← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ابن كثير؛ وبالمدينة، على قراءة نافع، وكان هؤلاء هم السبعة؛ فلما كان على رأس المائة الثالثة، أثبت أبو بكر بن مجاهد١ اسم الكسائي وحذف منهم اسم يعقوب. قال بعضهم: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدرًا، أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة؛ هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرًا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروى إلى ما اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر٢ في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردا من كل مصر إمامًا واحدًا. ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وشيبة، وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبر المكي مثل ابن مجاهد كتابًا في القراءات فاقتصر على خمسة، إلى هذه الأمصار، ويقال إنه وجه بسبعة: هذه الخمسة ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره "مراعاة عدد المصاحف" استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد. ا. هـ٣. وأول من تتبع وجوه القراءات وألقها وتقصى الأنواع الشاذة فيها وبحث عن أسانيدها من صحيح ومصنوع، هارون بن موسى القارئ النحوي المتوفى سنة ١٧٠هـ، وكان رأسًا في القراءة والنحو، ولكن أول من صنف فيها إنما هو أبو عبيد القاسم بن سلام الراوية المتوفى سنة ٢٢٤هـ، وكان أول من استقصاها في كتاب. ويقال إنه أحصى منها خمسًا وعشرين قراءة مع السبع المشهورة.

стр. 317

وجوه القراءة: ومنذ بدأت القراءة تتميز بأنها علم يتدارس ويتلقى، بدأت فيها الصناعة العلمية؛ فحصرت وجوهها وعينت مذاهبها؛ ومن شأن كل علم أن يكون ضبط الصحيح فيه حدا لغير الصحيح، وقد تكون الأمثلة التي تنزع من العلم للتمثيل بها على صحيحه مما يقتضي التمثيل بضدها على فاسده، فتقلب القاعدة أو الكلمة على وجوهها المتباينة مما اطرد أو شذ؛ وبهذا يدل على المذاهب الضعيفة ويطرق إلى معرفتها، فعسى أن يكون فيمن يقفون عليها من تنقطع به المعرفة عندها، أو يقف به الهوى على حدها، أو يعجبه منها إن كان له أن يكون صاحب غريب، وأمره عند العامة والجمهور ما عرفت في باب الرواية١ وأن يتدافعه الناس من راد معه وراد عليه، أن يكون هو ضعيف البصير بهذا الأمر قليل التمييز فيه، أو يكون خبيث الدخلة مستجم الباطل، أو من أصحاب العلل والمراء أو شيء مما يجري هذا المجرى، فلا يلبث أن يأخذ بها دون الصحيح. ويتقلد أمرها على وهنه واضطرابه، فيعتسر الكلام فيها٢، ويبالغ في النضح عنها والدفع لما عداها، ويتكلف لتصحيح هذا الفساد كما يتكلف لإفساد الصحيح وتوهينه؛ ومن ثم ينشأ من العلم علم آخر لم يكن قبل إلا حاجة من التمثيل به لغيره؛ فاتسع حتى صار في حاجة إلى التمثيل له بغيره. كذلك نشأت القراءات الغريبة في رأينا، فإن هذا الشاذ، وهذا الضعيف وهذا المنكر مما لا تحسبه كان معروفًا متلقى بالإسناد الذي لا مغمز فيه وإن لم يقرأ به أصحابه إلا على أنه معروف موثق الأسانيد. ولا بد أن تكون قد شذت وجوه كثيرة من القراءات قبل مصحف عثمان، وخاصة فيمن يقرأ على عرب الأمصار من الأوشاب المستضعفين الذين لم تخلص فطرتهم ولم تتوقح طباعهم، وكل أولئك قد كان لهم في أحيائهم من يقرئهم القرآن، فإذا كان قد وقع أمر من ذلك لأصحاب القراءات ومن يتتبعون وجوهها فأخذ به؛ لأنه عن متقدم يسنده أو يزعمه صحيحًا عمن يسنده فذلك أيضًا قول ومذهب. والعلماء على أن القراءات متواترة وآحاد وشاذة, وجعلوا المتواتر السبع والآحاد الثلاث المتممة لعشرها ثم ما يكون من قراءات الصحابة ﵃ مما لا يوافق ذلك٣, وما بقي فهو شاذ. والقياس عندهم موافقه القراءة للعربية بوجه من الوجوه، سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله؛ لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها؛ والمصير إليها بالإسناد لا

стр. 318

بالرأي، ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا١، وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة: موافقة العربية، ورسم المصحف، وصحة السند؛ فتلك هي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة؛ ولتجيء بعد ذلك عن كائن من كان. أما اشتراط موافقة العربية على أي وجوهها، فذلك إطلاق يناسب ما قدمناه من أمر الفطرة، ومن أجله كان صحيحًا أن لا يعول أئمة القراءة في أمر الجواز على ما هو أفشى في اللغة وأقيس في العربية، دون ما هو أثبت في الأثر وأصح في النقل؛ لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة وقوة المنطق فإن قرءوا فلكل قبيل نهجه. وأما موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية، فذلك لما صح عندهم من أن الصحابة ﵃ اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة فكتبوا "الصراط" مثلًا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل، لتكون قراءة السين "السراط" إن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على الأصل اللغوي المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام٢ محتملة لذلك٣. وأما اشتراط صحة الإسناد فهو أمر ظاهر ما دامت القراءة سنة متبعة، وكثيرًا ما ينكر بعض أهل العربية قراءة من القراءات؛ لخروجها عن القياس، أو لضعفها في اللغة؛ ولا يحفل أئمة القراءة بإنكارهم شيئا؛ كقراءة من قرأ "فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ" بسكون الهمزة، ونحوها مما أحصوه في كتبهم. وأول من اشتهر من القراء بالشواذ؛ وعني بجمع ذلك واستقصائه وإظهاره دون الصحيح؛ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي في أواخر المائة الثانية، فقد جمع قراءة نسبها إلى الإمام أبي حنيفة ﵀، ومنها "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقد أكذبوه في إسناده وجعلوه مثلًا بينهم في القراءات الموضوعة المردودة. ثم اجترأ الناس على القرآن بما فشا من مقالات أهل الزيغ والإلحاد بعد المائة الثانية، ولكن

стр. 319

ذلك لم يتناول قراءته، بل تناول مسائل من أمر الاعتقاد فيه؛ ثم ظهر ابن شنبوذ المتوفى سنة ٢٢٨هـ، وكان رجلًا كثير اللحن قليل العلم، فيه سلامة وحمق وغفلة؛ فكان من أشهر القراء بالشواذ, ثم أخذ في سبيله أبو بكر العطار النحوي المتوفى سنة ٣٥٤هـ، وكان من أعرف الناس بالقراءات، وإنما أفسد عليه أمره أنه من أئمة نحاة الكوفيين، فخالف الإجماع وصنع في ذلك صنعًا كوفيا.... فاستخرج لقراءته وجوهًا من اللغة والمعنى، ومن ذلك قراءته في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ١ فإن هذا الأحمق قرأها "نُجُبا" فأزالها بذلك عن أحسن وجوه البيان العربي، ولم يبال ما صنع إذا هو قد انفرد بها على عادة الكوفيين في الرواية..... كما مر في باب الرواية في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب٢. أما بعد هؤلاء الرءوس, وبعد أن انطوت أيامهم، فإن القراءة قد استوثق أمرها ولم يعد للشاذ وجه ولا أقيم له وزن؛ إذ كانت قد دونت العلوم في اللغة العربية وفي القراءات, وأخمل الناس أهل الشواذ، والخلفاء، والأمراء فمن دونهم، واعتدوا لهم السوء والإثم، ورأوا أمرهم الفتنة التي لا يستقال فيها البلاء؛ فما زالوا بهم حتى قطع الله دابرهم وغابرهم. هذا، وقد أورد ابن النديم في كتابه "الفهرست" أسماء كثير من أهل الشواذ في كثير من الأمصار، فارجع إليه إن شئت تستقصي فيما لا يفيد.

стр. 320

قراءة التحلين ... قراءة التلحين: ومما ابتدع في القراءة والأداء، هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتنافله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرءون به على ما يشبه الإقناع وهو الغناء التقي.... ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم "الترعيد" وهو أن يرعد القارئ صوته، قالوا كأنه يرعد من البرد أو الألم.... "والترقيص" وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنه في عدو أو هرولة؛ "والتطريب" وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمد في غير مواضع المد ويزيد في المد إن أصاب موضعه، "والتحزين" وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ثم "الترديد" وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه. وإنما كنت القراءة تحقيقًا، أو حدرًا، أو تدويرًا١ فلما كانت المائة الثانية كان أول من قرأ بالتلحين والتطنين عبيد الله بن بكرة، وكانت قراءته حزنًا ليست على شيء من ألحان الغناء والحداء، فورث ذلك عنه حفيده عبد الله بن عمر بن عبيد الله، فهو الذي يقال له قراءة ابن عمر، وأخذها عنه الإباضي، ثم أخذ سعيد بن العلاف وأخوه عن الإباضي، وصار سعيد رأس هذه القراءة في زمنه وعرفت به؛ لأنه اتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان يحظيه ويعطيه حتى عرف بين الناس بقارئ أمير المؤمنين٢. وكان القراء بعده: كالهيثم، وأبان، وابن أعين، وغيرهم ممن يقرءون في المجالس أو المساجد، يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء، والرهبانية، فمنهم من كان يدس الشيء من ذلك دسا خفيا، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه، فمن هذا قراءة الهيثم ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فإنه كان يختلس المد اختلاسًا فيقرؤها "لمسكين"، وإنما سلخه من صوت الغناء كهينة اللحن في قول الشاعر٣: أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتًا يوافق عندي بعض "مفيها" أي: ما فيها، وكان ابن أعين يدخل الشيء من ذلك ويخفيه، حتى كان الترمذي محمد بن سعيد في المائة الثالثة، وكان الخلفاء والأمراء يومئذ قد أولعوا بالغناء وافتنوا فيه، فقرأ محمد هذا على الأغاني المولدة المحدثة، سلخها في القراءة بأعيانها.

стр. 321

وقال صاحب "جمال القراءة": إن أول ما غني به القرآن قراءة الهيثم "أما السفينة" كما تقدم، فلعل ذلك أول ما ظهر منه. ولم يكن يعرف من مثل هذا شيء لعهد النبي ﷺ ولا لعهد أصحابه وتابعيهم إلا ما رواه الترمذي في "الشمائل" واختلفوا في تفسيره؛ فقد روي بإسناده عن عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي ﷺ على ناقة يوم الفتح "فتح مكة" وهو يقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال: فقرأ ورجع. وفسره ابن مغفل بقوله: آآآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة، ثلاث مرات ولا خلاف بينهم في أن هذا الترجيع لم يكن ترجيع غناء١. وكان في الصحابة والتابعين ﵃ من يحكم القراءة على أحسن وجوهها ويؤديها بأفصح مخرج وأسراه، فكأنما يسمع منه القرآن غضا طربًا، لفصاحته وعذوبة منطقه وانتظام نبراته، وهو لحن اللغة نفسها في طبيعتها لا لحن القراءة في الصناعة، على أن كثيرًا من العرب كانوا يقرءون القرآن ولا يعفون ألسنتهم مما اعتادته في هيئة إنشاد الشعر، مما لا يحل بالأداء، ولكنه يعطي القراءة شبهًا من الإنشاد قريبًا، لتمكن ذلك منهم وانطباع الأوزان في الفطرة، حتى قيل في بعضهم: إنه يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب. وهذا عندنا هو الأصل فيما فشا بعد ذلك من الخروج عن هيئه الإنشاد إلى هيئة التلحين، وخاصة بعد أن ابتدع الزنادقة في إنشاد الشعر هذا النوع الذي يسمونه التغيير، ولم يكن معروفًا من إنشاد الشعراء قبل ذلك٢ وهو أنهم يتناشدون الشعر بالألحان فيطربون ويرقصون ويرهجون؛ ويقال لمن يفعلون ذلك: المغبرة٣. وعن الشافعي ﵀: أرى الزنادقة وضعوا هذا التغيير ليصدوا الناس عن ذكر الله وقراءة القرآن. وبالجملة فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالنبي ﷺ . وقد عد العلماء القراءة بغير هذا التجويد لحنًا خفيا؛ لأن المختص بمعرفته وتمييزه هم أهل القراءة الذين تلقوه من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ أئمة أهل الأداء.

стр. 322

لغة القرآن: الأصل فيمن نزل القرآن بلغتهم، قريش، وقد سلف لنا في مبحث اللغة١ كلام في معنى الإصلاح الذي خلصت به لغتهم إلى التهذيب، وكيف واروا بينهم في لغات العرب ممن كان يجتمع إليهم من الحجيج أو ينزل بهم من العرب في كل موسم ومتسوق. وكان طبيعيا أن يكون القرآن بلغة قريش؛ لأن رسول الله ﷺ قريشي, ثم ليكون هذا الكلام زعيم اللغات كلها كما استمازت قريش من العرب بجوار البيت، وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وغيرها من خصائصهم؛ وقد ألف العرب أمرهم ذلك واحتملوا عليه وأفردوهم به، فلأن يألفوا مثله في كلام الله أولى. وهذه حكمة بالغة في سياسة أولئك الجفاة وتألفهم وضم نشرهم، فإن هذا القرآن لو لم يكن بلسان قريش ما اجتمع له العرب ألبتة ولو كانت بلاغته مما يميت ويحيى، ثم كانوا لا يعدون في اعتبارهم إياه أنه ضرب من تلك الضروب التي كانت لهم من خوارق العادات، كالسحر والكهانة وما إليهما، وهو الذي افترته قريش ليصرفوا به وجوه العرب ويميلوا رءوسهم عن الإصغاء إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ساحر، وكاهن وشاعر، ومجنون. وتقولوا من أمثال ذلك يبتغون به أن يحدثوا في قلوب الناس لهذا الأمر خفة الشأن؛ وأن يهوّنوا عليهم منه بما هونته العادة، وهم كانوا أعلم بعادات القوم وما يبلغ بهم، حين قعدوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا. وههنا أصل آخر، وهو أن القرآن لو نزل بغير ما ألفه النبي ﷺ من اللغة القرشية وما اتصل بها، كان ذلك مغمزًا فيه، إذ لا تستقيم لهم المقابلة حينئذ بين القرآن وأساليبه، وبين ما يأثرونه من كلام النبي ﷺ فيهون ذلك على قريش, ثم على العرب، فيجدون لكل قبيلة مذهبا من القول فيه، فتنشق الكلمة, ثم يصير الأمر من العصبية والمشاحنة والبغضاء إلى حال لا يلتئم عليه أبدًا، ولو أن شاعرًا من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي وأقامهم عليه، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة غير لغة قبيلته. وإنما وطأنا بهذا النبذ من القول؛ لأن طائفة من الناس يذهبون إلى أن القرآن لو هو قد نزل على النبي ﷺ بغير القرشية، لكان ذلك وجهًا من إعجازه تلتمس به الحجة ويستبين الظفر، ولخلي عنه العرب فترة وعجزًا, وهو زعم لا يقول به إلا أحد رجلين: من يدري كيف يقول، أو من يقول ولا يبالي أن يدري أنك مطلع منه على جهل وسفه. ولما كان الوجه الذي أقبل به القرآن على العرب وجه تلك البلاغة المعجزة، فقد كان من إعجازه أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعًا، وإنما سبيل ذلك من لغة قريش. وهذه اللغات وإن اختلفت في اللحن والاستعمال، إلا أنها تتفق في المعنى الذي من أجله صار العرب

стр. 323

جميعًا يخشعون للفصاحة من أي قبيل جاءتهم، وهذا المعنى هو مناسبة التركيب في أحرف الكلمة، الواحدة، ثم ملاءمتها للكلمة التي بإزائها، ثم اتساق الكلام كله على هذا الوجه حتى يكون الذي يصب في الأذن صبا، فيجري أضعفه في النسق مجرى أقواه؛ لأن جملته مفرغة على تناسب واحد. وقد استوفى القرآن أحسن ما في ذلك اللغات من ذلك المعنى، وبان منها بهذه المناسبة العجيبة التي أظهرته على تنوعه في الأوضاع التركيبية مظهر النوع الواحد وهي مناسبة معجزة في نفسها؛ لأن التأليف بين المواد المختلفة على وجه متناسب ممكن، ولكن التأليف بينها على وجه يجمعها ويجمع الأذواق المختلفة عليها كما اتفق القرآن, أمر لا يقول بإمكانه من يعرف معنى الإمكان, وسنفصل ذلك في موضع هو أملك به متى انتهينا إلى القول في حقيقة الإعجاز. أما اللغات التي نزل بها القرآن غير لغة قريش، فهي لغة بني سعد بن بكر الذين كان النبي ﷺ مسترضعًا فيهم، وهي إحدى لغات العجز، من هوازن، ثم سائر هذه اللغات وهي جشم بن بكر، ونصر بن معاوية وثقيف، وتلك هي أفصح لغات العرب جملة، ثم خزاعة، وهذيل، وكنانة، وأسد وضبة، وكانوا على قرب من مكة يكثرون التردد إليها ومن بعدهم قيس وألفافها التي في وسط الجزيرة١. قال بعض العلماء: وقد كانت في القرآن ألفاظ من لغات أخرى كقوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي: لا ينقصكم بلغة بني عبس، ونقل الواسطي في كتابه الذي وضعه في القراءات العشر أن في القرآن من أربعين لغة عربية، وهي: قريش، وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، وأشعر، ونمير، وقيس عيلان، وجرهم، واليمن، وأزد شنوءة، وتميم، وكندة، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضرموت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، ومذحج، وخزاعة، وغطفان، وسبأ، وعمان، وبنو حنيفة، وثعلب، وطيء، وعمر بن صعصعة، وأوس، ومزينة، وثقيف، وجذام، وبلي، وعذرة، وهوازن، والنمر، واليمامة. ا. هـ. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك؛ لدروس هذه اللغات وتداخلها وتقطع أسباب المقارنة بينها وبين لغة قريش التي مضوا على استعمالها بعد القرآن وأطبقوا عليها، والعلماء إنما يذكرون من أكثر هذه اللغات في القرآن الكلمة والكلمتين، إلى الكلمات القليلة؛ وانظر أين يقع مبلغ ذلك من لغة بجملتها؟ ولقد ائتلفت لغة القرآن الكريم على وجه يستطيع العرب أن يقرءوه بلحونهم وإن اختلفت وتناقضت؛ ثم بقي مع ذلك على فصاحته وخلوصه؛ لأن هذه الفصاحة هي في الوضع التركيبي كما أومأنا إليه آنفًا، وتلك سياسة لغوية استدرج بها العرب إلى الإجماع على منطق واحد ليكونوا جماعة واحدة، كما وقع ذلك من بعد؛ فجرت لغة القرآن على أحرف مختلفات في منطق الكلام، كتحقيق الهمز وتخفيفه، والمد والقصر، والفتح والإمالة وما بينهما، والإظهار والإدغام؛ وضم الهاء وكسرها من عليهم وإليهم، وإلحاق الواو فيهما وفي لفظتي منهمو وعنهمو، وإلحاق الياء في إليه وعليه وفيه،

стр. 324

ونحو ذلك، فكان أهل كل لحن يقرءونه بلحنهم. وربما استعمل القرآن الكلمة الواحدة على منطق أهل اللغات المختلفة فجاء بها على وجهين لمناسبة في نظمه: كبراء، وبريء، فإن أهل الحجاز يقولون: أنا منك براء، لا يعدونها، وتميم وسائر العرب يقولون: أنا منك بريء، واللغتان: في القرآن. وكذلك قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ فإن الأولى لغة قريش؛ يقولون: أسريت؛ وغيرهم من العرب يقولون: سريت، وهذا باب من اللغة لم يقع إلينا مستقصى؛ ولكن علماء الأدب ربما أشاروا إلى بعض ألفاظه في كتبهم، كما تصيب من ذلك في "الكامل" للمبرد وغيره١. وبالوجوه التي أومأنا إليها تختلف القراءات على حسب الطرق التي تجيء منها؛ فالناقلون عمن قرأ بلغة قبيلة ينقلون بتلك اللغة في الأكثر، ولذا قيل: إن القراءات السبع متواترة فيما لم يكن من قبيل الأداء أما ما هو من قبيله كالمد والإمالة ونحوها فغير متواتر، وهو الوجه المتقبل. ولقد أحصى علماء القراءة في كتبهم ما ورد من ألفاظ القرآن على أحد تلك الوجوه، ومن قرأ بها كلها أو بعضها من الأئمة، وهي عناية ليس أوفى منها، ولا يعرف من مثلها لغيرهم ولغير أهل الحديث في أمة من الأمم: غير أنهم -عفا الله عنهم- أسقطوا من كتبهم كل ما يتعلق بالنسبة التاريخية في اللغات نفسها، إلا ما لا حفل به، وقد أشبعنا القول من هذا المعنى ومن الحسرة عليه في باب اللغة من التاريخ، ولكن القول منهم لا يزال يشره فيسيل به لعاب القلم, كلما توهم لذة الفائدة وطعمها!.

стр. 325

الأحرف السبعة: وروى أهل الأثر حديثًا عن رسول الله ﷺ وهو قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع" ١ ثم اختلفوا في تأويله وفي تفسير هذه الأحرف، ولكن الأكثرين على أنها سبع لغات من لغات قريش وألفافها من ظواهر مكة إلى قيس، وقد سميناها آنفًا، وذلك قول لا تخرج عليه إلا بعض ألفاظ الحديث ويبقى سائرها غير متجه. وقال بعض العلماء: إني تدبرت الوجوه التي تختلف بها لغات العرب فوجدتها على سبعة أنحاء لا تزيد ولا تنقص، وبجميع ذلك نزل القرآن: الوجه الأول إبدال لفظ بلفظ: كالحوت بالسمك وبالعكس، وكالعهن المنقوش قرأها ابن مسعود: كالصوف المنفوش، والثاني إبدال حرف بحرف كالتابوت والتابوه -وقد مر بك أنها كانت كتابة زيد بن ثابت حتى غيرها عثمان٢- والثالث تقديم وتأخير، إما في الكلمة، نحو: سلب زيد ثوبه وسلب ثوب زيد. وإما في الحرف، نحو: أفلم ييأس وأفلم يأيس؛ والرابع زيادة حرف أو نقصانه، نحو: ماليه وسلطانيه، فلا تك في مرية؛ والخامس اختلاف حركات البناء، نحو: فلا تحسبن "بفتح السين وكسرها"، والسادس اختلاف الإعراب، نحو: "ما هذا بشرًا"، وقرأ ابن مسعود بالرفع، والسابع التفخيم والإمالة، وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة، والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب، وقد مر معنى ذلك. قال: فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغات العرب قد أنزل الله باختلافها القرآن متفرقًا فيه، ليعلم بذلك أن من زل عن ظاهر التلاوة بمثله أو من تعذر عليه ترك عادته "اللغوية" فخرج إلى نحو مما قد نزل به فليس بملوم ولا معاقب عليه؛ وكل هذا فيما إذا لم يختلف في المعاني. ا. هـ. وهو قول حسن يحمل به الحديث على معنى القراءات التي هي في الأصل فروق لغوية، وإن كان بعض الأحرف قد قرئ بسبعة أوجه وبعشرة، نحو: "مالك يوم الدين" و"عبد الطاغوت". والذي عندنا في معنى الحديث: أن المراد بالأحرف اللغات التي تختلف بها لهجات العرب، حتى يوسع على كل قوم أن يقرءوه بلحنهم، وما كان العرب يفهمون من معنى الحرف في الكلام إلا

стр. 326

اللغة١، وإنما جعلها سبعة رمزًا ما ألفوه من معنى الكمال في هذا العدد، وخاصة فيما يتعلق بالإلهيات: كالسموات السبع، والأرضين السبع، والسبعة الأيام التي برئت فيها الخليقة وأبواب الجنة والجحيم، ونحوها، فهذه حدود تحتوي ما وراءها بالغًا ما بلغ؛ وهذا الرمز من ألطف المعاني وأدقها: إذ يجعل القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدود وأبواب لكلام العرب كله٢، على أنه مع ذلك لا يبلغ منه شيء في المعارضة والخلاف، وإن تماد العرب في ذلك إلى الغاية، إذ هو لغات تنزل من أهلها منزلة السموات ممن ينظرونها، والأرضين ممن يضربون فيها، وهلم إلى آخر هذا الباب، فذلك قولهم بأفواههم، وهذا قول الله الذي يكابرون فيه ويطمعون أن يسامتوه بأقوالهم، وما لهم منه إلا أن يهتدوا به وينتفعون بما فيه كما ينتفعون بالسماء والأرض دون أن يكون لهم من أمرهما شيء. ثم أشار أفصح العرب ﷺ بظهر كل حرف وبطنه وحده, ومطلع كل حد إلى حقيقة هذا الإعجاز، فإن ظاهر القرآن على أي لغة قرئ بها من لغات العرب إنما هو ظاهر تلك اللغة بعينها، ولكن باطنه صورة السماء في الماء، ومسميات إلهية لا تنال وإن نيلت الأسماء، ثم إن لكل لغة في امتزاجها بالقرآن حدا يقف عنده أهلها، وهو الحد الذي تبتدئ منه الجنسية اللغوية، ولكل حد من هذه الحدود مطلع يصدر منه إلى مرتقى هذه الجنسية التي كان القرآن أخص مقوماتها، وذلك في جملته إنما هو الإعجاز كله، والهدى كله، والكمال كله.

стр. 327

ولسنا ننكر أن هذا التأويل قد يكون بعيدًا بدقائقه عن متناول أذهان العرب، ولا أن فيه شيئًا من الكد، ولكنه على كل حال قريب ممن ورثوا العرب في لغتهم وقصروا عنهم في فهم حقائق الإعجاز بتقصير الفطرة فيهم، ثم لا بد أن يكون العرب قد فهموا الحديث على نحو مما يؤديه تفسيرنا الذي ذهبنا إليه، إذ لا يعرفون من الحرف وظهره وبطنه؛ والحد والمطلع غير الصفات التي تتعلق باللغة، ولأمر ما كان كلام النبوة خالدًا كأنه قيل في كل عصر لأهله وقبيله, وكأن هذا الزمان إنما هو شاهد يجيء بالبينة على صحة تأويله. ولو أن هذا الحديث قد جاء تأويله نص على النبي ﷺ يعين المراد منه، لما اختلفت أقوال العلماء فيه، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه، وقد أنزله الله الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم: فإن ذهبت مذهبنا؛ وإلا فخذ مما أحببت أو دع!.

стр. 328

مفردات القرآن: وفي القرآن ألفاظ اصطلح العلماء على تسميتها بالغرائب؛ وليس المراد بغرابتها أنها منكرة أو نافرة أو شاذة، فإن القرآن منزه عن هذا جميعه، وإنما اللفظة الغريبة ههنا هي التي تكون حسنة مستغربة في التأويل؛ بحيث لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس. وجملة ما عدوه من ذلك في القرآن كله: سبعمائة لفظة أو تزيد قليلًا؛ جميعها روي تفسيره بالسند الصحيح عن ابن عباس ﵄ وهو ذلك المعجم اللغوي الحي الذي كانوا يرجعون إليه، كان ﵀ يقول: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه. ولقد كان ﵁ يجلس بفناء الكعبة ثم يكتنفه الناس يسألونه عن التفسير وثبته من كلام العرب، وأسئلة نافع بن الأزرق التي ألقاها عليه وأومأنا إليها في باب الرواية من تاريخ آداب العرب مشهورة، وقد أجابه عليها ابن عباس، واستشهد لجوابه بنيف وتسعين بيتًا من الشعر العربي الفصيح، فلا نطيل بسردها؛ فإن الكلام يتسع بما لا فائدة منه إلا معرفة الألفاظ وتفسيرها١. ومنشأ الغرابة فيما عدوه من الغريب أن يكون ذلك من لغات متفرقة، أو تكون مستعملة على وجه من وجوه الوضع يخرجها مخرج الغريب: كالظلم، والكفر، والإيمان، ونحوها مما نقل عن مدلوله في لغة العرب إلى المعاني الإسلامية المحدثة، أو يكون سياق الألفاظ، قد دل بالقرينة على معنى معين غير الذي يفهم من ذات الألفاظ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: فإذا بيناه فاعمل به. وكان الصحابة ﵃ يسمون فهم هذا الغريب "إعراب القرآن" لأنهم يستبينون معانيه ويخلصونها؛ وقد روى أبو هريرة في ذلك: "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه" وبهذا الأثر ونحوه مما تأتي فيه لفظة "الإعراب" زعم طائفة من أبناء الطيالسة٢ وطائفة من قومنا الذين في قلوبهم مرض، أن اللحن -أي: الزيغ عن الإعراب- كان يقع من الصحابة في القرآن لعهد النبي ﷺ ، ضلة من القائلين، وذهابًا إلى معنى "الإعراب" النحوي، ثم غفلة عن لغة الاصطلاح، والاصطلاح في أهله ضرب من الوضع: لا يحمل على كلامهم غير ما حملوه عليه. وكذلك عد العلماء في القرآن من غير لغات العرب أكثر من مائة لفظة، ترجع إلى لغات الفرس

стр. 329

والروم والنبط والحبشة والبربر والسريان والعبران والقبط، وهي كلمات أخرجتها العرب على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها فصارت بذلك عربية، وإنما وردت في القرآن؛ لأنه لا يسد مسدها إلا أن توضع لمعانيها ألفاظ جديدة على طريقة الأول، فيكون قد خاطب العرب بما لم يوقفهم عليه، وما لا يدركون بفطرتهم اللغوية وجه التصرف فيه، وليس ذلك مما يستقيم به أمر ولا هو عند العرب من معاني الإعجاز في شيء؛ لأن الوضع يعجز أهله، وهم كانوا أهل اللغة. ولذا قال العلماء في تلك الألفاظ المعربة التي اختلطت بالقرآن: إن بلاغتها في نفسها أنه لا يوجد غيرها يغني عنها في مواقعها من نظم الآيات، لا إفرادًا ولا تركيبًا، وهو قول يحسن بعد الذي بيناه. ومن ألفاظه ما يسميه أهل اللغة بالوجوه والنظائر، والأفراد. أما الوجوه والنظائر فهي الألفاظ التي وردت فيه بمعان مختلفة: كلفظ الهدى، فإنه فيه على سبعة عشر وجهًا، بمعنى: الثبات، والدين، والدعاء، ونحوها. ومن هذه الألفاظ: الصلاة، والرحمة، والسوء، والفتنة، والروح، وغيرها. وكلها مما يتبسط في استعماله بوجوه من القرائن وسياسة القرينة في العربية شريعة من شرائع الألفاظ. وأما الأفراد فهي ألفاظ تجيء بمعنى مفرد غير المعنى الذي تستعمل فيه عادة، ولابن فارس في إحصاء هذا النوع كتاب قال فيه: كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه الحزن، إلا قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ فمعناه: أغضبونا. وكل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب, إلا قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ فهي القصور الطوال الحصينة, وكل ما فيه ذكر البر البحر؛ فالمراد بالبحر: الماء، وبالبر: التراب، إلا قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فالمراد به البرية والعمران. وعد من مثل ذلك هو وغيره أشياء؛ فهذا ما يسمونه في لغة القرآن بالأفراد.

стр. 330

تأثير القرآن في اللغة: لا نتكلم في هذا الفصل عن الوجوه اللغوية التي ابتدعها القرآن في الكلام فصارت من بعده نهج الألسنة والأقلام، ولا عن وجوه تأثيره باللغة, فإن لكل من ذلك موضعًا هو أملك به، وإنما نقص لك طرفًا من القول في هذه اللغة كيف ظهرت في آياته للزمان حتى لا يظن أنها لغة عصرها، وكيف بهرت بغاياته في البيان حتى ليقال إنها لغة دهرها، وكيف جاوز بها قدرها الطبيعي بعد أن صار هو من قدرها. نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معًا: فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه، إذ النور جملة واحدة وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته، وهو في كل جزء من أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير الأرض وإنما كان ذلك؛ لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجزاها في ظاهرها على بواطن أسرارها, فجاء بها في ماء الجمال أملأ من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، وصورها الحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة الدقيقة في تقلب الأساليب، وتحول التراكيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهرًا لا يقضى العجب منه؛ لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود؛ لأنها هي لغتهم التي يعرفونها، ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا قيصوم١، ورقة غير ما انتهى إليهم من أمر الحاضرة. وهذا معنى ليس أظهر منه في إعجاز القرآن، فإن اللغة لا تشب عن أطوار أهلها متى كانت من غرائزهم، وإنما تكون على مقدارهم ضعفًا وقوة؛ لأنها صورتهم المتكلمة وهم صورتها المفكرة، فهي ألفاظ معانيهم وهم في الحقيقة معاني ألفاظها؛ ولذلك لا تزيد عليهم ولا ينقصون عنها ما دام رسمهم لم يتغير وما دامت عادتهم لم تنتقل، فإن سنح لامرئ من أهل النظر أن يستدل في لغة من اللغات على آثار أمتها بنوع من القيافة المعنوية؛ كما يستدل صاحب القيافة النظرية من الأثر في الطريق على مذهب صاحبه لا يخطئه، وعلى بعض صفاته لا يتعداها, فذلك ممكن لا تهن فيه القوة ولا يبلغ به الإعياء، متى هو تقدم فيه بالذهن الثاقب وتعاطاه بالقريحة النافذة؛ لأنه يستظهر من اللغة الصفات على الموصوف ويجعل المعروف قياسًا لغير المعروف. وأنت إذا صبغت يدك بهذا الفن من القيافة اللغوية، وحاولت أن تستخرج من لغة القرآن ما يصف لك العرب على أخلاقهم وطباعهم ومبلغهم من العلم؛ فإنك تحاول محالًا، وتكابر فيما يأبى عليك وما ليس في الحيلة إليه غير المكابرة، حتى إن الذي لا يعتقد مستبصرًا أن هذا القرآن من عند

стр. 331

الله إذا هو نظر فيه وأثبت حقيقته وقوي على تمييزها وكان ممن ينزلون على حكم النظر والمعرفة، فإنه لا يجد مناصًا من رد التاريخ والتكذيب له، ثم الإقرار بأن هذا القرآن إنما هو أثر من لغة قوم جاوزوا في الحضارة حد أهلها من سائر الأجيال, وبلغوا من أحوال المدنية أرقى هذه الأحوال، وكانوا من العلوم في مقام معلوم؛ لأن هذا الماء الصافي الذي يترقرق في عبارته، وهذا النظم الجيد الوثيق، وما اشتمل عليه من بدائع الأوصاف، وما فيه من روائع الحكمة ثم ما احتوى عليه من إشارات السماء إلى الأرض، وضراعة الأرض للسماء، إلى ما حله من معضلات الاجتماع، وكشفه من وجوه السياستين النفسية والقومية، لا يكون ألبتة في لغة أمة قد أناخت بها أخلاق البداوة في ساقة الأمم حتى عبدت الأصنام، ولم تعرف من الشرائع غير شريعة الإلهام، وما ملكها من ملوك الدهر غير سلطان الأوهام. فهو إذا قرأ قوله تعالى١: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا، وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا، وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا، وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ . نقول: إذا هو قرأ هذه الآيات البينات ثم تدبرها وأحسن حملها وتأويلها ولم يكن كدر الحس ولا مريض الذوق، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضج في الحضارة وتختبط، ومدنية تضطرب من أهلها وتختلط، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف بلينه، وأخذت في ظن الإثم بيقينه, ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها في الانقراض، وتغالبت في وجوه المدح والذم، وسبح شرف أهلها يغتسل في الدم. وهبت فيها الرذائل بأنواعها، ورمتها كل أمة من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاق الفتنة بين جراثيمها، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها, واجتمعت فيها النقائض اجتماع جوار، لا اجتماع نفار، من الإلحاد والإيمان، والصلة والحرمان، والحب الذي هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة، والائتلاف الذي ليس له تلاف، والإمساك الذي ليس له مساك، إلى غير مما هو ألوان صورتها

стр. 332

الاجتماعية التي هرمت وهي مع ذلك تتصابى، وعلمت وهي على ذلك تتغابى، قلنا: لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه الأمة على أن يتخولوها بالموعظة، لما أصابوا في غرضهم أسد ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات، يعرضونها على القوم فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرآتها، ويعرفونهم مبلغ سيئاتهم من حسناتها؛ وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها١ فلو أن ذلك واقع ثم أثرت عن القوم هذه الموعظة ورواها التاريخ بعد الأمد المتطاول، لما استطاع امرؤ ذو علم بالتاريخ وفلسفته أن ينكر أن المراد به الأمة الفرنسية بعينها في القرن العشرين بعينه، وانظر أين ما بدأت مما انتهيت؟ وما دام ذلك قد تحقق في المعاني، وكانت هي سبيلًا إلى الاستدلال عليه، فالاستدلال بالألفاظ ومسابقتها لتلك المعاني في الدقيق والجليل أيسر وأسهل. فلا مذهب لمن يفهم الكتاب الكريم، ويقف على دفائن الحكمة فيه إلا أن يدفع به المذهب إلى إحدى اثنتين: إما أن يعتقد أنه أنزله الذي يعلم الغيب في السموات والأرض، فجاء كما يراه: أمرًا من أمر الله، وإما أن ينكر هذا ويعتقد أن القرآن الذي بعث به النبي الأمي في أولئك الأميين إنما وضع في زمن كانت فيه الأمة العربية غير نفسها، وكانت بالغة ما شاء الله من علم وجهل، وحضارة وبداوة، وصلاح وفساد؛ إذ يجد ما يصف كل ذلك على حقيقته الصريحة في القرآن٢. وأيهما أنكر وأيهما أقر، فإنه سبيل الحجة إليه ينحوها، وهو يظن أنه يمحوها, ويكشفها، ويحسب أنه يكسفها ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ . ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العرب على لغة واحدة، بما استجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهل لكل لسان يأخذون بها ولا يجدون لهم عنها مرغبًا، إذ يرونها كمالًا لما في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية، مما وقفوا على حد الرغبة فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه. ومن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتفق في شيء من الأشياء -كهذا الكمال البياني في القرآن- أن يجمع عليه طالبيه مهما فرقت بينهم الأسباب المتباينة، والصفات المتعادية؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات في أصل تكوينها منذ البدء انقيادًا يكون عنه هذا الأثر الوراثي في طاعة الأمم لشرائعها؛ ثم لملوكها وأمرائها، مع ما تسام الأمة لذلك في باب من أبواب الإمرة والحكم والتسلط، كما أن من شأن النقص إذا تمثل في شيء أن يزيد في تفريق من يفترقون عنه إذا توهموه، حتى تتسع بينه وبينهم الغاية. وقد كان العرب على حال يتوهم فيها كل قبيل منهم أنه أسلم فطرة في اللغة وأبين مذهبًا في البيان؛ لأنهم لا يجدون من ذلك إلا أمثلة ترجع إلى الفطرة وتختلف باختلافها، ولا يجدون المثال

стр. 333

الفطري الكامل الذي تقاس إليه القدرة والعجز في ذلك قياسًا لا يلتاث١ ولا يختلف، ولا يحط من صنف حقه أن يزاد فيه، ولا يزيد في صنف حقه أن يحط منه. ومن أعضل الأمور وأشدها التباسًا أن يكون امرؤ من الناس قادرًا على أن يقيس ببيانه، أو علمه بمذاهب البيان, قدرة أقوام وعجزهم في أمر معنوي كاللغة، متى كانت مذاهبهم إلى أنواع من الاختلاف في القدرة والعجز، وخاصة إذا كان أمر اللغة فيهم إلى السليقة والفطرة، فإن من ينتصب لذلك وإن أراد أن يسقط، وحاول أن لا يحول فهو لا بد مخطئ تعيين المراتب في المقدار الفاضل، وتعيين ما يقابلها في المقدار المفضول، ثم مخطئ في تمييل الحكم بين المقدارين، ولا يجيء من رأيه إلا بما تعرض فيه الخصومة أو تطول؛ لأن قياس مثل ذلك من الفطرة لا يتهيأ إلا بعمل يحتوي كل دقائقها وما يمكن أن تبلغ إليه من الكمال المطلق الذي هو الحد الأعلى في طبيعة تركيبها، ومثل هذا لا يكون ألبتة من إنسان ينزل على حكم هذه الفطرة نفسها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه؛ ولأن قابل الكمال لا يكون في نفسه حدا للكمال، ومن أجل هذا كان رسول الله ﷺ مع أنه أفصح ذي لسان وأبلغ ذي لب، لا يقاس كلامه بالقرآن، ولا يقع منه إلا كما يقع سائر الكلام، مع أنه بين كلام الناس الغاية التي ليس بعدها ما يقال فيه إنه بعدها، كما ستقف عليه في موضعه. فيلزم من ذلك أن يكون القياس الذي أشرنا إليه أمرًا فوق الطبيعة وليس فوقها إلا أمر الله، وهو القائل : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . وينبغي لك أن تطيل النظر في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ وتقف على موقع هذا الفصل من الآية، وتتأمل لفظة "العوج" فضل تأمل، فإنك لا تثير دفائنها البيانية إلا إذا حملتها على ما ذهبنا إليه, فتراها تصف القرآن بأنه فطرة هذه الفطرة العربية نفسها, وإنها لكلمة من الوصف الإلهي ترجع في موقعها بالكلام الإنساني كله. فقد وضح لك أنه لولا القرآن وأسراره البيانية ما اجتمع العرب على لغته، ولو لم يجتمعوا لتبدلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد، حتى تنتقض الفطرة وتختبل الطباع، ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة، إذ لا يخلفهم عليها إلا من هو أشد منهم اختلاطًا وأكثر فسادًا، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهم العربية فلا تبين -وهي أفصح اللغات- إلا بضرب من إشارة الآثار، وتنزل منزلة هذا "الهيرغليف" الذي قبره المصريون في الأحجار وأحيته هذه الأحجار. وذلك معنى من أبين معاني الإعجاز، إذ لا تجده اتفق في لغة من لغات الأرض غير العربية، وهو لم يتفق لها إلا بالقرآن، ولقد كان أسلوبه البياني الذي جمع له العرب هو الذي اقتضى ما أحدثه العلماء بعد ذلك من تتبع اللغات وتدوينها ورواية شواهدها، والتحمل لها؛ فكان صنيعهم صلة بين

стр. 334

اللغة وبين العلوم التي أفرغت عليها من بعد؛ لأن لغة من اللغات لا تحيا ولا تموت إلا بحسب اتصالها بمادة العلم الذي به حياة أهلها وموتهم، وهي لا يلبسها العلم إلا إذا كانت قشيبة محكمة، لا تضيق عن أنواعه وفروعه ولا يخلقها الاستعمال. وإنما شباب هذه الحياة اللغوية أن تكون اللغة لينة شديدة كما يكون كمال الإنسان بقوة الخلق والخلق: وهذا وجه لو لم يقمها عليه القرآن لما استقامت أبدًا، ولا وقفت على طريقه، ولا تلاقى فيه آخرها بأولها، لما أومأنا إليه, وسنزيد هذا المعنى بيانًا إن شاء الله. ويبقى وجه آخر من تأثير القرآن في اللغة، وهو إقامة أدائها على الوجه الذي نطقوا به، وتيسير ذلك لأهلها في كل عصر، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع، بحيث لولا هذا الكتاب الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم كيف كانت تنطق العرب بألسنتها وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها. وهذا أمر يكون في ذهابه ذهاب البيان العربي جملته أو عامته؛ لأن مبناه على أجراس الحروف واتساقها، ومداره على الوجه الذي تؤدى به الألفاظ، وأنت قد ترى الضعفاء الذين لا يحكمون منطقهم وما يصنعون بالأساليب المدمجة والفقر المتوثقة إذا هم تعاطوها فنطقوا بها، حتى ليصير معهم أجود الكلام في جزالته وقوة أسره وصلابة معجمه إلى الفسولة والضعف، وإلى البرد والغثاثة، كأنما يموت في ألسنتهم موتًا لا رحمة فيه. لا جرم أن اللغة التي يذهب منها ذلك لا ينطق بها إلا على الحكاية السقيمة، ولا جرم أن بعض السقم يدفع إلى بعضه، وأن جملة ذلك تفضي إلى الموت. فهذه معان سامية غريبة انفردت بها العربية، ولولا القرآن ما كانت فيها وما ينبغي لها بكلام غيره؛ إذ ليس في غيره ما يبلغ أن يكون حدا للكمال اللغوي في الفطرة، فيتعلق بمثل أثره في العرب وأحوالهم وتاريخهم، أو يقع من ذلك على مقدار مقسوم، أو يكون له فيه حق معلوم. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . صدق الله العظيم، ومن أصدق من الله قيلا؟.

стр. 335

الجنسية العربية في القرآن: لك بعض ما تناصرت عليه الأدلة واجتمعت على صحته، من تأثير القرآن في اللغة وما أصلح الله لأهلها في هذه البقية، حفظًا لكتابه، وإظهارًا لوجه من وجوه إعجازه الخالدة؛ ولكن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. وحسبه معجزة ما تقول فيه من صفة الجنسية العربية التي جعل الأمم أحجارًا في بنائها والدهر على تقادمه كأنه أحد أبنائها، وأقام منها معضلة سياسية، في الأرض وضعها ونقدها، وفي السماء حلها وعقدها، وشد بها المسلمين فهم إذا ائتلفوا انضموا كالبنيان المرصوص، وإذا تفرقوا سطعوا في تيجان الممالك كالفصوص، وما إن يزالوا في التاريخ مرة أضوله، ومرة فصوله، وإن لم يقوموا أحيانًا بالدين، قام بهم هذا الدين إلى حين، وكيف وقد جمعهم الكتاب الذي أنزل من السماء فكان مثال آدابها، وانتشر في الأرض فكان خلعة شبابها، ودعا إليه الناس على اختلافهم فكأنما كل أمة تدعى إلى كتابها. ونحن فقد نعلم أن هذه المعجزة ليست إلى اللغة في مردها من الفائدة، فإنما هي ترمي إلى وحدة سياسية تكون كالنبض لقلب هذا العالم كما سيأتيك. بيد أن سبيل ذلك من اللغة، فإن القرآن تنزل من العرب منزلة الفطرة اللغوية التي يساهم فيها كل عربي بمقدار ما تهيأ له من أسبابها الطبيعية، إذ كان بما احتواه من الأساليب، وما تناوله من أصول الكمال اللغوي، وما دار عليه من وجوه الوضع البياني قد هتك الحوائل ومحا الفرق التي تبين قرائح العرب اللغوية بعضها من بعض، فاجتمعت منه على الكمال الذي كانت تتخيله ولا تألوا عما يدنيها إليه معالجة واكتسابًا؛ ولو أنهم تمالئوا طوال الدهر على أن يهذبوا من لغتهم ليبلغوا بها مبلغ الكمال الوضعي، على النحو الذي جاء به القرآن، لما ازدادوا إلا تعاديًا في الرأي؛ وتباعدًا عما يجنحون إليه إذ تنزع كل فطرة إلى منزعها في كل قبيل، فيزيد الناقص منهم نقصًا فطريا وهو يحسبه كمالًا، ويبعد الكامل على حقيقة ما يلتمسه من الكمال بعد أن يرى غيره قد حسبه نقصًا؛ لأن الفطرة لا تنقاد إلا بالإذعان، ولا تذعن إلا لما يكون في حد كمالها المطلق، وليس في تاريخ العرب اللغوي من ذلك بالتحقيق قبل القرآن ولا بعده غير القرآن. تلك سياسة هذا القرآن: جمع العرب لمذهب الأقدار وتصاريف التاريخ, رأى ألسنتهم تقود أرواحهم، فقادهم من ألسنتهم وبذلك نزل منهم منزلة الفطرة الغالبة التي تستبد بالتكوين العقلي في كل أمة, فتجعل الأمة كأنما تحمل من هذا العقل مفتاح الباب الذي تلج منه إلى مستقبلها؛ فإن كل أمة تستفيد عقلها الحاضر من ماضيها، لتفيد مستقبلها من هذا العقل بعينه، فلما استقاموا له أقامهم على طريق التاريخ التي مرت فيها الأمم، وطرحت عليها نقائصها فكانت غبارها، وأقامت فضائلها فكانت آثارها؛ فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة دولة، ويرفعون على أطلال كل مذلة صولة، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة، وراءها خيوط من الأعنة؛ حتى أصبح تاريخ الأرض عربيا، وصار بعد الذلة والمسكنة أبيا، واستوسق لهم من الأمر ما لم ترو الأيام مثل خبره لغير هؤلاء

стр. 336

العرب، حتى كأنما زويت لهم جوانب الأرض، وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها؛ لا غزاة يفتحونها؛ فلا يبتدئ السيف حساب جهة من جهاتها حتى تراه قد بلغ بالتحقيق آخره, ولا يكاد يشير إلى "قطر" من أقطارها إلا أراك كيف تدور عليه "الدائرة". وإن هذا الأمر لحقيق أن تذهب من تعليله نفوس الحكماء في ألوان من المعاني متشابه وغير متشابه، فإنما هو أمر إلهي كيفما أدرته رأيت في جانبه الذي يليك ضوءًا كضوء الصواعق، وحركة كحركة الزلازل، وقوة كالتي تتسلط بها السماء على الأرض، فكأنك تتأمل منه صورة الطبيعة، أو الطبيعة المعنوية في عالم التاريخ. ولو أن رمال الدهناء١ نفضت على الأرض جنودًا عربية لما عدت أن تكون آفة اجتماعية تهلك الحرث والنسل، وتدع الشعوب متناثرة كبقايا البناء الخرب، ثم لا تكون إلا أيام يتداولونها بينهم حتى تتنفس الأرض من بعدهم فتذهب آثارهم الظالمة في حر أنفاسها، وتنقضي أعمالهم فتنطوي من الزمن في أرماسها، إذ كان لا يهجم على الأرض منهم أكثر من أمر البطون الجائعة وما إليها ... ولعمرك ما العرب وما غير العرب من الشعوب البادية إلا بطونههم، حتى لأحسبهم إذا اجتمعوا كانوا معدة الأرض, وكان أهل السَّرف في فنون الملاذ من الحضريين أمعاءها. وما أظن مرجع ذلك إلى غير القرآن، بل أنا مستبصر في صحة هذا المعنى، مستيقن أنه مذهب التعليل إلى الحقيقة بعينها؛ لأن القرآن هو صفي تلك الطباع، وصقل جوانب الروح العربية، حتى صارت المعاني الإلهية تتراءى فيها وكأنها عن معاينة. فكأنما كان العرب يقطعون الأرض في فتوحهم ليبلغوا طرفًا من أطراف السماء فينفذوا إلى ما وعدهم الله ويتصلوا بما أعد لهم. ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه من الفطرة اللغوية في نفوسهم حتى استبد بها في مستقرها، وصرفها في وجوه معانيه -ما بلغ من القوم رأيًا ولا نية، ولأوشك أن يكون في مقامات البيان عندهم وما يهتف به شعراؤهم وخطباؤهم- ما يذهب به جملة ويمسح أثره في القلوب، ولا يدع له مساغًا إلى ما وراء السمع؛ لأن هؤلاء تنفث عليهم ألسنتهم بأفصح الفصيح وأبين البيان في رأي العرب، وإن لم يكن كلامهم بتلك المنزلة، ولكن الحمية والعصبية واللحمة ومؤاتاة الهوى، كلها فصيح وكلها بيان، وليس الشأن في اللغة وألفاظها ومعانيها، وإنما الشأن فيما يمكن أن تفهمه النفس من كل ذلك؛ وهي لا تفهم إلا ما يكشف عن طبائعها ويبين عن أخلاقها وعاداتها. ولولا اختلاف النفوس في هذا الفهم ما رأيت اللغة الواحدة عند أهلها كأنها في المعنى لغات متباينة؛ فرب كلمة من لغة رجلين وإذا سمعاها رأيتها كأنما هي ليست من لغة أحدهما، فلا تبلغ منه ولا تمسه، كأن تكون كلمة من باب الحفاظ يسمعها عزيز وذليل، أو لفظة من الكرم يلقاها جواد وبخيل. أنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى، وأطلت تقليب الرأي فيه، وكان لا يعتريك من الخواطر إلا ما أحكمه العقل, فإنك واجد منه سبيلًا إلى وجه من أبين وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، فهو قد سفه أحلام العرب، وخلع آلهتهم، وقمع طغيانهم، واشتد عليهم بالعنف محضًا بعد

стр. 337

اللين ممزوجًا، حتى جعلت دماؤهم كأنما ترقرق في بعض آياته، ثم لم يهدأ عنهم، بل ردد ذلك وكرره، وعمهم به، وأرسله في كل وجه، وقرع أنوفهم؛ وهاج منهم حمية الجاهلية، وجاراهم في مضمار المخاطرة، وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة الحصى؛ وهم القوم كانت لهم كل هتفة كأن الأرواح هواة في صوتها، فلا يهتف بها حتى تنهض الأجسام لموتها، ولا تسير على الأرض بالرجال، حتى تطير إلى السماء بالآجال؛ ثم لم يمنعهم ذلك وما إلى ذلك من أن ينقادوا ثم ينقادوا! لا جرم أنها كانت الفطرة اللغوية لا غير؛ وإلا فما بال هؤلاء العرب قد خرجوا من تاريخهم بعد الإسلام كأنما نزعوا جلدتهم نزعًا، على حين كانت لهم الأمور المطمئنة، والصفات المتوارثة؛ من أخلاق شبوا عليها، وعادات ينازعون إليها، وطبائع هم بها أخص وهي بهم أملك، ولم يكونوا مقطوعين عن التاريخ، بل كان لهم ماض أحسن ما تكلف به الأمم، وكانوا عليه أحرص ما تكون أمة على ماضيها -كما نصفه في غير هذا الموضع- فلا الزمان تولاهم بعمله وهدم في أرضهم بمقدار ما بنى أو قريبًا من ذلك، ولا هم ورثوا طباعًا من طباع وأخلاقًا من أخلاق وخرجوا من ماضيهم كما تخرج أمة من أمة في سلسلة طويلة الذرع من حلقات الأجيال التي هي درجات للنشوء في تاريخ كل مجتمع، ولا رأيناهم فيما وراء ذلك كالشعوب التي تمخضها الحوادث مخضًا شديدًا، وتتعاورها بالحروب والفتن، فتهدمها أنقاضًا ولا تبدل منها إلا الشكل الاجتماعي، وإلا هيئة الوضع، والأمة بعد ذلك هي هي كيف هدمت وكيف بنيت: لا تزال على أعراقها وأخلاقها، وربما عصفت الثورة الكبرى بأمة من الأمم، وألحت عليها بالفتن دائبة، ثم تسكن العاصفة، وتقر الزلزلة، وتطمئن الأرض وأهلها، ولا يكون من جداء ذلك كله إلا اصطلاح لغوي في تاريخ الأمة لا يغني من الحق شيئًا؛ كأن تكون الأمة غريرة جاهلة مستبدا بها على وجه من الاستبداد، ثم تصير بعد الثورة غريرة جاهلة أيضًا، ولكن في استبداد على وجه آخر! فالقرآن الكريم بتمكنه من فطرة العرب على وجهه المعجز، قد نزل منهم منزلة الزمان في عمله وآثاره؛ لأن الذي أنزله بعلمه وقدره بحكمته إنما هو خالق الزمن نفسه، فهدم في نفوس العرب، وكان هدمه بناء جديدًا جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها، وبذلك أحكم عمل الوراثة الذي تعمله في الغرائز والطباع، إذ تبني بالهدم، وتقيم التاريخ من أنقاض التاريخ؛ وهذا هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي, وبين شيء يسمى ممكنًا وشيء يسمى معجزًا. بلى، ولقد يخيل إلي أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي لا تزال تطيف بالرءوس, فما بين العقل وبين أن تلجه هوادة، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه منزلة، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظرًا يقبلونه أو يردونه، ولكنهم يرونه ضرورة مقضية ليس لهم على حال بد من قبولها. وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة وهم لا يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم، ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب بعضهم الذلة على بعض؛ ولم يتخذوا السيف نابًا إلا ليأكلهم، ولا الحرب ضرسًا إلا لتمضغهم.... وكانا أهل جزيرة واحدة وكأنهم في تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية.

стр. 338

ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت، إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين، إن يكن منها فهو لعمرك استخذاء، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء.... ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها١ إلا عصبية الروح٢، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم، وساوى بين نفوسهم، وأجرأهم على المعدلة في أمورهم، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت؛ لأنها لا توجهه إلا لله، فكان بينها وبين الله كل ما تحت السماء. ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة، ثم ألف بين القلوب على مذهب واحد، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلًا إلى التأليف بين ألسنة الأمم ومذاهب قلوبها، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية في الأمم بأبدع منها. فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم؛ فبالدين الطبيعي الذي جاء به القرآن ولو نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى الخير، وأما التأليف بين ألسنتهم فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر، ببقائه على وجهه العربي الفصيح لفظًا وحفظًا وأداء، لا يجد إليه التبديل سبيلًا، ولا يأتيه الباطل موجهًا أو محيلًا، ولا يدخله التحريف كثيرًا أو قليلًا، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تحلل منها الألسنة المختلفة أبدًا؛ وهذا من أرقى معاني السياسة، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق؛ وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع في الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها، فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد، وفيها كذلك التغرير والخطار، والكذب والخداع، ولكل من أهلها شرعة ومنهاج. فبقاء القرآن على وجهة العربي، مما يجعل المسلمين جميعًا على اختلاف ألوانهم، من الأسود إلى الأحمر، كأنهم في الاعتبار الاجتماعي وفي اعتبار أنفسهم جسم واحد ينطق في لغة التاريخ بلسان واحد، فمن ثم يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم قد زال عن حيزه، وانتفى من صفته الطبيعية؛ لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض الاجتماع ونوافله، إنما هي في الحقيقة لون القلب لا سحنة الوجه. وقد ورث المسلمون عن أوليتهم هذا المعنى: فلا يعلم في الأرض قوم غيرهم يعتصمون بحبل دينهم وأيديهم في الأغلال، ويجنحون إليه بأعناقهم وهي في ربق الملوك من الإذلال، ويخصونه بقلوبهم حتى يكون أملك بها وأغلب عليها ولا يحتملون فيه سخطة، ولا يؤثرون عليه رضى، ولا

стр. 339

يعدلون به عدلًا، ويتبرمون بكل ضيق إلا ما كان من أجله، ويرضون المحنة في كل شيء إلا فيه، ثم هم لا يرون أنفسهم المؤمنة في إحساس الفطرة، ومذهب الطبيعة إلا أنها بقية سماوية في الأرض تباين كل ما فيها "أي: الأرض" ويشبه بعضها بعضًا بالصفة والخاصة أني وجدت وكيف اتفقت وعلى أي حالة كانت، وهذا كله مشاهد فيهم على أتمه وأبلغه، بعد كل ما رهقهم بالعجز عن مداولة الأيام، وصدمهم من أهل الاستبداد بكل محنة من الآلام، وتوردهم من الزمان بكل سفه يعد في السياسة من الأحلام. على أنهم لا يعرفون أصل ما يحسونه، ولا يتصلون إلى سببه، وكأنما تقطع ما بينهم وبين أسلافهم، وقد بقي القرآن على ذلك معروفًا مجهولًا، ينفعهم بما عرفوا منه ولا يضرونه بما يجهلون ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ . وإن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية في القرآن: أنها تأبى إلا أن تحفظ على أهلها تلك الصفات العربية؛ من الأنفة والعزة والصوت١ والغَلَب: وما يكون من هذا الباب الاجتماعي الذي لا يزال يفتح للشعوب عن مقاصير الأرض٢. كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم، وانطرحوا في غمرهم، وكانوا أهل ذمتهم: لانتحالهم العربية طوعًا أو كرهًا، ثم بقائها في ألسنتهم على نسبة بينة من الفصيح مهما ركت ومهما رذلت؛ ولولا القرآن وأنه على وجه واحد وهيئة ثابتة، ما بقيت العربية ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية، بل لذهب كل فرع بما أحدث من الألفاظ، وما استجد من ضروب العبارة وأساليبها، حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من أهلها أو من أهل ذمتها، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط، ويوشك أن لا يستقبلوا بعد من قادة الأمم وحيتان الأرض إلا من يستدبرهم راعيًا أو ملتهمًا, ثم لا يمكن لهم من دينهم، ثم لا يثبتون عليه إلا ريثما يتحولون في استحقاقهم بالأمة التي وثبت بهم وإن مضوا في ذلك على العزيمة والتشدد، فإنه لا عزيمة لقلب خذله اللسان، ولا تشدد للسان خذله القلب، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبهم، وتلك سنة من السنن ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ ومن للأمم بمثل هذا الاستعمار اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن، وهو بعد زمام السياسة مهما جمحت في الأرض. ولقد ترى اليوم هذه التوراة وهذه الأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصلية إلا شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة, ولا نرين أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ لا يتخلف كأنه قاعدة مطردة ما قرأها منهم أحد، ثم استبدلت الألسنة واللغات بهذه الكتب، فهي شريعة ولا هي جنسية جامعة، وإنما نراها في كل أمة من الأمة نفسها، ولذا سهل على كثير منهم أن ينبذوها، وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرءون فيها إلا إذا أرادوا الاستغراق في رؤيا تاريخية، والعارف عارف من

стр. 340

يثبت فصولها ومعانيها، أو يعرف ذلك فضل معرفة. وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية "الغوط" وبين صنيع العرب، فإن أولئك أغاروا على إيطاليا في القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا أن ملكوها حتى ملكتهم، إذ تركوا أهلها وعادتهم من اللغة -وغير اللغة- ثم أخذوا يتحضرون من بداوة ويستأنسون إلى الحضارة الرومانية، حتى رغبوا في العلم، فاستجادوا المهرة من علماء الرومان، ونصبوهم لوضع الكتب وتأليفها، فوضعها لهم هؤلاء باللغة اللاتينية، وهم قرءوها بها وأقروها عليها، فذهب غوطيتهم وذهبوا على أثرها، وأدالت اللغة الرومانية لأهلها منهم، فأخذتهم رجفة التاريخ فأصبحوا في الرومانية جاثمين كأن لم يغنوا في لغة قبلها! ألا فأقبل أنت على هذا المعنى وتدبره حتى تحكم ما وراءه، فلقد تركوها آية بينة! وبعد، فهذا الذي أمسكه القرآن الكريم من العربية لم يتهيأ في لغة من لغات الأرض.... ولن تلاحق أسبابه في لغة بعد العربية. وهذه اللغة الجرمانية انشقت منها فروع كثيرة في زمن جاهليتها، واستمرت ذاهبة كل مذهب، وهي تثمر في كل أرض بلون من المنطق، وجنس من الكلم، حتى القرن السادس عشر للميلاد، إذ تعلق الدين والسياسة معًا بفرع واحد من الفروع، هو الذي نقلت إليه التوراة، فاهتز وربا وأورق من الكتب وأزهر من العقول وأثمر من القلوب، وبعد أن صار لغة الدين صار دين التوحيد في تلك اللغات المتشابهة، وبقيت هي معه إلى زيغ حتى انطوت في ظله، ثم ضحى بنوره فإذا هي في مستقرها من الماضي، ونسيت نسيان الميت. وقد كان بسق من فروع الجرمانية فرعان: الإنكليزي، والهولاندي، وكلاهما استقل حتى ضرب في الأرض بجذر، ثم أناف الإنكليزي حتى صار ما عداه من ظله، وهذا إلى فروع أخرى قد انشعبت في الأرض الجرماني، كالأسوجي والأيسلندي وغيرهما. واللاتينية، فقد استفاضت في أوروبا حتى خرجت منها الفرنسية والطليانية والإسبانية وغيرها، وكان منها علمي وعامي بلغة العلم ولغة اللسان، ثم أنت ترى اليوم بين تلك اللغات جميعها وبين ما تخلف منها في مناطق هذا الجيل، ما لا تعرف له شبيهًا في المتباعدات المعنوية، حتى كأن بين اللغة واللغة العدم والوجود. فالعربية قد وصلها القرآن بالعقل والشعور النفسي؛ حتى صارت جنسية فلو جن كل أهلها وسخوا بعقولهم على ما زينت لهم أنفسهم من الإلحاد والسياسة كجنون بعض فتياننا ... لحفظها الشعور النفسي وحده، وهو مادة العقل بل مادة الحياة؛ وقد يكون العقل في يد صاحبه يضمن به ويسخو، ولكن ذلك النوع من الشعور في يد الله، وهذا من تأويل قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . ولولا هذا الشعور الذي أومأنا إليه لدونت العامية في أقطار العربية زمنًا بعد زمن١، ولخرجت

стр. 341

بها الكتب، ولكان من جهلة الملوك والأمراء، وأشباههم ممن تتابعوا في التاريخ العربي, من يضطلع من ذلك بعمل، إن لم يكن مفسدة فمصلحة يزعمها، كالذي فعله بعض ملوك الرومان وبعض شعرائهم في تدوين العامية من اللاتينية، حتى خرج منها اللسان الطلياني، وكما فعل اليونان في استخراج اللسان الرومي، وهو العامي من اليونانية. ولولا أن أحدًا استقبل من ذلك شيئًا وأراد أن يحمل الناس عليه لاستقبل أمرًا بعض ما فيه العنت كله والضياع بجملته، ولشق على نفسه في بلوغا إرادة لها من شعور كل نفس عدو، حتى يستفرغ ما عنده وكأنه لما يبدأ مع الناس في بدء؛ لأن له مدة نفسه وحدها١ وللناس عمر التاريخ كله؛ ومتى لم يقع على فرق ما بين الاثنين، وأراد أن يتولى عمل التاريخ، فليس بدعًا أن يجعله التاريخ بعض عمله؛ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

стр. 342

آداب القرآن: ونحن الآن تلقاء نوع آخر من الإعجاز الأدبي، وهو ضريب تلك المعجزة السياسية التي أومأنا إليها في الفصل المتقدم، وسنقول فيه على وجه من الإيجاز والتحصيل، فإن آداب هذا الكتاب الكريم إنا هي آداب الإنسانية المحضة في هذا النوع أنى وجدت وحيث تكون. إذا لم يراوغ الناس معنى الإنسانية في أنفسهم، ولم يتمنوا فيها الأماني الباطلة، ولم يصدموها بالعنت بين كل رغبة ورغبة وبين كل رأي ورأي؛ لا ترى أن أمة تفضل حتى تضيق هذه الآداب عنها، أو قبيلًا يلتوي حتى تكون منه بمقصر، أو قومًا يصلحون حتى لا تصلح لهم، فإنها بعد آداب الفطرة التي لا تتغير في هذا الخلق، على ما بين طوائفه من التباين، وعلى الضروب المختلفة من أساب هذا التباين وعلله، مما ترجع جملته إلى تنوع الصور النفسية العامة التي تنشأ من الأفكار والعادات وما إليها من الأجزاء التاريخية التي تجتمع منها الأمم، وتنشأ منها قواعد الحكم وضوابط الاجتماع ونحوها من الكليات التي يتألف تاريخ الأمة من آثارها. ولا شيء يشبه نظام هذه الفطرة في تسويتها بين الناس على ما وصفنا من أمرهم، إلا نظام الجاذبية في تأليفه بين الأجرام المتفاوتة وإمساك جملتها على اختلاف ما بينها وتباعدها فيما وراء ذلك؛ وليس نظام الجاذبية في التسبب لإصلاح العالم الكبير إلا شبهًا من الفطرة النفسية، ولا نظام هذه الفطرة في الإنسان الذي هو العالم الصغير إلا شبهًا من تلك الجاذبية, وكلاهما يغني شأنًا أراده الله من خلق السموات والأرض، وهو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا. وقد خرج الناس من أصل واحد ولا تزال طبيعة الحياة فيهم واحدة، فكل ما أمكن أن يرجع إلى النفس الإنسانية ونظامها فهو في أصله وطبيعته شيء واحد وجنس متميز، وإنما الذي يتغير في الإنسان مظاهر فكره، إذ هو يستمد هذا الفكر مما يتقلب عليه من الحوادث، ومما يريغه من الأمور؛ وذلك شيء ليس في الناس على قدر واحد ولا صفة معينة ولا أمر مستقر، لا يغادر الدهر أن يزيد بسبب وينقص بسبب، والناس بعد ذلك متفاوتون فيه بالزيادة والنقص جميعًا. فما كان من الآداب الاجتماعية ناشئًا من العادة التي هي بعض مظاهر الفكر، فهو كالعادة نفسها: يدور معها ويتغير بحسبها؛ وما كان منها راجعًا إلى طبيعة النفس التي هي مصدر الفكر، فهو يشبه أن يكون طبيعة للاجتماع الإنساني وعلى مقدار ما فيه من قوة الملاءمة لطبيعة النفس أو ضعف هذه الملاءمة يكون ضعف الحياة الأدبية فيها أو قوتها. وما يزال أمر الآداب الصحيحة في كل جيل من الناس يرمي إلى غاية بعينها من الإنسانية المطلقة التي لا تحد بألوان المصورات١ كما تفصل حدود الأمصار والممالك، فإن الله لم يلون الناس تلوينًا جغرافيا. وذلك مما يدل على أن نوعًا من الإنسان لا تجزئه شرائع أرضه وعاداتها عن الآداب النفسية

стр. 343

التي تجعل الفرد إنسانًا من الناس قبل أن تجعله تلك الشرائع وتلك العادات فردًا من أمة، فإن فصل ما بين حق الأمة على الفرد من أبنائها، وبين حق الآداب عليه؛ وهو أن كل أمة تريد أفرادها على أن يكونوا أبدًا مع الحال التي تتفق بها مصلحة على وجه أمرها، وإن كان في ذلك المفسدة وكان فيه معنتة ومأثم، وكان فيه كل ظلم للإنسانية ومراء في الحق وإصرار على الباطل؛ وأن لا يدعوا لها سبيلًا إلا ركبوه، ولا هوى إلا حطوا فيه، ولا منفعة إلا هدموا دور جيرانهم ليفتحوا بابها، ولا حاجة إلا قطعوا أسباب حلفائهم ليعترضوا أسبابها، فإن هذه الإنسانية وهذا الحق وذلك الباطل ليست غير أدوات سياسية تعمل في تحريك كل مجموع سياسي يسمونه الأمة؛ وقلما تتخذ السياسة لها فعلًا إذا أرادت أن تضرب في الأرض، إلا من "جلود" القوانين الممزقة. غير أن الآداب على الفرد أن يكون أبدًا مع الحق، لا مع الحالة التي تسمى حقا في لسان من تنفعه وباطلًا في لسان من تضره, إذا الحق في اعتبار الآداب ما كانت في مصلحة الإنسانية نفسها باعتبار النظام الذي يعمها، لا مصلحة جزء منها باعتبار النظام الذي يخصه؛ ومبدأ الإنسانية قائم على أن الله لم يخلق إلا صنفًا واحدًا من الناس، ولكن مبدأ كل أمة سياسية أنها هي ذلك الصنف الواحد. فلولا الآداب النفسية في طبائع الإنسان، وما تمكنه من صلات الناس بعضهم ببعض، وما تعطف منهم جماعة على جماعة، وما تطلق من حد المساواة، وما تحد من معنى الجزية، لكان وجه الأرض قد تغير بما يشملها من الفوضى الإنسانية، ولانتقض أمرها، ثم لكانت الشرائع نفسها أشد في إفسادها من الفساد كله، ثم لصارت كل أمة كأنها جنس من الحيوان: في قيامه بنفسه، وانفراده بنوعه، وتميزه بالعداوة لغيره، فههنا آكل وههنا مأكول؛ فإذا العالم قد أودى وقطع دابر القوم الذين ظلموا. والشريعة في الجملة لا تعدو أن تنزل من كل مجموع من الناس منزلة المرشد المصرف للأفعال على جهة بينة من الحكمة، وطريقة لائحة من المنفعة؛ فهي في الحقيقة عقل هذا المجموع الذي يعقل به وينقاد لأمره، ثم هي بعد ذلك من المنزلة في نفسها بحسب ما تبلغه من الوفاء بأسباب السعادة، والكفاية بحاجات الاجتماع، إلى سائر ما تشبه فيه العقل الإنساني شبهًا تاما ونعتًا محققًا. ولكن الآداب تتنزل من المجموع منزلة النفس الإنسانية التي بها الحياة، والتي هي الكفيلة دائمًا بتحقيق النسبة بين العقل وبين أغراضه المعقولة وبين الأشياء التي هي مادة هذه الأغراض. فالآداب لا تكون في الإنسان إلا شرائع، ولكن الإنسان إذا عري من الأدب النفسي، فربما شرع لنفسه ما لا يصنع الشيطان أخبث منه بل ما يركض فيه الشيطان ركضًا؛ وقلما انتفع من لا أدب له بشريعة من الشرائع وإن كانت في الغاية التي لا مذهب وراءها في تهذيب النفس ودرء المفسدة عنها بحسم مادتها أو ما سبيلها أن ترد به، ومن تقويم الطباع، وتثقيف الأخلاق، وتثبيت الإرادة، وتعيين الحد النفسي لكل منزع إلى الخير وإلى الشر، حتى تستوضح للمرء مذاهب نفسه، فيمضي إذا مضى على بينة، ويعدل إذا عدل عن بينة١. وانظر ما عسى أن يكون موقع الشريعة من نفس ترى أن كل

стр. 344

هذه الآداب التي توجب لها المنافع على الناس مجتمعين لا توجب عليها للناس منفعة. من أجل ذلك كانت آداب القرآن ترمي في جملتها إلى تأسيس الخلق الإنساني المحض الذي لا يضعف معه الضعيف دون ما يجب له، ولا يقوى معه القوي فوق ما يجب له، والذي يجعل الأدب عقيدة لا فكرًا إذ تبعث عليه البواعث من جانب الروح، ويجعل وازغ كل امرئ في داخله، فيكون هو الحاكم والمحكوم، ويرى عين الله لا تنفك ناظرة إليه من ضميره. وبين أن الاجتماع إنما هو شيء روحاني، وأن الأمة لا تجتمع إلا بقوة من قوى التجاذب الروحي، تبنى عليها الأغراض الاجتماعية التي هي المبادئ الأولى في الحياة، وعلى حسب الصفة الروحانية التي يقوم بها الاجتماع، ثم قوة المادة الروحية فيها، يكون أمر هذا الاجتماع إلى القوة أو الضعف، وإلى الثبات أو الاضطراب، وإلى أن يكون مستحصدًا أو منتكثًا. وعلى قدر ما يفقد من صفته يفقد من نفسه، فإذا زالت تلك الصفة وانسلخ منها، تعاورته صفات المادة فصار كالشيء المادي الذي تعمل فيه كل الأسباب الظاهرة تركيبًا وتخليلًا، فلا يتصل الفرد بغيره من الأفراد اتصالًا ثابتًا لا تنفصم عروته، ثم لا يكون من الأفراد إلى مجموع فرد إلى فرد على هذه الصفة عينها، وما من شعب منحط إلا وهو مثال لهذا الاجتماع المادي الذي يمتاز أكثر ما يمتاز بالصفة العددية وما كان من أسبابها مما هو علة الضم، والضم وحده لا يغني في الاجتماع شيئًا. وأنت إذا تدبرت هذه القوة الروحية في آداب القرآن الكريم، واعتبرتها بمأتاها في الطباع، ومساغها إلى النفوس، واشتمالها على سنن الفطرة الإنسانية، فإنك تتبين من جملتها تفصيل تلك المعجزة الاجتماعية التي نهض بها أولئك الجفاة من العرب فنفضوا رمال الصحراء على أشعة الشمس في هذا الشرق كله؛ فحيثما استقرت مها ذرة وقع وراءها عربي! بل نفضوا أقدامهم على عروش الممالك، وهم كانوا بين داع للصنم وراع للغنم، وعالم على وهم، وجاهل على فهم، وبين شيطان كأنه لخبثه مادة لوجود الشيطان، وإنسان كأنه لشره آلة لفناء الإنسان، فما زالوا يبسطون تلك الجزيرة حتى بلغت أضعافها، وما زالوا بالدنيا حتى جمعوا إليهم أطرافها. وليس من دليل في التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلًا اجتماعيا كذلك الجيل الأول في صدور الإسلام، حين كان القرآن غضا طريا، وكانت الفطرة الدينية مؤاتية، وكانت النفوس مستجيبة، على أنه جيل ناقض طباعه، وخالف عاداته، وخرج مما ألف، وخلق على الكبر خلقًا جديدًا، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها والتجارب جميعًا، والعلوم قاطبة، لم تنشئ جيلًا من الناس ولا جماعة من الجيل ولا فئة من الجماعة كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله ﷺ : في علو النفس، وصفاء الطبع، ورقة الجانب، وبسط الجناح، ورجاحة اليقين، وتمكن الإيمان، إلى سلامة القلب، وانفساح الصدر، ونقاء الدخلة، وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون الإنسان

стр. 345

من طهارة الخلق، ثم العفة في مذاهب الفضيلة، من حسن العصمة، وشدة الأمانة، وإقامة العدل، والذلة للحق، وهلم إلى أن تستوفي الباب كله. وهذا على كثرة عديدهم، وترادف تلك الآداب فيهم، وتظاهرها على جميعهم، واستقامتهم لها بأنفسهم؛ وإنما يكون مثل الرجل الواحد منهم في الدهر الطويل، وفي الجيل بعد الجيل، وإنه على ذلك ليكون في الأرض نادرة الفلك، بل يجعل هذه الأرض مثال السماء؛ لأنه في نفسه مثال الملك. وماذا تريد من علوم الأخلاق وعبر الاجتماع وفلسفة التربية وآداب السلوك وما إليها مما يبتغى ذريعة في كل وجه من إصلاح الإنسانية، إذا كانت كل هذه إنما تلتمس الناقص أو المعوج أو الفاسد، أو الضال، فتتمه وتقيمه وتصلحه وتتنصح إليه على طريق من الجدل والمدافعة والبرهان، إن هي أغنت في قليل لم تغن في كثير، وإن أقنعت العقل لم تبلغ من القلب مبلغًا ولا تؤخذ إلا على أنها ثقاف ودربة وتمكين، وما كل الناس يحسن أن يقوم على نفسه بنفسه هذا القيام، وهي بعد وإن كانت علمًا غير أنها بسبيل ما عداها من العلوم التي تنقص منها التجربة ويشوبها الاجتماع ويفسد عليها الظن والتأول. فكل كتاب من كتبها خيال رجل كامل على الحقيقة؛ ولكنك إن ذهبت تلتمس ذلك الرجل في عالم الحس العلمي الذي يتأدب بتلك الكتب ويكون في الواقع هو صورتها وتكون هي معناه لم تقع على اسمه ولو سألت ملائكة "اليمين" جميعًا؛ إلا أن تصيب ذلك في الفرط والندرة. وإنما كان ما علمت، لقصور هذه الآداب عن استبطان حقائق الفطرة الإنسانية، والكشف عن دخائلها، واستنارة دفائنها، وتمثل مذاهبها النفسية على الوجوه التي تذهب إليها هي لا تلك الوجوه التي يمضي فيها النظر والتأمل والحدس والقياس والتنظير ونحوها من وسائل العلماء إلى الاستنباط والاستنتاج وإلى القطع والتقرير، حتى خرجت تلك الآداب من أن تكون آدابًا إلى أن صارت قضايا متداخلًا بعضها في بعض، وأقيسة يفضي بعضها إلى بعض، فصارت كالشيء المختلف الذي لا ينفك يخذل بعضه بعضًا؛ لحملها على العقل دون الخلق، واعتمادها على جملة الفائدة دون الطريقة التي تنتهي إلى الفائدة، وبذا ضعفت آثارها في النشء من دون الطفولة، فضلًا عن ذوي العنفوان من الأحداث ومن أغفال الرجال، إذ لم تمازج أنفسهم! ولا داخلت طبائعهم المتطلعة التي إنما يكون الشر بها شرا، فلم تثبت ثبات العادة، ولا أغنت غناء الدين، وبقيت التربية الطبيعية كما هي: للدين والعادة١. وإنما انفردت آداب القرآن الكريم في ذلك الجيل الذي عرفت من خبره بالأسلوب الذي تناولها فيه، مما يشبه في صفة البيان أن يكون وحيًا يوحى إلى كل من يفهمه ويقف عنده متثبتًا بحال من الرأي، وفحص من النظر وبإدمان التأمل، وأخذ النفس بالتردد في أضيق ما بين الحرف والحرف من المسافة المعنى لدقة النظم وإبراع التركيب، إلى ما يبهر الفكر ويملأ الصدر عجبًا؛ وهذا تفسير ما جاء

стр. 346

في الأثر من أن "من قرأه فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه". وذلك -أي: ما وصفناه من شبه الوحي- ظاهرة التحقيق فيمن تدبر القرآن من أهل الذوق في اللغة والبصر بأسرارها والمعرفة بوجوه الخطاب والحنكة في سياسة المنطق، فكيف به في قوم كالمضرية من هذه العرباء: تنبع اللغة من ألسنتهم، وتجري الفصاحة على ما أجروها، وتنزل البلاغة على حقوقها وعلى أماكن حظوظها من حكمهم ورضاهم، وهم بعد ذلك من هم في تصريف القول والافتنان فيه، وسعة الحيلة في التأني لإبرازه واجتماعه على الغاية، حتى تعود الجملة الطويلة لفظًا واحدًا، والمعنى البعيد لحظًا قريبًا وحتى تصير حروفهم كنبض البرق في اشتماله ما بين أقطار السموات، على أنه إشارة ودون الإشارة؛ ثم كيف بذلك في قوم كأولئك العرب وهم كانوا من حس الفطرة بحيث يفسخ البيان عقد طباعهم، وينض قواهم المبرمة، ويرخي معاقدهم الوثيقة؛ بل كيف به يومئذ، وقد كانوا يأخذونه عن لسان أفصح خلق الله منطقًا، وأصحهم أداء، وأجملهم إيماء، وأبدعهم في الإشارة، وأبينهم في العبارة, وهو ﷺ كان بينهم مظهر خطاب الله لأولي الألباب، وتفسير كل ما في القرآن من الأخلاق والآداب. بذلك استطاع القرآن أن يؤلف من العرب -وكانوا بشرًا لا نظام لهم- أكبر جماعة نفسية عرفها تاريخ الأرض وفي تاريخها على حساب ذلك في روعته وغرابته وقوته وفائدته، إذ وجدت من آداب القرآن قلبًا اجتماعيا عاما استولى على ما فيها من التصور والفكر والإدراك والاعتقاد، وأحالها كلها فكرًا واحدًا يستمد قوته من الخلق الذي قام به لا من العقل الذي ينشأ عنه؛ وليس يخفى أن العقل هو مظهر تاريخ الأمة، ولكن الخلق دائمًا لا يكون إلا مصدر هذا التاريخ، فلا جرم لم يثبت تاريخ أمة من الأمم إذ لم يكن قائمًا على هذا الأصل المستحكم وكانت الأمة غير ذات أخلاق. وإنما صح هذا؛ لأن الصفات الأخلاقية ليست إلا قطعة العمل التي ينسجها الفرد من خيوط أيامه في ثوب التاريخ التي تحوكه الأمة لنفسها من أعمار أبنائها، والخلق هو بطبيعته مادة هذا النسيج في الأمة كلها؛ لأنه وحده الذي يحقق الشبه بين طبقات هذه الأمة نازلها وعاليها من قاصيه إلى قاصيه فهو في الفرد صفة الأمة وفي الأمة حقيقة الفرد. ولا يشتد القرآن الكريم في شيء فيجيء به على العزيمة القاطعة التي لا مساغ للعذر فيها ولا وجه للتعلل عندها، كما تعرف ذلك منه في الأخذ بالأخلاق الاجتماعية، فإنه لم يجعل في أمرها على الناس هويداء ولا رويداء، بل أمضاها وأعلنها ورفع من شأنها وجعلها من عزائمه، حتى لا يشك فيها من عسى أن يشك في غيرها، ولا يرتاب من ربما كانت الريبة من أمره، وحتى إنه لما وصف النبي ﷺ بأبلغ الصفات وأشرفها وأسناها، لم يزد على قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . فكان الأصل الأول فيه لهذه الأخلاق هو "التقوى"١. وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين

стр. 347

الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقاتها في أكثر آياته القرآنية والاجتماعية؛ والمراد بها أن ينفي الإنسان كل ما فيه ضرر لنفسه أو ضرار لغيره، لتكون حدود المساواة قائمة في الاجتماع، لا تصاب فيها ثلمة ولا يعتريها وهن: وكل ما أصاب الاجتماع من ذلك فإنما يصيب الدين بديا؛ لأن هذه التقوى هي مصدر النية في المؤمنين بالله، فإذا اعتدوا ظالمين ولم يحتجزوا من أهوائهم وشهواتهم التي لا تألوهم خبالًا ولا تنفك متطلعة منازعة، فإنما ينصرفون بذلك عن الله، ويغمضون في تقواه ويترخصون في زجره ووعيده، فكأنهم لا يبالونه ما بالوا أمر أنفسهم، وكأن ضمير أحدهم إذا لم يحفل بتقوى الله لا يحفل بالله نفسه، وهو أمر كما ترى. يريد القرآن أن يكون المنبع الإنساني في القلب، ثم أن يبقى هذا المنبع ما بقي صافيًا ثرا لا يعتكر ولا ينضب، كأنما في القلب سماء ما تزال تمد له من نور وهدى ورحمة. وهذا الأصل -أصل المساواة- هو الذي كشفه القرآن بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فانظر كيف أبان عن المساواة الطبيعية التي لا يملك بحال من الأحوال أن يفرق فيها الجنس الإنساني كله وهي الخلق من "الذكر والأنثى": وكيف وصف الغاية الاجتماعية للناس شعوبًا وقبائل بأنها "التعارف"، لم يزد على هذه اللفظة التي لا تشذ عنها فضيلة من فضائل الاجتماع قاطبة ولا تجد رذيلة اجتماعية يمكن أن تدخل في مدلولها ولن تجدها إلا منصرفة عنها في الغاية. ثم تأمل كيف أقام هذا الأساس الأدبي العظيم، فجعل أكرم الناس المتساوين جميعًا في الحالتين الفردية والاجتماعية، هو أتقاهم، أي: أعظمهم خلقًا، لا أوفرهم مالًا، ولا أحسنهم حالًا، ولا أكثرهم رجالًا، ولا أثقبهم فهمًا، ولا أعلمهم علمًا، ولا أقواهم قوة، ولا شيء من ذلك وأشباه ذلك مما لا يتفاضل به الناس على التحقيق إلا في إدبار الدولة واضطراب الاجتماع وفساد العمران، ويكون مع ذلك كأنه دربة لهم أن يتباينوا بعد هذه الفضائل المشوبة بالرذائل صرفة لا شوب فيها!. ولا يمكن أن تفسر "التقوى" على التحديد والتعيين في كلمة تستوعب كل معانيها وما يتصل بها إلا كلمة واحدة، هي "الخلق الثابت" ومهما أدرتها على غير هذه الكلمة من أسماء الفضائل كلها فإنك لا تجد اسمًا واحدًا يلبسها لا فاضلة عنه ولا مقصرًا عنها. لا جرم أن هذا الأصل الاجتماعي الذي انشعب من المساواة كما رأيت في نظم الآية، هو الأصل الذي انشعبت منه كل فضائل المساواة والحرية، وإنه لذلك مقدم على الإيمان، إذ لا إيمان لمن لا تقوى له، وأنه يقضي بكل أنواع الحرية التي تفيد الاجتماع، وكلها مقرر بأصوله في القرآن الكريم، غير أن الذي ننبه عليه من فضيلة التقوى أو الخلق الثابت في القرآن؛ أنه جعل أبعد الأشياء عن موافقة الطباع الموروثة وما لا بد للنفس الإنسانية في التخلق به من الكد والمعاجلة ومن شدة الاعتصام في مدافعة أخلاقها وعاداتها الحيوانية التي هي أصل الفطرة وغريزة الجبلة أن هذا كله في وصف الفضيلة وجماع الأمر لا يزيد عن كونه "أقرب للتقوى" وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ والشنآن: العداوة والغضب، وما في حكمهما.

стр. 348

وهذا على أنها "من قوم" لا من فرد كما ترى في الآية الكريمة؛ فينطوي في هذه الإضافة الحرب والاستعمار وغيرهما فتأمله. ثم اعتبر القرآن أن خير الأمم على الإطلاق إنما هي الأمة التي تتبسط في مناحي الاجتماع على هذا "الخلق الثابت"، فإن مرجع التقوى في مظاهرها الاجتماعية إلى شيئين: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وهما المبدأ والغاية لكل قوانين الآداب والاجتماع، ثم مرجعهما في حقيقة نفسها إلى شيء واحد، وهو الإيمان بالله؛ فالأمة التي تكون لأفرادها فضيلة التقوى، تكون لها من هذه الفضيلة صفات اجتماعية مختلفة يؤدي مجموعها إلى صفة تاريخية واحدة، وهي أنها خير أمة، على هذا جاء قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فتأمل كيف قدم وأخر؛ فإنك لا تجد هذا النسق إلا ترتيبًا لمنازل الفضيلة الاجتماعية الكبرى تجعل الأمة في نفسها خير أمة، وبالحرى لا تجد هذا الترتيب إلا نسقًا في وصف الآداب الإسلامية التي جعلت أهلها الأولين حين اتبعوا وأخذوا بها خير أمة في التاريخ، بشهادة التاريخ نفسه. وإنما أركان الفضيلة الاجتماعية الكبرى في ثلاث, كلها حرية واستقلال: ١- استقلال الإرادة وقوتها وهذا هو الذي يكون عنه "الأمر بالمعروف"١ لا يكون بدونه ألبتة. ٢- استقلال الرأي وحريته، ويكون منه "النهي عن المنكر" ولا يمكن أن يكون بغيره. ٣- استقلال النفس من أسر العادات والأوهام، بالنظر والفكر في مصنوعات الله، ولا يكون الإيمان إيمانًا على الحقيقة بدونه ثم هذا الإيمان هو الذي يسند الركنين المذكورين آنفًا ويشدهما ويقيم وزنهما الاجتماعي، فيبعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بثقة إلهية لا يعترضها شيء من عوارض الاجتماع التي تعتري الناس من ضعف الطباع الإنسانية، كالجبن والنفاق، والخلابة والمؤاربة، وإيثار العاجلة. ونحوها مما ينقم الناس بعضهم من بعض, وإذا اعترضها من ذلك شيء لا يقوم لها ولا يصدها عما هي بسبيله, فإن كل هذه الصفات ليست من الإيمان بالله ولا تتفق مع صحة الإيمان، بل هي أنواع من العبادة للقوي والعزيز والمستبد، وللشهوات والنزعات وما إلى ذلك, ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ارجعين إلى الإيمان بالله دخلًا في الأهواء الإنسانية، فتجيء بها علة وتذهب بها علة، فيعود أمر الإنسانية إلى التأكل والمهارشة والنزاع الحيواني, فإن الحيوان في كل ما يسطو به إنما يأمر بمعروف هو معروفه وحده وينهى عن منكر هو منكره وحده. فانظر هل جاءت علوم الفلسفة والاجتماع بعد ثلاثة عشر قرنًا من نزول القرآن بما ينقض هذه

стр. 349

الحقيقة؟ وهل قررت إلا تفسيرها١ بوجوه ضعيفة مضطربة لا تبلغ في الكمال مبلغًا ولا تقارب هذا المبلغ؟ وهل في الآداب الآنسانية التي قامت عليها الأمم لهذا العهد مثل أن تكون سعادة الإنسان في منفعة الناس، وإن احتمل في ذلك المكروه واقتحم الصعاب وبذل من ذات نفسه وحفظ من حق غيره ما يضيعه ولو ضاع هو فيه، وذكر من واجبه ما ينساه ولو كان ذلك مما يفقده وينسبه، ثم لا يكون هذا حتى يكون مقدمًا على سعادة نفسه التي هي الإيمان، تقدم السبب على المسبب: كما يؤكد ذلك نسق النظم في الآية الشريفة التي مرت بك ... اللهم إنه دينك الذي شرعته بكتابك المعجز، بل دين الإنساية الذي قلت فيه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . تلك جملة من القول في الخلق والعقل؛ فلما ضعفت أخلاق القرآن في نفوس أهله، لم ينفعهم العقل الذي أفادوه من استفاضة العلوم بينهم واستبحار فنونها، ولم يغن عنهم من الخلق شيئًا، بل كان لهم ما تم للدولة الرومانية في عصر الإمبراطورية الأول، الذي ترجع إليه أسباب المجد لهذه الأمة في العلوم والآداب، إذا امتاز بطبقات من النوابغ فيه، وترجع إليه كذلك أسباب انحلال هذه الدولة واضمحلالها معًا إذا كان لها يومئذ من ضعف الخلق أكثر مما كان لها من قوة العقل، والبناء إذا نهض وطال إلى ما لا يحتمله الأساس، فإنه يعلو غير أن علوه لا يكون من بعد إلا سببًا في سقوطه! وما فرط المسلمون في آداب هذا القرآن الكريم إلا منذ فرطوا في لغته، فأصبحوا لا يفهمون كلمه، ولا يدركون حكمه، ولا ينزعون أخلاقه وشيمه؛ وصاروا إلى ما هم عليه من عربية كانت شرا من العجمة الخالصة واللكنة الممزوجة، فلا يقرون هذا الكتاب إلا أحرفًا، ولا ينطقون إلا أصواتًا، وتراهم يرعونه آذانهم وهم بعد لا يتناولون معاني كلام الله إلا من كلام الناس، وفي هؤلاء الجاهل والفاسق والوضاع والقصاص وذو الغفلة والمتهم في دينه وفهمه، ومن أكبر عرضه من القرآن حجج المخاصمة وبينات الجدل في مقارعة أو الرد على مذهب أو التأول لرأي أو النضح عن فئة، أو ما يشابه ذلك! وأولئك جمهور من يفهم عنهم المسلمون إلا نادرًا، ولا حكم للنادر٢.

стр. 350

وماذا أنت صانع بأحكم ما في الحكمة، وأبين ما في البيان، وأسد ما في الرأي، وأبدع ما في الأدب، وأقوم ما في النصيحة، وبما هو التام الجامع لكل ذلك, إذا جعلت تملأ به مسامع الناس وأنت لا تصيب فيهم وجهًا من وجوه الاستواء، ولا تملك إليهم سببًا من أسباب التأثير، ولا تقع منهم بالحكمة والبيان والرأي والأدب والنصيحة، وبما هو الزمام عليها، إلا في فنون من جهل الجهلاء ولغط العامة وأوهام السخفاء، وفي انتقاض الطباع واختلاط المذاهب، فلا تجد إلا قلوبهم مساغًا ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ . لا جرم كانت هذه علة العلل في أن القرآن الكريم لم يعد له من الأثر في أنفس أهله ما كان له من قبل، ولا بعض ما كان له؛ إذ لم يتدبروه بمثل القرائح التي أنزل عليها، أو بقريب منها في الذوق والفهم والبصر بمواقع الكلام، ولم يجروه من ذلك على حقه، بل أصبحوا لا يستحون من الله أن يجعلوا قراءة كتابه ضربًا من العبادة اللفظية يرجون عند الله حسابها؛ ويبتغون في الأعمال ثوابها، ولا يشكون أنهم يستفتحون يوم القيامة بابها، على أنهم ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ . ذلك وجه الإعجاز الأدبي في القرآن، وهو متصل باللغة اتصالًا سببيا كما رأيت؛ ثم هو من وراء الجنسية العربية التي بسطنا القول فيها؛ لأنه تحقيق تلك العصبية الروحية، أما حقيقة هذا الإعجاز مما يتعلق بحال الآداب نفسها وكونها آداب الفطرة المحضة التي تماد الزمن؛ لأنها مادة الإنسانية؛ ولأنها فصل ما بين الإنسان في حيوانيته وبين هذا الحيوان الناطق في إنسانيته؛ فالقرآن كله برهان هذه الحقيقة، ونحن ملمون بها إلمامًا على ما بنا من الضعف، وعلى ما بها من القوة، وعلى أنه ينبغي أن تكون الإفاضة فيها غرض كتاب برأسه في بيان ما هي الجهات المتقابلة من علوم التربية والاجتماع وفلسفة الشرائع، فإن هذه العلوم بما انتهت إليه وعلى جملتها وتفصيلها، ليست إلا شروحًا مبسوطة للمبادئ القليلة التي هي ملاك الآداب، والتي حصرها القرآن حصرًا محكمًا, وجاء بها على سردها وجهاتها، كما يتبين ذلك من يقرؤه قراءة بحث وتأمل؛ ومن زعم أن هذه الآداب علم أو هي تكون علمًا فلا يقصر سبيل الحجة إليه طول الخصومة في زعمه مهما أطلنا؛ فإن أصل الأمر في الآداب حالة النفس لا حالة العقل١؛ وكم رأينا في أجهل الناس من سلامة النفس ورحب الذرع وإخلاص الطوية وصدق اللسان والقلب وضروب من الآداب كثيرة، ما لم نر بعضه ولا الخالص من بعضه في العلماء عامتهم أو أكثرهم؛ وإنما ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .

стр. 351

وقوام الإنسانية في رأينا بثلاث، هي جملة ما ترمي إليه آداب القرآن: الأولى: تعيين النسبة الصحيحة في المساواة بين الإنسان والإنسان، حتى لا تكون القوة والضعف والسيادة والتعبد ونحوها من عوارض الاجتماع فاصلة فاصلًا طبيعيا بين فرد وفرد، وبين أمة وأخرى، فتقسم هذا الجنس أنواعًا متباينة بطبيعتها، ثم ينشق النوع إلى أجناس، ثم كل جنس بعد ذلك إلى أنواع، ويعمل الزمن عمله في تمكين هذه الطباع بالوراثة، وفي توكيدها بما يستحدثه نظام الاجتماع في القبائل والشعوب، فإذا الأرض بعد ذلك غير الأرض، وإذا الإنسان مع تقادم الدهر غير الإنسان، وإذا طبيعة ليس فيها لتنازع البقاء غير معنى واحد معكوس، وهو بقاء التنازع ... الثانية: حياطة هذه النسبة الإنسانية فيما يبتلى به الإنسان من الخير والشر فتنة، حتى لا يحيف القوي ولا يستيئس الضعيف، ولتنصرف رغائب الأمم على تباينها في السياسة إلى جهة من هذه النسبة المعينة، فلا تكون وقائع السياسة وأحداث الاجتماع، وما إليها من الهزاهز، كالحروب ونحوها، إلا عملًا إنسانيا يبتغى به دفع اعتداء وإقرار حق ورد باطل وتقويم زيغ، إلى أمثالها مما هو في حدود المرحمة والمبرة، وليس يعدو بحال من الأحوال أن يكون وسيلة من وسائل الزجر والتأديب، إذ قد خلا من ابتغاء الهلكة ورغبة الفناء وإبادة الخضراء، ونرئ من معايب هذه السياسة الحيوانية التي لا تقوم لها قائمة إلا باعتراض الغفلة وانتهاز الضعف وبالكيد والمخاتلة، وتنزه مع ذلك عز دناءة المقصد وسفال الغاية وسوء الذريعة، وعن الخبث الإنساني في الجملة. الثالثة: حد هذه النسبة في الإنسان بالقياس إلى القوة الأزلية، حتى يتحقق معنى المساواة فيها، فإن كل ما هو أدنى فهو سواء في النسبة إلى ما هو أعلى وإن اختلف مع ذلك في نفسه وبان بعضه من بعض. ولولا هذا الحد لما أمكن أن يجمع الناس على آداب يكون من غايتها أن تحوط الإنسانية فيهم، إذ يبعدون هذه الإنسانية من قلوبهم إلى ما وراء إنكارها والتكذيب لها، فلا يبقى لآدابها وجه تعتبر منه أو يؤخذ به في أمرها، ومن ثم لا تكون الإنسانية إلا الغلظة والفظاظة في الأقوياء، وإلا الذلة والمسكنة في الضعفاء، وتكون كل ذرة تسقط على الأرض من نعل القوي تفتح في الأرض قبرًا لرجل ضعيف، فلا تعمل في العمران يومئذ إلا آلات الهلاك والدمار، حتى يبقى الإنسان من الدنيا كأنه في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا١ ولذا كانت الأديان الإلهية كلها متفقة في حد هذه النسبة التي أشرنا إليها، بل كان هذا الحد أساس الاعتقاد في جميعها؛ لأنه أساس كل نظام إنساني في الأرض. وهذه الثلاث فإنما هي جماع ما تقول به الإنسانية المحضة في صفاتها الإلهية التي هي غريزة النفس وصلة ما بين المخلوق والخالق، ولذا أمكن أن تكون ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وأن تكون من آداب كل عصر وجيل، لا تعترضها حدود الزمن؛ ولا ينال منها تقلب الأيام؛ ولا تغادر الدهر أن يراها الإنسان من نفسه بحيث وضعها الله، وهي بعد أمهات الفضائل وأصلها الذي تنشق

стр. 352

منه. وقد نرى هذه الفضائل الاجتماعية على اختلافها أطوار الناس، على تفاوت مقاديرها فيهم، كيف تلتقي إلى هذه الثلاث؛ وكيف تدور عليها حتى لا يقطع على الرذيلة بأنها رذيلة إلا إذا كانت تعدو على جهة من تلك الجهات في سبيلها أو غايتها، فأما أن تكون في الأرض رذيلة لا تفسد شيئًا من ذلك ولا تلم به، فهذا ما لا يكاد يصح في عقل صحيح. وأنت إذا تدبرت آداب القرآن الكريم حيث أصبتها منه، رأيتها قائمة على تلك الثلاث جميعًا، فإن روح هذه الآداب كلها في ثلاث كلمات من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. فليس في الناس اختلاف كاختلافهم في كل ما يرد إلى تعيين حقيقة النسبة في المساواة بين الإنسان والإنسان، وما الظلم والتعسف والمكابرة والمخاتلة، ولا كل الرذائل الاجتماعية، إلا مظاهر متعددة لهذا الاختلاف بعينه؛ ولا القوانين والعادات والشرائع وكل الفضائل الاجتماعية، إلا وسائل مختلفة لتبين هذا الاختلاف على حدود بينة من الحق، وهيهات أن يكون للناس هدى إلا بالطرق التي يتخذونها لحياطة تلك النسبة ويأخذ بها بعضهم بعضًا, وهيهات أن يصيبوا أثرًا من الرحمة لأنفسهم إلا بحد تلك النسبة وإقامة هذا الحد على التقوى التي هي مظهر الإيمان فيما بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. وكل الوسائل التي تعمل في النهضة الإنسانية فإنما هي ترجع إلى ثلاث كلمات تقابل تلك الثلاث أيضًا وهي: صلة الحرية بالشريعة وصلة الشريعة بالأخلاق وصلة الأخلاق بالله, وعلى تفصيل هذه الثلاث جاءت آداب القرآن الذي لو بلغت الإنسانية في وصفه بما وسعها ما بلغت مثل قوله تعالى فيه: ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فانظر كيف يكون تصوير العاطفة وتأثيرها العصبي وما وراء تأثيرها. لا غرو كان هذا القرآن من أجل ذلك إنما يصف جمل الآداب، أي: الكليات الأدبية التي تلائم الفطرة في مختلف أزمانها، ولا يقرر الأخلاق تقريرًا وضعيا على أسلوب الكتب والمصنفات، فيضعها على أن لها قواعد وضوابط وأشباه القواعد والضوابط، مما هو مثار الاختلاف ومبعث الفرقة في مذاهب الحكماء، ومما لا تكون الآداب معه إلا معادة على الناس في كل عصر بنوع من التنقيح وضرب من التغيير يناسبان اختلاف كل عصر عن الذي قبله، بل إن المعجزة في هذه الآداب الكريمة أنها تقرر الأخلاق تقريرًا عاما، فيصفها القرآن على أنها هي القواعد لغيرها، والضوابط لما يبتنى عليها، ويوردها في أحسن الحديث؛ ويعترض بها وجوه القصص ويقلبها مع أغراض الكلام ثم لا يكون في ذلك وجه من وجه الخلاف بينها وبين الفطرة الإنسانية، على ما في تلك الآداب من الإطلاق، وعلى أنها غير ملحوظ فيها دولة بعينها أو أمة بأوصافها، أو نحو ذلك من ضرور الحد والتعيين؛ فليس فيها من روح الزمن إلا روح الزمن كله بحيث لا يتأتى للفيلسوف ولا المؤرخ إلى أن يردها أحدهما أو كلاهما في جملتها إلى عصر بعينه لا تعدوه، أو يقصرها على حد تقفها عنده

стр. 353

الإنسانية وتتقدم بغيرها مما يقال فيه إنه الأصلح أو الأنفع، ولو أن الدهر قد فنى ثم نزع من كل أمة شهيد وعرضت عليهم آداب القرآن فقابلوها بفضائل آدابهم واعترضوا بعض ذلك ببعضه ثم قيل هاتوا برهانكم عليها، لأقر الزمن بألسنتهم جميعًا أنها الحق وأن الحق لله. من أجل ذلك تجد الخطاب الأدبي مطلقًا في القرآن كله كأنه نظام إنساني عام لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة وبين مقدار الحرية التي تنال بها، ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي، فإن إطلاق الحرية عبث، وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار، ولو سوغت كل أمة أن تقارف ما تريد بمقدار ما يهيئ لها ضعف غيرها من الحرية في بسط يدها لكان من ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير. وإن كل أمة اضطربت فيها الموازنة بين الحرية والمنفعة، فإنما يكون ذلك حاضر تاريخها مبدأ العبودية لغيرها؛ وهذا الأصل أرقى ما انتهت إليه علوم الاجتماع لهذا العهد. وكذلك كل ما في آداب القرآن الكريم من الأمر والنهي، فإنما يراد به ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بين؛ ولولا ذلك ما كانت هذه الآداب زمنية تحيي روح الزمن كله، بل لكانت من غير هذا العالم، فلا يستقيم لها بشيء ولا تستقيم هي لشيء١ ثم لا تكون في الناس إلا عنتًا وإرهاقًا ولا يتهيأ معها صرف ولا عدل، ولا يكون منها في الزمن إلا اسمها، وإلا الخبر أنها كانت يومًا فتلحق في التاريخ بباب الفضائل الذي لا يلجه إلا القليل، مع أن وراءه كل أسماء الحكماء والفلاسفة. والإنسان إنما يصرف ما يشاء من النواميس الثابتة لعالم المادة فيما يرجع بالنفع والضرر، فإذا أطلقت يده في ذلك فكأنه جزء ناقص من نظام الكون؛ أو جزء ينقصه شيء من هذا النظام؛ بيد أن الآداب إذا أحكمت صلته بذلك العالم المادي على وجه بين حلاله وحرامه، فلا ينحاز إلا في حد من الحدود المرسومة، ولا يبغي شيئًا لم تتعين تبعته، ولا يستدخل في أمر إلا وهو في ربقة من نظامه الاجتماعي٢ فإنه يكون قد استكمل حينئذ ما كان ينقصه، أو ما كان يجعله ناقصًا إن خلا منه، وما دامت الحياة مادة، فللمادة حكمها في الحياة. وما تدبر هذا القرآن أحد قط إلا وجده يطلق لكل إنسان -على القوة والضعف والعزة والذلة- إرادة اجتماعية أساسها الفضيلة الأدبية: حتى لا تكون بطبيعتها إلا جزءًا من الشريعة التي هي في الحقيقة إرادة المجموع، ولقد كانت تلك الإرادة الاجتماعية هي الحلم السماوي الذي أطبق عليه الموت أعين الفلاسفة وحكماء الأرض جميعًا، ولم يتحقق في غير ذلك الجيل الذي كان المثال الصحيح لآداب القرآن؛ إذ تمكنت منه الفضيلة الأدبية بمقدار ما يأتي لها أن تتمكن من نفس الإنسان، وبلغت فيه ما يتفق لها أن تبلغ من الفطرة؛ فكانت أعمالها مظاهر لتلك القوة التي سميناها "الإرادة

стр. 354

الاجتماعية" ولو أن العلوم كلها والفلسفة وأهلها كانت لأولئك العرب مكان القرآن لما أغنت شيئًا من غنائه، ولا ردت عليهم بعض مرده؛ فإن الفضيلة العقلية التي أساسها العلم، لا تعطي غير الإرادة النظرية التي ربما اهتدى بها المرء وربما ظل بها على علم، ولكن الفضيلة الأدبية تدفع إلى الإرادة العملية دفعًا؛ لأن هذه الإرادة هي مظهرها ولا سبيل لظهورها غير العمل، ومتى صحت إرادة الفرد واستقام لها وجه في الاجتماع، فقد صار بنفسه قطعة من عمل الأمة، ولا بد أن تكون الأمة القائمة بأفراد من أمثاله قطعة من عمل التاريخ الاجتماعي؛ وهذا بعينه هو الذي أنشأه القرآن في العرب من أنفسهم، وأنشأه من العرب في التاريخ، وهو وليهم بما كانوا يعملون. ومثل تلك الإرادة التي وصفنا لا تكون ولا وجه لكونها إلا أن يجعل هذا القرآن للمرء مبدأ قبل أن يجعل له شريعة، ثم لا يقيم الشريعة إلا على هذا المبدأ، فيكون المرء محكومًا بيقينه وفكره لا بظنه ولا بعادته؛ وبذلك يكون بناؤه الإنساني قارا في حيزه الإنساني. وأنه ليستحيل ألبتة أن لا يكون لأجهل الناس في قومه فكر اجتماعي ما دام له يقين ثابت في آداب المجموع. هذا، وقد أمسكنا عن التفصيل والشرح وانتزاع الأمثلة القرآنية في كل ما تقدم، تفاديًا من الإطالة واقتصارًا على غرض الكتاب، مما يجزئ قليله في الدلالة على كثيره، فإن الدلالة على الكثير وإن لم تكن هي إياه غير أنها تعينه وتصفه، ومن ضرب بالحدود على فضاء واسع من الأرض فقد أظهره حتى لا يخطئ النظر الهين أن يطبقه ويستوعبه، وإن كان فيما وراء ذلك من تعرفه وقياسه واستخراج مبلغ ذرعه ما يبلغ العنت؛ ما ليس في العنت أبلغ منه. وبالجملة فإن القرآن إنما يريد بآدابه وعظاته الإنسان الاجتماعي لا الصورة الإنسانية التي تخلقها العصور التاريخية والسياسية أصنافًا من الخلق، أو تفتري عليها ضروبا من الافتراء، فهو يريد كل ما فيه من الآداب الاجتماعية على هذه الجهة لا يعدوها، وليس فيه من آية من الأدب والأخلاق إلا هو يريغ بها ناحية من هذا المقصد، ومن أجل ذلك بقيت روح آدابه في أنفس المسلمين لا تغير في الجملة وإن تغيروا لها وانصرفوا عنها، كأنها فيهم طبيعة وراثية، ولقد كانت هذه الروح -ولم تزل- هي السبب الأكبر في انتشار الإسلام حتى بين أعدائه الذين أرادوا استئصاله، كالتتار والمغول وغيرهم ممن اشتدوا عليه ليخذلوه، ثم كانوا بعد ذلك من أشد أهله في نصرته والغضب له والدفع دونه، وهو الإسلام لا دعوة له من أول تاريخه إلى هذه الغاية، وإلى ما شاء الله، إلا القدرة التي هي مظهر آدابه أو روح هذه الآداب؛ فحيثما وجدت طائفة من أهله وجدت الدعوة إليه، وإن لم ينتحلوها ويعملوا لها من عملهم، وإن لم يتسخر هو من ورائهم الدعاة المنتخبين ولم يستحثهم للجولة بالعطايا والمنالات، ولم يقتطعهم من الدنيا ليترامى بهم إلى غرضه في كل شرق، وتلك دلالة صريحة على أنه الدين الطبيعي للإنسانية، إذ تأخذ فيه النفس عن النفس بلا وساطة ولا حيلة في التوسط ... وهي حقيقة زمنية لم يزل كل عصر يأتي الناس بدليلها، ولم يستطع أعداء الإسلام أن يكابروا فيها فكابروا في تعليلها! وبعد فما أفصح وأبلغ، وما أصح وأوضح ما ورد في صفة القرآن من قول رسول الله ﷺ : "فيه

стр. 355

نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل" ١. ونحن فما عدونا في كل ما قدمناه تفسير هذه الكلمات القليلة، وإن فيها بعد لفضلًا فاضلًا، لو وجد له فاضلًا، وقولًا طائلًا، وأصاب له قائلًا.
следующие страницы →