ذلك سيتم بتشجيعهم لكل حركة معادية للدين, ولكل فكرة تحارب الفضيلة، فنشروا الفساد الأخلاقي بكل أشكاله تحت مسمَّى الحرية، وحاربوا الأديان تحت مسمَّيات مختلفة.
وما إن ظهرت اللادينية إلّا وتلقَّفَها اليهود ونشروها بكل وسائلهم الكثيرة ودعاياتهم المؤثرة، حتى ركن كثير ممن ينتسب إلى الإسلام إلى تلك الدعايات, وتحولوا إلى جنود لخدمة اليهود؛ من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وقد حذَّرنا الله تعالى من الركون إلى أعداء ديننا بقوله : ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ ١, وقد وضحت هذه النار في الشعوب الإسلامية الذين تنكَّروا لدينهم وتقبَّلوا العلمانية، وضحت في معيشتهم وفي أمنهم وفي تكاتفهم، بل وفي كل شئون حياتهم، فكانت أمرًا مخزيًا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢.
ولا يزال اليهود أداة تاخذيل وإغوء لكل الأمم -وخصوصًا الأمة الإسلامية, التي تمثل عدوهم اللدود الأبدي، ذلك العدو الذي تآمروا عليه منذ بزوغ فجره إلى اليوم، ولكن ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣ وما تمجيدهم
стр. 37
للعلمنية ولأقطابها, وذمّهم للإسلام ولتعاليمه إلّا جزءًا من عداوتهم له، وجزءًا من مخططاتهم للقضاء عليه، ولن يُتِمَّ الله لهم ذلك إن شاء الله إلى الأبد ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
ومن تلك الأسباب لانتشار العمانية أيضًا, هذه البعثات لأبناء المسلمين التي ترسل إلى الغرب للدراسة -إلّا من رحم الله منهم, ذلك أن الطالب يذهب باعتباره تلميذًا مستفيدًا لا مناظرًا مدافعًا، فيشبع من هناك بما قد أُعِدَّ له وفق مخطَّط محكم، وحينما يُتِمُّ دراسته ويرجع إلى بلده الإسلامي لا شكَّ أنه يرجع بغير الفكر الذي ذهب به؛ إذ لا بُدَّ وأن يتأثر ولو باتجاه واحد على الأقل, أو شبهة لا يستطيع دفعها عن نفسه مهما حاول التماسك, والتوفيق بيد الله تعالى.
بل إن كثيرًا من الذين ذهبوا للدراسة في الدول الكافرة العلمانية يرجعون بقلوب غير التي ذهبوا بها معهم, فيتمنَّون لو أن مجتمعهم الإسلامي يتحوّل في لحظة إلى صورةٍ طبق الأصل عن تلك المجتمعات الكافرة التي ألَّفوها وأشربوا حبها، وقد صرَّح كثير منهم بإعجابه بالحضارة الأوربية، واعتقدوا أن لا مخرج للمسلمين إلى السعادة وامتلاك القوة إلّا بتقليد الغرب في كل صغيرة وكبيرة، كالطهطاوي وأحمد خان، وعلي عبد الرزاق، وطه حسين.
فرجع كثير من طلاب العلم من المسلمين الذين ذهبوا إلى الدول الأوربية للدراسة وهم متضلعون من تعالم العلمانية ومقتنعون بها، وإذا رجع الفكر
стр. 38
إلى تاريخ المسملين الأوائل, فإن صاحبه يشعر بالحزن والأسى؛ لأن ماضي المسلمين كان هو النور المشرق، وكان العلم وأهله وكتبه كلها عند المسلمين وفي جامعاتهم، في الوقت الذي كانت فيه أوربا في حمئة الجهل، فانقلب الحال رأسًا على عقب حينما زهد كثير من المسلمين عن تعاليم دينهم, ورغبوا في الحضارة الغربية وزخرفها، فأصبح بعض لمسلمين ينظر إلى العلوم الغربية بنفس الإكبار الذي كان ينظر به الغرب إلى العلوم الإسلامية.
ومن الأسباب أيضًا: استغلال العلمانيون قيام النعرات الجاهلية؛ من قومية ووطنية, ودعوى نبذ التخلّف، وما إلى ذلك، وقد استجاب لهم الكثير، البعض بحسن نية، والأكثرون بخبث نية وتخطيط بارع للكيد للإسلام والمسلمين.
وصار حال المسلمين على حد ما قاله أحد الشعراء:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
وما إن سرت نخوة الجاهلية في عروق القوميين والوطنيين والتقدُّميين, إلّا وسرى معها التعالي والرجوع إلى الأمجاد الجاهلية المزعومة التي كانت العلمانية تصفق لها, وتصف أهلها بشتَّى نعوت المدائح والعبقريات الفذة.
كما أن أولئك الثائرون قد أتوا على الأخضر واليابس, ورأوا أن بناء مجدهم يتطلَّب إقصاء تعاليم الدين والسير خلف ركب الحضارة الأوربية الذي تولَّد من قيام العلمانية الجديدة, والسير في طرقاتها حذو القذَّة بالقذَّة.
стр. 39
ومنها الترابط بين العلمانيين في الغرب وأتباعهم في ديار المسلمين، ومساندة بعضهم بعضًا, وإمدادهم بأسباب القوة التي تمكنهم من اعتلاء المناصب في بلدانهم, بعد أن باعوا ضمائرهم وأصبحوا عملاء لهم، فضلًا عن الضغط الذي تتعرَّض له الحكومات الإسلامية لإفساح المجال واسعًا أمام طلائع العلمانيين, بل وتشغيلهم بحكم ما يحملون من شهادات أوربية -يجب أن تكون محل الاهتمام والتقدير؛ لأنها صادرة عن موطن التقدم والرقي, كما يصورونها في أذهان عامة المسلمين المنهزمين في أنفسهم.
وقد ظهر ذلك واضحًا في معاملة هؤلاء المستغربون، فإنَّ لهم الأولوية في الوظائف وزيادة الرواتب، كما نسمع من أخبارهم.
وإذا أبى إلّا التحدُّث بالإنجليزية فهو نور على نور, ودلالة على تقدمه ومعرفته، ولقد نشر هؤلاء مبادئ العلمانية الشريرة بكل وسيلة, وكان لهم أكبر الأثر في الدعاية للعلمانية ومبادئها بين عامة المسلمين، وقد ظهر ذلك التأثير في سلوك العالم الإسلاميّ في المظاهر الآتية:
стр. 40
الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين
مدخل
...
الفصل الثامن: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين
تمهيد:
كانت العلمانية في بداية ظهورها تهدف إلى تحقيق غرض هو من أهم الأغراض التي أشغلت أذهان القائمين عليها، ألَا وهو فصل الدين عن السياسة والحكم, على طريقة ما ينسبه الكتاب المقدَّس إلى نبي الله عيسى ﵇: "أعط ما لله لله, وما لقيصر لقيصر", وبغضِّ النظر عن صحة هذه المقولة عن عيسى ﵇, فإن العلمانيين وهم في محاولتهم الأولى لتصديع الدين المسيحي وجدوا أن هذا النص من الأمور المساعدة لهم، وقد جدُّوا وناضلوا حتى تَمَّ لهم ما يهدفون إليه من فصل الدين عن الدولة، وبالأحرى عزل رجال الكنيسة عن الدولة، ولم يعد دينهم صالحًا للحكم بين الناس في شئون حياتهم، بل تولَّاه التشريع الجديد المسمَّى العلمانية في قوانينها الوضعية.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعدَّاه إلى طوار آخر, وهو عدم السماح بالدين في كل مظاهر الحياة, ولم تعد مقولة: "أعط ما لله لله, وما لقيصر لقيصر" قائمة في أذهان زعماء العلمانية الجامحة، فحُورِبَ الدين حربًا شعواء, تحت الكراهية الشديدة لطغاة الكنيسة الذين يمثلونه -حسب مفهوم أقطاب العلمانية, هذا ما حصل في العالم النصراني
стр. 41
ومبرراته، وهو ما يمثله دعاة العلمانية في البلدان الإسلامية التي تَمَّ لهم الحكم فيها.
وما دام الأمر قد وصل إلى محاربة الدين وإقصائه نهائيًّا, فلا بُدَّ أن يوجد البديل له في كل مظاهر الحياة، وهو ما وقع بالفعل، فطوِّرَت العلمانية لتشمل بعد ذلك الحكم، والاقتصاد، والعلم، والتاريخ، والحياة الاجتماعية، ومظاهر السلوك، والأخلاق، وصور الآداب والفنون، أي: إنها أصحبت دينًا قائمًا بذاته, ملأ الفرغ الذي خلَّفه إقصاء الدين النصراني عن المجتمعات.
ولم يعد الناس بحاجة إلى الدين في أيِّ قضية من القضايا التي تصادفهم؛ لأن المارد الجديد قد سدَّ كل الحاجات, ولبَّى كل المطالب التي تواجه الفرد في حياته اليومية كلها، في الحكم, وفي سائر متطلبات الحياة الاجتماعية الجديدة، وأصبح دعاة العلمانية كلهم على خطٍّ واحدٍ وهدفٍ واحدٍ مع اختلافهم في الوسائل من بلد إلى آخر، وفيما يلي بيان ذلك في المسائل الآتية:
стр. 42
المسألة الاولى: العلمانية في الحكم
أما العلمانية في الحكم: فمن الطبيعي أن لا يجد الحاكم العلماني أدنى ضرورة تدعوه إلى الاستعانة بحكم الدين في أية قضية، وذلك أولًا: لجهله بالدين وعدم معرفته به، وثانيًا: للعداء الشديد المستحكم الحلقات بين الدين وبين آراء المفكرين العلمانيين الذين يتصورون أنه لا تتمُّ السعادة الحقيقية للشعوب إلّا إذا أُقْصِيَ الدين تمامًا عنهم, وحكموا أنفهسم بأنفسهم, بعيدين عن التأثر بأحكام الدين التي لا ترحم الفقير ولا تجبر الكسير، بل تحابي وتمالئ الظالمين من أصحاب المناصب والجاه، كما ظهر ذلك جليًّا مما رأوه من ترابط المصالح بين رجال الدين وأصحاب الجاه والحكم؛ لتآمر الجميع على إخضاع الناس واستنزاف خيراتهم -وهو ما حصل بالفعل حين اشتدَّ طغيان رجال الكنيسة- وساعدهم -خوفًا منهم- أباطرة الحكم الذين استفادوا هم بدورهم من رجال الكنيسة في إقناع العامة بأنَّ الحكام هم من اختيار الله, وأنهم يمثلون الله في الأرض، وطاعتهم هي عينها طاعة الله تعالى، وعصيانهم عصيان له، وأن السعادة كلها في يد البابا الممثل المباشر للرب المسيح!!
وكانت النتيجة أن الثائرين نظروا إلى رجال الدين على أنهم مخادعين متآمرين هم والحكام على استعباد الناس وإذلاهم -وهو صحيح, فَتَمَّ وضع القوانين والتشريعات الجاهلية بدلًا عن كل الشرائع الإلهية التي تمثلها الكنيسة الظالمة والباب المتغطرس، فجاءت الأحكام العلمانية خليطًا مشوهًا من شتَّى الأفكار والحضارات الجاهلية, وظنُّوا أنهم وجدوا الحل المناسب لحياتهم الاجتماعية، وأنهم وجدوا السعادة التي ينشدونها, والأحكام العادلة التي يتمنونها في ظل العلمانية الوضعية التي تنقض اليوم ما أبرمته بالأمس.
وقصر بهم العزم أن يبحثوا عن مصدر العدل الحقيقي, والأحكام المتناسقة التي يسبق العقل إلى تصديقها قبل الواقع، وقد قال تعالى:
стр. 43
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ١، ولقد وجدوا في علمانيتهم اختلافًا كثيرًا وتناقضًا فاحشًا في الأحكام، ولكن طبع على قلوبهم, وصار حالهم كما عبَّر عنه الشاعر:
لفحُ الهجير نعيمٌ إن رضيت به ... وناعم الظلِّ إن أنكرت رمضاء
وفيما يلي نشير إلى الحكم في الإسلام؛ لكي يقارن العاقل بين حكم الجاهلية وقوانينها, وبين عدل هذا النور؛ لأنه كما قيل: "وبضدها تتميز الأشياء", وليرى القارئ الكريم أكذوبة من زعم أن الإسلام يفرق بين الدين والسياسة في الحكم، سواء كان هؤلاء يتظاهرون بالإسلام أم لا.
стр. 44
المسألة الثانية: هل يوجد فرق في الإسلام بين الدين والسياسة ؟
لا يمكن لأيِّ شخص عرف الإسلام -مهما قلَّت معرفته به- أن يقول: إن الإسلام يفرق بين الدين والحكم، بحيث يكون الدين لله والحكم للشعب أو القانون أو مجلس التشريع أو الحزب أو غير ذلك من الإطلاقات العلمانية الباطلة؛ لأن الإسلام يعتبر جميع البشر عبيدًا لخالقهم، ولا مزيَّة لأحد على آخر إلّا بالتقوى، ويحرِّمُ أن يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، وأنَّ من رضي بالتحاكم إلى غير الله فهو طاغوت خارج عن الفطرة, محارب لله, ظالم لنفسه، متعدٍّ لما ليس له، وسيحاسبه الله تعالى عن ذلك.
وفي الإسلام البيان التام الشامل لكل جوانب الحياة: سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ... إلخ، بيَّنَها الله تعالى في قواعد شاملة
стр. 45
وأحكامًا جامعة, وأمر الناس بفهمها واستخراج كل ما يصادفهم من أحكام وتشريع على ضوئها؛ من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه ﷺ ، فالمشرِّع في الإسلام هو الله وحده، وما نطق به رسوله, والمنفِّذ للأحكام الشرعية هم الحكام الذين تختارهم الأمة, ويرضون بحكمهم لتنفيذ الشرع الشريف، هؤلاء الحكام ليسوا طبقة فوق البشر، أو لهم صفات إلهية -كما كان يتصور الجاهلون قديمًا, وإنما هم منفذِّون فقط، وأن كل مسلم مطالب بأن يعرف الأحكام الشرعية وأمور العبادات والاقتصاد, وغير ذلك من أمور الحياة، وبمعنى آخر يطلب الإسلام من كل أتباعه أن يكونوا صالحين لتنفيذ أحكامًا لله في كل قضية تعرض للشخص، ومعنى هذا: أنه لا يوجد في الإسلام تلك الدعوى النصرانية التي بَنَى عليها اللادينيون فكرهم، وهي: "اعط ما لله لله, وما لقيصر لقيصر", فهذه الازدواجية لا مكان لها في الإسلام، وإنما الذي فيه هو تساوي الناس في التكليف أمام الله, ومطالبتهم جميعًا بتنفيذ أحكام الشريعة, وطاعة ولاة أمورهم في غير معصية الله, ورَدِّ ما يختلفون فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ ، وبهذا تصلح الحياة وتستقيم الأمور, ويحصل التنافس في فعل الخير، قال تعالى في شأن الذين يفضِّلون الأحكام الوضعية على الأحكام الإلهية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٢.
стр. 46
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
ومعلوم أن الرسول ﷺ كانت مهمته هي بيان الدين، ومع ذلك أمره الله أن يحكم بين الناس بالعدل؛ لأنّ معرفة الدين هي الطريق الصحيح إلى الحكم بالعدل، ولم يقتصر الأمر على الرسول ﷺ , بل شمل غيره من أمته، فقد أمرهم الله أن يحكموا بالعدل حينما يرتضيهم الناس للتحاكم إليهم، وعلى هذا, فلا فرق بين الدين والحكم أو السياسة، ومن فرَّق بينهما فلجهله, أو لميله إلى العلمانية اللادينية.
ولقد كان خلفاء المسلمين هم العُبَّاد، والزهَّاد، والقوَّاد، والخطباء، والقضاة بين الناس، بل نجد الإسلام يجعل الحكم أوسع مما يتصوره العلمانيون؛ إذ يوجب على جماعة المسملين مهما كانت قلتهم أن يختاروا لهم أميرًا منهم يرجعون إليه عند الاختلاف، قال رسول الله ﷺ : "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم" ٢.
ومعلوم أن هذا الأمير متديِّنٌ ملتزم للحكم بما أنزل الله، وعلى طريقة العلمانية لا بُدَّ أن يكون هذا الأمير غير متدين مستهتر بأحكام الشرع, يتمُّ انتخابه بأيِّ طريقة كانت، ولا تسأل بعد ذلك عن الفضل الذي يتميز به
стр. 47
عليهم ليكون أميرًا لهم, إذا لم يكن ملتزمًا لمنهج الله في حكمه، مراقبًا لربه، مخلصًا في أداء عمله بالعدل الإلهيّ.
إنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية نصٌّ واحد يثبت التفرقة بين الدين والحكم، لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ولا في أقوال علماء الإسلام، بل نجد أنه لا شرعية لحاكم لا يتخذ الدين منهجًا له.
ولا يوجد كذلك نصٌّ واحد يثبت أن أحدًا من خلفاء المسلمين من الصحابة أصدر حكمًا على طريقة الفصل بين الدين والحكم، أو اعتذر عن أيِّ حكم أصدره بأن سياسة الحكم اقتضته، حتى وإن كان مخالفًا للدين، بل كانت طريقتهم أنَّ كل حكم يخالف الدين يعتبر حكمًا جاهليًّا باطلًا، وذلك للتلازم التامِّ بين الدين والحكم، واستمرَّ الأمر على ذلك حتى نبغت فتنة دعاة العلمانية الغربية, وإذا بضعفاء الإيمان والمخدوعين من المسلمين يتأثرون بتلك الدعايات, ويطالبون مجتمعاتهم بالسَّيْرِ في أثر أولئك, في الوقت الذي جهلوا فيه -أو تجاهلوا- أن للغرب أسبابه الظاهرة في مناداتهم بالعلمانية, وإقصاء الدين الذي مثَّله طغاة الكنيسة ردحًا من الزمن، وكان على الشعوب الغربية كالكابوس الثقيل، وتغافل هؤلاء عن أنَّ الإسلام ليس فيه شيء من ذلك، بل فيه العدل والنور، وإنه صلح عليه حال من قبلنا، وسيصلح به حالنا لو حكَّمْنَاه واكتفينا به عن الأنظمة الجاهلية البشرية التي هي محلّ النقص دائمًا.
стр. 48
المسألة الثالثة: العلمانية والاقتصاد
أما العلمانية والاقتصاد والدين، فلقد كان الاقتصاد هو العصى السحرية١ التي أسهمت في قيام المذهب العلماني، فقد كانت الحالة الاقتصادية في أوربا في أتعس وضع وأبأس حال, بسبب الوضع الاجتماعي المتخلِّف الذي أنتجته الديانة النصرانية وحكامها, ممثَّلة في البابوات وأصحاب الجاه والسلطان, الذين كانوا لا يهمهم إلّا ضمان استرقاق الشعوب النصرانية وإذلالها لطواغيت رجال الدين وأباطرة الدولة، ولتكن حالتهم بعد ذلك إلى النار، فالدولة ليست مسئولة عن الفقراء والبائسين.
فنشط النظام الإقطاعي واستبداد الطبقة العليا بمن دونها حسب النظام الجاهلي، وكان النظام الاقتصادي مكبَّلًا بتعاليم الكنيسة تحليلًا وتحريمًا، وكان قائمًا على ظلم الكادحين, وشَرِهَ رجال الكنيسة الذين احتووا جُلَّ مصادر الاقتصاد مضافًا إلى ذلك صنفوف الضرائب المفروضة على الفلاحين وغيرهم, الذين كانوا يُسَخَّرون كلهم كما يُسَخَّر العبيد.
وعاش المجتمع النصراني اقتصادًا ظالمًا متناقضًا غاية التناقض, منهم نخبة -الحكّام والرهبان- في الثُّريَّا، ومنهم قسم -بقية الشعوب- في الثرى, لا يملكون إلّا ما يسدُّ رمقهم في أحسن الظروف، وفشا النظام الإقطاعي بأجلى صوره, وأصبح فيه الأرِقَّاء لا يزد أحدهم عن كونه إحدى القطع, أو إحدى البهائم التي يملكها صاحب الإقطاعية من طبقة النبلاء،
стр. 49
وأوضاع أخرى بشعة, وظلم واستبداد لا نظير له، ولا ينكر شيء منها، وبطالة وكسادًا في كل نواحي الحياة، والملاحظ أن شياطين العلمانية قد فسَّروا كل تلك الأوضاع على أنها إحدى نتائج التدين، وأنَّ الدين وراء هذه الأوضاع السيئة كلها, بمباركته رجال الكنيسة هذا التسلُّط والجبروت، فإذا بالنظريات الإلحادية تقوم على محاربة وجود الله تعالى, ومحاربة رجال الدين, وأن الاقتصاد ينبغي أن يتحرَّر عن كل أغلال الكنيسة, وأن يتَّجه صوب الأفكار التحررية التي يجود بها زعماء التحررية بعيدًا عن الدين، وفي الوقت نفسه, لم يكن لدى رجال الدين الكنسيّ ما يسعفهم بالدفاع عن دينهم إزاء هذه المسامير التي تُدَقُّ في نعشه.
وتكاثرت السكاكين على هذا الثور الميت, وارتفعت الأصوات من كل مكان تندد بالدين, وبطرقه الاقتصادية الجائرة، وتدعو إلى سرعة الانفلات عن تعاليمه التي أصبحت بالية, ولم تعد صالحة في عصر التطور وظهور النور, وبالتالي فلا سلطة لله تعالى, ولا لرجال الكنيسة على المارد الجديد الذي هبَّ ليدفع الظلم الذي رضيه الله -حسب زعم أقطاب العلمانية- لرجال الكنيسة، وبخبثٍ حوَّل هؤلاء الأقطاب العداء لرجال الدين, وللأوضاع السيئة إلى العداء للدين نفسه، وتحميله كل تلك المآسي دون أن يكلِّفوا أنفسهم البحث عن حقيقة هذا الدين الذي اتَّسع لقبول تلك المآسي كلها، وهل هو دين صحيح أم هو باطل وضلال وتلفيق من كبار المخادعين النصارى، فلم يهتموا بالالتفات لذلك لحاجةٍ في أنفسهم؛ لكي يحمِّلوا الدين تلك الأوضاع الاقتصادية المتردية.
стр. 50
والواقع أنه حينما أقصى العلمانيون الدين عن أي مجال من مجالات الحياة الاقتصادية, على أساس أنه لا يحقق الخير لأتباعه ولا يرفع الظلم عنهم، لم يأتوا هم أيضًا ببديل يرفع ذلك الكابوس، بل تخبَّطوا في حلقات مفرغة, وعاشوا أوضاعًا غاية في الفساد, لم يكن الرابح فيها غير المرابين والمحتكرين وتجار الرقيق وأصحاب الشَّرَه المادي, الذين لا يبالون بأحد, ولا توجد فيهم أدنى عاطفة على الفقراء والضعفاء الذين لم يصلوا إلى معرفة حذق المرابين وعباد المال, أو لم يكن لهم من المال ما يوصلهم إلى تلك المسالك الثعلبية.
وعاش عامَّة الناس في تعاسةٍ رغم تزاحم النظريات الاقتصادية -سنّة الله في الخارجين عن شرعه- ولم تنقذهم من تلك الحال لا الرأسمالية بنظامها الشَّرِه, الذي أطلق للناس الحبل على الغارب على طريقة "من عَزَّ بَزَّ, ومن غَلَبَ استَلَبَ", ولا الشيوعية الماركسية التي كبَّلت الناس وجعلتهم عبيدًا يكدحون للدولة في مقابل مما تعطيهم لسد حاجة الجوع، ولا العلمانية التي لا يلوي فيها أحد على أحد.
مع أنهم ملئوا الدنيا صراخًا وعويلًا على العمل لإخراج الفقراء من فقرهم, وإيجاد اقتصاد حرِّ مزدهر يوازي الجنة التي وَعَدَ بها الرسل أتباعهم بزعمهم، ورغَّبوا الناس في عبادة الإله الجديد في الإلحاد، وهو المادة ورءوس الأموال، ولكن اتضح لكك ذي عينين أن المناداة شيء, والواقع شيء آخر.
стр. 51
وإذا بتلك الأنظمة المعادية للدين لم تقدِّم حقيقة للناس إلّا آمالًا خيالية وإلّا الإلحاد والإفلاس والغبن الفاحش, وانتزاع احترام الدين والتدين من قلوب أتابعه, وإحلال ضلالاتهم بدلًا عن ضلالات الدين النصراني البولسي، وصحَّ عليهما لمثل القائل: "إنك لا تجني من الشوك العنب", وظهر سوء الاقتصاد وسوء التوزيع للثروات، وسوء التكافل الاجتماعي جليًّا في العلمانية، ولكنَّهم لا يعرفون بديلًا منقذًا في حال استكبارهم عن طريقة الإسلام في نظامه الاقتصادي.
стр. 52
المسألة الرابعة: العلمانية والعلم والتعليم والاكتشافات والدين
وكما أوجد دعاة اللادينية تلك النقلة المباينة بين الاقتصاد والدين, وأحكموا العدواة بينهما، أوجدوا كذلك عداوةً أخرى بين الدين وبين العلم, وجعلوهما نقيضان لا يمكن أن يجتمع أحدهما مع الآخر في أيِّ مجال, فإمَّا الدين بخرافاته وتخلفه وجوره الكنسي, وإما العلم بنوره واكتشافاته التي أثبت الواقع صدقها وكذب رجال الكنيسة.
وهكذا وجدد علماء اللادينية في اكتشافتهم العلمية التي كانت تدحض المعتقدات الخرافية لرجال دين النصرانية خير دليل, وأقوى حجة على بطلان الدين النصراني -خصوصًا- وأنَّ رجال الكنيسة كانوا قد جمدوا على معتقدات في الكون وطبيعة الحياة, لا يقرها عقل ولا منطق، جمدوا عليها وحكموا على كل من يتشَّكك فيها بالإحراق والشنق والسجن الطويل.
стр. 53
وجاءت الحركة العلمية التجريبية, فإذا بها تظهر حمق وبطلان تلك المعتقدات الدينية النصرانية, بما لا يجوز الشك فيه, وزادت النار اشتعالًا بين المفكرين وسدنة الكنائس، واتَّسع الخرق على الراقع، ووقع الفأس في الرأس، وهوت خرافات رجال الكنيسة ومعتقداتها إلى الحضيض، وارتفعت رايات العلم والعلماء الملاحدة على أنقاض التدين، وأيّ شيء له علاقة بالدين، وكانت الحرب كلها موجَّهة إلى رجال الدين بالدرجة الأولى، ثم توجَّهت إلى الدين الذي يحميهم ويحمونه أيضًا، إلى أن تَمَّ لِلَّادينيين، إقصاء الدين تمامًا, وإبعاد العلم عنه، بل وأصبح انتساب رجال العلم إلى الدين عيبًا ونقصًا في حقهم, وتقصيرًا في اتجاههم للإله الجديد -العلم ومكتشفاته- الذي سيجدون في ظله ازدهار الاقتصاد, وتمام الحرية, وغير ذلك مما وعد به هذا الإله البديل, غير إله الكنيسة الذي صوَّرته الديانة اليهودية والنصرانية بصورة رجل متردِّدٍ في أموره, يتوجَّس خيفة من تمرُّدِ الإنسان عليه، وبالتالي فهو يعامله معاملة ليست نقية, وليس فيها مودة, ثم اتخذ ابنًا له ليساعده في أموره، ولو رجع القارئ إلى التوارة بعهديها لرأى أوصاف الله تعالى فيهما, وأعماله, وأوامره, وتسرعه في الحكم, وندمه عليه, وحزنه وبكائه, وعدم علمه بالغيب, ومراجعة موسى ﵇ له وثنيه عن كثيرٍ مما كان يَهِمُّ بفعله, فيرجع الله عنه ويندم، لو رجع القارئ إلى ذلك, وإلى غيره من الخرافات المدوَّنة في كتابهم المقدَّس؛ لرأي ثورة رجال الفكر عليه أمرًا طبيعيًّا ومنطقيًّا, خصوصًا محاباته رجال الدين وتشجيعه لظلمهم, وتدليله لشعبه بني إسرائيل, كما لاحظه أولئك المفكِّرون من خلال ما وجدوه في الكتاب المقدَّس, وما لمسوه من تصرفات رجال الدين من تطاول وعنجهيَّة، وجاءت
стр. 54
الاكتشافات لتبرهن هي الأخرى على بطلان تلك المفاهيم، سواء ما يتعلق منها بحقِّ الله تعالى, أو بقوانين الحياة والتعليل لوجودها.
ولا شكَّ أن القارئ يدرك كما ذكرنا سابقًا أنَّ كل ذلك الهرب عن الدين, ومطالبة الناس بإقصائه عن حياتهم, وعن كل شئونهم, لا شكَّ أن ذلك كان وراءه ما يبرره في الدين النصراني المحرَّف الذي قام على أكتاف ملاحِدة من المجوس, وغلاة اليهود, وعباقرة الوثنية, وفلسفات كبار أذكياء الحضارة اليونانية على يد بولس وغيره ممن جاء بعده، وكذلك لم يوجد في مقابل هذا السيل الجارف ما يردّه أو يقلِّل من حدَّته، وأقصد بهذا المقابل أنه لم يوجد -كما أتصور- من علماء المسلمين, ولا من علماء النصارى, من نشط في وقته لإنقاذ الأمم النصرانية من هذا المصير المظلم, والهوة السحيقة التي تردَّوْا فيها بسبب تراكم الجهل, وعدم إيصال نور الإسلام إليهم بطريقة واضحة صحيحة، وكذلك لوجود الإفلاس التامِّ عند علماء النصارى، كما أنَّ علمهم الذي أخبر الله عنه أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، حيث مكَّنهم الله من معرفته, كان هو الآخر من معاول الهدم في أوربَّا بما سبَّبه من كبرياء وغرور في أوربا, أبعدهم عن الرجوع إلى أيِّ حق، فأصمَّهم وأعمى أبصارهم، وما أنين الشرق والغرب من الأسلحة الفتَّاكة التي نشأت على كاهل العلم إلّا دليل على أنَّ علمهم لم يأت بإسعاد البشرية كما كانوا يتوقعون، هكذا قامت معارك طاحنة بين العلمانية والتعليم الديني، فقد وقفت العلمانية ضده أحيانًا مجابهة، وأحيانًا أخرى بدراسة الدين عند التلاميذ وربطه بالفكر العلماني في مختلف المراحل الدراسية، وذلك عن طريق
стр. 55
استغلال أيِّ نصٍّ يمكن أن يوافق مع فكر العلمانية وشرحه بإسهاب، وعن طريق تحريف معاني النصوص وجعلها تتوافق مع الفكر العلماني، واستبعاد كل نصٍّ يهاجم الفكر العلماني بصورة واضحة في الوقت الذي لا يعطى لتدريس الدين إلّا زمنًا قصيرًا لا يكفي لفهم نصوصه فهمًا صحيحًا، مع اختيار مدرس الدين اختيارًا خاصًّا، كأن يكون جاهلًا به حقيقة, أو يكون شخصًا مستهترًا لا يعبأ به ولا بشرحه, واستبعاد أيّ مدرس كفء ناجح في تدريسه لئلَّا يضع النقاط على الحروف, فيفضح الفكر العلماني ويبطل شبهاته، وبحيث يكون نصيب تعليم الدين اختياريًّا للطلاب, وتزهيدهم عنه, وعدم ترتيب أي رسوب على عدم معرفته في الاختبارات, بالإضافة إلى اختيار مدرس الدين مِمَّن يوحي ظاهره بالتنفير عنه, وممن يوحي شكله ومظهره برثاثة الدين وتخلفه.
ومن الخطط التي أحكموها:
١- تمييع الفوارق بين الدين ومختلف الاتجاهات، فلا فرق بين أن يكون الشخص متدينًا أو غير متديِّن، مسلمًا أو غير مسلم، واخترعوا رباطًا يشمل جميع أفراد الشعب ودياناتهم المتعارضة، وهو رباط الوطنية الذي أحلُّوه محل رباط الإيمان والتقوى وعبادة الله وحده.
٢- ومنها الاستهزاء بالدين وتعاليمه والقائمين عليه, وتشجيع التحرر من كل فضيلة أو خلق أو عفة، واعتبار التمسُّك بأوامر الشرع ونواهيه تخلفًا وجمودًا, وعدم مسايرة تطور الحياة.
стр. 56
٣- اشتغال المسلمين بقضايا هامشية, بعد أن ضخَّموا أمرها وأضرموا الخلافات فيها؛ ليتلهَّى بها الناس فيما بينهم, لكي تبعدهم عن النظر إلى واقعهم, وما يُبَيَّتُ لهم من غزوٍ فكريٍّ قبل الغزو الفعلي.
٤- ومنها صرامتهم في مراجعة كل حركة تؤدي إلى إحياء الدين في نفوس الناس، سواء كانت عن طريق الكلام أو الكتابة أو الصحافة، واعتبار كل مَنْ له اهتمام بالدين والدعوة إليه متخلفًا أو عدوًّا للشعب, وغير ذلك من إلصاق شتَّى التُّهَم بأهل الخير والإصلاح والتديُّن.
٥- تضخيم كل ما يتوصَّلون إليه عن طريق العلم وإطرائه بشتَّى المدائح, وربطه بالتمسُّك بالعلمانية, والتحرُّر من كل قيود الدين المتخلف.
ولكن كان يجب عليهم البحث عن الدين الذي لا يقرّ الخرافات ولا أهلها، فما بالهم يحمِّولنه ما لم يقر به؟
وقد لخَّص المستشار علي جريشه علمنة التعليم فيما يلي:
أولًا: القضاء على التعليم الديني:
أ- التطويق من الخارج:
١- الازدراء بالتعليم الديني.
٢- ازدراء معلمه وطلابه.
٣- قفل الوظائف اللامعة في وجوه خريجيه.
٤- خفض رواتبهم.
стр. 57
ب- التطويق من الداخل:
١- تقليص التعليم الديني.
٢- ازدياد التعليم العلماني.
ثانيًا: نشر التعليم العلماني:
١- اهتمام الدولة به.
٢- الابتعاث.
٣- المدارس الأجنبية.
٤- الاختلاط١.
стр. 58
المسألة الخامسة: العلمانية في السلوك
لقد نادت الكنيسة بسلوك غريب يصعب على النَّفس السويّة أن تتقبَّله أو ترتاح إليه، فهو يدعو إلى الفقر والكسل, وإلى الذل للطغاة الجبابرة، ثم إلى محاربة الغرائز النفسية التي أودعها الله في الإنسان من حب المال وثورة الغضب والحفاظ على النسل، وغير ذلك من الغرائز التي يتطلَّبها الجسم ضرورة، بل وبقاء الحياة، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أنَّ الرجل والمرأة لا يستغني أحدهما عن الآخر في إشباع حب النسل، واقضت حكمته أن يثور الشخص غضبًا عندما يتعرَّض للذلِّ أو للقهر والظلم حفاظًا على حياته، واقتضت حكمته أن الإنسان يحب المال حفاظًا على مصالحه، فجاءت الكنيسة لتغير هذه المفاهيم وغيرها رأسًا على عقب، ونظرت إلى كل ذلك على أنه قصور معيب في الإنسان السويّ، في الوقت الذي كان رجال الدين النصراني يعبُّون في الشهوات عبًّا, وحب المال, وغير ذلك من الغرائز المودعة في الإنسان، ولقد سمعت هذه الأيام من إذاعة لندن ما تشمئز منه النفوس من جرائم الزنا واللواط لدى البابوات.
فكان ما يقوله الدين النصراني على أيدي رجاله يخالفه ما يفعله القائمون عليه مخالفة صارخة -ولا بُدَّ أن تأتي هذه المخالفة شاءوا أم أبوا- سنة الله في خلقه، فكان أقلَّ ما يوصف به رجال دينهم هو النفاق والخداع, واستغفال الشعوب ونهب الخيرات بحيلة التدين, مضافًا إليه سطوة الحكم الذي لا رحمة فيه على من يخالف أو يعترض، ووجد اللادينيون أن إزاحة القشرة عن أعين الشعوب ليروا ما هم فيه من الغَبْنِ لا يحتاج إلى كبير جهد.
وقد حمل هؤلاء اللادينيون كل تلك الأوضاع على الدين، وبالتالي على الله تعالى, الذي ينسب إليه هذا الدين, الذي يكبت الحريَّات ويقيِّد تصرفات الناس حسب رغباتهم، وعلى هذا الأساس قامت المجتمعات الأوربية حرب للفضائل كلها، وللقيم التي دعت إليها الأديان؛ إذ أنَّ الحياة الجديدة لا يمكن أن تقوم ما دامت المبادئ الدينية قائمة تكبل الحريَّات وتحلّل وتحرِّم بعيدًا عن العقل, وعمَّا تقتضيه ضرورة الحياة المنفلتة الصاعدة المستقلة عن إله الكنيسة, وعن رجال الدين الذين كانوا يقولون ما لا يفعلون, وينافقون ويتصنَّعون الزهد والعفة والرحمة, بينما تكشف أفعالهم
стр. 59
زيف صدقهم في ذلك، إضافةً إلى ضيق أفق رجال الدين وجمودهم, على ما توارثوه خلفًا عن سلف, دون قبول للمعارضة أو المناقشة مهما كان خطأ ما أتوا به من آراء وأحكام كانت موجَّهة أولًا لمصالحهم الشخصية, بغضِّ النظر عن فائدتها للشعوب النصرانية في سلوكها الاجتماعي.
وهكذا أقامت العقلية الفكرية اللادينية نظامًا بعيدًا عن كلِّ ما يتصل بالدين، وأشاعت الحرية الأخلاقية التي كان يقصد بها في المقام الأول الإباحية والدعارة, وهدم كل الأخلاق والقيم, بطرقٍ يهودية حاقدة وفي غاية القذارة, على يد "فرويد" ومن سلك طريقه.
стр. 60
الفصل التاسع: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين
مدخل
...
الفصل التاسع: آثار العلمانية في سلوك بعض المسلمين
سلوك غير المسلمين نحو العلمانية أو غيرها من المذاهب الفكرية لا ينطوي على جديد ملفت للنظر؛ لأن هذا هو السلوك الحتميّ لمن ليس له دين، إذ هو دائم التنقل حسب هواه ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ , ومن هنا فإنَّ العتب واللوم ومعهما غاية الدهشة, إنما توجه لمن انتسب إلى الإسلام وعرفه، أوشيئًا منه، ثم فضَّل جهل العلمانية.
لقد ظهرت العلمانية في البلاد الإسلامية بصورة مخيفة تدعو إلى القلق على مصير المسلمين في دينهم وفي دنياهم, وفي تعاملهم وأخلاقهم، وسائر أمورهم الثقافية والتربوية, وسائر ما يتصل بسلوكهم الاجتماعي، واشتمل هذ السلوك المنحرف على جوانب مختلفة منها:
التأثّر العام عند المسلمين بالعلمانية:
стр. 61
العمل العام عند المسلمين بالعلمانية
...
١- العمل بأحكام الشرع:
لقد قام سلوك المسلمين في أزهى عصورهم في مجال الحكم على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، لم يخرج عنهما أحد، واستغنوا بهما فأغناهم الله عن كل ما عداهما، وعاشوا أحسن نظام وأعدل حكم عرفته البشرية، واغتُبِطُوا بذلك، مما زاد في عداوة أعدائهم لهم ومحاولاتهم التي لا نهاية لها لسلبهم هذا الخير العظيم والنعمة التامَّة، وظلَّ المسلمون على هذا الحال إلى أن غيَّروا ما بأنفسهم, فلحقهم ما لحق غيرهم من الخذلان والتردي.
стр. 62
٢- ظهور الولاءات المختلفة:
جثمت على صدر العالم الإسلامي فترةً عمَّ فيه الجهل بحقيقة الدين بفعل تأثيرات داخلية وخارجية كثيرة, هيئتهم لمختلف الولاءات والانحيازات، ولم يعد ذلك النور الوهَّاج ينبعث من صدورهم، وانشغلوا بأوضاعهم التي ساقهم إليها أعداؤهم بوعيٍ أو دون وعي منهم، وركنوا إلى الكسل والخمول وترديد بعض الأوراد الجوفاء صباحًا ومساءً، وناموا على دعوى الزهد والعلم اللدنِّي، وأقفلوا باب الاجتهاد, وتعصَّبوا لما ألفوه عن الآباء والأجداد, دون النظر في موافقته للشرع أو مخالفته له.
стр. 63
٣- ظهور أفكار العلمانية كحلول حتمية:
وفي هذا الجو الخانق وجد العلمانيون فرصتهم التي طالما تمنَّوْهَا لتسريب أفكارهم إلى المسلمين الذين أفاقوا هم أيضًا على الركام من الجهل بالإسلام, والخزعبلات الشائنة, ليجدوا أنفسهم في أحضان قادة الفكر العلماني الغربي, شاءوا أم أبوا؛ لكي يوصّلوهم بزعمهم إلى التقدُّم والتطوّر الملموس في الغرب, مع أنهم حقيقةً لم يمكنوهم من معرفة سر تلك الصناعات، بل مكَّنوهم من معرفة شيء واحد, هو كيف يتعلمون طرق العلمانية, وكيف يوصلونها إلى قلوب الناس، وشربوا من هذا المستنقع الآسن حتى الثُّمالة, بحجة أن أوضاع المسلمين المتخلّفة لم يكن له من سبب إلّا إعراضهم عمَّا وصل إليه الغرب من حياة وتفكير ناضج وإصلاح حرٍّ -كما يسمونه- لكل طرق حياتهم, فوجدت العلمانية مرتعًا خصبًا كما حصل في تركيا التي غرقت في أوحال العلمانية ولم تخرج عنها إلى يومنا الحاضر، وقد حصل في أنظمة كثير من بلدان المسلمين تحولات نحو العلمانية الغربية؛ إذ كان لا وزن لزعماء هذه البلدان, ولا قمية لهم إلا من خلال شهرتهم بخدمة أعداء الدين, والتزلف إليهم بعلمنة بلادهم, ومحاربة دينهم, واستجداء ما عندهم في الحكم والتشريع.
ونشط الاستعماريون من الدول الغربية في مهاجمة الإسلام بكل الحيل وأنواع الخداع، بالترغيب تارةً وبالترهيب تارةً، وانتشر دعاة العلمانية في البلدان الإسلامية في الوقت الذي كانت تلك البلدان كماشية بلا راعٍ، فنشروا سمومهم في كل مجالات الحياة، وخصوصًا التعليم والمحاكم الشرعية التي أُقْصِيَ الحكم بالشرع الشريف فيها, ليحلَّ محله القوانين البشرية العلمانية الشرقية والغربية.
стр. 64
٤- الاختلاف في الدراسة والشهادة:
وظهر في البلدان الإسلامية دراسة دينية ودراسة حديثة، وبينهما من الفوارق بونًا شاسعًا، فوارق في كل شيء, تشمل أماكن الدراسة, وهيئة الطلاب, ووسائلهم للتعلم, وهيئة المدرسين, وتقبُّل شهادات كل من
الفريقين، وكان كل شيء يوحي بامتهان الدراسة الدينية وأهلها في كل مظهر من مظاهرها، بينما يوحي مظهر المدارس الحديثة العلمانية بالزهوّ والترفُّع وكامل التقدير، ولم يكن هذا الصنيع عفويًّا، بل كان وراءه خطط مدروسة ونيات مبيَّتة، فطلاب الدراسة الحديثة كل شيء مهيئ لهم في أجمل صورة، وأبواب الابتعاث إلى أوربا لإكمال الدراسة أمرٌ ضروري ومرغب فيه، واستساغ الكثير تذوّق كل ما هو غربي حتى في الحركات، واتَّجهوا إلى المحاكاة والتقليد بفعل تأثُّرهم, وحبك الخطط لتوجيه الناس إلى هذا الصنيع, والمبالغات في مدحه والدعاية له, مما جعل المتأثرين ينظرون إلى الماضي بعين الاحتقار بفعل تلك المدراس التي جاء بها الغرب في كل ناحية من بلدان المسلمين لتعليم قوانينهم، تلك المدراس التي كان ينظر إليها على أنها هي المستقبل الزاهر لخريجيها، بل جعلوا الفرق واضحًا حتى في رواتب المدرسين؛ إذ كان راتب المدرس الديني زهيدًا ضئيلًا، بينما راتب المدرس الحديث يفوقه بالضعف أو أكثر، فكان مدرس الدين يبني -على تواضع ما عنده- والمدرس الحديث يهدم بقوة، ويدعو ويشجع المواد الحديثة التي تصرِّح أحيانًا وتلمح أخرى بذم الإسلام وتعاليمه, وتقديم العلمانية الأوربية وتشريعاتها، وتحقق قول الشاعر:
متى يبلغُ البنيان تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟!
وكانت الدول التي استعمرت البلدان الإسلامية كبريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا, وغيرها من الدول الغربية التي تسابقت إلى استعمار الأقطار الإسلامية, كلها كانت تلقي بثقلها لمحاربة الإسلام والقضاء على
стр. 65
أحكامه, وعلى حضارته, واقتلاعها من صدور المتمسِّكين بها، وابتُلِيَ المسلمون وزلزلوا زلزلًا شديدًا، ولولا أنَّ الله حافظ لدينه لما بقي مَنْ يشير إلى الإسلام بكلمة، ومن الجدير بالذكر أن الذين اتجهوا للغرب لارتشاف رحيق حضارته أصبحوا أمَّة ممسوخة، فلا هم بقوا على إسلامهم، ولا هم دخلوا أعماق التقدُّم الغربي، بل كان جلّ ما وصلوا إليه هو الإباحية الحيوانية الغربية بكل مساوئها, وهضموا ما عندهم من الأدب اللا أخلاقي في الحب والغرام والقصص الخيالية, والإيحاء إلى الأمَّة الإسلامية أنه لا نهوض لها ولا تقدُّم, بل ولا بقاء إلّا بالتمسك بأذيال الغرب, واتباع سننهم, والاستفادة من خبراتهم في محاربة التدين باسم نبذ التعصب الديني, وباسم الانفتاح, وباسم الحرية، وبأسماء كثيرة تصب في النهاية في مستنقع العلمانية اللادينية الغربية, وتشريعاتها الجاهلية.
стр. 66
٥- ظهور التأثر في الأسماء:
كان لدعوى التطور والتطوير نصيب الأسد في إدخال العلمانية إلى العقلية المسلمة, شملت الدعوة إلى التطوير في كل شيء، ولو استطاعوا لدعوا إلى تطوير الإنسان نفسه بنزع جلده, ولإتيان بغيره ليلحق ركب التطور، وعليه أن يسرع الخطى للخروج من مجتمعه المسلم الذي أصبح في نظره مجتمعًا متخلفًا رجعيًّا انعزاليًّا متطرفًا ... إلى آخر الأسماء التي لقَّنها زعماء العلمانية لأذنابهم من المنتسبين إلى الإسلام
стр. 67
٦- الهجوم على اللغة العربية:
وكان هذا التطور والتجديد شاملًا لكل ما يَمُتُّ إلى الدين بصلة, حتى وإن كانت اللغة العربية، فضلًا عن الحكم الشرعيّ، والتي واجهت هجمات شرسة من دعاة العلمانية الذين تفنَّنوا في الاستهزاء بها, وأنَّها قديمة وعقيمة لا تساير الحضارة الجديدة.
وأنَّه على العربيّ الناضج أن يترك الفصحى ويتجه إلى لغته العامية ولهجته المحلية, ففيها ما يغنيه عن اللغة العربية المعقَّدة بزعمهم، وعليه كذلك أن ينسى تمامًا أنها اللغة التي أُنْزِل الله بها القرآن الكريم الذي أجمع المستعمرون كلهم على أنَّه لا بقاء للاستعمار في بلاد المسلمين ما دام القرآن موجودًا في صدورهم وبأيديهم.
ولم يكن الهدف من الدعوة إلى القضاء على اللغة العربية هو المقصود لذاته، بل كان يُرَاد من وراء ذلك النفوذ إلى ما يوصِّلهم إلى غرضهم الحقيقي, وهو أن يكون المسلم عالةً في كل شيء على الحضارة الغربية, سواء كان ذلك في اللغة أو في غيرها، وأن يبتعد عن العربية ويهجرها، فضلًا عن هجر الأحكام الشرعية.
ولقد اهتمَّ المنصِّرون ومن وراءهم حكوماتهم التي تتطلَّع إلى استعمار بلدان العالم الإسلامي، اهتمَّ هؤلاء بفتح دور التعليم على اختلاف المستويات, وركَّزوا فيها على أن تفي المناهج المقررة فيها بإخفات أصوات المدارس الإسلامية الأهلية، وأن تفي بإقامة صرح العلمانية اللادينية، وأن يكون التعليم فيها مشاعًا لكلِّ شخص, بغضِّ النظر عن دينه واتجاهاته -وكان هذا في أول الأمر, وأن يكون التعليم مختلطًا ذكورًا وإناثًا، وذلك بعد نجاحهم في حرب العفة والحجاب، وأن يشتمل على دراسة الفنون الجميلة -كما يطلقون عليها, وهي التمثيل والموسيقى والتصوير, وغيرها من العلوم التي تساعد على إفساد الأخلاق، إضافةً إلى دراسة جميع النظريات الإلحادية التي نبتت في أوربا في صراعها مع الدين.
стр. 68
٧- التأثر في التعليلات:
كما اشتملت المناهج على التفسير لكلِّ مظاهر الكون تفسيرًا إلحاديًّا على أنه من فعل الطبيعة، عوامل طبيعية، ظواهر طبيعية.... ويوجدون لها الأسباب التي تتَّفق وإلحادهم, ولهذا انتشر بين الناس التعليل للزلازل والعواصف والكسوف والخسوف والمطر, وغير ذلك على أنَّها عوامل طبيعية، لم يقل أحد منهم إنها من فعل الله تعالى بسبب ظهور المعاصي وبعدهم عن الله تعالى، كما ملئوا أذهان الدراسين بالتعليلات الخاطئة، كقولهم: الغزو العربي، أو الاستعمار الإسلامي، وأنَّ خروج المسلمين للجهاد في سبيل الله إنَّمَا كان لضيق عيشتهم في الجزيرة.
والحثَّ على حب الوطن فقط، والقومية العربية، والافتخار بالأمجاد الجاهلية، وغير ذلك من صنوف الغزو الفكري المنظَّم, الذي أخذ دعاته على عواتقهم صرف المسلمين عن التحاكم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، وأنَّ من تَمَسَّك بهذا فهو جاهل متخلف معادٍ للحضارة والتقدم.
وركَّزوا كثيرًا على حكم القتل والزنا وشرب المسكرات وقطع يد السارق، وأنَّها أحكام جائرة ولا تليق بهذا العصر أو الإنسان المتقدِّم، مع يقينهم أنَّ ما أتو به من أحكامٍ لم تكن رادعة, ولا كانت هي الحل الأمثل، وما أكثر ما نسمع في إذاعاتهم, ونقرأ في صحفهم, من انتقادات لاذعة لسلوكهم من بعض مثقفيهم لقوانينهم التي لم يعبأ بها المجرمون, ولهم يرفعوا بها رأسًا.
стр. 69
٨- التأثر في الأخلاق:
لقد جاء الإسلام بتهذيب الأخلاق والدعوة إلى المكارم وإلى حسن الخلق وكل معالي الأمور، وحذَّر من كل خلق رديء، وكان المسلمون في أزهى عصورهم يمثِّلون في العموم تلك الأخلاق الفاضلة، ثم خلفت خلوف زاغوا عن ذلك النهج الواضح والصراط المستقيم، وأخذوا ينحرفون رويدًا رويدًا, وينزلقون إلى الهاوية باتِّباع الهوى والانحرافات العلمانية، وكلما أحدثوا انحرافًا جعلوا له واجهة إسلامية ليقاوموا كلَّ من يحاول أن يثنيهم عن أهدافهم المنحرفة للوصول إلى تطبيق الأخلاق العلمانية تمامًا، ثم زاد الطين بلة اطِّلاعهم على الانحرافات الغربية التي يسميها أهلها حضارة وتقدمًا، فانغمسوا معهم، ونسوا ما عندهم من الفضائل التي دعا إليها الإسلام، فإذا بهم يواجهون الغرب برءوس منكَّسة, وكأنهم -بعد نسيانهم حضارتهم الإسلامية العريقة- يواجهون عباقرة ينبغي أن تُحْنَى لهم الجباه, فتركَّبت عقدة النقص في نفوسهم, بقدر ما ارتفعت أنوف الملاحدة اللادينيون الذين صرخوا فيهم بأنَّ تأخركم إنما يكمن في تمسككم بالإسلام وسلوكه
стр. 70
الذي حجر عليكم الانطلاق إلى كل الاتجاهات، ومنها: المتع والملذات بشتَّى أشكالها، حرامًا كانت أم حلالًا، باذلين الجهد الجهيد في الاستحواذ على عقل المرأة وإخراجها من عفتها وحشمتها, مكرِّهين إليها بيت الزوجية وتربية الأولاد, بححَّة أنها لا بُدَّ أن تتطوَّر وتكون مثقَّفة, مع أن هذه الدعوة معناها أن تكون شبيهة بالبهيمة المنطلقة، وهو عين التأخُّر والرجوع إلى البدائية.
وطالبوها بأن تنزع ثياب الحشمة الظاهرة -بعد أن رفعتها عن قلبها, فإذا بها ترى أن العري المتمَثِّل في إظهار نصف الفخذين والكتفين, ونزع غطاء الرأس, ومشاركة الرجل جنبًا إلى جنب في العمل, وتقليده في حلق شعر الرأس, ولبس الثياب الضيقة, وفي المشية, وغير ذلك, إذا بها ترى أن كل هذا السلوك هو السلوك اللائق بها, وحلّ بها الشقاء, ولحقها الخذلان والإهانات, من حيث تشعر أو لا تشعر.
بل وأصبح الكثير رجالًا ونساءً لا يرون مقياس التقدُّم في البلد إلّا بهذا السلوك المخزي للمرأة، ولم يبخلوا على المرأة التي تسلك مسالكهم بإطلاق المدح لها على جرأتها، وأنَّها يجب أن تظهر شخصيتها, وترمي بكل الأخلاق الفاضلة وراء ظهرها، وأجادوا خداعها, والتفنُّن في إغرائها, فانجذبت إليهم الكثيرات، وبقيت قلة محتارات في وسط الطريق, لا يدرين أين يتَّجهن، وقليل منهنَّ أدركن ماذا يراد لهن, ومدى خطر التخطيط المبيت وراء التزلف إليهن, ومطالبتهنَّ بالخروج على كل شيء, فكتبن يحذِّرن بنات جنسهنَّ من شر تلك المزالق الوخيمة, وأن المقصود بها في النهاية أن تكون المرأة متعة رخيصة بيد الرجل لمن عليهنَّ مسحة من ملاحة فقط.
стр. 71
وأخذت العاقلات منهنَّ بندبن حظَّهن حين جرفهنَّ تيار العلمانية، لقد تمنَّت كاتبة ألمانية أن تعيش مع رجل ناجح, ولو كان عنده عشر زوجات، وتمنَّت امرأة إنجليزية عجوز حينما اطَّلعت على وضع المرأة والأولاد في الإسلام, ومعاملة الزوج لزوجته وأولاده في الإسلام, تمنَّت لو أنَّها قضت حياتها من أولها مع رجل مسلم.
إن فطرة المرأة السليمة كانت تحتِّم عليها أن تكون مطلوبة للرجل لا أن تكون طالبة له، ولكن بسلوك العلمانية ودعاة تحرير المرأة, اضطرت المرأة هناك أن تبدأ هي بمغازلة الرجل واسترضائه, بعد أن عرف الرجل كيف يجرَّها إلى هذا المصير بدهاءٍ شيطانيٍّ, وصار حالها كما قال الشاعر:
أمرتمهوا أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستجيبوا النصح إلَّا ضحى الغد
وعسى أن تستبينه النساء اليوم قبل غد، وعسى أن يضعن حدًّا رادعًا للمستهترين بهنَّ المتاجرين بأعراضهن.
فالمرأة الأوربية لو نظرت إلى حالها بعين الإنصاف لهالها الأمر, ورجف قلبها خيفةً؛ إذ أصبحت مثل الدابة التي تقوم بكفالة أولادها الغير شرعيين، وأصبحت بمفردها تعاني آلام الحمل والولادة, وطلب المعيشة, وتربية أطفالها, في الوقت الذي ترى فيه تكالب الناس على المادَّة واقتناصها دون أدنى رحمة بالفقراء والمحتاجين.
فلا تستبعد حينما تسمع الإقدام على الانتحار بين الناس في الغرب
стр. 72
مذهلة رغم بهرجة الحياة هنا، إنه احتجاج صارخ على سوء أوضعاهنَّ وعلى المجتمع الذي يعشن فيه.
أفلا تتعظ المسلمات بها وصلت إليه المرأة الغربية في ظلِّ حضارة مادية زائفة، أفلا تتعظ بذلك وتبقى ملكية في بيتها, ومسئولة عن رعيتها في هدوء واستقرار, كما أراد لها الإسلام؟ وتحافظ على حشمتها وكرامتها أن تداس وتهان في غفلة منها.
وعن التضجُّر والشكوى من انفلات المرأة واستهتارها الواضح اقرأ ما جاء في جريدة الشرق الأوسط تحت هذا العنوان "حظر التنورات القصيرة في إقليم روسي": "مسوك رويترز، طالبت حكومة أحد أقاليم روسيا موظَّفَاتها بالتوقُّف عن ارتداء التنورات القصيرة, وتخفيف مساحيق التجميل على وجوههن, على أساس أنَّهن يثرن بذلك غرائز حيوانية لدى زملائهن الذكور"، وهذا طلب وجيه نابع عن بقية حياة في الفطرة، ولكن انظر بماذا قوبل هذا الطلب, حسب ما جاء في هذه جريدة: "وأثار الأمر الذي أصدره "أوليج شليك" نائب رئيس بلدية كاليننجراد على ساحل البطليق بروسيا, حالة سخط بين كثيرين في الإقليم, بما فيهم الرجال، وقال "شيليك" لشبكة تلفزيون "إن تي في": "بالطابع يتعيِّن على المرأة لفت نظر الرجل، لكن ليس لدرجة كبيرة تتجاوز العرف, وتثير أمورًا لا علاقة لها بالعمل، بل غرائز حيوانية فقط", وقال معلق "إن تي في": "إن أمر شليك يعني أنَّ النساء في مقارِّ إدارة كاليننجراد سيتعيِّن عليهنَّ التخلي عن ارتداء تنورات قصيرة, وتفصيل بدلات عملية عليهنَّ، والابتعاد عن ارتداء مجوهرات غير مألوفة, ووضع مساحيق تجميل بسيطة", وقال "يوري ماتوشكين" النائب في البرلمان الإقليمي بسخط: "إن الأمر يلحق الخزي بشيك نفسه"، وأوضح ماتوشكين: "إذا كان هذا يحوّل انتباهه, فقد اختار إذن وظيفة خطأ، وإذا لم يكن بمقدوره السيطرة على نفسه لتوجيه طاقته بشكل صحيح, فإنه يتعين عليه تغيير وظيفته"١.
وتوجد عشرات الأمثلة للشكوى من حال انفلات النساء وقلة الحياء لديهن, ممن تربَّيْنَ تلك التربية، وما أكثرهن.
стр. 73
٩- العلمانية والآداب:
لم يكن أمام أصحاب الفن والآداب -كما سموا أنفسهم- وهم هاربون من كل ما يتَّصل بالكنيسة من خيار لإشباع هذا الجانب إلّا أن يعودوا لنبش الماضي, الذي يتَّفق مع ميولهم التحرُّرية من كل ماضي الكنيسة وسيطرتها.
ولم يكن أمامهم -بسبب إعراضهم عن طلب الدين الصحيح- إلّا الحضارات السابقة, والتي تتمثَّل في الوثنيات اللادينية بذوقها الهابط, وإباحيتها, واستهتهارها بكل الفضائل التي دعت إليها الأديان، فقام الفنَّ والآدب على العلمانية اللادينية التي ليس فيها دعوة إلى الحشمة أو الفضائل أو مراقبة الله أو الحياة بعد الموت, وما يحصل للإنسان هناك من عقاب أو ثواب.
لأنَّ الإله الجديد الذي هو الطبيعة أو الإنسان نفسه, لم يعد في حاجة إلى تلك الفضائل الدينية, بعد أن انطلق من أغلال الكنيسة, ودخل عصر
стр. 74
التنوير, وعصر العقلانية, وعبادة الإنسانية التي داستها الكنيسة حينًا من الدهر, بحجة الترفُّع والتقرُّب إلى رضى الله تعالى، فلم يعد تدنيس الأعراض في إباحيةٍ جامحةٍ عارًا، بل هو الطريق السليم؛ لأنَّ الذي يترك هذه المتع واللذائذ الدنيوية التي يعيشها خوفًا من عقاب أخروي, هو شخص خيالي وغير متقدِّم، والذي يطرق برأسه حياءً من سماع الأغاني الفاجرة, أو الشعر الماجن, أو القصص الغرامية, أو الجنس, هو شخص ليس له ذوق ومتأخِّر عن الركب الناشئ، والذي لا يستطيع مشاهدة العري الفاضح؛ سواء في كان الأجهزة أو على الطبيعة, هو شخص متخلف.
وعلى المتحرر أن يستلهم الإبداع الجماليّ والحب والعاطفة الجياشة من الطبيعة التي أبدعت كل ما في هذا الكون من صور الجمال من جامدةٍ ومتحركة، ولا شكَّ أن هذا الانحراف الشائن سببه الأول انحراف الكنيسة، ولم يهتد هؤلاء الهاربون من طاغوت رجال الكنيسة إلى سلَّم النجاة الحقيقي، بل هربوا من طاغوت إلى طاغوت، وبدلًا من توجه هؤلاء الأدباء إلى نقد رجال الين فقط, تمادوا فنفذوا إلى نقد الدين, وحمَّلوه تبعة أفعال رجال الكنيسة وخرافاتهم التي لا يقبلها العقل ولا الفطرة، وتفنَّنوا في حربهم له شعرًا ونثرًا وقصصًا وفكاهات، وفي المقابل نشطت الدعوات الهدامة التي تبحث في أصل الإنسان والكون والإله، وتدلل على أن الإنسان أوجدته الطبيعة، وأن عقله هو إلهه، وتبين أن كثيرًا من أسرار هذا الوجود التي لا ترجع إلى إيجاد إله خاصٍّ لها، وبالتالي, فلا دين ولا أخلاق, ولا شيء يجب أن يحجب الإنسان عن التمتُّع بكل ما يستطيع
стр. 75
الوصول إليه من متع الدنيا وشهواتها التي لا نهاية لها، ولهذا نشط الأدباء والفنَّانون والكُتَّاب في إخراج القصص الغرامية والعري الفاضح, وتلقَّفها المتلهفون على الطلاع على كل جديد, وسمَّوْا تلك القذارات كلها أدبًا وفنًّا، وصارت الوقاحة والعهر فنًّا يجب الاطلاع على خباياه وخفايا أساليبه، وبيوت الدعارة والسهرات المريبة ووصف ما فيها, وما يجري فيها كله يجب أن يكون داخلًا تحت الأدب الحرِّ والفنِّ الذي يراد به متعة القارئين والسامعين، فأصبح الشاعر منهم, والمغني والممثل, وكثير من الكُتَّاب يقدمون كلامًا ماجنًا بكلِّ وقاحة, دون أن يجدوا في أنفسهم أدنى وازع من ضمير أو حياء, بعد أن طبع الله على قلوبهم فشابهوا البهائم، بل أصبحوا أضلَّ منها، كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.