلة, إنما تنتشر في غفلة وخواء النفس عن التمسك بالمعتقد

стр. 29

الصحيح، وفي الوقت الذي يرى فيه الإنسان حسنًا ما ليس بالحسن من جرَّاء الدعايات البراقة, أو الضعوط الشديدة. وفيما يلي نبيِّنُ بعض تلك الأسباب التي أدَّت إلى انتشار العلمانية في ديار المسلمين، ويمكن أن يكون من أول الأسباب كلها: جهل المسلمين بدينهم: فلقد مرَّت بالمسلمين فترات ساد فيها الجهل, وتغلبت الخرافات, وقلَّ فيها الإقبال على العلم والتعلُّم, حتى وصل الحال إلى إمكان عَدِّ الذين يقرأون ويكتبون في البلد الواحد، وحتى الكثير من هؤلاء القراء والكُتَّاب قد لا يقرأ أحدهم إلّا القرآن الكريم من المصحف دون فهم ولا تدبر، وأُقْفِلَ باب الاجتهاد حين غلب الجهل, وقلَّ العلماء المجددون, وجمدوا على التعصب للآراء, وتشعَّبوا إلى مذاهب فكرية وطوائف متعارضة يحتدم بينها التنافس المنحرف, لا لشيء إلا لأجل بسط النفوذ واكتساب الأتباع، وهذا الانحراف ممثَّلته الصوفية بأجلى مظاهره؛ حيث نام الناس على ترديد أوراد جوفاء في معظمها للتبرك وزهد كاذب عن الدنيا وملذاتها. والناس في نظر أقطاب الصوفية أصبحوا مذنبين مقصرين في جنب الله، وحصل عند بعض المتصوفة المسلمين ما حصل للنصارى في نشوء طغيان رجال الكنيسة في تجريمهم للناس, وتحطيم معنوياتهم, والضغط عليهم للتمسك برجال الدين أصحاب الجاه العريض عند الله، فبهم وحدهم أزمَّة الأمور, وبرضاهم يرضى الله, وبسخطهم يسخط.

стр. 30

واخترع الصوفية في مقابل هذا الغلوِّ النصراني مقالتهم المشهورة "من لم يكن له شيخ، فشيخه الشيطان"، واخترعوا أشدَّ من صكوك الغفران عند النصاري، وهو ضمان القطب الصوفي الجنة لمن يريد، ووصل الهوس بأتباع التصوّف إلى الكسل التامِّ والخمول المخزي, بحجة التوكّل على الله, وترك حطام الدنيا, إلى غير ذلك من مسالك الصوفية مما سبق بيانه في دراستنا للتصوف١. وعلى كل حالٍ, فإن تلك الأوضاع الشائنة التي كان فيها المسلمون, مضافًا إليها سرعة انتشار الجهل، مضافًا إليها النهضة العلمية التجريبية التي شهدتها أوربا، كل ذلك وغيره قد أثَّر تأثيرًا قويًّا في ليِّ أعناق كثير من المسلمين إلى التأثُّر بالحضارة الغربية، فذهبوا يحاولون جاهدين تقريب تلك الحاضرة الغربية إلى الحضارة الإسلامية على حساب الحضارة الإسلامية, بحجة الانفتاح والاستفادة مما وصل إليه الغرب الذي تطوّر إلى أن وصل إلى الحال الذي ينظر إليه بعين الإكبار عند المغتربين بزخرف الحياة الدنيا، وقد اقتبس الكثير من المسلمين كثيرًا من المفاهيم الأوربية, وقدَّموها للمسلمين على أنها حلولًا لمشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، وأنها تتماشى مع الإسلام، وانخدع بذلك الكثير من المثقَّفين ومن غير المثقَّفين، وكأننا نسير إلى تحقيق ما أخبر عنه النبي ﷺ من اتباع المسلمين سنن مَنْ كان قبلهم من اليهود والنصارى في كل شيء، حتى لو دخل أحدهم جحر ضبّ لدخله المسلم محاكاة وتقليدًا دون وعي وتبصُّر.

стр. 31

ولقد زاد انبهار المسلمين بما عند الغرب، فقد أصبح التغريب من الأدلة القوية على التمدُّن والتحضُّر، وأن تلك العلمانية الملحدة هي التي أوصلت أوربا إلى صنع الطائرة والصاروخ، وغير ذلك من الدعايات التي أجاد حبكها العلمانيون وأفراخهم في البلدان الإسلامية, الذين يصورون العالم الإسلامي وكأنَّ السبل قد أنسدت عليهم, والطرق قد انقطعت بهم, ولم يبق لهم إلّا منفذ واحد يتنفَّسون منه, وهو منخر الحضارة الغربية العلمانية العاتية. ومن المعروف أن الحقد الصليبي، وخصوصًا نصارى العرب جمرة مشتعلة لا تنطفئ إلّا أن يشاء الله تعالى، ولقد أخبرنا الله في كتابه الكريم أنَّ اليهود والنصارى لا يمكن أن يرضوا عن المسلم حتى يتبع ملتهم, ويتخلَّى عن دينه الإسلامي، فقال عن ذلك ومؤكدًا عليه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ١. ولقد وقف النصارى ضد الإسلام منذ بزوغ فجره وإلى اليوم, وكان بين النصارى وبين أتباع الإسلام من الحروب وسفك الدماء ما لا يعلمه إلا الله، ولا يقف عدو للإسلام إلّا وقف النصارى إلى جانبه مؤيدين له، ولا يجهل طلاب العلم شراسة الحروب الصليبية التي خاض غمارها جحافل الصليب, يؤجح نارها طغاة الكنيسة الذين كانوا يضمنون الجنة لكلِّ من حمل صليبه وسيفه لحرب المسلمين, التي كانوا يسمُّونها جهادًا في سبيل الله وحربًا مقدَّسة.

стр. 32

وقد استمرت عدواة العالم الغربي النصراني للإسلام والمسلمين راسخًا في قلوب النصارى حتى بعد أن أدار العالم الغربي ظهره للنصرانية؛ إذ لم تمنعهم عداوتهم للدين النصراني من شدة تعصبهم لما وقع في أسلافهم تحت السيوف المسلمة، فقد أصبحت عداوتهم للإسلام أمرًا موروثًا بالفطرة, واستحكمت العداوة إلى الحد الذي أصبح من المستحيل أن يبقى أدنى عطف في قلوب النصارى على أي مسلم، ولكنهم ينافقون المسلمين بأنواع النفاق كلها تحت مسمَّيات عديدة، واشتد العداء للإسلام بسب وقوفه ضد مطامعهم وضد طغيانهم الجديد الذي أعقب طغيان رجال الكنيسة، وبسبب دعوة الإسلام إلى التحرر من كل الخرافات والأوهام, وإلى تحريمه الذل للكفار والاستكانة لهم، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة الظاهرة والخفية. ولقد اتخذت عداوة النصارى للإسلام ومحاربتهم له أشكالًا مختلفة ومظاهر عِدَّة، ابتداء بحمل السلاح وتجييش الجيوش النظامية إلى الالتجاء للخداع والمكر المتمثِّل في غزوهم الفكري للعالم الإسلامي تحت عدة أقنعة, من التنصير إلى الاستشراق إلى استجلاب أبناء المسملين وتنصيرهم بطرقهم المختلفة؛ من بناء المدارس لهم, والمستشفيات, وإنشاء شتَّى المرافق التي قدَّمنا ذكرها، ونشطوا في ذلك نشاطًا عاليًا, أثمر فيما بعد استيلاءهم على العالم الإسلامي حسيًّا ومعنويًّا, وعلت حضارتهم المادية التي يفاخرون بها على حضارة الإسلام، علت في قلوب مريضة أصيبت بالانبهار بما عند الغرب من صناعة وفكر ونظام, سهل بعد ذلك تسرب العلمانية إلى عقول وجهاء وأصحاب نفوذ صاروا ربائب الأكابر وجهاء العلمانية.

стр. 33

وقد توالت الهزائم على العالم الإسلاميّ, فلا يخرجون من هزيمة إلّا إلى أخرى، وأصاب المسلمين الوهن والاستخذاء أمام العبقرية الأوربية، ونجح الجزء الأكبر من المخطَّطات اللادينية، وتضافرت الجهود, وأشغلوا المسلمين بأحداث هامشيِّة فيما بينهم, لا تخدم أيَّ شكل من أشكال المصالح العامة. وكانت أكبر الخطط الناجحة هي تلك التي اتفق عليها زعماء الغرب من ضرب المسلمين بعضهم ببعض, والاتجاه بالحرب وجهةً أخرى ليس فيها جيوش ولا آلات حربية، وإنما هي حرب الإسلام ذاته عن طريق الغزو الفكري بدون إثارة المسلمين, والتفنن في إطلاق الشعارات البرَّاقة على أعمال العلمانيين والمنصِّرين في البلاد الإسلامية, في أشكال مساعداتٍ ظاهرها الرحمة وباطنها دمار الإسلام والمسلمين١. أما الاحتلال الشيوعي الماركسي: ففي الشرق الإسلامي قامت الشيوعية الماركسية باحتلال أراضي المسلمين هناك, وقتلت أهلها قتلًا ذريعًا, وقامت الصين بنفس العمل أيضًا حينما احتلت أجزاء من الأراضي الإسلامية، وكان الجميع يتباهون بقتل وتشريد المسلمين ونشر الرعب

стр. 34

والفساد، فتوالت على المسلمين النكبات من كل جانب، ولولا لطف الله تعالى وتكلفه بحفظ دينه وكِتَابه لكان العالم الإسلامي في مهبِّ الريح، فلقد فعل الشيوعيون بالمسلمين وبممتلكاتهم أفعالًا يندى لها الجبين، فكانوا يهدمون المساجد والبيوت على مَنْ فيها, في حقدٍ لا نظير له، والحمد لله الذي أقرَّ أعين المسلمين بموت الشيوعية واندحارها في عقر دارها، سنَّة الله في الباطل الذي يكون له صولة ثم يضحمل -كما سيأتي الحديث عن هذا المذهب الهدام وأتباعه الأبالسة. أما بالنسبة للاحتلال اليهودي لأراضي المسلمين: فلقد كان له تأثير واضح نجح رويدًا رويدًا من وراء ستار, كما هو شأن اليهود الذين يجيدون المؤامرات السرية ضد كل المخالفين لهم، وهم وإن لم يكن لهم مستعمرات كثيرة واضحة، فإن لهم مستعمرات هي أشد خطرًا من المستعمرات الظاهرة، فلم يكن السبب في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية هو ما تقدَّم من الأسباب فقط، وإنما انضاف إليها هذا التيار الخطير الهدَّام, والمتمثِّل في دور اليهود الحاقدين, الذين أخبر الله في كتابه الكريم عن شدة عداوتهم للإسلام والمسلمين، وأنهم لا يزالون على عداوتهم إلى الأبد، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ١، وجاءت السنة النبوية لتؤكد ذلك، فقد أخبر الرسول ﷺ عن خبث اليهود ومكرهم بالمسلمين في عدة أحاديث، منها: "ما خلى يهودي بمسلم إلا وهَمَّ بقتله" ٢.

стр. 35

وجاءت أفعال اليهود تجاه المسلمين -قديمًا وحديثًا- لتؤكد مصداق كل ما ورد من أوصافهم العدائية في الكتاب والسنة وأقوال الناس عنهم، وجاءت كذلك أقوال عقلاء الناس من مسلمين وغير مسلمين لتؤكِّد على خطر اليهود على البشرية كلها، واطَّلع الناس على ما جاء في "التلمود" من تعاليم ضد الجوييم أو الأمميين، واطلعوا على "بروتوكولات حكماء صهيون" الجهنمية, فهالهم الأمر، واتضح لكل ذي بصيرة أن اليهود من أشد الناس عداوة للبشرية، ومن أشدهم مكرًا، ولقد استعمر اليهود كثيرًا من البشر عن طريق منظماتهم ونواديهم، ومنها الماسونية، والشيوعية، وسائر تلك الأفكار، ويكفي في تصور شدة مكر اليهود استحواذهم على النصارى وإدخالهم في حظيرتهم, إلى الحدِّ الذي جعل النصارى يتنكَّرون لما هو من صميم عقائدهم الأساسية, وهو قتل اليهود للمسيح ﵇, كما تزعمه مصادرهم- فقد أصدر زعماء النصارى بيانًا بتبرئة اليهود من هذا القتل, وما ذاك إلّا للضغط اليهودي، كما أنهم أصمُّوهم وأعموهم عمَّا دوَّنه أحبار اليهود ضد النصارى من عداء شديد إلى حدِّ استحلال دمائهم, وأكلها في عيد فصحهم, كما فعلوا بالأب "توما" وخادمه "عمَّار" في القضية المشهورة التي حدثت ببلاد الشام القرن الماضي. والذي يهمنا من هذا, إنما هو الإشارة إلى تأثير اليهود في نشر العلمانية اللادينية في البلاد الإسلامية، وسيتضح للقارئ مدى هذا التأثير بمجرد قراءته لـ"بروتوكولات حكماء صهيون", وما جاء في "التلمود", وفي تعاليمهم السرِّية التي يتواصون فيها بالقضاء على كل الأديان -ما عدا دينهم- وأن

стр. 36

ذلك سيتم بتشجيعهم لكل حركة معادية للدين, ولكل فكرة تحارب الفضيلة، فنشروا الفساد الأخلاقي بكل أشكاله تحت مسمَّى الحرية، وحاربوا الأديان تحت مسمَّيات مختلفة. وما إن ظهرت اللادينية إلّا وتلقَّفَها اليهود ونشروها بكل وسائلهم الكثيرة ودعاياتهم المؤثرة، حتى ركن كثير ممن ينتسب إلى الإسلام إلى تلك الدعايات, وتحولوا إلى جنود لخدمة اليهود؛ من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وقد حذَّرنا الله تعالى من الركون إلى أعداء ديننا بقوله : ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ١, وقد وضحت هذه النار في الشعوب الإسلامية الذين تنكَّروا لدينهم وتقبَّلوا العلمانية، وضحت في معيشتهم وفي أمنهم وفي تكاتفهم، بل وفي كل شئون حياتهم، فكانت أمرًا مخزيًا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢. ولا يزال اليهود أداة تاخذيل وإغوء لكل الأمم -وخصوصًا الأمة الإسلامية, التي تمثل عدوهم اللدود الأبدي، ذلك العدو الذي تآمروا عليه منذ بزوغ فجره إلى اليوم، ولكن ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣ وما تمجيدهم

стр. 37

للعلمنية ولأقطابها, وذمّهم للإسلام ولتعاليمه إلّا جزءًا من عداوتهم له، وجزءًا من مخططاتهم للقضاء عليه، ولن يُتِمَّ الله لهم ذلك إن شاء الله إلى الأبد ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١. ومن تلك الأسباب لانتشار العمانية أيضًا, هذه البعثات لأبناء المسلمين التي ترسل إلى الغرب للدراسة -إلّا من رحم الله منهم, ذلك أن الطالب يذهب باعتباره تلميذًا مستفيدًا لا مناظرًا مدافعًا، فيشبع من هناك بما قد أُعِدَّ له وفق مخطَّط محكم، وحينما يُتِمُّ دراسته ويرجع إلى بلده الإسلامي لا شكَّ أنه يرجع بغير الفكر الذي ذهب به؛ إذ لا بُدَّ وأن يتأثر ولو باتجاه واحد على الأقل, أو شبهة لا يستطيع دفعها عن نفسه مهما حاول التماسك, والتوفيق بيد الله تعالى. بل إن كثيرًا من الذين ذهبوا للدراسة في الدول الكافرة العلمانية يرجعون بقلوب غير التي ذهبوا بها معهم, فيتمنَّون لو أن مجتمعهم الإسلامي يتحوّل في لحظة إلى صورةٍ طبق الأصل عن تلك المجتمعات الكافرة التي ألَّفوها وأشربوا حبها، وقد صرَّح كثير منهم بإعجابه بالحضارة الأوربية، واعتقدوا أن لا مخرج للمسلمين إلى السعادة وامتلاك القوة إلّا بتقليد الغرب في كل صغيرة وكبيرة، كالطهطاوي وأحمد خان، وعلي عبد الرزاق، وطه حسين. فرجع كثير من طلاب العلم من المسلمين الذين ذهبوا إلى الدول الأوربية للدراسة وهم متضلعون من تعالم العلمانية ومقتنعون بها، وإذا رجع الفكر

стр. 38

إلى تاريخ المسملين الأوائل, فإن صاحبه يشعر بالحزن والأسى؛ لأن ماضي المسلمين كان هو النور المشرق، وكان العلم وأهله وكتبه كلها عند المسلمين وفي جامعاتهم، في الوقت الذي كانت فيه أوربا في حمئة الجهل، فانقلب الحال رأسًا على عقب حينما زهد كثير من المسلمين عن تعاليم دينهم, ورغبوا في الحضارة الغربية وزخرفها، فأصبح بعض لمسلمين ينظر إلى العلوم الغربية بنفس الإكبار الذي كان ينظر به الغرب إلى العلوم الإسلامية. ومن الأسباب أيضًا: استغلال العلمانيون قيام النعرات الجاهلية؛ من قومية ووطنية, ودعوى نبذ التخلّف، وما إلى ذلك، وقد استجاب لهم الكثير، البعض بحسن نية، والأكثرون بخبث نية وتخطيط بارع للكيد للإسلام والمسلمين. وصار حال المسلمين على حد ما قاله أحد الشعراء: يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن وما إن سرت نخوة الجاهلية في عروق القوميين والوطنيين والتقدُّميين, إلّا وسرى معها التعالي والرجوع إلى الأمجاد الجاهلية المزعومة التي كانت العلمانية تصفق لها, وتصف أهلها بشتَّى نعوت المدائح والعبقريات الفذة. كما أن أولئك الثائرون قد أتوا على الأخضر واليابس, ورأوا أن بناء مجدهم يتطلَّب إقصاء تعاليم الدين والسير خلف ركب الحضارة الأوربية الذي تولَّد من قيام العلمانية الجديدة, والسير في طرقاتها حذو القذَّة بالقذَّة.

стр. 39

ومنها الترابط بين العلمانيين في الغرب وأتباعهم في ديار المسلمين، ومساندة بعضهم بعضًا, وإمدادهم بأسباب القوة التي تمكنهم من اعتلاء المناصب في بلدانهم, بعد أن باعوا ضمائرهم وأصبحوا عملاء لهم، فضلًا عن الضغط الذي تتعرَّض له الحكومات الإسلامية لإفساح المجال واسعًا أمام طلائع العلمانيين, بل وتشغيلهم بحكم ما يحملون من شهادات أوربية -يجب أن تكون محل الاهتمام والتقدير؛ لأنها صادرة عن موطن التقدم والرقي, كما يصورونها في أذهان عامة المسلمين المنهزمين في أنفسهم. وقد ظهر ذلك واضحًا في معاملة هؤلاء المستغربون، فإنَّ لهم الأولوية في الوظائف وزيادة الرواتب، كما نسمع من أخبارهم. وإذا أبى إلّا التحدُّث بالإنجليزية فهو نور على نور, ودلالة على تقدمه ومعرفته، ولقد نشر هؤلاء مبادئ العلمانية الشريرة بكل وسيلة, وكان لهم أكبر الأثر في الدعاية للعلمانية ومبادئها بين عامة المسلمين، وقد ظهر ذلك التأثير في سلوك العالم الإسلاميّ في المظاهر الآتية:

стр. 40

الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين مدخل ... الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين تمهيد: كانت العلمانية في بداية ظهورها تهدف إلى تحقيق غرض هو من أهم الأغراض التي أشغلت أذهان القائمين عليها، ألَا وهو فصل الدين عن السياسة والحكم, على طريقة ما ينسبه الكتاب المقدَّس إلى نبي الله عيسى ﵇: "أعط ما لله لله, وما لقيصر لقيصر", وبغضِّ النظر عن صحة هذه المقولة عن عيسى ﵇, فإن العلمانيين وهم في محاولتهم الأولى لتصديع الدين المسيحي وجدوا أن هذا النص من الأمور المساعدة لهم، وقد جدُّوا وناضلوا حتى تَمَّ لهم ما يهدفون إليه من فصل الدين عن الدولة، وبالأحرى عزل رجال الكنيسة عن الدولة، ولم يعد دينهم صالحًا للحكم بين الناس في شئون حياتهم، بل تولَّاه التشريع الجديد المسمَّى العلمانية في قوانينها الوضعية. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعدَّاه إلى طوار آخر, وهو عدم السماح بالدين في كل مظاهر الحياة, ولم تعد مقولة: "أعط ما لله لله, وما لقيصر لقيصر" قائمة في أذهان زعماء العلمانية الجامحة، فحُورِبَ الدين حربًا شعواء, تحت الكراهية الشديدة لطغاة الكنيسة الذين يمثلونه -حسب مفهوم أقطاب العلمانية, هذا ما حصل في العالم النصراني
следующие страницы →