← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٢٥ المترادف آراء في الترادف، الفروق اللغوية بين المترادفات، لا ترادف في اللغة ولكنها أسماء وصفات، الترادف الجملي والترادف اللفظي، أكثر العلماء على إثبات الترادف مطلقًا، مناقشة هذه الآراء، أسباب الترادف، المترادف نوعان، أمثلة وإحصاء، النوع الثاني من المترادف، تأليف العلماء في المترادف. ١٢٧ المشترك ١٢٨ المشجر والمسلسل ١٢٩ الأضداد ١٣٢ الدخيل أسباب الدخيل، تصرف العرف في الدخيل، أمارة الدخيل. حروف لا تجتمع في كلام العرب، اللغات التي دخل منها على كلام العرب، دخيل له رديف في لغة العرب. ١٣٤ الدخيل في الإسلام في أيام العباسيين، دار الحكمة والكتب المترجمة، ترجمة الأعلام، الكتب التي وضعت في الدخيل. ١٣٦ المولد ١٣٦ الألفاظ الإسلامية مصطلحات أهل الفنون. النقل المجازي في الجاهلية، كلمات عربية كرهوا النطق بها في الإسلام. ١٣٨ أمثلة المولد وكتبه ١٣٨ الغريب المولد: من توليد المفسرين ١٤٠ تمدن العرب اللغوي: فلسفة الفصل شروط التمدن الاجتماعي. ١٤٢ بعض وجوه التمدن مراعاة النسب الللفظي بين الحروف، عناية الحروف، عناية العرب بالألفاظ دون المعاني، مناقشة هذا الرأي، الاقتصاد اللغوي، حركات الإعراب، حركات التصريف، حركات الفروق التي تنوع المعاني، تصرف العرب في حروف المعاني، المبني للمجهول، المجرد والمزيد، صيغة المفاعلة، عذوبة لغة العرب، التثنية والجمع بأنواعه

стр. 282

١٤٥ أسرار النظام اللغوي ١٤٥ نظام الألفاظ بالمعاني ابن جني، الألفاظ المتقاربة للمعاني المتقاربة، أنواع هذا التقارب، تصوير اللفظ على هيئة المعنى، مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، تشبيه أصوات الحروف بالأحداث المعبر عنها إلخ، حكاية الأصوات. ١٤٧ نظام المعاني بالألفاظ الألفاظ المعبرة عن المعاني الطبيعية في مختلف مراتبها، مراتب الحب، معاني السرور والغضب وما إليها، فقه اللغة للثعالبي، تحديد أجزاء المعاني بالاصطلاحات العلمية في هرم اللغات. ١٤٩ نظام القرينة سنن العرب، ألفاظ لمعان تعينها القرينة "قاتله الله" الجمع في موضع التثنية ونحوه، المشاكلة والاتباع، القلب. ١٥٢ اللغة العامية اللحن وأوليته، الإعراب في مناطق العرب ورأى العلماء في أمره، خرفشة النحاة، النحو والعروض في العرب العاربة، لا لحن في الجاهلية، أسباب شيوع اللحن، أمثلة من لحن الدواوين. ١٥٤ انتشار اللحن وضع النحو، النحو علم الموالي، أول لحن سمع بالبادية، اللحن في الدولة المروانية، اللحانون والبلغاء، أبناء الأمراء في البادية، الوليد بن عبد الملك، في الدولة العباسية، غناء الملاحين، أغاني الشعب، المتقعرون اللحانون من الرواة والنحويين، عامية أهل الأندلس. ١٥٩ فساد اللغة في البادية قال ابن جني. أعراب الحليمات، لحن الحجازيين، أعراب عكاد. ١٦١ طبائع الأعراب الأعراب الفصحاء لا يعرفون النحو وعلل الإعراب، امتحان الأعراب، أمثلة من ذلك، لحن الفرزدق، لغة الأعراب ولغة العامة، قال الجاحظ. ١٦٣ العامية في العرب لم يكن للعرب فصيح وعامي، سكان الريف من عرب الجاهلية فصاحة الأعراب بمقدار بعدهم عن بلاد العجم، مخالطة السوقة في الأمصار شر من مخالطة العجم.

стр. 283

١٦٥ شيوع اللغة العامية وفساد العربية أول العامية اللحن، اللحن في المدينة، تأثير الأمصار المفتوحة في لغة العرب، السوقي، الكتب المؤلفة فيما تلحن فيه العامة، اللحن في لسان الخاصة، فصاحة العامية في عهد الأمويين، الدولة العباسية والخراسانية، قال ابن خلدون، عامية المغرب والأندلس، الاعتبار الديني في حفظ اللغة. ١٦٧ لهجات العامية وأسباب اختلافها تاريخ التطور في عامية الشعوب، من قواعد العامية من شرق الأندلس، وراثة المنطق، علل الوراثة وطبيعة الإقليم، الإعراق في العجمة، قال ابن رشيق، العربية في الأندلس، ضعف اللسان ورخاوته، مخالطة الأعاجم، اختلاف أهل الأمصار، في التأثر بالمخالطة، فرنسية أهل الجزائر، عامية البدو، أنساب بقايا العرب في الأمصار، أثر الفصحى في تذهيب ألسنة المتعلمين. ١٧٥ الباب الثاني: الرواية والرواة ١٧٧ الأصل التاريخي في الرواية الباعث على توسع العرب في الحفظ، أكثر محفوظهم في المعاني النفسية، محفوظ اليونان، الكتابة والحافظة، الشاعر لسان قومه، رواة الجاهلية. ١٧٩ الرواية بعد الإسلام بدء علم الرواية، شروط الإسناد، التثبت في النقل، أبو هريرة، الرواية على عهد عثمان، الأحزاب والشيع، القصاص وأهل الأخبار، الزنادقة، أول من كذب على النبي. ١٨١ تدوين الحديث صنيع عمر بن عبد العزيز، كتابة الحديث، الصدور أوثق من الكتب، أول من قرر شروط الرواية، أول من جمع الحديث، كتاب الموطأ، ترتيب الحديث في التدوين. ١٨٢ الإسناد في الحديث سببه، تعدد طرق الرواية لتفرق الرواة في الأمصار. التبسط في فنون الرواية. ١٨٤ اتصال الرواية بالأدب أحفظ الصحابة للأنساب، أرواهم الشعر، ابن عباس، الإسناد في رواية الأدب. ١٨٥ أولية التدوين في الأدب صحيفة أبي الأسود الدؤلي، أول ما دون في الأخبار، كتاب زياد ابن أبيه، أول

стр. 284

التأليف في السير، وهب بن منبه، ابن إسحاق، كتاب العين في اللغة، الأنساب وأيام العرب، أول الكتب المسندة في الحديث، كتب أبي عمرو بن العلاء، الحافظ الزهري. ١٨٧ تاريخ الإسناد في الأدب إسناد نصر بن عاصم، الإسناد في المغازي، طبقة حماد وأبي عمرو، غريب الحديث، بدء الإسناد في الأدب، ليس في رواية الأدب سند يتصل بالجاهلية. ١٨٩ فائدة الإسناد إلى الرواة ١٩٠ حفظ الأسانيد في الحديث شيء من مصطلح الحديث، التخصيص في الرواية، حفاظ الأسانيد، نادرة. ١٩٢ حفظ الأسانيد في الأدب فرق ما بين الإسناد في رواية الحديث والإسناد في رواية الأدب. ١٩٣ أصل التصحيف الرواية عن الكتب، النقل والشكل، الصحفيون، ضعف الإسناد في الأدب، أبو محمد الأعرابي. ١٩٤ إسناد الكتب شروط الصحة في إسناد الكتب السماع، موفق الدين النحوي، ابن القطاع الصقلي، مقامات الحريري، أول من أدخل كتب اللغة والنحو إلى مصر. ١٩٦ الحفظ في الإسلام نوابغ الحفاظ في التاريخ، الأسباب الدينية في العرب، اختلاف قوة الحافظة، مشتقة الكتابة وأثرها في تقوية الحافظة، بدء تاريخ الحفاظ، ابن عباس صاحب السبعين الأولى، حديث عن أصحاب المئات، الشعبي, نوادر عن الحفاظ، حماد، الأصمعي، أبو محلم الشيباني، بندار بن عبد الحميد، بانت سعاد، ابن الأنباري، حفظ الكتب، نادرة. الفيروزآبادي، أثر الحفظ في التأليف، سنة يجب أن تعود! ٢٠٣ علم الرواية مصطلح الحديث، أول من قرر شروط الرواية، أول من صنف، رواية الأدب، ما شرطوه في ناقل اللغة. ٢٠٤ تقاسيم الرواية ٢٠٥ وظائف الحفاظ في اللغة

стр. 285

الإملاء. الإفتاء في اللغة، الرواية والتعليم، رواية الأكبار عن الأصاغر، مراتب هذه الوظائف. ٢٠٧ طرق الأخذ والتحمل السماع، القراءة على الشيخ، السماع على الشيخ بقراءة غيره، الإجازة، الإجازات و"الشهادات"، نموذج من الإجازات، المكاتبة، الوجادة. ٢٠٩ رواية اللغة تاريخ لفظتي: اللغة واللغوي. وفود العرب على النبي، تفسير القرآن وغريب الحديث، ابن عباس ونافع ابن الأزرق، في وضع النحو، أبو الأسود، الخليل بن أحمد واضع "علم اللغة". ٢١٢ الأخذ عن العرب علم العرب والقائمون عليه. تتبع اللغات والسماع من العرب، تجريد القياس. ضعف اللغة في الحضر. طبقات الرواة. ٢١٤ الرحلة إلى البادية بين البصريين والكوفيين، بدء الرحلات إلى البادية، الاقتداء بأصحاب الحديث, تحصيل الشواذ والنوادر، القبائل التي أخذت عنها اللغة، قبائل مشكوك في خلوص عربيتها، أقدم من رحل إلى البادية، رواة الطبقة الرابعة، انتهاء الرحلة إلى البادية. ٢١٦ فصحاء الأعراب تكلف البلغاء محاكاة الأعراب، طروق الأعراب على الحضر، أول الطارئين منهم، إذا تحضر الأعرابي فسدت لغته، الأعرابي لا ينطق الخطأ ولا يتأتى له، ولا ينطق بغير لحن قومه، ولا يفهمه، مثال. ٢١٩ المحاكمة إلى الأعراب تصحيح القياس وضبط الألفاظ وتحقيق المعاني, المسألة الزنبورية, الأعراب في مجالس الأمراء, فساد لسان الأعراب في القرن الخامس. ٢٢١ بعض فصحاء الأعراب ٢٢٣ الوضع والصنعة في الرواية الصدق والكذب، أسباب الوضع، الكسائي يبكي! ٢٢٤ افتعال اللغة كلمات من الغريب، قطرب، ابن دريد، بين نفطويه وابن دريد، غلام ثعلب، نادرة، أبو العلاء صاعد بن الحسن البغدادي، نوادر، حديث الخنفشار.

стр. 286

٢٢٨ وضع الشعر رواة الشعر في اليونان، وضع الشعر في الجاهلية، الأعشى، وضع الشعر وسرقة الشعر، البواعث على وضع الشعر في الإسلام، المباهاة والمكاثرة، الشعر المحمول على حسان بن ثابت، شعر الشواهد، رواية الأبناء على الآباء. ٢٢٩ شعر الشواهد آخر من يستشهد بشعرهم، بين سيبويه وبشار، شواهد القرآن وشواهد النحو، شواهد ابن مالك، شواهد الكوفيين، الشواهد في كتاب سيبويه. ٢٣٢ شواهد أخرى: شواهد يفتعلها المعتزلة ٢٣٣ الرواة الوضاعون للشعر: السمر ولهو الحديث ٢٣٣ الشواهد على الأخبار ٢٣٤ شعر الجن وأخبارها رأي في تعليل دعوى الأعراب عن شعر الجن، أول من أسلم من الجن, أنبياء الجن، في غزوة بدر، رضيع الجن! ٢٣٥ الاتساع في الرواية حماد الراوية، خلف الأحمر، لامية العرب، اعتراف خلف، الكوفيون في رأي علي بن أبي طالب، أصل امتياز الكوفيين في الرواية، عمرو بن العلاء، بعض البواعث على الوضع، قصيدة أبي طالب في النبي، المعلقات وقصيدة أبي طالب، ابن دأب قاص المدينة، متأخرو الرواة. ٢٣٩ ضرب من الوضع نسبة الشعر لغير قائله لاستخلاص الحكم عليه بغير هوى، رواية النثر. ٢٤٠ التعليق على الكتب ٢٤٠ الشوارد ٢٤١ اختلاف الروايات في الشعر أسباب هذا الاختلاف، هوى النفس، الاعتماد على الحفظ، توجيه الحجة، التصحيف، تزيد الرواة، مثال. ٢٤٣ التزيد في الأخبار البواعث عليه، مذهب الشعوبية، تكاذيب الأعراب "الميثولوجيا". القصص على عهد معاوية. ٢٤٦ القصاص

стр. 287

القصاص في جيش بني أمية، أول من قص من التابعين، دروس القصص في المساجد، أخبار الأمم السالفة، عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه، الحسن البصري وأمه، القصاص للعامة، الوعاظ بعد القصاص. ٢٤٩ الرواة: رأي الرواة بعضهم في بعض، كتب الطبقات ٢٥٠ البصرة والكوفة ٢٥٢ عنايتهم بالرواة الرواة في عهد بني أمية، معاوية وعبيد الله بن زياد، احتفالهم بشعر المراثي في الدولة المروانية، في الدولة العباسية، في مجلس الرشيد، بين الأصمعي والمأمون، نادرة! ٢٥٥ علوم الرواة ٢٥٦ النسب رواة النسب، قريش وشعراء الهجاء، عقيل بن أبي طالب. ٢٥٦ الطبقة الثانية من رواة النسب ٢٥٧ الطبقة الثالثة من رواة النسب ٢٥٧ الخبر والأخباريون أخبار العرب وأخبار الفتوح، ابن الكلبي، الطبقة الثالثة من الأخباريين. ٢٥٨ رواة العرب ٢٥٩ الشعر الغرض من رواية الشعر، أنواع ثلاثة، أبيات المعاني، احتفال الرواة بلفظ الشعر دون معناه، العناية بالمعاني في عهد العباسيين، أدباء الكتاب، رأي الجاحظ في رواة عصره. ٢٦٢ العربية واللغة رواة اللغة ومراتبهم وما يتميز به بعضهم عن بعض, قال الأزهري. ٢٦٤ البصريون والكوفيون ٢٦٥ أولية العربية في الكوفة رواة الكوفيين، وعلماؤهم: الكسائي والفراء والمأمون. ٢٦٦ مذاهب الطائفتين ابن الأعرابي وعصبيته، الأصمعي البصري وعصبيته، خاتمة.

стр. 288

المجلد الثاني المقدمات فاتحة ... فاتحة: هذه هي الطبعة الثامنة من إعجاز القرآن لم نزد فيها شيئًا على ما كان في الطبعات السابقة، إلا ما كان من تعليق بعض الحواشي التي كان أعدها المؤلف ﵀ وكتبها بخطه ثم أودعها غلافها إلى أوان فأعجله الموت عما أراد! وإلا ما دعت إليه من تعليقات قليلة في حاشية بعض الصفحات لتحقيق فكرة أو تبيان معنى أو الإشارة إلى مرجع. وإني لأرجو أن أكون بما بذلت من جهد في تصحيح هذا الكتاب وضبط كلمه وتحقيق أصوله قد بلغت ما أردت حين نصبت نفسي لهذا العمل حرصًا على إبلاغ النفع، ووفاء بحق العلم على أهله، واعترافًا بما أدين وتدين العربية كلها للرافعي من أياد لم يجد من يشكرها ويذكره بها! على أنه لا يفوتني أن أسأل القارئ المعذرة مما قد يجد في صفحات هذا الكتاب من أخطاء أعجل الزمن عن تصحيحها، أو اقتحمتها العين في التلاوة، أو خدعتني النفس فيها على سهوة، فإن ذلك مما لا يتهيأ التحرز من مثله في كل الوقت. ولقد كنت على أن أشير في هذه الفاتحة، إلى تاريخ هذا الكتاب، والغرض الذي هدف إليه مؤلفه، وما بلغ به عند الأدباء وقراء العربية، ولكن المقام لا يتسع، فحسبي ما أثبت من ذلك في كتاب "حياة الرافعي" فليرجع إليه من يلتمس الوسيلة إلى شيء من هذا البيان، والله يهدي من يشاء. محمد سعيد العريان

стр. 289

كلمة المغفور له سعد باشا زغلول في هذا الكتاب: مسجد وصيف في ١/ ١١/ ١٩٢٦. حضرة المحترم الفاضل الأستاذ مصطفى صادق الرافعي. تحدى القرآن أهل البيان في عبارات فارغة محرجة، ولهجة واجزة مرغمة، أن يأتوا بمثله أو سورة منه، فما فعلوا، ولو قدروا ما تأخروا، لشدة حرصهم على تكذيبه ومعارضته بكل ما ملكت أيمانهم، واتسع له إمكانهم. هذا العجز الوضيع بعد ذاك التحدي الصارخ، هو أثر تلك القدرة الفائقة، وهذا السكوت الذليل بعد ذلك الاستفزاز الشامخ، هو أثر ذلك الكلام العزيز. ولكن أقوامًا أنكروا هذه البداهة وحاولوا سترها, فجاء كتابكم "إعجاز القرآن" مصدقًا لآياتها، مكذبًا لإنكارهم، وأيد بلاغة القرآن وإعجازها بأدلة مشتقة من أسرارها، في بيان مستمد من روحها، كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم. فلكم على الاجتهاد في وضعه والعناية بطبعه شكر المؤمنين، وأجر العاملين والاحترام الفائق. سعد زغلول

стр. 290

مقدمة الطبقة الثالثة: للمؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله بما أنعم، سبحانه، على الإسلام وأهله. وأما بعد: فهذه هي الطبعة الثالثة من نسخ كتابي هذا، تظهر اليوم وإن فينا مع فريق الطباعة فريق المعصية١، ومع أهل اليقين عصبة الشك، ومع طائفة الحقيقة دعاة الشبهة، ومع جماعة الهداية أفراد الضلالة؛ ويتخذون العلم دربة لإفساد الناس وتحليل عقدهم الوثيقة، وتوهين أخلاقهم الصالحة القوية، ويزعمون للعلم معنى إن يكن بعضه في العلم فأكثره في الجهل، وإن يكن له صواب فله خطأ يغمر صوابه، وإن كان فيه ما يرجع إلى عقول العلماء ففيه كذلك ما يرجع إلى عقولهم هم..... ناهيك بها عقولًا ضعيفة معتلة غلب عليها الكبد، وأفسدها التقليد، ونزع بها لؤم الطبع شر منزع، حتى استهلكها ما أوبقهم من فساد الخلق، وما يستهويهم من غوايات المدينة، فجاءونا في أسماء العلماء ولكن بأفعال أهل الجهل، وكانوا في العلم كالنبات الذي خبث: لا يخرج في الأرض الطيبة، إلا خبيثًا وإن كان زكا ونما وجرى عليه الماء وأنبثت فيه الشمس وانقلب ناضرًا يرف رفيفًا؛ لأن هذه العناصر إنما قوتها وطيبها لإخراج ما فيه كما هو نكدًا أو خبثًا. وإنك لن تجد سيماهم إلا في أخلاقهم فتعرفهم بهذه الأخلاق فستنكرهم جميعًا، ولتعلمن عليهم كل سوء، ولترينهم حشو أجسامهم طينًا وحمأة، في زعم كذب يسمي لك الطيب طيبًا، والحمأة مسكًا، ولتجدن أحدهم وما في السفلة أسفل منه شهوات ونزعات وإنه مع ذلك ليزور لك ويلبس عليك فما فيه من لون عندك يعيبه إلا هو عنده تحت لون يزينه، ولا رذيلة تقبحه إلا هي في معنى فضيلة تجمله، فخذ منه الكذب في فلسفة المنفعة، والتسفل في شعاعة الغريزة، والوقاحة في زعم الحرية، والخطأ في علة الرأي والإلحاد في حجة العلم، وفساد الطبيعة في دعوى الرجوع إلى الطبيعة، وبالجملة خذ أفعالهم فسمها غير أسمائها وانحلها غير صفاتها واكذب بالألفاظ على المعاني وقل علماء ومصلحون وأنت تعني ما شئت إلا حقيقة العلم والإصلاح. أيتها الحصاة، ما يسخر منك الساخر بأكثر من أن يجلوك على الناس في علبة جوهرة. وأنت أيها القارئ فلا يغرنك منهم من يلبس العمامة يتسم بسمة الشرع، ثم ذهب أين يذهب وشعلة الجحيم العلمية تدور في رأسه تهفو من ههنا وهنا. ومن تراه في ثياب المعلم يتلبس بالفشء كما يتلبس الداء بعضو حي: لا يدع أبدًا أن يغمز غمزة ويبتلي بما فيه من ضعفة وبلاء، فلا يصلح إلا على إفساد الحياة، ولا يقوى إلا على إضعاف القوي، ولا يعيش إلا على غذاء من الموت، كأن هذا المعلم -أخزاه الله- كان من قبل دودة في

стр. 291

قبر ... ثم نفخه الله إنسانًا يجعله فيما يبلو به الخلق، ويضرب الحياة به ضربة انحلال وبلى وتعفن. ومن تراه قد سخر به القدر أشد سخرية قط، فضغطه في قالب من قوالب الحياة المصنوعة فإذا هو في تصاريف الدنيا كاتب مرشد متنصح ينفث دخان قلبه الأسود ويعمل كما تعمل الأعاصير على إهداء الوجوه والأعين والأنفاس صحفًا منشرة من غبار الأرض، إن لم تكن مرضًا فأذى، وإن لم تكن أذى فضيق، وإن لم تكن ضيقًا فلن تكون شيئًا مما يساغ أو يقبل أو يحب! يحتجون بالعلم، وهذا العلم لا ينفي شبهة ولا يحل مسألة مما هو فوق العقل، ولا بد أن يكون للعقل "فوق" وإلا كان هو تحت المادة وسطت هي عليه وأصبحت الحياة بلا غاية والإنسانية بلا معنى، وهذا العلم كيف اعتبرته إن هو إلا ترجمة جزء من الوجود إلى الكلام والعمل، فهو لا يوجد شيئًا غير موجود؛ وإنما يكشف عن الوجود ويتسع في العبارة عنه ويحاول جعله كلا بنفسه، وما هو إلا ظاهرة من جزء من كل ما وراء الكل؛ فمن ثم كان من طبيعة البحث العلمي أن يستجر الفاسد الصحيح، ويخلط اليقين بالظن، ويضرب المقطوع به في المشكوك فيه، ومتى استقام هذا فصار عملًا، واتسق فرجع نظامًا، خرج إلى تشبيه الباطل بالحق، وتلبيس الخطأ بالصواب، فيكون من العلم ما هو علم وقت وجهل وقت بعده، وبعد منه ما هو حق في زمن على حين أنه شبهة زمن يتلوه، وهكذا ترى في الزمن العقلي شبيهًا بما يتعاور الزمن الحسي من تقلب الليل والنهار فلا يزال لكل أبيض تليه الأسود، ولكل أسود تليه الأبيض, إذا كان لا بد من طبيعتين إحداهما تجمع والأخرى تفرق، ومن قوتين إحداهما للتمثيل بين المتشابهات والأخرى للتضريب بين المتناقضات. أي: علم هذا الذي يحتجون به وهم يرون الإنسان قد جعله عقله كونًا وحده ثم يرون في الكون الكبير يقينًا ساريًا مطردًا هو الحافظ لنظامه، الضابط لدقائقه، الممسك بمقادير أجزائه؛ فكيف يصلح الكون الصغير الإنساني إلا على يقين مثل هذا ينزل من النفس وطباعها ونظام حياتها هذه المنزلة، من الجماعة، إلى الأمة، إلى المجتمع كله، بحيث يلائم بين المتفرقات ويجانس بين المختلفات! وينقص من الزائد ويزيد في الناقص، ويقوم من الاجتماع مقام الحاكم على تلك الأسباب المجهولة التي تدفع الجماعات في كل لحظة إلى قضايا النزاع في مصالحها العالمية، وتديرها على قانون التجمع والتألف كما تديرها على قانون التفكك والتبعثر في وقت معًا. لقد أثبت تاريخ الإنسانية أن هذا اليقين الساري فيها لن يكون غير الدين، فهو وحده معنى الجاذبية بين المعلوم الذي تبدأ النفس سيرها منه، وبين المجهول الذي تصير النفس إليه طوعًا وكرهًا؛ وما دامت الجاذبية فيه وحده فلن يستطيع شيء غيره أن يقيم حدود الإنسانية أو يحفظ ما يقيمه منها؛ وما غاية العلم إلا أن يكون قوة في هذه الحدود أو قوة لبعضها على بعضها بمنفعة أو مضرة وهي في الجملة ما اصطلحوا على تسميته بالآداب الإنسانية والأخلاق الإنسانية. على أنك ترى أصحابنا ... لا يتحاملون على شيء ما يتحاملون على القرآن الكريم، فهم

стр. 292

يخصونه بمكاره العلم كلها، ويجفون عنه أشد جفاء، وإنهم وإياه في غرورهم وأوهامهم لكالطيارات غرها أن تصعد في الجو فمضت حاشدة في حملة حربية إلى فلك الشمس. ألا إن دون هذه الشمس سنن الكون وقوانين الأقدار ونظام الأبدية، مما تستوي عنده طيارات الأرض ودبابات الأرض ... حتى ما بين هذه وهذه منزلة أو فرق، وإن جعل العلم بينهما فروقًا وفروقًا ومنازل ومنازل. دع جهلهم باللغة وأسرار البيان، فهو السبب الحق الذي ضل بهم وجعلهم يرون القرآن كلامًا من الكلام يجرون عليه الحكم الذي يجري على غيره، كما يظن الجاهل الذي ليس في نظره معان عقلية, كل صورة ككل صورة وكل حصاة ككل جوهرة، ويذهب يقيم لك البرهان على صحة نظره من الخطوط والتقاسيم والألوان والأوصاف ومعان فلسفية اقتصادية.... دع هذا وخذ في السبب العلمي الذي ينقمونه من القرآن فهم يرونه صورة من الثبات والاستقرار، ويعلمون أن العقيدة قد محته من قانون التحول والتغير وجعلته في ذلك قانونًا وحده؛ ثم يقفون عند هذا وحسب فما ندري أمن علم أم جهل لا يصدقون أن في العالم معجزات والمعجزة ماثلة بين أيديهم على مقادير متفاوتة ودرجات مختلفة، تبدأ من إعجاز القوي للضعيف، ثم الأقوى للقوي، ثم الشاذ للأقوى، ثم ما كان إلهيا لما كان إنسانيا. لا يعلمون -أصلحهم الله- أن استقرار القرآن وهو شريعة وأخبار وآداب، هو بعض أدلة إعجازه، بل أقواها، بل دليلها الزمن المنسحب على الزمن، إذا كانوا قومًا يجهلون ولا يحققون، كالذي يحبس عينه على الظل ولا ينظر فيما وراءه مما يفيء عنه الظل تارة قصيرًا وتارة طويلًا وحينًا مجتمعًا وحينًا ممتدا ثابتًا ومرة متحولًا، فإن هذا القرآن أشبه بالأثر المبني بناء "كالهرم الأكبر مثلًا" وقد تركه تاريخ زمن ليعين للأزمنة الأخرى صفة ثابتة لا تحتمل هذا التأويل الذي لا بد أن يعتري في كل عصر من طبائع أهله، وتقلب هذه الطبائع. وتنوع هذا التقلب واختلافه، ولكنه مع ذلك كتاب، أي: كلام ومعان تتسع لكل الأزمنة وتحتمل اختلافها الذي تختلف به، ثم هي تحدد هذا الاختلاف فترده إلى القانون الإنساني الأعلى الذي يسري فيه اليقين العام ليحفظ الإنسانية على أهلها، ومن ثم تراه يجمع في نفسه الثبات الزمني، فلا يتغير ولا يتبدل على ما يمتد الزمن ويتغير، ثم يجمع إلى ذلك لكل جيل قوة التأويل في معانيه الحادثة الصحيحة، وقوة التكوين في آدابه الصالحة القوية كأنه ليس من زمن مضى، ولا كان لأمة سلفت، ولا هو لتاريخ وقع وانقطع، فإذا أنت تدبرت هذا واستدللت عليه بما أظهره هذا الجيل العلمي في القرآن مما وافق الحقائق الطبيعية والكونية والاجتماعية١ فلن يأتي لك من ذلك إلا معنى واحد تستخرجه وتقع به، وهو أن هذا الكتاب الكريم أثر غيبي كان في علم الله قبل

стр. 293

كل الأزمنة، فهو يحويها كلها وكأنه معها كلها، وبذلك يتعين أنه هداية إلهية في أسلوب إنساني يحمل في نفسه دليل إعجازه، ويكون القرآن منفردًا في التاريخ بأنه منذ أنزل لا يبرح في كل عصر يظهر من ناحيتين صادقتين: ناحية الماضي، وناحية الحاضر. فثباته على خلاف قاعدة الثبات الإنسانية، إعجاز ليس في العجب أبدع منه إلا تحول معانيه على غير قاعدة التحول، إنه وجود لغوي ركب كل ما فيه على أن يبقى خالدًا مع الإنسانية؛ فهو يدفع عن هذه اللغة العربية النسيان الذي لا يدفع عن شيء, وهذا وحده إعجاز. ثم هو لن يكون كفاء ذلك ولن يقوم به إلا إذا كان معجزًا أهل اللغة جميعًا، فتذكر به اللغة ولا يذكر هو بها؛ وبذلك يحفظها؛ إذ يكون في إعجازه مشغلة العقل البياني العربي في كل الأزمنة، يأتي الجيل من الناس ويمضي وهو باق بحقائقه ينتظر الجيل الذي يخلفه؛ كما أنه مشغلة الفكر الإنساني إذا أريد درس أسمى نظام للإنسانية في حرامها وحلالها مما تحله مصلحة الاجتماع أو تحرمه. وهنا معنى دقيق بديع فإن الأديان إنما كانت على النبوات، ولم يأت دين من الأديان بمعجزة توضع بين أيدي الناس يبحث فيها أهل كل عصر بوسائل عصرهم غير الإسلام، بما أنزل فيه من القرآن, فكأن النبوة في هذا الكتاب متجددة أبدًا يلتقي بروحها كل من يفهم دقائقه وأسراره، فلا يلبث البليغ الذي يفهم القرآن -ولو لم يكن من أهله المؤمنين به- أن يستيقن في نفسه أنه حارس على اللغة، ثم يغلو في هذا اليقين فإذا هو قد أوحت إليه نفسه أنه ليس حارسًا على اللغة العربية فحسب، ولكنه كذلك من حراس المعجزة. ولو كان الإنسان باقيًا بقاء المادة لجاز أن يتحول، بل لوجب أن يتحول ولكن فناء الناس جميعًا من أول تاريخ الإنسانية برهان حي مستمر الدلالة على أن هذه الإنسانية محدودة بحقائقها محصورة في معانيها، وأن عليها طابعًا إلهيا يؤذن أنها مفروغ منها، وإذا كان ذلك من أمرها وجب أن تكون حدودها بينة صريحة في أعاليها وأسافلها؛ وإذا صح هذا لزم أن يكون لها كتاب منزل من الله، فإذا نحن أصبنا تلك الحدود في القرآن ورأينا أثر القرآن في الآخذين به والمهتدين بهديه، فلا علينا أن نقول بصيغة الجزم: إن القرآن كتاب أنزل لتكون كل نفس سامية نسخة حية من معانيه، وليكون هو النفس المعنوية الكبرى، فهو كتاب ولكنه مع ذلك مجموعة العالم الإنساني*. مصطفى صادق الرافعي

стр. 294

مقدمة الطبعة الثانية: عرض الكتاب *: بقلم المرحوم السيد محمد رشيد رضا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . القرآن كلام الله المعجز للخلق في أسلوبه ونظمه، وفي علومه وحكمه وفي تأثير هدايته، وفي كشفه الحجب عن الغيوب الماضية والمستقبلة، وفي كل باب من هذه الأبواب للإعجاز فصول وفي كل فصل منها فروع ترجع إلى أصول، وقد تحدى محمد رسول الله النبي العربي الأمي العرب بإعجازه؛ على شدة حرص بلغائهم على إبطال دعوته، واجتثاث نبتته، ونقل جميع المسلمين هذا التحدي إلى جميع الأمم فظهر عجزها أيضًا. وقد نقل بعض أهل التصانيف عن بعض الموصوفين بالبلاغة في القول أنهم تصدوا لمعارضة القرآن في بلاغته ومحاكاته في فصاحته دون هدايته، ولكنهم على ضعف رواية الناقلين عنهم لم يأتوا بشيء تقر به أعين الملاحدة والزنادقة فيحفظوه عنهم, ويحتجوا به لإلحادهم وزندقتهم. ثم ابتدع بعض الأذكاء في القرن الماضي دينًا جديدًا وصنعوا له كتابًا١ توخوا وتكلفوا فيه تقليد القرآن في فواصله وادعوا محاكاته في إعجازه بهدايته، ومساهمته بإنبائه عن الأمور الغائبة المستقبلة، فكان من خزيهم وخذلان الله لهم أن اضطروا إلى كتمان هذا الكتاب المختلق والإفك الملفق، ليكلا يفتضحوا بظهوره، وهم ما زالوا يجمعون ما كانوا طبعوه من نسخه قبل أن يظهر فيهم الداهية الواقف على مخازي تزويره، وهم يحرقون ما جمعوه منها، ولعلهم ينقحونه ثم يبرزونه لجيل لم يطلعه عليها. وقد نبتت في مصر نابتة من الزنادقة الملحدين في آيات الله، الصادين عن دين الله، قد سلكوا في الدعوة إلى الكفر والإلحاد شعابا جددًا، وللتشكيك في الدين طرائق قددًا، منها الطعن في اللغة العربية وآدابها، والتماري في بلاغتها وفصاحتها، وجحود ما روي عن بلغاء الجاهلية من منظوم ومنثور، وقذف رواتها بخلق الإفك وشهادة الزور، ودعوة الناطقين باللسان العربي المبين، إلى هجر أساليب الأولين، واتباع أساليب المعاصرين.

стр. 295

ومنهم الذين يدعون إلى استبدال اللغة العامية المصرية بلغة القرآن الخاصية المضرية، والغرض من هذا وذاك صد المسلمين عن هداية الإسلام وعن الإيمان بإعجاز القرآن، فإن من أوتي حظا من بيان هذه اللغة، وفاز بسهم رابح من آدابها حتى استحكمت له ملكة الذوق فيها، لا يملك أن يدفع عن نفسه عقيدة إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته، وبأسلوبه في نظم عبارته، وقد صرح بهذا من أدباء النصرانية المتأخرين الأستاذ جبر ضومط مدرس علوم البلاغة بالجامعة الأمريكانية في كتاب "الخواطر الحسان"١. وقد رأيت شيخنا الأستاذ الإمام مرة يقرأ في كتاب إفرنسي اللغة، لحكيم من حكمائها، فكان مما قرأ علي منه بالترجمة العربية، رد المؤلف على من قال من دعاة النصرانية إن محمد ﷺ لم يأت بمثل آيات موسى وعيسى المسيح "﵉" قال: إن محمدًا كان يقرأ القرآن مولهًا مدلهًا٢، صادعًا ومتصدعًا، فيفعل في جذب القلوب إلى الإيمان به فوق ما كانت تفعل جميع آيات الأنبياء من قبل٣ ا. هـ. لقد حار العلماء في كشف حجب البيان عن وجوه إعجاز القرآن، وبعد أن ثبتت عندهم بالوجدان والبرهان، حتى قال بعضهم إن الله تعالى قد صرف عنه قدر القادرين على المعارضة بخلق العجز في أنفسهم وألسنتهم، وذلك أن إدراك كنه العجز والإحاطة بأسبابه وأسراره ضرب من ضروب القدرة والمقام مقام عجز مطلق، فالقرآن في البيان والهداية كالروح في الجسد والأثير في المادة, والكهرباء في الكون: تعرف هذه الأشياء بمظاهرها وآثارها، ويعجز العارفون عن بيان كنهها وحقيقتها، وفي وصف ما عرف منها أو عنها لذة عقلية لا يستغنى عنها. كذلك ما عرف من أسباب عجز العلماء والبلغاء على الإتيان بسورة مثل سور القرآن في الهداية والأسلوب أو حسن البيان، فيه لذات عقلية وروحية وطمأنينة ذوقية وجدانية، تتضاءل دونها شبهات الملحدين وتنهزم من طريقها تشكيكات الزنادقة والمرتابين. فالكلام في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعًا، وهو من فروض الكفاية وقد تكلم فيه المفسرون والمتكلمون. وبلغاء الأدباء المتأنقون، ووضع الإمام عبد القاهر الجرجاني مؤسس علم البلاغة كتابيه

стр. 296

"أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" لإثبات ذلك بطريقة فنية، وقواعد علمية، وصنف بعض العلماء كتبًا خاصة فيه اشتهر منها كتاب "إعجاز القرآن" للقاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار والمتكلمين في عصره؛ لأنه طبع مرتين أو أكثر، فإن كان ذلك قد وفى بحاجة الأزمنة التي صنعت فيها تلك الكتب فهو لا يفي بحاجة هذا الزمان، إذ هي داعية إلى قول أجمع وبيان أوسع، وبرهان أنصع في أسلوب أجذب للقلب، وأخلب للب, وأصغى للأسماع، وأدنى إلى الإقناع. استوى إلى هذا وانتدب له الأديب الأروع، والشاعر الناثر المبدع، صاحب الذوق الرقيق، والفهم الدقيق، الغواص على جواهر المعاني الضارب على أوتار مثالثها والمثاني، صديقنا الأستاذ "مصطفى صادق الرافعي" فصنف في إعجاز القرآن سفرًا لا كالأسفار، أتى فيه -وهو الأخير زمانه- بما لم تأت به الأوائل، فكان مصدقًا للمثل السائر "كم ترك الأول للآخر", ناهيك بمنثور لآلئه في نظم القرآن العجيب، وأسلوبه المباين لجميع الأساليب, فلا هو مرسل طلق العنان كالنوق المراسيل، يتعاصى على ترسل التجويد ونغمات الترتيل، ولا هو مسجوع كسجع الكهان، ولا شعر تلتزم فيه القوافي والأوزان. ومن آياته القصار ذات الكلمة المفردة والكلمتين والكلمات، والوسطى المؤلفة من جمل مثنى وثلاث ورباع، الطولى منها لا تتجاوز سطورها جمع القلة، وأطولها آية الدين، فقد تجاوزت مائة كلمة، وكل نوع يؤدى بالترتيل اللائق به، المعين على تدبره. وإني على شهادتي للرافعي بأنه جاء في هذا المقام بما تجلت به مباين الإعجاز ومواضحه وأضاءت لوائح الحق فيه وملامحه، وددت لو مد هذا البحث مد الأديم، بل أمد بحيرات نيله بجداول الغيث العميم، فعم فيضانه الفروق بين نظم الآيات في طولها وقصرها، وقوافيها وفواصلها، ومناسبة كل منها لمواضيع الكلام، واختلاف تأثيره في القلوب والأحلام١. كلفني المصنف -أيد الله به اللغة والدين- أن أكتب ثلاث صفحات أو أربعًا أعرض بها كتابه هذا على القارئين، وأنى لي بإيجاز الكتاب المنزل، ولا سيما قصار سور المفصل، فأعد في هذه الصفحات عناوين أبوابه وفصوله، دع ما فيها من غرر مباحثه وحجوله، إذ لست أملك من الاستجابة له فوق ما تقدم إلا أن أنصح لقراء العربية عامة والمسلمين خاصة ولطلاب العلم منهم على الأخص: بأن يقرءوا هذا الكتاب، بغية الاستعانة على النبوغ في بلاغة لغتهم، والتفقه في كتاب الله تعالى، وتعرف الشيء الكثير من أسرار إعجازه، مما لا يجدونه في غيره. قال شيخنا الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى: "إن لكلام الله تعالى أسلوبًا خاصا يعرفه أهله ومن امتزج القرآن بلحمه ودمه، وأما الذين لا يعرفون منه إلا مفردات الألفاظ وصور الجمل فأولئك عنه مبعدون". وقال أيضًا: "فهم كتاب الله تعالى يأتي بمعرفة ذوق اللغة، وذلك بممارسة الكلام البليغ منها".

стр. 297

وقال في وصف من امتزج القرآن بدمه ولحمه حاكيًا عن نفسه: "إني عندما أسمع القرآن أو أتلوه أحسب أني في زمن الوحي، وأن الرسول ﷺ ينطق به كما أنزل عليه -أو نزل به عليه- جبريل ﵇" وبهذا امتاز الأستاذ الإمام -رحمه الله تعالى- على الأقران إن كان له أقران١. إن الله تعالى قد أوجد بالقرآن أعظم انقلاب في البشر، بتأثيره في أنفس العرب، إذ جعلهم بعد أميتهم أساتيذ الأمم وسادة العجم، وما فقد المسلمون هدايته إلا لجهلهم بأسرار لغته، لذلك يهاجمه أعداؤه الملاحدة والمستعمرون من طريق لغته، فليعلم المسلمون هذا، وليحرصوا على حفظ دينهم يحفظ لغتهم وممارسة آدابها وأسرار بلاغتها ولتكن غاية هذا كله فهم القرآن، كما كان يفهمه سلفنا الصالح "والله يقول الحق وهو يهدي السبيل". القاهرة - ربيع الأول سنة ١٣٤٦ محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار

стр. 298

مقدمة الطبعة الأولى ... مقدمة الطبقة الأولى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ . الحمد لله بما حمد به نفسه في كتابه، والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه، أما بعد فإنا قد أفردنا هذا الجزء بالكلام في إعجاز القرآن الكريم وفي البلاغة النبوية، وقصرنا من ذلك على ما كان مرجع أمره إلى اللغة في وضعها ونسقها والغاية منها، إلى ما يتصل بجهة من هذه الجهات، أو يكون مبدأ فيها أو سببًا عنها، أو واسطة إليها، وهذا هو في الحقيقة وجه الإعجاز الغريب الذي استبد بالروح اللغوية في أولئك العرب الفصحاء, فاشتملت به أنفسهم على خلق من العزيمة الحذاء١ دائبًا لا يسكن كأنه روح زلزلة. فلم تزل من بعده ترجف بهم الأرض حيث انتقلوا. ولا يخفين عليك أن ذلك في مرده كأنه باب من فلسفة اللغة، فهو لاحق بما قدمناه من أمرها٢ يستوفي ما تركناه ثمة، ويبلغ القول في محاسنها وأسرارها، فيكون بعض ذلك تمامًا على بعضه، إذ اللغة هناك مفردات واللغة ههنا تراكيب، وليس رجل ذو علم بالكلام العربي وصنعته ينازع أو يرتاب في أن القرآن معجزة هذه في بلاغة نظمه واتساق أوضاعه وأسراره، فمن ثم كانت مادة الاتصال في نسق التأليف بين هذا الجزء والذي قبله. على أن القوم من علمائنا ﵏ قد أكثروا من الكلام في إعجاز القرآن وجاءوا بقبائل من الرأي٣ لونوا فيها مذاهبهم ألوانًا مختلفات وغير مختلفات بيد أنهم يمرون في ذلك عرضًا على غير طريق٤ ويشتقون في الكلام ههنا وههنا من كل ما تتمرس به الألسنة٥ في اللدد والخصومة، وما يأخذ بعضه على بعض من مذاهبهم ونحلهم٦، وليس وراء ذلك كله إلا ما تحصره هذه المقاييس من "صناعة الحق"٧ وإلا أشكال من هذه التراكيب الكلامية، ثم فتنة متماحلة٨ لا تقف عند غاية في اللجاج والعسر. وقد كان هذا كله من أمرهم وعلمهم، وكان له زمن وموضع، وكانت تبعثهم عليه طبيعة ورغبة، والمرء بروح زمانه أشبه، وبحالة موضعه أشد مناسبة ولا بد من طبقة في الموافقة بين الأشياء

стр. 299

وأسبابها، فإن تكن هذه الحوادث هي تاريخ الناس، فإن الناس أنفسهم تاريخ الحوادث. ولا نطيل عليك باستقصاء القول في آرائهم وكتبهم في الإعجاز، فإن شيئًا من ذلك تفصيل يقع في موضعه مما تستقبل من هذا الكتاب؛ ولكنا ننبهك إلى ما قسمناه لك من الرأي في هذا الموضع، وما تكلفناه من الخطة في هذا التأليف، فإنا لم نسقط عنك كل المؤنة، ولم نعطك إلى حد الكفاية التي تورث الاستغناء، بل نهجنا لك سبيلًا إلى الفكر تتقدم أنت فيه، وأعناك على جهة في النظر تبلغ ما وراءها، وتركنا لك متنفسًا من الأمر تعرف أنت فيه نفسك، وجمعنا لك بالحرص والكد ما إن تدبرته وأحسنت في اعتباره وأجريته على حقه من التثبت والتعرف، كان لك منبهة إلى سائره، ومادة فيما يجيش إليك من الخواطر التي لن تبرح ينمي بعضها بعضًا. ولسنا نزعم -حفظك الله- أن كتابنا هذا على ضعفه وقلة الحشد فيه١ قد أحاط بوجوه الإعجاز من كتاب الله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنا لم ندع من ذلك لغيرنا ما يرفعه أو يضعه وما ينقصه أو يتمه، فإن من ادعى ذلك زعم باطلًا، وأكبر القول فيما زعم وبلغ بنفسه لعمري مبلغًا من السرف لا قصد معه في التهمة له وسوء الظن به، ودعا إليه من النكير ما لا قبل له برده أو بسط العذر فيه، وكان خليقًا أن يكون قد جاء ببهتان يفتريه بين يديه، وأن يكون ممن لا يتحاشون الكذب الصرف، ولا يضنون بكرامتهم على الألسنة. فإن مكاره هذا البحث مما لا يسعه طوق إنسان وإن أسرف على نفسه من القهر، ولا يصلب عليه قلم كاتب وإن كان هذا القلم في يد الدهر، ولا بد للباحث في أوله من فلتات الضجر، وإن اعتد، وفي أثنائه من سقطات العزم وإن اشتد، وفي آخره من العجز والانقطاع دون الحد. على أنا مع ذلك استفرغنا الهم، والتمسنا كل ملتمس، وبرئنا إلى النفس من تبعة التقصير فيما يبلغ إليه الذرع أو تناله الحيلة، فنهضنا لذلك الأمر نهضًا وسبكنا فيه سبكًا محضًا، فإن قصرنا فضعف ساقه العجز إلينا، وإن قاربنا فذلك من فضل الله علينا. وبعد فإنا نقول: إنه لا بد لمن ينظر في كتابنا من إطالة الفكر والتأمل. فإن ذلك يحدث له روية، وتنشئ له الروية أسبابًا إلى الخواطر، وتفتح عليه الخواطر أبوابًا من النظر، ويهديه النظر إلى الاستنباط والاستخراج، فإن وقع دون هذه الغاية فحظه من القراء حيث يقع، وإن بلغها فهناك مداخل الحجج ومخارجها، وتصاريف الأدلة ومدارجها، ثم الإفضاء إلى مذاهب الحكمة على ما اشتهى، ثم الانتهاء حيث ترى كل حكيم ا. هـ.

стр. 300

الباب الثالث: القرآن الكريم القرآن: آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه "أعراف" الضمائر فابتز "أنفالها"١. وكم صدوا عن سبيله صدا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟ واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب٢ وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب, فما كان إلا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور يتبسط على غطائه. وهو القرآن كما ظنوا -مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر- كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمرًا هينًا؛ لأنه أنزل في الأرض على بشر. كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضًا ذات دواب نورانية؛ لأن هلالها كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها٣ ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلا ما قال الله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ . ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب. ومعان بينا هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان.... وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أوراقها من معاني العبرة معنى العبير، وتهب عليها بأنفس الرحمة فتنم بسر هذا العالم الصغير.... ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تتساقط الدموع من الأجفان، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح عليها اللسان، وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان, إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قواعده والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء وقد أخذت على الأرض ذنبها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة تتبعها الرادفة: وإنما هي

стр. 301

عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض "مائدة". توهموا السحر ما توهموه، فلما أنزل الله كتابه قالوا: هذا هو السحر المبين، وكانوا يأخذون في ذلك بباطل الظن فأخذوا هذا بحق اليقين ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون؟ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف بين القلب وإرادته, ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما يمد لها بسبب إلى السماء، وإنه لسحر، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها، ونور عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماء يتلألأ كالنور فكأنما عصر من النجوم١، وبلى إنه لشعر ولكن زنة مبانيه في معانيه، وزينة معانيه في مبانيه، فكل معنى ولا جرم من بحر، وكل لفظ كلؤلؤة في النحر، وإنه لشعر، إذ هو آيات لا يجانس كلامها البديع غير كمالها، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرف غير خيالها، ومرآة في يد الله تقابل كل روح بمثالها. يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه٢، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلا كلامًا تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح يريدون أن يطفئوا نور الله وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه! وهيهات هيهات دون ذلك درج الشمس وهي أم الحياة في كفن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن. لا جرم أن القرآن سر السماء فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول, ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فصل: وبعد، فإنا سنقول في القرآن الكريم مما يتعلق بلغته ويتصل ببلاغته ويكشف عن أوجه الإعجاز في ذلك، لا ننفذ في غير سبب لما نحن بسبيله، ولا نذهب في الكلام عن نتيجة من نتائج, ولا يكون من شأننا أن نتزيد بما ينزل من غرضنا منزلة القافية، أو نتكثر مما وراءه بمثبتة أو نافية، فإن هذا القرآن ما يزال يهدي للتي هي أقوم، وإن النول فيه ما برح كثير المذاهب متعدد الجهات متصل الحدود يفضي بعضها إلى بعض، إذ هو كتاب السماء إلى الأرض مستقرا ومستودعًا، وقد جاء بالإعجاز

стр. 302

الأبدي الذي يشهد على الدهر ويشهد الدهر عليه، فما من جهة من الكلام وفنونه إلا وأنت واجد إليها متوجهًا فيه، وما من عصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي خلاء "من الجنة والناس"١. ولقد أراد الله أن لا تضعف قوة هذا الكتاب، وأن لا يكون في أمره على تقادم الزمن خضع أو تطامن٢، فجاءت هذه القوة فيه بأسبابها المختلفة على مقدار ما أراد، وهي قوة الخلود الأرضي التي خرج بها القرآن مخرج الشذوذ الطبيعي، فلا سبيل عليه ليد الزمن وحوادثه مما تبليه أو تستجده، إنما هو روح من أمر الله تعالى هو نزله وهو يحفظه، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ . بيد أنه لا بد لنا من صدر نبتدئ به القول في تاريخه وجمعه وتدوينه وقراءته حتى تكون هذه سببًا إلى الكلام في لغته وبلاغته، ثم إعجازه في اللغة والبلاغة؛ لأن بعض ذلك يريد بعضه، ونحن نستعين الله ونستمده ونستكفيه، فإن في يده مفتاح هذا الباب المغلق وما زال الناس قديمًا يأخذون في ناحيته ويختلفون إليه ويعتزمون في ذلك. وقليل منهم من وصل, وقليل من هؤلاء من اتصل، فاللهم عونك وتيسيرك.

стр. 303

تاريخ القرآن: جمعه وتدوينه أنزل هذا القرآن منجما في بضع وعشرين سنة، فربما نزلت الآية المفردة، وربما نزلت آيات عدة إلى عشر، كما صح عن أهل الحديث فيما انتهى إليهم من طرق الرواية، وذلك بحسب الحاجة التي تكون سببًا في النزول، وليثبت به فؤاد النبي ﷺ ، فإن آياته كالزلازل الروحية، ثم ليكون ذلك أشد على العرب وأبلغ الحجة عليهم وأظهر لوجه إعجازه وأدعى لأن يجري أمره في مناقلاتهم ويثبت في ألسنتهم ويتسلسل به القول. ولولا نزوله متفرقًا: آية واحدة إلى آيات قليلة، ما أفحمهم الدليل في تحديهم بأقصر سورة منه. إذ لو أنزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك وجه من العذر يلبس الحق بالباطل، وينفس عليهم أمر الإعجاز, ويهون في أنفسهم من الجملة بعض ما لا يهون من التفصيل؛ لأنهم قوم لا يقرءون ولا يتدارسون، ولكن الآية أو الآيات القصيرة تنزل في زمن يعرفون مقداره بما ينزل في عقبها ثم هم يعجزون عن مثلها في مثل هذا الزمن بعينه، وفيما يربو عليه ويضعف، وعلى انفساح المدة وتراخي الأيام بعد ذلك إلى نفس من الدهر طويل؛ أمر هو يشبه في مذهب الإعجاز أن يكون دليل التاريخ عليه وأنه ليس في طبعهم ألبتة لا قوة ولا حيلة، فإن العجز عن صنع المادة لا يثبت في التاريخ إلا إذا ثبتت مدة صنعها على وجه التعيين بأي قرينة من القرائن التاريخية. وبخاصة إذا اعتبرت أن أكثر ما أنزل في ابتداء الوحي واستمر بعد ذلك من لدن كان رسول الله ﷺ يأتي حراء١ فيتحنث فيه الليالي، إلى أن هاجر من مكة, إنما هو من قصار السور، على نسق يترقى إلى الطول في بعض جهاته. وذلك ولا ريب مما تتهيأ فيه المعارضة بادئ الرأي إذا كانت ممكنة؛ لأنه مفصل آيات، ثم لقرب غايته ممن ينشط إلى معارضته والأخذ في طريقته، دون ما يكون ممتد النسق بعيد الغاية، فتصدف النفس عن جملته الطويلة، ويخلف نشاطها فيه؛ لأن للقوة النفسية حدا إذا حملت على ما وراءه كان من طبعها أن تنتهي إلى ما دونه، وهذا أمر يعرفه من يرى شاعرًا يعد أبيات القصيدة الرائعة قبل أن يقرأها، أو كاتبًا ينظر في أعقاب الرسالة الجيدة ولما يأخذ في أوائلها. وهلم مما يجري هذا المجرى. وقد كان ابتداء الوحي في سنة ٦١١ للميلاد بمكة، ثم هاجر منها النبي ﷺ في سنة ٦٢٢ إلى المدينة، فنزل القرآن مكيا ومدنيا. وقد اختلفت الروايات في آخر آية نزلت وتاريخ نزولها، وفي بعضها

стр. 304

أن ذلك كان قبل موته ﵇ بأحد وثمانين يومًا، في سنة إحدى عشرة للهجرة، وأي ذي كان فإن مدة نزول القرآن توفي على العشرين سنة. وإنما هي الحكمة التي أومأنا إليها في مذهب إعجازه، وحكمة أخرى معها، وهي استدراج العرب وتصريف أنفسهم بأوامره ونواهيه على حسب النوازل وكفاء الحادثات، ليكون تحولهم أشبه بالسنة الطبيعية كما ينمو الحي من باطنه، وسيقع تفصيل هذا المعنى فيما يأتي: وكان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، أو بأمر من النبي ﷺ فيخطونه على ما اتفق لهم يومئذ من العسب والكرانيف واللخاف١ والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع من الشاة والإبل، وكل ما أصابوا من مثلها مما يصلح لغرضهم، يكتب كل منهم ما تيسر له أو يسرته أحواله. ولكن ما ليس فيه ريب أن منهم قومًا جمعوا القرآن كله لذلك العهد، وقد اختلفوا في تعيينهم، بيد أنهم أجمعوا على نفر، منهم: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وهؤلاء كانوا مادة هذا الأمر من بعد، فإن المصاحف حتى اختصت بالثقة كانت ثلاثة: مصحف ابن مسعود، ومصحف أبي، ومصحف زيد، وكلهم قرأ القرآن وعرضه على النبي ﷺ ، فأما ابن مسعود فقرأ بمكة وعرض هناك، وأما أبي فإنه قرأ بعد الهجرة وعرض في ذلك الوقت، وأما زويد فقرأه بعدها وكان عرضه متأخرًا عن الجميع، وهو آخر العرض إذ كان في سنة وفاته ﷺ وبقراءته كان يقرأ ﵊ وكان يصلي إلى أن لحق بربه، ولذلك اختار المسلمون ما كان آخر كما ستعرفه. أما علي بن أبي طالب فقد ذكروا أن له مصحفًا جمعه لما رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي ﷺ . وفي "الفهرست" لابن النديم أنه رأى عند أبي يعلى حمزة الحسيني مصحفًا بخط علي يتوارثه بنو حسن، ونحن نحسب ذلك خبرًا شيعيا؛ لأنه غير شائع. وقبض رسول الله ﷺ والقرآن في الصدور، وفيما كتبوه عليه، ثم نهض أبو بكر بأمر الإسلام، وكانت في مدته حروب أهل الردة، ومنها غزوة أهل اليمامة، والمحاربون أكثرهم من الصحابة ومن القراء، فقتل في هذه الغزوة وحدها سبعون قارئًا من الصحابة "ويقال سبعمائة"، وكان قد قتل منهم مثل هذا العدد ببئر معونة٢ في عهد النبي ﷺ ، فهال ذلك عمر بن الخطاب، فدخل على أبي بكر رحمهما الله فقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن وينسى ولو جمعته وكتبته! فنفر منها أبو بكر، وقال: أفعل ما لم يفعل رسول الله ﷺ ؟ فتراجعا في ذلك، ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت. قال زيد: فدخلت عليه وعمر مسربل؛ فقال لي أبو بكر: إن هذا قد دعاني إلى

стр. 305

أمر فأبيت عليه؛ وأنت كاتب الوحي، فإن تكن معه اتبعتكما، وإن توافقني لا أفعل، فاقتص أبو بكر قول عمر وعمر ساكت، فنفرت من ذلك، وقلت: يفعل ما يفعل رسول الله ﷺ ؟ إلى أن قال عمر كلمة: وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شيء والله، ما علينا في ذلك شيء. وقال زيد: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب. وهذا الذي فعله أبو بكر كأنما استحيا به طائفة من القراء الذين استحر بهم القتل بعد ذلك في المواطن التي شهدوها، ولم يعد به ما وصفنا، ولذا بقي ما اكتتبه زيد نسخة واحدة، وهو قد تتبع ما فيها من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال، إنما ائتمنه أبو بكر لأنه حافظ؛ ولأنه من كتبة الوحي، ثم لأنه صاحب العرضة الأخيرة؛ وربما كان قد أعانه بغيره في الجمع والتتبع؛ فإن في بعض الروايات أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر، أما الكتابة فهي لزيد بالإجماع. وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر ينتظر بها وقتها أن يحين، حتى إذا توفي سنة ١٣هـ صارت بعده إلى عمر، فكانت عنده حتى مات، ثم كانت عند حفصة ابنته صدرًا من ولاية عثمان، ويومئذ اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار، فأخذ أهل كل مصر عن رجل من بقية القراء. فأهل دمشق وحمص أخذوا عن المقداد بن الأسود، وأهل الكوفة عن ابن مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري -وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب- وقرأ كثير من أهل الشام بقراءة أبي بن كعب، وكانت وجوه القراءة التي يؤدى بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، كما سيمر بك، فكان الذي يسمع هذا الاختلاف من أهل تلك الأمصار -إذا احتوتهم المجامع أو التقوا في المواطن على جهاد أعدائهم- يعجب من ذلك أن تكون هذه الوجوه كلها على اختلاف ما بينها في كلام واحد، فإذا علم أن جميع القراءات مسندة إلى رسول الله ﷺ وأنه أجازها، لا يمنع أن يحيك في صدره بعض الشك وأن ينطوي منها على شيء, وإذا هو كان قد نشأ بعد زمن الدعوة وبعد أن اجتمع العرب على كلمة واحدة، فلا يلبث أن يجري ذلك الاختلاف مجرى مثله من سائر الكلام، فيرى بعضه خيرًا من بعضه، ويظن منه الصريخ والمدخول والعالي والنازل، والأفصح والفصيح، وأشباه ذلك، ويعتد ما يراه في القرآن من القرآن، وهذا أمر إن هو استفاض فيهم ثم مردوا عليه خرجوا منه ولا ريب إلى المناقضة والملاحاة وإلى أن يرد بعضهم إلى بعض هذا يقول: قراءتي وما أخذت به وذلك يقول: بل قراءتي وما أنا عليه! وليس من وراء هذا اللجاج إلا التكفير والتأثيم، ولا جرم أنها الفتنة لا تفنأ بعد ذلك من دم. ولقد نجمت هذه الناشئة يومئذ، فلما كانت غزوة إرمينية، وغزوة أذربيجان، كان فيمن غزاهما مع أهل العراق حذيفة بن اليمان، فرأى كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة، أنهم لا يجرون من ذلك على أصل في الفطرة اللغوية كما كان العرب يقرءون بلحونهم، ورأى ما يبدر على ألسنتهم حين يأتي كل فريق منهم بما لم يسمع من غيره، إذ يتمارون فيه حتى يكفر بعضهم بعضًا، ولم ير عندهم نكيرًا لذلك ولا إكبارًا له، بل كانوا قد ألفوه بين أنفسهم، وصار من عاداتهم وأمرهم، ففزع إلى عثمان فأخبره بالذي رأى، وكان عثمان قد رفع إليه أن شيئًا من ذلك يكون بين المسلمين الذي يقرئون الصبية

стр. 306

ويأخذونهم بحفظ القرآن فينشئون وبهم من الخلاف بعضهم على بعض، فأعظم ﵀ أمر هذه الفتنة، وأكبره الصحابة جميعًا؛ لأن الاختلاف في كتاب الله مَدْرجة إلى مخالفة ما فيه، ومتى أهملوا بعض معانيه لم يكن بد أن يتصرفوا ببعض ألفاظه، وإنما هو اجتراء واحد فيوشك أن يكون ذلك مساغ للتحريف والتدبيل، فأجمعوا أمرهم أن ينتسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، وأن يأخذوا الناس بها ويجمعوهم عليها، حذار تلك الردة المشتبهة، وإشفاقًا على الناس إن يصيروا كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فأرسل عثمان إلى حفصة فبعثت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأمرهم بأن ينسخوها في المصاحف ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه بلسانهم١. قال زيد -في بعض الروايات عنه: فلما فرغت عرضته عرضة فلم أجد فيه هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ٢ قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدها عند خزيمة -يعني ابن ثابت- فكتبتها ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر السورة٣, فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضًا فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث آيات لجعلها سورة على حدة، ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئًا، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض

стр. 307

المصحف عليها فلم يختلف في شيء، فردها إليها وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمه فأعطاهم إياهم فغسلت غسلًا. قلنا: وكلام زيد نص قاطع في أنه كان يحفظ القرآن كله، لم يذهب عنه شيء منه، إذ كان يعرض ما في الصحف على ما ربط في صدره وثبت في حفظه، ثم هو نص كذلك على أن زيدًا كان لا يكتفي بنفسه بل يذهب يستعرض الناس حتى يجد من يؤدي إليه، كيلا ينفرد هو بالحفظ خشية أن يكون موضع ظِنّه وإن كان الصحابة ﵃ قد أجمعوا على الثقة به، فلم يثبت ما أثبته إلا بشاهدين: أحدهما من حفظ غيره, والآخر من حفظه. ثم بعث في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف، وكانت سبعة -في قول مشهور- فأرسل منها إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا، وهو مصحفه الذي يسمى الإمام١ ثم أمر بما عدا ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق، ولم يجعل في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد. وكان جمع عثمان في سنة ٢٥ للهجرة. وإنما أراد عثمان بذلك حسم مادة الاختلاف؛ لأنه أمر يمد مع الزمن وتنشعب الأيام به, وهو إن أمن في عصره لم يدر ما يكون بعد عصره، وقد أدرك أن العرب لا يستمرون عربًا على الاختلاف والفتوح، وأن الألسنة تنتقل، واللغات تختلف. ثم هو رأى ما وقع في الشعر وروايته، وأن الاختلاف كان بابًا إلى الزيادة والابتداع، فلم يفعل شيئًا أكثر من أنه حَصّن القرآن وأحكم الأسوار حوله، ومنع الزمن أن يتطرق إليه بشيء، وجعله بذلك فوق الزمن. ولم تكن المصاحف التي كتبت قبل مصحف عثمان على هذا الترتيب المعروف في السور إلى اليوم. فإنما هو ترتيب عثمان٢, أما فيما وراء ذلك فقد رووا أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، فكان القرآن مرتب الآيات، غير أنه لم يكن مجموعًا بين دفتين، فلا يؤمن أن يضطرب نسق مجموعه في أيدي الناس باضطراب القطع التي كتب فيها تقديمًا وتأخيرًا, ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية٣ فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه، وكتابته، ويتبع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر، فلما جمعه أبو بكر برأي عمر كتبوه على ما وقفهم عليه رسول الله ﷺ ، ثم كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف منتسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبي بن كعب، وكلاهما قد سرده ابن النديم في كتابه "الفهرست"، وقال ابن فارس: إن السور

стр. 308

في مصحف علي كانت مرتبة على النزول، فكان أوله سورة اقرأ باسم ربك، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، ولا حاجة بنا أن نتسع في استقصاء هذا الخلاف. أما ترتيب مصحف عثمان فهو نسق زيد بن ثابت, وهو صاحب العرضة الأخيرة ولعله كان ترتيب مصحف أبي بكر أيضًا، لما مر في الرواية عن زيد من أنه قابل بين الاثنين معارضة، والله أعلم١. ولم يكن بعد انتشار المصاحف العثمانية وانتساخها على هيئتها إلا أن استوثقت الأمة على ذلك بالطاعة وأحرق كل امرئ ما كان عنده مما يخالفها ترتيبًا أو قراءة، وأطبق المسلمون على ذلك النسق وذلك الحرف، ثم أقبلوا يجدون في إخراجها وانتساخها. ولقد روى المسعودي أنه رفع من عسكر معاوية في واقعة صفين نحو من خمسمائة مصحف، وهي الخدعة المشهورة التي أشار بها عمرو بن العاص في تلك الواقعة، ولم يكن بين جمع عثمان إلى يوم صفين إلا سبع سنوات٢. وهنا أمر لا مذهب لنا دون التنبيه عليه، وذلك أن جمع القرآن كان استقصاء لما كتب، واستيعابا لما في الصدور، فكانوا لا يقلبون إلا بشهادة قد امتحنوها، أو حلف قد وثقوا من صاحبه، وإلا بعد العرض على من جمعوا وعرضوا على رسول الله ﷺ ، فإن الصحابة كانوا لا يحسنون التهجي، وقد يكتبون ما يقرءون على وجه من وجوه الكتابة، أو يكتبون بحرف من القراءات، كالذي رواه ابن فارس بسنده عن هانئ قال: كتبت عند عثمان ﵁ وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها "لم يتسن" و"فأمهل الكافرين"، و"لا تبديل للخلق" قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين، وكتب "خلق الله" ومحا "فأمهل" وكتب "فمهل" وكتب "يتسنه" ألحق فيها

стр. 309

هاء والقراءة على هذا الرسم. فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل، واستخراج الأساليب الجدلية من كل حكم وكل قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء، حملًا على ما وصفوا من كيفية جمعه، وهو باطل من الظن، لما علمته من أنباء حفظته الذين جمعوه وعرضوه، ثم لما رأيت من تثبتهم في ذلك حتى جمعت لهم الصحة من أطرافها، ثم لإجماع الجم الغفير من الصحابة على أن ما بين دفتي المصحف هو الذي تلقوه عن رسول الله ﷺ لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا اقتطع مه الباطل شيئًا. ونحن فما رأينا الروايات تختلف في شيء من الأشياء فضل اختلاف، وتتسنم في الرد والتأويل كل طريق وعر؛ كما رأينا من أمرها فيما عدا نصوص ألفاظ القرآن، فإن هذه الألفاظ متواترة إجماعًا لا يتدارأ فيها الرواة، من علا منهم ومن نزل، وإنما كان ذلك لأن القرآن أصل هذا الدين وما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن؛ وتألب الأحداث وحين رجع بعض الناس من النفاق إلى أشد من الأعرابية الأولى، وراغ أكثرهم عن موقع اليقين من نفسه، فاجترءوا على حدود الله وضربتهم الفتن والشبهات مقبلًا بمدبر ومدبرًا بمقبل, فصار كل نزع إلى الاختلاف، يريد أن يجد من القرآن ما يختلف معه أو يختلف به، وهيهات ذلك إلا أن يتدسس في الرواية بمكروه يكون معه التأويل والأباطيل، وإلا أن يفتح الكلمة السيئة ويبالغ في الحمل على ذمته والعنف بها في أشياء لا ترد إلى الله ولا إلى الرسول، ولا يعرفها الذين يستنبطون من الحق، بل لا يعرفون لها في الحق وجهًا. ونحسب أن أكثر ذلك مما افترته الملحدة وتزيدت به الفئة الغالية، وهم فرق كثيرة يختلفون فيه بغيًا بينهم١، وكلهم يرجع إلى القرآن بزعمه ويرى فيه حجته على مذهبه وبينته على دعواه؛ ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم في الحق والباطل، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميزون أو ممن تعارضهم الغفلة في التمييز، وذلك سواء كله ظلمات بعضها فوق بعض، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ . وقد وردت روايات قليلة في أشياء زعموا أنها كانت قرآنًا ورفع, على أن رسول الله ﷺ كان يقرر الأحكام عن ربه إذا لم ينزل بها قرآن؛ لأن السنة كانت تأتي مأتاه، ولذلك قال ﵊: "أوتيت الكتاب ومثله معه" يعني السنن.

стр. 310

وعلى هذا الحديث يخرج في رأينا كل ما رووه مما حسبوه كان قرآنًا فرفع وبطلت تلاوته على قلة ذلك إن صح؛ لأنه يكون وحيًا، وليس كل وحي بقرآن، على أن ما ورد من ذلك ورد معه اضطرابهم فيه وضعف وزنه في الرواية، وأكبر ظنا أنها روايات متأخرة من محدثات الأمور، وأن في هذه المحدثات لما هو أشد منها وأجدى بشؤمه, ولو كان من تلك شيء في العهد الأول لرويت معها أقوال أخرى للأئمة الأثبات الذين كان إليهم المفزع من أصحاب رسول الله ﷺ وهم كانوا يومئذ متوافرين، وكلهم مقر لذلك قوي عليه؛ وكانوا يعلمون أن المراء في القرآن كفر وردة، وإن إنكار بعضه كإنكاره جملة، وإن أجمعوا على ما في مصحف عثمان وأعطوه بذل ألسنتهم في الشهادة، أي: قوتها، وما استطاعت من تصديق. ونحن من جهتنا نمنع كل المنع، ولا نعبأ أن يقال إنه ذهب من القرآن شيء، وإن تأولوا لذلك وتمحلوا، وإن أسندوا الرواية إلى جبريل وميكائيل ونعتد ذلك السوأة الصلعاء التي لا يرحضها من جاء بها ولا يغسلها عن رأسه بعد قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أفترى باطلهم جاءه من فوقه إذن؟ ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نص في أن ذلك القول الصحيح ألبتة، فإن الصحابة غير معصومين، وقد جاءت روايات صحيحة بها أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من القرآن على عهد رسول الله ﷺ وذلك العهد هو ما هو، ثم بما وَهِل عنه بعضهم١ مما تحدثوا من أحاديثه الشريفة، فأخطئوا في فهم ما سمعوا، ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب العرب٢ أن بعضهم كان يرد على بعض فيما يشبه لهم أن الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا. وثبت أن عمر ﵁ شك في حديث فاطمة بنت قيس، بل شك في حديث عمار بن ياسر في التيمم لخوف الوهم، مع أن عمارًا ممن لا يتهم بتعمد الكذب، ولا بالكذب وهلة، لصحبته وسابقته مع رسول الله ﷺ ولذلك أذن له عمر في رواية هذا الحديث مع شكه هو في صحته. على أن تلك الروايات القليلة٣ إن صحت أسانديها أو لم تصح فهي على ضعفها وقلتها مما لا حفل به؛ ما دام إلى جانبها إجماع الأمة وتظاهر الروايات الصحيحة وتواتر النقل والأداء على التوثيق. وبعد فما تلك الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله ﷺ والفتن التي تعاقبت والأحداث التي استفاضت، والانشقاق الذي ارفضت به عصا الإسلام, بأقل شأنًا ولا أضعف خطرًا من هذا كله ومثله معه من ضروب الأقاويل؛ حتى لا يقتحم مجترئ ولا يستهدف مفتر ولا يبالغ مبطل ولا ينحرف متأول، وحتى لا يروى من أشباه ذلك دقيق أو جليل؛ وإنما قياس الباطل بالعلم الحق، وقياس الظن باليقين الثقة، وأنت تعلم أن كل ما رووه لم يأت من قِبل الإجماع، وليس له من هذه الحجة مادة ولا

стр. 311

قوة، ولو أن الأمر كان إلى الرأي والنظر لقلنا: لعله ولعلنا، ولكنها الرواية وملاكها، والأدلة واشتراكها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ .

стр. 312

القراءة وطرق الأداء: وهذا الفصل مما نتأدى به إلى الكلام في لغة القرآن، فهو سبيلنا إليها في نسق التأليف، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان باللفظ ويبنيان على وجوه اللغة التي قام بها. وليس من همنا فيما نأتي به إلا نقضي حق التاريخ اللغوي، منصرفين ما وسعنا الانصراف عن الجهة الفنية التي هي جانب من علمي القراءات والتجويد، فإن الكلام في هذه الجهة يتسع، وهو غير ما نحن فيه، وما زالت الجهة الفنية من كل علم هي فرع من أصله في التاريخ. نزل القرآن على رسول الله ﷺ بأفصح ما تسمو إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما تقوم به، مما هو السبب في جزالتها ودقة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليف صوتي يكاد يكون موسيقيا محضًا، في التركيب، والتناسب بين أجراس الحروف والملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصوت الذي يؤديه، كما بيناه في بابه من الجزء الأول١ فكان مما لا بد منه بالضرورة أن يكون القرآن أملك بهذه الصفات كلها، وأن يكون ذلك التأليف أظهر الوجوه التي نزل عليها، ثم أن تتعدد فيه مناحي هذا التأليف تعددًا يكافئ الفروع اللسانية التي سبقت بها فطرة اللغة في العرب، حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه، توقيعًا يطلق من نفسه الأصوات الموسيقية التي يشيع بها الطرب في هذه النفس، بما يسمونه في لغة العرب بيانًا وفصاحة, وهو في لغة الحقيقة الموسيقى اللغوية. وإذا تم هذا النظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به، ومع اليأس من معارضته، على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب، فقد تم له التمام كله، وصار إعجازه إعجازا للفطرة اللغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها ومتى كان العجز فطريا فقد ثبت بطبيعته، وإن لج فيه الناس جميعًا؛ لأنه شيء في تلك الفطرة يفهم منه صريحًا ثم لا تنكر هي موضعه منها وموقعه، وإن كابرت فيه الألفاظ وبالغت الأهواء في جحده والانتفاء منه مراء ومغالبة. والطبيعة قد توجد في مفردات لغتها مترادفات، بحيث يكون الشيئان لمعنى واحد, ولكن لا توجد فيها الأضداد بحال من الأحوال، فلا يكون الشيء الطبيعي محتملًا بصورته الواحدة لأن يكون إقرارًا وإنكارًا معًا، ومن ثم لا يستقيم للعرب أن يعارضوا القرآن، إذ كان مأتى العجز من فطرتهم اللغوية، ولا يتوهم ذلك وإن انتشرت لهم في الخلاف كل قالة٢. ذلك فيما ترى هو السبب الأول الذي من أجله اختلفت بعض ألفاظ القرآن في قراءتها وأدائها

стр. 313

اختلافًا صح جميعه عن رسول الله ﷺ وصحت قراءته؛ وهو كان أعلم العرب بوجوه لغتها، كما سيأتي في موضعه؛ إذ لا وجه عندنا للاختلاف الصحيح إلا هذا، فإن القرآن لو نزل على لفظ واحد ما كان بضائره شيئًا وهو ما هو إحكامًا وإبداعًا، فهذه واحدة. وحكمة أخرى، وهي تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين لم يكن حفظ الشرائع مما عرفوه فضلًا عن أن يكون مما ألفوه. وثالثة تلحق بمعاني الإعجاز، وهي أن تكون الألفاظ في اختلاف بعض صورها مما يتهيأ معه استنباط حكم أو تحقيق معنى من معاني الشريعة، ولذا كانت القراءات من حجة الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد، وهذا المعنى مما انفرد به القرآن الكريم, ثم هو مما لا يستطيعه لغوي أو بياني في تصوير خيال فضلًا عن تقرير شريعة. ومن أعجب ما رأيناه في إعجاز القرآن وإحكام نظمه، أنك تحسب ألفاظه هي التي تنقاد لمعانيه, ثم تتعرف ذلك وتتغلغل فيه فتنتهي إلى أن معانيه منقادة لألفاظه، ثم تحسب العكس وتتعرفه متثبتًا فتصير منه إلى عكس ما حسبت وما إن تزال مترددًا على منازعة الجهتين كلتيهما، حتى ترده إلى الله الذي خلق في العرب فطرة اللغة، ثم أخرج من هذه اللغة ما أعجز تلك الفطرة؛ لأن ذلك التوالي بين الألفاظ ومعانيها, وبين المعاني وألفاظها، مما لا يعرف مثله إلا في الصفات الروحية العالية، إذ تتجاذب روحان قد ألفت بينهما حمة الله فركبتهما تركيبًا مزجيا بحيث لا يجري حكم في هذا التجاذب على إحداهما حتى يشملها جميعًا. ووجوه الاختلاف الطبيعي -كاختلاف القراءات في العرب- مما لا تفهم له تلك الطباع المختلفة به وجهًا؛ لأن كل عربي قد ثبت على لحنه في النطق أو القراءة١ فيحسب ذلك الختلاف مما لا يحتمله الشيء الثابت؛ ولهذا جاءت بعض روايات عن الصحابة ﵃ تصف نبضًا من الشك ربما كانت تضرب به قلوبهم، حين يسمعون الاختلاف بين قراءة وقراءة حتى يصرف الله عنهم ذلك ويربط على قلوبهم كما روي عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ كذلك، فكدت أساوره في الصلاة فصبرت حتى سلم، فلما سلم لببته بردائه٢ فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان. فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال: "هكذا نزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ ، فقال: "هكذا نزلت"، ثم قال: "إن هذا القرآن نزل على سبعة

стр. 314

أحرف فاقرءوا ما تيسر منها". فتأمل قوله: "ما تيسر" تصب منها شرحًا طويلًا، وسنقول في هذه السبعة بعد. ورووا أن عبد الله بن مسعود لما خرج من الكوفة اجتمع إليه أصحابه فودعهم ثم قال: لا تنازعوا في القرآن، فإنه لا يختلف ولا يتلاشى ولا ينفد لكثرة الرد, وإنه شريعة الإسلام وحدوده وفرائضه فيه واحدة، ولو كان شيء من الحرفين١ ينهى عن شيء يأمر به الآخر كان ذلك الاختلاف, ولكنه جامع ذلك كله، لا تختلف فيه الحدود ولا الفرائض ولا شيء من شرائع الإسلام، ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله ﷺ فيأمرنا نقرأ عليه فيخبرنا أن كلنا محسن؛ ولو أعلم أحدًا أعلم بما أنزل الله على رسوله مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي، ولقد قرأت من لسان رسول الله ﷺ سبعين سورة، وقد كنت علمت أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين٢، فكان إذا فرغ أقرأ عليه فيخبرني أني محسن. فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه، فإن من جحد بآية جحد به كله. هذا حين كان الاختلاف مما تقتضيه الفطرة اللغوية ومذاهبها، فلما انتفضت هذه الفطرة، واختبلت الألسنة بعد اتساع الفتوح، وانسياح العرب في الأقطار، ومخالطتهم الأعاجم لم يعد لذلك الاختلاف وجه يتصل بحكمة من الرأي، بل صار كأنه دربة لإفساد هذا الأمر واختلاف المادة نفسها على وجه ينكر من حقيقتها بما يضيف إليها أو يخلط بها أو يغير منها، وإلى هذا نظر رسول الله ﷺ حين عرض عليه القرآن العرضة الأخيرة، وما كان يعلم أنها الأخيرة لولا ما علمه الله، فاختار قراءة زيد بن ثابت صاحب هذه العرضة، وبها كان يقرأ وكان يصلي إلى أن انتقل إلى جوار ربه. ومن ثم اختارها المسلمون بعده وكتبوا القرآن عليها زمن أبي بكر كما مر، ثم تركوا للناس أسانيدهم، إذ كانت الفطرة سليمة بعد. فلما كانت الطيرة والاختلاف لعهد عثمان، وأشفقوا من الضلال في معاسف الرأي ومعانيه، حملوا الناس عليها حملًا وكتبوا بها المصاحف كما تقدم٣.

стр. 315

القراء: يرجع عهد القراء الذين أقاموا الناس على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة ﵃، فقد اشتهر بالإقراء منهم سبعة: عثمان، وعلي، وأبي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري؛ وعنهم أخذ كثير من الصحابة والتابعين في الأمصار، وكلهم يسند إلى رسول الله ﷺ . فلما كانت أواخر عهد التابعين في المائة الولى تجرد قوم واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية، لما رأوا من المساس إلى ذلك بعد اضطراب السلائق، وجعلوها علمًا، كما فعلوا يومئذ بالحديث والتفسير، فكانوا فيها الأئمة الذين يرحل إليهم ويؤخذ عنهم؛ ثم اشتهر منهم ومن الطبقة التي تلتهم أولئك الأئمة السبعة الذين تنسب إليهم القراءات إلى اليوم، وهم: أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة المتوفى سنة ١٥٤هـ، وعبد الله بن كثير المتوفى سنة ١٢٠هـ، ونافع بن نعيم المتوفى سنة ١٦٩هـ، وعبد الله بن عامر اليحصبي المتوفى سنة ١١٨هـ، وعاصم بن بهدلة الأسدي المتوفى سنة ١٢٨هـ، وحمزة بن حبيب الزيات العجلي المتوفى سنة ١٥٦هـ، وعلي بن حمزة الكسائي إمام النحاة الكوفيين المتوفى سنة ١٨٩هـ. وقراءات هؤلاء السبع هي المتفق عليها إجماعًا، ولكل منهم سند في روايته، وطريقة الرواية عنه؛ وكل ذلك محفوظ مثبت في كتب هذا العلم١. ثم اختاروا من أئمة القراءة غير من ذكرناهم ثلاثة صحت قراءتهم وتواترت وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني المتوفى سنة ١٣٢هـ، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١٨٥هـ، وخلف بن هشام بن طالب "ولم نقف على تاريخ وفاته". وهؤلاء وأولئك هم أصحاب القراءات العشر، وما عداها فشاذ، كقراءة اليزيدي، والحسن، وأعمش، وغيرهم٢. ولا يذهبن عنك أن هذا الاختيار إنما هو للعلماء المتأخرين في المائة الثالثة، وإلا فقد كان الأئمة الموثوق بعلمهم كثيرين، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة، على قراءة أبي عمرو ويعقوب؛ وبالكوفة، على قراءة حمزة وعاصم؛ وبالشام، على قراءة ابن عامر؛ وبمكة، على قراءة

стр. 316

ابن كثير؛ وبالمدينة، على قراءة نافع، وكان هؤلاء هم السبعة؛ فلما كان على رأس المائة الثالثة، أثبت أبو بكر بن مجاهد١ اسم الكسائي وحذف منهم اسم يعقوب. قال بعضهم: والسبب في الاقتصار على السبعة مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدرًا، أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة؛ هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرًا جدا، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروى إلى ما اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر٢ في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه، فأفردا من كل مصر إمامًا واحدًا. ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب، وأبي جعفر، وشيبة، وغيرهم. قال: وقد صنف ابن جبر المكي مثل ابن مجاهد كتابًا في القراءات فاقتصر على خمسة، إلى هذه الأمصار، ويقال إنه وجه بسبعة: هذه الخمسة ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره "مراعاة عدد المصاحف" استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد. ا. هـ٣. وأول من تتبع وجوه القراءات وألقها وتقصى الأنواع الشاذة فيها وبحث عن أسانيدها من صحيح ومصنوع، هارون بن موسى القارئ النحوي المتوفى سنة ١٧٠هـ، وكان رأسًا في القراءة والنحو، ولكن أول من صنف فيها إنما هو أبو عبيد القاسم بن سلام الراوية المتوفى سنة ٢٢٤هـ، وكان أول من استقصاها في كتاب. ويقال إنه أحصى منها خمسًا وعشرين قراءة مع السبع المشهورة.

стр. 317

وجوه القراءة: ومنذ بدأت القراءة تتميز بأنها علم يتدارس ويتلقى، بدأت فيها الصناعة العلمية؛ فحصرت وجوهها وعينت مذاهبها؛ ومن شأن كل علم أن يكون ضبط الصحيح فيه حدا لغير الصحيح، وقد تكون الأمثلة التي تنزع من العلم للتمثيل بها على صحيحه مما يقتضي التمثيل بضدها على فاسده، فتقلب القاعدة أو الكلمة على وجوهها المتباينة مما اطرد أو شذ؛ وبهذا يدل على المذاهب الضعيفة ويطرق إلى معرفتها، فعسى أن يكون فيمن يقفون عليها من تنقطع به المعرفة عندها، أو يقف به الهوى على حدها، أو يعجبه منها إن كان له أن يكون صاحب غريب، وأمره عند العامة والجمهور ما عرفت في باب الرواية١ وأن يتدافعه الناس من راد معه وراد عليه، أن يكون هو ضعيف البصير بهذا الأمر قليل التمييز فيه، أو يكون خبيث الدخلة مستجم الباطل، أو من أصحاب العلل والمراء أو شيء مما يجري هذا المجرى، فلا يلبث أن يأخذ بها دون الصحيح. ويتقلد أمرها على وهنه واضطرابه، فيعتسر الكلام فيها٢، ويبالغ في النضح عنها والدفع لما عداها، ويتكلف لتصحيح هذا الفساد كما يتكلف لإفساد الصحيح وتوهينه؛ ومن ثم ينشأ من العلم علم آخر لم يكن قبل إلا حاجة من التمثيل به لغيره؛ فاتسع حتى صار في حاجة إلى التمثيل له بغيره. كذلك نشأت القراءات الغريبة في رأينا، فإن هذا الشاذ، وهذا الضعيف وهذا المنكر مما لا تحسبه كان معروفًا متلقى بالإسناد الذي لا مغمز فيه وإن لم يقرأ به أصحابه إلا على أنه معروف موثق الأسانيد. ولا بد أن تكون قد شذت وجوه كثيرة من القراءات قبل مصحف عثمان، وخاصة فيمن يقرأ على عرب الأمصار من الأوشاب المستضعفين الذين لم تخلص فطرتهم ولم تتوقح طباعهم، وكل أولئك قد كان لهم في أحيائهم من يقرئهم القرآن، فإذا كان قد وقع أمر من ذلك لأصحاب القراءات ومن يتتبعون وجوهها فأخذ به؛ لأنه عن متقدم يسنده أو يزعمه صحيحًا عمن يسنده فذلك أيضًا قول ومذهب. والعلماء على أن القراءات متواترة وآحاد وشاذة, وجعلوا المتواتر السبع والآحاد الثلاث المتممة لعشرها ثم ما يكون من قراءات الصحابة ﵃ مما لا يوافق ذلك٣, وما بقي فهو شاذ. والقياس عندهم موافقه القراءة للعربية بوجه من الوجوه، سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله؛ لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها؛ والمصير إليها بالإسناد لا

стр. 318

بالرأي، ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا١، وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة: موافقة العربية، ورسم المصحف، وصحة السند؛ فتلك هي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة؛ ولتجيء بعد ذلك عن كائن من كان. أما اشتراط موافقة العربية على أي وجوهها، فذلك إطلاق يناسب ما قدمناه من أمر الفطرة، ومن أجله كان صحيحًا أن لا يعول أئمة القراءة في أمر الجواز على ما هو أفشى في اللغة وأقيس في العربية، دون ما هو أثبت في الأثر وأصح في النقل؛ لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة وقوة المنطق فإن قرءوا فلكل قبيل نهجه. وأما موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية، فذلك لما صح عندهم من أن الصحابة ﵃ اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة فكتبوا "الصراط" مثلًا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل، لتكون قراءة السين "السراط" إن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على الأصل اللغوي المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام٢ محتملة لذلك٣. وأما اشتراط صحة الإسناد فهو أمر ظاهر ما دامت القراءة سنة متبعة، وكثيرًا ما ينكر بعض أهل العربية قراءة من القراءات؛ لخروجها عن القياس، أو لضعفها في اللغة؛ ولا يحفل أئمة القراءة بإنكارهم شيئا؛ كقراءة من قرأ "فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ" بسكون الهمزة، ونحوها مما أحصوه في كتبهم. وأول من اشتهر من القراء بالشواذ؛ وعني بجمع ذلك واستقصائه وإظهاره دون الصحيح؛ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي في أواخر المائة الثانية، فقد جمع قراءة نسبها إلى الإمام أبي حنيفة ﵀، ومنها "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقد أكذبوه في إسناده وجعلوه مثلًا بينهم في القراءات الموضوعة المردودة. ثم اجترأ الناس على القرآن بما فشا من مقالات أهل الزيغ والإلحاد بعد المائة الثانية، ولكن

стр. 319

ذلك لم يتناول قراءته، بل تناول مسائل من أمر الاعتقاد فيه؛ ثم ظهر ابن شنبوذ المتوفى سنة ٢٢٨هـ، وكان رجلًا كثير اللحن قليل العلم، فيه سلامة وحمق وغفلة؛ فكان من أشهر القراء بالشواذ, ثم أخذ في سبيله أبو بكر العطار النحوي المتوفى سنة ٣٥٤هـ، وكان من أعرف الناس بالقراءات، وإنما أفسد عليه أمره أنه من أئمة نحاة الكوفيين، فخالف الإجماع وصنع في ذلك صنعًا كوفيا.... فاستخرج لقراءته وجوهًا من اللغة والمعنى، ومن ذلك قراءته في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ١ فإن هذا الأحمق قرأها "نُجُبا" فأزالها بذلك عن أحسن وجوه البيان العربي، ولم يبال ما صنع إذا هو قد انفرد بها على عادة الكوفيين في الرواية..... كما مر في باب الرواية في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب٢. أما بعد هؤلاء الرءوس, وبعد أن انطوت أيامهم، فإن القراءة قد استوثق أمرها ولم يعد للشاذ وجه ولا أقيم له وزن؛ إذ كانت قد دونت العلوم في اللغة العربية وفي القراءات, وأخمل الناس أهل الشواذ، والخلفاء، والأمراء فمن دونهم، واعتدوا لهم السوء والإثم، ورأوا أمرهم الفتنة التي لا يستقال فيها البلاء؛ فما زالوا بهم حتى قطع الله دابرهم وغابرهم. هذا، وقد أورد ابن النديم في كتابه "الفهرست" أسماء كثير من أهل الشواذ في كثير من الأمصار، فارجع إليه إن شئت تستقصي فيما لا يفيد.

стр. 320

قراءة التحلين ... قراءة التلحين: ومما ابتدع في القراءة والأداء، هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتنافله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرءون به على ما يشبه الإقناع وهو الغناء التقي.... ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم "الترعيد" وهو أن يرعد القارئ صوته، قالوا كأنه يرعد من البرد أو الألم.... "والترقيص" وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنه في عدو أو هرولة؛ "والتطريب" وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمد في غير مواضع المد ويزيد في المد إن أصاب موضعه، "والتحزين" وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ثم "الترديد" وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه. وإنما كنت القراءة تحقيقًا، أو حدرًا، أو تدويرًا١ فلما كانت المائة الثانية كان أول من قرأ بالتلحين والتطنين عبيد الله بن بكرة، وكانت قراءته حزنًا ليست على شيء من ألحان الغناء والحداء، فورث ذلك عنه حفيده عبد الله بن عمر بن عبيد الله، فهو الذي يقال له قراءة ابن عمر، وأخذها عنه الإباضي، ثم أخذ سعيد بن العلاف وأخوه عن الإباضي، وصار سعيد رأس هذه القراءة في زمنه وعرفت به؛ لأنه اتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان يحظيه ويعطيه حتى عرف بين الناس بقارئ أمير المؤمنين٢. وكان القراء بعده: كالهيثم، وأبان، وابن أعين، وغيرهم ممن يقرءون في المجالس أو المساجد، يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء، والرهبانية، فمنهم من كان يدس الشيء من ذلك دسا خفيا، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه، فمن هذا قراءة الهيثم ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فإنه كان يختلس المد اختلاسًا فيقرؤها "لمسكين"، وإنما سلخه من صوت الغناء كهينة اللحن في قول الشاعر٣: أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتًا يوافق عندي بعض "مفيها" أي: ما فيها، وكان ابن أعين يدخل الشيء من ذلك ويخفيه، حتى كان الترمذي محمد بن سعيد في المائة الثالثة، وكان الخلفاء والأمراء يومئذ قد أولعوا بالغناء وافتنوا فيه، فقرأ محمد هذا على الأغاني المولدة المحدثة، سلخها في القراءة بأعيانها.
следующие страницы →